← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

حضور الموالد للمشاهدة السؤال هل حضور الموالد لكي يشاهد فقط عليه إثم؟ الجواب العادة أن أكثر الناس متفرجين، لكنه بعد هذا قد يصبح من أصحابها، أما إن كان بصفة مسئول، أو بصفة مبلغ لمن يهمه الأمر من العلماء ليرى ذلك فلا حرج إن شاء الله.

стр. 1157

تحليل ما حرم الله السؤال بعض الناس يقول عن المحرمات: إنها ليست حراماً؟ الجواب على كل حال من أحل شيء مما حرم الله ، فينطبق عليه قول عدي بن حاتم الطائي ﵁ عندما جاء إلى النبي ﷺ وهو كان يدين بـ النصرانية، والنبي ﷺ أجلسه وأخذ يقرأ آيةً يعرض به فيما كان عليه من الدين، والنبي ﷺ يقول: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم قال له عدي: يا رسول الله: ما عبدناهم! فقال: ألم يحلوا لكم الحرام، ويحرموا عليكم الحلال فتطيعوهم؟ قال: بلى، قال فتلك عبادتكم إياهم﴾ هذا نوع من أنواع العبودية كما أشرنا.

стр. 1158

حكم تأييد الكفار أو موالاتهم السؤال نرى بعض الذين لا يتذوقون حقيقة نعمة الإسلام، ولا يرون أنه شامل لكل مطالب الحياة، نراهم يؤيدون الدول الخليعة ويتمنون لو أنهم معهم ويعملون مثل أعمالهم، ما رأيكم في ذلك، وهل يناقض ذلك وجوده مع المسلمين؟ الجواب هذا ليس منا، فكيف يقيم معنا، من يحتقر نعمة الإسلام، ويقول: إن الإسلام لم يأت بكل خير في كل أمر، ويؤيد الكفار، ويتمنى أنه معهم، هذا لم يعد موالياً لهم، بل لقد صار منهم، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١].

стр. 1159

الفرق بين العلمانية والماسونية السؤال ما الفرق بين العلمانية والماسونية؟ وأيهما أشد خطراً على الإسلام؟ الجواب كلها خطر، العلمانية -كما قلنا- تقول: الدين في المسجد وتحصره بمجال معين. الماسونية تنظيم سري ليست فكرة وليست مذهباً معيناً، بل تنظيم سري يظهر شعارات معينة تحت اسم الإنسانية، وأعظم شعار يتسترون به الإنسانية، والمحبة الإنسانية، والأُخوة الإنسانية، وعدم التفريق بين بني الإنسان في الدين، أو الجنس، أو اللون، المهم أن يحطوا من قدر الدين، فهذه مداخلها، وهي أنواع، ودرجات: ماسونية ملوكية، وماسونية عادية، وماسونية صغرى، فهو فكر هدام، سري، وهدفه هدم جميع الأديان في العالم لصالح إقامة دين اليهود.

стр. 1160

حكم عمل الموظف في مصالح رئيسه السؤال أنا موظف مرتبط برئيس يصرفني في أعماله الخاصة به طوال الدوام الرسمي فهل علي إثم، وهل راتبي حلال؟ الجواب على كل حال الرئيس هذا آثم، إن كان هذا الكلام صحيح، فهو الذي يتحمل الإثم، وأنت لا يجوز لك القيام بذلك، لكن بلغ من هو أعلى منه، لعله ينتصح، وقل له أيضاً: إنني موظف عند الأمة جميعاً، وليس عندك شخصياً.

стр. 1161

محاربة العادات السيئة السؤال هل للعادات في المجتمع، لا سيما المغالاة في المهور فيما تجلبه من مفاسد، هل ذلك يعد نوعاً من العبودية؟ الجواب نعم، فكل ما كان فيه خضوع، وكل ما كان فيه طاعة لوضع معين، وهو مخالف لأمر الله، وتعلم أنه مخالف لأمر الله، تترك أمر الله وتقدمه، فقد قدمت نوعاً من العبودية، وإن كان بعضها أكبر من بعض أو بعضها أخف من بعض.

стр. 1162

حكم التصوف السؤال هل المتصوفة المتمسكون بعقائد خرافية فاسدة يعتبرون من المسلمين؟ الجواب المتصوفة كثيرٌ منهم خارجون عن الإسلام، ومنهم الجاهل الذي يمكن أن نقول: إنه من المسلمين، ولكن يجب أن ننظر إليهم نظرة أعم.

стр. 1163

أدلة الدين الحق السؤال هناك صورة قلب إنسان مكتوب عليه الله؟ الجواب نقول: إن الله وضع لنا الكثير من الآيات والأدلة التي تدل على أن دينه هو الحق، وعلى أن محمد ﷺ رسول الحق، وعلى أن القرآن جعل آيات ملء السمع والبصر، أينما نظرت ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] انظر ليدك، وانظر لعينك، وانظر لوجهك، انظر للسماوات، انظر للأرض، وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ، فلسنا محتاجين إلى واحد يأتي يصور لنا القلب ثم يقول فيه: كلمة الله، سواءٌ صحت أو لم تصح، فالأدلة بالملايين، في كل شيء أمامك دليل على الله ، وعلى أن الله هو الحق، وأن محمداً ﷺ هو الحق. ولذلك الله ضرب لنا أدلة مما نرى فقال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ١٩] هذه كلها أمامك انظر إليها، وآمن بالله ولا تحتاج إلى شيء غير ذلك.

стр. 1164

وصية السؤال فضيلة الشيخ: هل من وصية أخيرة تقدمونها للمستمعين؟ الجواب ليس هناك من كلمة إلا ما قال الله : ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] فنوصيكم وأنفسنا جميعاً بتقوى الله ومراقبة أمره ونهيه، والائتمار بأمره، والوقوف عند حدوده، ونسأله ﵎ أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يغفر لنا ولكم الزلل والتقصير وسهو اللسان، وسهو العمل، ويرحمنا برحمته، ويجعل اجتماعنا هذا اجتماعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً إنه سميعٌ مجيب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1165

الشرك قديماً وحديثاً في هذه المادة تحدث الشيخ حفظه الله تعالى عن أهمية التوحيد وفضله، محذراً من الشرك وخطره، وعواقبه, ومبيناً أوجه الاختلاف والشبه فيه قديماً وحديثاً، ثم أورد تقسيمات للشرك، موضحاً العقاب المترتب على كل نوع منها.

стр. 1166

الشرك والتوحيد الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين, أما بعد: فإن مما كان ينبغي أن نتحدث عنه نماذج من حياة السلف الصالح ممن غلب عليهم جانب الرجاء أو عرفوا به؛ لنعرف الفرق بين الرجاء الإيماني الشرعي، وبين مجرد الغرور والأماني وترك الطاعة, لكن كما هو معلوم أن هذا الكتاب - شرح الطحاوية - مجموع من عدة كتب ونقول، وإضافات للمؤلف -رحمه الله تعالى- فنقصه شيء من الترتيب, وشيء من تجميع الموضوعات أو الجزئيات المتعلقة بموضوع واحد في مكان واحد، فالرجاء مثلاً: تكلم عنه المصنف هنا, ثم أدخل فيه الأَسْبَابَ التي تسقط العقوبة ولها علاقة بالرجاء, ثم بعد ذلك أتبعه فقرة أخرى, وهي قوله: 'والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام' فعاد فذكر الخوف والرجاء والمحبة أيضاً, وذكر كلاماً للهروي؛ فلذلك يحسن أن نؤخر بقية الكلام في الرجاء إلى حيث أخره المصنف ﵀ في الفقرة القادمة إن شاء الله. وها هنا موضوع عظيم جداً، وهو وإن جاء به المصنف رحمه الله تعالى ضمن الكلام عن الرجاء, فإنه باب عظيم، بل إنه أعظم أبواب العقيدة كلها، وهو يستحق الحديث عنه لذاته دون أن يكون تابعاً لأي موضوع آخر, بل كل موضوع في العقيدة فهو تابع له، وهو معرفة الشرك وخطره وضرره، وبالمقابل معرفة التوحيد الذي هو حق الله ﵎ على العبيد.

стр. 1167

أهمية التوحيد التوحيد هو أعظم ما دعا إليه الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وكل نبي بعثه الله ﵎, وقص علينا ما جرى بينه وبين قومه, نجد أن أعظم وأول ما يدعو قومه إليه هو قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥] فنوح وهود وصالح وشعيب دعوا إلى هذا، وكذلك دعا إليه موسى عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه، وكذلك دعا إليه عيسى ﵇ ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران:٥١] حتى جاء داعية التوحيد الأعظم محمد ﷺ , فجاهد الناس جهاداً عظيماً على هذه الكلمة -كلمة التوحيد- وعلى ترك الشرك، ونبذ عبادة ما سوى الله ﵎، ونبذ اتخاذ الأنداد من دون الله أو مع الله ، والمصنف هنا إنما ذكر الشرك ليبين من الذي لا يرجو رحمة الله، فالذي لا يرجو رحمة الله هو المشرك، أما من عداه فإنه وإن كان من أهل الكبائر فإن له أملاً ورجاءً في رحمة الله, ولا يجوز أن يقطع هذا الأمل.

стр. 1168

خطورة الشرك أما الذين لا أمل لهم، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٦] فهم المشركون؛ لأن أعمالهم لا تقبل أبداً، كما قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩] وقال سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] وقال تعالى: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] فلا تقبل أعمالهم؛ لأن الشرك هو أقبح القبائح وأعظم الذنوب وأكبر الجرائم والكبائر, وهو الذي يحبط الأعمال كلها, ولا يقبل معه أيّ عمل من الأعمال كائناً ما كان، وإن كان صلاةً أو صياماً أو صدقةً أو دعوةً أو جهاداً أو أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر, مهما بلغ جهد من يجتهد, ومهما كانت عبادته, ومهما توسل إلى الله ﵎ بأي نوع من أنواع القربات وهو مشرك, فلا يقبل الله ﵎ منه صرفاً ولا عدلاً. والمصنف رحمه الله تعالى يقول هنا: 'وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فالمشرك لا ترجى له المغفرة لأن الله نفى عنه المغفرة' لا ترجى له، ولا يرجوها لنفسه، ولا يرجوها أحد له مهما كانت قرابته أو صلته، فهذا عبد الله بن عبد المطلب أقرب قريب لأعظم رسول وحبيب, فهو أبو الرسول ﷺ , ومع ذلك لم تنفعه تلك القرابة, ولن يشفع له النبي ﷺ يوم القيامة، كما جاء في صحيح مسلم قال: ﴿أبي وأبوك في النار﴾ وكذلك عَمُّه أبو طالب. وإنما شفاعته له أن يخفف عنه العذاب, وليس أن يخرج من النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] فهذا الشرك بابه عظيم, وشأنه جلل, وهو خطير, ولا بد من معرفته والحذر منه, والتنبه له: كبيره وصغيره، دقيقه وجليله. ومن أوفى ما كتب في هذا الموضوع الكتاب الذي أشرنا إليه سابقاً, وهو الجواب الكافي لـ ابن القيم ﵀، الذي له عنوان آخر هو: الداء والدواء، والكتاب في الأصل هو جواب لسؤال عن كبيرة من الذنوب التي تأتي من قبل الشهوة وأسبابها، لأن الذنوب إما أن تأتي من قبل الشهوة أو من قبل الشبهة، والذنوب الشهوانية مرجعها إلى مرض القلب، وأعظم مرض يصيب القلب من جهة الشهوة مرض العشق. فناسب أن يستطرد ﵀ في الكلام على الذنوب وخطرها وضررها، فتوسع في ذلك إلى أن أتى على الذنوب التي لا يرجى معها خير أبداً وهو الشرك، لأنه إذا كانت الفواحش التي دون الشرك مثل الخمر والزنا والعقوق والنميمة وظلم الناس توعد الله عليها بما توعد، فما بالكم بالذنب الأعظم الذي ترجع إليه هذه الذنوب جميعاً؟! والذي لا ينفع معه عمل صالح كما تقدم؟!

