Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
الغلو في نعله ﷺ
والغلو هذا لا يقف عند حد الافتراء والكذب، حتى إن بعضهم افتعلوا للنبي ﷺ أشياء لا تزيد في قدره بل ربما يكون في بعضها منقصه له.
مثلاً: افتعلوا أن نعل النبي ﷺ علت على رءوس جميع الكائنات، وأنها أفضل من جميع المخلوقات، وجعلوا الأمر متعلق بنعل النبي ﷺ ، حتى قال قائلهم:
على رأس هذا الكون نعلُ محمد
سمت فجميع الخلق تحت ظلاله
لدى الطور موسى نودي اخلع
وأحمد إلى العرش لم يؤمر بخلع نعاله
ويقولون: إن النبي ﷺ ليلة الإسراء أسري به لربه ولم يخلع نعاله، وأنه قرب من بساط الأنس وخاطبه ربه وكلمه، وأحياناً يقولون: رآه، وهو لم يخلع نعاله فسمت فوق جميع الكائنات، مع أن موسى أمر بخلع النعال في الطور وهو في الأرض، وأمثال هذا الكلام الذي لا دليل عليه.
وفي نفس الوقت لا يزيد إثبات مثل هذا من قيمة النبي ﷺ ، كما يقولون: إن النبي ﷺ كان القمل لا يؤذيه والذباب لا يقع عليه، فهذا فوق كونه من الكذب المختلق الذي لا دليل عليه، وهذا مما فيه غض ونقص من حق النبي ﷺ أنه كان فيه قمل لكن لا يؤذيه، أو أن القمل عنده وعند أصحابه لكنه لا يؤذيه.
فما الذي يدعو إلى أمثال هذه الأقوال واختلاق هذا الإفك والله سبحانه قد فضَّله بالمقام المحمود في الآخرة، وقد فضله بالشرف العظيم في هذه الدنيا بالرسالة العظيمة الخالدة التي أعلاها وأظهرها الله سبحانه على جميع العالمين، ليس هنالك من داعي على الإطلاق لأمثال هذه الأمور.
стр. 1192
الرد على من يدعي أن أهل السنة يكرهون النبي ﷺ
إن الأمر في هذا يطول والحديث يتشعب، لكن أحب أن أختم هذا بأمر مناسب وهو ما ذكره ابن القيم ﵀ في نونيته المشهورة من أن أهل البدع يتهمون أهل السنة والجماعة بأنهم يكرهون النبي ﷺ ، أو يتنقصون من قدره وهذا هو الواقع في كل زمان ومكان، وهذا الافتراء وهذا الإفك قديم، وابن القيم ﵀ يرد عليهم بأبيات عظيمة، يبين فيها حقيقة التوحيد وحقيقة الخلاف بين الطائفتين، فمعذرة إذا أطلت عليكم قليلاً وقرأت شيئاً من هذه الأبيات، يقول ﵀:
قالوا تنقصتم رسول الله واعجباً لهذا البغي والبهتان
عزلوه أن يحتج قط بقوله في العلم بالله العظيم الشان
عزلوا كلام الله ثم رسوله عن ذاك عزلاً ليس ذا كتمان
واستمر في بيان كلامهم في الصفات وفي غيرها إلى أن قال:
الرب رب والرسول فعبده حقاً وليس لنا إله ثان
فلذاك لم نعبده مثل عبادة الر حمن فعل المشرك النصراني
كلا ولم نغل الغلو كما نهى عنه الرسول مخافة الكفران
لله حق لا يكون لغيره ولعبده حق هما حقان
لا تجعلوا الحقين حقاً واحداً من غير تمييز ولا فرقان
هم خلطوا بين الحقين فجعلوا حق الله للنبي ﷺ وهكذا، يقول:
فالحج للرحمن دون رسوله وكذا الصلاة وذبح ذي القربان
وكذا السجود ونذرنا ويميننا وكذا متاب العبد من عصيان
وكذا التوكل والإنابة والتقى وكذا الرجاء وخشية الرحمن
وكذا العبادة واستعانتنا به إياك نعبد ذاك توحيدان
يعني هذان توحيدان:
وعليهما قام الوجود بأسره دنيا وأخرى حبذا الركبان
وكذلك التسبح والتكبير والتهليل حق إلهنا الديان، ثم يقول:
لكنما التعزير والتوقير حق للرسول بمقتضى القرآن
والحب والإيمان والتصديق لا يختص بل حقان مشتركان
فالحب والإيمان والتصديق مشتركان بين النبي ﷺ وبين الله .
هذه تفاصيل الحقوق ثلاثة لا تجهلوها يا أولي العدوان
إلى أن يقول:
ونظير هذا قول أعداء الـ ـمسيح من النصارى عابدي الصلبان
إنا تنقصنا المسيح بقولنا عبد وذلك غاية النقصان
لو قلتمُ ولد إله خالق وفَّيتموه حقه بوزان
وكذاك أشباه النصارى مُذّ غلوا في دينهم بالجهل والطغيان
صاروا معادين الرسول ودينه في صورة الأحباب والإخوان
فانظر إلى تبديلهم توحيده بالشرك والإيمان بالكفران
وانظر إلى تجريده التوحيد من أسباب كل الشرك بالرحمن
واجمع مقالتهم وما قد قاله واستدع بالنقاد والوزان
عقل وفطرتك السليمة زن هذا وذا لا تطغ في الميزان
فهناك تعلم أي حزبينا هو الـ ـمتنقص المنقوص ذو العدوان
أي: تعرف من الذي يتنقص النبي ﷺ أهم أهل السنة أو أولئك، إلى أن يقول ﵀:
والله أمركم عجيب معجبٌ ضدان فيكم ليس يتفقان
يقول: فيكم أمرين الأول: أنكم أنتم تغلون في النبي ﷺ جمعتم أمرين:
تقديم آراء الرجال عليه مع هذا الغلو فكيف يجتمعان
كفرتم من جرد التوحيد جهـ ـلاً منكم بحقائق الإيمان
لكن تجردتم لنصر الشرك والـ ـبدع المضلة في رضا الشيطان
يقول: والثاني: أنكم أنتم تقدمون آراء الرجال والشيوخ والمذاهب على النبي ﷺ ، هذا معروف من حالهم، ومع ذلك يغلون فيه ويؤلهونه بل يؤلهون حتى بعض آثاره كما سمعنا في الكلام عن الحذاء وأمثال ذلك، فيقول: كيف تجمعون بين هذا وهذا، يقول:
والله لم نقصد سوى التجريد للـ ـتوحيد ذاك وصية الرحمن
ورضا رسول الله منا لا غلوا الشرك أصل عبادة الأوثان
والله لو يرضى الرسول دعاءنا إياه بادرنا إلى الإذعان
والله لو يرضى الرسول سجودنا كنا نخر له على الأذقان
والله ما يرضيه منا غير إخلاص وتحكيم لذا القرآن
ولقد نهى ذا الخلق عن إطرائه فعل النصارى عابدي الصلبان
ولقد نهانا أن نصير قبره عيداً حذار الشرك بالرحمن
ودعا بألا يجعل القبر الذي قد ضمه وثناً من الأوثان
إلى آخر مابين فيه ﵁ ورحمه.
نسأل الله أن يهدينا ويهدي ضال المسلمين إلى معرفة محبته ﷺ ، وإلى التمسك بسنته واتباع هديه إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين.
стр. 1193
وصايا وقضايا
تحدث الشيخ حفظه الله عن بعض الوصايا والقضايا العامة، فابتدأ بالحديث عن التقوى وأهميتها، ثم انتقل إلى التحدث عن القول السديد، وإمدادات القلب، وبيّن أن اللسان يعبر عما في القلب من خير أو شر.
ثم انتقل إلى الوصية الثانية وهي الصبر مبيناً أهميته، وما أعده الله للصابرين من منازل، ثم ختم كلامه بالحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 1194
الوصية الأولى: الاعتصام بالتقوى
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ومصطفاه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: حقيقة إنها لفرصة أن نتكلم استجابة لرغبتكم -أثابكم الله- وإلا فلا جديد عندي في هذه الساعة، إلا ما أحب دائماً أن أوصي نفسي وإخواني به، ولعله مما يناسب مثل هذا اللقاء -كما نعلم- هو أن أوصي إخواني جميعاً بتقوى الله ﵎ فإنها رأس كل خير، وهي التي أمر الله ﵎ بها عباده المؤمنين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] وكما في آيات كثيرة.
وهذه الآية السابقة لها دلالة ومعنى عظيم، جديرٌ بنا أن نقف عنده وأن نتأمله.
وهو أن الله رتَّب على التقوى والقول السديد، أمرين عظيمين وفائدتين كبيرتين؛ فجعل هذه جواباً لتلك، لأن الأمر هنا في قوة الشرط، وكأنه قال: إن تتقوا الله وتقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم.
فما من مؤمن ولا مسلم إلا وهو يريد هذين الأمرين ويتمناهما ويسعى من أجلهما: أن يصلح الله عمله، وأن يغفر الله له ذنبه، وماذا بعد هذا من خير.
وهذا الخير العظيم يحصل بتقوى الله التي هي مراقبة الله ﵎ في السر والعلن، وامتثال كل ما أمر الله به، واجتناب كل ما نهى الله عنه، وأن يطيع العبد الله على نور من الله، وهو يرجو نعمة الله ورحمته، وأن يجتنب ما حرم الله على نور من الله وهو يخاف عذاب الله، وهذا تفسير طلق بن حبيب للتقوى.
وأما علي ﵁ فقد عرفها بأنها: [[العمل بالتنزيل، والخوف من الجليل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل]].
وفسَّرها عبد الله بن مسعود ﵁ تفسيراً آخر، فقال: [[اتقوا الله حق تقاته: بأن يُطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يكفر]].
وكل هذه معانٍ واحدة ومتقاربة، والمهم أن يحصل هذا الأمر كما أوصى بذلك النبي ﷺ معاذاً بقوله: ﴿اتق الله حيثما كنت﴾ أي: في بيتك وأهلك وفي عملك؛ اتق الله وأنت وحدك تخلو؛ فإن الإنسان كما قال الشاعر:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل عليَّ رقيب
فإن الله مُطّلع عليك، ومن هنا اتق الله حيثما كنت كل منا في أي قطاع كان وفي أي مجال وفي أي ميدان؛ فهو عبد لله ﵎، ويجب عليه أن يتقي الله في هذا المجال وفي هذا الميدان؛ وإن بقي في مكان أو نقل أو سافر أو ذهب؛ فيجب عليه أن يتقي الله ، ويحقق الله له -بذلك- هذا المكسب العظيم الذي كل واحد منا يسعى إليه.
