← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

التوبة السؤال أنا شابٌ منحرفٌ، أريد الاستقامة وهذه أول محاضرة أسمعها، وأول مرة أحضر لدرس العلماء، وأنا أريد أن أتوب، مع أنني قد ارتكبت جميع المحرمات، ولي جلساء لا يخافون الله، كيف أستقيم، وكيف أرجع إلى الله وكيف أترك جلساء السوء؟ وأرجو أن تدعو لي ولمن مثلي! الجواب أولاً: نحتاج الدعاء من الجميع بأن يثبتنا الله جميعاً على الحق والخير والهدى والاستقامة، وادعوا -أيضاً- لأخيكم هذا، والحمد لله الذي هداه، ونسأل الله أن يهدي قلوب جميع شباب المسلمين. ونوصيك يا أخي بالإقبال على كتاب الله، تلاوةً وتدبراً، والإقبال على مساجد الله، والمحافظة على الصلاة فيها، وحلقات الذكر، والانعزال والترك لكل جلساء السوء الذين أشرت إليهم في رسالتك، فإن الله إذا أقبل عليه العبد بصدق وإخلاص؛ فإنه يعوضه الخير والأمن والطمأنينة. وكما جاء في الحديث: ﴿لله أشد فرحاً بتوبة عبده إذا تاب، من رجل كان في فلاة، فضاعت دابته وعليها طعامه وشرابه وسقاؤه، فلما رآها قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح﴾. فالله ﵎ -وهو الغني عن العباد جميعاً- يفرح بتوبة التائب إذا تاب، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، وقد وعد من يتوب ويستقيم بما يغري كل مذنبٍ أن يتوب، فقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]. فاطمئن يا أخي سيبدل الله تعالى سيئاتك حسنات، إذا تبت وآمنت وعملت صالحاً واستقمت، وأخذت ببعض ما أشرنا إليه من الأسباب التي تعينك -إن شاء الله- على الاستقامة فيما بقي.

стр. 1227

من أخطاء غاسلي الموتى السؤال هناك انتهاكٌ عظيم لحرمات الله من قبل المغسلين وإدارة شؤون الموتى حيث إنهم يشربون الشيشة ويشاهدون التلفاز بجوار القبور، وينتشلون الموتى قبل الموعد، ولقد رأينا ذلك في بعض منهم، وهم في الغالب من أهل البدع -ولا حول ولا قوة إلا بالله- فما رأيكم في هذا؟ الجواب هذا والله من العجب! كما عبر بعض الناس وقال: موتى يدفنون موتى، فهم موتى ماتت قلوبهم ولا حول ولا قوة إلا بالله. نقول: الذي يغلب عليهم كما هو مشاهد لمن خبر أحوالهم، وبلغني من طرق كثيرة أن هنالك طائفةً كثيرة منهم ماتت قلوبهم فدخول الميت وخروجه ودفنه كأنه لا شيء عندهم، ومن المعلوم أن من تعظيم شعائر الله، أن تعظم حرمة الميت، وأن تعظم حرمة المقابر، وإذا كان القلب المؤمن لا يستحل ولا يستسيغ أن يشتغل بالغناء أو اللهو والطرب ومشاهدة التمثيليات في أي مكان، ولو كان في رأس جبل بعيد خارج جزيرة العرب، فكيف تكون قسوة هذا القلب، وغفلته وموته إذا كان يشاهد هذه المناظر، ويستمتع بهذه المحرمات، وهو بجوار أو في داخل المقبرة. سبحان الله تجد منهم من هو جالس فوق المقبرة، والميت في الأسفل، وهذا يشاهد التلفاز في الأعلى، أو ما أشبه ذلك إلى آخر الليل، سبحان الله العظيم، أبلغت بنا الغفلة إلى هذا الحد؟ أبلغ بنا الانصراف عن الآخرة ونسيانها -وكأننا لسنا بميتين ولا محاسبين- إلى هذا الحد؟! أما كفانا أن المقابر لا تزار وأنا لا نعتبر بمن مات! أما كفانا أنا نقصر في الطاعات حتى نرتكب ونجاهر بمثل هذه المحرمات أمام أكبر موعظة، وكفى بالموت واعظاً، فيا سبحان الله، ما أغفل هذه القلوب؟! ثم إن الواجب على المسئولين في أمانة العاصمة، وفي هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإمارة منطقة مكة أن يقضوا على هذا المنكر، ومما يعجب له الإنسان أنه -فعلاً- تنتشل عظام ولحوم الموتى، وهم في حالةٍ لو رآها الإنسان؛ ما استطاع أن يراها أبداً، وهذه أمورٌ قد ثبتت عندي، نسأل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىأن يرفع عنا البلاء، وأن يرفع عنا هذه الغفلة، وأن يغيث قلوبنا ويوقظها بالإيمان، حتى تعرف قدره وعظمته، وتعظم ما عظم، ولا حولا ولا قوة إلا بالله.

стр. 1228

العمل في البنوك الربوية السؤال رجل سمع خطبةً في تحريم الربا وهو يعمل في بنك من البنوك، ويقول: بأن له ما يقرب من ثمان سنين وهو لا يعلم بأنه محرم إلا عند سماعه لهذه الخطبة فيسأل ويستفتي ماذا يعمل؟ الجواب قبل الإجابة نقول: كيف يمكن أن يمكث المسلم ثمان سنوات ولم يسمع أن الربا حرام؟! وأن العمل في البنوك حرام، أليس هذا دليلاً واضحاً على تقصيرنا في الدعوة؟! ولا شك أن هذا الرجل مقصر؛ لأنه يعمل ولا يسأل عن عمله، والواجب على الإنسان أن يتحرى الحلال الطيب كما قال الرسول ﷺ : ﴿إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً﴾ وقال: ﴿كل جسد نبت من السحت فالنار أولى به﴾. ولكن -أيضاً- نحن مقصرون؛ لأننا لم نبلغ الدعوة إلى هؤلاء، وهذا لا يعيش في واد منعزل، وإنما الذين يعملون في البنوك هم من إخواننا وقبائلنا وجيراننا وزملائنا، ونستطيع أن نكلمهم وأن نتعرف عليهم، ولو أن كل واحد منا مر ودخل البنك ووعظ، أو نصح أو ذكر أو أعطى كتيبات وبين الحق فإنه سيجد القبول، وأيضاً- نجد أنه يؤخذ منه الكتيب، أو الفتوى من فتاوى العلماء التي يعطيها لهم ليقيم الحجة عليهم، فهذا بالنسبة لواجبنا، أما واجب هذا الأخ الكريم فإنه يجب عليك -يا أخي- أن تجتهد من اليوم، ومن هذه الساعة أن تبحث لك عن عمل، فإن كنت تستطيع أن تعيش من غير دخل هذا البنك، فلتكن استقالتك منه غداً.

стр. 1229

الدعايات والإعلانات المعلقة في الشوارع السؤال فضيلة الشيخ: ما قولكم في الدعايات التي تعلق في الشوارع؟ الجواب إن ما ذكر في السؤال ليتنافى مع تعظيم شعائر الله، فالدعايات التي تعلق في الشوارع كعطر الأنوثة -التي سماها الأخ- العطورات، والإكسسوارات إلى آخر ما ترون من أمور تتنافى مع تعظيم شعائر الله في هذا البلد، وكذلك المجلات الخبيثة التي تباع في هذا البلد الطاهر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهذه الأمور كلها تتنافى مع تعظيم شعائر الله.

стр. 1230

واجبنا تجاه ديننا في هذه المادة تحدث الشيخ حفظه الله عن قوة المسلمين لما تمسكوا بدينهم، وضعف جانبهم لما تغيرت نفوسهم، وتنكبوا شريعة ربهم، داعياً المسلمين بأن يعودوا لدينهم، وأن يكون العمل على رفعة شأنه هو همهم الأكبر، وأن يزيلوا عنه ما ألصقه به أعداؤه من تهم وشبهات عبر توفير المراكز المتخصصة لتخريج من يدافعون عن دينهم عبر وسائل الإعلام، وعن طريق الدراسة لهذه الشبهات والرد عليها بمنهجية صحيحة وواضحة.

стр. 1231

رحمة للعالمين إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله ﵎ أرسل محمداً ﷺ لهذا العالم الذي كان يموج بالجهالات، والضلالات، والفتن، والبدع، والخرافات، والظلم، واستعباد البشر، والطغيان الذي بلغ ذروته عند بعثته ﷺ ، فأرسل محمداً بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أرسله الله ليقول للعالم: إن هذا الدين جاء لينسخ ما قبله، وأنه للناس كافة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ:٢٨]. وليقول لهم: إن الظلم والبغي والعدوان والطغيان وعبودية البشر من الأباطرة والملوك والأحبار والرهبان فكل ذلك قد انقضى زمانه، وولَّى على عقبيه بظهور شمس الهدى والتوحيد، وأعلنها صريحةً للعالم كله، أنه ﴿إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله﴾. أرسله الله ﵎ ليُحرر البشر من الأغلال التي رانت عليهم، ومن الشهوات التي أبعدتهم عن الله، وأنستهم اليوم الآخر، ومن الضلالات والدجل الذي تعوده قطاع الطريق إلى الله، فإذا أرادت الأمم والشعوب أن تهتدي إلى الله جاء قطاع الطريق ليقطعوا عليهم ذلك وليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم، فجاء مُحطِّم الطواغيت ﷺ ليعلم الناس -جميعاً- أنه لا كرامة للإنسان إلا بالإسلام، وأنه لا خير ولا حرية ولا فلاح للبشرية إلا بالإسلام، وأن كل دين قبله باطل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]. بعثه الله في هذه الأرض التي اختارها واصطفاها منذ أن أرسل إبراهيم ﵇ وأمره ببناء هذا البيت العتيق، لتكون هذه الأرض مهوىً للأفئدة، مهبطاً للخير والحق، ومنبعاً للنور، ومشرقاً له في أنحاء العالم والمعمورة جميعاً.

стр. 1232

هذا الدين شاء الله أن يُحدث احتكاك وصراع بين هذه الحضارة وبين هذا الدين في كل أنحاء العالم، وهذا الدين بفضل الله ومنته هو الحق، إذ كلما غزاه الأعداء قوى واشتد ودخل إلى قلوبهم، جاء أجدادهم الصليبيون وغزوا العالم الإسلامي، وبقي منهم الكثير في بلاد الشام والعراق ومصر وغيرها مؤمنين بهذا الدين، ومن عاد منهم إلى أوروبا عاد وقد حمل قبساً من حضارة الإسلام، وجاء التتار واجتاحوا العالم الإسلامي، ثم كانت النتيجة أن دخلوا في دين الله أفواجاً، وهم إلى الآن من جملة المسلمين. وفي هذه المرة نرجو الله ﵎ أن تعود الكرَّة، وأن يغزو هذا الدين قلوبهم، لأنه الحق، وفطرة الله التي فطر الناس عليها وأن يغزوَ قلوب العالمين أجمعين.