стр. 1169

التوحيد والحكمة من خلق الإنسان يقول ابن القيم في الجواب الكافي: 'إن الله أرسل رسله وأنزل كتبه وخلق السموات والأرض ليُعْرَفَ ويُعْبَدَ ويُوَحَّد, ويكون الدين كله لله، والطاعة كلها له' هذه قاعدة عظيمة، هذا الذي من أجله خلق الله ﵎ الثقلين, وأنزل كتبه, وأرسل رسله، والذي كثير من المسلمين قد يتكلم في كل شيء إلا هنا قال: 'ويكون الدين كله له, والطاعة كلها له, والدعوة له وإليه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقّ﴾ [الحجر:٨٥] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢] '. فالمقصود أن يَعلم الناس صفات رب العالمين، وأن يعرفوه، وأعداء التوحيد يتهاونون في الأسماء والصفات, ولا يريدون أن يُعَرِّفوا الناس بالله ، ولا أن يحببوا رب العالمين إلى العالمين, ولكن أهل السنة والجماعة من عقيدتهم أن أعظم شيء في هذا الدين أن يعرف الناس رب العالمين ويوحدوه، والاستدلال على ذلك جلي في كتاب الله؛ فأعظم سورة في كتاب الله هي الفاتحة, وهي تعريف بالله كما بينا فيما مضى، وأعظم آية في كتاب الله آية الكرسي؛ وهي أيضاً تعريف بالله وبصفاته، قال: 'وكما قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ﴾، فعلل مرة أخرى ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٩٧] ' فالذي لا يعلم ذلك لا خير فيه ولا في عبادته، وإنما شرعت هذه الشرائع, وفرضت هذه الفرائض؛ ليُعْرَفَ الله ﵎, ويعبد وحده لا شريك له، قال: 'فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر كما قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] ' أي القصد والغرض والحكمة من خلق العباد ومن الأمر -من أمرهم ونهيهم- لأن الله تعالى لم يتركهم سدى، ومعنى سدى: لا يُؤمر ولا يُنهى، بل إنما خلقهم ليأمرهم وينهاهم، فيقول إن القصد من ذلك: أن يُعرف بأسمائه وصفاته، ويُعبد وحده لا يُشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد:٢٥]. فأخبر سبحانه أنه أرسل رسله, وأنزل كتبه؛ ليقوم الناس بالقسط وهو العدل، ومن أعظم القسط التوحيد، وهو رأس العدل وقِوامه، وإن الشرك هو أعظم الظلم كما في قول العبد الصالح لقمان الحكيم: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] فأعظم أنواع الظلم هو الشرك، كما أن أعظم أنواع الأمر بالمعروف الأمر بالتوحيد، لما قال الله ﵎: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١] فأعظم ما يؤمر به هو توحيد الله ، وأعظم منكر يجب أن ينهى عنه هو الشرك بالله ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠] فأعظم العدل توحيد الله . ثم بعد ذلك العدل فيما ولي الإنسان عليه حتى في بيته، وكل إنسان له ولاية بقدر حاله، كما قال ﷺ : ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته﴾ ولهذا كان ﴿المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين﴾؛ لأنهم يعدلون في أهليهم وما ولّوا. قال: 'فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل، فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر' أي ما كان منافياً لما خلق الله تعالى من أجله الناس، وأمرهم به فهو أكبر الكبائر. قال: 'وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له' يعني تتفاوت الكبائر بحسب قربها من الشرك، وكل معصية ترتكب فإنها تمس العقيدة بقدر ذلك الذنب وتلك المعصية؛ ولهذا فإن أعظم الذنوب التي تأتي الإنسان من جهة الشبهة والبدعة أعظم من التي تكون من جهة الشهوة؛ لأنها أقرب إلى الشرك، فمن هنا كانت أخطر من الذنوب التي لا يقترن بها شبهة ولا بدعة؛ على أن البدع درجات, كما أن الذنوب الشهوانية العملية أيضاً درجات, وقد نبهنا على هذا فيما مضى. يقول: 'فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر تفاصيله, تعرف به حكمة أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده، وحَرَّمَه عليهم، وتَفَاوُت مراتب الطاعات والمعاصي'.

стр. 1170

عواقب الشرك فلما كان الشرك بالله منافياً بالذات لهذا المقصود، كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحَرَّمَ اللهُ الجنة على كل مشرك، وأباحَ دَمَه ومالَه لأهل التوحيد، فالذي رفض وأبى واستكبر أن يكون عبداً لرب العالمين يستحق من العقوبة أن يكون عبداً لمن يعبد رب العالمين. وهذا مما يدل على فضل التوحيد وأهله، وعلى إهانة الله ﵎ للشرك وأهله، فلا مُكرِم لهم, ولا قيمة لهم عند الله كائناً ما كان، وأما هذه المنظمات الدولية التي ترفع عقيرتها بالمناداة بحقوق الإنسان زاعمة أنه لارق في هذا القرن, ولم يعلموا لجهلهم أن أعظم الحقوق على الإطلاق هو حق الله على عباده بأن يُعبد وحده ولا يُشرك معه أحد, لأنه هو الذي من أجله خُلق الإنسان, ومن أجله قامت السماوات والأرض وبه قامت أما أن يكون من حقوق الإنسان -كما جاء في الميثاق الدولي لحقوق الإنسان- أنه يجوز للإنسان أن يغير دينه كما يشاء, ولايحق لأحدٍ منعه؛ فهذا الميثاق إضاعة لأكبر وأعظم حق, وهو حق الله ﵎. نعم أعطى الإسلام الحرية للإنسان ابتداءً في الدخول في هذا الدين ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] لكن بعد ذلك ليس له الرجوع عنه، وإن ارتد قُتل. فهذا الدين دين الحرية الحقة, الذي يحرر الإنسان من الشهوات, ومن عبادة الشيطان, ومن عبادة الأنداد والبشر والأحبار والرهبان والكهان والأباطرة وغير ذلك؛ ممن ادعى الربوبية أو الألوهية مع الله ، فهؤلاء لما تركوا القيام بعبودية الله, استحقوا أن يكونوا عبيداً لمن قام بحق العبودية لله وهم المؤمنون، ولذلك إذا ترك المؤمنون التوحيد, سُلِّط الكافرون عليهم عقوبةً لهم, ولأنهم عرفوا الحق وتركوه, وتنكبوا طريقه. يقول: 'وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملاً، أو أن يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها رجاء، فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه نداً، وذلك غاية الجهل به كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك لم يظلم ربه، وإنما ظلم نفسه' أعظم وأسوأ صفتين في الإنسان واحدة منها تكفي وإذا اجتمعتا فلا شر أكبر منهما، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] غاية الجهل أن يجعل مع الله نداً، وغاية الظلم أن يسقط حق الله ويعطيه لغير الله -أي الشرك- فإذا اجتمع الظلم والجهل, فكل شر في الدنيا خَطَرَ على بَالِكَ فهو آت من قبل الظلم أو الجهل، فالمشرك جاهل بالله لأنه ما قدّر الله حق قدره ولهذا عَبَدَ معه غيره, وهو ظالم لنفسه أشد الظلم، لأنه يصرف حق الله الخالص ويعطيه لغيره من عبد مخلوق مثله فيكون كما قال فرعون وقومه: ﴿وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٧] والمقصود أن أصل الشر والبلاء يأتي من قبل العابدين لا المعبودين من دون الله فهم أسماء سماها العابدون، ولم لم يعبدوهم ما كانوا شيئاً؛ فلو قال قوم فرعون لفرعون حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] لو قالوا: لا، أنت بشر مثلنا ما فعل شيئاً، فما بالك بالحجارة وغيرها، فالسبب العابدون، ولذا لا ينفعهم يوم القيامة أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ [الأحزاب:٦٧] لأنه لولا هذا الجاهل ما تفرعن المتفرعن.

стр. 1171

أقسام الشرك ثم يبين بعد ذلك أقسام الشرك يقول: 'الشرك شركان -وهذا من حيث الأصل- شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته, والآخر: شرك يتعلق بعبادته ومعاملته' الأول: في أسمائه وصفاته وأفعاله، أي فيما هو من خصائصه ﵎، أما الثاني: فهو في معاملته وفي عبادته، وفيما يتقرب العباد به إلى الله ، يقول: 'وإن كان صاحبه -يعني النوع الثاني من الشرك-. يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله' ولذلك أهل الكلام من الأشعرية والمعتزلة وأشباههم ماذا يقولون في تعريف التوحيد؟ يقولون: التوحيد أن تعتقد أن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، أي اعتقاد أنه واحد ليس مركباً ولا مبعضاً وليس اثنين ولا ثلاثة، وهو واحد في ذاته, واحد في أسمائه, واحد في صفاته, واحد في أفعاله، ومعلوم أن هذا ليس هو التوحيد, بل هذا جزء من التوحيد، ويجب أن يُكَمَّل بأن يُعْبَدَ وحده لا شريك له ويُتَقَرَّبَ إليه وحده لا شريك له, فيكون إخلاصك ورجاؤك ويقينك ومحبتك وإنابتك ورغبتك ورهبتك وصلاتك وصيامك وحجك ونذرك كله لله.

стр. 1172

شرك التعطيل قال: 'الشرك الأول -المتعلق بذات الله وأسمائه وصفاته- نوعان: أحدهما: شرك التعطيل: وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] ' وليس هذا كما يقوله المتنطعون من أهل الكلام: إنه سؤال عن الماهية، أي أخبرني عن ماهيته, وكلام فرعون إنما هو على سبيل إنكار الرب سبحانه، بل زعم أنه هو ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ولهذا قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧] وهذا الكلام منه إنما هو على جهة الجحود, وإلا فهو مقر بالله باطناً؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] ولهذا قال له موسى ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] أي أنك تعلم يا فرعون أن الله تعالى هو الذي أنزل هذه الآيات وهذا الدين ففي الحقيقة أن فرعون يعلم أن الله هو الرب وحده، ولا يستطيع أحد أن يدعي أنه رب العالمين، لكنها الشهوات والملك والغرور ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك:٢٠] وكذلك أن أتباعه كانوا لا عقول لهم، فاستخف بهم؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤] فالأمة الفاسقة المتحللة الضالة التي تميل إلى الإباحية والفساد وإضاعة الأوقات، يستخفها المجرمون الكذابون. ثم قال: 'والشرك والتعطيل متلازمان, فكل مشرك معطل' التعطيل لغة: هو الإخلاء أو الإفراغ، وشرعاً: هو إنكار صفات الله وأسمائه، وكل مشرك معطل, وكل معطل مشرك، وتفسير ذلك أنه لما أشرك بالله عطَّل الله , عطل أسماءه وصفاته، وعطله مما هو له من خصائص ذاته وكذلك كل معطل مشرك؛ لأنه لما ترك هذه الخاصية من خصائص الله , فإنه قد أشرك معه غيره، وغالباً ما يجعلون بعض هذه الصفات في غير الله . قال: 'لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل. بل قد يكون المشرك مقراً بالخالق سبحانه وصفاته ولكنه عطل حق التوحيد' وهذا هو كحال أكثر الناس اليوم يقرون بالإيمان بالله لكنهم مضيعون لحقه.

