Полный текст (2 843 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
متى يصير الجهاد فرض عين
يقول: 'اتفق السلف والخلف وجميع الفقهاء والمحدثين في جميع العصور الإسلامية، أنه إذا اعتدي على شبر من أراضي المسلمين؛ أصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة، بحيث يخرج الولد دون إذن والده، والمرأة دون إذن زوجها'.
هذا الكلام غير صحيح، وإذا أردتم أن ننقضه، وأن نبين أن هذا غير صحيح فمن نفس الكتاب، وليس من أي كتاب آخر، فهذا الكلام من صفحة (٦)، فلننظر إلى صفحة (١١)، فقد أتى فيها بكلام الشيخ عبد الله علوان، وكرره ص٢٢ من نفس الكتاب.
يقول: 'قال ابن عابدين من فقهاء الحنفية: وفرض عين إن هجم العدو على ثغر من ثغور الإسلام، فيصير فرض عين على من قرب منهم -تأملوا ما قال! فقد قال: على من قرب منهم، ولم يقل: على كل مسلم ومسلمة، فهو كلام مختلف، ثم قال:- فأما من كان وراءهم على بعدٍ من العدو فهو فرض كفاية إذا لم يحتج إليهم، فإن احتيج إليهم بأن عجز من كان بقرب العدو عن المقاومة، أو لم يعجزوا عنهم، لكن تكاسلوا ولم يجاهدوا، فإنه يفترض على من يليهم '.
فالقول بأن الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة بإطلاق خطأ؛ لأن الفقهاء ما اتفقوا على هذا، وإنما قالوا: على أهل البلد القريب، ثم على من يليهم، ثم على من يليهم وهكذا.
ثم إن الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله يقول: 'بسم الله الرحمن الرحيم لقد سمعت ما كتبه أخونا عبد الله عزام بحكم الدفاع عن أراض المسلمين التي احتلها أعداء الله ، وأعداؤهم من أجناس الكفار، والبالغ ١٢٠ صفحة، وهو كتاب جيد، أرى أن يعرض على رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية لتقرير ما تراه في ذلك ونشره، ليعم الانتفاع بمضمونه، ونسأل الله تعالى أن يجعلنا من المجاهدين في سبيله'.
وهذا الكلام حق فهو يقول: أنا أرى أن هذه الرسالة جيدة، وتعرض على الرئاسة، وهذا كلام نحن نقوله، فليس في هذا تزكية، والشيخ عبد الله عزام ذكره هنا على أساس أنه تزكية، وأن الكلام حق ومجمع عليه بين العلماء.
فلنرجع إلى الأدلة التي ذكرها الشيخ -غفر الله لنا وله- يقول مثلاً: 'من أهم الفرائض الغائبة والواجبات المنسية فريضة الجهاد التي غابت عن واقع المسلمين، فأصبحوا كغثاء السيل' وهذا كلام صحيح، فمن أهم الفرائض التي تركها المسلمون الجهاد، هنا (من أهم) وهناك (أهم)، وهذه هي المشكلة يا شيخ! هناك فرق بين (أهم) و (ومن أهم)، ولا ينبغي أن نقع في التناقض، والمسألة دماء، والمسألة أنفس، فالإنسان إذا أفتى في أمر بدرهم أو دينار لا يجوز أن يتسرع فيه، فكيف إذا كانت الفتوى تتعلق بالدماء والأنفس؟ العنوان (أهم) وبالداخل (من أهم)، فلو استبدلت (أهم) بـ (من أهم) فنحن معك وعندها يكون هناك ما هو أهم منه نقدمه عليه.
هذا الكلام في (ص:١٩) وأعاده في (ص:٢٠) يقول: "أنواع الجهاد: جهاد الدفع -أي دفع الكفار عن بلادنا- وهذا يكون فرض عين، بل أهم فروض الأعيان'.
стр. 72
رأي ابن تيمية
ويستشهد على أنه أهم فروض الأعيان بكلام شَيْخ الإِسْلامِ، يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية كما نقله المؤلف؛ لأن كلام شَيْخ الإِسْلامِ له قبله كلام وبعده كلام، لكن فقط نقرأ ما كتب هو يقول: 'وأما قتال الدفع، وهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعاً -وهناك فرق بين واجب وبين فرض عين- والعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه' فهو يقرر أن أهم فروض الأعيان هو الإيمان والتوحيد، بعد ذلك يأتي الدفع؛ فكيف يستشهد بكلام شَيْخ الإِسْلامِ على أنه أهم فروض الأعيان؟!
стр. 73
مذاهب الفقهاء الأربعة
نرجع إلى كلام الفقهاء: أولاً: مذهب الحنفية: وقد قرأنا لكم نصهم فهم يرون التدرج، يكون فرض العين على أهل البلد الذين يهاجمهم الكفار، وفرض كفاية على من يليهم، ثم يتدرج وتتسع الدائرة حتى تشمل جميع بلاد المسلمين.
ثانياً: مذهب المالكية: وقد ذكر عنهم ما في حاشية الدسوقي فقط، وهذا لا يعبر عن كلام المالكية، بل حتى الحنفية لا نسلِّم أن ما قاله ابن عابدين يكفي، لكن لنفترض ذلك، والشيخ أخذ في المذهب أشد ما يجد فيه، يقول المالكية: "توجه الدفع على كل أحد، وإن كان امرأةً أو عبداً أو صبياً، ويخرجون ولو منعهم الوالي والزوج ورب البيت"، وهذا الكلام: "توجه الدفع على كل أحد" نص معلق؛ لأننا لا نعرف ما هو الشرط، فلا نستطيع أن نقول: إن فيه حجة، حتى نعرف متى يتوجه الدفع؛ لأنه لم يذكر هل ذلك إذا دخلوا بلاد المسلمين؟ هل إذا دخلوا البلدة نفسها؟ هل إذا دخلوا بلاداً بعيدة بأطراف الثغور؟ لا ندري، فهذا لا دليل فيه.
ثالثاً: مذهب الشافعية: يقول: "جاء في نهاية المحتاج للـ الرملي: فإن دخلوا بلدة لنا، وصار بيننا وبينهم دون مسافة القصر، فيلزم أهلها الدفع حتى من لا جهاد عليهم من فقير، وولد، وعبد، ومَدين وامرأة".
الشافعية اشترطوا -ليكون الجهاد فرض عين- أن يكون بيننا وبين العدو أقل من مسافة القصر، أي: ٨٠ كيلو، وبعض العلماء يقول: ٤٨ميلاً فنفهم من كلام الشافعية أن العدو إذا لم يكن بينك وبينه مسافة القصر، فلا يجب عليك وجوباً عينياً حينها أن تجاهد، فهل في هذا الكلام الذي يقول: (وصار بيننا وبينهم دون مسافة القصر) دليل لمن يقول: إنه فرض عين على جميع المسلمين في أطراف الدنيا كما في العنوان؟! فعلى مذهب الشافعية؛ لا يجب الجهاد حتى على المسلمين الذين في باكستان قريباً من الحدود بقدر ٨٠ كيلو متر، إِذَنْ هذا لا دليل فيه! رابعاً: عند الحنابلة: يقول ابن قدامة: ' ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع: إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفان.
ثانياً: إذا نزل الكافر ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم ' وأيضاً لا شاهد في هذا.
' الثالث: إذا استنفر الإمام قوماً لزمهم النفير '.
هذه القضية الثالثة: إذا استنفر إمام المسلمين قوماً لزمهم النفير، وإذا لم يستنفرهم الإمام لم يلزمهم، فنرجع إلى قضية أخرى وهي قضية الإمام العام للمسلمين، وقد جاء كلام الفقهاء على هذه الصيغة؛ لأنهم يتصورون أن الأمة الإسلامية لها إمام واحد -هذا هو الأصل- ويحكمها جميعاً خليفة واحد، كما كان في عهد الراشدين ومن بعدهم، وهذا الإمام إذا استنفر قوماً وجب عليهم؛ لأنه ينظر إلى المصلحة نظرة متكاملة، فهو أعرف بالحدود.
فيقول: "الحدود الشرقية ليس فيها مشكلة، لكن عندنا في الغرب عدو، تعالوا يا أهل الشرق واذهبوا إلى الغرب"؛ لأنه بلد واحد، وحالتنا نحن المسلمين في هذا العصر مختلفة تماماً، الواقع الآن أن المسلمين مقسمون إلى دول، وكل دولة لها حدود مع الأخرى، فلا ينطبق عليها أن واحداً يحكم بلداً بعيداً يستنفر بقية البلاد، فكيف وهو لا يوجد إمام حتى في البلاد التي تريد أن نُستنفر إليها، وإنما جبهات مختلفة؟! نسأل الله أن يجمع كلمتهم على الحق إنه سميع مجيب.
فكلام ابن قدامة ليس فيه دليل.
نأتي الآن إلى كلام ابن تيمية: ويقول ابن تيمية: ' إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم، ونصوص أحمد صريحة بهذا '، وليس في هذا دليل لكلام الشيخ عبد الله، فهل هذا ينطبق مع كلام الشيخ عبد الله حيث يقول: اتفق السلف والخلف وجميع الفقهاء والمحدثين في جميع العصور الإسلامية، أنه إذا اعتدي على شبر من أراضي المسلمين، أصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة، بحيث يخرج الولد دون إذن والده، والمرأة دون إذن زوجها أين هذا من هذا؟ فليس هناك دليل، وكما نلاحظ الحنفية دليلهم صريح، وكلام المالكية معلق، وكلام الشافعية والحنابلة ليس فيه دليل، وهكذا انتهت المذاهب الأربعة التي يظن الشيخ أنها أجمعت على أن ما يقوله صحيح.
стр. 74
مناقشة نصوص النفير
بعد ذلك يأتي بآيات النفير العام يقول: ' ويقول الله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣] والفتنة هي: الشرك، كما قال ابن عباس والسدي، وعند نزول الكفار واستيلائهم على الديار، فالأمة مهددة في دينها ومعرضة للشك في عقيدتها؛ فيجب القتال لحماية الدين والنفس والعرض والمال ' وهذا كلام حسن.
المناقشة: إذاً: الجهاد من أجل الدين، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣]، والفتنة هي: الشرك، فيجب أن نقاتل المشركين حتى لا يكون شرك؛ لأنه لو لم نقاتلهم لاحتلوا بلادنا، ولتمكنوا فنشروا الشرك.
إذاً: الذي نحاربه نحن هو الشرك، وليس لأن فلاناً احتل بلدي، مع أن الدفاع عن البلاد مطلوب؛ لكن ليس هو القضية التي من أجلها نزلت الآية، ليس هو الجهاد الذي نقول: "إنه فرض عين"، فهو شيء آخر، الجهاد الذي هو ذورة سنام الإسلام، والذي به جاهد النبي ﷺ الأصل فيه أنه من أجل أن يكون الدين كله لله، وألا يشرك بالله .