стр. 1233

وجوب الدعوة إلى الله هذه الخاصية العجيبة لهذا الدين -وهو أنه يغزو القلوب- لا تعنينا، ولا تعفينا من أن نقوم بواجبنا في نشره والدعوة إليه، والله ﵎ لو شاء لآمن الناس كلهم جميعاً، ولكنه ابتعث محمداً ﷺ خيرَ خلقه وأفضلهم وأكرمهم على الله- ابتعثه وعانى ما عانى في بدر وأحد والأحزاب، وتبوك، وغيرها لكي يقام هذا الدين وينتشر. فإذا كان النبي ﷺ فعل ذلك فنحن أتباعه ولا بد أن يكون لنا جهد ودور وبذل في نشر هذا الدين، فصاحب المال بماله، وصاحب العلم بعلمه، وصاحب الوجاهة بوجاهته وكلٌّ بقدر ما أهله الله ﵎. فإن الله إنما ميَّزنا وشرَّفنا وفضلنا بهذا الدين، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: [[نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله]]، فهذه الشعوب التي جاءت إلى هذه البلاد إنما جاءت من أجل الدنيا، لا تحبنا ولا تعظمنا ولا تنظر إلينا إلا بمقدار ما تنال من كسب مادي في بلادنا، أما ما عظمنا الله وشرفنا به على العالم، فهو هذا الدين الذي لا تملكه أية قوة، ولو أن هذا الدين -بخلوده وعظمته وقيمه- يُشترى بالمال، لاشتراه الغرب، ولاشتراه الأمريكان، أو لاشترته أية أمة من الأمم التي تلهث الآن وتبحث عن مبادئ وقيم تعيش عليها.

стр. 1234

نقمة الكافرين على المسلمين ولكن لما كان هذا الدين من عند الله، ومنعهم الكبر، والحسد، والحقد على هذا الرسول ﷺ ، لأنه من ذرية إسماعيل، واليهود والنصارى حاقدون وناقمون وساخطون على الله ؛ لأنه لم يبعثه من ذرية إسحاق، فهذه قضية يجب أن نعلمها جميعاً، ولذلك ذكر الله في سورة الجمعة: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢]، فهذه ملة الإسلام. ثم ذكر بعد ذلك -مثلاً- للذين من قبلنا -اليهود والنصارى ولا سيما اليهود- وضرب مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، لأنهم لم يقوموا بأمانة الكتاب، فنقل الله ﵎ النبوة والاصطفاء إلى فرع إسماعيل ﵇، فكان محمد ﷺ ، وانتقلت الأرض المباركة - أرض الأنبياء - من بلاد الشام إلى هذه البلاد الطاهرة المقدسة، ومنذ ذلك الحين والشرق والغرب يحسدوننا على هذا، كما قال تعالى: ﴿حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]. وذكر الله ﵎ هذه العداوة وهذا الحسد، وحذَّرنا منه في آيٍ كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة:١]، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [النساء:١٠١]، ويقول : ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة:١٢٠]، ويقول تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧]، ويقول تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]،ويقول تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة:١٠٥]، إلى آخر الآيات. فالآيات كثيرة جداً، ولعل المقام يطول بنا لو استطردنا فيها وفي تفسيرها، وكلها تدل على أن هذا العالم الغربي ينقم على هذه الأمة. وهو الذي دفع بعضهم -بدون استحياء أو تورع- أن ينشر هذا الدين الممسوخ الباطل في بلاد التوحيد، وعلى مسافة قليلة جداً من بيت الله الحرام الذي بناه إبراهيم ﵇ ليوحد الله وحده لا شريك له. فلا بد لنا -ونحن على الدين الحق- من أن ندعو هذه الآلاف المؤلفة الذين هم بين جاحد بوجود الله أو عابدٍ للمسيح ﵇ الذي جاء ليقول لقومه: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم:٣٠]، ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران:٥١]، فكل هؤلاء أتوا إلى هذه البلاد، ولتقصيرنا وانشغالنا بدنيانا وإهمالنا لديننا، طمع أولئك المنصرون أن ينصروهم في بلادنا! فتجد أن الذي يأتي من كوريا أو تايلاند أو الفلبين إلى هذه البلاد يظل عشر سنوات أو أكثر ولا يحدثه أحدٌ عن الإسلام ولو بكلمة واحدة! ولكن الأمريكي أو الألماني من الممكن أن يحدثه، عن الإنجيل، والصليب وعن الدين الباطل، الذي لا يجوز أن ينشر في هذه البلاد، ولا في أي مكان في العالم لأن الله ﵎ أرسل المسيح ﵇ إلى بني إسرائيل فقط كما قال تعالى: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيل﴾ [آل عمران:٤٩]. وفي الأناجيل الموجودة الآن، أن امرأةً سورية جاءت إلى المسيح ﵇، وقالت: 'يا روح الله! اهدني أو علمني، فقال لها المسيح ﵇: أيتها المرأة أأنت من بني إسرائيل؟ قالت: لا أنا سورية -الأناجيل تختلف- فقال: إنما بعثت إلى خراف بني إسرائيل الضالة'. فهو يقول لها: أنا لم أبعث إلى الفينيقيين ولا إلى السوريين فضلاً عن الروم! ولكن هؤلاء وبعد أن حرفوا دينه، وجعلوه ديناً عالمياً ويُستنفرون في نشره ويبذلون المليارات لمئات الجمعيات بل للآلاف من الجمعيات، وللمعاهد والكليات، والمستشفيات، والمطارات، والمنشئات في جميع أنحاء العالم، فضلاً عن الإذاعات، واستخدام شبكات التلفزيون عن طريق الأقمار الصناعية، كل هذه الجهود لنشر هذا الدين الباطل المحرف، الذي لم يجعله الله ﵎ ديناً للعالمين في الأصل. ونحن -مع الأسف الشديد، أقولها بكل ألم ومرارة- لم نفعل مثلهم إلا بعض الجهود المباركة -التي سيعزها الله تعالى، لأنه قد تأذن أن يعز من أعز دينه.

стр. 1235

الاهتمام بالدعوة لهذا الدين إنَّ الواجب علينا أن تكون مراكزنا مناراتٍ عليا في كل بقاع العالم، ونحن أولى بـ اليابان وبـ كوريا وبغيرها من المنصرين الغربيين، نحن أولى بـ الهند، أن تكون كلها مسلمة، تستضيء بنور التوحيد والإيمان، وهذه صفة هذه الأمة، كما قال الله عنها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ولكنا لما تخاذلنا ووصلنا إلى الصفر، غُزينا في عقر دارنا، وقد قال علي رضي الله تعالى عنه: [[ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا]] وهذا من الذل والهوان، إننا نحتاج إلى جهد جماعي إلى جانب الجهود الفردية، نحتاج إلى الإخلاص، وإلى القلوب الصادقة، إلى التضحية ولو بدرهم ولو بساعة من الوقت لوجهه الكريم وهو الذي يبارك هذه الجهود. ولا شك أن الأمة -في مجموعها- قصرت في هذا الواجب العظيم -الجهاد والدعوة- فاحتجنا إلى أن نأتي بمثل هذه الحلول المؤقتة لأن الأصل أن لا يدخل في جزيرة العرب كافر على الإطلاق، ورسول الله ﷺ أجلاهم وأخرجهم وما بقي إلا قلة من يهود خيبر ونصارى نجران، فأوصى عند موته بأن يخرجوا مع أنهم من أهل هذه الجزيرة وسكانها، وقال: ﴿لا يجتمع في جزيرة العرب دينان﴾ فأجلاهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم يبق فيها إلا مسلم. حتى إن عمر رضي الله تعالى عنه لما احتاج المسلمون إلى بعض بضائع الروم والقبط وغيرها، جعل لهم ثلاثة أيام يأتون بظاهر الحرة في المدينة، بعيداً عن الحرم، ويبيعون لمدة ثلاثة أيام ثم يرحلون ولا يعطون إقامةً دائمة في هذه الجزيرة؛ لأنها جزيرة الإسلام والتوحيد. فنحن تهاونا بإدخالهم، ثم تهاونا في دعوتهم، ثم أصبحنا في بلد الإسلام نشكو أن مدراء بعض الشركات والمصانع غير مسلمين! وما أوصلنا إلى ذلك إلا ذلنا وضعفنا وهواننا وتخاذلنا - مع الأسف الشديد - وإلا فهؤلاء كان الواجب أن لا يدخلوا أصلاً، فإن دخلوا للضرورة، فبذلة ومسكنة لا أن يتحكموا في نشر دينهم، أو أن يسيطروا على وسائل إعلامية عظيمة جداً، حتى إن الإذاعات باللغة العربية تذيع وتبث على المنطقة في الصباح وأحياناً في المساء رسالة يقرءونها من رجل يقولون: إنه كان طالباً في المدينة، وتعلم فيها ثم انتقل إلى مكة، ثم بعد ذلك تبين له أن هذا الدين باطل -يعني: دين الإسلام- ثم راسل جمعيته وأرسلوا إليه الكتاب المقدس، ثم اهتدى للدين الصحيح، -يعني النصرانية - فيبثون هذا علينا، وغيره من الأباطيل. فلا بد علينا من أن نستفيد من هذه الهمم والجهود، ولا بد علينا من إنشاء المراكز الإدارية التي تدعو للخير، وعلى أصحاب المصانع أمانةٌ كبرى في مقاومة الشر، ونشر الخير بين المؤمنين، فالمسلم يحتاج إلى أن يُعلَّم دينه، لأنه قد يأتي وفيه بعض العادات السيئة والأخلاق الذميمة فيعلم وإلا فلا يصلح أن يأتي إلى هذه البلاد! فالكافر من باب أولى، بل هناك نصوص في تحريم دخولهم، فإذا كان دخولهم مفروض علينا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لكن لا بد أن نُذكِّر بالأصل. وأن الواجب علينا أن نبذل جهدنا بدعوتهم، وأن نتعاون -جميعاً- في ذلك، وأن نفتح مراكز في شركاتنا ومصانعنا للدعوة إلى الإسلام، وأن نستفيد ممن يجيد التكلم بأكثر من لغة، والحمد لله يوجد في جامعة أم القرى مدرسون وطلاب يجيدون لغات عدة وهم من أكثر من أربعين دولة منهم الإخوة الذين أسلموا حديثاً.

стр. 1236

مثال لقوة تأثير هذا الدين في الأشخاص كان رجلاً يتقاضى شهرياً ما يقارب خمسة وعشرين ألف ريال، مع سكن وسيارة وتهيئة كاملة، كل ذلك ليصبح قسيساً كبيراً في بلادهم -في إحدى جمهوريات إفريقيا الوسطى زائير - ثم شاء الله ﵎ أن يذهب إلى روما، ليتمكن في الدين أكثر وأكثر، لكنه اكتشف أن الدين الذي هو عليه كذب، وأنها مؤامرات كما ذكر الله ﵎ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:٧١]، مؤامرات ضد الإسلام! فرأى أن الكل يعلمون أن الدين الإسلامي هو الحق، وكلهم يعرض عن فكر رسول الله ﷺ ، وإذا ناقشهم فيه وفيما جاء في الكتب عنه يعرضون ويتعجب، حتى اطلع بنفسه على المكتبة القديمة، ووجد الأناجيل القديمة، تصرح بذكر محمد ﷺ ، وأن الله تعالى سيبعثه من أرضٍ ذات نخلٍ بين حرتين، وأن صفته كذا ولونه كذا، وخاتم النبوة بين كتفيه، وأشياء عجيبة جداً، فما ملك إلا أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله في الفاتيكان! ثم جاء إلى هذه البلاد، ويريد أن يتعلم اللغة العربية وهو يعطى الآن مكافأة خمسمائة ريال. لكن الكنيسة لم تتركه، بل أرادت أن تفتنه في دينه بمقارنة حالته الأولى وما كان عليه من النعيم والأموال وحاله بعد دخول الإسلام، لكنه ثابت مقتنع. فهذا عرف الحق لما رأى الدلائل عليه، وما لتلك الدلائل من قوة فقد ثبت على هذا الدين.