стр. 1173

أقسام التعطيل قال: 'وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل, وهو ثلاثة أقسام: القسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه' أي تعطيل الخلق عن الخالق كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] واعجباً لمن يرى المخلوقات أمام عينيه, ثم يقول: لا خالق لها!! فهذا وأمثاله عَطَّلُوُهَا عن خالقها, أي عن الله ﵎. لذلك فالذين يشركون بالله من الشيوعيين أو الملحدين أو الغربيين لا بد أن يجعلوا خالقاً غير الله في الحقيقة، وفي اللفظ يقولون: هذه لا تحتاج إلى خالق، والذي جعلهم يهربون من افتراض وجود خالق أنهم إذا قالوا الله أو الرب فالمقصود به عندهم هو البابا -صاحب الكنيسة- المكون من ثلاثة أقانيم، الذي تجسد في شكل إنسان, وصلب على الصليب, ثم صعد إلى السماء وغير ذلك مما يحكونه, فلا يمكن أن يكون هذا الذي خلق السماوات والأرض، فما كان لهم حلٌ إلا أن يقولوا: إنه ليس لها خالق!! وخاصة إذا كان هذا الرب الذي تذكره الأناجيل المحرَّفة, ويدعيه البابا وأتباعه, الإيمان به مقرون بالعنف وبالقوة وبالسيطرة, فإذا خالف أحدهم أي شيء من كلام رجال الدين, قالوا عنه: كافر وزنديق، حلال الدم والمال, فكان الإلحاد لهم أسهل، فعطلوها عن الخالق ثم افترضوا الطبيعة، ولكن الطبيعة هي المخلوقات، فتوقف بعضهم (كالربوبيون أو المألهون) وبعضهم قال لا أدري، وهم (اللاأدريون)، واليوم لا تجد عالماً في الطبيعة إلا يؤمن بخالق لكن ليس مثلنا فهم (الربوبيون). ثم قال: 'والثاني: تعطيل الصانع' أو الخالق، وورد الصانع في حديث: ﴿الله خالق كل صانع وصنعته﴾ وفي قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] فيطلق لفظ الصانع على الله, والأفضل أن يقال الخالق، قال: 'تعطيل الخالق عن كماله بتعطيل أسمائه وصفاته' هذا النوع الثاني من أنواع التعطيل، فهؤلاء لا ينكرون وجوده ولا أنه هو الخالق، لكن ينكرون أسماءه وصفاته ويعطلونه منها, كما يقول أهل الكلام: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا أنه يغضب، ولا يرضى، ولا ينزل يقولون: حتى لا نقع في التشبيه فينفون صفات الله ويعطلونها, ويثبتون شيئاً شبيهاً بالعدم أو هو العدم. 'والثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد' وذلك يكون بالشرك الكلي أو الجزئي. والكلي: كأن يعبد غير الله سجوداً وصلاةً وصياماً وغير ذلك، والجزئي أن يقع في الرياء مثلاً أو في صرف بعض الأنواع لغير الله في بعض الأحيان، أو في بعض الحالات. فهذه ثلاثة أقسام من أقسام التعطيل، الأول: إ نكاره، والثاني: إنكار أسمائه وصفاته، والثالث: إنكار عبادته وحقوقه. قال: 'ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق، ويقولون: ما هنا شيئان بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه' كمثل جماعة محمود محمد طه وأمثاله، وهم من غلاة الصوفية الذين يقولون: لا ثمة خالق ولا مخلوق، والخالق عين المخلوق والمخلوق عين الخالق -والعياذ بالله- هؤلاء بلغوا من الكفر إلى حدٍ لا تستسيغه العقول، وقد قابلني أحدهم لكن ليس هنا، بل في بلاد الحرية، وكان المسجد مليء بالناس، فجاء يقول: إنه هو الله -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- قلت: كيف تقول هذا، ألست مسلماً؟ قال: بلى أنا مسلم، وهذا هو حقيقة التوحيد، فالنصارى كفرت لأنها جعلت الآلهة ثلاثة؛ لكن نحن نقول: كل شيء هو الله. وهذا كما لقنهم شيخهم المخدوع الهالك، فالنصارى كفرت لذلك، وفرعون كفر لأنه قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وكان عليه أن يقول: إنه هو وشعبه كلهم رب، نعوذ بالله من هذا الكفر. وهذا الكفر هو شر وأقبح أنواع الكفر عند جميع أهل الملل. كل من يعبد الله ويعرف الله، حتى اليهود يعتبرونهم كفاراً, ويوجد في اليهود بعض الحلولية والاتحادية , والنصارى عندهم الذي يزيد على الثلاثة كافر, وعند البوذيين والهندوس هذه النحلة كافرة، ومع ذلك يدعون أنهم هم أهل التوحيد -والعياذ بالله- وبالطبع فـ الجهمية الذين عطلوا صفات الله وأسمائه -كما ذكرنا- نوع من أنواعهم، هذا النوع الأول: شرك التعطيل.

стр. 1174

شرك الإلهية وأقسامه يقول: 'والنوع الثاني شرك من جعل معه إلهاً آخر, ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة' ويقصد شرك الأنداد، فهؤلاء لم يعطلوا أسماءه وصفاته, لكن قرنوا به غيره، فهم يرون أن الله عظيم وجليل وقدير وسميع وبصير, لكن يقولون: هذه الصفات للربِّ يسوع, ويسوع هذا ابنه أو الأقنوم الثاني, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً!! ثم قال: 'ومن ذلك شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة' كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل:٥١] فالمجوس جعلوا الإله إلهين: إله النور وهذا خير كله، وإله الظلمة وهو شر كله. ثم قال: 'وشرك القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعاله'. وذكر من ذلك الشرك: شركَ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه، ففرعون قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] والذي حاج إبراهيم في ربه، ما ادَّعى الربوبيةَ المطلقة, لكنه ادَّعى صفةً من صفات ربِّ العالمين , فقال: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] إبراهيم ﵇ أراد أن يُعَرِّفَهُ بربِّ العالمين، بالصفةِ التي لا يشترك فيها معه غيره، فكان مدخل إبراهيم ﵇ أفضل وأكثر وسيلة للإقناع (يحي ويميت) لكن جاء الرجل من باب المغالطة قال: أنا أحيي وأميت، فجاء إبراهيم ﵇ من باب الإلزام, ولو شاء لقال له: إن إحياء الله من العدم, أما أنت فلم تحيه من العدم!! وهنا تتبين قاعدةٌ من قواعد مجادلة المشركين والمجرمين وهي أنه ليس شرطاً أن تردَّ على الكلمة بنفس الكلمة, وأحسن من ذلك أن تأتي بشيء واضح جداً, يدمغ به قول الخصم, كما قال بعدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] مع أن هذا الرجل لم يقل مثل ما قال فرعون: أنا ربكم الأعلى، إنما قال ما يفعله الله أنا أفعله، لكن الخليل ﵇ جاء بشيء لا يمكن أن يأتي به فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] فلم يستطع ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨]. إذاً: هناك نوع من أنواع المجادلة العظيمة التي علمنا الله إياها من خلال ما قصه عن إبراهيم ﵇ ومن يعبد الكواكب ويعبد النار. ثم يقول ﵀: 'ومنهم من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة' وهذا الكلام الذي نحن نحكيه واقع في الغرب عند الذين يدعون أنهم أهل العقول وأهل الحضارة، فاليونان جعلوا لكل شيء إلهاً أو رباً! -تعالى الله عما يشركون- فالجمال له إله، والمطر له إله، والجبال لها إله، والنور له إله، والشمس لها إله، والشعر له إله، فأيُّ شيء تتصوره في بالك فله عندهم إله، ثم قالوا إن هذه الآلهة تتصارع، هذا الإله يصارع هذا الإله، وغير ذلك من الأساطير الخرافية التي توجد في تواريخهم وعقيدتهم. فمع هذه الوثنية المنحطة التي يترفع عنها العقل تنسب إليهم الفضائل والحضارات والعلم! ثم ينقل هذا إلى بلاد المسلمين، مثل "فينوس" آلاهة الجمال، و"أبوللو" إله الشعر، و"أطلس" إله العالم الذي يقولون عنه أنه يحمل العالم على ظهره، فتستخدم وتطلق عندنا كما فعل الخبيث نجيب محفوظ في ثلاثياته التي أخذ عليها الجائزة الصهيونية -كما سماها هو قبل العالم الذي أخذها فيه؛ حيث قال: لا يأخذها إلا صهيوني- ففي هذه الثلاثية يذكر قصة مصرية قديمة وفيها أن الآلهة غضبت والإله رضي وهكذا ولا يتحرجون أن يقولوا: آلهه أو إله غير الله، ونحن المسلمين نقول: لا إله إلا الله, وهو شعارنا وكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) ولا تطلق هذه على أحد غير الله ﵎.

стр. 1175

الشرك في العبادة وأما النوع الثاني من أنواع الشرك فهو: الشرك في عبادته وحقوقه ومعاملته، يقول ﵀: 'فهو أسهل من الذي قبله وأخف -قال: فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله, وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله, وأنه لا إله غيره ولا رب سواه' فهذا أخف من حيث أن فاعله قد وقع في اللبس؛ كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] أي بشرك العبادة، فهذا مقر أنه لا إله إلا هو، ولا خالق ولا نافع ولا ضار إلا هو سبحانه، بل هو مؤمن بأسمائه وصفاته, لكنه غير مخلص لله تعالى في معاملته وفي عبوديته، بل يعمل لنفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الناس تارة، قال: 'فلله من عمله نصيب, ولنفسه من عمله نصيب, ولشيطانه من عمله نصيب' وهذا هو الشرك الأصغر أجارنا الله منه. قال: 'وهذا هو الذي قال النبي ﷺ عنه فيما رواه ابن حبان في صحيحه، قال: ﴿الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل, قيل: وكيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم ' لأنه لا بد أن نقع فيه, فنستغفر مما لا نعلم، ونستجير ونستعيذ مما نعلم. ثم قال: 'فالرياء كله شرك قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] وهذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل' فلو صلى لغير الله أو حج أو زكى لغير الله، فهذا كافر مشرك لا شك فيه، لكن إذا صلى مراءاة من أجل الناس، ومن أجل أن يقال عنه مصلٍ أو يُثْنَى عليه بخير، وبعض الناس -والعياذ بالله- ابتلوا بهذا الابتلاء، كما يذكر العلماء مثالاً: أنَّ أعرابياً كان يصلي فدخل عليه بعض السلف فحسن صلاته، فقال هذا العالم: (أعرابيٌّ ويصلي هذه الصلاةَ الخاشعة!!) فلما سلم الأعرابي قال: (ومع ذلك أنا صائم)!! -عافانا الله وإياكم من هذا البلاء- فلا يأمن الإنسان على نفسه أبداً أن يكون من هؤلاء، ممن يحب أن يُحْمَدَ بما لم يفعل، ويراءون الناس، ومن علاماتهم أنهم لا يذكرون الله إلا قليلاً. والمؤمن في باطنه مع ربه خير منه في ظاهره، أما أن يُذْكَرَ الإنسان بالخير, ويُثْنَى عليه بما هو فيه، فتلك عاجِل بشرى المؤمن، لكن لا يعمل من أجلها، فهناك فرق بين أن يعمل من أجل حصول هذه البشرى، وبين أن تقال عنه؛ ولا شك أن الإنسان لا يريدُ أنْ يقال عنه السوء, ويَأْلَمُ إذا قيلت عنه مقالة في عرضه أو دينه أو في إيمانه ولا ترضيه، لكن هذا أمر وذاك أمر آخر، فهذا يحبط العمل؛ كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: ﴿أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه وأنا منه بريء﴾.