стр. 1195
القول السديد
وأما قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب:٧٠]، أي: أن أصل القول هو من التقوى، والقول هو أحد أنواع الإيمان، لأن الإيمان قول وعمل، فأحد ركنيه قول القلب وقول اللسان.
فخص اللسان؛ لأن هناك مصلحة وحكمة عظيمة، وهي: أن أكثر ما يضل به الناس هو حصائد ألسنتهم، كما قال ﷺ : ﴿وهل يُكبُّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم﴾.
وكذلك بالمقابل فعندما يدعو الإنسان إلى الله ﵎، ويبلغ كلمة الله ويجهر بالحق، وتتضح السبل؛ فكل ذلك يكون بهذا اللسان أي: (بالقول) فالقول شأنه عظيم, ولهذا قال : ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ [الأحزاب:٧٠] والشيء السديد أو السداد: هو الصواب الموفق الذي يُوضع في موضعه، ويقع في موقعه.
فهو بمعنى: القول الحكيم الذي يكون مناسباً لمقتضى حال المخاطب، وينزل على الحالة أو النازلة كما ينزل الدواء على الجرح فيبرأ.
فيكون القول موفقاً صائباً، ويكون عدلاً، كما قال ﵎: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام:١٥٢] أن يكون هذا كما ذكر بعض السلف من أن كل أقوال بني آدم تحصى عليهم، والسلف لهم قولان في المسألة - أي: في قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] وهما: هل يكتب الملكان كل شيء، أم يكتبان ما يتعلق بالحلال والحرام والحسنات والسيئات لأن عليها مدار الحساب؟! لكن الظاهر من لفظ العموم -والله أعلم- أنه ما يلفظ من قول -عامة- فإنه يُكتب.
إذاً فليراقب الإنسان قوله وليتق الله سبحانه فيه، فإذا اتقى الله في أعماله كلها؛ وعلى وجه الخصوص على هذا اللسان وجعله رطباً بذكر الله، وبقراءة كتاب الله سبحانه، بالأمر بالمعروف وبالنهي عن المنكر، وبالإحسان، وبالدعوة إلى الخير، وصلة الرحم، والبشاشة في وجه أخيه المسلم، والكلام الرقيق الرفيق اللين الطيب الذي يجذب إليك القلوب، فتنيرها بعد ذلك بما يفتح الله به عليك من خير أو وعظ أو إرشاد، أو ما تريد أن توصله من حقائق الإيمان ومعرفة بالله سبحانه وأسمائه وصفاته، وسننه في خلقة، وما أعد للمتقين وما أعد للمجرمين كل هذه الأمور إذا وفق الله سبحانه الإنسان إليها وكان هكذا؛ فهو على خير عظيم وتتحقق له الفائدة المرجوة بإذن الله .
стр. 1196
الإمدادات التي تمد القلب
جدير بنا أن نعلم ونعرف ما هي الإمدادات التي تمد القلب، واللسان بهذا؛ لأن اللسان يُعبر عما في القلب، بمعنى: أن الإنسان يتكلم في نفسه ثم يتكلم بلسانه.
إذاً فالمدد أو أصل المادة التي تمد القلب إن كانت خيراً ومثمرة ونافعة في صالح الإنسان؛ فإن ذلك يظهر على فلتات لسانه، ويظهر من أقواله؛ وإن كان غير ذلك -ونسأل الله العفو العافية- فلا بد أن يظهر الخبث من كلامه.
إذاً: كيف يمد اللسان القلب؟ إن الإنسان الذي يتكلم بالخير - كأن يقرأ كلام الله وكلام رسول الله ﷺ ، أو كلام الصحابة والتابعين، وأهل الدعوة والإيمان والخير والصلاح - لا بد أن يظهر ذلك في كلامه هو؛ لأن القلب تغذَّى بهذا الخير، فيظهر أثر هذا الغذاء ثمرة على اللسان فتنطق بالخير، وينطق بالحكمة.
ولهذا تجدون حُفاظ كتاب الله حتى ولو كانوا صغار السن -سبحان الله- ينطقون بكلام درر، لأنه من خلال معايشته للقرآن.
فإذا اقتبسنا من ذلك التوجيه والتسديد الذي كان عليه الصحابة ﵃ والتابعون وسلف الأمة؛ رأيت العجب العجاب! إذاً: إذا أردت أن أقول الخير وأعتقده وأتكلم به فعليَّ أن أجعل المادة التي تمده خيراً فإذا قرأ الإنسان اللهو واللغط -فضلاً عن الحرام- لكن اللهو أكثر ما يُنشر الآن، وكل ما يقرؤه الناس غثاءً ولهواً؛ فلا بد أن يظهر على لسانه؛ فتكون أحاديثه لهواً ولغطاً ولا تثمر، وإذا اختلطت المادتان ظهر هذا وهذا؛ فتجد من الذي يخلط أنك تسمع منه الخير وتسمع منه اللغو، وهكذا؛ لكن المؤمن يعلم أن كل لفظ يلفظ به فهو مكتوب، وأن الله سوف يحاسبه.
حتى إن بعض السلف ﵃ جاءته ابنته -طفلة- تقول له: يا أبتاه! أريد أن ألعب.
فأعرض عنها!! فقالت: يا أبتاه! أريد أن ألعب.
فأعرض عنها! وكان عنده أحد العلماء -من جلسائه ورفقائه- فقال له: قل لها: العبي.
فقال: لا أريد أن أجد في صحيفتي لعباً؛ لأنه ما يلفظ من قول إلا ويكتب، فلو قال لها: العبي؛ لكتب عليه ذلك.
نعم! أناس كان عندهم هذه الحساسية، فتراه يُفكر في الكلمة لأنه سيلقاها مكتوبة، ماذا تكون؟ وأما نحن الآن فقلوبنا وأمتنا لاعبة، قطاعاتنا لاعبة؛ بل الآلاف المؤلفة من الأمة في لعب؛ فكم هو العمر؟ سبحان الله العظيم كيف يغتر الإنسان بهذه الحياة ويظن أن فيها فسحة لأن يلعب ويلهو، وأيضاً يعبد الله ويشيد ويبني! ولو فكَّر العاقل في هذه الحياة! لوجد أنه لا يوجد فيها متسع لعاقل أن يلهو عن ذكر الله حتى وهو في الطريق.
فلو أن الإنسان وهو ماشٍ في الطريق استغفر الله وحمده وأثنى عليه لكان ذلك خيراً كثيراً؛ لأن السنة -مثلاً- ثلاثمائة وأربعة وستون يوماً، واليوم مثل الدقيقة، والأسبوع مثل اليوم، والشهر مثل الأسبوع، والسنة مثل الشهر، فكل واحد عليه أن يحسب ذلك، فإن كان ممن كتب له الحياة فوصل إلى الستين أو تجاوزها إلى السبعين - وهذا قليل وخاصة في هذا الزمن - وإن كان في الثلاثين، أو الأربعين؛ فمعنى هذا أنه بقي في عمره عشرون أو ثلاثون سنة، فإن هذه كلها ستمر كلمح البصر.
فالحياة ليس فيها متسع حتى الخميس والجمعة لهو؛ فهذا تفرجة ولهو ولعب، وهذا جلوس مع اللاهين واللاعبين.
وأما اللعب في القرآن والسنة فإنه يشمل ما هو أعم من اللعب الذي نعيشه الآن، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٨] أي: يلعبون ويلهون، حتى في تجارتهم التي تلهي عن ذكر الله، كما ذكر الله سبحانه في آخر سورة الجمعة ﴿تِجَارَةً أَوْ لَهْواً﴾ [الجمعة:١١] ومعروف سبب نزولها.
فالمشكلة أننا الآن نعيش لعباً حقيقياً في كل مجال كالذين يلعبون الكرة، ويتفرجون في الألعاب، فانشغلنا عن ذكر الله وشغلنا أنفسنا بهذا الضياع، أي ضياع الأوقات-؛ وهذا أبعد ما يكون عن المؤمن الذي يخاف الله ويتقيه؛ ولهذا فالشاهد هنا أنه يظهر على هذا اللسان، مما يكسب الناس منه، فمن لم يفعل ذلك -أي: القول السديد- تفوته مغفرة الذنوب وصلاح الأعمال، ومن فاته ذلك؛ فماذا يريد؟! وما فائدة وجوده في هذه الحياة الدنيا إذا لم تصلح أعماله ولم تغفر ذنوبه؟!! نسأل الله ﵎ العفو والعافية فما فائدته؟ وما قيمته؟ وماذا يرجو؟! متاع كمتاع البهائم ثم يضطر بعد ذلك إلى عذاب أليم والعياذ بالله! ما القيمة إذاً؟ إن الغرض هو أن يتفكر الإنسان ذلك، فهذه الآية وكم من آيات في كتاب الله سبحانه تدلنا على أمر عظيم كهذا الأمر، وهذه هي الوصية الأولى.
стр. 1197
الوصية الثانية: التمسك بالصبر
ووصيةٌ أخرى وهي أني أوصي نفسي وإخواني بالصبر.
стр. 1198
معنى الصبر
الصبر بمعناه الواسع ذكره الإمام أحمد يقول: ' تتبعت الصبر في كتاب الله، فوجدته في أكثر من تسعين موضعاً ' أي: أمر الله تعالى بالصبر وحث عليه وبيَّن فضله ومزاياه وما أعد للصابرين، في أكثر من تسعين موضعاً من كتاب الله.
انظروا حرص هؤلاء الأئمة على تدارس القرآن، وعلى تفهمه وتتبعه! أولئك هم الذين يتلونه حق تلاوته.
فإن الصبر أمره عظيم؛ لأنَّ كُلاً منا مبتلى، ولأن هذه الحياة كلها ابتلاء كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:٢]، وكما في الحديث القدسي: ﴿إنما أرسلتك وبعثتك لأبتليك وأبتلي بك﴾، إنه الابتلاء! فحتى الأنبياء مبتلون! وكل الناس في هذه الحياة عرضة للابتلاء، فالخير والشر كله ابتلاء وفتنة.