стр. 1237

من أجل دعم هذا الدين وللحاجة الشديدة العظيمة للناس بمعرفة الحق، ولمعرفة صدق نبوة محمدٍ ﷺ رأينا أن الواجب علينا أن نسهم بنشر كتابٍ يقضي على شبهات أعداء الله وأعداء الرسول ﷺ -من أهل الكتاب- قضاءً مبرما، وجواباً محكماً، وهو كتاب شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، وهو أربعة أجزاء، وقد يصل إلى ثمانية مع الشرح والتعليق، لأننا لا بد أن نتعرض للنصرانية بعد شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، وحالها المعاصر، وفرقها وما إلى ذلك، فهو عمل ضخم جداً ونريد أن نفرغ له مترجمين يترجمونه إلى كل لغات العالم، إذ لا تكفينا لغة ولا لغتان ولا عشر، لأنههم ترجموا الإنجيل إلى ألف ومائتي لغة، فهو عمل يستقطع من الجهود، والنفقات، والتكاليف، والأعباء الشيء الكثير، فإذا أخذنا نموذجاً واحداً فقط وهو ترجمته إلى اللغة الإنجليزية بعدد لا يقل عن خمسمائة ألف نسخة؛ لأن لدينا أكثر من عشرة آلاف جامعة وكلية في أمريكا وأوروبا، يجب أن يصل إليها الكتاب مجاناً، ولا يقل عن نسختين أو ثلاث لكل منها، فإن المبلغ قد يصل إلى ثلاثين مليوناً! وهذه للغة واحدة فكيف ببقية اللغات؟. فهذه جهود تحتاج إلى عمل، وتضحيات وبذل، وهذا دين الله، وهذه أمانتنا، ويجب أن نضع هذه الأمة أمام مسئوليتها سواءً كانت حكومات أم شعوباً، أم شركات، أم مؤسسات، أم عمالاً، بل أي إنسان مسلم ينبغي أن نقول له: هذا دينك، إما أن تقوم بنشره وبدعمه وبكل ما تستطيع، وإلا فاعلم أنك أخللت بواجبٍ عظيم! إننا لم نخلق لنجمع المال ونشرب الشراب ونطعم الطعام ونترفه كما نشاء، خلقنا لأمر أعظم من هذا كله، فهذه وسائل نعيش بها، لكن خلقنا لنكون داعين إلى الله ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. فلا يحقرن أحد منا جهده، لا بد أن نتعاون جميعاً، وأن نبدأ بالعمل، -والبدايات دائماً صعبة وشاقة ولكنها بإذن الله هي التي تكسب في النهاية- وهذه الأعمال لها أجر عظيم كما أخبر النبي ﷺ : ﴿من دعا إلى هدىً فله أجره وأجر من عمل به إلى قيام الساعة لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة فعليه وزرها ووزر من عمل بها﴾ نسأل الله العفو والعافية. فنريد -جميعاً- أن نحيي هذه الأمة، ونوقظ فيها روح الإيمان والتضحية، وأن تعرف عظمة دينها وعظمة رسولها ﷺ ، وتحس أن واجبها كبير، وأنها هي التي ائتمنها الله على هذا العالم بقوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣].

стр. 1238

إشعال حماسة الدين في الناس أجمعين فلا بد أن نجعل المرأة العجوز، والشيخ الكبير، والغلام الصغير، وكل إنسان في المجتمع يشعر بواجبه كما شعر أجدادنا بواجبهم من قبل، وقبورهم شاهدة عليهم، فهذا أبو أيوب الأنصاري في القسطنطينية، وبعضهم في بلاط الشهداء في فرنسا، وبعضهم في خراسان، فهم خرجوا بأموالهم وأنفسهم يدعون إلى الله، وينشرون هذا الدين، فأعزهم الله وأظهرهم وأورثهم الأرض، وهذا فضل الله القائل: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]. فلو أن الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- أرادوا أن يسابقوا الروم أو الفرس في الحضارة والصناعة والتقدم متى يلحقوا بهم؟ لكنهم أتوا من أقصر الطرق، من باب الهداية، فلما أتوهم من هذا الباب أورثهم الله حضارة أولئك القوم، وجاء ملوك الروم والفرس مصفدين في الأغلال مقيدين إلى مائدة رسول الله ﷺ عبيداً لهؤلاء القوم، لما قالوا: لا إله إلا الله بحق وبيقين، ولما آثروا الآخرة على الدنيا، جاءتهم الدنيا راغمة، حتى كان الرجل يخرج بصدقته فلا يجد من يأخذها منه. وقد وقع ذلك في أيام عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، لكنا لما أردنا الدنيا، ما استطعنا أن ننافس أمريكا اليوم، أو حتى ولاية من ولاياتها حتى ما عندنا من مصانع وأشياء. ففي الغالب أن كثيراً منها قد استورد استيراداً منهم! فنحن نسابق بطريق طويل، ولدينا طريق أسهل وأقل تكلفة، ولكنه أعز وأشرف وأعظم وهو اللائق بهذه البلاد. لا نقول: أقفلوا المصانع، ولا تأخذوا من الحضارة المادية شيئاً، بل نحن أولى بها، لكن يجب أن نعلم الحكمة من خلقنا، ويجب أن تسخر هذه الجهود وهذه الإمكانيات لخدمة ديننا، ولا نقدم عليه شيئاً، فإذا تعارضت دنيانا مع الدين فإننا نقدم الدين، فالأصل الدين؛ والدنيا تبع له، فإذا كنا كذلك فإن الله لن يضيعنا، ولن يخيبنا، فسوف ننال السعادة والراحة والطمأنينة في الدنيا والآخرة، وأما من أعرض عن هذا الطريق، فإن الله ﵎ أخبرنا عنهم فقال: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكا ً) [طه:١٢٤]، والله إنهم ليعيشونَّ المعيشة الضنك من الجرائم، والمخدرات، والانهيارات، والدمار الخلقي، وما لا يدخل تحت الحصر من سوء الحياة والمعيشة. ثم لنا عليهم الفضل عند الله في الجنة، -وهي أعظم شيء- فالجنة هي الثمرة التي بايع النبي ﷺ أصحابه الأنصار ليلة العقبة عنها، قالوا: وما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم الجنة، قالوا: ربح البيع، لا نقيل، ولا نستقيل، في الجنة موضع سوط أحدنا -كما أخبر النبي ﷺ خيرٌ من الدنيا وما فيها، وخير مما طلعت عليه الشمس. نحن الآن نتنافس ونتسابق على مساحة من الأرض قد تكون مائة ألف متر، أو مليون متر، لكن موضع السوط الذي هو خير من الدنيا وما فيها قليل من يتنافس من أجله، نحن الآن نتنافس على المشروعات التي تنتج بعد سنة ربح (٢٠%)، أو (٣٠%) لكن الجنة التي أخبر النبي ﷺ عنها أنها قيعان وغراسها ذكر الله، فإذا قلت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، كان لك بكل كلمة من هذه الكلمات غرس نخلة أو شجرة في الجنة مثمرة، وليس كزرع الدنيا مع قلة من يشمر لها. ولذلك يقول الله ﵎: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، فالمال، والمؤسسات، والشركات، والثروات زينة الحياة الدنيا. ثم يقول: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاًً﴾ [الكهف:٤٦]، جاء في الحديث تفسير لمعنى الباقيات الصالحات أنها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهي خير من الملك، والوزارات، والشركات، وخير من الثروات، ولا تتعارض معها، لكن اجعل مع هذا المال الذكر كما أوصى الله ﵎ وبيَّن في وصية العباد الصالحين الذين نصحوا قارون فقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]، هكذا ينبغي أن يكون الإنسان المسلم في ماله. وبين في آية أخرى، فقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢]، فالله تعالى لم يُحرمها على عباده المؤمنين، لكن يجب أن نسخرها لخدمة الخير والحق. أسأل الله أن يجعلنا ممن يعز به هذا الدين، وأن يجعلنا جنوداً لدعوته وخُدَّاماً لدينه، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1239

نقاط حول الصحوة تكلم الشيخ حفظه الله في هذه المادة عن أهمية هذه المرحلة التي تعيشها الصحوة الإسلامية، في ظل المتغيرات التي تشهدها الأمة الإسلامية، مبيناً بعض الأسباب التي كان لها دور في التدهور الذي لحق بالمسلمين، وموضحاً ما تبع ذلك من المد الرافضي وأثره على الدعوة الإسلامية، مختتماً حديثه ببيان ما يجب على شباب ودعاة الأمة في هذه المرحلة.

стр. 1240

أهمية الموضوع إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا, إنك أنت العليم الحكيم. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه, واجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهك الكريم. أما بعد: فلا يخفى على أحد أن أمر الدعوة إلى الله هو أهم أمر يجب أن يشغل بال المسلم بعد همه، بأن يكون في نفسه وأهله وخاصته مستقيماً على أمر الله , ولا يكون لك ذلك إلا بالاهتمام بأمر هذه الدعوة، وقد كان الإنسان عندما يتحدث عن أمر الدعوة, إنما يريد المحيط الذي يعيش فيه -المسجد وما حوله- ولكننا في عصر أصبح الكلام فيه كلاماً عن الواقع العالمي كله شئت ذلك أم أبيت. إن الأحداث العالمية أصبحت تترابط, وإن الواجب الكبير الذي غفلت عنه الأمة الإسلامية بالنسبة للدعوة إلى الله ليحتم على كل من يستطيع ولو بشيء من التذكير أن يقوم بهذا الواجب, ومن هنا فإن طابع الحديث عن المرحلة المعاصرة للدعوة، سيكون طابعاً شمولياً لا يتحدث عن بيئة معينة، ولا عن وضع بذاته. وإنما ننطلق جميعاً من أسس واضحة، وحول قضايا عامة لا تهمنا وحدنا بل هي الآن وحتى هذه اللحظات محل دراسة الشرق والغرب، ومحل اهتمام كثير ممن نعلم ومن لا نعلم. ونحن وإن كنا -شباب الإسلام- في غفلة عما يراد بنا وعما يخطط لنا, فإن العالم من حولنا ليس غافلاً عنا, وإنما نحن نعتصم بحبل الله ونحن نتوكل عليه ، ونحن كلنا نثق بأن الله سوف ينصر هذا الدين, ويظهره على الدين كله ولو كره الأعداء من الكافرين والمنافقين والمجرمين والمرجفين. هذه المرحلة التي نعيشها وتعيشها الدعوة هي أخطر مرحلة مرت بها في التاريخ الحديث. ونحمد الله أن تاريخنا دائماً مرتبط بالدعوة، فإن افتتاح الدعوة في العصر الحديث يبدأ بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ ويبدأ تاريخنا الحقيقي في حياتنا كلها دائماً بالدين والدعوة وبتاريخ الإنسانية وبآدم ﵇، وهو نبي من عند الله، وكان على التوحيد هو وأبناؤه عشرة قرون, ثم الأب الثاني نوح وهو أول الرسل, ثم محمد ﷺ الذي يبتدأ تاريخ هذه الأمة به.