стр. 1176

شرك لا يغفر ثم قال: 'هذا الشرك ينقسم إلى أكبر وأصغر' الشرك في المعاملة والعبودية ينقسم إلى أكبر وأصغر، ومغفور وغير مغفور، 'النوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفور' النوع الأول شرك منه كبير، وشرك منه أكبر, ولا شيء منه أصغر، أما هذا النوع فمنه أكبر, كمن يصلي لغير الله أصلاً, أو كمن يكون رياؤه في أصل الدين، كالمنافقين الذين يشهدون أنه لا إله إلا الله رياءً، أما الذي يشهد أن لا إله إلا الله, وآمن بالله, وصدق بالرسول ﷺ وبالقرآن عن حق, فرياؤه في بعض عبادته: (في جهاده أو في صلاته أو في دعوته) فهذا يدخل في الكبائر, وقد يحبط العمل وقد لا يحبطه, وذلك بحسب قوته, وهذا الذنب مغفور, وليس معنى قولنا مغفور: أنه لا يؤاخذ عليه، كلا! بل نقصد أنه داخل تحت المشيئة؛ بخلاف الشرك الأكبر، فإن الله تعالى لا يغفره، ثم ذكر بعد ذلك شيئاً من أنواع هذا الشرك، مثل: شرك الألفاظ, وشرك الإرادات, وشرك النيات إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى مما بين به حقيقة هذا الذنب العظيم، نسأل أن يعافينا وإياكم والمسلمين من ذلك. والله أعلم, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1177

محبة الرسول ﷺ تحدث الشيخ حفظه الله في هذا الدرس عن محبة الرسول صلى لله عليه وسلم بمقتضياتها ولوازمها، وذكر معنى المحبة وتعريفها، وفرق بين المحبة الشرعية ومجرد الميل العاطفي للقلب، ثم تحدث عن الغلو في النبي ﷺ ، مبيناً عقيدة أهل السنة في النبي ﷺ ، وأقوال المبتدعة فيه، وتحدث عن أسباب الغلو، ثم ذكر الأوصاف التي وصف بها المبتدعة رسول الله ﷺ ، مختتماً حديثه بذكر بعض الأبيات من القصيدة النونية لابن القيم.

стр. 1178

المحبة الشرعية الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: معنى المحبة في اللغة معروف، وهي في الشرع: أمر زائد على مجرد الميل الطبيعي للمحبوب؛ فمحبة الله تعالى، ومحبة رسوله ﷺ ، ومحبة المؤمنين، ومحبة ما شرع الله من الدين، هي أمر زائد على مجرد الميل الطبيعي إلى شيء من ذلك؛ إذ لا بد فيها من جانب اختياري تكليفي. وباصطلاحاتنا المعاصرة أقول: إن المحبة الشرعية ليست مجرد عاطفة متعلقة بالوجدان وحده، وإنما هي متعلقة بالوجدان والعاطفة، والعقل والإرداة، والعمل: عمل القلب، وعمل الجوارح؛ إذ أنها جزء مهم من الإيمان. والإيمان عند أهل السنة والجماعة كما هو معلوم للجميع قول وعمل، أي: قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، كما هو مبين في مواضعه. وعلى هذا فمن ظن أن محبة رسول الله ﷺ هي مجرد الميل الطبيعي والوجداني له ﷺ ، فهو غالط غلطاً بيناً؛ لأن هذا الظن هو الذي أوقع طوائف من الأمة في التفريط في اتباعه ﷺ ، وترك سنته، ونبذ شريعته، وترك تحكيمه، وترك التأدب معه، وأوقعهم في التقديم بين يدي هديه وحكمه، هذا مع تعلقهم العاطفي بذاته، وتغنيهم بشمائله، وإعجابهم بكماله، وربما بكائهم لتذكره، ولهجهم بالصلاة والسلام عليه ﷺ . وكذلك من قال: إن معنى محبة النبي ﷺ هي طاعته، وامتثال أمره، والتمسك بسنته، فهو مقصر عن إصابة كبد الحقيقة في هذا، إذ أن هذا هو تفسير لها باللازم والمقتضى. فالطاعة والامتثال هو لازم المحبة ومقتضاها لا حقيقتها، ومعناها والتحقيق في ذلك: أنها أمر زائد على ذلك يجمع ويشمل ما ذكرنا آنفاً، فالمحبة بهذا الاعتبار أمر عظيم من أمور الإيمان. وقد بين ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله تعالى، يقول 'إذا كان الحب أصل كل عمل من حقٍ أو باطل، وهو أصل الأعمال الدينية وغيرها، وأصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله، فالعملان القلبيان العظيمان إذاً هما المحبة والتصديق، المحبة هي أصل جميع الأعمال والتصديق هو أصل جميع الأقوال الإيمانية'. ويقول ﵀ في موضع آخر: 'أصل الإيمان العملي هو حب الله تعالى ورسوله ﷺ ، وحب الله هو أصل التوحيد العملي وهو أصل التأليه الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، فإن العبادة أصلها أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع وهذا هو الإسلام'. وقال: 'أصل الإشراك العملي في الله الإشراك في المحبة، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]. ' وكما هو معلوم أن تأليه الله ﵎ أو الشهادة بأنه لا إله إلا الله، قيل: إنها مشتقة من الأله أو من الوله، فالأله هو: العبادة، كما في الآية ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف:١٢٧] وأما إن كان من الوله فالمقصود بالوله هو: درجة عليا من درجات المحبة، وهي تعلق القلب بهذا المألوه الذي هو الله ، المعبود وحده لا شريك له. ومن هنا وقع شرك المشركين حين أحبوا غير الله، وتعلقت قلوبهم به، ونتج عن ذلك أن دعوهم واستغاثوا بهم وعبدوهم من دون الله سبحانه، وصرفوا لهم الحق الخالص لله ، وهذا المعنى الواسع العميق للمحبة عند أهل السنة والجماعة هو الذي يميز محبتهم عن المحبة العاطفية الهائمة، التي يدَّعيها الصوفية دون أي أساس من الشرع. وهذه المحبة التي يدعونها هي شحنه عاطفية يمكن أن تفرغ بقصيدة من الشعر أو حفلة أو ذكر أو حضرة، أو بأي نوع من أنواع المتفرغات العاطفية وينتهي مفعولها، بخلافها عند أهل السنة والجماعة؛ حيث تشمل عمل القلب وعمل الجوارح التي ترتبط بعمل القلب، فيكون المحب في هذه الحالة مطيعاً وذاكراً ومتعلق القلب بالمحبوب. وأما المحبة الصوفية أو المحبة البدعية الهائمة، فهي تلك المحبة التي عبَّر عنها السلف الصالح بأنها زندقة، حيث قالوا: 'من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن' وهذا هو القول الصحيح، وقد عبَّر عن هذه المحبة الزنديقية تصديقاً لهذا القول القديم المأثور الشاعر الصوفي المشهور ابن عربي حين قال قاتله الله: لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني لقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعىً لغزلان، وديراً لرهبان وبيتاً لأوثان، وكعبةَ طائف وألواحَ توراةٍ، ومصحفَ قرآن أدينُ بدينِ الحبِّ أَنَّى تَوَجَهَت رَكَائِبُه فَالحُبُّ ديني وإيماني فلما أصبحت المحبة بهذا المعنى، وأصبحت محبة الله ومحبة رسول الله ﷺ هي هذا الهيام العاطفي الذي لا يحده ضابط ولا قيد؛ وقعت الأمة أو الطوائف التي اعتنقت هذه المحبة في الغلو العظيم، على ما سوف نوضحه -إن شاء الله- في الفقرة المناسبة له، وخرج بذلك عن حد المحبة الشرعية، وحقيقتها، وما ذلك إلا لجهلهم لهذه المحبة التي شرعها الله والتي لا يقبل الله ﵎ إلا هي.

стр. 1179

مقتضيات محبة الرسول ﷺ لوازم ومقتضيات محبته ﷺ كثيرة جداً، نرجو الله تعالى أن يوفقنا لنظم أشتات الحديث فيها:

стр. 1180

تحقيق الشهادة له ﷺ وأعظم ذلك هو تحقيق الشهادة له ﷺ بأنه رسول الله، هذه الشهادة التي هي ركن التوحيد، والشهادة له ﷺ بالرسالة التي تعني طاعته ﷺ في كل ما أمر، وتعني كذلك اجتناب كل ما نهى عنه وزجر، وتعني تصديقه في كل ما أخبر به، وتعني ألاَّ يعبد الله إلا بما شرع ﷺ ؛ ولهذا قال الله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:٣٢]. فلا بد من اتباعه ﷺ ، ولا بد من طاعته؛ وهذا الاتباع والطاعة يرث العبد بهما محبة الله فتورث محبة الله ﵎ بذلك، وهذه هي الغاية العظمى التي يسعى إليها كل المؤمنين، كما قال بعض السلف: 'ليست العبرة بأن تُحِبْ، ولكن العبرة بأن تُحَبَّ'. فمن أحبه الله ﵎، فقد وفقه لكل خير، وتحقق محبة الله للعبد لا يكون إلا بأن يحقق العبد اتباع رسول الله ﷺ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] وبالطبع اتباع الله واتباع دين الله وشرعه.

стр. 1181

الاقتداء به ﷺ ومن ذلك الاقتداء به ﷺ ، والتأسي به، كما قال : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب:٢١] فلا بد من الاقتداء به والتأسي به في هديه وخلقه ومعاملته وكل أحواله في البيت، والمسجد، وفي الطريق، في السِّلْم، والحرب، وفي كل الأحوال، وهذا الاقتداء هو حقيقة أو هو علامة ولازم تلك المحبة، التي يجب أن تكون كما أشرنا. وقد ورد حديث عن عبد الرحمن بن أبي قراد ﵁ حسنه الشيخ الألباني بل ذكره في سلسلة الأحاديث الصحيحة في الجزء الذي لم يخرج، قال: ﴿أن رسول الله ﷺ توضأ يوماً فجعل الصحابة يتمسحون بوضوئه وذلك تبركاً منهم بوضوئه ﷺ ، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما يحملكم على هذا -أي: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: حب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ : من سره أن يحب الله ورسوله أو يحبه الله ورسوله، فليصدق حديثه إذا حدَّث، وليؤد أمانته إذا اؤتمن، وليحسن جوار من جاوره﴾. ولو تأملنا خلق النبي ﷺ لوجدنا أنه أصدق الناس لهجة، وأنه أعظم الناس أمانةً، وأنه ﷺ أحسن الناس جواراً، فهذا نوع وجزء من شمائله العظمى ﷺ يجب الاقتداء به فيها، وهذا هو تحقيق محبته ﷺ ، ولازمها ومقتضاها.