إذاً: نحن نحارب المشرك سواء كان أخي أو ابن عمي أو أبي أو في بلدي أو من بعيد جاء بالسيف ليحتل بلدي، فلو جاءنا مشرك؛ لكن لم يأتِ بالسيف، وإنما جاءنا بكتاب أو بقبر، أفلا نحارب هذا المشرك؟ بلى.
فإننا إذا لم نحاربه فقد أبطلنا مفهوم الجهاد؛ لأن الجهاد إنما يكون من أجل إزالة الشرك، فإذا وجد الشرك في أية صورة من صوره، فيجب أن يجاهد بالقلم أو بالسيف إذا لم يمكن دفعه إلا بالسيف أو بأي شكل من أشكال الجهاد.
стр. 75
حديث: ﴿وإذا استنفرتم فانفروا﴾
ثم يقول الشيخ: ' وقال رسول الله ﷺ : ﴿لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا﴾ ومدار الواجب: على حاجة المسلمين أو استنفار الإمام كما قال ابن القيم '.
المناقشة: الحديث لم يذكر حاجة المسلمين، وإنما قال: ﴿وإذا استنفرتم﴾ ومن أين لنا أن مدار الواجب على شيئين: على الحاجة وعلى الاستنفار؟! نحن لا ننكر أن الحاجة توجب؛ لكن نحن نقول: إن الحديث لم ينص إلا على شيء واحد وهو الاستنفار، ولم يذكر الحاجة، والحاجة تحتاج إلى دليل خارج الحديث، فهذا التخيير ليس موجوداً في الحديث، ثم إن الوجوب شيء وفرضية العين شيء آخر، ثم فرضية العين درجات، فبعض الفروض أهم من بعض.
стр. 76
قاعدة الضرورات الخمس
ثم يقول: ' إن كل دين نزل من عند الله جعل لحفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والعرض، والعقل، والمال -ومن هذا يقول- يجب الجهاد '.
المناقشة: نقول: هذا الكلام لا غبار عليه؛ لكنه لا يصلح دليلاً؛ لأن الجهاد فرض مهم ولا بد منه للدين، ونحن متفقون على ذلك، ولا يخالف في ذلك إلا الرافضة أو من لا يُعتدُّ بكلامهم، أو أناس غافلون عن الدين تماماً، أما من هو مهتم بدينه فلا ينكر أبداً أن الجهاد مهم؛ لكن هل يدل على أن الجهاد فرض عين، وأنه أهم فروض الأعيان؟ لا.
لا يدل على ذلك.
مثلاً: لو رجعنا إلى كلام الشيخ يقول في (ص:٤١): ' والحفاظ على الدين مقدم على الحفاظ على النفوس ' ثم ذهب يفصل دليل: الحفاظ على الدين مقدم على الحفاظ على النفوس، والحفاظ على النفوس أولى من الحفاظ على المال.
المناقشة: نقول: هذا صحيح، إذاً: أهم شيء هو الحفاظ على الدين، وأول شيء هو التوحيد، فهو جزاه الله خيراً يريد الحق، ولهذا تجده في مواضع كلامه الأخير يناقض كلامه الأول، فما دام أهم شيء هو الدين، وأهم شيء هو التوحيد، وأكبر هدف نسعى إليه هو إزالة الشرك، إذن نجعل القضية في موضعها الصحيح ولا نغلو في شيء من ذلك.
стр. 77
دفع الصائل وقتال الفئة الباغية
ثم ذكر حكم الصائل وأنه يجب أن يدفع، وذكر أيضاً قتال الفئة الباغية.
المناقشة: هذا كلام ليس له علاقة بفرضية العين على جميع المسلمين، فمن صِيل عليه وجب عليه أن يدافع عن نفسه، وهذا معروف، ولا دلالة في وجوب قتال الفئة الباغية إذا لم تندفع بالإصلاح، على أن الجهاد فرض عين على كل المسلمين، وفي وقت معين، وفي مكان معين أنت تفرضه، وليس بين المسألتين أية علاقة.
وتترسُ الكفار بالمسلمين لا يمكن أن يؤدي إلى أن يكون الجهاد فرض عين على كل المسلمين، ولا علاقة بين المسألتين، ويقول: ' هذا دليل على أن الجهاد فرض عين ' والحقيقة أنه لا يوجد دليل، وحتى هذه المسألة -مع أنه لا شاهد فيها- هي أيضاً فيها خلاف كما يفيده كلام ابن تيمية، حيث قال: ' فإن الأئمة متفقون على أن الكفار لو تترسوا بأسرى المسلمين وضيق على المسلمين إذا لم يقاتلوا، جاز رمي أولئك المسلمين على أحد قولي العلماء '.
стр. 78
أولويات الجهاد
ثم يتكلم: ' لماذا أفغانستان أو فلسطين أو غيرها؟ ' ونحن نحتاج هنا أن نتكلم قليلاً عن فلسطين، وعن أفغانستان بالذات.
فنقول: نحن متفقون على أن الجهاد فرض على الأمة الإسلامية، وأن تواطؤ المسلمين على ترك الجهاد يأثم به المسلمون جميعاً، ويجب أن يكون فيهم المجاهدون، ولا سيما من أجل الأصل الأول الذي يحارب المسلمون عليه الآن في كل مكان، وهو توحيد الله وعبادة الله ، وهذه قضية حكمية لا نختلف فيها، لكن نرجع إلى القضايا في الواقع، ونرجع إلى معرفة الأحكام الشرعية المنصوص عليها؛ لنرى انطباق هذه على تلك.
стр. 79
البدء بالمرتدين والمنافقين وأهل البدع المحاربين
نقول: المسلمون إذا أرادوا أن يجاهدوا في سبيل الله، وكان لهم أعداء، وكان الأعداء نوعين: النوع الأول: مرتدون كبني حنيفة الذين كانوا مع مسيلمة ومن معه.
النوع الآخر: كفار صرحاء مثل الروم أو الفرس، فبأي العدوين يبدأ المسلمون؟ لا ينبغي أن يوجد خلاف في أن أهم وأوجب القتال هو قتال المرتدين قبل قتال العدو الخارجي، فلو وجد عندنا قوم تجمعوا على بدعة من البدع، وكانت لهم شوكة ومنعة، وفارقوا بها جماعة المسلمين فأيهما أولى: قتالهم أو قتال الروم والفرس؟ قتالهم أولى، والدليل أن الصحابة ﵃ قاتلوا الخوارج وأجمعوا على قتالهم؛ لأنهم تجمعوا على بدعة فارقوا بها جماعة المسلمين، أرأيتم لو أننا فتحنا أرض فارس كلها، وتركنا الخوارج فدخلوا وأفسدوا دين الإسلام الذي في فارس والذي في جزيرة العرب، ماذا نستفيد لو كان المسلمون على دين الخوارج؟ لم نستفد شيئاً، بل ضاعت بيضة الدين وحوزته، فكون الروم أو الفرس يقاتلون هذا مكسب؛ فلا نضيع بيضة الدين، ونضيع رأس المال من أجل المكسب.
فأول ما يجب أن يبدأ به في القتال هو قتال أهل البدع المارقين الذين يجتمعون ولهم منعة وشوكة، يخرجون بها على صفوف المسلمين، وأعظم من ذلك قتال المرتدين ردة صريحة كاملة كبني حنيفة وأمثالهم، ولو طبقنا هذا على واقع الأمة الإسلامية نجد أن الباطنيين والملاحدة -جميعاً في أي بلد وجدوا- هم أولى بالقتال من العدو الخارجي الذي هو شرقي أو غربي، فهم أولى الناس به.
стр. 80
البدء بأشرف البقاع
إننا إذا وصلنا إلى القول بأن أهم الفروض في هذه المرحلة -وهو التوحيد- قد تحقق، ثم ننتقل إلى واجب أو فرض آخر علينا، وهو أننا نطهر بلاد المسلمين من الأعداء الذين احتلوها، فما هي أول بقعة يجب أن تطهر؟ نقول: أولاً: الجزيرة العربية؛ لأن النبي ﷺ نص على ذلك وأوصانا به عند الموت، وطبق ذلك الخلفاء الراشدون، فقال: ﴿لا يجتمع في جزيرة العرب دينان﴾ ثم القدس؛ لأنها أفضل، ثم الشام عموماً؛ لأنها أرض الإسلام، وأرض فتحها الصحابة.
فالبلدان تتفاوت في أهميتها كتفاوت الأعداء وكتفاوت الفروض، ولها أحكام ولها ترتيب، فننتقل من الأهم إلى المهم؛ إلا إذا عرفنا أنه لا يجب علينا هذا الشيء، فيجب أن ننتقل إلى ما بعده، ونستعمل أنواع الجهاد: جهاد الدعوة، جهاد العلم، جهاد السيف.
ولا بد أن نسير على الترتيب الشرعي، كالبدء بالمرتدين، ثم من حيث الأراضي كالبدء بـ جزيرة العرب، ثم أرض فلسطين، ثم ما بعدها.
فإذا كانت جزيرة العرب كلها على التوحيد والإيمان، وما فيها حزب ولا جماعة ولا دولة قائمة على الشيوعية أو على الشرك، فعندها ننتقل إلى فلسطين.
فقول الشيخ هنا: "نبدأ بـ أفغانستان " كلام مناقض للأدلة الشرعية، وهذا هو الذي ينبغي لنا أن نعرفه، فلا يمكن أن تبنى الأحكام الشرعية، وأن يستنفر الناس على مجرد رأي، ولا مانع من أن يبدي المرء رأيه.
لكن ليس له أن يلزم به الأمة، ولا يغلو فيه، حتى يتأكد أن من يخالفه لا حجة له، أو أنه ضعيف الحجة، ويجب علينا أن نكون في ديننا على نور من ربنا وعلى بصيرة وعلى برهان، والمسألة مسألة أنفس تباع، وليست قضية درهم أو دينار قابلة للحل ببساطة!
стр. 81
حكم الاستعانة بالمشركين في الجهاد
ننتقل إلى قضية أخرى، وهي قضية غريبة في الحقيقة، يقول: ' هل نقاتل مع مسلمين ليسوا على مستوى معين من الإيمان؟ '.
ثم يرجح الشيخ عبد الله عزام جواز ذلك، ويستدل على ذلك بأنه يجوز أن نستعين بالكفار! وهذا يدخلنا في مشكلة خطيرة، وهي الاستعانة بالكفار في الجهاد؛ لأنه لو فتح هذا الباب فسيضيع الجهاد كله، ثم يجيب ويقول: ' وقد اتفق الفقهاء الأربعة على جواز الاستعانة بالكفار بشروط: أولاً: أن يكون حكم الإسلام هو الظاهر ' أي: يكون المسلمون أقوى من مجموع المشركين.