إن أنعم الله عليك بالعافية والمال والصحة والمنصب فهذا ابتلاء، وإن كان ضد ذلك أو ببعض منه فهو ابتلاء، أينما كنت وكيفما كانت طبيعة حياتك؛ فأنت عرضة للابتلاء؛ لأن الدار كلها دار ابتلاء.
إذاً: لابد أن تحتاط لنفسك، وأن تحرص عليها وتسيجها بسياج الصبر.
حتى على النعم يصبر الإنسان، فقد يأتيك منصب أو رتبة أو مال أو أي إغراء؛ فعليك أن تصبر عليه كما تصبر على البلاء وما ينزل بك من مكروه، فكل إنسان في هذه الدنيا عُرضة لسماع ما يكره، والوقوع فيما يكره من حوادث الدنيا ومصائبها -نسأل الله تعالى أن يلطف بنا وبكم وبإخواننا المسلمين- ولا يخلو أحد منها مهما حاول فلابد من ذلك، فالصبر هو الحل في هذا كله.
стр. 1199
أنواع الصبر
الصبر على طلب العلم: فلا ندع الشيطان يلعب برءوسنا نحن طلاب العلم؛ فنضيع الأوقات، أو نجد في طلب العلم تعباً ومشقة، نعم.
هذا هو واقعنا، فلو سهرنا إلى آخر الليل نتكلم ليست مشكلة؛ لكن إذا أخذنا الكتاب لكي نقرأ فلا نجاوز منه ورقة أو ورقتين إلا وهذا تعبان وهذا يتثاءب، سبحان الله! لماذا؟ خذ نموذجاً لذلك: الصلاة، فالإنسان في صلاته يأتيه الشيطان؛ فيتحرك ويتذكر أشياء ما كان يتذكرها، لأنه وقت لله، ويريد أن يصرفك عنه.
انظر حتى في رمضان! التراويح عندنا طويلة جداً؛ فالواحد منا يتذكر طول السنة يتذكر إذا جاء رمضان! يتذكر تعب التراويح مع أن الناس -ونحن منهم- قد يقفون ويلهون ويتحدثون ربما لساعات ولا يشعرون، بل إن بعض الناس بعد التراويح يقف مثل ما وقف في الصلاة ليسلم على أحدهم ولا يشعر بالتعب، ولو طول الإمام أو زاد في التطويل، قال: متى يركع؟ ابحثوا لنا عن إمام من الميسرين، فالنبي ﷺ يقول: ﴿يسروا ولا تعسروا﴾ إلى آخره.
سبحان الله! هذا دليل على أنه لا بد من الصبر على طلب العلم، فنطلب العلم ولا نستكثر في جلسة من جلساتنا في أن نحفظ آية، فهي نعمة وغنيمة كما قال ﷺ : ﴿لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألفٌ حرف، ولامٌ حرف، وميمٌ حرف﴾ فهذا مكسب قد يفوت ومتى ما أتت الصلاة لابد أن يتسابق عليها الناس.
معنى هذا -أيضاً- أن هذه قاعدة عندنا؛ فإذا كان هناك مكسب واضح في الدنيا لا نبالي بأحد، وإن كان في الدين تركناه، فاحرص على آية من كتاب الله أو حديث من كلام رسول الله ﷺ ، واحرص على أنك تنافس في كل مجلس، وليس شرطاً أنك إذا جلست في مجلس دنيا أن تعرف الناس ما فعل الناس من مشاريع، بل اجعل ذلك -أي: التنافس أو النظرة التنافسية- في شيءٍ من ذكر الله كما قال ﵊: ﴿لا حسد إلا في اثنين﴾ والمقصود هنا بالحسد الغبطة، فتغبط أخاك أنه حفظ حديثاً وأنت لم تحفظ، ودعا بهذا الحديث وأنا لم أدع، وأمر بالمعروف وأنا لم آمر، فتغبطه لأجل هذا.
إذاً: الصبر على طلب العلم والصبر على الدعوة إلى الله تعالى هذا لابد من ابتلاءٍ فيها، فلابد أن يُبتلى الإنسان حتى ولو بزوجته التي هي تحت قوامته؛ فقد لا تعينك على طاعة الله، أو لا تصبر وكذلك، أولادك فطبيعة الطفولة متعبة، فلابد أن تصبر على أبنائك حتى تعلمهم طاعة الله، وتصبر على نفسك لأنها شرودة، ولابد من الصبر عليها حتى تبلغ ما يرضي الله ﵎؛ وتصبر على ما يقال عنك، ولابد أن يُقال عنك الكثير والكثير؛ على قدر ما تدعو إليه وهكذا.
إذاً فالصبر لابد منه، ولا يبالي الإنسان المسلم أياً كان موقعه، إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة.
كان في الحراسة، المهم أنه جندي لله تعالى، فلا يبالي فربما أن وضعه في الحراسة أفضل من أن يكون في المقدمة، وربما أن الله اختار له الخير ولو كان في غيره لافتتن به.
المهم أنه يُعتبر جندياً لله، فأينما وضعه الله وأينما استخدمه واستعمله فيما يرضيه، فهو راض بذلك وهذه نعمة عظيمة وراحة له، ثم يرجو بعدها -بإذن الله ما في قوله سبحانه له: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف:٩٠]
стр. 1200
منازل الصابرين عند الله
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] أي: أن غيرهم لا يأخذ ما يأخذوه من الأجر! لماذا؟ بقدر نقص الصبر فالذي يأخذ أجره كاملاً هو الذي صبر؛ لأنه ابتلي ومحص فصبر فأخذ أجر العمل كاملاً.
ولهذا إن أفضل الناس منزلة هم الأنبياء، ثم من هذه الأمة أفضلهم وهم الصحابة الذين صبروا وجاهدوا، والذين كانوا أيضاً في وقت المحنة والاضطهاد في مكة، فهم أعظم من الذين جاءوا من بعدهم، ولهذا أثنى الله عليهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠] وأيضاً: من أنفق وجاهد وقاتل قبل الفتح أفضل ممن جاء بعده، ومن رأى النبي ﷺ وجاهد معه خير ممن جاهد بعده وهكذا، والذين شاركوا في فتوح الشام والعراق أفضل ممن جاء بعدهم وهكذا؛ فبقدر ما تكون المسألة أكثر مشقة وأكثر استقامة للدين؛ يكون الأجر أعظم ويُوفى أصحابه الأجر الأعظم.
أما من جاء والأمور قد استقرت والدين قد أقيم - والحمد لله- فإنه بقدر ما تكون المشقة أقل والصبر أقل، يكون الأجر أقل، وهكذا فما بالكم بنا نحن الآن على أي شيء صبرنا؟ لم يحدث شيء - نسأل الله لنا ولكم العافية دائماً- لكن لابد أن يكون الابتلاء على قدر الدين الأمثل فالأمثل.
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله ، وبالصبر في هذه الحياة الدنيا، وأن نُصبِّر أنفسنا فيما قد يصيبنا، أو ينزل بنا؛ لأننا أمرنا بمعروف أو نهينا عن منكر؛ فالحمد لله هذا خير، وربما يكون في ذلك رفع للدرجة عند الله .
أما مراتب هذه الدنيا! فلو قيل لأحدهم كالأخ العسكري: ما رأيك في أن ننقلك أبعد منطقة في المملكة، ونعطيك أقدمية ورتبة؟ فسيقول: سوف أذهب فلا بأس.
لكن اعتبروا أن الدرجة والرتبة عند الله لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وصبر واحتسب، ولو ناله ما ناله من أذىً في سبيل ذلك، هذه -والله- أعظم درجة لنا ولكم جميعاً، وبهذا لعلنا نقف عند هذا الكلام -سائلين من المولى القدير أن يوفقنا لما يحبه ويرضى- والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
هناك بعض المشايخ الذين تركناهم في هذا الميدان يُصارعون الفساد والفتن بما أعطاهم الله من صبر عظيم إن شاء الله -ولا نزكي على الله أحداً- ونحن في بيوتنا لاهون وغافلون لا ندري عن كثير مما يعانون، وأشكر الله لي ولكم وجزاكم الله خيراً.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 1201
كيف نعظم شعائر الله
تحدث الشيخ حفظه الله عن عدة أمور تتعلق ببيت الله الحرام، فبدأ بالحديث عن تعظيم شعائر الله، مستعرضاً لشيء من الخلاف في تفسير العلماء لشعائر الله، وبين القول الراجح في هذه المسألة، ثم ذكر أقسام الناس في تعظيم شعائر الله، وضرب أمثلة للبدع التي يقع فيها كثير من الناس في شهري رجب وشعبان، ثم تحدث عن الاستهانة بشعائر الله في البلد الحرام من قبل بعض الزائرين لهذا المكان المقدس، مختتماً حديثه بالتحذير من خطورة استمرار هذا الوضع، وأنه يجب تغييره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستغلال مواسم الخير لذلك.
стр. 1202
تعظيم شعائر الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد: فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا وإياكم ممن يعظم شعائر الله ويحفظ حدوده، ويقيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
أقول: إن الله ﵎ قد حث وحض على تعظيم شعائره، ويكفي في ذلك قوله ﵎: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] وقد أضيفت التقوى إلى القلوب؛ لأن القلب هو محل التقوى كما قال ﷺ : ﴿التقوى هاهنا، وأشار إلى صدره﴾ وإذا خشع القلب واتقى، خشعت سائر الجوارح، كما جاء ذلك في الحديث الصحيح أيضاً.
فشعائر الله ﵎ لا يعظمها إلا من عظم الله واتقاه وعرفه ﵎ وقدره حق قدره، وهذا أمرٌ لا خلاف فيه بين المسلمين، وبين كل من يقرأ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 1203
خلاف العلماء في تفسير معنى شعائر الله
ما هي شعائر الله؟ وما تعريفها عند العلماء أو عند المفسرين ﵏ كما وردت في الآية السابقة؟ وكما وردت في قوله ﵎ في أول المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً﴾ [المائدة:٢].
فسر بعض العلماء شعائر الله بأنها أوامره وفرائضه، ومعنى ذلك: أن كل ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ وما تعبدنا الله ﵎ به فهو من شعائره، فيدخل في ذلك الشعائر الظاهرة والباطنة؛ لأن الدين باطنٌ وظاهرٌ، ويدخل في ذلك الشعائر العملية والشعائر الاعتقادية، ويدخل في ذلك الأركان والواجبات والمستحبات، فكل ما شرعه ﵎ فهو من شعائره، والمسلم مأمورٌ بأن يعظمها وأن لا يحلها؛ وذلك بأن يمتثل أوامر الله ويجتنب نواهيه، وهكذا يكون التعظيم على هذا المعنى.