стр. 1241

مرحلة مهمة في حياة الدعوة ونحن في عصرنا الحديث يبتدأ تاريخنا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، إلا أن الحقبة المهمة جداً التي يجب أن نتعرض لها ونكثر الحديث عنها -وكم يضيق الوقت دائماً عن استكمال جوانب مهمة من مثل هذه الموضوعات- هي الحقبة التي نعيشها الآن، والتي نرى آثارها في واقعنا المعاصر ونسمع أصداءها, بحيث إنك لو قرأت مجلة أو جريدة أو فتحت أي إذاعة في هذه الأيام تجد ما يدلك على هذا. هذه هي مرحلتنا، ولحساسيتها ولقلة الكلام فيها يجب على من يستطيع أن يبين ولو شيئاً من المعالم حتى يبرأ إلى الله بأنه قد قال، أو أنذر، أو حذر. ونحن -أيها الإخوة- نعيش بلا ريب صحوة إسلامية مباركة, وهذا فضل من الله بكل المعايير وبكل الموازين مهما تكالب الأعداء فهي يقظة عجيبة, وهي رجوع لم يكن أحد يتوقعه ولا يحسب حسابه, وهذا فضل من الله . وللبداية الحقيقة لتقريري هذا أفصل في هذه الصحوة المباركة:

стр. 1242

حرب ٦٧م آثار ونتائج نبدأ من نقطة مهمة، حيث لا يجوز أن نغفل عنها، وهي الهزيمة التي حلت بالأمة العربية بعد العدوان اليهودي عليها في حرب صفر عام (١٣٨٧هـ) أو ما يسمونه حرب يونيو (١٩٦٧م) أو نكسة حزيران, أو النكبة، وغيرها من هذه المصطلحات. المهم بعد هذه المعركة بدأت هذه المرحلة, وهنالك سقطت الأصنام وانكشفت الجيوش, وهنالك حطمت التماثيل التي ضل الناس يقدسونها ويعبدونها ليل نهار، كـ الاشتراكية، والقومية، والمزاعم التي جعلت الإسلام يقترن بالرجعية في أذهان أكثر الأمة. فمكر الليل والنهار الذي كان يعمل دائماً حتى أوصل إلى القروي والفلاح، وإلى الرجل الذي في البادية أن الإسلام رجعية وتأخر، ولكن حلت الهزيمة وكانت معها اليقظة، وهذه سنة الله تعالى في هذه الأمة، فقد تعرضنا لذلك في محاضرات سابقة وقلنا: عندما تسقط الأمة إلى القاع تبدأ في الارتفاع، وهذه السنة في الحروب الصليبية وفي هجمة التتار، ثم في هذه الهجمة الجديدة استيقظ المسلمون -والحمد لله- وبدأت التباشير في الدعوة إلى الله تعالى من كل مكان. فكانت العودة في أول أمرها عامة مجملة, وهذه الكتب بين أيديكم التي ألفت في تلك الفترة تتكلم عن الإسلام في عمومه, وتتحدث أنه لا خلاص للإنسانية إلا بالإسلام، وأنه لا حضارة تعادل حضارة الإسلام، وأنه يجب على المسلمين أن يرجعوا إلى الإسلام، وبعد ذلك لا تدخل في التفاصيل في الغالب، إنما هي دعوة عامة إلى إسلام عام لأن المرحلة مرحلة بدائل، أهي الاشتراكية التي طبلوا وصفقوا لها طويلاً أم هو الإسلام؟! فكانت الدعوة في تلك المرحلة تنادي بالإسلام مجملاً دون تفصيل، ولعل هذا يفسر ولا يبرر أبداً الضعف العلمي الذي انتاب الدعوة تلك الفترة, فكان علماء الدعوة أعني على مستوى العالم الإسلامي كله, وإلا فالحمد لله في هذه البلاد علماؤها كما ترون بقية من السلف ادخرهم الله ﵎ بفضله وكرمه ومنَّه لنا، وهذه نعمة من الله، ولكن على مستوى العالم، الضعف العملي بادٍ فيهم, فالشباب يتلقى أموره الدعوية من مشايخ ومن دعاة, ولكنه إذا أراد أن يستفتي، أو أن يبحث عن أمر فقهي، أو أي حكم شرعي, فإنه يذهب إلى العلماء الذين يعادون هذه الدعوة, أو من يسمونهم علماء، وهم ليسوا عند الله ﵎ كذلك، وهذا الضعف -مع الأسف- لم يتنبه إليه, ولم يتلاف بل أثمر وأنتج في الزمن الذي بعده، وأعقب نوعاً من الانتكاسة، وأمراضاً يجب أن تستأصل, ولعلنا نأتي للحديث عنها فيما بعد إن شاء الله. فكانت البداية عامة مجملة ثم جاءت أحداث عظيمة، وأراد الله أن يهز الأمة هزاً عنيفاً قوياً, وكان الحدث الكبير -إن صح التعبير- هو ثورة الرافضة.

стр. 1243

الأحداث المتوالية على الأمة الإسلامية الحدث الأول: الذي حدث هو: ثورة الرافضة التي لا يخفى عليكم الزخم الإعلامي الهائل عند قيامها، وكانت امتحاناً عسيراً وصعباً في مقدرة الدعوة الإسلامية على مواجهة الحقائق, وغض النظر عن العواطف والانفعالات, ولم يصمد أمام هذه العاصفة الهوجاء إلا قلة قليلة ممن كانوا يعرفون منهج السلف الصالح ويتبعونه، ويزنون كل حركة وفرقة بميزان السلف الصالح. انساقت الدعوة الإسلامية كلها -تقريباً- بزعمائها ودعاتها وراء تأييد هذه الحركة. وليس المقصود أن نتهم ولا أن نجرح أحداً, بل المقصود أنها مرحلة مرت, ولكن يجب أن نأخذ منها من العبر. هذا هو المهم, وأرجو أن يُفهم ذلك إن شاء الله فقد كان امتحاناً عسراً، ولم تكتشف لكثير من علماء الإسلام حقيقة هؤلاء. والعبر التي كان يجب أن يتنبه لها من أول الأمر لم تكتشف إلا بعد سنوات -مع الأسف- بل لا يزال بعضهم إلى هذه اللحظة لم ينكشف له هذا الزيف، وهذه هي المصيبة في الواقع. فالتآمر المجوسي اليهودي النصراني الشرقي والغربي على السنة وعلى أهل السنة وعلى الإسلام الحقيقي، لا تنسي هذه المعركة وهذا التآمر في زحمة وعنفوان العاصفة الهوجاء، فالأمر لم يتبين على الأقل، ولم يبحث، ولم يتأمل فيه, وهي مشكلة تعاني منها الدعوة، وللأسف أقول: ولا تزال. الحدث الثاني: ثم كان الحدث الآخر وهو: دخول الشيوعيين المجرمين واحتلالهم لأرض أفغانستان مقبرة الغزاة. ولا نعني بها أن الروس احتلت دولة إسلامية فقد احتلت بلاداً غيرها. لكن الذي حصل في القضية الأفغانية: هو أن الأمة لأول مرة يرتفع فيها صوت ينادي بكلمة الجهاد لأجل إعلاء كلمة الله ، قبل ذلك لم نكن نسمع ذلك, بل كان عندنا منظمات التحرير, والمطالبة بالاستقلال، لكن الكلمة الشرعية لا تراد ولا تسمع، والهدف الشرعي لا يراد ولا يسمع, ولذلك تجاوبت الأمة شرقاً وغرباً لكلمة: الله أكبر، ولكلمة الجهاد، وإذا بها تلتف بها من كل جهة، بمشاعرها وبعواطفها، وتفوق كل التوقعات, وهذا أيضاً له جوانب إيجابية ولكنه في الوقت نفسه استدعى من أعداء الله تخطيطاً دقيقاً عميقاً. أما المسلمون فكانوا منبهرين من غضبة العاصفة، ولم يحسبوا حساب كل مرحلة، ولم يحسبوا أن القوى الخبيثة تراقب هذا التوجه، وماذا تريد منا بعد ذلك؟ وهل تريد -فعلاً- أن يقوم في هذا البلد أو أي بلد دعوة إسلامية جهادية نقية؟! هذه أسئلة نضعها أمام الإخوة الكرام الدعاة. الحدث الثالث: ثم كانت بعد ذلك المآسي الدامية التي حدثت في بلاد الشام من تدمير مدن السنة الكبرى حماة وطرابلس ومخيمات الفلسطينيين في لبنان , وهذه لم تدمر نتيجة أهداف عارضة عابرة، وإنما لأنها التجمعات الكبرى السنية ولأنها مرتكز أهل السنة , ولأن العدو يخطط تخطيطاً بعيداً, فهو يخطط وأمامه خارطة الحروب الصليبية, أمامه أحداث التتار, وأمامه ما جرى أيام الدولة العثمانية!! وهو يعرف العدو الحقيقي، ويعرف أين يضرب، ومتى يضرب، وكيف يضرب, لكن -مع الأسف- أقول: إن العاطفة، لا تزال هي التي كانت بمواجهة هذه الأحداث, وأضعنا فرصة ذهبية كبرى لا تعوض في تلك المرحلة، إذ كان بالإمكان لو أن معيار المواجهة دائماً هو معيار أهل السنة والجماعة , ومنهج السلف الصالح لتحولت المعركة تحولاً جذرياً في تلك المرحلة, ولكن قدر الله وما شاء فعل، كان في الإمكان أن نقول: إن المعركة بين السنة وبين الباطنية , ومهما قيل عن أعداء الله الذين ذبحوا أهل السنة فإن أحداً لن يستطيع أن يقول فيهم أو يدمرهم ويفقدهم شرعية وجودهم، كما كتب شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية قبل قرون. إنها فتوى شَيْخ الإِسْلامِ في النصيرية , لو أن الأحقاد المذهبية والتعصب لم يحل بينها وبين الناس, ونشرت في عامة الناس في شرق العالم الإسلامي وغربه، ووظفت لخدمة تلك المعركة، وتلك الأحداث لتغير وجه المعركة، ولتغير وجه التاريخ ولما كانت النتيجة تدهوراً هائلاً, الله أعلم متى تجبر هذه المصيبة، نسأل الله أن يفرج عن المسلمين، ويجبر مصائبهم دائماً إنه سميع مجيب. إنما العبرة من هذه المصيبة لا تزال، وهي أننا لأسباب -لا نريد التفصيل فيها- لم نستطع أن نوظف الموقف الذي وقفه علماء أهل السنة في الماضي، بل انشغلنا به في زحمة وخضم المعركة. إن المنهج السليم هو منهج أهل السنة والجماعة , وإن المعيار في الحكم على أي أحد هو معيار أهل السنة والجماعة؛ لأنهم يرجعون إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ . ليس المقياس مقياس أرض فرط فيها، أو خيانة سياسية أو عسكرية، إن هذه الخيانات أعراض لمرض أساسي وهو فساد الاعتقاد. ومهما استطعت أن تقنع الناس بما في خصمك من فساد, فإن ذلك لا يغني شيئاً عن أن تقنعه, وتبين له, أنك أنت على الحق وعلى المنهج الصحيح السليم الذي لا ينحو صاحبه في الدنيا ولا في الآخرة إلا به, وهذا هو خلاصة دعوة الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم، فالأساس في الدعوة هو التركيز على أن هذه الدعوة هي مناط نجاتك أنت أيها المدعو كائناً من كنت في الدنيا والآخرة. وأن الالتزام في هذا المنهج نصر في ذاته, فالتمسك بالحق، والتمسك بدعوة النبي ﷺ ، وبما كان عليه أصحابه هو نصر، بل هو أعظم النصر بغض النظر ِعن أرض خسرناها، أو شهداء قدمناهم، أو معركة نكسبها أو لا نكسبها، هذا هو النصر ولو أشعرت الأمة بذلك وأنير لها الطريق, لكان الحال غير الحال. ثم قدر الله وتلاحقت الأحداث فيما بعد حتى كان الحدث الذي أربك الشرق والغرب، ونقول -مع الأسف-: إننا لم نقدره كما ينبغي حتى اليوم, وكان الواجب علينا أن ننظر إليه النظرة الشمولية التي تجعلنا نوضح ونفيد من كل حدث، لأن هذه أقدار من الله يسوقها لنا ونحن لا ندري, ثم نضطرب كيف ننزلها في معركتنا، وهذا من العجب! الحدث الرابع: وهذا الحدث هو ما يسمى بالانتفاضة، وهي بسيطة جداً بالنظرة التاريخية, وبالنظرة العسكرية والمادية, فالمسألة أن أطفالاً صغاراً يحملون الحجارة في مواجهة دولة يؤيدها الشرق والغرب بالإجماع، كما قال جوربا تشوف في كتابه إعادة البناء ' إننا أول من اعترف بإسرائيل، ونحن الذين أنشأناها '. لا حاجة للكلام عن أمريكا ودعمها السخي لإسرائيل، فالشرق والغرب كله كما ذكر الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] كل الشرق والغرب مع هذه الدولة أو الدويلة وكنا نسميها عصابة حتى صارت إسرائيل الكبرى التي تملك الآن عشرين قنبلة نووية -هذا هو المعروف دولياً- ونحن لا ندري كم الطائرات التي تقاتل على أبعد مدى كالتي ضربت في تونس على بعد آلاف الأميال, وهددت بالضرب في كراتشي أو في إسلام أباد إن صُنعت قنبلة نووية في باكستان والتي ضربت العراق، فالمنطقة كلها تحت رحمتها. وبالنظرة المادية المجردة فإنه لا يضرهم أطفال الحجارة، وهذا ما لم ننتبه له نحن، ولكن الشيطان يؤز أولياءه ليعرفوا خطر هؤلاء. فالقضية ليست حجراً يواجه دبابة ولا صاروخاً ولا سيارة مصفحة؛ فليست هذه هي المسألة، فإن الصواريخ وطائرات الميج, التي كانت الإذاعات تغني "طائرات الميج تتحدى القدر" التي كانت مرتبطة بـ الاشتراكية والقومية والزعامات الشخصية لم تغنِ عنهم شيئاً، بل خانتهم أحوج ما يكونون إليها، أما الحجر فقد خرج من المسجد وانطلق بكلمة: الله أكبر, هذا هو السر, وهذا هو الخطر, مع أ، الحجر لا يحمل رءوساً نووية قطعاً, وليس فيه مواد كيماوية، فهو حجر فقط، لكن العالم كله انتفض وانزعج منه، بل صرح الرئيس الكاثوليكي المتعصب ميتران بأن خطر الانتفاضة قد يعم المنطقة كلها بوباء التعصب الديني سبحان الله!! هذا هو الذي أفزعهم ونحن لم نقدر هذا, ونحن لما رأيناهم انتفضوا واهتزوا -أي: الغربيين- بدأنا نفكر لماذا هذه الانتفاضة يخافون منها إلى هذا الحد؟ وهم الذين أشعرونا أنها خطر وليس الخطر في الحجر، ولكنه من كلمة: الله أكبر وفي المسجد. إن هذه الأمة لو عادت إلى أصولها، وإلى كتاب ربها وسنة نبيها ﷺ ، ولو جاهدت من أجل لا إله إلا الله وإعلاء كلمة الله، فمعنى ذلك تقويض الشرق والغرب، حتى يخسر موقعه، ولهذا كانت الآثار العالمية التي قد لا يصدق بعضهم أنها مترتبة ومبنية على آثار الجهاد الأفغاني، أو على آثار حركة الانتفاضة الفلسطينية وغيرها، كانت هذه المرحلة التي تسمعون عنها هذه الأيام -وما زلنا- هي من أشد مراحل الوفاق، هذا الاتفاق الدولي الكبير، حيث اتحد الشرق والغرب، وتوحدت ألمانيا ليلة عيد الفطر، وأول قرار يتخذه البرلمان بعد توحيده هو إدانة النازية واتهامها بدماء اليهود، فلهذا اتحدت أوروبا الشرقية من أجل إثبات أن النازية مدانة، ولأجل أن تتحمل ألمانيا شرقها وغربها الميزانيات والمليارات لإمداد اليهود، دفعاً لديات الذين قتلوا منهم، مع أنه قد قتل من الأوروبيين في الحرب العالمية أكثر من (٦٠ مليوناً) ولم يدفع ديتهم أحد، حتى افتعلت معارك مع المقابر من أجل إحياء النعرة الدينية، ومن أجل توظيف الصليبية ضد العالم الإسلامي. في ليلة عيد الميل