' ثانياً: أن يكون الكافر حسن الظن بالمسلمين وتؤمن خيانته لهم.
ثالثاً: أن يكون المسلمون بحاجة إلى الكفار '.
стр. 82
مذاهب الفقهاء في الاستعانة بالمشركين
ولنستعرض أقوال المذاهب الأربعة: أولاً: مذهب الحنفية: رأي الحنفية: قال محمد بن الحسن: ' لا بأس أن يستعين المسلمون بأهل الشرك على أهل الشرك إذا كان حكم الإسلام هو الغالب '، وقال الجصاص: ' وقال أصحابنا: لا بأس بالاستعانة بالمشركين على غيرهم من المشركين إذا كانوا متى ظهروا كان حكم الإسلام هو الظاهر ' فرأي الحنفية أصحاب الرأي يوافق ما قال، فله فيه دليل ثم ننتقل إلى المالكية.
ثانياً: مذهب المالكية: قال ابن القاسم: ' ولا أرى أن يستعينوا بهم يقاتلون معهم إلا أن يكونوا نواتية أو خدماً -النواتية: هم خدم الدواب- فلا أرى بذلك بأساً '.
وقال مالك: ' لا أرى أن يستعان بالمشركين على المشركين إلا أن يكونوا خدماً '.
فكأن مالكاً يقول: المسلمون يحاربون وعندهم دواب، ويحتاجون أناساً يخدمونهم في خدمات النظافة، أو يجمعون الحطب، أو يطبخون أو أية خدمة معينة، فيمكن أن يأتوا ببعض المشركين يخدمونهم في هذه الأشياء، والمسلمون هم الغالبون، فيجوز استخدام المشركين بهذا الشرط: أي: ألا يكون لهم نفوذ، وألا تكون لهم جبهة، وألا يكون لهم قتال، ولا أي شيء، فلا دليل في هذا للشيخ، بل بالعكس هذا دليل ضد ما يقول.
ثالثاً: مذهب الشافعية: يقول الرملي صاحب كتاب نهاية المحتاج: ' وللإمام أو نائبه الاستعانة بكفار ولو أهل حرب؛ كأن يعرف حسن رأيهم فينا، ويشترط في الاستعانة: احتياجنا لهم لنحو خدمة أو قتال لقلةٍ ' فقد ذكر شرط الخدمة أو الحاجة للقتال، فالحكم ليس باتفاق الفقهاء كما قال الشيخ.
رابعاً: مذهب الحنابلة: قال ابن قدامة: ' وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة بالمشرك؛ بل روي عن أحمد أنه يقسم للكافر من الغنائم إذا غزا مع الإمام خلافاً للجمهور الذين لا يقسمون له '.
القول الراجح في حكم الاستعانة بالمشركين: هناك رواية عن أحمد مع كلام الحنفية توافق ما قاله الشيخ، لكن المالكية والشافعية ورواية عن أحمد تخالف قوله.
وهناك حديث صحيح في صحيح مسلم ذكره الشيخ هنا، قال ﷺ ﴿لمشركٍ يوم بدر: ارجع فلن أستعين بمشرك﴾.
وحديث آخر يقول فيه ﷺ : ﴿إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين﴾ فالمذهب الصحيح والقول الصحيح هو ما دل عليه الحديث الصحيح: ﴿لا نستعين بالمشركين على المشركين﴾ والعلماء الذين قالوا: "نأخذهم خدماً" رأوا أن هذا لا يخالف الحديث؛ لأن الحديث ينص على الاستعانة في القتال، وهذه إنما هي خدمة، وقالوا: لعل هذا لا يدخل.
فكلام الأئمة الأربعة يوافق الحديث إلا الحنفية مع رواية أحمد فإنها مخالفة للحديث فكيف يقول: اتفق الأئمة الأربعة على ذلك؟! ثم يبني على جواز الاستعانة بالمشرك، جواز الاستعانة بالمسلم الذي عنده شركيات، ليقاتل معنا الكفار، وهذا استدلال مع الفارق، وتعسف لا يصح أبداً.
стр. 83
الجهاد في أفغانستان
بعد ذلك أقول للمسلمين ولنفسي: إن الجهاد في أفغانستان مسئولية جميع المسلمين وفي كل مكان، وإنه يجب علينا أن نساعدهم بما نستطيع، وبالأخص ما هم أحوج ما يكونون إليه؛ وهو المال، فنبذل ما نستطيع من أموالنا فلنساعدهم.
لكن لا نصرف المال كله لهم؛ فالمجاعة تقتل إخواننا في إفريقيا، وإخواننا في الفلبين، كذلك في يوغسلافيا وفي بلغاريا، والمسلمون في كل مكان مثل الأيتام على مأدبة اللئام.
ونحن -بحمد الله- في هذا البلد مستورون، فنتبرع بنصيب أوفى لإخواننا الأفغان، لكنا أيضاً لا ننسى غيرهم، وكذلك إذا كان عندنا هنا جيران فقراء، فلا نتركهم لنعطي أهل مكان بعيد، بل نتصدق هنا وهناك، ونحاول أن نعطي هنا وهناك.
стр. 84
نصائح في طريق الجهاد والدعوة
أولاً: ننصح إخواننا جميعاً بتوحيد الله ، وإخلاص العبادة لله ، ولا يستنكف أحد عن النصيحة، ويقول: أنت تتهمني في عقيدتي؛ فالنبي ﷺ ربَّى أصحابه على هذا، والله ينزل القرآن عليهم ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء:١٣٦].
يخاطبهم وهم مؤمنون بصفة الإيمان ويأمرهم مع ذلك به، والنبي ﷺ مرات عديدة يقوي إيمانهم ويبين لهم الدلائل؛ فليس هذا اتهاماً لهم أنهم ما آمنوا، لكن هذا أهم شرط من شروط النصر، قال تعالى: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور:٥٥].
فإذا كان عندك عشرة آلاف مجاهد من العامة لم يتربوا التربية الكافية، كما يقول الشيخ عبد الله، فنحن لا نقول: لا يمكن أن نجعل العشرة آلاف يعدلون المليون، بل إن عندنا وسيلة تجعل العشرة آلاف يعدلون المليون، وهي: الإيمان الصحيح.
فهذا سعد ﵁ يكتب إلى عمر يريد ثلاثة آلاف مقاتل، فيرسل له القعقاع بن عمرو وحده، ويقول: أرسلت لك ثلاثة آلاف! وهو وحده، لكنه بمنزلة ثلاثة آلاف.
فالمجاهد المسلم في أفغانستان أو في أي مكان إذا عرف التوحيد وحقيقة الإخلاص لله ، حولناه من فرد إلى مائة إلى ألف وربما إلى ثلاثة آلاف، وهذا من أسباب النصر بإذن الله .
فإذا حققنا التوحيد انتصرنا على أنفسنا؛ لأن المسألة ليست مسألة أرض وتراب، المسألة مسألة توحيد الله، فإذا فعلنا ذلك انتصرنا على أنفسنا، وانتصرنا على عدونا بإذن الله.
ومن استطاع في إجازة ربيع أو غيرها أن يأخذ معه ما يستطيع من كتب إسلامية في العقيدة ويذهب إلى هناك، أو إلى أي بلد، فيعلمهم التوحيد والإيمان، فجزاه الله خيراً، وبهذا نجعل الأمة الإسلامية في حماية من عدوها.
ويوم هُزِمَ المسلمون في أحد قال لهم الله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥] فهو من عند أنفسهم.
ولم يقع الشرك في عبادة الله، وإنما وقع شرك الإرادة، وهو لا يخرج من الملة إلا إذا غلب على القلب.
وقد ذكر الله شرك الإرادة في قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] وقد كانوا قليلاً من الرماة، إذ كان الرماة خمسين رجلاً عشرة منهم بقوا على الجبل، وأربعون نزلوا.
ففي الجيش كله أربعون نفراً يريدون الدنيا، ويمكن ألا يكون كل الأربعين كذلك، لكن وافق بعضهم بعضاً وتتابعوا يريدون الغنائم، وما دام في الجيش من يريد الدنيا فلن ينتصر الجيش، والمسلمون إنما ينهزمون في كل مكان؛ لأن فيهم من يريد الدنيا، وفيهم من يجاهد الآن وهدفه أن تكون الدولة له، أو على الأقل أن تكون هناك وزارة له ولحزبه.
ونحن لا نقول هذا لنثبط هممهم، لكن إذا كانت هذه هي الحقيقة فيجب أن نعرفها، وأن نتعاون على إزالتها، فما دام فينا من يريد الدنيا فلن ننتصر، فكيف إذا وقع ما هو أكبر من شرك الإرادة، وهو شرك العبادة؟! وهذا قد يقع، بل هو واقع في أنحاء العالم الإسلامي، وما أكثر ذلك! نسأل الله أن يهدي جميع المسلمين.
ولا بد أن نتفطن لهذا الشيء، ونعرف أهم الواجبات وأوجبها علينا جميعاً؛ بالنسبة لإخواننا المسلمين في كل مكان، وهو أن نخلص عبادتنا ونياتنا لله في كل أمر من الأمور، وحينئذٍ ينصرنا الله ، وذلك عليه يسير.
إن الكفار ليسوا شيئاً بالنسبة لقوة الله ، بل لا يسلط الله الكفار علينا إلا إذا كنا نستحق ذلك؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٤١] والله تعالى لا يخلف الميعاد، فقد قال: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ [النساء:٨٧] ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩].
فإذا غَلَبَنا الكفار بأي نوع من أنواع الغلبة، فلنتهم أنفسنا أولاً؛ فإنما سلط الله علينا عدونا بذنوبنا، فنفتش عنها ونتوب منها.
إذا كان الله سلَّط الكفار على الصحابة؛ لأن نفراً يسيراً منهم يريدون الدنيا؛ فكيف لا يسلط الكفار على الأمة الإسلامية اليوم والدنيا أكبر همها؟! لا غرابة في الأمر، بل كما قال : ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة:١٥] وأنه لو يؤاخذنا بذنوبنا؛ لكان الحال أعظم مما نرى بكثير.
كل المسلمين يعرفون أن الزنا حرام، ومع ذلك ففي كثير من البلاد المسلمة يفشو الزنا، والبلد الوحيد الذي فيه هيئة أمر بمعروف هي السعودية، أما البلاد الأخرى فيوجد فيها مراقص وملاهي.