стр. 1182

تحكيمه في مواضع النزاع ومن أعظم لوازم محبته ﷺ تحكيمه في كل موضع نزاع، فلا يقدم قول أحد ولا رأيه ولا اجتهاده ولا نظره، ولا حكمه على قول النبي ﷺ وحكمه، يقول الله ﵎ في هذا: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. وهذه الآية كما ذكر ابن القيم ﵀ في شرح المنازل، هذه الآية شملت مراتب الدين الثلاثه، ففيها المقامات الثلاثة: مقام الإسلام ومقام الإيمان ومقام الإحسان، فالتحكيم في مقام الإسلام ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥]. فمن لم يحكم الرسول ﷺ فإنه لا يكون مسلماً، والإيمان في مقام نفي الحرج ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥] فمن انتفى عنه الحرج فهو مؤمن -أي: حكم رسول الله ﷺ وانتفى عنه الحرج بما حكم به النبي ﷺ ، فهذا هو المؤمن. وأعلى من ذلك وأجل هو تحقيق مرتبة الإحسان وهي التسليم المطلق ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] فيسلم المؤمن تسليماً مطلقاً لما حكم به رسول الله ﷺ ، ولما أمر ولما أخبر به من خبر فلا يعرضه لا على عقله ولا على رأيه ولا على مذهبه ولا على قول شيخه، ولا على أي مخلوق أو أي فكر بشري. وإنَّ مما يجب أن ننبه عليه في هذا المقام، هو ذلك المنكر العظيم الذي وقعت فيه الأمة الإسلامية أو طوائف كبيرة منها مع دعوى محبة النبي ﷺ ومع إظهار بعض الشكليات التي يظنون بها أنهم قد أدوا حقه وأظهروا محبته وزعموها، وذلك هو: تحكيم القوانين الوضعية في شئون حياتهم، ومعارضة سنة النبي ﷺ ، وهديه وحكمه وشريعته بتلك الأحكام. فهذه جرأة على الله، وجرأة على مقام النبوة، بل هي إهدار وحط من مقام الرسالة؛ لأن معنى الشهادة بأن محمداً رسول الله ﷺ هو أن يشهد العبد أن الله قد أرسل هذا الرسول إلينا لنطيعه ونتبع أوامره، ونلتزم بكل ما يأمرنا به فيما هو إلا رسول مبلغ من عند الله . فالذين يرفضون حكم الله ورسوله ولا يقيمون شرع الله ودينه في أنفسهم ولا في مجتمعاتهم ولا في شئون السياسة أو الحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع أو مناهج التعليم، أو أي ناحية من نواحي الحياة فلا ينفعهم أنهم يقيمون له الموالد أو ينشدون له الأناشيد، أو يحيون ذكريات بدعية في ليلة الإسراء والمعراج وما أشبهها، ويزعمون بعد ذلك أنهم مؤمنون وأنهم يعظمون رسول الله ﷺ . وربما ذهب بهم الشيطان إلى أبعد من هذا فَعَادوا من يُطبِّق سنة رسول الله ﷺ ويتمسك بها ويقتدي بهديه ﷺ ، بحجة أنه مبغض للرسول، أو أنه خارج عن هديه، وينبزونه بأشنع التهم، والألقاب. فهذا من أعظم المنكرات الدالة على أن هؤلاء الناس تركوا محبة رسول الله ﷺ ، فلا يقيمون له وزناً، ولا لرسالته ولا لمقام نبوته ولا لمنزلته عند الله الذي فضله الله تعالى بها على العالمين أجمعين. ولا شك أن هذا مخالف لحال المؤمنين من السلف الكرام والصحابة رضوان الله تعالى عليهم الذين حالهم كما قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور:٥١] فلا اعتراض، ولا منازعة، ولا مدافعة، ولا تردد، ولهذا قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور:٥١]. فلا يكون الفلاح إلا لهؤلاء الذين حكَّموا سنته ﷺ في جميع أعمالهم وحركاتهم ولم تكن لهم الخيرة فيما يقضي به ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. فلا اختيار مع أمره ﷺ بل التنفيذ والامتثال، هذه هي لوازم محبته وهذا هو تحقيقها، وقد أمر الله ﵎ تبعاً لذلك بالرد إلى الرسول ﷺ حين قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩] والرد إلى الله هو: الرد إلى كتابه ، إلى هذا الذكر الحكيم، والرد إلى الرسول ﷺ ، هو: الرد إلى سنته، بأن يُسأل في حياته ويرجع إليه في الأمور، وبعد مماته يرجع إلى دينه وسنته، وهديه، فلا يكون لأحدٍ إيماناً إلا بذلك، كما قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:٥٩]. فمن ادَّعى الإيمان والمحبة مع عدم الرد إلى الله ورسوله في مواضع النزاع والاشتباه في أي حال من الأحوال فقد نقض تلك المحبة وهو كاذب في دعواها، ولم يأتِ بلوازمها، ومقتضياتها. وكما هو معلوم عنه ﷺ في الحديث الثابت: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾، وقد أشار الشراح ﵏ إلى أن هذه اللفظة (عليه أمرنا) فيها الجار والمجرور متعلق بمحذوف يقدر بـ (حاكماً أو قاضياً)، من عمل عملاً ليس أمرنا حاكماً عليه أو قاضياً عليه أو خاتماً عليه فهو رد، فمعنى ذلك: أن أعمال العباد يجب أن تكون تحت أمر رسول الله ﷺ ، وتحت سنته وهديه وشرعه. وكذلك في الحديث الآخر يقول ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿فمن رغب عن سنتي فليس مني﴾ فمهما ادَّعى من مدعي محبته ﷺ وهو راغب عن سنته فليس منه. وأما صحابته الكرام الذين أحبوه ذلك الحب العظيم فإنهم ﵃ كانوا متمسكين بسنته، حريصين على التأدب معه ﷺ ، والاقتداء به والاهتداء بهديه، والتأدب معه ﷺ ، وعدم التقديم بين يديه.

стр. 1183

عدم التقديم بين يديه وغضّ الصوت عنده وأيضاً مما يجب لتحقيق هذه المحبة وهو لازم عظيم من لوازمها: التقديم بين يديه ﷺ ، وغض الصوت عنده يكون في حياته كما هو معلوم بالنسبة لشخصه ولذاته، وبعد مماته يكون بالتأدب مع سنته وغض الصوت، فلا يرتفع صوت رأي، ولا فكرة، ولا مذهب، ولا قياس فوق سنة رسول الله ﷺ . وقد كان الصحابة الكرام، يدركون هذا المعنى غاية الإدراك كما ورد في صحيح مسلم عن أبي قتادة ﵁ قال: ﴿كنا عند عمران بن حصين في رهط منا، وفينا بشير بن كعب، فحدثنا عمران يومئذٍ، قال: قال رسول الله ﷺ الحياء خير كله -قال- أو قال: الحياء كله خير﴾. الحديث المشهور المعروف ﴿والحياء شعبة من الإيمان﴾ والنبي ﷺ قال: ﴿الحياء خير كله أو الحياء كله خير﴾ هذا بلفظ عام لم يخصص بشيء، فقال بشير بن كعب: ﴿إنا لنجد في بعض الكتب، أو الحكمة أن منه سكينة ووقاراً لله ومنه ضعف﴾ يقول: نجد في بعض الكتب أو في بعض موروثات كتب الأولين أن من الحياء سكينةً ووقاراً ولكن أيضاً، أن منه ضعف. ﴿قال أبو قتادة: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه، وقال: ألا أراني أحدثك عن رسول الله ﷺ وتعارض فيه، ثم يقول أبو قتادة: فأعاد عمران الحديث، فأعاد بشير، فغضب عمران﴾. ولا شك أن الغضب الثاني أشد من الغضب الأول، فلما رأى أولئك الرهط ثورة عمران، أخذوا يهدئونه قال أبو قتادة: ﴿فما زلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيد إنه لا بأس به﴾. يقولون: يا أبا نجيد، إن بشيراً هذا منا، إنه ليس من أهل البدع ولا من أهل النفاق ولا من أهل الزيغ والضلال، فما حصل منه هو عمل أهل الزيغ وأهل الضلال وأهل النفاق الذين إذا قيل لهم: قال رسول الله ﷺ ، قالوا: إن الأمر كذا، ولكن فلاناً قال كذا، ولكن العلماء قالوا كذا، ولكن المذهب فيه كذا، ولكن الشيخ الفلاني أفتى بكذا، إلى آخر ذلك. ولذلك الإمام الشافعي رحمة الله عليه، عبَّر عن ذلك تعبيراً عظيماً حين جاءه رجل يسأله عن أمر من الأمور، فقال: قال رسول الله ﷺ كذا -وتلا عليه حديثاً- فقال له الرجل: فما رأيك أنت؟ فغضب الإمام الشافعي ﵁، غضباً شديداً، وقال: أتراني في كنيسة؟! أترى عليَّ زناراً؟! أقول لك: قال رسول الله ﷺ ، وتقول ما رأيك أنت. فكانوا يعلمون ويدركون أنه لا رأي لأحد مع كلام رسول الله ﷺ ، ومع هديه، ومع سنته.

стр. 1184

الصلاة والسلام عليه ﷺ يجب أو ينبغي أن ننبه إلى أمر عظيم من لوازم محبته ﷺ ، وهو الصلاة والسلام عليه ﷺ ، وهذا الأمر العظيم قد جاء تفصيله في الشرع؛ فهناك مواضع تجب فيها الصلاة والسلام عليه ﷺ بالصيغة أو بالصيغ الشرعية الواردة في الأحاديث الصحيحة، وهناك مواضع تستحب فيها هذه الصلاة وتتأكد، وهناك أحوال بل نقول: إنها في كل حال، وفي كل وقت الصلاة والسلام على رسول الله ﷺ هي قربة وذكر ونافلة وعبادة من أعظم العبادات وأجلِّها.

стр. 1185

عدم أذيته ﷺ مما يجب أن يعلم أن من لوازم محبته ﷺ عدم أذيته، كما تفضل الشيخ عبد الله في مسألة الاستهزاء؛ بل إن الله سبحانه بيَّن أن أذيته هي شأن المنافقين ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ [التوبة:٦١]. فأي قول فيه نوع من التحقير، أو التقليل للنبي ﷺ ، أو الحط من قيمته، أو الأذية له أو لسنته فإنه من عمل المنافقين وهذا النفاق هو نفاق أكبر -نسأل الله العفو والعافية- وما من قلب ينعقد على شيء من بغض النبي ﷺ أو كراهيته ويكون صاحبه مؤمناً قط. نعم. الناس يتفاوتون في محبة النبي ﷺ تفاوتاً عظيماً، ولكن المؤمن المسلم لا يخلو قلبه أبداً من شيء من محبته ﷺ وإن قل، أما أن يشتمل قلب أحدٍ من البشر بشيء من كراهيته ﷺ فهذا هو الكفر عياذاً بالله، ولا يجتمع الإيمان مع بغضه ﷺ أبداً، ومن ذلك عدم إيذائه ﷺ في زوجاته، وعدم إيذائه ﷺ في صحابته الكرام. فإن من آذاه في زوجاته أو في صحابته فكأنما آذاه في نفسه وفي شخصه ﷺ ، الواحد من الناس أو الواحد من البشر من آذاه في زوجته أو في صديقه، أو في حبيبه فلا شك أنه آذاه هو، فكيف بمن آذى رسول الله ﷺ بشيء من ذلك؟! وهذا مما هو معلوم من جميع المسلمين -ولله الحمد- وإنما أحببنا أن ننبه فيه لأهميته، ولعله يأتي بعد ذلك ويزيده إيضاحاً بعون الله .