وقال بعض العلماء: إنَّ شعائر الله هي ما يتعلق بمشاعر الحج فقط من النسك؛ ولذلك فسرها بعض السلف بأنها: الصفا والمروة والبدن التي جاءت في كتاب الله ﵎ كما قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦] فقالوا: إذاً المقصود بها الحج أو ما يتعلق بمشاعر الحج وبعض أعماله، ومنه إشعار الهدي وهو: العلامة الذي توضع عليه.
стр. 1204
القول الراجح في معنى شعائر الله
إنَّ القول الوسط في ذلك، وربما كان الراجح إن شاء الله ﵎ أن شعائر الله هي: المعالم الظاهرة من دينه، التي جعل الله ﵎ بعضها زمانياً، وجعل بعضها مكانياً، فهذا قول وسط بين القولين، ومعنى معالم حدود الله: هي المعالم أو العلامات الواضحات التي يمكن أن نشتقها من المعنى اللغوي، فإن الشعور أو الإشعار في اللغة هو: العلم، شعر بكذا أي: علم به، والإشعار: هو وضع العلامة كما يوضع على الهدي علامة تدل على أنه هدي فلا يحله أحد.
стр. 1205
أعظم الشعائر المكانية
إنَّ الله ﵎ جعل لهذا الدين معالم وعلامات ظاهرةٍ تدل عليه، وبعضها -كما ذكرنا- مكاني وبعضها زماني، فمن الشعائر المكانية التي عظمها الله ﵎ وأمر بتعظيمها: الثلاثة المساجد مكة والمدينة وبيت المقدس.
فهذه الثلاثة من شعائر الله وكل مسجدٍ لله -أيضاً- كما قال : ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] فالمساجد من شعائر الله، ورفع الأذان فيها من شعائر الله، وتعظيمها من تعظيم شعائر الله.
وأفضل المساجد هي المساجد الثلاثة التي ثبت عن النبي ﷺ أنه لا تشد الرحال إلا إليها، والحرم كله معظَّم، ولا سيما في هذه البلدة الطيبة الطاهرة فهو من الشعائر المكانية.
وقد جاء في تعظيمه في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ من الأدلة ما لا يحصى، كما في قوله ﵎: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة:١٢٥] وفي قول الله : ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧] وغير ذلك من الآيات، فهي كلها تدل على أن الله تعالى قد عظَّم هذا البيت وهذا الحرم وشرفه على سائر البلدان، وأنه من شعائر الله التي يجب أن تعظم.
وقد كان العرب في الجاهلية يعظمون البيت الحرام تعظيماً بالغاً، فعلى ما كانوا فيه من شرك وجاهلية وعبادة للأصنام إلا أنهم كانوا يعظمون البيت، وكان من ينتهكه منهم يعد عندهم من أفجر الفجرة وأكبر الظلمة ولا قيمة له سواء أكان فرداً أم قبيلة.
ولهذا جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٢] أن الناس كانوا إذا جاءوا إلى مكة وخرجوا من الحرم، يأخذون من لحاء الشجر ولا سيما شجر السمر الذي يكثر في مكة ويجعلونه علامةً على رقابهم أو على دوابهم فلا يتعرض لهم أحد أبداً؛ لأن الناس كما تعلمون كانوا في الجاهلية يقطعون الطريق، فإذا قدم القادم ورأوا عليه هذا الشعار وهذه العلامة عظموا ذلك ولم يتعرض له أحد.
فكان هذا حالهم في الجاهلية، فلما جاء الإسلام زاد ذلك تعظيماً -ولله الحمد- وتشريفاً بأن أعاد إلى هذا البيت نقاء وطهارة التوحيد، الذي جاء به الخليل صلوات الله وسلامه عليه، والذي بنى هذا البيت أو جدد بناءه؛ ليكون كما أمر الله ﵎ مكاناً يعبد فيه كما قال: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج:٢٦].
فهذه هي ملة إبراهيم التي أمر الله ﵎ بها، وجددها رسول الله ﷺ وعظَّم الحرم أشد مما كان يُعظم في الجاهلية، ويدخل في ذلك ما ذكره بعض العلماء من الصفا أو المروة أو مزدلفة أو منى وكل ما قد عظمه الشرع.
وسنذكر إن شاء الله عندما نتعرض لأحوال الناس في تعظيم الشعائر ما ابتدعه الناس مما لم يعظمه الله ورسوله في هذه الأماكن، والمقصود أن أعظم وأشرف الشعائر المكانية هو البيت الحرام، وأن لتعظيمه أموراً وحقوقاً لا بد منها لعلنا نذكرها إن شاء الله تعالى بالتفصيل فيما بعد.
стр. 1206
أعظم الشعائر الزمانية
وأما الشعائر الزمانية فإنه كما أن الله ﵎ اختص بعض البقاع وشرفها على بعض، فهو كذلك اختص بعض الأزمنة وشرفها على بعض، ومن ذلك الأشهر الحرم وشهر رمضان.
فإن الله قد فضله وشرفه كما قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وكفى بذلك شرفاً وفخراً.
كما أنه عظَّم الأشهر الحرم فقال: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦].
وقد فسر النبي ﷺ هذه الأشهر الحرم كما في الصحيح من حديث أبي بكرة قال: قال ﷺ : ﴿إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد الفرد وهو رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان﴾ وهو الشهر الذي نعيش فيه -ولله الحمد- فنشكره ﵎ الذي بلغنا إياه، ونسأله أن يبلغنا رمضان، وأن يتقبل منا عبادتنا وطاعتنا في سائر الأزمان.
وهناك من الناس من يعظم شعائر في شعبان لم يعظمها الله ﵎ وكما يقع -أيضاً- في غيره من الأزمنة، وهذا ينقلنا إلى ذكر أنواع الناس في تعظيم هذه الشعائر.
стр. 1207
شعائر لا بدع
من الناس -أيها الإخوة المؤمنون- من غلا في تعظيم شعائر الله، حتى أدخل فيها ما ليس منها سواء أكان تعظيماً للأمكنة أم تعظيماً للأزمنة.
стр. 1208
الغلو في تعظيم شعائر الله
فأما تعظيم الأمكنة بما لم يشرعه الله ﵎، فمن ذلك ما يفعله بعض الحجاج والزوار أو العمار -كما ترون- من تعظيم أماكن مخصوصة لم يرد فيها شيءٌ عن رسول الله ﷺ ولا عن السلف الصالح، وقد قال ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾.
فما يفعله بعض الناس من الذهاب إلى غار ثور أو إلى غار حراء ويصلون هنالك، ويتبركون في أماكن كثيرة من مكة، وربما كان أكثر منها في المدينة مما لا أصل له، فكل ذلك محدثٌ مبتدع ولا يجوز أن يقروا عليه أبداً.
وإنما يكتفى في ذلك بما شرعه الله ﵎ كما جاء عن رسول الله ﷺ .
ولا ريب أن كل من عظَّم ما لم يعظمه الله؛ فإنه لا بد أن يخل بتعظيم ما أمر الله ﵎ بتعظيمه سواء من الشعائر أم المعالم المكانية أم الزمانية.
стр. 1209
التفريط في تعظيم شعائر الله
أما القسم الثاني من الناس: فهم الذين لا يبالون بتعظيم حرمةٍ ولا شعيرةٍ، لا في هذا الشهر ولا في غيره من الشهور، ولا في هذا الحرم ولا في غيره من الأماكن، فلا يعظمون لله ﵎ مسجداً ولا حرمةً ولا شعيرةً من الشعائر، وهؤلاء قومٌ قد ضرب الله تعالى على قلوبهم الغفلة -نسأل الله تعالى العفو والعافية- وإن كان كثيرٌ منهم يعد نفسه من أهل الخير ومن عامة المسلمين، لكنهم يغفلون عن تعظيم ما أمر الله بتعظيمه من هذه الشعائر.
стр. 1210
الوسطية في تعظيم شعائر الله
والقسم الثالث: هم أهل الهدى، وأهل السنة هم القوم الوسط الذين عظموا ما عظم الله ، وتركوا ما لم يعظمه الله، واتبعوا سنة رسول الله ﷺ فاتبعوا ولم يبتدعوا.
стр. 1211
بدع شهر رجب
إذا نظرنا إلى هذا الشهر وما بعده من الشهور، فإننا نجد الأصناف الثلاثة في هذا الشهر، في تعظيمه أو عدم تعظيمه إما غلواً وإما تركاً أو اقتصاداً وعملاً بالسنة، فالأقسام الثلاثة نجدها متوافرةًُ فيما يتعلق بهذا الشهر -شهر رجب- ثم كذلك ما بعده.
فما يفعله بعض الناس في هذا الشهر من الذبح أو ما يسمونه الرجبية والاحتفال والتعظيم بهذا الشهر، والصيام الذي لم يأت فيه نص ولا دليل أو الصلوات المبتدعة، فكل ذلك يدخل في القسم الأول وهو قسم البدع.
стр. 1212
ذبيحة العتيرة
وقد كان الذبح واتخاذ يوم من شهر رجب عيداً يذبح فيه من شأن الجاهلية، والذبيحة التي كان الجاهليون يذبحونها تسمى العتيرة، وقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه ﷺ قال: ﴿لا فرع ولا عتيرة﴾.
واختلف العلماء في ذلك فمنهم من رأى أن هذا ناسخٌ ومبطلٌ لما كان عليه أهل الجاهلية، فبعد أن قال ﷺ : ﴿لا فرع ولا عتيرة﴾ لا يجوز لأحد أن يحتفل أو أن يذبح في شهر رجب.
وقال بعض العلماء: إن النهي إنما هو للوجوب، فيظل ذلك استحباباً؛ لأن أهل الجاهلية -في نظره- كانوا يفعلون ذلك وجوباً ويعظمونه تعظيماً بالغاً.
ومنهم من حمله على الكراهة مستدلاً ببعض الآثار أو الأحاديث ولا مجال لتفصيل القول فيها.
ولكن القول الصحيح والراجح والذي عمل به الإمام أحمد ﵀ وغيره من السلف المتبعين للأثر والسنة في هذا، هو ترجيح أن ذلك كان من أمر الجاهلية، وقد أبطله الإسلام، فلا يذبح في شهر رجب ولا يعظم، ولا يتخذ يوماً من أيامه عيداً يعظم.