والخمر في بعض البلدان تُشرب علناً في الفنادق وفي الشوارع، بل ويوجد أكبر من ذلك، ثم نقول: لماذا لا ننتصر؟! سبحان الله! يا أخي: أنا ما انتصرت على قارورة أمنع نفسي عنها؛ فكيف ينصرني الله على العالمين؟! ذنب واحد يكفي لأن نهزم، فكيف وقد اجتمعت فينا مصائب وذنوب؟! الذنب الواحد منها لو وقع في أمة لأهلكها؟! وقد أهلك الله الأمم قبلنا بذنب من الذنوب، أهلك قوم لوط بذنب، وهذا الذنب انتشر -والله المستعان- في أكثر بلاد المسلمين!! ومن فضل الله على هذه الأمة أنه أكرم نبيها ﷺ واستجاب له بأنه لا يهلكهم بسنة عامة، وأنه لا يرسل عليهم عذاباً من فوقهم أو من تحت أرجلهم، أي: لا يهلكهم هلاكاً عاماً، ولا يمسخهم مسخاً عاماً، ولا يغرقهم غرقاً عاماً، بل يكون فيهم طائفة منصورة باقية على الحق، لا يضرها من خالفها.
وأهم ما يجب علينا -نحن طلبة العلم- أن نكون من هذه الطائفة المنصورة الذين يحققون هذا الدين قولاً وعملاً، ويجتهدون في تحقيق التوحيد في أنفسهم، ويدعون الناس إليه، ويجاهدون في الله حق جهاده، بجهاد العلم وبجهاد السيف، وهذه الطائفة المنصورة باقية، وهي التي يحفظ الله الأمة بسببها، وهذا ما أحببنا أن نتعرض له، ونسأل الله أن يغفر لنا وللمؤلف ولإخواننا المسلمين.
стр. 85
الأسئلة
стр. 86
أصل خلق آدم ﵇
السؤال
قال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] فهل معناها أن آدم خلق من روح الله؟
الجواب
ليس هكذا يا إخوان! الله قال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] ولم يقل خلقته, فهو ليس مخلوقاً من روح الله, بل نفخ الله فيه الروح, والإضافة هذه قد بينا لكم حكمها في مواضع سابقة.
стр. 87
الإفراط في استعمال الطرفة في الدعوة إلى الله
السؤال
يرد إلينا أحياناً وسائل وصيغ لا تخلو من طرافة, وذلك بحجة أنها من أساليب الدعوة الحديثة, وهذه الصيغة جاءت هنا كمثال: تذكرة غير التذكرة الأولى: لمزيد من المعلومات يرجى الاتصال الفوري بكتاب الله وسنة رسوله, ملاحظة: الاتصال مباشر ومجاناً ولا داعي لتأكيد الحجز، فما الحكم في مثل هذه العبارات؟
الجواب
يا إخوان! لا ينبغي أن يمتهن دين الله, وتمتهن الدعوة إلى هذا الحد, فهذه العبارات لا تجوز، هدانا الله وإياكم.
стр. 88
حكم أهل الفترة
السؤال
يطالب الناس يوم القيامة بذكر ما أجابوا به المرسلين، فهل يطالب الله أصحاب الفترات بين الرسل والذين لم تبلغهم الدعوة بالإقرار والإشهاد عليهم فقط؟
الجواب
بل له حكم آخر -الذي لم تبلغه على الإطلاق- لكن قد نظن أن فلاناً من أصحاب الفترة وهو ليس كذلك، مثل قريش ومن معهم من العرب، الذين انحرفوا عن دين التوحيد الذي كان عليه الخليل ﵇ إلى الشرك.
فهؤلاء لا نستطيع أن نجزم أنهم من أهل فترة، لأن دين إبراهيم ﵇ كان متوارثاً، بينهم وكان فيهم الحنفاء الموحدون الذين لم يعبدوا غير الله ، فلا نستطيع أن نجزم أنهم أهل فترة في الجملة، أما على الأعيان فيوجد من أعيان الناس من لم يبلغه دين، وهذا حكمه إلى الله، وأقول: إنه لا ينبغي أن نشغل أنفسنا في قضايا لا يرد عليها علم أو اعتقاد أو عمل لنا.
стр. 89
خلقنا في عالم الذر
السؤال
هل خلقنا خلقاً كاملاً ونحن في عالم الذر؟
الجواب
ما خلقنا خلقاً كاملاً، وإنما استخرجت أرواحنا وكلمها الله ثم ردها.
стр. 90
الجهاد الأكبر
السؤال
هل جهاد النفس هو الجهاد الأكبر؟ وما مدى صحة الحديث القائل: ﴿رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر﴾؟
الجواب
الحديث غير صحيح، وكلمة (في سبيل الله) إذا أطلقت؛ فالأصل فيها هو جهاد الكفار، والجهاد الأكبر هو قتال الكفار، ولكن أيضاً لا ننسى أن الجهاد نفسه -كما قلنا- درجات: جهاد الدعوة، وجهاد العلم، وجهاد القتال؛ فلو جادلت الكفار ودعوتهم وناظرتهم وصبرت على عدائهم، لكان هذا جهاداً، فليس جهادك فقط أن تقاتلهم، فهذا أيضاً جهاد الدعوة الذي قال الله عنه لنبيه ﷺ : ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان:٥٢]، أي: بالقرآن، وسماه جهاداً كبيراً.
وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم:٩] قال بعض السلف: أي: جاهد الكفار بالسيف، وجاهد المنافقين بالحجة، وذلك كما قال الله : ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [النساء:٦٣] فالله تعالى يأمره أن يجاهد المنافقين بإقامة الحجة، مثل من يقول: أنا مسلم! وعنده شركيات، فإنه يُجَاَهدُ جهاداً قولياً، جهاد حجة وبيان ودعوة.
ولكن الجهاد بالسيف رغم عظم شأنه قد يكون من أهون أنواع الجهاد، فإذا قام في المسلمين قائمة فإنه قد يجتمع في اليوم الواحد عشرة آلاف، وينفع فيه الذي يستطيع أن يحمل السيف فقط، وكل واحد يستطيع أن يمارس فيه دوراً، لكن جهاد الدعوة لا يستطيع له ولا ينفع فيه إلا قليل جداً؛ فطلبة العلم في كل بلد قليل، والذي ينفع منهم للدعوة قليل، وهذه هي المشكلة، والجهاد الأساس الذي نجتهد ونسعى في تحصيله، ولولاه ما نفع الجهاد، أنك تجمع الناس وتعلمهم وتربيهم.
فالقبائل في أي بلد من البلدان، إذا استنفروا نفروا كلهم من أجل جهاد الكفار، أو قتال أية طائفة، لكن لو كانت عندهم عادة اجتماعية من العادات السيئة فإنهم ليسوا مستعدين أن يتنازلوا عنها حتى لو قاتلتهم بالسيف، فمن أصعب الأمور أن تستقيم النفوس على دين الله ، أما الاستنفار لقتال الآخرين فإن كثيراً من الناس يرونه سهلاً، وهؤلاء غالباً يفرون عند أول لقاء؛ لأن المسألة عندهم ليست من أجل الدعوة، بل من أجل أنهم استنفروا، أو يطمعون في مغنم ما.
والقضية دقيقة تحتاج إلى تفصيل أكثر من هذا.
стр. 91
أهل الفترة
السؤال
ألا يدل قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة:١٩] على أن قريشاً في ذلك العصر كانوا على فترة؟
الجواب
الفترة هي الانقطاع، ﴿عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة:١٩] أي: على انقطاع من الرسل، والخطاب لأهل الكتاب، وأهل الكتاب ليسوا أهل فترة؛ لأن عندهم علماً بالكتاب كما أنهم حرفوه عامدين، وهل يدل هذا على أن قريشاً كانوا أهل فترة؟ نقول: الوقت وقت فترة؛ لكن هذا لا ينطبق عليهم بأعيانهم، والنبي ﷺ لما جاء رجل يسأله عن أبيه قال: ﴿أبي وأبوك في النار﴾ وأيضاً قال: ﴿استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي﴾ فالحكم لا يشمل كل واحد بعينه.
стр. 92
أنواع العقائد
السؤال
كم أنواع العقائد؟ وهل هناك للكفار عقائد؟
الجواب
العقائد نوعان: عقائد صحيحة، وعقائد باطلة.
وعند الكفار عقائد لكنها باطلة، أي: عندهم دين، فالدين هو العقيدة والإيمان، كما قال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] لهم دين لكنه دين باطل ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
стр. 93
حكم زيارة القبور لرؤية العظام
السؤال
ما حكم من يزور القبور لكي يرى العظام في القبور؟ وهل يجوز لهم ذلك؟
الجواب
إذا كان قصد السائل أن يذهب إلى القبر، فيفتح القبر من أجل أن يرى العظام، فهذا لا يجوز.
стр. 94
واجب المسلمين أمام نعم الله
نعم الله كثيرة تترى، لا يستطيع الإنسان لها حصراً ولا عدا، فهي متمثلة أمامه في كل شيء، بل في ذاته هو، ومع ذلك تجد بعض الناس غافلين عن هذه النعم جاحدين لها، وفي هذه المادة ينبه الشيخ على بعض هذه النعم كنعمة الخلق والهداية، وواجب المسلم نحوها، ثم يبين أهمية وجود الصالحين المصلحين في المجتمع، موصياً الناس بالاقتداء بهم والاستجابة لندائهم.
стр. 95
من نعم الله علينا
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، له وأشهد أن محمداًَ عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: أيها الإخوة الكرام: أحمد الله ﵎ أولاً وهو أهل الحمد والثناء، وأشكره وهو لذلك أهل، ثم أشكركم على أن أتحتم لنا هذه الفرصة لنذكر الله ﵎، ونتذاكر فيما ينفعنا ويُقربنا إلى مرضاته .
وما هذا بغريب عليكم، فهذه البلاد -ولله الحمد- مصدر ومهد للخير والإيمان، خرج منها صحابة كرام، وفاتحون، وعلماء عظام، وما تزال -بإذن الله ﵎ منبعاً للخير ومصدراً للهدى، وما يدرينا فلعل في آخر هذه الأمة من يكون كأولها بإذن الله ﵎، وما هذا الشباب الذي بدأ يُقبل على حفظ القرآن وتجويده وتلاوته آناء الليل وآناء النهار، وما هؤلاء الذين أخذوا يتخرجون من الجامعات وينشرون الدعوة في هذه المنطقة إلا بواكير الخير وبداياته.
فهذا هو الخير الذي نرجوه، ونحن إن جئنا من بعيد فإنما نأتي لنشارك في الخير والأجر، وإلا ففي هذه البلاد -ولله الحمد- من لديه من العلم والخير والدعوة والجهد الشيء الكثير الذي يفوق ما عندنا، ولكن المحبة في الله توجب التزاور والتذاكر، وهذا من فضل الله ﵎ على عباده المؤمنين.
تعلمون أن الله ﵎ قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، وكما قال ﵎ في الحديث القدسي: ﴿يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً﴾ فهو كما قال -أيضاً- في نفس الحديث: ﴿إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني﴾.