стр. 1186

الغلو في النبي ﷺ إن بسط هذا الموضوع يحتاج إلى مقام أكبر، وما ذلك إلا لكثرة ما وقع من الخبط والضلال في هذا الباب نسأل الله الهداية والعصمة والعافية، والناس في محبة رسول الله ﷺ طرفان ووسط، أما الوسط فهم الطائفة المنصورة والفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة. وقد تقدم الحديث عنهم فهم الذين ساروا على مقتضى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في أمر هذه المحبة، كما ساروا عليه في سالف أمور الدين الاعتقادية والعملية. ومن ذلك أنهم لم يجاوزوا للنبي ﷺ قدره، ولم ينقصوه -أيضاً- حقه. فمثلاً: الحديث المتفق عليه حديث عبادة بن الصامت الذي يقول فيه النبي ﷺ : ﴿من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل﴾. هذا الحديث يعمل به أهل السنة والجماعة مع فهمهم لمدلوله وحقيقته، فقد نص على الشهادة بأن محمداً عبده ورسوله. فعبده تقتضي: ألاَّ يرفع إلى مقام الألوهية، فهو مهما علت منزلته -وهي منزلة عليا بلا شك- وليس أعلى منه أحد من الخلق في المنزلة، مهما بلغ فهو لا يصل إلى مقام الألوهية أبداً فهو عبد، وكماله ﷺ ، إنما هو بتحقيقه لكمال العبودية لربه . فلم يحقق ذلك أحد من البشر مثلما حققه رسول الله ﷺ فهو العبد الكامل المصطفى المجتبى الذي استحق أن يوصف بذلك في أعلى درجات التكريم، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]. فهو عبده، وهو رسوله، فكما أنه لا يزاد عن قدره ﷺ ، فكذلك لا يعامل كسائر البشر؛ لأنه رسوله ﷺ ، وهذه ميزة عظمى، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠] فالله ﵎ فضَّله بهذا الوحي وبهذه الرِّسالة. فكونه رسول الله ﷺ يقتضي كل ما ذكرنا من اللوازم: من الاتباع، والطاعة، وامتثال الأمر، والوقوف عند حدود ما شرع، وأن لا يعبد الله إلا بما جاء به ﷺ ، وأن لا يقدم على قوله قول أحد كائناً من كان إلى آخر ما ذكرنا فهذا يقتضيه قوله ﷺ .

стр. 1187

منزلة النبي ﷺ عند الناس أهل السنة والجماعة -ولله الحمد- يثبتون ذلك فهو عبد الله ورسوله، فهم الذين يتمسكون بهديه في العبادة، وهم الذين يتبعون ما جاء به من الشرع والدين، فلا ينقصونه قدره ﷺ ؛ بل هم أعظم الناس له حباً وتقديراً وإجلالاً، كما سمعنا في محبة الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ومن بعدهم، من السلف، وهم أيضاً في نفس الوقت لم يخرجوه عن حده. فلم يقعوا فيما نهى عنه ﷺ مما وقع فيه غيرهم، وهما الطرفان اللذان أشرنا لهما، وهذان الطرفان هما كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله تعالى، عندما تعرض لهذا الموضوع، فذكر 'أن باب محبة الله ومحبة رسوله ﷺ الناس فيها طرفان فطرف أول وهم أشباه اليهود، أما أهل النظر والكلام والمنتسبين إلى العلم جحدوها وكذبوا بتحقيقها، وفريق من أهل التعبد والتصوف والزهد أدخلوا فيها من الاعتقادات والإرادات الفاسدة ما ضاهوا بها المشركين، فالأولون يشبهون المستكبرين وهؤلاء يشبهون المشركين، ولهذا يكون الأول في أشباه اليهود ويكون الثاني في أشباه النصارى'، وهذا من جامع وأدق الألفاظ التي تدل على حقيقة هؤلاء القوم. أما الطائفة الأولى: وهم الذين فيهم شبه اليهود، فهؤلاء قساة القلوب، غلاظ الأكباد، لم تتخلل محبة النبي ﷺ قلوبهم، ولم تخالط شغافها، ولم تنعم وتسر قلوبهم لمحبته ﷺ ، بل تلك الغلظة والجفوة والقسوة ظاهرة بادية عليهم في تعاملهم معه ﷺ ، فلا يكادون يذكرونه إلا قليلاً وإذا ذكروه لا يصلون عليه ولا يسلمون. وأشد من ذلك وأشدهم في ذلك من تخلى عن سنته، وحارب أتباعه الداعين إلى التمسك بدينه والتحاكم إلى شريعته ووالى أعداءه الذين يكذبونه ويجحدون رسالته، كمن يوالي اليهود والنصارى والمشركين ويتبع قوانينهم وآرائهم ومناهجهم وأحوالهم وتقاليدهم. هؤلاء أبعد الناس عن محبة النبي ﷺ ، وهم الطرف الأول الذي كان بهذه الأمة فيما سبق شيئ منهم، أو نموذج لهم، وهم الفلاسفة والمتكلمون وغيرهم، ولكن بلغ هذا الأمر ذروته في هؤلاء المتخلين عن دينه ﷺ ، أنهم منسلخين عن شرعه بالكلية، نسأل الله السلامة والعفو العافية. والكلام في هؤلاء لا يحتاج إلى إطالة، فحسبهم هذه الأوصاف، حسبهم جفوتهم وغلظتهم، وإهدارهم لمقام نبوته ﷺ . وأما الطرف الآخر: الذين هم أشباه النصارى وأشباه المشركين؛ فهم في الواقع طرائق شتى، ولهم في الانحراف أيضاً طرق شتى، وعامة المسلمين هم إما منهم أو من أتباعهم نسأل الله أن يردهم إليه رداً حميداً، فقد وقعوا فيما وقعت فيه النصارى من الغلو في النبي ﷺ . كما غالى النصارى في عيسى غلواً ذهب بهم ذات اليمين وذات الشمال، حتى إنه في بعض الأحيان يكون فيه تنقص لقدر النبي ﷺ ، وإهدار لمقامه وهم لا يشعرون، لقد ضلوا في فهم المحبة فجعلوها مسألة عاطفية وجدانية، ولهذا نجد غالبهم يجعلون محبته ﷺ مجرد ذكرى ترتبط بزمن معين أو حال معين، ولا يلقون ولا يسخون سمعا لأمره ونهيه فلا عمل القلب يتحقق ولا عمل الجوارح، وإنما هذه العاطفة الهائمة فقط.

стр. 1188

من مظاهر الغلو في النبي ﷺ وهذا الغلو في الحقيقة له أسباب كثيرة، نذكر منها ما يلي: أن بعض أولئك الذين غلوا في رسول الله ﷺ ، من مؤسسي الطرق ومدعي الكرامات وغيرهم، إنما أرادوا بذلك التوصل إلى تعظيم أنفسهم، أو مشايخهم وقدواتهم، ولهذا قال من قال من السلف: الناس يعبدون الله وهؤلاء يعبدون أنفسهم أو يعبدون الخلق لأنفسهم، ويطلبون حظ النفس ومتعة النفس فيما يعملون. حتى محبة النبي ﷺ يطلبون بها حظ النفس من الشهرة، ومن الكرامات، ومن الخوارق وما أشبه ذلك، ولهذا وضعوا قاعدة معروفة عندهم، يقولون: كل ما ثبت للنبي معجزة فهو ثابت للولي كرامة، فيدعون للنبي ﷺ الكثير من الخوارق والمعجزات، والكرامات، غير ما أعطاه ربه من الآيات البينات والكرامات، يدعونها ليضيفوها إلى شيوخهم فيما بعد، وليثبتوها له. فإذا اعترض معترض لماذا تنسبون هذا للشيخ؟ قالوا: هذا قد ثبت للرسول ﷺ ، وأكثر الجهال يثبت ذلك ولا يعارض خشية أن يقال: أنت تنتقص مقام النبي ﷺ ، وهذه التهمة التي دائماً يتهمون بها أهل الحق -كما سنرى إن شاء الله فيما بعد- فيسلم لهم أن هذا للنبي ﷺ ، فيقولون: هو ثابت للأولياء الوراث -يسمونهم الوراث- وارثوا الحقيقة المحمدية كما يزعمون، هذا سبب ولا نطيل فيه. السبب الثاني: هو التأثر بـ الرافضة قاتلهم الله، فإن الرافضة في غلوهم في حق علي ﵁، مع الصراع التاريخي المزمن بينهم وبين أهل السنة انتشر وباء التصوف والغلو في رسول الله ﷺ ، مقابل غلو أولئك في علي ﵁. فالمسألة أصبحت ردود فعل من العامة، وعواطف جيَّاشة لا تستند لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء على الدليل العلمي الصحيح والبرهان. ولهذا آل الأمر إلى أن أسبغوا من أوصاف الألوهية وخصائصها للنبي ﷺ ، مثل ما تسبغ الروافض على أمير المؤمنين علي ﵁ وعلى آل بيته، والصلة بين التصوف والتشيع حقيقة قائمة يشهد بها التاريخ ولا سيما تاريخ الفرق، وليس بإمكاني الآن أن أوضح ذلك أو أن أطيل فيه. والمقصود أن هؤلاء لما وقعوا في ذلك ناقضوا كتاب الله وصحيح سنته ﷺ . فمثلاً: قول الله ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠] هناك كثير من الأدلة على أن الرسول ﷺ بشر، وإن أردتم التمثيل فلنذكر مثلاً: فرقة البريلوية. يقولون: إننا نحن أهل السنة ومعاشر المسلمين نقرأ الآية بخلاف ما أنزل الله، فإن القراءة الصحيحة لها أن نقول: (قُلْ إِنَّ مَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) فهو تأكيد لنفي بشريته، يقولون: الآية تؤكد (إن) توكيد النفي (ما أنا بشر مثلكم) أي: فهو فوق البشر، وأمثال ذلك مما يحدثنا به كتاب الله سبحانه، ومثلاً قوله ﷺ : ﴿لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم وإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله﴾ كما تقدم من حديث عمر. هذا القول وهذا النهي منه ﷺ ضربوا به عرض الحائط، فغلوا فيه ﷺ غلواً عظيماً فاحشاً، وما أكثر ما نسبوا إليه من خصائص الألوهية، فجاروا بذلك وخرجوا من الملة. مثلاً: ينسبون إلى النبي ﷺ أن بيده مقاليد السماوات والأرض، وأن له أن يقطع من أرض الجنة كما يشاء، وقالوا: إنه يعلم الغيب، وإنه يعلم سر الروح وحقيقة الروح، وإنه يعلم متى تقوم الساعة، وأنه يعلم الخمس التي ذكرها الله سبحانه في كتابه وهو مختص بعلمها. يقولون: إن النبي ﷺ مطلع على ذلك وعالم بما فيه، كيف وقد قال قائلهم: فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم فماذا بعد هذا الغلو من غلو نعوذ بالله من الضلال؟ فهكذا غلوا فيه ﷺ ، وهم يزعمون ويظنون أنهم بذلك يحبونه ويعظمونه. السبب الثالث: ومن ذلك أيضاً من ما خالفوا به هديه ﷺ . مثلاً: ما ثبت عنه ﷺ في زيارة القبور، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد﴾ وقال في الحديث الصحيح الآخر: ﴿لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى﴾. فخالفوا أمره وناقضوه أعظم المناقضة، وشرعوا شد الرحل لزيارة قبره وفرضوه فرضاً، وقالوا: إنه وإن كان سُنة عند الفقهاء فمن زار مسجده ﷺ ، فإن زيارة قبره وشد الرحل إلى قبره عند الصوفية فرض، وأفردوا كتباً وافتروا أحاديث كثيرة على النبي ﷺ وتقَّولوا عليه ما لم يقل، وما أكثر هذه الأحاديث، وقد ذكرها العلماء وجمعها المؤلفون منهم في الأحاديث الموضوعة، ولم يكتفوا بهذا بل شرعوا لمن زاره ولغير زائر قبره ﷺ أن يستغيث به، وأن يدعوه، وأن يستجير به، ورتبوا لذلك أموراً، وهذا من أعظم الشرك؛ لأن كفر الجاهليين وشركهم إنما كان لأنهم يدعون غير الله ، ويستغيثون به ويستجيرون به. فأوقعوا هذه الأمة المحمدية في نقيض ما دعا إليه رسول التوحيد ﷺ وهو أنه يدعى ويستغاث ويستجار به ﷺ ، وجعلوا لذلك أوراداً وصلواتاً وأحزاباً كثيرةً جداً، مثل جامع الصلوات الذي جمعه النبهاني، فلا تكاد تجد فيه أي صلاة من تلك الصلوات إلا وفيها الشرك الصريح، وفيها الحلول، وفيها الاتحاد، وفيها وحدة الوجود. كقولهم: إنه ﷺ إنسان عين الوجود، والسبب في كل موجود، وأنه مظهر وتجلي لصفات الله سبحانه، وغير ذلك مما وضعوه، وكما وضع البكري -وهو من أقطابهم المتأخرين قبحه الله- ذلك أشعاراً تردد وتنشد في الموالد وغيرها، كقصيدة اللامية التي ضاهت البردة في الشركيات، التي قال فيها: ما أرسل الرحمن أو يرسل في ملكوت الله أو ملكه من كل ما يختص أو يشمل ولا ورى من قادح زنده إلا وطه المصطفى عبده نبيه مختاره المرسل وهو لما يقضي نيلها واسطة فيها وأصل لها يعلم هذا كل من يعقل وعندما تزعج من مزعج فلذ به في كل ما ترتجي فهو شفيع دائماً يقبل وعُد له صبحاً وعند العشي وعذ به من كل ما تختشي فإنه المأمن والمعقل وليقل المكروب في كربه يا أكرم الخلق على ربه وخير من فيهم به يسأل يقدم فيهم شافعاً كرة قد مسني الكرب وكم مرة فرَّجت كرباً بعضه يذهل وأنت إن ناهضته مغمراً فبالذي خصك بين الورى برتبة عنها العلا تنزل فحيث كنت الطب من مهلكي عجِّل بإذهاب الذي أشتكي وإن توقفت فمن أسأل نسأل الله السلامة والعافية، أين الله إذا كان فإن توقفت فمن ذا أسأل، ورتبوا أنشودة مثل هذه الأناشيد أو حتى عند زيارة القبر أوراداً معينة يأتي الإنسان إلى القبر ثم يستقبله ثم يرفع يديه ويدعو ثم يتوب من الذنوب، ثم يقول بعد أن يدعو الأدعية التي يشرعونها: يا رسول الله قد ظلمت نفسي ظلمًا كبيراً وأتيت بجهلي وغفـ ـلاتي أمرًا كبيرًا وقد وفدت عليك زائرًا وبك مستجيرًا نسأل الله العفو والعافية، ويزعمون أنهم بهذا يُتَوِبون أصحاب المعاصي من المعصية وهم يوقعونهم في الشرك الأكبر الذي تهون معه كل المعاصي، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. فلو حققوا التوحيد لشملتهم مشيئة الله تعالى بالمغفرة بأن لا يعذبهم أصلاً، وإما بأن يعذبهم ثم يخرجهم من الجنة، أما من أتى بهذا الشرك الذي يلقنونه إياهم فإنه خالد مخلد في النار كما توعد الله به المشركين نسأل الله العفو العافية.

