← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الأسئلة

стр. 107

تنزيل حكم الجهاد السؤال ما حكم الجهاد في الوقت الحاضر أثابك الله؟ الجواب الجهاد في القرآن واجب على طلبة العلم ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان:٥٢] جهاد الدعوة، وجهاد النفس على طاعة الله واجب -أيضاً- في كل زمان ومكان وعلى كل إنسان، وأما جهاد الأعداء، وقتال الكفار فهو نوعان: الأول: جهاد الطلب. والثاني: جهاد الدفع. فأما جهاد الدفع فهو إذا نزل الكفار في بلدان المسلمين، وجب على أهلها أن يردوه، هم ومن حولهم حتى تتسع الدائرة إلى من هو أبعد منهم ممن لديه القدرة عليه. وأما جهاد الدعوة فهو أفضل الجهاد كما جاهد النبي ﷺ ، وهو أن ندعو وأن نقيم دين الله في أنفسنا، ونقيمه في مجتمعنا، ثم نخرج ونغزو الأمم ونفتح البلاد لتدين بدين الإسلام وتخضع له وتنقاد لأحكامه. بعد أن نكون قد حققنا الإيمان والتوحيد، ودعونا إلى الله وانتصرنا على أنفسنا ثم ننتصر بإذن الله على أعدائنا، فهذان جهادان يجب علينا الآن في كل بلد من بلاد المسلمين أن نسعى إلى جهاد الدعوة، ونبدأ بالدعوة إلى الله وننتهي بقتال الكفار وفتح بلادهم. هذا كله يسمى جهاد الدعوة، وهذا الذي كان عليه النبي ﷺ . أما جهاد الدفع فأكثر بلاد المسلمين محتلة التي لم يدخلها الروس، يحكمها الباطنيون والبعثيون والإشتراكيون والديمقراطيون، كلها مذاهب كفرية أين تذهب ومن الذي يذهب؟ وما الذي لا تدع؟ الواجب أن يحيي اليوم جهاد الدعوة ابتداءً من الدعوة المجردة وانتهاءً بقتال الكفار، لتكون كلمة الله هي العليا ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣] ولا نستطيع أن نقول أكثر من هذا في هذا المقام والحمد لله رب العالمين، ونسأل الله لنا ولكم العلم النافع والعمل الصالح، وصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 108

الفرق الإسلامية السؤال ما رأيك أن يجتمع المسلمون يداً واحدة بمختلف عقائدهم من صوفي وأشعري وغير ذلك يداً واحدة ضد الأعداء ثم بعد ذلك نصلح أنفسنا؟ ثانياً: هل نعتبر أصحاب الفرق والملل كفاراً أم مسلمين، وأقصد الذين يؤولون الصفات وفي هذا انتقاص لحق الله سبحانه؟ الجواب بالنسبة للفقرة الأولى فلا تحتاج إلى كثرة شرح، فهذه نضرب لكم فيها مثالاً واحداً لو أن عدواً لنا هناك على رأس الجبل، فقال أحدنا: اعطونا العميان والعرجان والمكسرين والعجائز وكل واحد نحارب به العدو وبعد ذلك نداوي أنفسنا، هل يعقل هذا الكلام؟ نقول: لا يقاوم العدو حقيقةً ولا يحاربه إلا القادر النشيط القوي، فوالله ما لم نعالج أنفسنا فلن نستطيع أن نحارب عدونا وقد جربنا في كل بلد يُحارب فيه أهل الشرك والضلال والبدع والموبقات، الصحابة الكرام أفضل جيل، وأطهر جيل على هذه الأرض عصوا الله معصية نعتبرها اليوم عادية. قال لهم النبي ﷺ يوم أحد ﴿هذا الجبل لا تبرحوه انتصرنا أم انهزمنا﴾ فكانت الدائرة على الكفار وانهزموا وذهبوا وجاء المسلمون يقتسمون الغنائم، وأولئك على الجبل، فقال قائدهم: [[لا تبرحوا فإن نبيكم نهاكم عن ذلك]] فعصوه ونزلوا إلا عشرة نفر، فلما نزلوا التف المشركون من وراء الجبل وكانت الهزيمة، وقتل من صناديد المسلمين سبعون، والنبي ﷺ وقع له ما كاد أن يودي بحياته ﷺ ، هزيمة بسبب ماذا؟ بسبب معصية واحدة حصلت من أفضل وأطهر جيل. هذه المعصية منعت النصر من عند الله . فكيف إذا كان فينا المبتدعة وفينا المؤول والمعطل وفينا الشيعي والمخرف والكاهن والدجال وكل شيء؟! ونقول: نواجه العدو أول شيء وبعد ذلك نصلح أنفسنا؟! أولاً: نصلح أنفسنا وقبل أن نجاهد الأعداء نجاهد أنفسنا بطاعة الله، أو مع ذلك فهذا أمر لا بد منه ويكفينا ذلك. وأما هل يعتبرون كفاراً؟ الذين يؤولون لا يعتبرون كفاراً في الجملة -أي: ليس أهل التأويل أهل كفر- وإنما نسميهم أهل بدعة وضلال وانحراف، لكن في آحادهم قد يوجد فيهم منافقون في الباطن، فيوجد من الصوفية ومن الأشعرية ومن المؤولة منافقون في الباطن، لكن الذي ظاهره فقط أنه يؤول الصفات أو يبتدع بدعاً غير مكفرة هذا لا نكفره في الجملة ولا نكفر فرقة في الجملة، بل هم من أهل الوعيد، إن شاء الله غفر لهم، وإن شاء عذبهم فإن كان لهم من الجهاد والحسنات والإيمان باليوم الآخر ما يوازي أو يزيد عن هذا الذنب غفر الله لهم، وإن كان غير ذلك فهم مؤاخذون كأهل الذنوب والمعاصي، أما أهل البدع المكفرة كما يقول: كـ غلاة الصوفية وغلاة الشيعة والجهمية الذين ينكرون جميع الصفات وأشباههم. فهؤلاء كفار خارجين من الملة، فهناك فرق خارجة من الملة، وهناك فرق غير خارجة من الملة، ولكنهم من أهل الوعيد، والفرقة الناجية هم الذين على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، جعلنا الله وإياكم منهم إنه سميع مجيب.

стр. 109

حكم الإسبال في الثياب السؤال هل يستطيل الإنسان بالثياب؟ الجواب لا يستطيل الإنسان بالثياب، إذا كنا لا نقوم من طاعة الله إلا بالقليل الذي لا يكلف شيئاً، مثلاً: إذا قلت لبعض الناس ذلك؟ يقول: نحن الحمد لله فينا أشياء بسيطة، مادامت بسيطة تجنبها، فلا يعقل أن شخصاً يحمل حجراً كبيراً، وتقول له: احمل هذا، يقول: هذا بسيط اتركه. يا أخي! لو حملت الصغير قبل أن تحمل هذا الكبير، لكن هذا دليل أن التزامنا ضعيف. إذاً إعفاء اللحية شيء بسيط، فالحمد لله الذي جعله بسيطاً لا يكلفك شيئاً، بل يوفر عليك في دنياك وفي آخرتك، وأيضاً تقصير الثوب بسيط، ولا ينظر الله إلى المسبل إزاره، ولا عقوبة أعظم من هذه، وبعض العلماء يرى أن صلاته لا تصح ولا تقبل وإذا قبلت فهو عاصٍ آثم، فالإثم ملاحق له. إذا رأيت إنساناً مسبلاً ثيابه، عرفت أنه من أهل الكبر، وإذا رأيت إنساناً رافعاً إزاره أو ثوبه على الكعب عرفت أن هذا عليه سمات من الخير. ما أمرنا رسول الله ﷺ بشيء إلا والخير كل الخير فيه، ولا نهانا عن شيء إلا والشر كل الشر فيه، عرفنا ذلك أو جهلناه. فيجب علينا أن نتقي الله في أوامره وفي هديه وفي سنته ﷺ ، ومن أوجب ما يجب علينا في هذه الحالة أننا لا نستهزئ بمن يطبق السنة، يكفي أنني مُقصِّر، وأني مذنب، فإذا زدت على الذنب ذنباً أعظم وهو الاستهزاء بشعائر الدين التي كفر الله بها المنافقين ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] هذا ذنب أعظم وهو الاستهزاء بالمتمسكين بالسنة أو الثياب، أو بتعليم القرآن، أو بحضور الجمعة والجماعات، أو بحضور حلقات الذكر. الاستهزاء بهم أعظم جرماً وذنباً من أن تترك هذه الفروض أو السنن وهو مما أخرج الله به المنافقين من الإيمان نسأل الله العفو العافية.

стр. 110

حكم الغناء السؤال ما حكم الغناء مع ذكر الدليل لتحريمه، وما هي الطريقة لاجتنابه بعد الانغماس فيه؟ الجواب الغناء كلمة عامة نفصل فيها -إن شاء الله- بإيجاز: الغناء يطلق على شيئين يجب أن نفرق بينهما. الأول: إنسان مع غنمه في الجبل أو متكئ في بيته، وأعجبته قصيدة ما فغنىَّ بها هذا يسمى غناء. الثاني: مع موسيقى ورقص نساء أو رجال وفرقة يسمونها فرقة ترقص؛ هذه يسمونها أيضاً غناء. ويأتي بعض العلماء أو بعض الناس، ويقول: العلماء اختلفوا في الغناء منهم من يقول: حلال، ومنهم من يقول: حرام. الحقيقة أنهم لم يختلفوا لو تبينا ذلك، ولكن تكلم كل منهم في شيء، بعض العلماء من علماء المدينة في الصدر الأول قالوا: 'إن أهل المدينة يبيحون الغناء'. كيف أهل المدينة يبيحون الغناء؟ الغناء ذاك الذي ليس فيه أي شيء، يحدث نافع عن عبد الله بن عمر 'لما كان ماشياً وجد راعياً معه قصبة يزمر فيها، فوضع ابن عمر إصبعه في أذنيه -سدها- يقول نافع: وأنا يومئذ صغير، فسألته فقال: إن النبي ﷺ سمع الراعي فوضع يديه هكذا'. فالغناء الذي فيه موسيقى وفيه آلات، وفيه معازف حرام، كما بين النبي ﷺ بقوله: ﴿سيأتي على الناس زمان يستحلون فيه الحر والحرير والخمر والمعازف﴾، فهذا الغناء حرام، الزنا والحرير والخمر والمعازف والقمار هذه محرمات قطعية، ونافع يقول: ' وأنا يومئذ صغير ' يقول: أنا ما وضعت إصبعي في أذني لأني صغير لأنني لا أدري ولا أعرف الحكم، يعتذر أنه لم يسد أذنه عن سماع القصبة، قصبة الراعي. فبالله لو رأوا الفرقة الموسيقية ورأوا الأفلام في الفيديو وفي التلفزيون، ورأوا الملايين التي تُبذر للمطربين والمطربات، هل يمكن أن يختلف العلماء؟ يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦] يقول عبد الله بن مسعود [[والله الذي لا إله غيره إنه الغناء]] يحلف ونؤثمه! بل صدق والله. ويقول ابن عباس ﵁: [[الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع]] هذا الذي نراه، وقد ورد فيه من الزجر ما تقشعر منه الأبدان. وأنا أحيل الإخوة وفيكم طلبة علم أحيلكم إلى كتاب وهو كتاب عظيم في هذا الباب وغيره، كتاب إغاثة اللهفان في هذا الباب، ذكر خمسين وجهاً في ضرر الغناء، وذكر من كلام السلف ما يعتبر به الإنسان. وقد أباح النبي ﷺ للنساء في العرس الدف، وفرق بين الدف والطبل، ولكن متى؟ ليس في كل وقت، بل في الزواج فقط وماعدا ذلك فيحرم. فلنتق الله في أنفسنا، ولنتق الله في هذه الملاهي، والمعازف التي ألهتنا عن ذكر الله وشغلتنا عن طاعة الله، وأصبح العلماء لا يجدون لهم مكاناً في المجتمع، والفساق المغنون تعلق صورهم في أعلى الأماكن، كصور الملوك والأمراء، لماذا؟ لأنهم وجدوا شهوات الناس تحُب الغناء. لو أنه قيل لنا: إن الشيخ ابن باز يأتي لهذه المنطقة -وإن شاء الله يأتي لهذه المنطقة- فإن كثيراً من الناس لن يفرحوا؛ كما لو قيل: المطرب الفلاني آتٍ إلى المنطقة، يأتون من كل مكان وليروه ولو استطاع النساء لأتين وخرجن ليروا هذا المطرب العظيم، لماذا؟ نحن أشهرنا وأعلينا الفساق وأظهرناهم، وجعلنا المتقين في الدرجة الأقل. وكما تعلمون من واقعنا وبيئتنا أنها بيئة قبلية أصيلة، من أبناء الأسر الأصيلة، فأي شيخ قبيلة أو رجل محترم أو إنسان طيب يرضى أن يكون ابنه يضرب هذا الطبل أو يعمله؟ بالله هل يرضى أحد هذا الشيء؟ إخوانه سوف يتبرؤون منه وأرحامه وعمه وأبوه، فإذاً هذه مهنة حقيرة وضيعة، فإذا جاءت في التلفزيون ارتحنا؛ وقلنا هذا فنان عظيم، لماذا عظيم؟ لأنه بعيد، أما إذا كان قريباً لك، تقول: هذا خير فيه الطبال الزمار، الذي ما فيه خير لا نعرفه ولا يعرفنا، ولا يقرب لنا ولا نقرب له. لا يا أخي! لا تنظر بميزانين، واجعل ميزانك واحداً، وهو ميزان الدين والشرع، وما وضعه الشرع ضعه، وما رفعه الشرع والدين فارفعه يرفعك الله .

стр. 111

حكم تقصير اللحية السؤال ما حكم الإسلام في تقصير اللحية وحلق العارض كما يفعل كثير من إخواننا هداهم الله؟ ونسأل الله لنا ولكم التوفيق. الجواب هذا مما يتكرر فيه الكلام -والحمد لله- من الوعاظ ومن العلماء وما علينا إلا نسمع فنعمل. هذه اللحية شعيرة من الشعائر الظاهرة، فالحجاب للمرأة واللحية للرجل، ثم صلاة الجماعة وصلاة العيدين وصلاة الكسوف هذه شعائر، لأنني قد أذكر الله وقد لا أذكر، وقد أصلي في الليل، وقد لا أصلي. قد أقرأ القرآن وقد لا اقرأ فلا أحد يدري، لكن الشعائر الظاهرة هي التي تعطي الإنسان صفته، فإذا سافر أحدنا إلى بلد ووجد نساء ذلك البلد متحجبات، قال: والله وجدت بلداً مستقيمة، وأهلها طيبون مسلمون، أخالطتهم وكلمتهم؟ قال: لا نعرف لغتهم لكن نساءهم محجبات، كيف عرف؟ عرف بشعيرة ظاهرة. وإذا ذهبت إلى بلد أو بلدة أو مدرسة ووجدت المدرسين كلهم ملتحيين، إذا المدرسة طيبة، لماذا؟ لأنه وجد عليهم المظهر، هذه شعيرة ظاهرة يجب أن نظهرها، وهي علامة فارقة بين المتبعين لمحمد ﷺ وبين المتبعين للمجوس واليهود والنصارى. آباؤنا وأجدادنا ما عرفوا حلق اللحية، هذا موجود فيهم ما عرفوه أبداً، وبعض العلماء يقول بحثنا فوجدنا أنه لم يعرف المسلمون حلق اللحية إلا منذ ثمانين سنة فقط، لا في مصر، ولا في الجزائر، ولا في المغرب، ولا في أي بلد من البلدان، لم يعرف المسلمون حلق اللحية إلا منذ حوالي ثمانين سنة فقط، عندما دخل الإنجليز والفرنسيون إلى بلادنا، وإلا فإن العاصي والفاجر والذي يصلي والذي لا يصلي لا يمكن أن يحلقها هذه الشعرات التي لا نأبه بها لو أن أحداً أتلف لحية أحد ولم تنبت بعد ذلك، ماذا فيها؟ اسألوا القضاة، عشر الدية أو ربعها؟ بل فيها دية كاملة ونحن نزيلها بلا مقابل هذه خسارة. إذاً نقول: هذا لا تشهيراً ولا تشفياً لبعض الإخوان المقصرين، الذين يقصرون لحاهم ويحلقونها، فنحن فينا ذنوب ربما أعظم مما فيهم، لكن هذه من الشعائر الظاهرة، هذه من علامات الخير وعلامة اتباع الأنبياء، علامة أننا على منهج رسول الله، مخالفين للمجوس، ويجب أن نتمسك بها. لا يقول الإنسان: كيف أتمسك؟ بعض الناس يقول: أنا عندي خير ولو كنت أحلق لحيتي. يا أخي! إعفاء اللحية وتقصير الثوب والله أسهل، ما رأيكم في الذي لا يستطيع أن يأتي بالأشياء السهلة، فهل يقدر أن يأتي بالأشياء الكبيرة؟ إعفاء اللحية ليس سوى تركها فلا تحلقها، وإسبال الثوب توفر على نفسك عند الخياط حاجة من الفلوس، وتوفر وتبعد الوسخ والقذر عن ثوبك فترفعه قليلاً، فلا يضر رفع الثوب إلى الكعبين.