стр. 1244

كيفية مواجهة الحروب

стр. 1245

واجب الشباب في المواجهة ويهمنا أن نتعرض إلى ما يجب علينا نحن شباب الإسلام، ودعاة الإسلام في هذه المرحلة:- أول ما يجب علينا -وقد رأينا أثره في كل الأحداث- هو الاستقامة على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، هذا الذي به تنتصر الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، وهي سفينة نوح من ركبها نجا ومن تركها غرق، وهي ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه اعتقاداً -وهو أهم شيء- وقولاً وعملاً، وإقامة لأحكام الله في كل شيء، والتحاكم إلى رسول الله ﷺ وإلى سنته وشرعه في كل أمر: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. ومن أخطر أعداء الصحوة واليقظة الإسلامية -شعر أو لم يشعر- هو الذي يريد أن نلتزم منهجاً غير منهج أهل السنة والجماعة وغير منهج السلف الصالح وغير منهج ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، هؤلاء يجب أن نحذرهم بالأساليب المتنوعة بحسب ما نعلم من مقاصدهم وأغراضهم، ولكن في الجملة يجب ألا نستمع لهم أبداً مهما زينوا ومهما زخرفوا، لأنهم بهذا العمل سيفقدوننا. والحقيقة -ونعيدها هنا- أن المعارك السابقة كانت معركة غالب ومغلوب، منتصر ومهزوم، إلا المعركة الحالية فهي معركة وجود أو لا وجود، ومن هنا فالاستماتة فيها لا بد أن تكون نهائية، وليس غريباً ولا خفياً ولا سراً أن تعلموا أن الغرب يخطط بجد وبوضوح للتدخل في الوقت الذي يراه ضرورياً لاحتلال أي بقعة من العالم الإسلامي، لا سيما ما كان مجاوراً لدولة اليهود، وأكثر من (٢٥٠ ألف) جندي أمريكي يتدربون على حرب الصحراء. وقد ذكروا وأعلنوا أن الإنزال الذي تم في بنما إنما هو بروفة لأي إنزال عسكري سريع في أي بقعة من العالم، فالمعركة جدية، ولن ننتصر فيها إلا بالاعتصام بحبل الله والتمسك بهذا الهدى، وهذا يقودنا إلى النتيجة الثانية.

стр. 1246

حقيقة الحرب مع الغرب وهي أن المعركة ليست معركةً مع دولة، أو جماعة، أو حزب، أو أشخاص، بل المعركة مع الأمة الإسلامية بكاملها، ولذلك يجب علينا أن نبعث الأمة الإسلامية بأكملها، ولو استيقظت الأمة فلن يقف في وجهها -ولله الحمد- أي قوة من القوى. وإن مما أفزع الغرب وجعله يعيد النظر في حساباته هو مظاهر الصحوة واليقظة التي أخذت طابعاً شعبياً وجماهيرياً، -وكما يقولون- أقظّت مضاجعهم، فالدعوة الإسلامية في الجزائر عندما أخرجت مئات الألوف من النساء والرجال يطالبون بحكم الله، وبتحكيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولو أتيح للبلاد الأخرى مثل ما أتيح في الجزائر لكانت المطالبة مثلها أو أشد. إذاً: هذه قضية أساسية، يجب أن نوظف ونجند الأمة كلها، ويجب أن نخرج من القوانين الجامدة والتقوقع والنظر الضيق إلى مرحلة يواجهنا فيها الأعداء مواجهة شاملة عامة. فيجب على كل دعاة الإسلام أن يلتفوا أولاً: حول المنهج -كما قلنا - في الفقرة الأولى. وثانياً: أن تكون لهم جهودٌ موحدة، وأن يقدروا الموقف حق قدره، وألا يضيعوا هذه الفرصة ما دامت الأمة؛ والحمد لله عروقاً تنبض، ومادام عندها هذا الاستعداد لأن تستثار، ولتوظيف الحماس والاندفاع في الأمة وفق المنهج العلمي الصحيح.

стр. 1247

الخلافات الداخلية مصالح شخصية وهنا نعود إلى قضية العلم الذي ذكرناها فيما مضى. أليس من المؤسف جداً أننا ما نزال -نحن دعاة الإسلام- نختلف حول قضايا الأسماء والصفات؟ وحول القرآن هل هو مخلوق أو غير مخلوق؟ سبحان الله قضايا انتهي منها!! وقضايا إجماعية لا تحتمل النقاش، فيها اتباع أو ابتداع، ولا تحتمل نقاشاً ولا جدلاً، ومع ذلك ما نزال نسمع من بعض الدعاة من يدافع عن التأويل، ويدافع عن التفويض لأنها عقيدة شيخه أو إمامه أو طائفته، سبحان الله!! فيجب أن نترفع عن مستوى هذه الخلافات، وأن نعد لمواجهة شاملة وعامة، ولن ينصرنا الله فيها إلا بعودة صادقة إلى ما كان عليه السلف الصالح في الإيمان، والاعتقاد، والعبادة، وفي حب الشهادة في سبيل الله؛ وترك وكراهية الدنيا إذا أغرتنا الدنيا وأغفلتنا عما يقربنا إلى الله . ولذلك فالعلم الشرعي مطلوب، ولن يقود الدعوة في مرحلتها المعاصرة إلا علماء ربانيون، أما قيادات المحترفين بالسياسة فقد انتهى دورهم، والأمة لن تسلم لهم الراية.

стр. 1248

الخطر القادم الأمر الرابع: أن نحذر الفخ الجديد الذي ينصب الآن لاحتواء الصحوة الإسلامية، ويجب أن نقول ذلك، ولقد تعرضت في محاضرة سابقة كان عنوانها العلمانية في طورها الجديد لهذا الاتجاه ولخطره. ففهمت على أننا نتعرض لبعض الدعاة، سبحان الله!! يا قوم! أنتم في وادٍ ونحن في وادٍ، والمسألة أكبر من أن فلاناً ذكر فلاناً أو علاناً والمسألة أكبر من أشخاصنا جميعاً، والمسألة أن فخاً كبيراً ينصب فيه شراك وتوضع لاحتواء هؤلاء الشباب، وليست المسألة دفاعاً عن فلان ولماذا يذكر فلان؟! وأضرب مثالاً للكلام على الأشخاص: الأستاذ محمد قطب حفظه الله وجزاه الله خيراً على ما كتب، وقدم، وعلى جهده وبذله، أُلف كتاب في الرد عليه وسمي باسمه الصريح في أكثر من مائة موضع، وطبع بآلاف النسخ، ولم يتكلم أحد ويقول: لماذا يتكلم في الدعاة؟ فلما أحرجنا أن نسمي بعض من ينطبق عليه هذه الأوصاف وذكرنا منهم فلاناً وفلاناً والله المستعان. ومع ذلك فنحن نعاهد الله على ما بايع النبي ﷺ أصحابه عليه؛ بأن نقول كلمة الحق ولا نخاف في الله لومة لائم، ونعوذ بالله أن يكون لنا في ذلك حظ أو مطمع شخصي كائناً من كان، نقول: هذا الفخ الجديد ينسج بأيدٍ بعضها أيدي دعاة يشعرون أو لا يشعرون، وبعضها بأيدي مجرمين وهم الأساس، والمهم أن الغاية والهدف من ذلك هو أن تضيع هذه الصحوة، ويتشتت طريقها وتضل سبيلها. ولذلك من يشارك الأعداء في هذا الهدف -بغض النظر عن نيته وهدفه- يجب أن نقول: أخطأت، ويجب أن نقول: لا، ولن نوافقك على هذا، لأننا الآن في مرحلة؛ اليوم الواحد فيها يجب ألا نضيعه، بل ولا دقيقة واحدة، إن الزمن يتسارع ويتقارب والأحداث تتلاحق، ومن العبث أن نضيع أوقاتنا في أن فلاناً تكلم في فلان أو أن فلاناً ذكر فلاناً فالمسألة أكبر من ذلك.