ولعل الليلة التي يكثر السؤال عنها والتي يعظمها بعض الناس في هذا الشهر هي ليلة السابع والعشرين منه معتقدين أنها ليلة الإسراء والمعراج، وقد بينا أن هذا من البدع، وأنه لم يثبت، ولم يصح في هذه الليلة شيءٌ يعتمد عليه في تحديد تاريخها، وأنه لو ثبت وصح أنها في ليلة معينة أو في وقتٍ معينٍ بذاته لما جاز أن يحتفل بها؛ لأن ذلك لم يأتِ عن رسول الله ﷺ ولا عن أحد من الصحابة.
وإنما أحدث ذلك المحدثون في القرون التالية للقرون المفضلة الثلاثة، ثم اختلفوا في ذلك اختلافاً شديداً جداً في تعيينها، وأكثر من يعظم هذه الليلة وغيرها من ليالي الشهر بالبدع هم الرافضة والصوفية، وكفى بذلك زاجراً للمؤمن عن مشاركة أهل البدع في بدعهم وأهوائهم وضلالهم، الذي لم يأت ولم يصح فيه شيء عن رسول الله ﷺ .
стр. 1213
صلاة الرغائب
من الناس من يصلي في أول جمعة من رجب صلاةً مخصوصةً ويسمونها صلاة الرغائب.
وهذه الصلاة باطلة موضوعة لم تصح عن رسول الله ﷺ بهذه الكيفية ولا في هذا الشهر؛ ولذلك يعلل الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى فيقول: لماذا لم ينكر هذه الليلة إلا العلماء المتأخرون كـ ابن الجوزي وأبي إسماعيل الهروي وأمثالهم؟ قال: لأنها لم تحدث إلا بعد الأربعمائة.
فهذه الليلة التي يصلى فيها صلاة الرغائب -كما تسمى- لم تحدث ولم تبتدع إلا بعد الأربعمائة، فلم يتكلم فيها السلف الأولون؛ لأنها لم تحدث في أيامهم وكفى بذلك دليلاً على أنها بدعة وعلى أنه لا يجوز لأحد أن يعمل بها.
وأما ما تزخر وتمتلئ به كتب الأذكار البدعية من رافضة وصوفية بالحديث عن هذه الصلاة وفضلها ووقتها وكيفيتها، وأنها في هذا الشهر في أول جمعةٍ منه إلى غير ذلك فكله من البدع التي لا أصل لها.
стр. 1214
صيام أيام من رجب
ومما هو منتشر -أيضاً- في شهر رجب، وقد رأيناه ولمسناه بين العامة أنهم يخصونه بأنواع من الصيام، فبعضهم يصوم الشهر كله وهذا منهيٌ عنه، ولم يصم رسول الله ﷺ شهراً بأكمله إلا رمضان، وثبت ذلك من وجوه كثيرة عنه ﷺ وعن الصحابة والتابعين من السلف أنهم نهوا أن يصام شهر كله إلا رمضان، وكان أكثر الشهور بعد رمضان صياماً من النبي ﷺ والصحابة والتابعين هو شهر شعبان.
وأما رجب فلم يثبت ولم يصح في صيامه كله أو تحديد أيامٍ منه شيء، وبعضهم يحدد فيجعلها ثمانية أيام، وبعضهم يجعلها اثني عشر أو غير ذلك، وهذا التحديد كله -أيضاً- باطلٌ لا أصل له.
ولو أن الإنسان صام الإثنين أو الخميس أو الأيام البيض، أي: صام ما جاء وثبت وصح في رجب وغير رجب فلا بأس بذلك، لكن لا ينبغي له أن يخص رجب -فقط- بأن يصوم هذه الأيام فيه، لأن ذلك -أيضاً- يدخل في شيء من البدع، والإنسان إنما يتبع ويطمع في الأجر والفضيلة إذا كان في ذلك متبعاً وليس مبتدعاً.
فهذا -كما قلت- لمسنا انتشاره بين العامة نتيجة لما تأوله بعضهم أو نسبه إلى بعض كتب الفقه أو بعض العلماء ولا مستند لهم في ذلك، والله ﵎ إنما قال في تعظيم الأشهر الحرم: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦] وهذه الآية نستطيع أن نستنبط منها أن المطلوب من الإنسان في الأشهر الحرم أن يعظمها بأن لا يظلم فيها نفسه.
بمعنى أن أي عملٍ كنت تعمله في غير الأشهر الحرم من المعاصي أو الذنوب أو الفجور يجب عليك أن تكف عنه في هذا الشهر، وإن كان المطلوب منك أن تكف عنه في أي شهر، لكن في هذا الشهر مطلوب منك أن تكف عنه أكثر، فالطلب منك أقوى والحض أشد.
وكذلك لا زيادة في المأمورات، ولكن كل فعلٍ أنت مأمورٌ به في سائر الشهور والأيام، فاعلم أنك في الأشهر الحرم، وكذلك في الأماكن الحرم أو الأماكن المقدسة، مطلوب منك أن تعمله أكثر، بمعنى: أن مخالفتك بترك هذا الأمر في أي شهرٍ، -كشهر ربيع- لا يجوز؛ لأن الله تعالى أمرك به، ولا يجوز أن تخالف أمر الله، لكنك لو خالفت أمر الله في الشهر الحرام لكان ذلك أشد، أو لو خالفت وعصيت أمر الله في البلد الحرام، لكان ذلك أشد.
إذاً، لا زيادة في العبادة على ما شرع الله ﵎، وإنما المطلوب هو زيادة الامتثال بفعل المأمورات وترك المنهيات، فالمقصود: أي لا تظلموا فيهن أنفسكم بترك المأمور وفعل المحظور، وإن كان من الفقهاء والمفسرين من حمل ذلك على البدء بالقتال، أي: فلا تظلموا فيهن أنفسكم بالقتال؛ لأن الشهر الحرام كما قال الله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢١٧].
وهذا مما اتفق عليه أهل الإسلام وأهل الجاهلية بأن القتال في الشهر الحرام كبيرةٌ وعظيمة من العظائم، ولا يقدم عليها إلا من تجرأ على حدود الله، ولكن المشركين غفلوا عما هو أعظم من ذلك وهو الكفر بالله والصد عن المسجد الحرام.
والقول الصحيح في هذه المسألة: أنه يجوز للمسلمين الجهاد وبدء القتال في الشهر الحرام، وقد ثبت ذلك عن الصحابة بما لا يدع مجالاً للشك وهو متواتر تواترا ًعملياً، أن الصحابة ﵃ والتابعين ومن بعدهم لم يتحروا أن لا يبدءوا قتال الفرس أو الروم أو غيرهم في شهرٍ حرام وإنما كانوا ينطلقون للجهاد، فأي شهر وافق أو أي يوم وافق فإنهم لا يبالون بأن يتحروا ذلك، وأما القتل أو الظلم أو الاعتداء أو البغي أو العدوان فهذا لا ريب أنه حرام في سائر العام، إلا أنه يتغلظ تحريمه ويتأكد ويشتد إذا كان في الشهر الحرام أو في البلد الحرام.
هذه هي القاعدة التي يخرج بها المرء المسلم المتبع لسنة رسول الله ﷺ من هذا، وهذا الذي يجب أن يدعى إليه الناس وأن يحث عليه العامة والخاصة بالنسبة لهذه الأشهر.
стр. 1215
بدع شهر شعبان
وأما شهر شعبان فإن كثيراً من الناس في هذا البلد الحرام، يعظمونه بما لم يعظمه الله ﵎ به ومن ذلك تعظيمهم ليلة النصف منه، ويزعم بعضهم ويدعي أنها الليلة المباركة التي ذكرها الله ﵎ في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣] وذلك مردود بصريح كتاب الله ﵎، فإن الله يقول: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] ويقول: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١].
فدل ذلك على أن الليلة المباركة تكون في رمضان وأنها ليلة القدر، وهذا واضح جليٌ لمن تأمله إن شاء الله ﵎.
على أن بعض العلماء يصحح في ذلك حديثاً، وهو أنه إذا كانت ليلة النصف من شعبان فإن الله يتجلى أو ينظر إلى المؤمنين؛ فيغفر لهم جميعاً إلا المشرك أو المشاحن -أي: صاحب العداوة والبغضاء من المسلمين- وهذا الحديث على فرض صحته وعند من يصححه لا يدل على اختصاص هذه الليلة بنوعٍ من أنواع العبادة، وإنما هذا تفضل من الله ﵎ وإن ثبت فهو دليلٌ من الأدلة الكثيرة على سعة رحمة الله وفضله ولطفه بهذه الأمة.
فلم يشرع الله تعالى لنا عملاً معيناً نعمله في هذه الليلة، وإنما يعظم هذا الشهر استعداداً لشهر رمضان، وهذه هي القاعدة نفسها التي ذكرناها، وهي: أن تمتثل أوامر الله من صلاة الجماعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفعل الخيرات والطاعات، وكذلك بترك ما نهى الله ﵎ عنه.
وأما الصوم فقد ثبت أنه ﷺ ما كان أكثر صياماً في شهر بعد رمضان منه في شعبان، فالصيام في شهر شعبان هذا سنة، ومن صام منه ما استطاع فقد وافق السنة -إن شاء الله- وهذا ينفرد به شهر شعبان عن شهر رجب كما أسلفنا.
стр. 1216
تعظيم البلد الحرام
نأتي إلى أمر مهم وعظيم في تعظيم شعائر الله وتعظيم حرماته ، وهو ما يتعلق بالشهر الحرام والبلد الحرام، ونحن -والحمد لله- في البلد الحرام طوال العام، فمما يجب علينا من تعظيم حرمات الله، ومن تعظيم شعائر الله في هذا الشهر أو في هذا البلد ما يلي:
стр. 1217
تعظيمه عن الشرك
إن من أول وأعظم ما يُعظم به هذا البلد الحرام، أن يُجتنب فيه أكبر الكبائر وأعظم الموبقات وهو الشرك بالله تعالى، فإنه لا يليق بهذا البلد الطيب الطاهر، وهذا البيت الذي بناه الخليل -عليه وعلى نبينا ﷺ أفضل الصلاة والسلام- على التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، لا يليق به أبداً أن يحدث فيه محدث، ولا سيما إذا كان الإحداث هو الشرك الأكبر عافاني الله وإياكم.