стр. 112

حكم تارك الصلاة السؤال لقد سمعت من بعض الشيوخ أن من ترك الجمعة ثلاث مرات متتابعات فإن الله يختم على قلبه، ما هو مخرج من فعل ذلك، لأن السائل يقول: هو منهم؟ الجواب نسأل الله العفو والعافية، نسأل الله أن يجنب قلوبنا وقلوبكم من هذه القسوة والغفلة والختم، فإذا كان كما قال الأخ هذا يختم ويطبع على قلبه إذا ترك الجمعة ثلاث مرات، ما الذي يجعل المسلم يترك صلاة الجمعة إلا مرض مستأصل قد قطَّع قلبه وغلَّفه، وهذا بعد ذلك لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، هذا من أعظم الذنوب، لأن ترك الصلاة جماعة غير الجمعة ذنب عظيم توعد عليه النبي ﷺ بأن يُحرق البيوت، بل لولا ما فيها من الذرية لأحرق ﷺ بيوتهم، لكن فيها نساء وفيها أطفال لا تجب عليهم الجماعة، فكيف بالذين يتركون الجمعة؟ هذا أعظم من ترك فريضة الجماعة، وهذا عيد المسلمين الأسبوعي. ومما يؤسف له أن بعض الناس يستغلون يوم الجمعة في رحلات أو في أعمال لا تقرب من الله، بل ربما -أيضاً- يسهرون سهرات طويلة ليلة الجمعة على أفلام خبيثة ثم ينامون عن صلاة الفجر يوم الجمعة، وربما -أيضاً- عن صلاة الجمعة، وأسباب الشر كثيرة وهذه من أعظم الذنوب، لأن تركها كفر كما أخبر النبي ﷺ ، فتركها يخرج من الملة، من ترك الصلاة عامداً متعمداً لم يؤدها فقد خرج من الملة حتى إذا صلى عاد إلى الملة -نسأل الله العفو والعافية- والأحاديث في ذلك كثيرة لا يتسع المجال لسردها. ما هو المخرج؟ المخرج من كل ذنب هو التوبة إلى الله ، والاستعانة بأهل الخير ليعينوه وليذكروه بالله، ويحضر مجالس الذكر، ويوصي جيرانه وأقرباءه وأهله بأن يوقظوه إن كان نائماً عن صلاة الفجر أو غيرها، ويستعين على نفسه وعلى شيطانه بدعائه الله بالهداية؛ لأن الله جعل الهداية بالمجاهدة ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩]. لكن الذي لا يصلى ويقول: كيف المخرج؟ فالمخرج منك أنت، وفي أمور دنيانا لا نسأل عن مثل هذا المخرج لأن الواحد منا يكدح ويعمل ويجتهد في دنياه فلا يقصر أبداً، فلا يمكن للإنسان أن يقول ماذا أفعل وهو جالس لا يعمل؟ فهو لا يقولها لك في أمور الدنيا إلا بعد أن يقول: حاولت وتعبت ولم أجد وظيفة، إذاً ابحث لي عن شيء. فكذلك في هذا نجتهد أننا نطيع الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] كلنا نحب النوم، والرحلة، ونحب الراحة، لكن يجب أن نُرغم أنفسنا على طاعة الله ، ثم نرتاح ونرتحل في غير الأوقات التي أمر الله فيها بعبادته وطاعته.

стр. 113

النبي سليمان والجن السؤال نبي الله سليمان تحدث أن الجن لا يعلمون الغيب؟ الجواب نبي الله سليمان سخر الله له أكابر الجن، وكما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ:١٤] فلا تأكل الأرض أجساد الأنبياء، وتوفي وقبضه الله وهو قائم ﵇ وبيده العصا متكئ عليها، فكان الجن يأتون وينظرون إليه ويشتغلون؛ لأن الله سخَّرهم لسليمان ﴿وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] أي إذا مات سليمان عتق الجن من الخدمة، فكانوا ينتظرون موت سليمان حتى يعفو من الخدمة ويصبحوا أحراراً، فكانوا يأتون فينظرون فإذا بسليمان واقف، فيشتغلون ويعملون في العبودية، وما دلهم على موته إلا دابة الأرض، هذه الدابة التي تأكل الخشب أكلت العصا فسقطت العصا فسقط سليمان، يقول تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤] لو كانوا يعلمون الغيب، فمجرد ما مات وعلموا أصحابهم عتقوا، لكن بقوا في العذاب المهين سنين وراء سنين، وهم يقولون: إن نبي الله سليمان حي. وكل ما كان عن علم وخبرة لا يدخل في هذا الباب، المهندسون أو الجيولوجيون الذين يقولون: إن الماء على بعد كذا، هذا غير ذلك، هذا الذي هو صاحب خبرة وحرفة وعلم ولا يجزم، وإنما يقول: بإذن الله وينظر إلى عروق الأرض وما أعطاهم الله من العلم فيها، فهذا لا بأس به، ولا يدخل في ذلك ما سبق، أما إذا كان عنده حضرة يحتضر، وقالوا له الجن: في هذا المكان شيء وأخبر به، فهذا لا يخلوا إما أنه يدعي علم الغيب، وإما أنه يذبح للجن -والعياذ بالله- ويقرب لهم من القربات، مما يجعلهم يخبرونه. ولهذا يوم القيامة يقول: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ [الأنعام:١٢٨] أي: أضللتم كثيراً من الإنس وأخذتوهم وعبدوكم من دون الله (وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ) يجاوبون ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام:١٢٨] كيف كانوا؟ كنا نذبح لهم ويعلمونا، يأتونا وندعوهم ويعالجونا، إنما استفدنا واستفادوا، لكنه متاع قليل -نسأل الله العافية- متاع ووراؤه جهنم، والله ليس بمتاع ولا استمتاع، فيقع الاستمتاع من الطرفين، يقول: اذبح له في المكان الفلاني؛ لأنهم جن، الله يطلعهم على ما لا يطلعنا عليه. أما العلم البحت فلاشيء فيه، فالعلم يرفع الله به الوضيع الحقير من الناس، يأتوه الملوك ويسلموا على يده ويستفتونه، بل يرفع الله الكلاب حتى الكلاب يرفعها بالعلم، فالكلب المعلم ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤] الكلب العادي إذا أكل من طعامك أو ولغ في الإناء، فيجب عليك أن تغسله سبعاً إحداها بالتراب، لكن الكلب المعلم إذا اصطاد شيئاً فإن ريقه طاهر، وتأكل هذا الشيء، وانظروا كيف يجعل العلم، الشيء طاهراً ولو كان نجساً؟! فكيف إذا تفقهنا في ديننا -نسأل الله أن يفقهنا وإياكم في الدين- فما كان نتيجة العلم والخبرة والتجربة فلا يدخل في باب الكهانة والشعوذة، وإنما الذي يدخل في الشرك هو الكهانة. أما دعاء النبي ﷺ مثل: يا محمد احفظنا أو يا جبريل أو يا ابن عباس أيضاً فهذا من الشرك، وقد تقدم ما يكفي أن دعاء غير الله شرك. الحلف بغير الله يعد من الشرك، (من شرك الألفاظ) ﴿من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك﴾ كما قال ﷺ في الحديث الآخر الصحيح: ﴿من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت﴾ فمن حلف بغير الله فهذا من شرك الألفاظ لا يخرج من الملة لكنه أكبر وأخطر من الذنوب الأخرى، لأن الشرك أخطر الذنوب، والشرك الأصغر أخطر من أكبر الذنوب التي ليست بشرك، وإن حلف بغير الله معتقداً تعظيم المحلوف به كتعظيم الله أو أكثر، كما يقال لبعضهم: يحلف بالله قال: لا أصدق حتى تحلف بالولي فلان أو بالسيد فلان، وعندنا هنا شيء آخر، يقولون: ما نصدق حتى تطلق، إذا حلف بشيء غير الله، ويعتقد أنه أعظم من الحلف بالله وأبلغ، فيكون حينئذٍ من الشرك الأكبر. إذا حلف بغير الله معتقداً تعظيمه كتعظيم الله أو أكثر أصبح من الشرك الأكبر، أما إذا حلف بغير الله فقط هكذا فهذا على خطر عظيم، وأما إن حلف بغير الله بلفظ يجري على لسانه من غير قصد فيجب عليه أن يستغفر الله في الحين، وأن يشهد أن لا إله إلا الله.

стр. 114

ميراث المرأة السؤال يقع بعض الناس في قطيعة الرحم وذلك بسبب منع بعض الورثة من حقوقهم، وخاصة المرأة؟ الجواب ما خالف قوم أمر الله إلا ندموا في الدنيا قبل الآخرة، وقد فصَّل والله ﵎ أحكام الميراث، ولم يدعها لنبي ولا لعالم ولا لمفتٍ، وإنما هو فصلها في كتابه، الأصول والأسس للمواريث، ثم فرَّع العلماء على هذه الأصول ما فرعوا ونحن ضعينا هذه الأصول في هذه المناطق، ومنطقتنا هذه إلا من وفقه الله تعالى، ولهذا نندم في الدنيا قبل الآخرة. كيف نندم في الدنيا؟ الرجل يتعب على البلاد، فمثلاً إن جاءت ثمرة -إلا من رحم الله- فإنها تكون قليلة الثمار، لكن المشاكل في البلاد والدعاوى كثيرة والتعب كثير، فيحفر الآبار ويتعب ويبني ويعمل ويجتهد ويفعل كل شيء، وهو يتعب فيه، فإذا كبر أولاد البنت أو الأخت، وقالوا يا خال نريد حقنا، أنكرهم وجحدهم ثم تعب في المشاكل، وفي القضاء، وفي المحاكم، وشهد الشهود، وأخذوا حقهم جاهزاً، يتندم على ما خسر، وتعب، وكسب، وعلى ما حفظ من محارم، ومن مخازن، ومن كذا وكذا تحمَّلها كلها طول الدهر، وأخذها أبناء الأخت باردة مبردة وعمروا وأنشأوا فيها، فتكون القطيعة بينه وبينهم والعداوة الشديدة، لماذا؟ لو أنه مجرد أن مات الأب قسمت التركة وأخذت المرأة نصيبها وأخذت حقها لبقيت القلوب سليمة ونظيفة، هذا حق ليس فيه شيء، ولكانت صلة الرحم موجودة، ولكان الذي تعبت فيه لك، ما تعبت لأولاد الناس -كما يقولون- وما يدفع الناس أن يقطعوا أرحامهم من أخوات وقريبات إلا مثل هذه الأمور، أنه تعب وأفاد، وأنه وسع، وأنه ربما المساحة كانت صغيرة وزاد كبرها، ويشهد الشهود على الركيد كله ونصفه أو أكثر، ثم يأتي الحكم فيما بعد، بأن المساحة للمرأة، فيندم على ذلك. هكذا والله ما نخالف الله في شيء إلا نندم حتى في الدنيا فضلاً عن الآخرة، والعبر كثيرة لكن ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار. يجب علينا -أيها الإخوان- أن نتق الله ، وألاَّ نفرق بين دين الله، ونؤمن ببعض ونكفر ببعض، الذي أمرني أن أخرج زكاة الفطر وأخرج زكاة مالي وأن أحج وأصلي، هو -أيضاً- الذي فرض حق الوريث والوارثات وإن كنَّ نساءً، فهو الذي فرض ذلك، لماذا أطيعه في شيء وأعصيه في شيء؟ وأتخير من الدين ما يناسبني فأعمل به، وأترك مالا يناسبني ولا يعجبني، ألنا الخيرة أم لله ؟ يجب أن نطيع الله ونعلم أننا عباد لسنا مخيرين في أمر الله ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] أبداً، وإنما الاتباع والسمع والطاعة لله في هذه الحقوق جميعاً.

стр. 115

الشرك والسحر السؤال دعاء الجن والاعتقاد في الكهان أنهم يعلمون الغيب، ودعاء النبي ﷺ -مثل قولك: الله ومحمد- والحلف بغير الله، أرجو من فضيلتكم البيان هل هذه الأمور من الشرك المخرج من الملة أم لا؟ وما حكم من يخالف من يوجد عندهم هذا علماً أنه أنكر عليهم وأرشدهم وخاصة الأقارب؟ الجواب أولاً: نسأل الله أن يرحمنا وأن يعافينا وإياكم من الشرك، وكما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] هذا الخطاب لمن؟ لمحمد ﷺ ، يقول رب العزة والجلال لأفضل الخلق وخاتم الرسل، رسول العالمين ورحمته إليهم، يقول: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وهذا ليس فقط للنبي ﷺ وحده، بل لمن قبله من الأنبياء فنحذر الشرك ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢]. فعافانا الله وإياكم من الشرك، وكيف نشرك ونحن أمة التوحيد الذين نقول: نشهد أن لا إله إلا الله؟ نقولها ثم ننقضها، فمن نواقضها الشرك بالله بأي نوع من أنواع الشرك -عافنا الله وإياكم- فمثل هذه الأمور كلها نجتنبها وغيرها، فإذا ما اجتنبنا الشرك بالله وعرفنا أنه خطير، فلا نستنكر ممن يحُذرنا من الشرك؛ لأنه خطير حذَّر الله منه الأنبياء. ننظر إلى دعاء الجن إذا دعاهم الإنسان واعتقد أنهم يضرون وينفعون، وقال: يا فلان من الجن! افعل وافعل، يا جن! افعلوا به وافعلوا وخذوه، معتقداً دعائهم، كما يدعو الله لهذا القصد، فهذا شرك أكبر، ودعاء غير الله شرك أكبر مخرج من الملة؛ لأن حقيقة الشرك هي هذه؛ لأن العبادة هي الدعاء كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿الدعاء هو العبادة﴾ ويقول الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]. إذا العبادة هي الدعاء والدعاء هو العبادة، فلا يدعو أحد أحداً إلا وقد عبده وهذا مما لا شك فيه، لكن إن كان قالها لأن اللسان قد اعتادها فقط ولا يقصدها ولا يعتقد حقيقتها؛ فيجب عليه أن يكفرها بشهادة أن لا إله إلا الله، يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، كما كان الصحابة الكرام أول ما أسلموا وما زالت تجري على ألسنتهم بعض ألفاظ من الشرك، والحلف بغير الله. ويجب علينا أن ننصحهم جميعاً بغض النظر أننا نقول: خرجت من الملة، أو ما خرجت، نقول: دعاء غير الله شرك أكبر، ونقول: اتق الله ولا تشرك بالله . والاعتقاد في الكهان أنهم يعلمون الغيب هذا أيضاً من الكفر المخرج من الملة، لأن الله يقول: ﴿وَعِنْدَهُ﴾ [الأنعام:٥٩] وتقديم الظرف هنا للاختصاص، أي: أن علم الغيب له وليس عنده أحد غيره ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] فإذا أتى شخص وقال: فلان يعلم الغيب، واعتقد ذلك كفر بهذه الآية وبأمثالها وكثير من الآيات والأحاديث. فلا يجوز لأحد أن يعتقد أن أحداً يعلم الغيب؛ حتى الرسول ﷺ لا يعلم الغيب إلا ما علَّمه الله وأظهره الله ﵎ عليه، ولهذا الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمة الله عليه- ونقرأ هذا في مناهجنا والحمد لله، ذكر من رءوس الطواغيت الخمسة من ادعى علم الغيب، الذي يدعي علم الغيب ليس مجرد مشرك، بل هو طاغوت، والطاغوت أعظم من المشركين، لأن المشركين إنما يشركون لتعلقهم بالطاغوت واتباعهم له، فالطاغوت مادة وأساس الشرك مثل هؤلاء. وحقاً والله! انظروا الكهان المنتشرين في بعض المناطق، يدعون أنهم يعلمون الغيب، ويخبرون الإنسان باسمه واسم زوجته وأمه وكذا وكذا فيما يزعمون وفيما يدعون، فكم من الناس من يعتقد في هؤلاء، فيشرك الناس بسببهم، فهؤلاء طواغيت ولا غرابة أنهم يخبرونا بأمور غيبية. ونقول: إنهم يطلعونا على أمور قد تكون غيباً بالنسبة لنا، وهي ليست بغيب بالنسبة لهم، وإنما يوحي بعضهم إلى بعض، هؤلاء لهم قرناء كل إنسان منا له قرين من الشياطين، والشياطين يوحي بعضها إلى بعض ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٣] كما قال النبي ﷺ ، وكما بين في الحديث يكذب مائة مرة ويصدق مرة واحدة، يفتن الله تعالى الناس بمرة واحدة يصدق فيها ذلك الكاهن، يلقي الشيطان الكلمة التي سمعها من الملأ الأعلى -من الملائكة- يلقيها قبل أن يدركه الشهاب -فتنة من الله- فيسمعها وليه من الإنس -الكاهن- فيخلط معها مائة كذبة، ويقول: فلان ستكون له كذا ويكون أمراً صحيحاً، وفلان وفلان، فيكذب معها مائة كذبة، فإذا اكتشف الناس أمره وقالوا: هذا كذاب، قال: ذاك اليوم كذا وبان كذبه، قال: هذا وإذا هو كذب، جاء الشيطان وأولياؤه وأعوانه، وقالوا: نسيتم تلك المرة عندما قال وبان صدقه! فيذكرون الناس بواحدة وينسون المائة الكذبة، لأن هؤلاء أعوانه من شياطين الجن والإنس يتعاونون. فليس هناك غيب، لا يعلم الغيب إلا الله، وإنما وحي يوحيه الشياطين بعضهم إلى بعض، قرينك من الشياطين يذهب إلى الكاهن ويقول: سيأتيك فلان بن فلان واسم أمه كذا، واسم زوجته كذا، وعندها مرض كذا وكذا، ويدخل عليه، فيقول له: أنا أعرف لماذا أتيت أنت فلان بن فلان، وزوجتك كذا وعندها مرض كذا، فيقول: هذا الكلام صحيح، فلو لم يكن عنده برهان ما كان ليقول هذا الكلام ليدلس به علينا، لكن الشيطان ينسينا كلام الله وسنة رسوله، ويخرجنا من الملة بهذه الحيل الشيطانية الخبيثة عافنا الله وإياكم منها.