стр. 1189

الغلو في محبة النبي ﷺ وقد بلغ بهم أيضاً الغلو في النبي ﷺ أن زعموا أنه هو أول المخلوقات، وأنه خُلِق من نور الله ، ولهم في ذلك أعاجيب ينقلونها ومن ذلك الطريقة القادرية، معروفة وهي أشهر وأكبر الطرق، تنتشر في إفريقيا والهند والباكستان والدول العربية انتشاراً عجيباً. حتى قيل: إن أتباعها يقاربون (٣٠٠) مليون من المسلمين مع الأسف، فهؤلاء الناس الذين حتى لو حجوا أو اعتمروا أو صلوا لا يرددون إلا أذكار هذه الطريقة، في أثناء الحج أو بعد الصلوات. وينسبون كتاباً من كتب الطريقة اسمه سر الأسرار إلى عبد القادر الجيلاني، معي الآن مقطع منه فيما يتعلق بهذه الفقرة، يقول: ' اعلم وفقك الله لما يحب ويرضى، لقد خلق الله تعالى روح محمد ﷺ أولاً: من نوره وجماله، كما قال الله : خلقت روح محمد ﷺ من نور وجهي -وهذا كذب لم يقله الله وكما قال النبي ﷺ : أول ما خلق الله روحي، وأول ما خلق الله نوري، وأول ما خلق الله القلم، وأول ما خلق الله العقل ' وهذا كله كذب باطل، إلا قوله ﷺ : ﴿أول ما خلق الله القلم﴾. يقول: ' فالمراد منها -أي: من هذه الأحاديث المختلفة- شيء واحد هو: الحقيقة المحمدية '، والحقيقة المحمدية اصطلاح فلسفي يطلقه الصوفية على أول المخلوقات، وأول الكائنات، وهو في الحقيقة يقابل العقل الكلي الذي تدعيه الفلاسفة والباطنية، ويقولون: إنه أصل جميع الموجودات، وهؤلاء يسمونه الحقيقة المحمدية. يقول: ' المراد من هذه الأحاديث شيء واحد هو: الحقيقة المحمدية، فالروح المحمدية خلاصة الأكوان، وأول الكائنات كما قال ﵊: أنا من الله والمؤمنون مني، وخلق الله الأرواح كلها منها في عالم اللاهوت وفي أحسن التقويم وهو الوطن الأصلي -انظروا كيف تحريف كتاب الله وتفسيره- فلما مضى عليها أربعة آلاف سنة خلق العرش من نور عين محمد ﷺ ، وبواقي الكائنات منه -يعني: من نور النبي ﷺ ثم ردت الأرواح إلى درك أسفل الكائنات '. أي: الأجساد، لأن الأجساد في نظر الصوفية هي أسفل الكائنات، كما هي النظرية الهندوسية المعروفة في ديانة الهندوس الفناء: الجسد هو أدنى الدرجات، والإنسان يترقى ويفنى في الاتحاد حتى يتحد بالله ، تعالى الله عما يقولون. يقول: ' كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:٥]-هذا من تفسيرات الصوفية - فلما تعلقت الأرواح وأنست في الأجساد نسيت ما اتخذت من عهد الميثاق في يوم: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] فلم ترجع إلى الوطن الأصلي '. الآن يعلل لماذا بعث النبي ﷺ ؟ يقول: بعث لأن الأرواح تعلقت بالأجساد ونسيت أصلها. يقول: ' فترحم الرحمان المستعان عليهم بإنزال الكتب السماوية تذكرة لهم، بذلك الوطن الأصلي كما قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٥]، أي: أيام وصاله بما سبق مع الأرواح '. وهذا ليس بصحيح أبداً أيضاً بل هو من تفسيراتهم، ومثل هذا تفسيرات الباطنية. يقول: ' حتى أفضت الرسالة إلى الروح الأعظم المحمدي خاتم الرسالة، والهادي من الضلالة، فأرسله إلى هؤلاء الناس الغافلين، ليفتح بصيرتهم، من نوم الغفلة فيدعوهم إلى الله تعالى، ووصله ولقاء جماله الأزلي ' نسأل الله العفو العافية. نحن نقول: إن هذا الكلام المنسوب للجيلاني لا يعقل أن يقوله، ولم يثبت لدينا قوله، ولكن أصحابه ينسبون ذلك إليه، ولو قاله لما كانت له تلك المنزلة التي ذكرها العلماء عنه، مع ما ذكروا عنه من بعض جوانب البدع. لكن نحن الآن لا نحاسبه كفرد ولكن نحاسب هذه الطائفة التي غلت في رسول الله ﷺ إلى هذا الحد، وجاءت بأمثال هذه الخرافات والتي أصلها ما افتراه الزرادشتية والمجوس في أنبيائهم كما نقل ذلك الدكتور طلعت غنام وأمثالهم ممن بحثوا في أصول التصوف.

стр. 1190

دعوى خلق الكون لأجله ﷺ ومن ذلك أيضاً زعمهم -أي: من غلوهم في النبي ﷺ أن الكون إنما خلق لأجله ﷺ ، وأن ليلة مولده هي أفضل من ليلة القدر، ويزعمون أن روحه تحضر الموالد والمحافل التي يقولونها، فيزعمون أنه ﷺ حي باستمرار حياة كاملة، وأنه يحضر الموالد، وأنه يخاطب الأولياء، وأنه يكلمهم. وكم افتروا على الله ، وعلى الرسول ﷺ من أمثال هذه الأمور فشرعوا من الدين ما لم يأمر به الله، مثل ما شرع أحمد التيجاني، ومثل المهدي الذي في السودان ممن يفترون على الله الكذب والشاذلي الذي يقول: إن كل طريقة لها شيخ، وأما أنا فشيخي رسول الله ﷺ آخذ عنه في اليقظة مباشرة، وأمثال هذا من الغلو الذي يزعمونه. ولا شك في بطلان ذلك -والحمد لله- لكل ذي بصيرة؛ ولكن العجب!! هو انتشار هذه الطرق، وفتكها لهذه الأمة في غفلة من دعاة الحق، وربما لإقرار أو لتعاون من دعاة الباطل من أصحاب القسم الأول أشباه اليهود الذين يحاربون سنة النبي ﷺ ؛ فإنهم يغضون النظر عن أمثال هؤلاء ويؤيدونهم، ويشجعونهم، ويعطونهم أعظم المناصب، ويحضرون احتفالاتهم أيضاً؛ لأنهم يعلمون أنها خارجة عن دين الله فهي لا تضرهم، وقد خرجوا هم عن دين الله ولكن من باب آخر، نسأل الله العفو والعافية.

стр. 1191

الغلو في نعله ﷺ والغلو هذا لا يقف عند حد الافتراء والكذب، حتى إن بعضهم افتعلوا للنبي ﷺ أشياء لا تزيد في قدره بل ربما يكون في بعضها منقصه له. مثلاً: افتعلوا أن نعل النبي ﷺ علت على رءوس جميع الكائنات، وأنها أفضل من جميع المخلوقات، وجعلوا الأمر متعلق بنعل النبي ﷺ ، حتى قال قائلهم: على رأس هذا الكون نعلُ محمد سمت فجميع الخلق تحت ظلاله لدى الطور موسى نودي اخلع وأحمد إلى العرش لم يؤمر بخلع نعاله ويقولون: إن النبي ﷺ ليلة الإسراء أسري به لربه ولم يخلع نعاله، وأنه قرب من بساط الأنس وخاطبه ربه وكلمه، وأحياناً يقولون: رآه، وهو لم يخلع نعاله فسمت فوق جميع الكائنات، مع أن موسى أمر بخلع النعال في الطور وهو في الأرض، وأمثال هذا الكلام الذي لا دليل عليه. وفي نفس الوقت لا يزيد إثبات مثل هذا من قيمة النبي ﷺ ، كما يقولون: إن النبي ﷺ كان القمل لا يؤذيه والذباب لا يقع عليه، فهذا فوق كونه من الكذب المختلق الذي لا دليل عليه، وهذا مما فيه غض ونقص من حق النبي ﷺ أنه كان فيه قمل لكن لا يؤذيه، أو أن القمل عنده وعند أصحابه لكنه لا يؤذيه. فما الذي يدعو إلى أمثال هذه الأقوال واختلاق هذا الإفك والله سبحانه قد فضَّله بالمقام المحمود في الآخرة، وقد فضله بالشرف العظيم في هذه الدنيا بالرسالة العظيمة الخالدة التي أعلاها وأظهرها الله سبحانه على جميع العالمين، ليس هنالك من داعي على الإطلاق لأمثال هذه الأمور.