والله لم يحذر في كتابه، ولا في سنة رسوله ﷺ من ذنبٍ أعظم من الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار﴾ [المائدة:٧٢] فهذا هو الداء العضال الذي بعث الله ﵎ الرسل جميعاً لينقذوا الناس منه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين﴾ [الزمر:٦٥].
فلا يليق بهذا البيت المعظم المطهر أن يحدث فيه الشرك أبداً بأي حال من الأحوال، وقد بعث الله محمداً ﷺ بالتوحيد، وبتجديد ملة إبراهيم ﵇ وتحطيم الأصنام، والقضاء على الشرك بكل أنواعه وأشكاله.
فمن جاء وأراد أن يحدث أو يعيد معالم الشرك وشعائر الشرك في هذا البلد؛ فقد ضاد ما أمر الله ﵎ به، وخان الله ورسوله والمؤمنين, وقد تخلى عن ملة إبراهيم الخليل التي أمرنا الله ﵎ باتباعها، وجاءنا ليجدد ملة عمرو بن لحي الخزاعي، الذي كان أول من سيب السوائب، والذي حرف الناس وأهل هذه الجزيرة من عبادة الله وحده لا شريك له على ملة إبراهيم إلى عبادة الأصنام والحجارة، كما كان يفعل أهل الجاهلية في الأرض، فهذا أول ما يجب اجتنابه.
стр. 1218
تعظيمه عن البدع
إن البدع هي أعظم المعاصي بعد الشرك بالله ﵎، وكفى بها شؤماً، وشراً؛ لأنها ربما أحبطت العمل كله، بل بعضها لا شك أنه يحبط العمل كله، فلا تنفع الإنسان عبادة ولا قراءة ولا ذكر ولا جهاد مع هذه البدع.
كما صح عن رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرهما في صفة الخوارج أنه قال ﷺ : ﴿يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية﴾ وقوله ﷺ : ﴿تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وقراءتكم إلى قراءتهم﴾.
إن المخاطبين بهذا هم الصحابة الكرام، ومع ذلك فإن قراءة الخوارج، وعبادتهم أشد وأكثر من عبادة الصحابة، أي: أن الصحابة يحقرون قراءتهم وصلاتهم وعبادتهم عندما يرون قراءة الخوارج كما ذكر ذلك أبو سعيد.
وكما رأى ذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، لما دخل إلى معسكرهم، ومع ذلك فإنهم يمرقون من الدين، بل لا تتجاوز قراءتهم حناجرهم كما أخبر ﷺ وذلك بسبب ما ابتدعوه من البدع، وقد جاء -أيضاً- عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿لا يقبل الله من صاحب بدعة صرفاً ولا عدلاً ولا صياماً ولا صلاة﴾.
فماذا يريد صاحب البدعة بها، إذا كان الله ﵎ لا يقبل منه شيئاً، ولا تنفعه مهما كثرت ومهما تعبد واجتهد فيها؟! فكيف يجرؤ مبتدع أن يبتدع، ويرتكب هذا الإثم العظيم في بلد الله الحرام، الذي أمر الله ﵎ بتعظيمه؟!
стр. 1219
تعظيمه وتطهيره من المعاصي الظاهرة
يجب تعظيم وتطهير هذا البيت الحرام، وهذه البقعة الطيبة الطاهرة من المنكرات والمعاصي الظاهرة.
ونحن نشاهد في الأيام التي يسمونها أيام العطلة أو الإجازة -والتي يتوافد فيها الناس والحمد لله على هذا البلد الحرام- كثيراً من المظاهر التي تدل على أن هؤلاء الناس من المقيمين أو القادمين لا يعظمون شعائر الله، ولا يعظمون هذا البيت كما أمر الله ﵎.
فبعضهم يأتي إلى هذا البلد الحرام وما يكاد يتحلل من عمرته حتى ينطلق في الأسواق، ويرتع في الملاهي وفي ترك الفرائض، وتبدأ النساء بالتبرج، والتهتك، وتكون من المصائب والأمور ما يضج بها المؤمنون، ويضج منها هذا البلد الحرام.
وهذه مأساة كبرى ومصيبة عظمى، مع ما هو معلومٌ من ضعفٍ في الهيئات أو المؤسسات القائمة على الإنكار، لكن يزيد الطين بلة أن تأتي هذه الجموع فتنتشر المحرمات من السفور والتبرج وترك صلاة الجماعة، فترى الناس أكواماً وجماعات حتى بالقرب من المسجد الحرام، وتقام الصلاة ولا يجدون من ينكر عليهم من أهل البلد، وهذه من المنكرات ومن المظاهر الدالة على أن هؤلاء لا يعظمون شعائر الله، ولا يعظمون ما عظم الله ﵎.
وإنه مما يثير العجب أن يجد الإنسان أن هنالك مظاهر كثيرة كان بالإمكان أن تتدارك، ومن ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو أننا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر، وكل من ذهب إلى الصلاة أمر وحث إخوانه عليها، وكل من كان في السوق وأقفل دكانه أمر ونهى إخوانه -أيضاً- بذلك وحثهم عليه، ولا يشترط أن يكون عضواً في الهيئة كما يتبادر إلى أذهان البعض، بل كل من رأى التبرج أو السفور أو الانحلال أو المغازلات أو ما أشبه ذلك من المعاكسات فإنه يبادر وينكر، لو فعلنا هذه الأمور لأحيينا هذا الأمر العظيم.
إن تركنا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هو -أيضاً- من عدم تعظيم شعائر الله، فيتبلد الحس على المنكرات والمعاصي والذنوب، حتى تصبح مألوفةً نسأل الله العفو والعافية.
وأعظم من ذلك وأشد منه، وهو من المنكرات الدائمة في هذا البلد الحرام، في مواسم الخير وفي كل العام، وهو مما يدمي قلوب المؤمنين ويجرح مشاعرهم، ويتنافى مع تعظيم هذا البلد وتعظيم حرمات الله: أن نجد منارات أو علامات أو شعائر ما حرم الله ﵎ تنتشر في هذه البلدة الطيبة الطاهرة.
ومن أوضحها البنوك الربوية التي -كما ترون في هذه الأيام- يكتتب البعض في جلها، ويحذر العلماء وعلى رأسهم سماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن باز ﵀ من هذا الاكتتاب.
والواجب في الحقيقة -كما تعلمون- وكما هو ظاهر من فتاوى علمائنا الأفاضل، وهو صريح كتاب الله ، ألا توجد هذه العمارات أو المنارات أو الشعائر -شعائر الضلال والفجور والمعصية- ولا يجوز أن تبقى في هذا البلد الحرام، في أي مكان، وفي أي زمان، فعندما يجد الحاج أو المعتمر أو المقيم أن هذه الأجهزة أو المؤسسات الربوية قائمة في هذا البلد ثم يسكت، فالذي يحدث -كما ترون- أن الناس يألفون هذا المنكر ويصبح لديهم أمراً مألوفاً، ثم بعد ذلك يصبح الإنكار على من أنكره، وهذا بلا شك من عدم تعظيم شعائر الله.
وفي الجاهلية -كما تعلمون- كانوا يستحلون المحارم ومنها الربا، ولم يكن العرب-أقول هذا بكل أسف- يعلنون الربا بمثل هذا الإعلان، وبمثل هذا الشكل الصريح الذي يفعله الإنسان في هذا العصر حول بيت الله الحرام، نسأل الله أن يرفع هذا البلاء عن المسلمين إنه سميعٌ مجيب.
ويلحق بذلك مما يتنافى مع تعظيم شعائر الله ما يجده القادم إلى هذا البلد أو المقيم فيه من انتشار أماكن لبيع اللهو والفساد ومشجعات الرذيلة من محلات بيع الأفلام الخليعة الماجنة ومحلات الأغاني.
ويعجب الإنسان كيف توجد هذه الملاهي وهذه الدواعي إلى الرذيلة والدعارة والفساد في هذا البلد الحرام، وكيف استجاز أصحابها أن يفتحوها فيها، وكيف استجاز القائمون على الأمر أن يسكتوا عن وجود هذه الأمور.
والله إنها لمصيبة عظيمة أن يأتي الحاج من أقاصي الدنيا، وإذا به يجد الأفلام والأغاني التي يراها في أوروبا وأمريكا، تباع بجوار بيت الله الحرام، بل حتى في الأسواق، يعلقون تلك الملابس المتعرية الشفافة التي لمجرد رؤيتها تستثار الشهوة وتستحث الرذيلة- نسأل الله العفو والعافية- وكأنهم في مكان ما غير بلد الله الحرام، وكأن الأمر لا يهم هؤلاء الناس في شيء.
فهذه في الحقيقة من المنكرات الظاهرة العظيمة التي تتنافى مع تعظيم شعائر الله، وتعظيم هذا البلد الذي أمر الله ﵎ بتعظيمه.
ومن أكثر ما ينتشر في هذه البلدة الطاهرة -أيضاً- مما يجب أن ينبه عليه من المحرمات الأخرى: الغش في التجارة، الذي استغله كثيرٌ من الناس في المواسم، وفي أيام العطل أو غيرها مما يكثر فيه الناس؛ فيغشون في المعاملات، ويطففون في المكيال والميزان، ويخرجون ويبيعون ما قد انتهى تاريخه من البضائع ولا يتحرجون من ذلك، ويغشون في المساكن وفي أمور كثيرة جداً، ويقولون: هذا موسم! فيقال لهم: من أباح وأحل لكم -بما أنه موسم- أن تفعلوا هذا، وأن تنتهكوا شعائر الله التي أمر الله ﵎ بتعظيمها، وأن تقدموا على غش إخوانكم المسلمين الحجاج أو الزوار، أو من جاء لتعظيم شعائر الله؟! فأصبح المؤمن يجد الحرج الشديد والكرب العظيم في إنكار المنكرات؛ لأنها من كثرتها تستدعي جهوداً عظيمة وأجهزة متخصصة، وتعاوناً جدياً وثيقاً من طلبة العلم.
стр. 1220
واجب الدعاة في البلد الحرام
وإنني لأنتهز هذه الفرصة بدعوة طلاب العلم، وكلهم إن شاء الله من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر كما أمر الله تبارك وتعالىبقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤].