стр. 116

عقوق الوالدين السؤال بعض الشباب يصدر منهم العقوق لآبائهم، فما نصيحتكم لمثل هؤلاء؟ الجواب هؤلاء الشباب مهما كانت تقواهم، ومهما كانت طاعتهم إذا عقوا آباءهم وأمهاتهم فهم والله على خطر، لأن الله أوصى في الأب المشرك؛ المجاهد لأبنائه من المؤمنين أن يكفروا، يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥] الأب حتى لو كان كافراً يجب على الابن أن يصاحبه بالمعروف، وأن يحسن إليه مكافأة منه، ومن ذا الذي يكافئ أباه إلا كما أخبر النبي ﷺ : ﴿إلا من وجده عبداً فاشتراه فأعتقه﴾ ولكن من الذي يجازي والديه أو أباه بما قدم له من الخير ومن الفضل، مقابل ماله عليه من الحق. فلنتق الله نحن الأبناء والشباب في آباءنا وأمهاتنا، ومن جانب آخر: يجب على الآباء أن يتقوا الله في أبناءهم، ويجب على الآباء أن ينظروا هل تربيتنا لأبنائنا مما يوجب العقوق أو مما يوجب الإحسان، وإذا لم تحسن إلى ابنك ولم توجهه ولم ترشده ولم تقومه، فكيف ترجو منه أن يكون باراً بك، والأمثلة كثيرة من واقع حياتنا، ومن واقع من قبلنا لا يتسع المجال لها، لكن المسئولية مزدوجة من الآباء ومن الأبناء، أن يتقي الله كل واحد منهما في حق الآخر.

стр. 117

توجيه الآباء للأبناء السؤال بعض الآباء يحضرون إلى المسجد دائماً إلا أنهم لا يحضرون أبناءهم للصلاة، فإذا نصحته قال: لا أستطيع أن أحضره، فهل يعتبر الأب في هذا الحالة آثم؟ وما هو العلاج؟ الجواب يجب على الإنسان كما أنه يتقي الله ويحرص على الخير لنفسه أن يدعو إليه أبناءه. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:١٣٢] وكان إسماعيل كما وصفه الله أنه ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ [مريم:٥٥]، هذه من صفات المرضيين عند الله ﵎. نحن نشكو في هذه الأيام من ضعف السلطة الأبوية، ليست فقط مع الأبناء، بل مع الزوجات، يقول: لا استطيع، وإن تكلمنا عن الأبناء قال: لا أستطيع، وإن تحدثنا إلى المدرسين ومدراء المدارس عن الطلاب، قالوا: لا نقدر، فعندنا خلل في تربيتنا، وهو ضعف السلطة عن إيقاع التأديب أو التوجيه، لماذا؟ ما السبب؟ لعلنا نذكره فيستعين الآباء على شيء من تربية أبنائهم. السبب أن التوجيه ليس موحداً، كما كان في السابق، ففي السابق كان الطفل لا يتلقى التوجيه إلا من الأب، ولهذا على ما كان فينا من الجهل، كان الأبناء يقدرون آباءهم، أما الآن فالتوجيه متعدد، والمناهج متعددة الطرق، الأفلام توجه، وملاعب الكرة توجه، والبشكات والسهرات توجه، وجلساء السوء ينصحون ويوجهون، ويأتي الأب ينصح ويوجه فيضيع توجيهه مع هؤلاء، لأن المصادر تعددت. وخطيب الجمعة يخطب ويذكرنا بالله ويعظنا خطبة ربع ساعة أو نصف ماذا تعمل مع أفلام ومسلسلات وحلقات ومجلات وصحف وملاعب ومقاهٍ ومجالس سوء، ماذا تصنع هذه مع تلك؟ لا تؤثر، ولذلك أصبحت السلطة ضعيفة، سواء من الأب أو من المربي أو من الزوج؛ لأن هذا سبب من أسبابها، وهو تخلخل في التربية، وتخلخل في التوجيه الاجتماعي مما أدى بنا إلى هذا. فإذا أردنا أن نستعيد ذلك، فيجب أن نحرص -أولاً- على إعادة توحد السلطة التوجيهية، بمعنى: أن الأب يوجه للخير، والمدرس للخير، وخطيب الجمعة كلهم يوجهون للخير، والمجالس تكون مجالس خير، وأيضاً وسائل الإعلام يجب أن تكون على خير، وإلا فلا ينظر ولا يستمع إلى ما فيها من شر. فإذا كنا كذلك نجد أن الزوجة تطيع زوجها، والابن يطيع أباه، والأب يحترم أبناءه ويعرف قدرهم، وبهذا أصبحنا في مسار تربوي سليم بإذن الله.

стр. 118

مجالس الغيبة والنميمة السؤال كثير من المجالس يحدث فيها الغيبة والنميمة، وكذلك الاستهزاء بالملتزمين، فما الحكم في ذلك؟ الجواب هذه الغيبة والنميمة وهذه المجالس، كل إنسان منا يجب أن يتقي الله ، وأن يعلم كما قال : ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]. ويوم القيامة ماذا يقول المجرمون إذا رأوا الكتاب: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، ويقول النبي ﷺ : ﴿ما من قوم جلسوا مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه، ولم يصلوا على رسوله ﷺ إلا كان عليهم ترة يوم القيامة﴾ كان نقيصة وحسرة وندامة عليهم يوم القيامة، لأنهم جلسوا ولم يذكروا الله ، لو جلسوا وتحدثوا فقط في دنيا حلال وقاموا، لوجدوا أن هذا نقص يوم القيامة، فكيف إذا كان الحديث في الحرام، نسأل الله العفو والعافية. ما الذي يكب الناس على مناخرهم في النار، كما قال رسول الله ﷺ لـ معاذ ﴿ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم﴾. ألا ترى أن كلمة من الغيبة والنميمة قد تفسد ما بين زوج وزوجه، وما بين قبيلة وقبيلة، وما بين قريب وقريبه. إذاً من الذي قطع الأرحام؟ ومن الذي كان السبب في هذا الفساد العظيم؟ تلك الكلمة، الكلمة التي قالها النمام أو قالها المغتاب، وهذه الغيبة هي جزء مما يجب أن نذكر أنفسنا به -جميعاً- وهو حق المسلم على المسلم، ونحن في ما بين الله وبيننا في تقصير شديد، ولكن هو أخف مما بيننا بعضنا مع بعض. ونحن بالذات في هذه المناطق وهذه القبائل نخشى أن نجاهر -والحمد لله- بكثير من المعاصي من فضل الله، لكن مع بعضنا بعضاً فلا نبالي أن نجاهر ولو برفع السلاح في وجه المسلم، وهذه هي الجاهلية بعينها، والرسول ﷺ يقول: ﴿سباب المسلم فسوق وقتاله كفر﴾. انظروا هذه المصيبة، يقول في خطبته في يوم النحر أو في يوم عرفة: ﴿لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض﴾ هذه أعمال الكفار، أعمال الجاهلية، ويجب أن تتقي الله من الغيبة والنميمة والفساد والمضاربات والمنازعات، وكل ما يخل في حق أخيك المسلم. إن المسلم عند الله هو كل من قال: لا إله إلا الله، لكن النبي ﷺ يأتي لنا بمفهوم آخر يصحح به نظرتنا: ﴿المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده﴾ هذا هو المسلم، وإلا دعوى لا إله إلا الله كثير من يدعيها، مجرد الصلاة كثير يصلي لكن إذا لم يسلم المسلمون من أذاه فلم يحقق حقيقة الدين ولا حقيقة الإسلام. لماذا قدم اللسان على اليد؟ هذا -والله أعلم- لأن أصل كل شر هو من اللسان، حتى الاقتتال باليد يسبقه التخاصم والتلاعن -نسأل الله العفو والعافية- ثم يكون التماسك بالأيدي، فاللسان إذا حفظناه فهو حجاب لما بعده، هذه قاعدة -مثلاً- وعليها أمرنا الله أن نغض النظر عن النساء، فإذا غضضنا النظر عن النساء لم نقع في الزنا، وأمرنا الله أن نجتنب الشبهات، فإن كنت لا أعرف هذا أحلال أم حرام أجتنبه، فإذا اجتنبت الشبهات لم آكل من الحرام، فهذه قواعد شرعية عظيمة، حتى يكون كل إنسان يتوقى بترك الأخف حتى لا يقع في الأعظم، فنتوقى أن نؤذي المسلمين بألسنتنا، وبذلك نضمن -بإذن الله- أننا لن نؤذيهم بأيدينا، والله أعلم.

стр. 119

الاحتجاج بأن الإيمان في القلب السؤال إذا أردت أن أنصح إنساناً يقول: الإيمان في القلب، رغم أن سلوكه مخالف لذلك، فماذا أجيب مثل هذا وفقكم الله؟ الجواب أولاً: نسأل الله أن يهدي مثل هذا الإنسان ﴿وَكَانَ اْلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف:٥٤] إن كانت المسألة بالجدال؛ فإنه يقدر أن يقول: الإيمان في قلبي، ويقول: أنت ما اطلعت على قلبي، ويقول: وما أدراك أني كذا وكذا، كل هذا يقوله جدلاً. أما إن كانت محبة ونصيحة، يقول: جزاك الله خيراً وأحسن الله إليك، ويعمل بالنصيحة، هذا الذي يجب، وهذا الذي ينبغي أن يكون عليه المسلم إذا ذكّر بالله وإذا نصح، النبي ﷺ ؟ يقول: ﴿التقوى هاهنا، التقوى هاهنا﴾ نعم، لماذا قالها ﷺ ؟ قالها ليبين لنا معنى الحديث الآخر الصحيح ﴿إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم﴾. لماذا؟ لأن بعض الناس يمكن أن يعمل الطيب، ويظهر بمظهر حسن، ويظهر مع المتقين في المظهر وقلبه خالٍ من الإيمان، فهذا نقول له: التقوى في القلب، اجعل قلبك يخشع لله، ويجب أن يعلم أن التقوى في القلب لا في المظهر. لكن إنسان يأتي ولا يوجد له مظهر فهذه حالة أخرى لا نعكس دين الله، لا نجعل هذا لهذا وهذا لهذا، فقد جعل الله محل دواء لداء، ولو أعطيت دواء لداء آخر ما صلح، فدواء الذي يظن أن الدين مظهر وقلبه خاوٍ من الإيمان أن يعلم أن الله إنما ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فيتق الله في قلبه ويؤمن بالله في قلبه، ولا يظن أن المظهر يكفي، والعكس الذي لا مظهر له من مظاهر الخير ولا يحرص عليه ويدعي أن الإيمان في قلبه، نقول له: أين هذا الإيمان، أين ثمرته، أين نتيجته؟ ما نكذبك -إن شاء الله- عندك إيمان، ولكن أظهر ثمرة هذا الإيمان، يجب أن نراها، وإلا فإنها دعوى، وأي دعوى لا يصدقها البرهان أو الدليل لا تقبل، فنحن والله لا نخشى إلا على الذين يُحبون الخير ويحرصون عليه، ويؤدون الجماعة والجمعة، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، نخشى عليهم أن تكون قلوبهم فيها ضعف إيمان أو خالية منه، عافانا الله وإياكم. أما ذاك الذي لا يأتي هذه الأفعال ولا يعمل من أعمال الخير شيئاً، ويدَّعي الإيمان هذا والله على خطر عظيم، نخاف على ذلك، فكيف خوفنا على هذا الذي لا يعمل شيئاً أبد. نسأل الله أن يهدي قلوبنا وأن يصلحها، والرسول ﷺ هو القدوة في ذلك وهو أكثر الناس إيماناً، وكذلك أصحابه كانوا أكثر الناس امتثالاً وطاعة وعملاً، لأنهم كانوا أكثر إيماناً في قلوبهم.

стр. 120

شهادة الزور السؤال هناك أناس لا يتركون الصلاة في الجماعة وغيرها إلا أنه قد لا يتورع عن شهادة الزور ويكتم شهادة الحق إن طلبت منه؟ الجواب مثل هذا السؤال يتكرر دائماً ونستشف منه أشياء: أولاً: كثرة الدعاوى في منطقتنا هذه، لماذا نحتاج إلى شهادة الزور أو نحتاج إلى شهادة الحق؟ كل هذا بسبب كثرة الدعاوى. ولو عرف كل إنسان حقه ووقف عند حده، ما احتجنا إلى شهادة الزور ولا إلى شهادة حق. لكن الدعاوى لكثرتها عندنا هنا، فيأتي الإنسان ويأتي ما نسميه القالة ويأخذ القالة، لا بد أن ينتصر بحق أو بباطل، لا حول ولا قوة إلا بالله. ويأتي القريب والصديق والرحيم، ولا بد أن يعينه وأن ينصره، سبحان الله! كان الناس في الجاهلية يقولون: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، هذه قاعدة من قواعد الجاهلية، فجاء النبي ﷺ فقال لأصحابه الكرام: ﴿انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً فتعجب الصحابة ﵃ هذه قاعدة الجاهلية يقولها نبي الهدى والرحمة والعدالة- فقالوا: يا رسول الله عرفنا كيف ننصره إذا كان مظلوماً، فكيف ننصره إذا كان ظالماً؟ قال: تردعه وتحجزه عن الظلم فذلك نصره﴾. كم واحد منا يطبق هذا الشيء في منطقتنا؟ نرجو أن يكونوا كثيرين، ونرجو أيضاً أن يزداد الذين إذا رأوا الظالم أخاً أو قريباً أو رحيماً أو جاراً أو شريكاً، ينصرونه بأن يردعوه عن ظلمه، فلا يحتاج إلى شاهد ولا إلى مشهود. ومع ذلك فمن أدَّى صلاة الجماعة وشهد شهادة الزور، أو من حافظ على الصلاة والزكاة والصيام والحج وذكر الله وقراءة القرآن، لكنه يمشي بالنميمة ويفسد ما بين الناس، ويوقع ما بين الأقرباء والشركاء والجيران، ويرتكب الموبقات التي لا يلقي لها بالاً، هذا من هو؟ هذا هو المفلس كما أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿أتدرون من المفلس؟ قالوا: يا رسول الله! المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع﴾ هذا مفلس، أي: أنه فقير ما عنده شيء، ولكن النبي ﷺ يريد أن يعدل موازيننا، دائماً موازيننا أن الظالم لا ينصر إلا أن يعاون، قال: ﴿تنصره بأن تردعه﴾ إذاً غيرنا الميزان. أيضاً هنا نغير الميزان، فالمفلس ما هو الذي هو هذا حاله، والذي فيه خير، ليس الذي عنده أموال كما نقول هنا في المنطقة، نقول: فلان فيه خير، أي: أن عنده أموال وعنده وظيفة. ليس هذا هو المعنى، فموازيننا يجب أن نعدلها، وأن نزنها بميزان الله، ﴿المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة وعنده من الحسنات مثل جبال تهامة ولكن يأتي وقد شتم هذا، وظلم هذا، وضرب هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، فيؤخذ من تلك الحسنات، فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن كفت وإلا أخذت من سيئاتهم فطرحت عليه فطرح في النار﴾ نسأل الله العفو والعافية، فهذا المفلس. فيا إخوان! نسأل الله أن لا يكون فينا شقي ولا محروم ولا مفلس. فلا نشهد الزور، ويجب أن نعلم أن شهادة الزور يا إخوان لها معنيان في ديننا كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢]. شهادة الزور التي نعرفها جميعاً أن يشهد الإنسان بغير الحق. وشهادة الزور، أي: الحضور، حضور اللهو واللعب وحضور ما يشغل عن طاعة الله، هذه شهادة اللهو. شهد الزور: أي حضره. فمن شهد ما يلهي عن طاعة الله -أيضاً- فقد شهد الزور. فعلى كل حال من اتقى الله وصلى وصام لا يشهد الزور لا بهذا المعنى ولا بذاك المعنى إن شاء الله.