стр. 1249

ندوة حول العالم الإسلامي وبهذه المناسبة أقرأ لكم بعض ما وقع في ندوة كانت في الجزائر بعنوان (ندوة حول قضايا المستقبل الإسلامي) ولاشك أنه أمر يفرح ويسر أن تناقش قضية مستقبل العمل الإسلامي، ويعلم الله أنني فرحت وسررت أن هذه الأمور تناقش على مستوى الدعاة في مرحلة خطرة، وهم يرون الخطر يحدق بهم من كل مكان. وكانت الندوة بعد محاضرة " العلمانية في طورها الجديد" بأكثر من شهرين، وسوف أنقل ما كتب عن هذه الندوة في جزيرة الشرق الأوسط العدد (١٩٤) تاريخ (٢٨/شوال) (٢٣/ ٥م) يقول صاحب المقال: 'في هذه الجلسة التي ترأسها الدكتور حسن عبد الله الترابي -ثم يستمر في الحديث ويقول:- أولاً الدكتور فتحي عثمان يتحدث عن التجربة الإسلامية المعاصرة، والخطة التي تراد لمستقبل الدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي -ثم ذكر الدكتور فتحي عثمان كلاماً طويلاً. وملخص مداخلته هو الدعوة المسددة لعقلنة المشروع السياسي للحركة الإسلامية -يريدون بـ العقلانية والعصرانية معانٍ أخرى لا تخفى عليكم- وجعله يسير في الأرض وإفادته من كافة التجارب الإنسانية، فلا تقول: إن منهج أهل السنة يفيد من دعوة النبي ﷺ فقط، لا، بل وتحقيق الاستفادة من شعبية الحركة وإيجابيتها والنضال السياسي -خاصة في قضية أفغانستان وانتفاضة فلسطين - إضافة إلى المرونة والمعاصرة التي أثبتها في مواقف كثيرة، ويعول الدكتور في نجاح خطته على ظروف الاستقرار الأيدلوجي التي تسود العالم بصفة عامة، والاتجاه إلى الواقعية والاعتدال في العالم العربي خاصة -إلى أن يقول:- وعلى الرغم من ذلك لا بد من التحذير من تجذر النزعة الصفوية التي تظهر بين الحين والحين' أي: التي يطالب بها الدعاة المخلصون للتمسك بالعلماء ومنهج أهل السنة. يقول طارق البشري: 'فيما ذكره الدكتور فتحي عثمان هو التردي والتراجع للعلمانية والقومية، ومرد ذلك هو التأثر بالصراعات الدولية، وفي اعتقادي أن هناك تياراً اصطلح على تسميته بالعلمانيين الوطنيين، هذه المجموعة التي يجب أن نهتم بها ونتعاون ونتحاور معها، لأن العلمانيين فيما مضى وقعوا في أكبر أخطائهم وهي معاداة الحركة الإسلامية، وإنكار بعض الأمور الثابتة للمجتمع -مثل العقيدة- أما هؤلاء العلمانيون الوطنيون فإني أدعو إلى اقتراح السبل الكفيلة بهندسة الطريق، للاستمرار في مسيرتهم التي لا تضرنا كثيراً، وكذلك إخواني المفكرين'. فهل لا حظتم من أين يأتينا الخلل؟ ففي الوقت الذي سفطت فيه الشعارات الزائفة كـ الاشتراكية والعلمانية، والشعوب بالملايين تتحرك في الساحة تنكرها، وتطالب بالإسلام مجرداً عن هذه الشعارات، وإذا بهم يقولون العلمانية الوطنية نأخذها، ثم من يحدد أن هذا علماني وطني، وهذا علماني أمريكاني؟! المهم تضييع بصيرة الصحوة في هذه المرحلة الحرجة. ثم نذكر الشخص الثالث الدكتور: توفيق الشاص حيث يقول: 'أنا موافق على حديث الإخوة بضرورة تبني الأسلوب الفكري لتطبيق برنامج الحركة الإسلامية، بالرغم أنه يجوز لها أن تقاوم عدوان السلطة بالكيفية التي تراها، لكن ما دمنا نريد الحوار مع العلمانيين الوطنيين فلا بد من جهاز فكري يدير ذلك، وأؤيد بشدة اقتراح الدكتور القرضاوي لتكوين اتحاد للكتاب الإسلاميين لاستيعاب الطاقات الفكرية، ويمكن أن يكون الدكتور العوا هو المستشار الفكري على رأس اللجنة التي تعد لهذا الاتحاد ' من أجل ماذا؟ حتى يكون لدينا جهاز فكري للحوار مع العلمانيين الوطنيين؟! وهنا مثال آخر يقول صـ٤٩ـ ' كما تناول الفصل الثاني الشرارة الملتهبة باسم عقيدة السلف، وحتى يدرك المتاجرون بالاختلافات أن الاختلاف بالتوسل وفي المتشابه من آيات الصفات وغير ذلك لا يعد خروجاً على عقيدة أهل السنة والجماعة أو اختلافاً في الاعتقاد '. ثم يقول صـ١١٢ـ: ' والاحتمال الرابع بخصوص الصفات هو تأويل هذه النصوص إلى المعاني التي تحتملها أوجه المجاز المعروفة في اللغة، وبالتالي أولوا اليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] بأنها القدرة، وقد استعمل لفظ اليد مجازاً عنها، وهذا التأويل سار عليه كثير من أهل السنة والجماعة، الذين أرادوا تنزيه الله عن مشابهة خلقه بتأويل هذه الألفاظ وفق معاني اللغة إلى المعاني المقبولة في استعمال الناس ومفاهيمهم وتصوراتهم عن صفات الله ' وكأن هذا الذي ينقصنا الآن القضايا المنتهية المفروغ منها. ثم في صـ١٦٣ـ تكلم عن الشباب ونحن لا نبرئ الشباب، وأنا من فضل الله في محاضراتي أكثر ما أركز فيه -والحمد لله- على أخطائنا نحن شباب السنة، وهذا الذي يهمنا في الدرجة الأولى، وهذه الأخطاء موجودة عند من ينتسب إلى منهج السلف من الشباب، أما المنهج فهو معصوم لكن هو يقول: ' وهؤلاء يجعلون تمسكهم بالسنة العملية كالمحافظة على الصلاة في الجماعة، والمحافظة على السواك واللحية هي مقومات كونهم الفرقة الناجية، فهم على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه أما غيرهم فالنار مثواهم، ولقد تناسى هؤلاء أن ترك هذه السنة لا يترتب عليه دخول النار -ثم ذكر كلاماً إلى أن يقول:- ولقد نسي هؤلاء أن المقصود بالملل أو الفرق التي تفترق عن الإسلام -أي: الثلاثة والسبعين فرقة- هي التي ترتد إلى الكفر ' مثل البهائية والقاديانية، والنصيرية، والإسماعيلية، أما الشيعة، والمعتزلة، والرافضة، والصوفية، فهذه ليست داخلة، والكتاب هو: شبهات حول الفكر الإسلامي المعاصر، وهو رد على الأستاذ محمد قطب، والمشكلة هي تضليل المسيرة، فإما أن نتبع قول الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] فتكون النجاة والنصر، وإما أن نستمع لمن يريد أن يحرفنا عن هذه العقيدة مهما خالفها وإلا فمصيرنا إلى الانتكاسات التي جربناها وذقناها، ومع ذلك أنا أبشر الإخوة بأنه الصحوة في جملتها هي سنية سلفية -والحمد لله- وأنك لو نظرت وتأملت لرأيت العجب العجاب، حيث يأتينا طلبات ورسائل، بل وما نسمع وما نقرأ، أن الكل في الجزر البعيدة في أقاصي الدنيا، وفي العالم كله في أوروبا وأمريكا يطلب كتباً فتجد من جملتها الكتب السنية المحضة -والحمد لله- وإن طَلَبَ دعاة يطلب دعاة أهل السنة والحمد لله، فهناك في أصقاع نائية فما بالكم في أرض الإسلام والحمد لله.

стр. 1250

انتشار السنة وقبل سنوات كانت بعض الدول المجاورة لا يمكن أن ينتشر لـ ابن تيمية ﵀ فيها شيء، والآن يملأ الساحة كتبه -رحمه الله٠ لأن كتبه تعبير عن منهج أهل السنة والجماعة، وهذه نعمة من الله ، هذا هو التوجه الجديد الذي نريد -إن شاء الله- أن نحفظه وندعوه إلى زيادته، ونريد التأكيد على منهج أهل السنة وعلى اتباع الدليل واتباع الحق. أما معاملة المخالف سواء كان من المسلمين أو من الغير فهذه مضبوطة -ولله الحمد- بمنهج أهل السنة نفسه، فهم أرحم الخلق بالخلق، وهم الذين تحتكم إليهم الفرق إذا اختلف بعضها مع بعض، فعندما يكفر النظام العلاف، والعلاف يكفر النظام وهم زعماء المعتزلة فإن الذي يفصل بينهما هم أهل السنة والجماعة، وعندما تخرج طوائف من الشيعة وتكفر الإثنى عشرية، والإثنى عشرية يكفرونهم، والذي يحكم بينهما بالعدل هم أهل السنة والجماعة فهم لا يشتهون في أحكامهم ولا في آرائهم، وإنما يتبعون السنة. ومن أمر الله تعالى بحبه يجب أن يحب، ومن أمر الله تعالى ببغضه يجب أن يبغض وهكذا، وكل شيء بقدره، والإيمان عندهم يزيد وينقص، ومحبة الناس ومعاملاتهم تتفاوت بتفاوت إيمانهم، وهكذا.

стр. 1251

حاجاتنا في الدعوة نحن أمام شرع منضبط، ونحن في الحقيقة وبالذات في هذه المرحلة ليس المجال مجال إثارة مشكلات ولا معارك على الساحة الإسلامية، لكن بقدر ما يتعرض المرجفون أو المخدوعون لتعمية مسيرة الصحوة الإسلامية، يجب علينا أن نقول لهم: قفوا، وألا نوافقهم، وهذا ليس افتراء أو افتعال معارك معهم، لا، ولا نقر ذلك إن وجد، وقد يكون موجوداً، لكن نحن لا نقره ولا نرضاه. فالذي نريده هو أن هذه المرحلة تقتضي أن ندرأ عن هذه الصحوة الطيبة المباركة كل ما يعكر عليها مباركتها، ولذلك دائماً نركز على ألا يستعجل الشباب، وأن تكون أمورهم جميعاً بالحكمة، ويتحروا مناطات الأحكام، وأن يتحروا مقاصد الشريعة، وليس مجرد أن يجدوا نصاً أو نصين فيندفعوا هكذا، كل هذا مما يجب أن يكرر. والحمد لله في الساحة بفضل الله من الدعاة من يتحدث دائماً عن هذه الأمور، ولكن نريد الحديث الإيجابي، الحديث البناء الذي يوجه هؤلاء الشباب ولا يصدمهم ولا يعنف عليهم، وخير هذه الأمة هم هؤلاء الشباب ولله الحمد والله إن الإنسان ليحقِّر نفسه عندما يرى أن هذه الصحوة المباركة تأخذ الدين كله وبقوة وبجد، فإن أخطئوا أو تعجلوا أو تسرعوا فلأننا لا نوجههم نحن، ويجب علينا أن نعلم كيف نوجههم نحن. فيجب علينا أن نعلم أن مسئولياتهم علينا، وأن كل ما يرتكب من أخطاء فنحن المسئولون، ويجب أن نشفق عليهم فأطفالنا في البيت يخطئون ولكننا نحبهم ونشفق عليهم. ولا ينسينا ما نرى فيهم من أخطاء ما يتكالب ويخطط عليه أعداء الله في كل مكان وزمان للإجهاز على هذه الدعوة، وحقيقةً -وهذه واضحة كالشمس- أنه لولا ما في هذه الصحوة المباركة الطيبة من تمسك ورجوع إلى منهج أهل السنة والجماعة وعقيدة السلف الصالح لما حوربت هذه المحاربة، ولما كانت تعاني ما تعانيه الآن ولكنه قدر الله وسنة الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] وصدق ﷺ حيث قال: ﴿ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة ظاهرين﴾ وفي رواية أخرى: ﴿يقاتلون على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله﴾. أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلني وإياكم منهم، وأن يقر أعيننا بنصرة دينه وإعلاء كلمته، وعودة هذه الأمة إلى كتاب ربها وسنة رسولها ﷺ إنه سميع مجيب.