فعلينا أن نتعاون جميعاً في كل قطاع وفي كل مجال، نحن وكل من يأتي إلى هذه البلدة فضلاً عمن هو مقيم فيها، في أن ننكر هذه المنكرات جميعاً، وأن نحيي في الناس شعائر الله حقا، ً التي من أعظمها إحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وترك الشرك والبدع، وترك المعاصي والفجور، وأن نتعاون على ذلك في كل مكان، والوسائل في ذلك كثيرة ومتنوعة -والحمد لله.
فلو تصورنا أن كل إنسان يبيع هذه الملاهي أو يعمل في بنك ربوي، أو يفتتح محلاً للربا أو للحرام في هذا البلد، وكان كل من يمر به من حاجٍ أو معتمر أو زائر ينصحه وينهاه ويأمره، فلا شك أن المنكر سيتغير وإن لم يُزَلْ بالكلية فلا بد أن يتقلص، ولا يكتفى بالإنكار المباشر على أهل هذه المنكرات، بل يجب أن يكتب -أيضاً- إلى من يهمه الأمر بإلغائها وإخراجها من هذا البلد الحرام، فهذه المحرمات لا تجوز في أي مكان، فكيف بها في هذا البلد الطاهر؟! ولابد أن تدعم هذه المحاولات، فعندما جرت محاولاتٌ صادقة طيبة جادة -والحمد لله- من بعض المسئولين في أمانة العاصمة للقضاء على المقاهي أو إخراجها من البلد الحرام، وهي مما لا يليق به ولا بشرفه وفضله تراخى الناس في التعاون، وحدثت ملابسات، وإذا بالأمر يرجع ويعود إلى ما كان عليه، فيأتي الإنسان إلى هذه البلدة الطيبة الطاهرة ويجد المقاهي مفتوحة، والناس يسهرون فيها، أمام التلفاز أو غيره من المنكرات والملهيات، وكأن هذا البلد لا قيمة له، وكأنه كأي بلدٍ من البلدان.
فهذا الذي لا يجوز الاشتغال به في أي بلدٍ من البلدان، يعمل في هذا البلد بسبب ضعف التعاون، وضعف الهمة وقلة الإنكار.
فلو أن كلاً منا أنكر بما يستطيع كتابياً أو هاتفياً أو مقابلةً، وتعاونا على ذلك لاستطعنا -إن شاء الله ﵎ أن نعيد إلى هذه البلدة الطيبة الطاهرة ما أراده الله ﵎ وما يرضيه من بقائها خالصة له لا شرك فيها ولا بدع، ولا ضلال ولا فجور ولا تبرج ولا سفور ولا ربا ولا زنا ولا مخدرات، ولا فواحش ظاهرة أو باطنة، ولا غش في المعاملات.
فلابد أن نعظم هذه البلدة، وأن نقيم فيها أمر الله، ونقيم فيها حدود الله وأن يشعر الإنسان بمجرد أن يقترب منها من بعيد أنه آتٍ إلى بلد الإيمان، بلد الطهارة وبلد الفضيلة، فيرق قلبه وتخشع جوارحه وتدمع عينه، ويأتي إلى هذا البيت وقد عزم عزماً أكيداً على أن يغسل كل ذنب قد أذنبه، وكل معصيةٍ قد فعلها من قبل، وأن يجدد العهد مع الله ، وأن يطيع الله ما بقي من عمره.
أما إذا جاء فوجد دواعي الشهوة والإثارة وحب الدنيا، والميل إلى ما حرم الله ماثلةً أمام عينيه، حتى داخل المسجد الحرام -كما يقع وكما شكا إلينا كثير من الناس كتابياً أو هاتفياً من هذا الشأن -فإن هذا والله مما لا يجوز أن نسكت عليه أو أن نقره، -والحمد لله- أننا سنجد التجاوب إن شاء الله- وهو موجود، ولكن التجاوب يكون مع مطلب وتحرك من أهل الخير، ومع حثٍ من أهل الفضيلة.
ومما يساعدنا -إن شاء الله ﵎ على هذا الشيء أن ننشر الكتيب الإسلامي، وأن ننشر الشريط الإسلامي بين الحجاج، والمعتمرين وبين المقيمين، ويبين فيها ما يدل على تعظيم هذا البيت وعلى فضله، وإذا نشرنا بينهم الأذكار الصحيحة استغنوا بها عن الأذكار البدعية، وإذا بينا لهم أحكام هذه الشعائر المكانية والزمانية استغنوا بذلك عن البدع التي هم فيها.
والحمد لله أنه يغلب على من يأتي إلى هذه البلاد، أنه يطيع ويسمع ويتقبل، فهذا من فضل الله ، وهذا أمرٌ مشاهد وملموس في الحج وغيره.
فإذا نشر بينهم الشريط النافع الطيب، ووجدوا أن في هذه البلدة من يستقبلهم من أهلها، ويهدي إليهم الخير، والنصح والمحبة، فإن هذا مما يفتح صدورهم وقلوبهم إلى الخير، ولو تأملنا في التاريخ لوجدنا أن كثيراً من دعوات التجديد والإصلاح والتوحيد التي قامت في أطراف الأرض إنما كانت بفضل من الله ﵎، ثم بسبب هذا الحج.
حيث كان الحجاج يقدمون إلى هذه البلاد، فلما جاءوا بعد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ فوجدوا شعائر الله معظمة، ووجدوا حرمات الله معظمة، ووجدوا أن دين الله ظاهر، فأخذوا هذا العلم وهذه العقيدة فعادوا بها، فانتشرت دعوة التوحيد في الهند وفي جزر الهند وإندونيسيا وما حولها، وانتشرت في نيجيريا وفي كثير من الدول مثل الصومال وفي غيرها من المناطق، فانتشرت دعوة التوحيد من هذه البلاد انطلاقاً من الحج أو العمرة، من مكة أو المدينة، التي إذا صلحت صلح بقية العالم -إن شاء الله-؛ لأنه كما جاء في الحديث ﴿إن الإيمان ليأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها﴾.
فيجب أن نحيي هذه الشعيرة، وأن نجعل الإيمان بارزاً ظاهراً، وأما أن يظل كلٌ منا في حدود نفسه، أو يعظم شعائر الله في قلبه ونحن نستطيع أكثر من ذلك فإن هذا مما نخشى أن يعمنا العذاب بسببه؛ لأننا نستطيع أن نفعل ما هو أكثر من ذلك، ونستطيع أن ندعو إلى الله ، وأن نقيم الحجة في حدود قدرتنا.
إننا لواثقون -والحمد لله- من استجابة الناس في داخل هذه البلدة، أو من القادمين إليها إلى مثل هذه النصائح وهذه التوجيهات، خاصة مع قدوم شعبان ثم رمضان، وهنالك سيكون الزحام وستكون أمور عظيمة، ويليها الحج وما فيه كما تعلمون.
فأمامنا الأشهر التي تكون فيها شدة ازدحام هذا البلد، وشدة ظهور كثير من هذه المنكرات في هذا البلد فيجب علينا أن نعد العدة، وأن نبذل الجهد في سبيل القضاء على كل ما يتنافى مع تعظيم هذه البلدة الطيبة الطاهرة، التي جعل الله ﵎ الذنب أو العمل فيها ليس كغيره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيم ٍ﴾ [الحج:٢٥].
قال بعض العلماء: 'لم يرتب الشرع أو يرتب الله -العقوبة على عملٍ بمجرد الإرادة إلا في هذه البلدة، أما في غيرها فإن الذنب إنما يترتب على الفعل لا على الإرادة، ولا غرابة في ذلك؛ لأن الله تعالى اختصها وشرفها بما تعلمون'.
نسأل الله أن ينفعنا وإياكم بما نقول ونسمع، وأن يجعلنا ممن يعظم شعائر الله ويحفظ حدود الله، ويقيم دين الله عملاً بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ والحمد لله رب العالمين.
стр. 1221
الأسئلة
стр. 1222
الفساد في مشاعر الحج
السؤال
يقول: إنَّ أهل مكة جعلوا عرفة ومنى ومزدلفة محلاً للخروج والفتن والطرب، وفيها أشياء أُخر؟
الجواب
في الحقيقة هذا لا يجوز، وهذا مما يتنافى مع تعظيم شعائر الله، وهذا أمرٌ ملموس، وقد خرجت مرةً فعجبت أن عرفة قد أصبحت ميداناً لما يسمونه بالتفحيط، وعلى مشهد ومرأى من المرور، ولا أدري أهو عجز أم ضعف؟! ولكن هذا هو الحال.
أما التبرج والفتن والسهر والطرب، فهذا -لا حول ولا قوة إلا بالله- كثير، وبعض الناس يركبون في سيارات الأجرة أو في غيرها، ويذهبون إلى هذه المشاعر ليتعرفوا عليها، والتعرف عليها لا بأس به إذا كان في حدود منضبطة؛ لأن أيام الحج قد لا يستطيع الإنسان أن يتعرف بسبب الزحام، أما أن يكون هنالك من التبرج والاختلاط وربما كانت بعض النساء من غير محرم، فهذه الأمور كلها لا تجوز.
стр. 1223
حدود الحرم
السؤال
ما مدى صحة كون وادٍ في الطائف حرماً، وهل عليه دليل؟
الجواب
هذا الوادي جاء عن بعض العلماء وأظنه في مذهب الشافعية أنه حرم، وهذا لا يثبت ولا يصح، وإنما الحرمان فقط هما مكة والمدينة، وحتى بيت المقدس ليست حرماً، وما يقوله بعض الناس عند قولهم: الحرم الإبراهيمي أو الحرم الأقصى هذا من الأخطاء العامة التي درج عليها الناس.
стр. 1224
بدع تقترف في المدينة المنورة
السؤال
ما رأيكم في الآثار التي في المدينة والتي منها ما يزار، وما هي حقيقة المساجد السبعة؟
الجواب
المساجد السبعة لا أصل لها فيما نعلم، ولا يجوز أن تختص تلك البقعة بأي نوع أو أي عملٍ من أعمال العبادة، وهذا يدخل في البدع أيضاً.
والبدع في المدينة كثيرة جداً -ولا حول ولا قوة إلا بالله- والأماكن البدعية كثيرة كذلك، وكما اقترح الأخ الذي كتب سؤالاً آخر ويقول: لماذا لا تمنع الكتب البدعية للمناسك؟ نعم، وحبذا لو تقوم الأمانة العامة للتوعية في الحج بذلك، بأن تطبع كتباً أو نشرات وتوزع، وهذا -والحمد لله- يحصل، لكن نريد شيئاً مخصوصاً بهذا لمن يدخل المدينة بالذات ليبين له الأماكن التي لا يجوز زيارتها، والتي زيارتها تعد من البدع، ولا يؤجر صاحبها ولا يثاب عليها، وهي كثيرة.