стр. 121

حكم استخدام الخادمات والعمال الكفار السؤال ما حكم الخادمات في البيوت، وكذلك العمال في المؤسسات إذا كانوا كفاراً؟ الجواب هذه المنطقة -مع الأسف- وأقولها بصراحة، آباؤنا يعلمون والكبار منا يعلمون، ويظنونا مثل الجاهل الذي لا يدري. كان آباؤنا يخدمون في المدن، يتمنى الواحد أن يخدم بالحجر والطين في البيت يسمونه (مجاود)، في أي مكان في تهامة أو في المدن، ليجد ما يقيتنا وما يعيشنا. وكان كثير من الآباء -كما نقلوا لنا- يسأل الله ويتمنى أنه لو جاء له أكل يأكله بما يكفي في ذلك اليوم أن يفرش السجادة، ويعبد الله ذاك اليوم، ولا يريد شيئاً من الدنيا أبداً. ولكن لما فتحت الدنيا، ثم فتحت، وإذا بنا نستقدم الناس يخدموننا من أطراف الأرض، من شعوب كنا نخدمها في الحج، والله إن من آبائنا من خدمهم في غير مقابل إلا أن يجد ما يأكل، لا يعطونه إلا ما يأكل من بقايا طعامهم، واسألوا آباءنا عن هذا. والآن نستقدمهم ليخدمونا، ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠] لنفرض أن الله أنعم علينا وأخذ نعمتهم، أو ليس الحال سينتقل والدول ستزول، وننتقل عافانا الله وإياكم. إذاًَ: يجب أن نشكر نعمة الله بما يلي: أولاً: أننا أصبحنا نستورد الخدم والخادمات -اللهم لك الحمد- هذه والله نعم عظيمة. أبو هريرة رضي الله تعالى عنه وهو من هذه البلاد الطيبة، يقول: أبو هريرة يمتخط في الكتان. ولما فتح الله عليه وصار عنده منديل -من القطن- من الكتان، فقال: أبو هريرة يمتخط بالكتان، استشعر هذه النعمة العظيمة لما أنعم الله بها عليه، ونحن الآن أبناء أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقبيلته وكلنا في المنطقة جميعاً أصبحنا نستقدم أهل الدنيا، بعضهم تكون الخادمة متعلمة وتأتي لتخدم الأمية مسكينة لا تعرف شيئاً، وتلك متعلمة ومن بلاد متطورة قبلنا، -سبحان الله- هذه عجيبة، لكن يجب أن نأخذ منها العبرة وهي: أننا إن عصينا الله أزالنا الله فخدمنا الناس كما كنا نخدمهم، فهل نعصي الله بذلك؟ اللهم لا. والمرأة إذا استقدمت لا يجوز أن تستقدم إلا بمحرم، من كان مضطراً ولا بد أن يأتي، فيأتي بها مع محرم وليعزلها عن أهله وعن بيته، لا يجوز أن يراها ولا يجوز لمحرمها أن يرى أهله أبداً وهذا شيء لا بد منه. وإن كانت من غير محرم فلا يجوز أن تبقى في هذه البلاد، ولا يجوز أن تحج ولا أن تعتمر؛ لأنه لا محرم لها، ومن سيكون معها لو أردنا أن نسفرها؟! قالوا: تسافر مع صاحبها الذي استقدمها، لأنه هو الذي أتى بها، وهل هو محرم لها؟ والله ليس بمحرم. إذاً يكون البلاء وما أكثر ما يقع، واسألوا المحاكم والهيئات في المدن، وأيضاً ربما في القرى عن جراء ما يقع من ذلك. هذا إذا كانت مسلمة، أما إن كانت الخادمة كافرة أو العامل كافراً، فإنه يحرم ولا يجوز أن يُؤتى به إلى جزيرة العرب، بل وفي مكة، والرسول الله ﷺ أوصى في مرض موته -ولا يوصي في ذلك الوقت إلا لأمر مهم مثل الصلاة وأمثالها- بألاَّ يجتمع في جزيرة العرب دينان، ﴿أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، لا يجتمع فيها دينان﴾. وقد أفتى علماء اللجنة الدائمة للإفتاء جميعاً، والشيخ عبد العزيز ﵀ وحده، وكذلك بقية العلماء؛ وبينوا بمقتضى هذا الحديث وغيره أنه لا يجوز ولا يحل أن يستقدم أحد العمال الأجانب الكفار، لأن الأجنبي هو الكافر، ولا يجوز أن يستقدم الكافر أياً كان، وإنما إذا جاز شيء من ذلك فللضرورة للحاكم ولولي الأمر في أمور حساسة لا يمكن أن يجيدها أو يعرفها المسلمون، أما نحن نستقدمهم لأتفه الأعمال، نسأل الله العفو والعافية. وإلا فـ الهند فيها (مائة مليون) مسلم، ومع ذلك يذهب بعض الناس ولا يسعه (المائة مليون) ويأتينا بعابد البقرة، هنا أنا رأيتهم وسألتهم: خياط، وعامل، وسواق كلهم عباد بقر، وعابد النار من اليابان ومن الفلبين ومن كوريا، لماذا يا إخوان؟ والله إن هذا نذير الهلاك إلا أن نرجع إلى الله ، ونوالي من والى الله ونعادي من عادى الله . ما أحب أن أطيل لكثرة الأسئلة، ولكن لعل فيما مضى عبرة إن شاء الله.

стр. 122

الشيوعية بين السقوط وإعادة البناء تحدث الشيخ حفظه الله في هذه المادة عن حقيقة الشيوعية، وما هي المراحل التي مرت بها الشيوعية حتى باتت قوة مؤثرة على الصعيد الدولي، كما بين دور المعسكر الغربي في السعي إلى إضعاف المعسكر السوفييتي الذي يمثل مركز الشيوعية في العالم، ومن ثم القضاء عليه ليتسنى للمعسكر الغربي الانفراد بالسيطرة على ثروات الأمم، وقد استخدم الغربيون لهذه المهمة رجلاً من داخل المعسكر الشيوعي، والذي كان له دور فاعل في القضاء على هذه القوة المنافسة، وكان هذا الرجل هو الرئيس الروسي جورباتشوف. ثم تحدث الشيخ عن مستقبل العالم وأشار إلى أن المستقبل في آخر الزمان هو لهذا الدين، ودعم كلامه ببشارات من كلام النبي ﷺ .

стр. 123

أهمية الحديث عن الشيوعية الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد المبعوث رحمة للعالمين، القائل: ﴿بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وكتب الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم﴾ وعلى آله وأصحابه وسلفنا الصالح أجمعين. وبعد: فأشكر الله ﵎ على ما أنعم به علينا من نعمة الإيمان. أما الموضوع الذي نريد أن نتحدث عنه، ونريد أن نستمع جميعاً، ونحرص كل الحرص على كل ما له علاقة به وعلى كل تحليل له، وهو موضوع (الشيوعية بين السقوط وإعادة البناء) ومستقبل العالم الإسلامي في ضوء هذه التحولات العالمية الكبرى. هذا الموضوع موضوع مهم للغاية، ومتشعب جداً، ولا يستطيع الإنسان أن يحدد كيف يبدأ وكيف ينتهي، أو كيف يلم بأطرافه. أما أهميته فلا تخفى على أحد، فنحن جزء من هذا العالم المتغير المتماوج، والعالم تقارب بشكل لم يسبق له نظير مطلقاً، وأصداء التغييرات العالمية تدخل -لا نقول كل دولة أو كل مدينة- بل نقول: تدخل كل بيت يومياً، وقضايا مصيرية تتحدد بناء عليها مصائر الشعوب ومستقبل الأمم، ومثل هذه الأمور لا يجوز أن تمضي هكذا دون أن نستعمل انتباهنا بالتحليل والتدقيق. ونحن الأمة الإسلامية مع الأسف الشديد، تعودنا في الآونة الأخيرة، على ما يمكن أن نسميه (الأحلام أو الدغدغات العاطفية) أمام قضايا كبرى كان ينبغي لنا، بل يجب علينا أن نأخذها مأخذ الجد والعقل والدراسة، والتحليل العلمي المنطقي البعيد كل البعد عن الآثار العاطفية، على ما للعاطفة من دور. وهذا الحدث العظيم، نموذج لذلك، ونعني به ما يجري الآن في الاتحاد السوفيتي وقد شارف على إكمال السنة الخامسة من بداية عملية أو فكرة إعادة البناء، كما نادى بها الرئيس السوفيتي جورباتشوف، فماذا وراء هذه العملية؟ وماذا يريد بها جورباتشوف؟ وما هي أصداؤها في الغرب؟ وما هي آثارها في واقع الأمة الإسلامية؟ كلها قضايا مهمة. وإنني لأقول وأؤكد؛ أنني إن استطعت أن أثير الانتباه إلى أهمية القضية وتحليلها ودراستها، فإنني أكون -إن شاء الله- قد نجحت فيما أريد، بغض النظر عن أي تفصيل آخر، إذ الموضوع أخطر وأهم مما يخيل لنا، ومما كتب أو قيل في الأعم الغالب عن هذا الحدث العظيم، الذي وصف بحق بأنه أكبر حدث في تاريخ العالم المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية. أو ليس عجيباً أن ذلك الستار الحديدي ينهار! أو ليس عجيباً أن دولاً استبدادية دكتاتورية، تنهار في أسابيع متلاحقة! وكأنها أمور تجري على المسرح، وإنما هو مسرح الحياة الكبير، وبطل هذا المسرح، وبطل هذه اللعبة رجل داهية متميز له صفات سوف نعرض لبعضها -إن شاء الله- في الحديث عن خططه وأعماله، جعلته يكون -كما أجري في أكثر من إحصاء- رجل العالم للسنوات الحالية. أو ليس عجيباً! أن الاتحاد السوفيتي يتغير تغيراً مفاجئاً مذهلاً إلى حد الإعلان أن الحزب الشيوعي لن يحتكر السلطة، وأن البلاد تؤمن بالتعددية الحزبية، إنها لأمور لا بد أن تشد الانتباه، ولا بد أن يتصدى لها المؤمنون، والحريصون على مستقبل هذا الأمة بكل تحليل وتدقيق. ونحمد الله ، بادئ ذي بدئ أننا نثق في المستقبل البعيد، بلا ريب ولا مرية، ولكن يجب علينا أن نحسب الحساب في مستقبلنا الحالي، في واقعنا المعاصر، ولمستقبلنا القريب، وكيف يمكن أن نكون على مستوى التحدي، وعلى مستوى المواجهة. إن الشيوعية التي كانت بعبع العالم وصنمه في الستينيات الميلادية (الثمانينات الهجرية) مذهب فكري معروف لدى العالم كله، ولكنه في الوقت نفسه مجهول، فمعروف أنه نظام جماعي استبدادي مطلق، وأنه نظام شمولي -كما يسمى- ونظام عقائدي يبني كل صغيرة وكبيرة على العقيدة والمبدأ، ويفسر التاريخ تفسيراً مبنياً ومشتقاً من العقيدة. يحلل جميع الأحداث تحليلاً مبنياً على العقيدة الماركسية، ولكن الحقائق الخفية، أو المجهول لا يظهر إلا بعد حين، ومما ينبغي أن يعلم -ونحن لا نستطيع بالطبع عرض الشيوعية كاملة- ولكن نعرض فقط ما يتعلق بالتفسير المادي للتأريخ لنصل منه إلى المرحلة المعاصرة التي هي محل النزاع ومحل النظر والتحليل.

стр. 124

المراحل التي مرت بها الإنسانية عند الشيوعية إن الشيوعية تقسم تاريخ الإنسانية إلى مراحل خمس، وهي بإيجاز:

стр. 125

مرحلة الشيوعية البدائية مرحلة الشيوعية البدائية -كما تصوروها- وهي أن العالم أول ما وجد كان شيوعياً بحتاً، ويسمونها الشيوعية الأولى أو البدائية، أي تماماً على ما نطلق عليه نحن، (بحق وحقيقة) كما نطق به وصرح به كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، من أن البشرية الأولى أول ما كانت على الإسلام: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة:٢١٣] قال المفسرون: أي: على الإسلام ثم اختلفوا بعد ذلك وكما قال ﷺ في حديث عياض بن حمار - الصحيح-: ﴿وإني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين﴾ فهكذا عشرة قرون، كانوا على التوحيد حتى ظهر الشرك في قوم نوح. والمقصود أن هذه هي المرحلة الأولى كما يزعمون.

стр. 126

مرحلة الرق يتبعها بعد ذلك، أو جاء بعدها مرحلة الرق، والانتقال من مرحلة إلى مرحلة، وسببه عامل مادي بحت. كيف انتقلت الإنسانية بزعمهم كما نظرها ماركس وفريدرك أنجلز وغيرهما إلى مرحلة الرق؟ قالوا: عندما اكتشفت الزراعة عن طريق المرأة -كما يقولون- ورأوا أن البذور التي تتساقط تنبت، فكان هذا العامل الاقتصادي عاملاً أساسيا واحداً للانتقال إلى المرحلة التي تليها وهي مرحلة الرق.

стр. 127

مرحلة الإقطاع بعد مرحلة الرق يقولون: انتقلت الإنسانية أو المجتمع البشري بعمومه إلى مرحلة الإقطاع، وكيف انتشر الإقطاع؟ أيضاً بعامل مادي، والمقصود أن المراحل المهمة هي الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية.

стр. 128

مرحلة الرأسمالية وكان الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية نتيجة اكتشاف الآلة، كما يقولون في أوروبا الثورة أو الانقلاب الصناعي.

стр. 129

مرحلة الشيوعية ثم المرحلة الأخيرة بعد الشيوعية الأولى والرق والإقطاع والرأسمالية، تأتي المرحلة الأخيرة التي لا بد أن تقع حتماً وهي الشيوعية النهائية. المرحلة الأخيرة هي مرحلة سيادة الشيوعية وسيطرة الشيوعية على العالم كله، حيث تلغى الدول، فلا دولة، ولا أسرة، ولا ملكية خاصة، ولا قوانين، ولا مبادئ، ولا أخلاق، إلا مبادئ (البروليتاريا) أي الطبقة الكادحة التي سوف تحكم العالم أجمع، ويكون الفردوس الذي يحلم به الناس جميعاً، كل بحسب طاقته، ولكل بحسب كفايته. هكذا حَلُم الفكر الشيوعي وأسس هذا في التطبيق أو في مبدأ المنهج النظري وهو -كما هو معلوم- تحوير لمنهج الجدل، أو (الديلكتاليكي)، الذي وضعه هيجل الفيلسوف المثالي الذي هو أكبر فيلسوف ظهر في أوروبا في عصورها كلها، وعلى الأقل في العصر التاسع عشر، أو العصر الحديث، فحول عالم المثل الخيالية، إلى عالم الواقع، وحول التطور الذي نادى به داروين من نظرية علمية بيولوجية (أحيائية) إلى أن وضع أساساً للتغير الحتمي، عندما يصبح العالم حتماً وقهراً شيوعياً.