стр. 1252

الأسئلة

стр. 1253

المكر الخبيث السؤال هل صحيح أن الصحوة الإسلامية في هذا الوقت بالذات يُكَاد لها ويخطط للقضاء عليها وذلك بتصفية العلماء الجسدية وتشويه سمعتهم حيث إن مجلة المجتمع نشرت هذا في آخر عدد لها في الصفحة الأولى؟ الجواب نعم لا ريب، وهناك أسلوبان: الأسلوب الأول: هو ما حصل في أيام الزعيم الخاسر وأمثاله، من السجون والمعتقلات، وما يزال ذلك في بعض الدول. والأسلوب الآخر: هو ما يسمونه فن الدعاية السوداء، وتلطيخ وتشويه سمعة الدعاة بافتعال التهم والزج بهم في كل قضية يرون أنها يمكن أن تكرِّه الجماهير في دعوتهم وفيما يقولونه، وتتفاوت فنون هذه الدعاية من اتهامات بالعمالة لإسرائيل ولـ أمريكا أو الشرق، والتهم لا تقتصر على جانب واحد، ولكن هذه سنة الله في ابتلاء الدعاة، وليبتلي الأمة أيضاً ليرى هل تسمع للمرجفين والمبطلين أم أنها تقف عند حدود ما أمر الله من التحري ومن التثبت. وليس الدعاة معصومين، ولكن منهجنا -كما قلت- حتى مع المخطئ، والمخالف، وحتى مع من يقال عنه أنه أخطأ، المنهج ثابت منضبط، شرعه الله في كل قضية يمكن أن تثار، فتشويه الدعاة وتحطيم سمعتهم هذا هو الذي يريده أعداء الله ، لأن الصحوة لا تقوم إلا على قادة، وإذا دُمر القادة فلا شك أن من بعدهم سوف يسقط، وما تعرض له الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- من التهم، جزء من ذلك.

стр. 1254

معرفة الواقع السؤال كيف نعرف ما يدور على الساحة في العالم أجمع، وخاصة ما يحاك للصحوة الإسلامية، وما هي الجرائد والمجلات والإذاعات التي يمكن أن نعرف منها بعض ما يدور في العصر؟ الجواب ليس هناك سرية في الموضوع، اقرأ أي مجلة أو أي صحيفة -مثلاً- قرأت العربي قبل أسبوعين على الغلاف صورة شباب ملتحين، ومكتوب: السلف الصالح بريء من هذه السلفية، وقبلها العربي كتبت السلفية هي النازية الجديدة، وهذه مجلة معروفة وليست مجلة خفية، وهناك مجلة نسائية طلعت اسمها نصف الدنيا، كل عدد تقريباً منها قائمة البدوي والسيدة نفيسة ومولد فلان والحسين، من أجل أن تتجه مشاعر الناس والصحوة الإسلامية إلى القبور، وتشبع رغبة التدين وفطرته بالقبور والأضرحة فيعيدونها إلى الشرك. فهم يريدون نقلها من الاشتراكية إلى الشرك ولا يريدونها أن تعرف الإسلام، فهذا كثير جداً، لكن من يستطيع أن يعرف شيئاً عن هذا الخطر فلينبهكم ثم أنتم تجدونه واضحاً أمامكم، والمشكلة أحياناً أنك قد لا تدرك لأنك لم تنتبه إليها، لكن لو انتبهت وبدأت تقرأ وتجمع ستجدها أمامك، وهذا هو الهدف من مثل هذه المحاضرات.

стр. 1255

كلمة الانتفاضة في الميزان السؤال قرأت في كتاب للأشقر أن كلمة الانتفاضة كلمة غير صحيحة؟ الجواب وكذلك الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد ولا مشاحة في الاصطلاح، وبالنسبة لما نريده نحن مع اليهود -إن شاء الله- في المستقبل يمكن هذه أن تعد مجرد انتفاضة فعلاً، لكن المعركة ما زالت.

стр. 1256

اهتمام المشايخ بتربية الشباب السؤال هل ترى أن الدعوة المعاصرة اهتمت بتربية الشباب؟ بمعنى آخر: هل ترى أن مشايخنا في الوقت الحاضر يقومون بواجب تربية الشباب، نرجو منكم التعليق على ذلك؟ الجواب التربية موجودة إلى حد ما ولكنها ناقصة ويجب أن نستكملها، ولن تقوم الدعوة إلا بهذه التربية التي سماها الله التزكية لأنه بعث النبي ﷺ بها ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [الجمعة:٢] فالتزكية التي تسمى الآن تربية لا بد فيها من تزكية قلوبنا وأعمالنا، والمزكون قليل؛ لكن نحن لا ننتظر أن يأتينا من خارجنا، وإنما نتعاون ونتكامل على أن تكون التزكية موجودة، ومتابعة الشباب بمتابعة واقعية، نعم، بعض العلماء ليس لديهم ذلك؛ لكن لا نعيبهم، ونحن لا نريد أن نفتعل معارك ومشاكل ونتهم العلماء بأنهم مقصرون، العالم الذي يخدم الدعوة بعلمه -جزاه الله خيراً- وهو أهم مطلب في الدعوة، وأنا وأنت إن كان عندنا شيء من التربية أو التزكية فلنربي، فالمجاهد يجاهد، والآمر بالمعروف يأمر بالمعروف، وكل منا على ثغرة فكلنا متعاونون وكلنا على ثغرة. ولا يشترط بالضرورة أن نكون جميعاً في قالب واحد، وعلى منوال واحد في الدعوة إلى الله، وحتى الدعاة مواهبهم متنوعة -وهذا فضل من الله- فهذا له جانب وهذا له جانب، فعلينا أن نستكمل نحن الجوانب جميعاً، لتكون الأمة متكاملة، خير أمة أخرجت للناس بإذن الله.

стр. 1257

سلبيات وتقصير السؤال اسمح لي أن أذكر بعض السلبيات التي في كثير من الإخوة المتمسكين: أولاً: يظل طالب العلم سنوات يطلب العلم، ويحضر المحاضرات، ولو طلب منه إلقاء خطبة جمعة أو موعظة بسيطة اعتذر أنه ليس أهلاً لذلك فإلى متى؟ الجواب هذا واقع وأنا أقول معه إلى متى؟! فحقيقة أن من سلبيات الدعوة وهي كثيرة في الشباب أنهم متلقون ويتلقون، فمتى يخرجون؟ ومتى يتكملون؟ فمهما كانت الأمة فيها من دعاة أو علماء أو خطباء، لا بد أن يوجد جيل يخلف جيلاً، وانظروا الآن الفراغ الكبير الذي نحسه في الأمة جميعاً من ناحية العلماء -نسأل من الله تعالى أن يمد في أعمار علمائنا وأن يحفظهم- كل منا كيف يتصور لو لم يكن هؤلاء العلماء موجودين، فلو أنهم ماتوا -وكلنا مصيرنا إلى الموت- كيف سيكون الفراغ الهائل الذي سيكون من بعدهم؛ لأنه لا يوجد جيل يحمل هذا العلم ونحن مقصرون، ولم نجد المحاضن لهذا الجيل، وهذه سلبية واضحة وظاهرة. ثانياً: الانشغال بالأمور الأسرية والدنيوية انشغالاً يضر بطلب العلم على الرغم من دنو الهمة في الطلب. وهذا فعلاً واقع، والوسط والاقتصاد هو المطلوب، فبعض الناس ينقطع عن أسرته وعن والديه بحجة العلم أو غيره وهذا خطأ، والبعض الآخر فعلاً قد يشغل بأمور قد أقول بتعبير أدق: إنها ليست أموراً دنيوية وليست مجرد أنها أسرية، بل الشباب يشتغلون بالهرج -اسمحوا لي أن أكون صريحاً- فيجلسون الساعات يتكلمون من غير فائدة، ثم يذهبون إلى زيارة فلان أو علان، بينما لو أننا في هذه الجلسة قرأنا حديثاً واحداً، أو آية واحدة، أو جملة واحدة من قول السلف أو صفحة من كتاب علمي، لأفدنا فائدة كبيرة وملموسة ولا شك. ثالثاً: الخجل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاصة لدى طلبة العلم أرجو نصحهم. حقيقة أن التقصير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر ظاهر وملموس أيضاً، ونشكر لهذا الأخ غيرته ونصحه، ونعترف جميعاً بهذا التقصير، والواحد منا قد يجمع من دقائق العلم ووسائله، ويزور الشباب، ويتعرف عليهم، ويذهب إلى المحاضرات، وجاره لا يصلي، وصاحب الاستريو (الغناء) بجواره، ويبيع الأفلام أمامه، والسوق من حوله فيه التبرج، فلو قدم كلمة فيها نصيحة أو موعظة بهدوء وبحكمة: (يا أخي، يا فلان، يا أخي في الله ونحوها) قليل من يقوم بهذا، فما ثمرة هذا العلم وما فائدته؟! فنحن مقصرون بجانب الأمر والنهي وهو الذي به كانت الخيرية: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] والعلم ثمرته الدعوة، ومن الدعوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألا تأخذنا في الله لومة لائم، وأن نصبر ونحتسب على ما نلاقي في ذلك.

стр. 1258

الجماعات الإسلامية السؤال ما رأيكم بالجماعات الموجودة على الساحة الإسلامية؟ وهل توجد فائدة بكثرة التعدد بهذا الشكل الملحوظ؟ وما هي أقربهم إلى الصواب؟ الجواب وجود الجماعات الإسلامية هو أمر طبيعي، أمة كانت سفينة واحدة بربان واحد فتحطمت، فكان لا بد لمن استطاع أن يبني زورقاً فيجمع فيه من استطاع ويغرق من يغرق، فلا إشكال في أن تقوم جماعات إسلامية جهادية أو دعوية، بل يجب على المسلمين أن يجتمعوا، فإن لم يستطيعوا أن يجتمعوا جميعاً، فليجتمع منهم من فهم وفقه أهمية الاجتماع، لكن الإشكال هو على ماذا نجتمع؟ ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] إن هناك من يقول: لا تتكلموا في الناس أبداً، أي: في الأمة كلها، اجمعوا الناس جميعاً: رافضتهم وصوفيتهم ومؤلههم ومعطلهم، وكل شيء، وهذا الكلام غير صحيح لا عقلاً ولا شرعاً، لكن نحن نقول: يجب أن يجتمع أولاً: أهل السنة، وأن يكونوا يداً واحدة وكلمة واحدة. ثانياً: تجتمع الأمة جميعاً، واجتماع أهل السنة هو لمصلحة اجتماع الأمة؛ لأنهم أبعد الناس عن التعصب، ولا يجتمعون اجتماعاً حزبياً بالمعنى المفهوم السائد في الساحة الغربية أو غيرها؛ لكن نقول: يجتمعون على الحق، وعلى أن يكون أمرهم شورى بينهم لنصرة هذا الدين. والآن الواقع الإسلامي بحق وحقيقة، فجميع الجماعات وجميع الدعوات فاقت ونهضت، والآن الجماهير -كما يسمونها- تندفع وتطالب بحكم الله وشرع الله في كل مكان، ومستحيل أن تحتويها جماعة ولا جماعات ولا أكثر، فهي فاقت كل توقع وكل تصور، ومع ذلك فلا يزال بعضهم في تخلفه الضيق وقوانينه الجامدة، فيجب أن يتقدم الدعاة قلباً واحداً، اعتقاداً وقولاً وعملاً وتخطيطاً ويقودوا هذه الصحوة المباركة على منهج السلف الصالح، وهو منهج واسع -ولله الحمد- وأما غيره فهو ضيق محدود إذا خالفته قيل خرجت، أما منهج السلف الصالح فهو واسع جداً -ولله الحمد- لأن فيه حقيقة الدين الميسرة وتستطيع في كل بيئة أن توجد التجمع أو الجماعة الإسلامية الصحيحة الملائمة لها، ولواقع تلك البيئة أحياناً تكون الجماعة جهادية، كالحال في أرتيريا أو في أفغانستان جماعة جهادية على منهج السلف الصالح، وأحياناً تكون جماعة دعوية، وأحياناً تكون علماء يلتف حولهم الشباب وهكذا، وفي كل مكان يمكن أن تكون الصورة والشكل بما يوافق البيئة والمرحلة؛ لكن الهدف واحد والغاية والواقع واحد.