стр. 1192

الرد على من يدعي أن أهل السنة يكرهون النبي ﷺ إن الأمر في هذا يطول والحديث يتشعب، لكن أحب أن أختم هذا بأمر مناسب وهو ما ذكره ابن القيم ﵀ في نونيته المشهورة من أن أهل البدع يتهمون أهل السنة والجماعة بأنهم يكرهون النبي ﷺ ، أو يتنقصون من قدره وهذا هو الواقع في كل زمان ومكان، وهذا الافتراء وهذا الإفك قديم، وابن القيم ﵀ يرد عليهم بأبيات عظيمة، يبين فيها حقيقة التوحيد وحقيقة الخلاف بين الطائفتين، فمعذرة إذا أطلت عليكم قليلاً وقرأت شيئاً من هذه الأبيات، يقول ﵀: قالوا تنقصتم رسول الله واعجباً لهذا البغي والبهتان عزلوه أن يحتج قط بقوله في العلم بالله العظيم الشان عزلوا كلام الله ثم رسوله عن ذاك عزلاً ليس ذا كتمان واستمر في بيان كلامهم في الصفات وفي غيرها إلى أن قال: الرب رب والرسول فعبده حقاً وليس لنا إله ثان فلذاك لم نعبده مثل عبادة الر حمن فعل المشرك النصراني كلا ولم نغل الغلو كما نهى عنه الرسول مخافة الكفران لله حق لا يكون لغيره ولعبده حق هما حقان لا تجعلوا الحقين حقاً واحداً من غير تمييز ولا فرقان هم خلطوا بين الحقين فجعلوا حق الله للنبي ﷺ وهكذا، يقول: فالحج للرحمن دون رسوله وكذا الصلاة وذبح ذي القربان وكذا السجود ونذرنا ويميننا وكذا متاب العبد من عصيان وكذا التوكل والإنابة والتقى وكذا الرجاء وخشية الرحمن وكذا العبادة واستعانتنا به إياك نعبد ذاك توحيدان يعني هذان توحيدان: وعليهما قام الوجود بأسره دنيا وأخرى حبذا الركبان وكذلك التسبح والتكبير والتهليل حق إلهنا الديان، ثم يقول: لكنما التعزير والتوقير حق للرسول بمقتضى القرآن والحب والإيمان والتصديق لا يختص بل حقان مشتركان فالحب والإيمان والتصديق مشتركان بين النبي ﷺ وبين الله . هذه تفاصيل الحقوق ثلاثة لا تجهلوها يا أولي العدوان إلى أن يقول: ونظير هذا قول أعداء الـ ـمسيح من النصارى عابدي الصلبان إنا تنقصنا المسيح بقولنا عبد وذلك غاية النقصان لو قلتمُ ولد إله خالق وفَّيتموه حقه بوزان وكذاك أشباه النصارى مُذّ غلوا في دينهم بالجهل والطغيان صاروا معادين الرسول ودينه في صورة الأحباب والإخوان فانظر إلى تبديلهم توحيده بالشرك والإيمان بالكفران وانظر إلى تجريده التوحيد من أسباب كل الشرك بالرحمن واجمع مقالتهم وما قد قاله واستدع بالنقاد والوزان عقل وفطرتك السليمة زن هذا وذا لا تطغ في الميزان فهناك تعلم أي حزبينا هو الـ ـمتنقص المنقوص ذو العدوان أي: تعرف من الذي يتنقص النبي ﷺ أهم أهل السنة أو أولئك، إلى أن يقول ﵀: والله أمركم عجيب معجبٌ ضدان فيكم ليس يتفقان يقول: فيكم أمرين الأول: أنكم أنتم تغلون في النبي ﷺ جمعتم أمرين: تقديم آراء الرجال عليه مع هذا الغلو فكيف يجتمعان كفرتم من جرد التوحيد جهـ ـلاً منكم بحقائق الإيمان لكن تجردتم لنصر الشرك والـ ـبدع المضلة في رضا الشيطان يقول: والثاني: أنكم أنتم تقدمون آراء الرجال والشيوخ والمذاهب على النبي ﷺ ، هذا معروف من حالهم، ومع ذلك يغلون فيه ويؤلهونه بل يؤلهون حتى بعض آثاره كما سمعنا في الكلام عن الحذاء وأمثال ذلك، فيقول: كيف تجمعون بين هذا وهذا، يقول: والله لم نقصد سوى التجريد للـ ـتوحيد ذاك وصية الرحمن ورضا رسول الله منا لا غلوا الشرك أصل عبادة الأوثان والله لو يرضى الرسول دعاءنا إياه بادرنا إلى الإذعان والله لو يرضى الرسول سجودنا كنا نخر له على الأذقان والله ما يرضيه منا غير إخلاص وتحكيم لذا القرآن ولقد نهى ذا الخلق عن إطرائه فعل النصارى عابدي الصلبان ولقد نهانا أن نصير قبره عيداً حذار الشرك بالرحمن ودعا بألا يجعل القبر الذي قد ضمه وثناً من الأوثان إلى آخر مابين فيه ﵁ ورحمه. نسأل الله أن يهدينا ويهدي ضال المسلمين إلى معرفة محبته ﷺ ، وإلى التمسك بسنته واتباع هديه إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين.

стр. 1193

وصايا وقضايا تحدث الشيخ حفظه الله عن بعض الوصايا والقضايا العامة، فابتدأ بالحديث عن التقوى وأهميتها، ثم انتقل إلى التحدث عن القول السديد، وإمدادات القلب، وبيّن أن اللسان يعبر عما في القلب من خير أو شر. ثم انتقل إلى الوصية الثانية وهي الصبر مبيناً أهميته، وما أعده الله للصابرين من منازل، ثم ختم كلامه بالحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 1194

الوصية الأولى: الاعتصام بالتقوى الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ومصطفاه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: حقيقة إنها لفرصة أن نتكلم استجابة لرغبتكم -أثابكم الله- وإلا فلا جديد عندي في هذه الساعة، إلا ما أحب دائماً أن أوصي نفسي وإخواني به، ولعله مما يناسب مثل هذا اللقاء -كما نعلم- هو أن أوصي إخواني جميعاً بتقوى الله ﵎ فإنها رأس كل خير، وهي التي أمر الله ﵎ بها عباده المؤمنين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] وكما في آيات كثيرة. وهذه الآية السابقة لها دلالة ومعنى عظيم، جديرٌ بنا أن نقف عنده وأن نتأمله. وهو أن الله رتَّب على التقوى والقول السديد، أمرين عظيمين وفائدتين كبيرتين؛ فجعل هذه جواباً لتلك، لأن الأمر هنا في قوة الشرط، وكأنه قال: إن تتقوا الله وتقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم. فما من مؤمن ولا مسلم إلا وهو يريد هذين الأمرين ويتمناهما ويسعى من أجلهما: أن يصلح الله عمله، وأن يغفر الله له ذنبه، وماذا بعد هذا من خير. وهذا الخير العظيم يحصل بتقوى الله التي هي مراقبة الله ﵎ في السر والعلن، وامتثال كل ما أمر الله به، واجتناب كل ما نهى الله عنه، وأن يطيع العبد الله على نور من الله، وهو يرجو نعمة الله ورحمته، وأن يجتنب ما حرم الله على نور من الله وهو يخاف عذاب الله، وهذا تفسير طلق بن حبيب للتقوى. وأما علي ﵁ فقد عرفها بأنها: [[العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل]]. وفسَّرها عبد الله بن مسعود ﵁ تفسيراً آخر، فقال: [[اتقوا الله حق تقاته: بأن يُطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يكفر]]. وكل هذه معانٍ واحدة ومتقاربة، والمهم أن يحصل هذا الأمر كما أوصى بذلك النبي ﷺ معاذاً بقوله: ﴿اتق الله حيثما كنت﴾ أي: في بيتك وأهلك وفي عملك؛ اتق الله وأنت وحدك تخلو؛ فإن الإنسان كما قال الشاعر: إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب فإن الله مُطّلع عليك، ومن هنا اتق الله حيثما كنت كل منا في أي قطاع كان وفي أي مجال وفي أي ميدان؛ فهو عبد لله ﵎، ويجب عليه أن يتقي الله في هذا المجال وفي هذا الميدان؛ وإن بقي في مكان أو نقل أو سافر أو ذهب؛ فيجب عليه أن يتقي الله ، ويحقق الله له -بذلك- هذا المكسب العظيم الذي كل واحد منا يسعى إليه.

стр. 1195

القول السديد وأما قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب:٧٠]، أي: أن أصل القول هو من التقوى، والقول هو أحد أنواع الإيمان، لأن الإيمان قول وعمل، فأحد ركنيه قول القلب وقول اللسان. فخص اللسان؛ لأن هناك مصلحة وحكمة عظيمة، وهي: أن أكثر ما يضل به الناس هو حصائد ألسنتهم، كما قال ﷺ : ﴿وهل يُكبُّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم﴾. وكذلك بالمقابل فعندما يدعو الإنسان إلى الله ﵎، ويبلغ كلمة الله ويجهر بالحق، وتتضح السبل؛ فكل ذلك يكون بهذا اللسان أي: (بالقول) فالقول شأنه عظيم, ولهذا قال : ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب:٧٠] والشيء السديد أو السداد: هو الصواب الموفق الذي يُوضع في موضعه، ويقع في موقعه. فهو بمعنى: القول الحكيم الذي يكون مناسباً لمقتضى حال المخاطب، وينزل على الحالة أو النازلة كما ينزل الدواء على الجرح فيبرأ. فيكون القول موفقاً صائباً، ويكون عدلاً، كما قال ﵎: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام:١٥٢] أن يكون هذا كما ذكر بعض السلف من أن كل أقوال بني آدم تحصى عليهم، والسلف لهم قولان في المسألة - أي: في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وهما: هل يكتب الملكان كل شيء، أم يكتبان ما يتعلق بالحلال والحرام والحسنات والسيئات لأن عليها مدار الحساب؟! لكن الظاهر من لفظ العموم -والله أعلم- أنه ما يلفظ من قول -عامة- فإنه يُكتب. إذاً فليراقب الإنسان قوله وليتق الله سبحانه فيه، فإذا اتقى الله في أعماله كلها؛ وعلى وجه الخصوص على هذا اللسان وجعله رطباً بذكر الله، وبقراءة كتاب الله سبحانه، بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، وبالإحسان، وبالدعوة إلى الخير، وصلة الرحم، والبشاشة في وجه أخيه المسلم، والكلام الرقيق الرفيق اللين الطيب الذي يجذب إليك القلوب، فتنيرها بعد ذلك بما يفتح الله به عليك من خير أو وعظ أو إرشاد، أو ما تريد أن توصله من حقائق الإيمان ومعرفة بالله سبحانه وأسمائه وصفاته، وسننه في خلقة، وما أعد للمتقين وما أعد للمجرمين كل هذه الأمور إذا وفق الله سبحانه الإنسان إليها وكان هكذا؛ فهو على خير عظيم وتتحقق له الفائدة المرجوة بإذن الله .
следующие страницы →