стр. 130

حقيقة الشيوعية ونبذة عنها في فترة حكامها نسوق هذه الحقيقة لنقول: إن الفكر الشيوعي يقول- وهذا من ضرورياته ولا ردة عن هذا المبدأ- إن العالم حتماً سيصل إلى مرحلة الشيوعية المطلقة، وحكومة أو مجتمع البروليتاريا (أي الطبقة الكادحة). والتراجع عن هذه الفكرة هو هدم لكل الأسس الخمسة، هدم للتفسير المادي للتاريخ بأكمله، وبالتالي فهو هدم للنظرية الماركسية، وللنظرية الشيوعية مطلقاً، هذا من جهة المنهج. أما من جهة التطبيق فـ الشيوعية أول ما وجدت كوجود حقيقي- بغض النظر عن حكومة الكوميو التي وجدت في باريس أو غيرها مما يسمى بالشيوعيات الساذجة- وجدت وجوداً فعلياً في ثورة عام (١٩١٧م)، في الاتحاد السوفيتي عندما ثار الشيوعيون، بل في الحقيقة ثار الشعب الروسي الذي ضغط على الحكومات القيصرية وعلى الاضطهاد والظلم والإقطاع، ثار بعد أن توالت الثورات -طبعاً كانت أول ثورة في أوروبا هي الثورة الفرنسية عام (١٧٨٧م) - ثم توالت الثورات وآخر ثورة تقريباً هي الثورة الروسية (١٩١٧م). عندما قامت الثورة، كان أول من قام بها فئات لا يهمنا الآن الحديث عنها، وإنما يهمنا أن الشيوعيين تسلقوا وقطفوا ثمرة الثورة بعد أشهر من قيامها، وحولوها إلى ثورة شيوعية، وكان هذا أول انعطاف عن المراحل الخمس، التي وضعها ماركس، وذلك أن روسيا انتقلت من دولة زراعية إلى دولة شيوعية، وهنا نقطة مهمة بالنسبة للتأريخ. كان الحاكم الأول هو لينين وهو رجل يهودي معروف وهو أول من حكم ونَظَّر. اضطر لينين إلى تنظير جديد، يتناسب مع المرحلة الموجودة، فقد كان ماركس وفريدرك قد تنبأ بأن الدولة المهيأة لأن تكون شيوعية هي بريطانيا، والسبب هو أنها الدولة التي بلغت قمة الرأسمالية في ذلك الزمن، فبالتالي النقلة الطبيعية من رأسمالية إلى شيوعية سهلة عليها. أما النقلة من مجتمع زراعي إلى مجتمع شيوعي، فمعنى ذلك أنه لا بد من مرور بالمرحلة الحتمية الجبرية، التي هي المرحلة الخامسة، وهذه قضية فكرية، صاحبها في الواقع أن لينين عندما حكم البلاد، سلم الحكم -أو كما زعم- إلى مجالس السوفيت والبروليتاريا فعجزوا عن إدارة البلاد -وطبيعي أن يعجزوا عن ذلك- وهنا تدخل لينين ولخطط مقصودة أراد أن يحرف المسار عن التطبيق الحرفي للشيوعية. انقسمت الفئة أو الطغمة الشيوعية على نفسها في تلك الأثناء، وظهر المصطلح المعروف وهو البلشفيك والمشفيك، والبلشفيك معناها الأكثرية، والمشفيك معناها الأقلية. الأكثرية كانت تدعي أنها على منهج لينين، وكان منها جوزيف استالين الطاغية المعروف المشهور، والمشفيك الأقلية، كان لها نظرة في التطبيق تختلف، ولها تفسير للاشتراكية الحقيقة تختلف وكانت بزعامة تراوتسكي.

стр. 131

الحكم الشيوعي في عهد إستالين وحصل الانشقاق الأول، ومن هنا ظهر الانتقاد، والقول بأن الشيوعية لم تطبق وأن الانحراف وقع عن مبادئ ماركس على يد لينين. توفي لينين وانتهى عام (١٩٢٥م)، وورث الحكم الطاغية الرهيب المستبد استالين الذي دمر الشعوب، ولا سيما الأمم الإسلامية وقتل منها عشرات الملايين في مجزرة رهيبة بعد أن وضعت لهم الوعود المعسولة، بأن حكم القيصر وظلمه قد انتهى، وإننا نحن رسل الإنسانية والعدالة والحرية، وأن في إمكان المسلمين بل يجب عليهم أن يكونوا معنا يداً واحدة في هذا العصر الجديد الزاهي، لنحقق العدالة والأخوة والمحبة. وخُدع المسلمون بالطبع، أو طائفة كبيرة منهم -على الأقل- بهذه العهود المعسولة والأماني، ثم عقبها انقضاض استالين وبكل شراسة وعنف، على الإبادة الجماعية للمسلمين والتهجير الجماعي، حتى إن جمهوريات إسلامية كاملة، هُجِّر أهلها بالكامل، وأحل محلها مستوطنون من روسيا ومن النصارى، ونزح بهؤلاء المسلمين إلى سيبيريا والمصانع في مناطق أخرى. فترة استالين هذه سماها جورباتشوف نفسه في كتابه إعادة البناء: "مرحلة عبادة الفرد"، وهكذا كان بالفعل، ومع ذلك، حتى جورباتشوف نفسه يعتذر لـ استالين بأن ظروف الحرب والأوضاع الدولية أملت عليه بعض التصرفات وإن كان لا يرى أنها كافية للعذر. مرت مرحلة استالين، وكانت العلاقة مع العالم متأثرة فعلاً بظروف الحرب العالمية الثانية، وكان الغرب والشرق - أعني غرب أوروبا وشرقها- مضطراً للتعاون والاندماج في سبيل القضاء على النازية والفاشية على هتلر وموسليني دول المحور (محور الوسط). كان لا بد من شيء من هذا، فـ استالين جعل هذا غطاءٌ لحكم استبدادي مطلق، ولتعديلات جذرية في المنهج الشيوعي فكراً وتطبيقاً على أن الأمر أمر مرحلي! وأن المسألة لن تتجاوز استثناءات وقتية أملتها الظروف، وبعد هذه الإجراءات الاستثنائية، وبعد انتهاء الحرب يمكن أن تعود الأمور إلى مجاريها، ولكن طال الأمد جداً وحكم هذا الطاغوت حكماً طويلاً، وكانت العلاقة مع الغرب كما قلنا علاقة وئام بسبب الموقف الموحد من النازية والفاشية. أعقب ذلك - ونحن نوجز الأحقاب سريعاً حتى نصل إلى المرحلة الحالية- مرحلة خورتشوف. جاء خورتشوف وقال: 'إن استالين انحرف' وندد بسياسة استالين تنديداً فضيعاً، وقال لا بد من العودة إلى منهج لينين العظيم، وهناك ما يشبه النكتة وهي حقيقة وقعت، بعد أن تولى خورتشوف رئاسة الاتحاد السوفيتي، وعقد اجتماعاً موسعاً في اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، أخذ يتحدث لهم عن مساوئ استالين، ومظالمه واستبداده ودكتاتوريته، فجاءته أوراق، ومن جملة الأوراق جاءت ورقة مكتوب فيها: أين كنت يوم كان استالين يصنع هذه الأمور؟ وهو سؤال وجيه. طبعاً كان موجوداً في الوزارة، مشتركاً في كل النشاطات، ومع ذلك كان ساكتاً، والآن يندد تنديداً رهيباً فضيعاً. وكان خورتشوف داهية خبيثاً كالباقين هؤلاء، طبعاً وهم يهود، فـ لينين يهودي، واستالين يهودي، وخورتشوف يهودي، وبرجنيف يهودي. فقال: من الذي كتب هذه الورقة لأتناقش معه؟ فلم يرفع أحد يده. قال له: كنت أنا في أيام استالين كما أنت الآن في أيامي. إذن من يستطيع التكلم، فالقضية واحدة! المهم أن اللاحق ينتقد السابق، وهكذا.

стр. 132

الحكم الشيوعي في عهد خورتشوف خورتشوف مرحلته تميزت بما يسمى بالتعايش السلمي، وقد كان معاصراً لـ جون كنيدي الرئيس الأمريكي القوي، وهو الذي حدثت في أيامه أزمة صواريخ كوبا وغيرها، وانتشر السلاح النووي في العالم، وكادت أن تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة. فاضطر الاتحاد السوفيتي أمام ضغوط كثيرة، إلى إعلان ما يسمى بالتعايش السلمي والتآلف بين الشعوب، وكانت مرحلة الحرب الباردة التي استمرت، ولكن اتفق الطرفان على أن لا يبدأ أحدهما الآخر بهجوم. وكان الهدف الشيوعي في هذه المرحلة يتلخص في: تنشيط الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية، وفي العالم الإسلامي، وفي العالم الثالث- لتقوم الثورات تلقائياً من داخل هذه الشعوب. وتسيطر الأحزاب الشيوعية، وحينئذٍ تسيطر الشيوعية على العالم. وبذل الاتحاد السوفيتي لـ خورتشوف جهوداً كبرى مضنية، لنشر الشيوعية ومساعدات كبرى ضخمة للأحزاب الشيوعية التي لم يبق بلد في العالم إلا وأنشئت فيه، حتى الدول الغربية التي هي أشد حرباً للفكر الشيوعي (كـ أمريكا مثلاً). وجدت الأحزاب الشيوعية، واستطاعوا أن يقيموا حتى في العالم الإسلامي دولاً شيوعية ومن بعضها قامت ثورات شيوعية ولكنها فشلت، كما حدث في السودان، وكما حدث في إندونيسيا فتحكم عدة أيام ثم تنتهي، وأما الأحزاب كأحزاب فبقيت منتشرة وموجودة في الدول كلها، وعن طريق دول عدم الانحياز وغيرها استطاعوا إيجاد مجالات أوسع للتغلغل الفكري والثقافي لنشر الشيوعية في العالم. ولكن الذي حصل أنه عندما ذهب خورتشوف وجاء دور برجنيف وكان هو الرجل البارز في هذه المرحلة، رأى أن الأمر لم يؤد دوره المطلوب، وأن الوضع قد تفاقم داخلياً وخارجياً، وأن الشيوعية كادت بالفعل بل فشلت فشلاً ذريعاً بأن تسيطر على العالم، وبدا هذا لديهم في مرحلة برجنيف. وقد كان الأمل معلقاً في الحقيقة على الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية، ومدى ما تصل إليه من نجاح، وعلى التغيير الداخلي، إذ الانهيار الذي حصل في الاتحاد السوفيتي كان فضيعاًَ جداً في المجال الزراعي، وفي المجال الصناعي تفوق الغرب تفوقاً بعيد المدى. استيقظ العالم في أكثر من منطقة وبدأ ينافس الشرق والغرب، ظهرت اليابان، وظهرت كوريا، ثم بدأت تظهر بعض الدول التي بدأت تنافس، فكان هناك خطر محدق بوجود الاتحاد السوفيتي كقوة عالمية عظمى، وكان لا بد من إعادة الحساب مرة أخرى.

стр. 133

الحكم الشيوعي في عهد ميخائيل جورباتشوف هنا اصطنع بشكل ما ميخائيل جورباتشوف، وقد كان أعضاء الحزب الشيوعي الكبار كلهم من العجائز، الذين تعدوا السبعين أو الثمانين، وهذا الشاب الوحيد الذي رُبّي على أعين الحزب -بغض النظر عن الخلاف في هذه القضية على أية حال- لكن الأحداث الواضحة الجلية تدل على أن هذا الشاب ربي، وأنه يجمع بين الذكاء، والثقافة الواسعة في الفكر الشيوعي، والدهاء السياسي، والقدرة على إقناع الجماهير، وكل هذه الصفات جمعت في ميخائيل جورباتشوف، ورقي بسرعة إلى أن أصبح قابضاً على أعلى المناصب. وهنا طرف لا بد أن نعرض له: وهو أن الغرب تدخل إلى حد ما في إذكاء جماهيرية وشعبية جورباتشوف، وفي فتح مجالات جديدة أمامه, ووعود معسولة فيما لو قام بنوع التجديد الذي بيِّت له. نستطيع نحن المسلمين -أو أي محلل آخر- أن نقول: إن وراء ذلك اتفاقاً سرياً ما وسيكشف، لكن سنحصد الأحداث الظاهرية نوعاً ما، حتى نرى ما ستكون النتيجة. فجأة يبرز جورباتشوف ويبرز زعيماً أوحداً كما برز استالين، وكما كان خورتشوف وكما كان برجنيف في فترة ما يسيطر على أزمة الأمور.

стр. 134

الأحداث التي استغلها جورباتشوف لتحقيق أهدافه من القضايا البسيطة أنه عندما أريد لـ جورباتشوف وافتعل له أن يصبح مستبداً، رأى أن أقوى سلطة يمكن أن تقف أمامه الجيش، فالحزب فهو منظّر فكري ويستطيع أن يسيطر إلى حدٍ ما، لكن الجيش هو المشكلة. فكان لا بد أن يغير القيادات: قيادة الاستخبارات، وقيادة القوات الجوية والبحرية، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير -كما يقال- وهي تلك القصة الغريبة جداً التي ذهلنا جميعاً لها، ثم مرت كأي حدث من الأحداث العابرة دون أن تحلل التحليل السليم خاصة من المسلمين على الأقل، وهي قصة الطائرة الشراعية الصغيرة التي اختطفها أو دخل بها شاب وعشيقتة -جعلت معه عشيقة لتبدو القضية قضية مغامرة حب- واستطاع أن يطير من ألمانيا ويخترق الحدود السوفيتية، بطريقة الله أعلم بكيفيتها -ولابد من وجود تواطؤ طبعاً- وينزل في الساحة الحمراء، ويطل المسئولون في أقوى دولة كما تزعم، والتي تريد أن تنافس أمريكا في حرب النجوم، يطلون ويجدون أن طائرة غريبة، قد نزلت ووقعت في الساحة الحمراء، أين الدفاعات الجوية؟ أين الرادارات؟ أسئلة كثيرة. بناءً على ذلك قرر جورباتشوف أن هذا المجتمع يحتاج إلى تجديد، فأقال وزير الدفاع، وقائد القوات الجوية، وقائد كذا، وقائد كذا، دفعة واحدة، وينحى هؤلاء الذين أدوا إلى هذه الفضيحة كما قيل، وتخلص منهم وجاء بالعناصر التي يريد. بعد ذلك جاءت عدة حوادث كانت ذريعة إلى الاستمرار، وهي - كمثال - الزلازل التي حصلت في أرمينيا، فقد استطاع جورباتشوف بدهائه أن يوظفها توظيفاً رهيباً، والزلزال طبعاً حصل قضاءً من الله وهذا معلوم. أرسل الاتحاد السوفيتي بمعداته الثقيلة للإنقاذ، وإذا بها هزيلة لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فاضطر جورباتشوف للاستنجاد بالغرب، فمد الغرب يده بسرعة، فهي قضية إنسانية، كعادة الغرب عندما تهبُّ نخوته الإنسانية في أي قضية غربية، وتختفي تماماً في أي قضية أو نكبة إسلامية، وإذا به يهبُّ لنجدة أرمينيا، وإذا بالناس يرون العجب العجاب. وقبل ذلك حدث -أيضاً- الإشعاع الذري الذي تسرب من معمل تشر نوبل، في الاتحاد السوفيتي، فوقف الاتحاد السوفيتي عاجزاً عن السيطرة أمام آثار الإشعاع، ويأتي الغرب بالتكنولوجيا، ويستطيع أن يحاصر التسرب. المقصود أن عدة أحداث حدثت وجورباتشوف يوظفها لمصلحة فكرة: أن هذا التخلف الفظيع الذي تعيشه الاتحاد السوفيتي كان بسبب التطبيق السيئ للاشتراكية، كان بسبب عبادة الفرد، كان بسبب التجاوزات التي ارتكبوها واستطاع الأعداء أن يتفوقوا عليهم إلى آخر ذلك، عندها أصدر جورباتشوف كتابه إعادة البناء وكان قد مضى على ما سماه بـ إعادة البناء أو البروستريكا سنتان ونصف. عندما طبع الكتاب، وكان هذا الكتاب شرحاً لوجهة نظر جورباتشوف نفسه في إعادة البناء، نوجزه في نقاط بسيطة: جورباتشوف يرى أن إعادة البناء ضرورية جداً، وأنه لا تنازل على الإطلاق عن الاشتراكية، وأنه لا يقبل أية مساومة على المبدأ، وأن مستقبل الإنسانية جمعاء مرهون بالتطبيق الحقيقي للمبادئ التي نادى بها ماركس ولينين، فهي قضية لا تقبل النقاش عنده -ولاحظوا هذا شيء مهم نضعه في الاعتبار- ثم يطرح وضعاً سياسياً جديداً، يقول: مع هذا كله نحن جزء من العالم، يجب أن نتعايش، تحدث عن العالم الثالث، تحدث عن الولايات المتحدة الأمريكية تحدث عن أوروبا بعد حديثه الطويل عن الاتحاد السوفيتي طبعاً. تعرض لقضايا كانت أهم قضية فيه -وهي التي نريد أن نصل منها إلى ما يجب علينا نحن المسلمين في هذه المرحلة الخطيرة- وهي مسألة العلاقة مع أوروبا، والعلاقة مع أمريكا، وكيف تكون هذه العلاقة؟ وهذه مسألة مهمة جداً سنضطر أن نتجاوز عنها قليلاً لنتحدث عن أوروبا الغربية ماذا كانت تعمل قبل إعادة البناء وأثنائها! وكيف كان العالم الغربي يفكر؟!