стр. 1259

حكم الدعوة إلى الله بالأحاديث الضعيفة أو الموضوعة السؤال ما حكم الدعوة إلى الله بالأحاديث الضعيفة والموضوعة؟ الجواب لا يجوز الدعوة إلى الله بهذا، ولنضرب مثالاً لهذا: يروى حديث موضوع عن علي بن أبي طالب أنه قال: ﴿دخلت أنا وفاطمة على رسول الله ﷺ فوجدته يبكي بكاءً شديداً، فقلت: فداك أبي وأمي يا رسول الله! ما الذي أبكاك؟ فقال ﷺ : يا علي ليلة أسري بي إلى السماء، رأيت نساءً عذابهن شديد، فأنكرت شأنهن لما رأيت من شدة عذابهن﴾ ثم يذكرون حديثاً طويلاً بعض ألفاظه صحيحة، لكن بهذا الطول ليس بحديث ولا يصح. والعبرة التي نأخذها نحن في واقعنا الآن من كلامنا هذا، أن الأمة بحاجة إلى العلم الشرعي الصحيح، وأنها لا يجوز لها أن تدعو بهذه الأباطيل، حتى لو دعوت إلى الله فلا تدعو إلا بما شرع الله، حتى لو جمعنا الناس إلى المسجد للصلاة بناء على حديث موضوع أو ضعيف كما يذكر أحياناً أحاديث تُعلق في المساجد، فهذا لا يصح، ويخطئون على ذلك؛ لأن الإنسان ترتبط هدايته بما اهتدى به، فإذا ارتبطت هدايته بحديث موضوع ظل يجله ويعظمه ويعتقد صحته، فيكون رجوعه إلى الحق ممزوجاً بذلك الباطل، وهو اعتقاد أن رسول الله ﷺ قال شيئاً وهو لم يقله، فيكون ذلك من الكذب على رسول الله ﷺ ، ومن القول على الله بغير علم. فالدعوة -والحمد لله- في غنىً عن هذا، والموعظة من القرآن تكفينا، ولو قرأناه قراءة المتدبر المتأني المعتبر المتعظ لكفانا وأغنانا، ويضاف إليه ما صح عن رسول الله ﷺ ، ومواعظه موجودة في كتاب الرقاق من الصحاح وفي كتب الوعظ الصحيحة كما في صحيح الترغيب والترهيب -مثلاً- والحمد لله هي موجودة وميسرة، فلماذا نرجع إلى الأباطيل أو الضعاف أو الأمثال أو الحكايات أو الروايات؟ لا يجوز ذلك، وهذا من الخلل في منهج الدعوة، ومما يجب على الصحوة وشبابها أن يحذروه إن شاء الله. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله الطيبين.

стр. 1260

نماذج من خوف السلف تحدث الشيخ حفظه الله تعالى عن مسألة الخوف من الله، موضحاً منزلته وأثره في القلوب من الإنابة والخشية والمراقبة، مستعرضاً صوراً من أخبار السلف وطرفاً من أقوالهم في هذا الباب.

стр. 1261

نماذج من خوف الصحابة نذكر الآن -إن شاء الله تعالى- بعض النماذج من حياة السلف الصالح الذين غلب عليهم جانب الخوف أولاً، ثم نثني -إن شاء الله- ببعض من غلب عليهم جانب الرجاء. نذكر أسباب ذلك عند كلا الطرفين، وهي نماذج موجزة ومختصرة, والمقصود منها: هو أن نعلم أن أركان العبادة التي تحدثنا عنها، وهي: المحبة والخوف، والرجاء، -هذه الأركان الثلاثة- قد تغلب إحداها على بعض الناس، وقد تغلب الأخرى على آخرين, لكن لا يمكن ولا يصح أن يخلو الإيمان أو القلب من اجتماع هذه الثلاثة، فكانت حياة السلف الصالح -رضوان الله تعالى عليهم- نموذجاً لاجتماع الخوف والرجاء والمحبة, كما أثنى الله ﵎ على عباده الصالحين من المرسلين ومن اتبعهم في الآيات التي ذكرها الله، كقوله ﵎: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:٥٧] وقوله ﵎: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] ونحو ذلك. والخوف -عموماً- هو سمة لأهل الإيمان الكُمَّل الخُلَّص من عباد الله ؛ ففي سيرة رسول الله ﷺ أعظم النماذج لذلك، وكذلك في سير الخلفاء الراشدين.

стр. 1262

خائف يفرق منه الشيطان ومن ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه سأل حذيفة بن اليمان الذي هو أمين سر رسول الله ﷺ ، والذي أطلعه رسول الله على أسماء المنافقين، فقال له: 'أنشدك بالله! ألم يسمني رسول الله ﷺ منهم؟! ' عمر بن الخطاب ﵁ هو ثاني رجل في هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق من أتباع محمد ﷺ , وهو مبشر بالجنة, ما بينه وبين الجنة إلا أن يموت فيدخلها, وليست أية جنة، وإنما جنة المقربين والصديقين وأهل الدرجات العلى. عمر الذي جاهد في الله حق جهاده؛ فبمجرد أن آمن وأسلم, أظهر الله ﵎ الإسلام وأعزَّه, ولما ولي الخلافة فتح الله على يده مملكتي كسرى وقيصر, وورثتهما هذه الأمة, وأنفقت كنوزهما في سبيل الله على يد عمر بن الخطاب ﵁ وجنده. وكان في سيرته من العدل والإيثار والشفقة والرحمة ومحاسبة العمال ما هو مضرب الأمثال في جميع العصور والأجيال مما لا يتسع له المقام؛ بل يحتاج إلى أن يكتب عنه المجلدات العظام، ومع ذلك فإنه كان يخشى ويخاف على نفسه من النفاق, ولم يكن ممن يُغلِّب جانب الرجاء رَغْمَ ما وُعِدَ به -وهو وعدٌ صادقٌ لا يتخَلَّف- من أنه من أصحاب الجنة, فكان يقول ذلك لـ حذيفة -رضي الله تعالى عنه- ويسأله أهو من أهل النفاق أم لا؟

стр. 1263

أبرار يخافون على أنفسهم النفاق يقول ابن أبي مليكة وهو من التابعين كما في هذه الرواية التي ذكرها عنه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الإيمان قال: [[أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ , كلهم كان يخشى على نفسه النفاق, ولا يقول: (إن إيماني كإيمان جبرائيل وميكائيل)]]. يريد بذلك الردَّ على المرجئة الذي يزعم أحدهم أن إيمانه كامل, فيقول: أنا أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ الذين لا شك في أنهم أكمل الأمة إيماناً، ومع ذلك كلهم يخشى على نفسه النفاق, وما كان أحد منهم يقول: (إن إيماني كإيمان جبرائيل وميكائيل) , حتى أتى أولئك المرجئة , فأخذوا يزعمون هذا الزعم, ويدَّعون أن الإيمان لا يتفاضل ولا يزيد ولا ينقص, ويدعون أن إيمانهم كإيمان جبرائيل وميكائيل: إما تصريحاً وإما لزوماً؛ فكلامهم يلزم منه تلك المساواة؛ لأن إنكار تفاضل الإيمان وزيادته ونقصانه يلزم منه مساواة أهله فيه.

стр. 1264

فقيه من الصحابة يخشى الله ومن النماذج الكثيرة في الخوف وممن اشتهر عنه ذلك من الصحابة: عبد الله بن مسعود ﵁ فقد كان جالساً مع بعض تلاميذه, فقال رجل منهم: ما أُحِبُّ أن أكون من أصحاب اليمين, وإنما أحب أن أكون من المقربين -وهذه أمنية وليست أمنية ضائعة خاسرة -كما سيمثل الشارح ﵀ للأماني والأحلام التي لا أساس له من الواقع- إذ أن تلاميذه وجلساءه ﵁ كانوا من خيار الأمة حينئذٍ, وهذا تطلع وتشوق من هذا الرجل أن يكون من المقربين, ويرجو ذلك, ولم يقم به مانع يمنعه من أن يكون ممن يتمنى ذلك -وأراد عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن يعلمهم كيفية الخوف, وأن الإنسان يغلب جانب الخوف والحذر، فقال: [[أما إن ها هنا رجلاً يتمنى أنه إذا مات لم يبعث-أي: نفسه- وقال: وددت لو أني شجرة تعضد]]. من شدة خوفه من حساب الله، ومن لقاء الله، ومن شدة خوفه من أن أعماله -مهما كانت صالحة- قد لا تقبل, وهو من الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، ومن اتهامهم لأنفسهم ولأعمالهم مع ما فيها من خير وصلاح يتمنون أنهم إذا ماتوا لم يبعثوا, فلا لهم ولا عليهم. وهذا الأثر بقي في مدرسته التي كانت جامعة عظيمة تخَّرج منها خيار الأمة، وكل ذلك من غرس يده -رضي الله تعالى عنه- في الكوفة , ثم بعد ذلك انتشر علمها في أقطار الدنيا. ومن الملاحظ في سير العلماء التي لو تتبعناها -وجدير بنا أن نتتبعها دائماً- لوجدنا أن من كان من العلماء أو من العباد الصالحين والزهاد في أول أمره مقارفاً للذنوب والمعاصي, ثم اهتدى فيما بعد, نجد جانب الخوف عنده أكثر, وقد تأملت بعض السير فوجدت هذا, وأظن أن السر والسبب في ذلك لا يخفى؛ لأن الذي نشأ من أصله في تقوى الله وفي طاعة الله لا يحس ولا يستشعر خطر الذنوب والمعاصي كالذي واقعها وقارفها ثم عرف خطرها. ففي كل حين يأتيه وازع الإيمان في قلبه، ويقول له: كيف لو مت وأنت على تلك الذنوب؟! كيف لو كانت خاتمتك وأنت تفعل تلك المعاصي والفواحش والموبقات والكبائر؟! فلذلك نجد أن هؤلاء أشد خوفاً وخشية على أنفسهم من الذنوب والمعاصي من غيرهم ممن لم يكونوا كذلك.

стр. 1265

نماذج من خوف التابعين وبرزت في بعض الشخصيات سمات الخوف أكثر مما لدى غيرهم ممن برزت عنده سمات الرجاء.
следующие страницы →