ولا نبالي بقول من يقول: دع الناس يطلبون الرزق، كما يقول كثير من الناس، وهذا هو الذي كنا نقابل به في المدينة، أي: من أهل سيارات الأجرة وأهل المطاعم، ممن يطلبون الرزق ويتكسبون بالبدع، وهذا مما لا يجوز.
فأقول: لعله -إن شاء الله- أن يكون من الكتب النافعة المصورة ما يوضح -مثلاً- صورة هذه المساجد، وصورة الأماكن الأخرى التي يعظمونها، وهي كثيرة منها ما نعلمه ومنها ما لا نعلمه، فتحل محل الزيارات البدعية، وفي الوقت نفسه تسحب الكتب البدعية، ويمنع من يسمون المزورين، وهم مزورون -فعلاً- يزورون الحقائق ويجعلون السنة بدعة والبدعة سنة، فيمنع هؤلاء من هذا العمل.
стр. 1225
حكم تعطيل شعائر الله للضرورة
السؤال
هل يجوز تعطيل بعض شعائر الله في بعض الأزمنة للضرورة كما يستدل بعض الناس أن عمر رضي الله تعالى عنه لم يقم حد القطع في عام الرمادة لما اشتد الجوع؟
الجواب
الأصل في شعائر الله تعالى أنها لا تعطل، وحدود الله لا تعطل لكن إذا اقتضى سببٌ شرعي لإيقافها في وقت معين أو عن أشخاص معينين، فما دام السبب شرعياً فلا بأس بذلك، ولكن هذا لا يعد نسخاً ولا يقاس عليه، فإن دين الله قد ختم وأكمل، ولا يحق لأحد أن ينسخه أو يقيس عليه.
وما يسمون -الآن- بالمدرسة العصرية الذين يرون إسقاط الحدود في هذا العصر لكثرة الفساد الاجتماعي والاقتصادي، ويستدلون بما جاء في السير عن عمر -رضي الله تعالى عنه- فنقول لهم: هذا قياسٌ فاسد باطل، ولا يصح ذلك.
стр. 1226
التوبة
السؤال
أنا شابٌ منحرفٌ، أريد الاستقامة وهذه أول محاضرة أسمعها، وأول مرة أحضر لدرس العلماء، وأنا أريد أن أتوب، مع أنني قد ارتكبت جميع المحرمات، ولي جلساء لا يخافون الله، كيف أستقيم، وكيف أرجع إلى الله وكيف أترك جلساء السوء؟ وأرجو أن تدعو لي ولمن مثلي!
الجواب
أولاً: نحتاج الدعاء من الجميع بأن يثبتنا الله جميعاً على الحق والخير والهدى والاستقامة، وادعوا -أيضاً- لأخيكم هذا، والحمد لله الذي هداه، ونسأل الله أن يهدي قلوب جميع شباب المسلمين.
ونوصيك يا أخي بالإقبال على كتاب الله، تلاوةً وتدبراً، والإقبال على مساجد الله، والمحافظة على الصلاة فيها، وحلقات الذكر، والانعزال والترك لكل جلساء السوء الذين أشرت إليهم في رسالتك، فإن الله إذا أقبل عليه العبد بصدق وإخلاص؛ فإنه يعوضه الخير والأمن والطمأنينة.
وكما جاء في الحديث: ﴿لله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب، من رجل كان في فلاة، فضاعت دابته وعليها طعامه وشرابه وسقاؤه، فلما رآها قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح﴾.
فالله ﵎ -وهو الغني عن العباد جميعاً- يفرح بتوبة التائب إذا تاب، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وقد وعد من يتوب ويستقيم بما يغري كل مذنبٍ أن يتوب، فقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠].
فاطمئن يا أخي سيبدل الله تعالى سيئاتك حسنات، إذا تبت وآمنت وعملت صالحاً واستقمت، وأخذت ببعض ما أشرنا إليه من الأسباب التي تعينك -إن شاء الله- على الاستقامة فيما بقي.
стр. 1227
من أخطاء غاسلي الموتى
السؤال
هناك انتهاكٌ عظيم لحرمات الله من قبل المغسلين وإدارة شؤون الموتى حيث إنهم يشربون الشيشة ويشاهدون التلفاز بجوار القبور، وينتشلون الموتى قبل الموعد، ولقد رأينا ذلك في بعض منهم، وهم في الغالب من أهل البدع -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فما رأيكم في هذا؟
الجواب
هذا والله من العجب! كما عبر بعض الناس وقال: موتى يدفنون موتى، فهم موتى ماتت قلوبهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.
نقول: الذي يغلب عليهم كما هو مشاهد لمن خبر أحوالهم، وبلغني من طرق كثيرة أن هنالك طائفةً كثيرة منهم ماتت قلوبهم فدخول الميت وخروجه ودفنه كأنه لا شيء عندهم، ومن المعلوم أن من تعظيم شعائر الله، أن تعظم حرمة الميت، وأن تعظم حرمة المقابر، وإذا كان القلب المؤمن لا يستحل ولا يستسيغ أن يشتغل بالغناء أو اللهو والطرب ومشاهدة التمثيليات في أي مكان، ولو كان في رأس جبل بعيد خارج جزيرة العرب، فكيف تكون قسوة هذا القلب، وغفلته وموته إذا كان يشاهد هذه المناظر، ويستمتع بهذه المحرمات، وهو بجوار أو في داخل المقبرة.
سبحان الله تجد منهم من هو جالس فوق المقبرة، والميت في الأسفل، وهذا يشاهد التلفاز في الأعلى، أو ما أشبه ذلك إلى آخر الليل، سبحان الله العظيم، أبلغت بنا الغفلة إلى هذا الحد؟ أبلغ بنا الانصراف عن الآخرة ونسيانها -وكأننا لسنا بميتين ولا محاسبين- إلى هذا الحد؟! أما كفانا أن المقابر لا تزار وأنا لا نعتبر بمن مات! أما كفانا أنا نقصر في الطاعات حتى نرتكب ونجاهر بمثل هذه المحرمات أمام أكبر موعظة، وكفى بالموت واعظاً، فيا سبحان الله، ما أغفل هذه القلوب؟! ثم إن الواجب على المسئولين في أمانة العاصمة، وفي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإمارة منطقة مكة أن يقضوا على هذا المنكر، ومما يعجب له الإنسان أنه -فعلاً- تنتشل عظام ولحوم الموتى، وهم في حالةٍ لو رآها الإنسان؛ ما استطاع أن يراها أبداً، وهذه أمورٌ قد ثبتت عندي، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىأن يرفع عنا البلاء، وأن يرفع عنا هذه الغفلة، وأن يغيث قلوبنا ويوقظها بالإيمان، حتى تعرف قدره وعظمته، وتعظم ما عظم، ولا حولا ولا قوة إلا بالله.
стр. 1228
العمل في البنوك الربوية
السؤال
رجل سمع خطبةً في تحريم الربا وهو يعمل في بنك من البنوك، ويقول: بأن له ما يقرب من ثمان سنين وهو لا يعلم بأنه محرم إلا عند سماعه لهذه الخطبة فيسأل ويستفتي ماذا يعمل؟
الجواب
قبل الإجابة نقول: كيف يمكن أن يمكث المسلم ثمان سنوات ولم يسمع أن الربا حرام؟! وأن العمل في البنوك حرام، أليس هذا دليلاً واضحاً على تقصيرنا في الدعوة؟! ولا شك أن هذا الرجل مقصر؛ لأنه يعمل ولا يسأل عن عمله، والواجب على الإنسان أن يتحرى الحلال الطيب كما قال الرسول ﷺ : ﴿إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً﴾ وقال: ﴿كل جسد نبت من السحت فالنار أولى به﴾.
ولكن -أيضاً- نحن مقصرون؛ لأننا لم نبلغ الدعوة إلى هؤلاء، وهذا لا يعيش في واد منعزل، وإنما الذين يعملون في البنوك هم من إخواننا وقبائلنا وجيراننا وزملائنا، ونستطيع أن نكلمهم وأن نتعرف عليهم، ولو أن كل واحد منا مر ودخل البنك ووعظ، أو نصح أو ذكر أو أعطى كتيبات وبين الحق فإنه سيجد القبول، وأيضاً- نجد أنه يؤخذ منه الكتيب، أو الفتوى من فتاوى العلماء التي يعطيها لهم ليقيم الحجة عليهم، فهذا بالنسبة لواجبنا، أما واجب هذا الأخ الكريم فإنه يجب عليك -يا أخي- أن تجتهد من اليوم، ومن هذه الساعة أن تبحث لك عن عمل، فإن كنت تستطيع أن تعيش من غير دخل هذا البنك، فلتكن استقالتك منه غداً.
стр. 1229
الدعايات والإعلانات المعلقة في الشوارع
السؤال فضيلة الشيخ: ما قولكم في الدعايات التي تعلق في الشوارع؟
الجواب
إن ما ذكر في السؤال ليتنافى مع تعظيم شعائر الله، فالدعايات التي تعلق في الشوارع كعطر الأنوثة -التي سماها الأخ- العطورات، والإكسسوارات إلى آخر ما ترون من أمور تتنافى مع تعظيم شعائر الله في هذا البلد، وكذلك المجلات الخبيثة التي تباع في هذا البلد الطاهر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهذه الأمور كلها تتنافى مع تعظيم شعائر الله.
стр. 1230
واجبنا تجاه ديننا
في هذه المادة تحدث الشيخ حفظه الله عن قوة المسلمين لما تمسكوا بدينهم، وضعف جانبهم لما تغيرت نفوسهم، وتنكبوا شريعة ربهم، داعياً المسلمين بأن يعودوا لدينهم، وأن يكون العمل على رفعة شأنه هو همهم الأكبر، وأن يزيلوا عنه ما ألصقه به أعداؤه من تهم وشبهات عبر توفير المراكز المتخصصة لتخريج من يدافعون عن دينهم عبر وسائل الإعلام، وعن طريق الدراسة لهذه الشبهات والرد عليها بمنهجية صحيحة وواضحة.
следующие страницы →