стр. 135

موقف الغرب من الشيوعية العالم الغربي سلاحه ووسيلته الكبرى للتنديد بـ الشيوعية والثلم والطعن في الاتحاد السوفيتي أنه مجتمع كبت وإرهاب، وفقر ومذلة، مجتمع اللاإنسانية، وهو كذلك، وفخر أوروبا الغربية ليس بأن لديها منهجاً، أو أن لديها رسالة تقدمها إلى العالم، الفخر الوحيد لها أن لديها الديمقراطية، وإعطاء الحرية للشعوب، أما غير ذلك لا توجد عقيدة محددة ينتهجها الغرب. إذاً: في ظل هذا بدأ الغرب يحس بالخطر المحدق به من الجهتين: ١ - من جهة خطورة الاتحاد السوفيتي كقوة عقائدية ضخمة، هذه ناحية مهمة. ٢ - ومن جهة أخرى خطورة الولايات المتحدة الأمريكية، وهي قوة اقتصادية ضخمة. أوروبا الغربية بالذات وجدت نفسها محاطة بالقوتين العظيمتين، وهي التي تدعي أنها أساس الحضارة الإسلامية. لا يوجد لدى أوروبا شيء، فقد تداعت أوروبا الغربية وقالت: لا بد من وحدة أوروبية، وبدأت -طبعاً- بالسوق الأوروبية كما هو معلوم، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مرحلة الوحدة الأوروبية التي ستعلن بوحدة البرلمان الأوروبي، ووحدة المواقف ووحدة القضايا، واستمرت في عملية مدروسة مبرمجة، لتصل بعد سنتين تقريباً إلى إعلان الوحدة الكاملة بين دول أوروبا، هذا برنامج خطير ولم يكن ليفوت الرفاق في موسكو معرفة هذا البرنامج. أما الولايات المتحدة الأمريكية، فتنظر للموضوع بمنظار أن الغرب غرب كله، وتحاول توظيف الوحدة الأوروبية لتضرب الاتحاد السوفيتي في العمق، وروسيا في ظل هذا الوضع لديها مشكلة ألمانيا، كما هو معلوم. كما أن الجيوش المرابطة في أوروبا قرابة سبعمائة ألف، تكاليفها باهضة. أيضاً لديها تحدٍ عالمي في أمريكا الوسطى وفي الشرق وفي كل مكان، ولا بد أن تقف دولة مواجهة لـ أمريكا وهي لا تستطيع ذلك. فكان لابد لـ جورباتشوف -وهنا نقطة مهمة- أن يقطع الطريق ضد توحد الغرب الأوروبي ضده، وضد أوروبا الشرقية فقام بإعلان الديمقراطية، وهو بهذا يسلب الغرب الشعار الذي لوح به ويفخر به على العالم كله. ففتح أولاً- وهذه نقطه مهمة -لم يبدأ بـ روسيا وإنما بدأ بالدول الأخرى بولندا، لأن العمال فرضوا أنفسهم بالقوة من سنوات وهم ثائرون، ثم قليلاً قليلاً، وكانت مجزرة رومانيا الفظيعة.

стр. 136

جورباتشوف ينتقل إلى ديموقراطي أخيراً كان التغيير الذي أعلن في الاتحاد السوفيتي نفسه وهو أن الحزب الشيوعي لا يحتكر السلطة، وإنما تكون حكومات ديمقراطية وهنا تضعضع العالم الغربي واهتز وشعر بالخطر فعلاً، وبدأت التحليلات الغربية تختلف، طائفة من الغربيين أبدوا الارتياح الكامل، لهذه الخطوات الديمقراطية، وتفاءلوا بمستقبل زاهٍ للإنسانية -كما نسمع الآن ويردد كثيراً- وأن الإنسانية والعالم الإنساني مقبل على مرحلة انفراج، وأن النظم الشمولية ستنتهي، وأن الديكتاتوريات ستسقط، وأن وأن وأن إلخ. وقالوا: إن هذا نتيجة ثورة الإنسانية، وتفاعل الحرية في قلوب العالم أجمع، هذه كانت تحليلات، وتحليلات أخرى تقول: لا! الاتحاد السوفيتي دائماً يلدغ والشيوعية لم يتنازل عنها، وإنما هذه حركة التفاف وعملية مخادعة وهكذا اختلفت التحليلات. والذي يتتبع العملية يقول: لا يمكن أن تكون هذه إلا عملية مقصودة إذ كيف يكون السقوط بهذه الدقة. ثم لماذا في كل دولة يسقط فيها الحزب الشيوعي يبرز في محله الشيوعيون الناقمون، أو الإصلاحيون كما يسمون، فكأن تراو تسكي الذي قتله استالين عام (١٩٤٠م) قد أعيد من جديد، أو غيره كالدولية الثانية والثالثة والرابعة. مجموعة الأحزاب الشيوعية (خارج الاتحاد السوفيتي): يرون أيضاً الارتياح التي تقابل به الأحزاب الشيوعية في بلادها هذا الحدث، فيقول: لا بد أن هذا أمر دبر بليل، ووراؤه ما وراؤه من خطر على أوروبا. على أية حال وصلت بعض التحليلات إلى القول بأن جورباتشوف دسيسة أمريكية، ربي على عين أمريكا، ووضع ليهدم الشيوعية وليأتِ في مؤتمر مالطا ويقول لـ بوش: نحن لن نتقاسم العالم معكم. والبعض الآخر يقول بالعكس: إن جورباتشوف هو الذي سيحتوي العالم، ويريد أن يحتوي العالم عن طريق هذا الخداع، المهم أنها تحليلات مختلفة، لكن نقتصر نحن على الأمور الظاهرة، ثم لنا الحق جميعاً أن نستنتج منها ما نستنتجه. القضية الأساسية هي: أن الأحزاب الاشتراكية في أوروبا، والشيوعية تكاد أن تكون هي الحاكمة في كثير من دول أوروبا، في فرنسا، في إيطاليا، في البرتغال، في دول عدة. الشيوعيون أو الاشتراكيون على الأقل، إما حاكمون، وإما لهم أحياناً فوق (٤٠%) من الأصوات كما في الانتخابات الحرة التي أجريت في دول أوروبا الغربية. إذاً هناك عمق شيوعي ثقافي فكري داخل أوروبا الغربية مؤيد لـ جورباتشوف، ثم إذا سحب جورباتشوف الأنظمة الديكتاتورية التي عفنت، وسخط عليها الناس واستبدلها بأوضاع قريبة، مما تطالب به الأحزاب الشيوعية تقريباً في أوروبا الغريبة، فإنه سيوفر على نفسه النفقات الباهضة للمنافسة النووية، ليدعم نشر الشيوعية بطريقة الفكر والثقافة. وقد صرح بأنا نريد أن ننشر الفكرة عن طريق اقتناع الناس بها، لا عن طريق إرغام الناس أن يكونوا شيوعيين، كما كان في الماضي، وواثق أن أوروبا الغربية ليست لديها عقيدة ولا مبادئ، وأن الشركات الأمريكية سوف تنظر للموضوع نظر ريبة. ثم إن جورباتشوف يرى -قد صرح بهذا في إعادة البناء - أنا نحن الأوروبيون، أوروبا بيتنا المشترك -هكذا بالنص- ونحن مثل ناس في شقق، فـ ألمانيا وبريطانيا وفرنسا شقق في هذا البيت حتى يقول: لماذا يقبل الغرب على الثقافة الأمريكية: ثقافة الجنس، ثقافة العنف، ثقافة الجريمة، ويترك الآداب الإنسانية الأوروبية، نحن يجمعنا أدب واحد، تجمعنا حضارة واحدة، يجمعنا دين واحد، حتى يقول: الدين وحَّدنا وهو الكاثوليكية، واختلفوا على مرور ألف سنة على دخول الكاثوليكية إلى الاتحاد السوفيتي. يقول: وأوروبا شيء واحد، عندما ننظر إلى ضرورة أن تعود ألمانيا دولة واحدة، وتسحب منها القوات الأجنبية، فـ روسيا جغرافياً موجودة في أوروبا، لكن أمريكا إذا سحبت قواتها تكون من وراء البحار، إذن هنا نقطة أساسية في العملية الاستراتيجية العسكرية ما بين الدولتين. طبعاً الإعلان الذي أعلن عن توحد أوروبا هو توحد دول يسكنها ثلاثمائة وخمسة وعشرون مليوناً، ومعنى ذلك أنها أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الاتحاد السوفيتي التي يسكنهما تقريباً مائتان وسبعون مليوناً. إذاً: أوروبا ستكون أقوى سكانياً، وجورباتشوف يريد احتواء هذا بطريقة أن يضيف إلى الثلاثمائة وخمسة وعشرين مليوناً المائتين والسبعين مليوناً الذين في الاتحاد السوفيتي فتصبح أوربا قوية. ويقول: نحن لدينا خبرات، لدينا تقدم في إنتاج الفولاذ وغيره، ولدينا موارد هائلة، ولدينا امتداد جغرافي كبير، نستطيع توظيف الأموال الأوروبية فيه، وبذلك ينفصل الغرب عن الولايات المتحدة الأمريكية، فتكون النتيجة أن توجد أوروبا الموحدة، والتي إذا ضمت لها أوروبا الشرقية مع الاتحاد السوفيتي سيكون شيء لا يكاد يصدق، أكثر من سبعمائة مليون قوة بشرية وعلمية هائلة، وتجد أوروبا الغربية إما أن توافق وإما لا قيمة لها، شعاراتها مفقودة، وستجد على الأقل أن الأحزاب الشيوعية فيها والاشتراكية ستطالب وتقول: لم لا ينظم الاتحاد السوفيتي إلى أوروبا الغربية؟ فإذا قيل: إنها دولة استبدادية، سيقال لهم: لقد انتهت الاستبدادية، وانتهى الظلم وانتهت الاشتراكيات، والآن أصبحت أحزاب ديمقراطية، فلماذا لا تمدون لهم يد العون؟ والشيوعية متغلغلة حتى في غير الأحزاب الشيوعية، ومتغلغلة في أوروبا الغربية، والنتيجة المتوقعة أنه ستقتنع أوروبا، بشكل ما على الأقل، ويعجب المرء عندما يسمع طبعاً نداءات جورباتشوف المتكررة بتعجيل مؤتمر الأمن القومي الأوروبي، وإدخال الاتحاد السوفيتي ضمن هذا المؤتمر، وأن تُعلن أوروبا الموحدة ومن ضمنها الاتحاد السوفيتي. إذاً سوف تتوحد أوروبا بشكل ما؛ لتصبح سبعمائة مليون أو أكثر لتكون قوة واحدة في مواجهة العالم، وبطبيعة الحال الأموال الأوروبية بدأت تتدفق من ألمانيا الغربية غيرها، إلى دول أوروبا الشرقية، وهذا أقوى شيء يؤمن به الغرب، وهو الاقتصاد والوحدة الاقتصادية. يبقى هناك أمريكا هل ستستسلم أمريكا بهذه السهولة، وتعطي أوروبا شرقها وغربها لقمة سائغة لـ جورباتشوف؟ هذا غير معقول، فلا يمكن أن أمريكا التي أنست الناس كل أنواع الاستبداد والاستعمار القديم، باستعمارها الفظيع الحالي للعالم كله تقريباً جوه وبحره، وإنما أمريكا وجدت عدة وسائل لتضغط بها على الاتحاد السوفيتي.

стр. 137

علاقة إعادة البناء بالأمة المسلمة وهنا -وأرجو عدم المؤاخذة على الاختصار الذي نضطر إليه- ندخل في قضية ما يمس الأمة الإسلامية بالذات وبالنص: الولايات المتحدة الأمريكية يهمها أولاً استرضاء إسرائيل، لأن اللوبي اليهودي مسيطر عليها، كما على الطرفين طبعاً، فهو وسيلة ضغط على الاتحاد السوفيتي وعلى أوروبا الشرقية. أولاً: تغيير الموقف من إسرائيل، وجورباتشوف يقول: نحن من الدول التي أسست إسرائيل، يقول هذا في إعادة البناء، وليس لنا موقف معادٍ لإسرائيل، ونؤمن بحق إسرائيل في الوجود، لكن لا توجد علاقات أو مواقف سياسية معروفه معلنة في الأمم المتحدة، أو الفيتو. الآن أمريكا والغرب تضغط على الاتحاد السوفيتي، ودول أوروبا الشرقية لهجرة اليهود الروس، وهي هجرة فضيعة جداً، وعلى غفلة الأمة الإسلامية وعلى غفلة الأمة العربية استيقظت لما رأت هذا الخطر المحدق، وأصبحت على ألسنة جميع الناس تقريباً، والصحافة العربية والإسلامية، وهي مسألة الهجرة اليهودية، لأنه كما أعلنت منظمة التحرير وهي المصدر الرسمي على أية حال، ما تعرضت له الانتفاضة في فلسطين، أنه أكثر من عشرة أو اثني عشر ألف جرحى، يقارب العدد ستين ألفاً بين جريح وسجين وقتيل، وثلاثمائة ألف حالة إجهاض متعمدة من اليهود لإجهاض النساء المسلمات في فلسطين يقابل ذلك هذه الأيام بالمعدل الذي أعلن، معدل ثلاثمائة يهودي سوفيتي يصلون يومياً إلى فلسطين، ففي عامٍ وصل قرابة خمسة وسبعين ألف يهودي، وهم يزدادون عاماً بعد عام، لا شك أنه وجود بشري مكثف. قرأنا أن إسرائيل بنت مائتي ألف وحدة سكنية جاهزة لاستقبال اليهود من أوروبا الشرقية، أي إذا افترضنا تقديرياً أن الأسرة تتكون من خمسة أفراد فمعنى ذلك أن مليون يهودي سيصلون إلى الأرض المحتلة فلسطين الإسلامية، وسيسكنون في المناطق التي فيها وجود إسلامي، والتي يوجد فيها العرب. أما بالنسبة لـ أمريكا، فمن مصلحة أمريكا من الناحية الاقتصادية أيضاً التغلغل داخل الاتحاد السوفيتي وإمداده، وبناء وإنشاء المشاريع، والشركات الأمريكية تضغط -كما هو معروف- على الحكومة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي مفتوح كما تبين الآن لمشاريع رهيبة تربح وتجني منها الشركات الأمريكية أرباحاً خيالية كبرى.