فلا نستطيع أن ننفعه أو أن نضره، بل هو غني عن عبادتنا وطاعتنا مهما أطعناه، وكذلك لا تضره معصيتنا مهما عصيناه، فإن عصينا واستكبرنا وعاندنا وأبينا إلا أن نحيد عن أمر الله، فالخسارة والضرر علينا في الدنيا والآخرة، وإن آمنا بالله واتقيناه وأطعناه في كل أمر واجتنبنا ما نهى عنه فالخير لنا في الدنيا والآخرة.
стр. 96
وجعلنا الليل لباساً
لو تأملت كيف تستيقظ، من الذي أعطاك العافية؟ الله ، من الذي هيأ لك أن تقوم؟ كم من نائم نام تلك الليلة ولم يستيقظ إلا والملكان يسألانه في قبره، وأنت أيقظك الله حياً سليماً معافاً، وقد بت ونمت وعندك الأولاد والخير والنعمة والراحة.
والرسول ﷺ قد أخبر بأقل من هذا فقال: ﴿من بات وهو آمن في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه وليلته، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها﴾ سبحان الله! عافية في بدنك تلك الليلة، وأكل على قدر تلك الليلة، وأمن في تلك الليلة تنام وأنت مطمئن لا يهاجمك عدو ولا شيء يضرك، كأنما حيزت لك الدنيا.
ولو أن عبداً ملك الدنيا جميعاً من أولها إلى آخرها من شرقها إلى غربها، لكان غاية وأعظم ما يتنعم به في تلك الليلة هو هذه النعمة، هو أن ينام وهو مطمئن وشبعان وآمن معافى وماذا غير ذلك؟ وهل في الدنيا شيء بعد ذلك يطلب؟ لا شيء.
فالله تعالى أنعم عليك أيها العبد وأنت مغمور بنعم الله ولا تدري، وربما أن النوم يدرك بعضنا -يأتيه النوم في الليل غصباً عنه- وهو يفكر كيف أن فلاناً عنده من الأموال، وفلاناً عنده من النعم، وفلاناً أخذ وأخذ، وفلاناً ربح وتاجر وأنا ليس لديَّ إلا هذا الشيء القليل، نسي تلك النعمة لأنه ينظر إلى غيره، وهذا عكس ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن.
стр. 97
كيف ندرك نعمة الله علينا
والمؤمن التقي الذي يرجو لقاء الله، كيف ينظر في أمر الدنيا وكيف ينظر في أمر الآخرة؟ إذا نظرت في أمر الدنيا وشأنها فانظر إلى من هو دونك، من هو أقل منك مالاً وأولاداً وعافية فذلك أحرى وأجدر وأليق ألاَّ تزدري نعمة الله عليك، وتعلم أنه أنعم عليك بنعم عظيمة فتعرف نعمة الله عليك ومن خلال هذه النعمة، من خلال هذه النظرة إلى من هو دونك.
ولكن إذا نظرت أو تدَّبرت أو تفكَّرت في الآخرة فانظر إلى من هو أعلى منك، فإن كنت تقرأ شيئاً من كتاب الله فانظر إلى من يحفظه ويقرأه كله.
إن كنت تؤدي شيئاً من فرائض الله أو بعضها فانظر إلى من يأتي بالفرائض وبالنوافل وزاد على ذلك من الخير ومن البر.
إن كنت تدعو إلى الله وفتح الله على يديك من الخير فانظر إلى من دعوا إلى الله ﵎ فأحيا الله بهم أمماً من الضلالة ومن الجهل، فالمقصود أن الإنسان إذا كانت هذه نظرته عرف وعلم نعمة الله ﵎ عليه.
فهو الذي أعطاك العافية، والصحة، والفراغ، فإذا قمت واستيقظت وعبدت الله ، وصليت الفجر جماعة في المسجد فقل: الحمد لله الذي منَّ عليّ بهذا، فإذا جاء الإنسان إلى هذا المسجد وصلّى وذكر الله ، فإنه يكون قد أحسن؟ إلى نفسه، نال الأجر، والثواب، ونال الخير والبركة في بدنه وفي يومه ذلك بفضل الله ﵎.
إذاً: الفضل لله، بنعمته وبهداه وبتقواه ننال الخير في الدنيا والآخرة.
стр. 98
نعمة الهداية
حتى هدايتك جعلها الله ﵎ ميسورة، ولم يتركنا الله ﵎ سُدى لا نؤمر ولا نُنهى، بل بعث إلينا رسولاً من أنفسنا ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤] فمن رحمة الله ﵎ أن بعث في كل أمة رسولاً بلسان قومه ليبين لهم، وليعلمهم كيف يهتدون إلى طريق الله، وكيف ينعمون بالحياة المطمئنة الطيبة في الدنيا، ثم يلقون الله ﵎ فيدخلون دار كرامته حيث النعيم المقيم الأبدي.
فجعل الهداية -أيضاً- ميسورة لكل إنسان بما بعث الله به هؤلاء الرسل الكرام، وأفضلهم وخاتمهم محمد ﷺ ، فمنَّ الله ﵎ علينا بهذا الدين وبهذا الإيمان، ويسر لنا القرآن ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧].
يسر لنا هذا القرآن، فإذا قرأناه أو سمعناه نجد هذه الرقة والعذوبة والمتعة العجيبة للقاريء والسامع، هذا القرآن يسره الله وامتنَّ علينا بتعليمه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:١ - ٤].
وأعظم نعمة هي تعليم القرآن، وبغير هذا القرآن، وبغير هذا الهدى يكون الإنسان كالحيوان.
والحيوان كذلك مهَّد الله له العيش، ويسره له، ورزقه ، وهو رب كل دابة، وهو الذي يهيئ لها رزقها وإن كانت في ظلمات الأرض وأينما كانت، لكن الإنسان ما الذي يفرق بينه وبين هذا الحيوان؟ إنه هذا القرآن، وهذا الهدى، وهذه الرسالة.
ومع ذلك فكيف يكون حال العبد وكيف تكون مقابلة هذه النعمة؟ نحن في صلاتنا نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] هو أمرني أن أصلي في اليوم خمس صلوات، وأن أستيقظ لصلاة الفجر ثم أؤدي بقية الفرائض، فهل لي منة، هل لي فضل إذا أديَّت هذه العبادة التي أوجبها الله ﵎؟!
стр. 99
نعمة الخلق
هذه قاعدة عظيمة يجب أن يعلمها عباد الله المتقون -جعلنا الله وإياكم منهم- أنه يجب على كل منا ألا ينسى وأن يتذكر دائماً أن ما أصابه من حسنة وخير فمن ربه، وأن ما أصابه من شر ونكد وشظف عيش وبلاء وأذىً فمن ذنبه، وقد قال ذلك رب العزة والجلال لأفضل خلقه محمد ﷺ : ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء:٧٩].
ولو أن العبد تأمل ونظر كما أمره ربه أن ينظر ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق:٥]، ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنسان إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس:٢٤].
لو نظر في ذلك لعلم حقاً أن هذا ما قُرر وما قيل: إنه ما أصابه من خير فهو من ربه، وما أصابه من شر فهو بسبب ذنبه ومعصيته لله .
وإلا فما هو هذا العبد؟ من أنت أيها المخلوق الضعيف إذ كنت صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، أميراً أو حقيراً عند الناس، غنياً أو فقيراً في دنيا الناس، من أنت؟! أياً كان هذا الإنسان، ماذا لو نظر الإنسان مم خلق؟ ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:٦] من نطفة حقيرة قذرة، والآن يقول ويقرر الأطباء: إنه لم يخلق من النطفة كلها بل من جزء منها ضئيلٍ جداً لا يرى إلا بالمجاهر.
سبحان الله! هذا المتكبر على الله، المعرض عن كتاب الله، الذي لا يبالي بقال الله ولا قال رسول الله، ولا يبالي بما ارتكب من محارم الله، خُلِقَ من هذه النطفة الحقيرة.
سبحان الله! ومن الذي خلقه؟ ومن الذي جعله في قرار مكين؟ ومن الذي غذاه في ظلمات ثلاث في بطن أمه؟! وهو ييسر له الغذاء وييسر له كل أسباب الحياة.
حتى إذا انقضى الأمر، وبلغ الأجل الذي قدَّره الله ﵎، وجاء هذا المولود وخرج إلى هذا الوجود، هيأ الله ﵎ له أسباب الحياة الدنيا مما لم يكن ميسوراً له وهو في بطن أمه، ومما لم يكن محتاجاً إليه وهو في بطن أمه، والآن ينتقل إلى عالم جديد يحتاج فيه إلى الغذاء والهواء، ويحتاج فيه إلى من يرعاه ويحفظه ويحوطه برعاية مباشرة، يسر الله ﵎ له ذلك فهداه الله تعالى من الزيف.
يولد الطفل من الذي علمه؟ ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [النحل:٧٨] علَّمه أن يرضع من هذا الثدي، ولو أن الله لم يُعلِّمه ذلك من يستطيع أن يعلمه من الناس أو من الأطباء؟! لا يستطيع أحد أن يعلم المولود في يومه الأول، بل في عامه الأول فما بعد، إلا بعد حين أن يُعلَّمه شيئاً من الأمور.
ولكن الله ﵎ علَّمه وهداه أن يأخذ هذا الثدي وأن يتغذى به، وهذا الثدي قد هيئ فيه درجة حرارة معينة مناسبة، وبغذاء مناسب لمن ولد الآن، بخلاف إذا رضع منه الطفل في عامه الثاني.
فقد هيئ الله له في الحليب المواد التي تكفي وتغذي من قد عاش سنة فأكثر.
فسبحان الله! الذي يحوطه برعايته، ويحوطه بعنايته ويهيئ له في كل حالة وفي كل وقت ما يناسبه وما يلائمه مما يحتاج إليه هذا الإنسان.
من الذي جعل الأم تحوطك برعايتها وعنايتها إلا الله ، وإلا فبعد أن لقيت ما لقيت من الوحم ومن التعب أثناء الولادة ثم ما بعدها من مشاق عظيمة لألقتك وذهبت بعيداً وتركتك وتخلت عنك.
والمرأة هي من أغلظ الناس قلباً، وأخبثهم طباعاً وجلافةً، فإذا وُلد لها ولدٌ كانت من أحن الناس وأرقهم على هذا الولد، وإذا قيل لأي أم أعطينا هذا الولد لنذبحه، وخذي ما شئت من أموال الدنيا؟ والله لا تجدون أماً ترضى بهذا أبداً، سبحان الله العظيم! كيف نزلت هذه المحبة، من أين هبطت هذه الرحمة والشفقة على ذلك القلب الغليظ الجافي؟ من عند الله لكي يحوطك أيها الإنسان، ولكي تتربى وتتغذى في نعمه ﵎، سخر لك الأب وسخر لك كل ما يعيشك.