стр. 138

العدو المشترك بين الشرق والغرب هو الإسلام أهم من هذا كله: العدو المشترك للشرق والغرب الذي لا بد أن يتوحدوا ليقفوا أمامه. أرنلد توينبي أكبر مؤرخ غربي في العصر الحديث يقول: 'نستطيع أن نتحاور مع الشيوعية (وهذا في فترة الحرب الباردة)، نستطيع أن نتحاور مع كل دين إلا الإسلام، فإنه يضل العدو الأبدي لنا' هذه كلمة مفكر، أما الساسة فيعلمون ذلك وأكثر. وأذكر مثالين على ذلك: الأول: حدث في الجزائر أن خرجت ثلاثة آلاف امرأة شيوعية بمظاهرة، يطالبن بإلغاء دستور الأسرة؛ لأنه ينص على شيء من الشريعة، فقامت الرابطة الإسلامية، وهي امتداد لدعوة الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمة الله عليه، وأخرجت قيل: خمسمائة ألف وقيل مليون امرأة مسلمة محجبة، ورفعن شعارات -وأنتم رأيتم جميعاً صورهن في الصحف- احكمونا بالإسلام، لا نريد إلا الإسلام، لا نريد إلا القرآن، ففزع الشيوعيون وغيرهم فزعاً رهيباً، ليس هذا هو الشاهد، بل الشاهد أن الرئيس أعلن أنه إن وصل الأصوليون إلى الحكم في الجزائر، فسأضطر للتدخل عسكرياً، كما تدخل بوش في بنما. الثاني: وهو ما حصل في اليمن الجنوبي، حدث قد ينظر إليه أنه بسيط ونشرته الصحف، أنه قامت فتيات المدارس الثانوية، بمظاهرات يردن الفصل عن الطلاب ويردن الحجاب، وكان استنفار شديد فضيع من السلطات الشيوعية لهذا الحدث. لأنه طولب بإلغاء مادة التربية الرياضية في المدارس، وطولب بالفصل بين الذكور والإناث، وطولب بالحجاب، لقد كان شيئاً فضيعاً جداً لا يمكن أن يتخيله العقل في دولة كانت ماركسية حرفياً، وآخر من استجاب لعملية إعادة البناء. وبالمناسبة خذوها عابرة وهي أن ما أراد جورباتشوف أن يطبقه في روسيا من التوحد مع الغرب تحت ستار إعادة البناء، بدأت الدول الشيوعية أو الدائرة في فلك جورباتشوف، تحاول أن تتوحد مع الجيران مهما اختلفوا معهم، وهنا تأخذون العبرة، واللبيب بالإشارة يفهم. هذان الحدثان يعطيان قناعة أن العالم الصليبي الأوروبي، يكن الحقد الشديد على الإسلام. بدأت العملية في أمريكا بطريقة غريبة، مع ما نشر وما ينشر من حقد على الإسلام لكنه كان محصوراً في المثقفين تقريباً، كيف استطاع الأمريكان أن يجعلوا هذا الحقد الدفين على الإسلام يتوقد بطريقة شعبية؟ قاموا بإنتاج أفلام خيالية بحتة على مدى ثلاث ساعات أو أربع ساعات تتحدث عن مستقبل أمريكا، منها: فيلم مشهور، كيف إذا هاجم الاتحاد السوفيتي أمريكا -مثلاً- وانتشر وبيع أكثر من مائة مليون، ومعه أفلام أخرى، نهاية أمريكا تكون على يد رجل راكب جمل معمم، من أتباع محمد، ويأتي ويحتل أوروبا، ثم يدخل إلى أمريكا ويدمر الحضارة الأمريكية، وهكذا يكون المضمون واحد، وهذا يؤدي إلى أن الشعب يظل في مخيلته هذه الفكرة وإن كانت قصصاً وحكايات ولكن باللاشعور يترسب أن هذا هو العدو، وأن هذا هو الخطر. وللعلم هذا - أيضاً - حدث في عام (١٩٨٣م) أن الاستخبارات الأمريكية موَّلت أكثر من مائة وعشرين ندوة لدراسة الصحوة الإسلامية، أي: أكثر من معدل ندوة كل ثلاثة أيام، لدراسة الصحوة الإسلامية في معظم أنحاء العالم. فالغرب والشرق حذر من العدو الأساسي وهو العالم الإسلامي، فكيف نتوقع إذا توحد الشرق والغرب؟ أعني أن أمريكا أمام هذه الأمور ستتوحد مع الغرب نوعاً ما، أقول: لا نفرض صورة الاتحادات، ولكن سيصل الأمر إلى أن ألف مليون على الأقل من الصليبيين من أوروبا شرقها وغربها وأمريكا ستصبح وفق إرادة واحدة، وقرار واحداً بأي شكل اتخذ هذا القرار فليس مهماً، وذلك للوقوف في وجه هذا العدو الذي بدأ يستيقظ، وبدأ يهدد العالم الغربي كما يقولون.

стр. 139

مستقبل العالم الإسلامي في ظل التحزبات الكفرية كيف يكون مستقبل العالم الإسلامي في ظل هذه العملية إن استمرت الأمور كما هي عليه الآن، مع غفلة الأمة الإسلامية، مع ما تعانيه من التبعية السياسية والاقتصادية والفكرية، ومع ما تعانيه من الفرقة والانقسام، ليس على مستوى الشعوب، ولا على مستوى الحكومات؛ بل على مستوى الدعاة. لا توجد دعوة إسلامية على الأقل موحدة لتواجه هذا الخطر، كيف نتصور وضع العالم الإسلامي عندما يكون القرار الدولي واحداً، وقد كنا نعاني الأمرَّين وهو مختلف، فنوعاً ما يستطيع الناس في ظل الاختلاف الدولي أن يجدوا ثغرة أو منفذاً، أو على الأقل نشراً للأخبار إن انتهكت روسيا فتنشر أمريكا أحياناً، أو العكس، فأمور الخلخلة السياسية قد تعطي شيئاً من الانفتاح الذي قد يعطي بعض الاطمئنان. لكن كيف لو توحد هذا العالم وهو مقدم على ذلك؟ هنا سيكون المستقبل خطيراً جداً، وأنا أترك النتيجة والتحليل الأخير لكل إنسان، لأني قلت: المهم لدي هو أن تتضح الصورة، وأن يتضح هذا الخطر الداهم، ولكن هذا لا يمنعني من أن أطرح ما وصلت إليه من وجهة نظر؛ لعلها تكون لبنة على ما ستصلون إليه -إن شاء الله- في تحليلكم الأوسع أفقاً ونظراً مني. مستقبل الأمة الإسلامية قريب، الأحزاب الاشتراكية، والأنظمة الشيوعية، والأنظمة الاستبدادية الشمولية -كما تسمى- سوف تنتهي -فعلاً- وتختفي، وسوف يشهد العالم الإسلامي - على تحليلي الشخصي- انفتاحاً أيضاً قريباً من الانفتاح الذي في أوروبا الشرقية، ولكن لحساب من؟ هنا المشكلة. قد يسمح لبعض الجماعات والدعوات والحركات الإسلامية، التي لها وجود شعبي بأن تشارك جزئياً في الحكومات الديمقراطية، التي ستقوم على أنقاض الحكومات الشمولية الموجودة الآن في العالم الإسلامي. سوف تنفتح العلاقات بشكل أكبر، لأن الحرج ارتفع بالنسبة لـ روسيا، وهو مرتفع من قديم طبعاً بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فسوف يكون الغزو الثقافي والاقتصادي والتبعية بشكل أكبر، وهنا سيجد العالم الإسلامي نفسه منقسماً إلى قسمين رئيسين تقريباً: قسم سيفرح بالوزارتين أو الثلاث الوزارات، أو بعض النقابات، وينسى القضية الأساسية ويندمج في هذا الواقع، ومع الزمان سوف يرى أنه في النهاية سيخسر قضيته كلها. القسم الآخر وهو الطبيعي ولا بد أن يوجد الطرف الذي يسميه الغربيون "الأصوليون، المتشددون، المتزمتون" إلى آخره، لن يرضى إلا بالإسلام الواضح الجلي الكامل النقي، وهذا القسم أمامه أحد احتمالين: إما أن يقضي عليه القسم الأول، لأنه لن يتدخل الغرب وقد أخذ الدرس الرهيب في أفغانستان وفي غيره، ولن يتدخل بشكل مباشر؛ بل حتى عقائدياً لا أتوقع أن يتدخل الغرب؛ لأنه لو جاء بـ الشيوعية أو الاشتراكية الوجودية، أو أي فكرة لتقاوم، فلا يمكن أن أي إنسان عرف منهج الكتاب والسنة أو كما يسمونه الأصولية أن يصدق أي فكرة غربية، فالحصانة تلقائية لا يمكن أن يفكر فيها الغرب، لكن ربما تنجح. نقول: إما أن يقضي عليه الغرب بواسطة الطرف المعتدل -كما يسمى- الذي يؤمن بالموديل إسلام، إسلام الموضة والإسلام المتطور. التوقع الثاني: أنه تسيطر هذه الدعوات السنية -التي تعتمد منهج الكتاب والسنة- ويكون لها قوة، وتملك زمام الأمور، فماذا؟ فالنتيجة إذا لم يستطع الغرب أن يقضي عليها عن طريق الحركات الداخلية فإنه لا بد أن يتدخل الغرب عسكرياً، كما أنذر وتوعد ميتران وغيره، لأن الغرب سيجد أنه لا مفر له من المواجهة. هل في إمكان الغرب أن يواجه بالغرور، والكبرياء، والتكنولوجيا المتفوقة، وحرب النجوم إلخ؟ كل ذلك يهيئ للغرب الاشتباك المباشر، والإنزال المباشر في الأرض الإسلامية. وستكون النتيجة إذا حصل الإنزال المباشر أن الأمة الإسلامية تهب هبة رجل واحد، وتتفانى وسيخسر الغرب في هذه المرحلة -لو حصلت طبعاً- الطرف الذي يسميه المعتدل، أو أكثر. وعلى أية حال سوف تستيقظ الشعوب، وسوف تكون هناك مواجهة عامة كما حدث في أفغانستان وهذا مثال بسيط وواضح، وقضية واضحة لكم والحمد لله. لو أن أيام الملكية بقيت لسيطرت أمريكا على الأوضاع في أفغانستان عن طرق الملك والحكومة الملكية الفاسدة الموجودة البعيدة عن شرع الله والاهتداء بهداه، وتحقق كل شيء لـ أمريكا من خلاله، لو أن ذلك حصل لم يكن لدى الشعب الأفغاني المسلم هذا الوعي الآن بالأحداث والخطر، ولن يكون هذا الجهاد طبعاً؛ لأن الذي حصل كان نتيجة العدوان المباشر بالإنزال المباشر، فهب الناس هبة رجل واحد، والحمد لله. إذاً سيستثار العالم الإسلامي، والغرب المتفوق تكنولوجياً ستدفعه هذه القوة والحقد الصليبي إلى القضاء المباشر، والإنزال المباشر لجيوش غربية. وليس سراً أن أكثر من مائتين وخمسين ألف جندي أمريكي يتدربون في صحراء وسط الولايات المتحدة الأمريكية، للتكيف مع المناخ الصحراوي، وهؤلاء معدون لأي إنزال سريع في أي وقت من الأوقات، وهذا شيء يعرفه العالم كله. والأساطيل تملأ جميع البحار والخلجان والمنافذ، والإنزال هذا بأبسط ما يمكن ستكون مواجهة حاسمة عليها. الوضع مخيف جداً ولا بد أن نأخذه مأخذ الجد. ولكن لا بد من قضية أذكرها وأختم بها: نحن لا نتمنى لقاء العدو كما أرشد النبي ﷺ ، ولكن أنفع وأجدى للإسلام المواجهة المباشرة مع الغرب، من وجود أنظمة نفاق، وإسلام أمريكاني، أو إسلام مروض كما يقال. هذا أنفع للمسلمين وأسرع لليقظة، وآثار الحروب الصليبية أكبر دليل على ذلك، فإن الهجمة الصليبية أيقظت الأمة الإسلامية. وسأذكر أثراً واحداً: عندما قدمت الحملة الصليبية الأولى، كان في دمشق وهي أكبر مدينة إسلامية في بلاد الشام التي استهدفها الصليبيون مدرسة واحدة شرعية، كأنها كلية باعتبار ما نحن فيه الآن، لكن عندما قام صلاح الدين كان ما يقارب مائة مدرسة في دمشق؛ لأن العلم بين الشباب أهم شيء، فهو يؤدي إلى أن الأمة تعي وتعرف إلى أي شيء ترجع، إلى الدقة العلمية والتحليل العلمي والمواجهة العلمية. كان على ميمنة صلاح الدين ابن قدامة ﵀ صاحب المغني. وكان من العلماء الأفذاذ الذين واجهوا التتار، شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية والذي كان في وسط المعمعة، ويرفع الحماس. والمقصود أن الأمة استيقظت بعد القرن الخامس، قرن الهبوط، وقرن الموت، وقرن الضعف القرن الذي سيطرت فيه الرافضة على العالم الإسلامي، وسيطرت فيه الباطنية، ثم يعقبه بعد ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية فكانت تلك الحياة العجيبة. الآن الأمة الإسلامية على أي ثقافة تعيش؟ على أي علم تعيش؟ بعد علم السلف طبعاً بعد كتب الأصول والحديث القديمة، لكن انظروا لمن تقرأ؟ إنها تقرأ لـ ابن تيمية، ولـ ابن قدامة، ولـ ابن حجر، وللنووي، وللذهبي، وللمزني، ولـ ابن كثير، ولـ ابن رجب سبحان الله! متى ظهر هؤلاء الأفذاذ! لقد ظهروا بعد مرحلة الحروب الصليبية والتتار، أي: بعد أن استفزت واستنفرت الأمة الإسلامية وأظهرت قيادات. ظهر صلاح الدين وهو رجل جدد سيرة الخلفاء الراشدين، وظهر نور الدين محمود، وهو رجل أحيا سيرة الخلفاء الراشدين، وللأسف غفلت عنه الأمة وعن عماد الدين وغيرهم. فظهرت قيادات سياسية وعسكرية وعلمية، وعادت الأمة من جديد، وقاومت من جديد.

стр. 140

بشائر النبي ﷺ بأن المستقبل لهذا الدين نقول هذا إذا حدث، قد يكون وقد لا يكون، ولكن يهمنا أن نذكر أن النبي ﷺ بشر بهذا كله في أحاديث كثيرة. بشر في آخر الزمان بسيطرة الأمة الإسلامية وتفوقها، قال ﷺ : ﴿لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بـ الأعماق أو بدابق﴾ والروم هم الغرب، ((الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم:١ - ٢] وهي (الامبراطورية الرومانية) كانت أوروبا امبراطورية شرقية وامبراطورية غربية، وأوروبا كلها هي الروم، ﴿تقوم الساعة والروم أكثر الناس﴾، أي: أقوى الناس، والأكثر في لغة العرب من معانيه: الأقوى والأظهر ﴿لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بـ الأعماق أو بـ دابق﴾ وثم أحاديث كثيرة لا يمكن أن نستعرضها ولكن ليرجع إليها في صحيح مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة. من أهمها حديث جابر بن سمرة ﵁، ونافع بن عتبة، لما قال نافع ﵁ قال: ﴿قدم إلى النبي ﷺ أناس من جهة المغرب، يعني من غرب المدينة فانفرد بهم ﷺ ، فخرجت إليه خشيه أن يغتالوه فإذا به يقول: تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله لكم، ثم تغزون فارس، فيفتحها الله لكم، ثم تغزون الروم فيفتحها الله لكم، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله لكم، قال نافع بن عتبة ﵁ لـ جابر: قال يا جابر، أُرى أن الروم تفتح قبل الدجال﴾. ومع ذلك أيضاً نذكر الحديث الآخر الذي يذكر النبي ﷺ فيه، أن المسلمين سينقسمون إلى ثلاث فرق -وهو حديث صحيح ومعروف- أثناء المواجهة مع الروم اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث، ثلاث فرق تكون في المعركة مع الروم، فرقة يفرون لا يرضى الله عنهم أبداً -عياذاً بالله- وثلث يقتلون وهم من خير الشهداء عند الله، والثلث الثالث تكون الدائرة لهم بإذن الله. وفي الحديث الآخر يقول عبد الله بن عمرو ﵁: ﴿سُئل رسولُ اللهِ ﷺ أي المدينتين تفتح أولاً قال: مدينة هرقل تفتح أولاً قبل روميا﴾ فـ القسطنطينية تفتح أولاً، ثم تفتح روما، أو روميا مقر البابوية الكاثوليكية، وهي العاصمة الدينية لـ أوروبا. إذاً عندنا بشائر والحمد لله بأن المستقبل في الأخير للإسلام، مهما توحد الغرب، وأنه مهما حصل من معارك على يد الغرب فالنهاية للمسلمين بإذن الله ، لكني أعود فأذكر وأوجز، أن الواقع الآن، والمستقبل القريب منذر بخطر عظيم يستدعي منا أن تتضافر الجهود جميعاً لبيان معنى لا إله إلا الله، لبيان الولاء للمؤمنين، والعداء للكافرين، ولبيان حقائق الإسلام، كما أنزلها الله تعالى، وكما بلغها رسول الله ﷺ ، وكما طبقها السلف الصالح وأصلوها في كتبهم، وبإلغاء بل بمحاربة شديدة لكل دعوى تدَّعي أنها تبدل أو تغير أو تجدد في دين الله سبحانه ما ليس منه فتجعله مرناً أو عصرياً، إلى آخر الدعاوى التي يأتي بها هؤلاء الذين سينبتون على أعين الغزاة الروم الجدد.