стр. 100
رحيم غفور
стр. 101
دفع العذاب وتأخيره
وتعلمون بم يدفع الله العذاب ويؤخره ويؤجله؟ أقول: هذا لأن بعض من أعمى الله بصيرته، وختم على قلبه وأضله، لا يكف آناء الليل أو النهار عن السخرية والوقيعة والاستهزاء بمن هدى الله ﵎ من الشباب الصالحين.
ما الذي يدفع عنا عذاب الله إذا أراد أن يعذبنا؟ نعوذ بالله من العذاب؛ إنه دعاء الصالحين.
إذن نستبقي هؤلاء الصالحين، ونحمد الله إذا كثر هؤلاء الشباب الذين يقرءون كتاب الله ويحفظونه، ويدعون إلى الخير، وإلى الالتزام بالحجاب، ويدعون ألى ترك الربا، والزنا، وإلى ترك المنكرات، وإلى ترك الغناء والملاهي.
إن وجود هؤلاء بيننا يدعوننا نعمة، وبدعوتهم للإصلاح وبدعائهم لله يدفع الله العذاب ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] ما دام فينا مصلحون، ولا يدري الفاسق، الفاجر، اللاهي، العابث الساهر ليله كله، والنائم نهاره عن طاعة الله، ما يدري أن النعمة هذه أنها بفضل الله أولاً ثم بوجود الأخيار الأتقياء، لأن الله ما يعذبنا وهؤلاء مصلحون يدعون إلى تقوى الله، ويسألونه المعافاة ودفع البلاء.
فينظر الله لأعمالنا، فإن استجبنا لهؤلاء الدعاة واتبعنا ما يقولون، ليس ما يقولون لأنفسهم بل قولهم: قال الله وقال رسول الله؛ رحمنا الله ، وإن قابلناهم بالرد والاستهزاء والسخرية جاء العذاب -نسأل الله العفو والعافية- وحتى وإن أتى العذاب في الدنيا على الجميع فإنهم يبعثون على نياتهم، وأم المؤمنين رضي الله تعالى عنها لما سألت النبي ﷺ ﴿أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم.
إذا كثر الخبث﴾ إذا كثر الخبث يأتي الهلاك وإن كان فينا صالحون.
لكن متى يمتنع العذاب؟ إذا كان فينا مصلحون.
إذاً الحمد لله أن هؤلاء الدعاة يدعوننا، وإذا لم يدعونا ظلوا صالحين ونحن ما زلنا عاصين جاء العذاب، ولو كثر الصالحون، لكن إذا كان المصلحون يدعوننا ونحن نسمع وفينا من يستجيب، دفعنا وأجلنا وأخرنا -بإذن الله- عذاب الله الذي لا يُرد عن القوم المجرمين إلا بالتوبة، وبالإيمان، وبالإنابة، وبالضراعة إلى الله .
فنحن -والله- في غفلة عظيمة، قلوب قاسية، نتقلب في نعم الله ولا نذكر الله إلا قليلاً، وإذا عبدناه واتقيناه أتانا الشيطان وجعل المنة والفضل لنا، وقال: أنتم من المهتدين، ومن المتقين، وأنت أحسن من غيرك، وأنت فيك وفيك، ليزين لك عدو الله أسباب الضلال، وليحبط عملك.
نسأل الله أن يمنَّ علينا وعليكم بالهداية والاستقامة، وأن يعيذنا من شر الشيطان، ونزغاته، ووساوسه.
стр. 102
استعجال العذاب
إذا ذكر العباد بالله كان حالهم أنهم يستعجلون عذاب الله، ويقولون: أين عذاب الله؟ كثير من الناس قد لا يقول هذا بلسانه، ولكن يقوله بحاله، لأنه لم يتب ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٢].
وإذا لم يستغفروا الله، ولا بالوا بأمر الله ، فإذاًَ كأنهم يقولون: أين ما وعد الله به من العذاب؟ الوعاظ والخطباء يوم الجمعة، والناصحون، والمذكرون، يقولون لنا: إن عصينا الله فسوف يُعذبنا، وإن اتقينا الله فسوف يُنعم علينا، فيأتي الشيطان ويقول: كم عصينا الله؟ ولم يحصل إلا استمرار النعم، لا يوجد إلا نعمة الزاد.
لا.
هذا جهل، وهذا ضلال عظيم، ولا تنظر إلى كرمه، ولا تنظر إلى استدراجه ، ولا تنظر إلى إمهاله للمجرمين ، فإنه إذا أخذ فإنه يأخذ أخذ عزيز مقتدر، منتقم جبار، ، لا تنظر إلى ذلك وانظر إلى أن هذا الباب، يجب أن يستغل، إن زاد الخير فهو استدراج ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤] يفتح الله أبواب كل شيء، إذا نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء.
لا تقل كما قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٤ - ٢٠٧] كم عمرك يا مسكين؟ تقول: أنا من حين خلقت وأنا أعصي الله وما أصابني شيء، هذا العمر كم سنة يكون؟ لقد أهلك الله من كان قبلنا من القرون الذين أخبرنا الله ﵎ عنهم ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ:٤٥].
كم المعشار؟ قال المفسرون في المعشار: هو عشر العشر ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم:٩].
الله أكبر! عمروا الأرض، وزرعوا، وبنوا أكثر منا، وكانوا أكثر منا أموالاً، وأولاداً، ومع ذلك أهلكهم الله وأخذهم بذنوبهم؛ وإن كان قد أمهلهم ما أمهلهم ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٤].
لا والله، لا نستعجل عذاب الله ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٥ - ٢٠٧] تذهب تلك النعمة في لحظة انتقام واحدة ويفرون ويركضون، لو جاء زلزال -عافانا الله وإياكم- ادعوا الله دائماً أن يعافينا وإياكم من الزلازل والفتن.
الزلازل هذه أمرها عظيم، وشأنها خطير، وقد كانت هذه الجزيرة العربية في منأى وفي مأمن عنها كما كانوا يقولون، يقولون: إن جزيرة العرب وهذه الجبال التي يُسمونها الدرع العربي في مأمن من الزلازل إلى أن حدث قبل سنوات زلازل في مناطق قريبة، والآن تسجل هزات على طول الساحل -نسأل الله العفو والعافية- وفي كل منطقة تقريباً تسجل هزات خفيفة وقد تكون قريبة مما يكون بعده الدمار والناس في غفلة.
لكن لو نزلت لركض الناس وهربوا، وأول ما يخرج منه الإنسان ويهرب منه ربما ذلك البيت الذي أفنى عمره كله وهو يزخرفه ويزينه، ويشتري الثريات من مكان، والبلاط من مكان، والزينة من مكان، ويهتم به أعظم الاهتمام، ولهذا يقول تعالى: ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ [الأنبياء:١٣] لا يفكر لا في مسكنه ولا في شيء آخر، يريد أن ينجو فقط بنفسه، تصبح الأرض مثل الماء فلا تضع رجلك إلا وتنزلق فيها ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣].
والله ما هي من الظالمين ببعيد، ولا يدفعها إلا أن نتوب إلى الله ، فلا تستطيع قوة، ولا معدات، ولا آلات، ولا وسائل إنقاذ، ولا أي شيء أن يدفعها إذا جاءت هي أو غيرها إلا أن نتوب إلى الله ، وأن نجأر ونتضرع إلى الله، وألا نستعين على معصية الله بنعمه.
الإنسان الآن يأكل نعمة الله، والموسيقى تعزف في وسيلة من وسائل الإعلام أو أمامه، نقول: الأمم والقرى قبلنا، ونحن نفعل مثل ما فعلوا وأكثر، أين شكر نعمة الله ، يؤذن المؤذن ويصلي الناس، والموسيقى تعزف والغناء يسمع في السيارة أو في البيت ونحن غافلون.
سبحان الله! هذا نذير النجاة، أم نذير الهلاك؟ يذهب الناس للاستسقاء ويستغيثون الله أن يغيث هذه البلاد وأن يرحمها -نسأل الله أن يستجيب لنا إنه سميع مجيب- وبعضهم يسمع الغناء والملاهي في البيت أو في السيارة في غفلة تامة، وربما كانوا في المقاهي يلهون ويلعبون، وهذا والله نذير الهلاك، هذا نذير العذاب إلا أن نتوب إلى الله .
стр. 103
يقبل التوبة ويعفو عن السيئات
فإذا قلَّت النعمة وإذا لم تنزل الأمطار وإذا قلَّت البركة، فإلى من يرجع الأمر؟ إلى ذنوبنا.
فيجب أن يعلم العبد أن ما أصابه من خير فمن ربه، ولكن ما أصابه من شر فمن ذنبه ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ [الجن:١٧]، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦].
لا تنفد خزائنه ، لكن إذا لم يؤمنوا لم يتقوا وكذبوا، فيأخذهم بما كانوا يكسبون، بذنوبهم، ومع ذلك ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [المائدة:١٥]، ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٤].
فالله يتجاوز وهو كريم، كرمه لا يُحد ولا يُوصف، وكما أشرنا فإنه لا يمد المؤمنين ويرزقهم ويغيثهم فحسب، بل حتى الكافرين إذا أخلصوا في الدعاء إليه.
وكذلك ليست نعمته وكرمه ورحمته خاصة بالمتقين، بل يفتح الباب للمجرمين وللمذنبين وللمدبرين أن تعالوا ويناديهم : يا عبادي يا عبادي.
الله قال في مثل هذه الحالة: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] سبحان الله! كان يكفينا أن نعلم أننا إذا تبنا وآمنا وعملنا الصالحات أن يعفو عنا، اللهم لك الحمد عفوت عنا، ولكن ليس كرمه عند هذا الحد، بل يتكرم بالعفو عنا ويتكرم بأن يُبدل تلك السيئات حسنات، الكفة التي كانت على الشمال مثل الجبال تتحول إلى اليمين إلى الحسنات مثل الجبال أيضاً، بماذا؟ بأن نتوب إلى الله ، وأن نستغفر الله ، فالله تعالى ﴿يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل﴾، سبحان الله! غني عنا، وغني عن عبادتنا، وغني عن طاعتنا لا تضره معصيتنا ولا يبالي بنا.
ولكن لو عصيناه لم يبال بأي واد هلكنا، ومع ذلك يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار.
الله أكبر! ما أكرم هذا الرب ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
стр. 104
هو الرحمن الرحيم
قال الله : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].
قال السلف ﵏: فضل الله ورحمته: هي القرآن، والإسلام، والإيمان، والوحي، ورسالة محمد ﷺ ، وكل ذلك صحيح وهذا هو من زيادة الأمثلة المتنوعة لشيء واحد.
الله تعالى أنعم علينا بهذا الدين، فبه نفرح وهو خيرٌ مما يجمعون، فمهما جمعنا في الدنيا، فإن هذا الدين الذي أعطانا الله هو خير مما نجمع، من هم أغنى أغنياء العالم؟ -والغنى لله الحق ﵎ هم اليهود.