стр. 141

حاجة الأمة الإسلامية إلى اليقظة العلمية نحتاج إلى يقظة علمية، ولا تكفي هذه الصحوة العاطفية التي نشهدها، بل يجب أن تكون يقظة علمية، كما كان العلماء في الماضي، وأن تقاد الأمة بطريق العلماء. نحتاج إلى وعي مركز وقوي ونشط، ومعرفة بالواقع، ومعرفة الأعداء وغزوهم، وخططهم ومحاولاتهم. وأن نستبعد دائماً الانفعالات العاطفية، والتحليلات والتفسيرات السطحية أو الساذجة أو القريبة التي قد تكون أحياناً حقناً مخدرة للأمة دون أن نشعر، وأن نعلم أن الزمن يتقارب، والأمم تتقارب، وأن التقارب الذي حصل أو قد يحصل الآن في أوروبا لتوحدها، كان حقيقة مبنياً على تقاربٍ فعلي، وهو أن الرأسمالية تنازلت للعمال كثيراً، وأن الشيوعية أعطت أيضاً الناس ملكية خاصة فتقاربت الأنظمة، ثم تقاربت الأمم بطريق وسائل الاتصال، حتى أصبح العالم كما يسمى قرية إعلامية! ثم توحدت التوحد الصليبي القديم، وبدأت الآن كل أمة في العالم تنبش وتبحث عن ماضيها، وتفتخر برجالها الأولين، فـ الهند تريد أن تظهر، واليابان، وكوريا، وكوبا وغيرها كذلك، كل أمة تريد أن تظهر وتفتخر بماضيها، ونخشى أن تضيع الهوية الإسلامية إن لم يكن لدينا هذه الجدية. والزمن سريع جداً وما نستطيع أن نعمله اليوم، لا يجوز أن نؤخره إلى غد، ويجب أن تتركز الجهود نحو هذه المقاومة، مقاومة الأعداء الداخليين!! الذين يريدون إبعادنا عن منهج الكتاب والسنة بالبدع والضلالات في الوقت نفسه ولا انفصام بينهما، محاربة بالغزو الفكري بكل أشكاله وألوانه وصوره. فلابد أن نقاومهم مقاومة إيجابية حقيقية، حتى لو أدى الأمر إلى أن الإنسان المسلم يفكر في السلعة التي يشتريها بريال واحد من الغرباء، يفكر قبل أن يشتريها، لأننا لا بد أن نستغني عن هذا العدو، وما دمنا نعيش على استجدائه ثقافياً، واقتصادياً، وفكرياً، فلا بد أن سيطرته تظل مفروضة علينا، ولا بد أن يأتي يوم ندفع فيه ثمن هذا الترف الكاذب، الذي تعيشه الدول الغنية في العالم الإسلامي، ومرارة الحرمان المفروض على الدول الأخرى الفقيرة، سندفع ثمنه، لأنا أضعنا الفرصة في أن نحاول أن نواجه مواجهة شاملة وعامة، وعلى مستوى تكوّن العقيدة، وتكّون أحكام الله، ويكون منهج السلف الصالح هو الذي يوجهه في كل صغيرة وكبيرة. إلى هنا أختم حديثي، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يكتب لي ولكم الأجر إنه سميع مجيب.

стр. 142

الأسئلة

стр. 143

مدى تأثير روسيا على الجمهوريات الإسلامية المجاورة السؤال ما هو تأثير هذه التطورات على الجمهوريات الإسلامية في روسيا، وهل للشيعة تدخل في روسيا وما موقف روسيا منه؟ الجواب طبعاً التأثير العام حاصل، فكما حصل انتعاش في دول أوروبا الشرقية، حصل أيضاً انتعاش للمسلمين، والأمل كبير في رفع هذا الكابوس الرهيب. وبدأنا نسمع عن إنشاء مساجد، وإرسال مصاحف، وأمور طيبة، وأتوقع أن يكون لها شيء من الحقيقة؛ لكن أقول: لا ننسى تجربة استالين ولينين أول ما أعطوا المسلمين المصحف - مصحف عثماني أي من أيام عثمان ﵁ الذي يقولون إن القيصر يحتفظ به، وأهدوه للمسلمين وأعلنوا الأخّوة والمحبة، وأعلنوا زيادة المساجد، وأعلنوا وأعلنوا أكثر من خمس سنوات، وكانت بعد ذلك الإبادة التي تحدثنا عنها. العدو اللدود لن ينسى أبداً أننا أعداؤه، حتى لو تناسينا نحن عداوته، فالآن الشعوب حتى الأفراد الذين غرقوا في الغرب إعجاباً به وانبهاراً بما عنده، ليس لهم قيمة عند الغربيين بل ويعتبرونهم أعداء. الآن الاتحاد السوفيتي لا يثق في الأحزاب الشيوعية العربية، ولا في الأحزاب الشيوعية الإسلامية، وهنا طرفة قالها السادات، قال: هو في الدنيا كلها يوجد قسم ديني في حزب شيوعي في مصر يوجد قسم ديني، ومحاضرات إسلامية، في ضمن الحزب. المقصود يا إخوان اللعبة لا ينبغي أن تتكرر، ولا ينبغي أن نخدع، الغرب ينظر إلينا ويعتبر أن هذا وإن كان شيوعياً ماركسياً فاسمه محمد وعبد الله وفلان، فإذن لن يعطيه الولاء كما يعطيه للإنسان الأوروبي. أذكر قصة ذكرها جورباتشوف في كتابه (إعادة البناء) يقول: 'عمل فلم مشترك بين الروس والأمريكان يبحرون خلال نهر الفولجا، يقول وكنت أقول للرئيس الأمريكي انظر، هل تستطيع أن تميز الأمريكيين من الروس؟ قال: لا، لا يمكن' ما معنى ذلك: معناه أنا شعب واحد، أمة واحدة، دين واحد، حضارة واحدة، لا يكاد يوجد بيننا أي فرق، العدو اللدود هو المسلم. حتى الآن لم يؤخذ رأي الأحزاب الشيوعية، إلا ما كان منها عميلاً صرفاً، فهو ينفذ المخطط في منطقته بطريقته -مثلاً- وليست الثقة الكاملة في أية حال، فكيف يوثق بالمسلمين أن يرجعوا إلى الإسلام. قلت -وقد أشرت إليه سابقاً-: سيسمح بلون من التدين -أو قد يسمى إسلاماً- ولكن ليس الإسلام الذي أنزله الله، ولا الإسلام الذي طبقه وآمن به السلف الصالح هذا يجب أن نؤمن به وأن نضعه في الاعتبار. أما بالنسبة لـ الشيعة لا نملك معلومات وافية، عما يحدث في أذربيجان باعتبارها مواليه لـ إيران وفيها شيعة، وإن كانت أذربيجان فتحت في عهد الخلفاء الراشدين وهي على سنّة، حتى إيران كانت على السُنّة إلى أيام الصفويين وهناك أبيدت السنة إبادة تامة أو شبه شاملة، في معظم مناطق إيران ما عدا المناطق التي كان يسيطر عليها العثمانيون الأتراك. أقول: لا نستطيع لأن المصادر غربية، وأنا أتحفظ كثيراً أن أتكلم عن أي شيء من خلال المصادر الغربية وحدها، ولذلك لما تكلمت عن جورباتشوف، اعتمدت على نفس كتابه وبالتحليل العام لا ندخل في تفاصيل أخرى، حتى نتمكن من معلومات أكثر.

стр. 144

موقف العالم الثالث من النقلة الشيوعية وما حقيقته السؤال بما أن الشيخ تطرق للأحزاب الاشتراكية التابعة للحزب الشيوعي في روسيا، ما هو موقف دول العالم الثالث التي تتبع وتوالي النظام الشيوعي بعد التطور الجديد؟ سؤال ثان: في إحدى المؤتمرات الإسلامية قال أحد المفكرين: إن تلك النقلة التغييرية في فكر الشيوعية هي حيلة ووسيلة للدخول إلى أوروبا والغرب عن طريق تلك النقلة فما تعليقكم على ذلك؟ سؤال آخر: يقول أحد أعضاء الأحزاب الشيوعية العربية: إن انهيار الشيوعية في تلك البلاد، ناتج عن عدم التطبيق الصحيح لتلك المبادئ، أما الأحزاب العربية فلا زالت في مرحلة التطبيق فما رد فضيلتكم على ذلك؟ الجواب بالنسبة للعالم الثالث، فإنه لم يكن له رأي، بل تقرر القرارات ثم تطبق، وأفضل حال للعالم الثالث، أن يتعامل مع أقل الظروف سوءً، أو يتصرف مع القرار الذي لا يملك له دفعاً. وبالنسبة للعالم الثالث، فإنه ينضم كله تقريباً ضمن ما يسمى بدول عدم الانحياز، وهي دول في الغالب الأغلب عليها الاتجاه الاشتراكي نفسه، ثم هذا العالم وأمام الديون المتراكمة، أمام الضغوط الكبرى عليه لا يستطيع إلا أن يستسلم للأمل الخادع، ولهذا نجد العالم الثالث صحافته متفائلة بالانفراج الدولي بالأوضاع الحالية، بالتحسن الذي سيطرأ على الحضارة الإنسانية، إلى آخره، وستظل الأحلام تدغدغه. على أية حال تهمنا قضية أساسية فيما يسمى بالعالم الثالث، فما كان منه صليبياً لم ينسه السخاء الغربي، وعلى الأقل من العمالة، بالمساعدات والقروض وغيرها، وما كان منه إسلامياً فسوف يتعرض لعقوبات أقسى، ولأوضاع أشد بلا ريب، إلا في حدود ما يمكن أن يسمح بإبقائه ليكون منطقة استهلاك للإنتاج الغربي هذا هو المتوقع في الجملة. بالنسبة للذي قال إنه وسيلة، أقول: نعم، هذه وجهة نظر وهي تطرح في الساحة وأستطيع أن أقول: إنها وجهة نظر جورباتشوف الحقيقية، التي يريدها ونستشفها من أعماله: التغلغل داخل المجتمعات الغربية عن طريق الأحزاب الشيوعية، وعن طريق نشر الفكر الشيوعي، وعن طريق تحديث الفكر العالمي كما يسمى. أما قول الشيوعي العربي: إن انهيار الشيوعية بسبب أنها لم تطبق تطبيقاً نهائياً، وأن الأحزاب العربية الشيوعية في مرحلة التطبيق، فنقول كما قال الشاعر: ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهود لم يؤخذ قول الأحزاب العربية، ولن يؤخذ إن حضروا وإن غابوا، لا أحد يهمه كلامهم، وكما عبر أحدهم يقول: أنا أخشى أن تستمر هذه الموجة من إعادة البناء، حتى تصل إلى حد أن ينتقد ماركس ولينين نفسه، أخاف أن يصل إلى حد الردة الكبرى. فالآن هذه القضايا عنده هي ارتكاب كبائر، وانحراف، وبدع، ويخاف أن يصل الأمر إلى الردة الكبرى، إنهم متخوفون على سمعة لينين أكثر من جورباتشوف نفسه. هؤلاء ما قيمتهم ما وزنهم، حتى يقولو: إنا نطبق أو لا نطبق؟ لقد فشلت الشيوعية، وانهارت كمبدأ وكفكرة، متى طبقت الشيوعية تطبيقاً صحيحاً، حتى نقول إنها تراجعت؟ فهي لم تطبق أصلاً تطبيقاً كاملاً؛ لأنها لا يمكن أن تطبق في الواقع تطبيقاً كاملاً، وكما أشرنا إلى تلكم التجارب الشيوعية تجربة لينينية، تجربة إستالينية، تجربة خوروتشوفيه، ثم تجربة برجنيف وجورباتشوف، فهذا الكلام هراء أو هو من الدغدغة العاطفية الذي تعيشها الأمة الإسلامية أحياناً، أو تحصل لدى الأحزاب الشيوعية.

стр. 145

أثر الجهاد الأفغاني على روسيا السؤال ما أثر الجهاد الأفغاني على روسيا؟ وهل انسحاب الروس الحاصل هو عن عجز أم خطة جديدة لـ روسيا؟ الجواب أما أثر الجهاد الأفغاني على روسيا، فبالطبع كانت تجربة مُرة، لم يكن يتوقع الاتحاد السوفيتي، حتى أعداء إعادة البناء المحافظين أشد المحافظة، لم يكونوا يتوقعون تلك النتيجة التي حصلت ولله الحمد على يد هذا الشعب المسلم، ولذلك لجأوا إلى المناورات السياسية كما رأينا. الآن أعلن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية معاً الاتفاق على إعادة الملك، وأن يتولى الأمور في أفغانستان ولو لفترة وجيزة، بديلاً عن المجاهدين وعن نجيب الله معاً، وهذا من نتائج الوفاق الدولي الذي نقول في ظل الوفاق سنجد أنفسنا في مواقف صعبة للغاية. المقصود أن الجهاد الأفغاني كان له أثر كبير جداً، وجورباتشوف استطاع أن يوظف هذا لمصلحة إعادة البناء، ويعتبرها من الأخطاء، ويقول: لو أن إعادة البناء كانت مطبقة من قبل أو كان لها رأي أو دور بارز لما كان هذا التدخل. فقد قال في كتابه - ولا بد أن يتطرق هذا الكلام إلى الأذهان - نعم هذا البلد اضطررنا أن نتدخل فيه لمّا أن رأيناه يكاد أن يقع في قبضة الإمبريالية الأمريكية، وبيننا وبين أفغانستان اتفاقية دفاع مشترك، وقد طلبت منا أكثر من عشر مرات الحكومة الأفغانية التدخل لتخليصها من يد الإمبريالية. فاضطررنا حماية للإنسان الأفغاني -كالعادة في الشعارات - ويقول: كنا نأمل أن نصل إلى حل عاجل في القضية، ولكن تزويد أمريكا للثوار بصواريخ (ستنجر) وأمثالها مما يؤجل في عملية الحل والحسم في أفغانستان، وبالطبع في المنظور القريب إن لم يجمع الناس على عودة الملك -وطبعاً لن يجمعوا- سوف تقسم أفغانستان هذا هو المتوقع! ونسأل الله أن يعين إخواننا المجاهدين هناك على أية حال، ولكن هناك بوادر لتقسيم البلد إلى منطقة شيوعية وإلى منطقة أخرى للمجاهدين، أو شكل من الأشكال والله أعلم ماذا يكون بعد ذلك. أما الجواب عن الطرف الثاني من السؤال وهو: انسحاب الروس عن عجز أم فيه خطة. أقول: الاثنان معاً. أولاً: فيه خسائر فادحة. ثانياً: الخطة واضحة انسحب الروس، ولم ينسحبوا جميعاً بل بقي المستشارون والعقول المدبرة. ثالثاً: أرطال المساعدات تتدفق إلى أفغانستان إلى الحكومة الشيوعية. رابعاً: المليارات تتدفق أيضاً عليهم. خامساً: في المحافل الدولية ما زال الاتحاد السوفيتي مصراً على رأيه في أن أمريكا مع المجاهدين، فهو لا بد أن يكون مع الشيوعيين. فاللعبة ستطول، وكسب جورباتشوف من جهة نوعاً من حفظ ماء الوجه بالانسحاب، ومن جهة أخرى يريد أن يكسب الموقف في النهاية وهو فرض حكومة قريبة من الشيوعية أو شيوعية في منطقة ما -على الأقل- وإن تم التقسيم، لن يفرط هؤلاء المجرمون بسهولة، ولا نقول هذا تثبيطاً، فالمستقبل للإسلام، والأمل موجود، لكن يجب أن نضع الحقائق ونترك الأحلام العاطفية الهائجة.
следующие страницы →