أيها الإخوة: هذه البنوك الربوية التي تمتد من بلادهم إلى بلادنا -مع الأسف- أكثرها وأكبرها لليهود، وهل اليهود مكرمون عند الله؟ ﴿لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافر منها شربة ماء﴾ أبداً، لكن لا تعدل ذلك ولا تساويه عند الله ، وإنما كما قال: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] نمد المؤمنين ونمد الكافرين، لماذا؟ لأنه لا رب إلا الله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] نقولها في الفاتحة في كل ركعة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] لا رب سواه، ولا رازق سواه، فهو الذي يرزق.
الرب الذي ربى جميع العالمين بنعمه، ولهذا يستجيب ﵎ ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢].
هل قال الله تعالى أمن يجيب المؤمنين إذا دعوه؟ المضطر أياً كان مؤمناً كان أو كافراً إن دعا الله أغاثه الله؛ لأنه لا مغيث إلا الله، ولا رب إلا الله ، فإذا دعوه أغاثهم ولو لم يغثهم لم يغثهم أحد أبداً، لكنه هو الذي يمنُّ على الكافر وعلى المؤمن، وما كان عطاؤه محظوراً، بل نعمه نازلة، مستديمة، مستفيضة على هؤلاء العباد.
стр. 105
وصية خاتمة
أوصي نفسي أولاً وأوصيكم بتقوى الله ، فإنها وصية الله إلى الأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ولا تكون تقوى الله إلا باجتناب ما حرم الله والعمل بما يرضي الله ، وأن نستغفر الله ، وأن نستشعر دائماً وأبداً أننا مذنبون وأننا مفرطون ومقصرون في جنب الله، ومقصرون في حق الله، وأنه لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، وأننا لن ندخل الجنة بأعمالنا مهما كثرت، فإن ما نعمله من عمل، وكل ما نأتيه من العبادة لا يكافئ ولا يقابل نعمة صغرى من نعم الله، ولكن ندخلها برحمة الله ، وأن الفضل بيد الله أولاًَ وأخيراً وفي كل حين وفي كل ساعة؛ فهو خلقنا ورزقنا وهدانا وأنعم علينا.
واعلموا أن هناك فريضة منسية مهملة يجب أن نحييها نحن -جميعاً- وهي ما أمر الله ﵎ به حين قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] نحن -إلا من رحم الله- في مثل هذه المناطق عندنا طبيعة وعادة متعارف عليها وهي المجاملة، والمداهنة، والمراءاة.
لا أستطيع أن أقول: يا فلان! اتق الله، يا أخي! حجِّب زوجتك، وانتبه لأبنائك لا يكونوا مع الفساق، يا أخي! لماذا لا نراك في المسجد -إلا من رحم الله منا- من يؤِّدي الدعوة المباشرة بالنصح وبالحكمة وبالموعظة الحسنة.
لكن إذا كنا تكلمنا بذلك الفاجر تارك الدين، وهذا والله ليس أسلوب الأنبياء ولا عباد الله الصالحين، ويجب أن ندعو إلى الله وأن نفرح إذا كان فينا من يدعو إلى الله، وأنتم بلا شك تفرحون إذا جاءكم من يدعوكم إلى الله من أي مكان، وهذا دليل الإيمان، وهذا شيء ملموس ويشاهده كل من جاء إلى هذه البلاد والحمد لله.
لكن يجب أن تكون فرحتكم بمن يمنُّ الله تعالى عليهم بالهداية والعلم والدعوة من أبناء هذه القرى والمناطق أشد وأعظم، لأن الزائر غريب ضيف ليلة في السنة وربما ليلة في العمر يمر عليكم.
لكن إذا أنبت الله النبات الحسن الطيب من أبنائكم في حلقات التحفيظ، وفي المعاهد العلمية، والمراكز الصيفية، والمساجد، ومنتديات الخير، فهذا خير باق مستمر تستفيدون منه في كل وقت ويرجع إليها الجاهل فيتعلم، والمستفيد فيستفيد، وينشرون الخير والعلم طوال السنة.
نحن -كما تشاهدون- هذه الأيام من فضل الله تعالى في الأسبوع مرتين أو ثلاثاً ولكن كما سمعنا وعلمنا أن هذه أمور موسمية -أي في هذا الموسم- حيث يأتي الزوار أو الدعاة أو ما أشبه ذلك مع أن الخير -والحمد لله- في المنطقة وأبناؤها موجودون.
فيجب أن نحيي هذه الدعوة وأن نقابلها بالفرح والاستبشار، وأن نهيئ لها في كل مكان، لكي تثمر وتؤتي ثمارها بإذن الله لأن هذا خير وبركة دائمة مستمرة لدينا هنا وليست وافدة زائرة تأتي ثم ترتحل.
فيجب أن نفرح إذا جاءنا الواعظ، أو جاءنا المذكر، أو الناصح، كما نفرح إذا أمطرنا، وجاءتنا السيول، والبركات والنعم، والغيث من عند الله .
وكيف نفرح بالغيث في بلادنا ولا نفرح بغيث الإيمان في قلوبنا؟ نسأل الله أن يُوفقنا وإياكم لما يُحب ويرضى وأن يجنبنا من فتنة القول كما يجنبنا من فتنة العمل إنه سميع مجيب.
وهذا كما أشرت -والحمد لله- أمر ملموس وواضح أن الإقبال على الخير وعلى ذكر الله أصبح -والحمد لله- أمراً ظاهراً يحبه الجميع، ونحمد الله ﵎ على ذلك، ونسأله زيادة الإيمان في قلوبنا جميعاً.
لكن كما أشرت وأعيد للتكرار أن الدعوة التي تنطلق من أبناء هذه البلاد إذا تعاونوا فهي دائمة وثابتة، ولا يعني ذلك أن الذي من خارجها لا يأتي، بل كل منطقة تتحرك في داخلها يأتي الدعاة إليها من الخارج.
نحن لنا إخوة وزملاء من هذه البلاد -والحمد لله- ومما حولها خير منا وأفضل منا علماً وعملاً، ويدرسون هنا في المتوسطات وفي الثانويات وفي المعاهد، أو يدرسون هناك وهم -والحمد لله- يقومون بما نقوم به وأكثر وأفضل.
إذاً القضية ليست قضية أنه لا يوجد طاقات تقيم هذه الدعوة والندوات باستمرار، لكن يجب أن يتعاون هؤلاء الإخوة من جهة، كما يجب علينا -نحن جميعاً هنا- أن نفتح لهم سبل الخير، وأن نعينهم عليه، وأن يجدوا فينا من التجاوب والاستماع والحرص ما يشجعهم ويعينهم على طلب الخير، وإلا فهذه المراكز -كما تعلمون- أن أصحابها لا يتقاضون عليها أجراً لا انتداباً ولا راتباً ولا ربع راتب ولا شيء؛ وإنما يفعلون ذلك احتساباً لوجه الله .
فأنا وأمثالي من المدرسين فرحنا بالعطلة نتمشى ونذهب إلى أهلنا وإلى أولادنا ونذهب إلى كل مكان، وهذا الرجل انتهى من الاختبار وفتح المركز، هل لأنه ليس لديه أولاد أو أهل؟ ربما عنده مثل ما عندي أو أكثر ومن الأعمال، لكن عنده احتساب، وعنده رغبة في الأجر، ورغبة في الآخرة، ورغبة فيما عند الله أنه يلم شتات أبنائنا في هذه العطلة، والمؤمن لا يعرف العطلة إلا إذا مات ولقي الله، أما في الحياة فهو مسئول، ومحاسب عن وقته دائماً، فيأتون في هذه العطلة بما يحفظ الله به شبابنا.
فإذا جاءتنا هذه المراكز وهذه المواسم الخيرة والمخيمات، وكذلك الندوات فيجب أن نستفيد منها، لينفعنا الله في قلوبنا جميعاً.
стр. 106
الأسئلة
стр. 107
تنزيل حكم الجهاد
السؤال
ما حكم الجهاد في الوقت الحاضر أثابك الله؟
الجواب
الجهاد في القرآن واجب على طلبة العلم ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [الفرقان:٥٢] جهاد الدعوة، وجهاد النفس على طاعة الله واجب -أيضاً- في كل زمان ومكان وعلى كل إنسان، وأما جهاد الأعداء، وقتال الكفار فهو نوعان: الأول: جهاد الطلب.
والثاني: جهاد الدفع.
فأما جهاد الدفع فهو إذا نزل الكفار في بلدان المسلمين، وجب على أهلها أن يردوه، هم ومن حولهم حتى تتسع الدائرة إلى من هو أبعد منهم ممن لديه القدرة عليه.
وأما جهاد الدعوة فهو أفضل الجهاد كما جاهد النبي ﷺ ، وهو أن ندعو وأن نقيم دين الله في أنفسنا، ونقيمه في مجتمعنا، ثم نخرج ونغزو الأمم ونفتح البلاد لتدين بدين الإسلام وتخضع له وتنقاد لأحكامه.
بعد أن نكون قد حققنا الإيمان والتوحيد، ودعونا إلى الله وانتصرنا على أنفسنا ثم ننتصر بإذن الله على أعدائنا، فهذان جهادان يجب علينا الآن في كل بلد من بلاد المسلمين أن نسعى إلى جهاد الدعوة، ونبدأ بالدعوة إلى الله وننتهي بقتال الكفار وفتح بلادهم.
هذا كله يسمى جهاد الدعوة، وهذا الذي كان عليه النبي ﷺ .
أما جهاد الدفع فأكثر بلاد المسلمين محتلة التي لم يدخلها الروس، يحكمها الباطنيون والبعثيون والإشتراكيون والديمقراطيون، كلها مذاهب كفرية أين تذهب ومن الذي يذهب؟ وما الذي لا تدع؟ الواجب أن يحيي اليوم جهاد الدعوة ابتداءً من الدعوة المجردة وانتهاءً بقتال الكفار، لتكون كلمة الله هي العليا ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣] ولا نستطيع أن نقول أكثر من هذا في هذا المقام والحمد لله رب العالمين، ونسأل الله لنا ولكم العلم النافع والعمل الصالح، وصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 108
الفرق الإسلامية
السؤال
ما رأيك أن يجتمع المسلمون يداً واحدة بمختلف عقائدهم من صوفي وأشعري وغير ذلك يداً واحدة ضد الأعداء ثم بعد ذلك نصلح أنفسنا؟ ثانياً: هل نعتبر أصحاب الفرق والملل كفاراً أم مسلمين، وأقصد الذين يؤولون الصفات وفي هذا انتقاص لحق الله سبحانه؟
الجواب
بالنسبة للفقرة الأولى فلا تحتاج إلى كثرة شرح، فهذه نضرب لكم فيها مثالاً واحداً لو أن عدواً لنا هناك على رأس الجبل، فقال أحدنا: اعطونا العميان والعرجان والمكسرين والعجائز وكل واحد نحارب به العدو وبعد ذلك نداوي أنفسنا، هل يعقل هذا الكلام؟ نقول: لا يقاوم العدو حقيقةً ولا يحاربه إلا القادر النشيط القوي، فوالله ما لم نعالج أنفسنا فلن نستطيع أن نحارب عدونا وقد جربنا في كل بلد يُحارب فيه أهل الشرك والضلال والبدع والموبقات، الصحابة الكرام أفضل جيل، وأطهر جيل على هذه الأرض عصوا الله معصية نعتبرها اليوم عادية.
قال لهم النبي ﷺ يوم أحد ﴿هذا الجبل لا تبرحوه انتصرنا أم انهزمنا﴾ فكانت الدائرة على الكفار وانهزموا وذهبوا وجاء المسلمون يقتسمون الغنائم، وأولئك على الجبل، فقال قائدهم: [[لا تبرحوا فإن نبيكم نهاكم عن ذلك]] فعصوه ونزلوا إلا عشرة نفر، فلما نزلوا التف المشركون من وراء الجبل وكانت الهزيمة، وقتل من صناديد المسلمين سبعون، والنبي ﷺ وقع له ما كاد أن يودي بحياته ﷺ ، هزيمة بسبب ماذا؟ بسبب معصية واحدة حصلت من أفضل وأطهر جيل.
هذه المعصية منعت النصر من عند الله .
فكيف إذا كان فينا المبتدعة وفينا المؤول والمعطل وفينا الشيعي والمخرف والكاهن والدجال وكل شيء؟! ونقول: نواجه العدو أول شيء وبعد ذلك نصلح أنفسنا؟! أولاً: نصلح أنفسنا وقبل أن نجاهد الأعداء نجاهد أنفسنا بطاعة الله، أو مع ذلك فهذا أمر لا بد منه ويكفينا ذلك.
وأما هل يعتبرون كفاراً؟ الذين يؤولون لا يعتبرون كفاراً في الجملة -أي: ليس أهل التأويل أهل كفر- وإنما نسميهم أهل بدعة وضلال وانحراف، لكن في آحادهم قد يوجد فيهم منافقون في الباطن، فيوجد من الصوفية ومن الأشعرية ومن المؤولة منافقون في الباطن، لكن الذي ظاهره فقط أنه يؤول الصفات أو يبتدع بدعاً غير مكفرة هذا لا نكفره في الجملة ولا نكفر فرقة في الجملة، بل هم من أهل الوعيد، إن شاء الله غفر لهم، وإن شاء عذبهم فإن كان لهم من الجهاد والحسنات والإيمان باليوم الآخر ما يوازي أو يزيد عن هذا الذنب غفر الله لهم، وإن كان غير ذلك فهم مؤاخذون كأهل الذنوب والمعاصي، أما أهل البدع المكفرة كما يقول: كـ غلاة الصوفية وغلاة الشيعة والجهمية الذين ينكرون جميع الصفات وأشباههم.
فهؤلاء كفار خارجين من الملة، فهناك فرق خارجة من الملة، وهناك فرق غير خارجة من الملة، ولكنهم من أهل الوعيد، والفرقة الناجية هم الذين على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، جعلنا الله وإياكم منهم إنه سميع مجيب.
стр. 109
حكم الإسبال في الثياب
السؤال
هل يستطيل الإنسان بالثياب؟
الجواب
لا يستطيل الإنسان بالثياب، إذا كنا لا نقوم من طاعة الله إلا بالقليل الذي لا يكلف شيئاً، مثلاً: إذا قلت لبعض الناس ذلك؟ يقول: نحن الحمد لله فينا أشياء بسيطة، مادامت بسيطة تجنبها، فلا يعقل أن شخصاً يحمل حجراً كبيراً، وتقول له: احمل هذا، يقول: هذا بسيط اتركه.
يا أخي! لو حملت الصغير قبل أن تحمل هذا الكبير، لكن هذا دليل أن التزامنا ضعيف.
إذاً إعفاء اللحية شيء بسيط، فالحمد لله الذي جعله بسيطاً لا يكلفك شيئاً، بل يوفر عليك في دنياك وفي آخرتك، وأيضاً تقصير الثوب بسيط، ولا ينظر الله إلى المسبل إزاره، ولا عقوبة أعظم من هذه، وبعض العلماء يرى أن صلاته لا تصح ولا تقبل وإذا قبلت فهو عاصٍ آثم، فالإثم ملاحق له.
إذا رأيت إنساناً مسبلاً ثيابه، عرفت أنه من أهل الكبر، وإذا رأيت إنساناً رافعاً إزاره أو ثوبه على الكعب عرفت أن هذا عليه سمات من الخير.
ما أمرنا رسول الله ﷺ بشيء إلا والخير كل الخير فيه، ولا نهانا عن شيء إلا والشر كل الشر فيه، عرفنا ذلك أو جهلناه.
فيجب علينا أن نتقي الله في أوامره وفي هديه وفي سنته ﷺ ، ومن أوجب ما يجب علينا في هذه الحالة أننا لا نستهزئ بمن يطبق السنة، يكفي أنني مُقصِّر، وأني مذنب، فإذا زدت على الذنب ذنباً أعظم وهو الاستهزاء بشعائر الدين التي كفر الله بها المنافقين ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦] هذا ذنب أعظم وهو الاستهزاء بالمتمسكين بالسنة أو الثياب، أو بتعليم القرآن، أو بحضور الجمعة والجماعات، أو بحضور حلقات الذكر.
الاستهزاء بهم أعظم جرماً وذنباً من أن تترك هذه الفروض أو السنن وهو مما أخرج الله به المنافقين من الإيمان نسأل الله العفو العافية.
стр. 110
حكم الغناء
السؤال
ما حكم الغناء مع ذكر الدليل لتحريمه، وما هي الطريقة لاجتنابه بعد الانغماس فيه؟
الجواب
الغناء كلمة عامة نفصل فيها -إن شاء الله- بإيجاز: الغناء يطلق على شيئين يجب أن نفرق بينهما.
الأول: إنسان مع غنمه في الجبل أو متكئ في بيته، وأعجبته قصيدة ما فغنىَّ بها هذا يسمى غناء.
الثاني: مع موسيقى ورقص نساء أو رجال وفرقة يسمونها فرقة ترقص؛ هذه يسمونها أيضاً غناء.
ويأتي بعض العلماء أو بعض الناس، ويقول: العلماء اختلفوا في الغناء منهم من يقول: حلال، ومنهم من يقول: حرام.
الحقيقة أنهم لم يختلفوا لو تبينا ذلك، ولكن تكلم كل منهم في شيء، بعض العلماء من علماء المدينة في الصدر الأول قالوا: 'إن أهل المدينة يبيحون الغناء'.
كيف أهل المدينة يبيحون الغناء؟ الغناء ذاك الذي ليس فيه أي شيء، يحدث نافع عن عبد الله بن عمر 'لما كان ماشياً وجد راعياً معه قصبة يزمر فيها، فوضع ابن عمر إصبعه في أذنيه -سدها- يقول نافع: وأنا يومئذ صغير، فسألته فقال: إن النبي ﷺ سمع الراعي فوضع يديه هكذا'.
فالغناء الذي فيه موسيقى وفيه آلات، وفيه معازف حرام، كما بين النبي ﷺ بقوله: ﴿سيأتي على الناس زمان يستحلون فيه الحر والحرير والخمر والمعازف﴾، فهذا الغناء حرام، الزنا والحرير والخمر والمعازف والقمار هذه محرمات قطعية، ونافع يقول: ' وأنا يومئذ صغير ' يقول: أنا ما وضعت إصبعي في أذني لأني صغير لأنني لا أدري ولا أعرف الحكم، يعتذر أنه لم يسد أذنه عن سماع القصبة، قصبة الراعي.
فبالله لو رأوا الفرقة الموسيقية ورأوا الأفلام في الفيديو وفي التلفزيون، ورأوا الملايين التي تُبذر للمطربين والمطربات، هل يمكن أن يختلف العلماء؟ يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦] يقول عبد الله بن مسعود [[والله الذي لا إله غيره إنه الغناء]] يحلف ونؤثمه! بل صدق والله.
ويقول ابن عباس ﵁: [[الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع]] هذا الذي نراه، وقد ورد فيه من الزجر ما تقشعر منه الأبدان.
وأنا أحيل الإخوة وفيكم طلبة علم أحيلكم إلى كتاب وهو كتاب عظيم في هذا الباب وغيره، كتاب إغاثة اللهفان في هذا الباب، ذكر خمسين وجهاً في ضرر الغناء، وذكر من كلام السلف ما يعتبر به الإنسان.
وقد أباح النبي ﷺ للنساء في العرس الدف، وفرق بين الدف والطبل، ولكن متى؟ ليس في كل وقت، بل في الزواج فقط وماعدا ذلك فيحرم.
فلنتق الله في أنفسنا، ولنتق الله في هذه الملاهي، والمعازف التي ألهتنا عن ذكر الله وشغلتنا عن طاعة الله، وأصبح العلماء لا يجدون لهم مكاناً في المجتمع، والفساق المغنون تعلق صورهم في أعلى الأماكن، كصور الملوك والأمراء، لماذا؟ لأنهم وجدوا شهوات الناس تحُب الغناء.
لو أنه قيل لنا: إن الشيخ ابن باز يأتي لهذه المنطقة -وإن شاء الله يأتي لهذه المنطقة- فإن كثيراً من الناس لن يفرحوا؛ كما لو قيل: المطرب الفلاني آتٍ إلى المنطقة، يأتون من كل مكان وليروه ولو استطاع النساء لأتين وخرجن ليروا هذا المطرب العظيم، لماذا؟ نحن أشهرنا وأعلينا الفساق وأظهرناهم، وجعلنا المتقين في الدرجة الأقل.
وكما تعلمون من واقعنا وبيئتنا أنها بيئة قبلية أصيلة، من أبناء الأسر الأصيلة، فأي شيخ قبيلة أو رجل محترم أو إنسان طيب يرضى أن يكون ابنه يضرب هذا الطبل أو يعمله؟ بالله هل يرضى أحد هذا الشيء؟ إخوانه سوف يتبرؤون منه وأرحامه وعمه وأبوه، فإذاً هذه مهنة حقيرة وضيعة، فإذا جاءت في التلفزيون ارتحنا؛ وقلنا هذا فنان عظيم، لماذا عظيم؟ لأنه بعيد، أما إذا كان قريباً لك، تقول: هذا خير فيه الطبال الزمار، الذي ما فيه خير لا نعرفه ولا يعرفنا، ولا يقرب لنا ولا نقرب له.
لا يا أخي! لا تنظر بميزانين، واجعل ميزانك واحداً، وهو ميزان الدين والشرع، وما وضعه الشرع ضعه، وما رفعه الشرع والدين فارفعه يرفعك الله .
следующие страницы →