Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
إيجابيات وسلبيات التسجيلات والتعامل معها
السؤال
الإخوان أصحاب التسجيلات جزاهم الله خيراً يقولون: عندما تكلمنا على حق المسلم وحفظ عرضه ونقل كلامه، يقولون: قد يلحقهم شيء من ذلك لأنهم يسجلون؟
الجواب
حقيقة بغض النظر عن الفتوى فيها، فالآن أنا أقول: إن من مصائب هذا العصر المسجلات، ففي العصر الأول كان العلماء في راحة وكان الدعاة والمفتون في راحة.
يقولون القول ويسمعه تلاميذهم، بل كان بعض العلماء يشترط ألاَّ ينقل عنه إلا تلاميذ معينون، وكثير من العلماء الثقات الجبال ما كان يسمح لأي أحد أن يروي عنه أصلاً أو ينقل عنه، لكن نحن الآن كل كلامنا يسجل فهي نعمة لا ننكرها، لكن كل نعمة تقابلها نقمة.
فمن نعم الله انتشار هذه الوسائل، فالإنسان يقول الكلمة، فبدلاً أن ينفع الله بها (١٠٠) أو (٢٠٠) أو (١٠٠٠) الذين حضروا في المسجد، فقد ينتفع بها (١٠٠٠٠٠) بإذن الله ممن يسمع الشريط.
وأما جانب النقمة التي فيها فهي أن الخطأ قد ينتشر، وأن الكلمة قد تنتشر أيضاً.
فلو قال قائل: قال الله ويأتي بحديث، وهذا يقول: قال رسول الله ويأتي بآية، فالخطأ ممكن في أي شيء، فتكون فرصة للمتربص وللحاقد والنمام.
وأيضاً: قد يَضل أحد بناءً على كلام غير محرر، لأن الكلام المحرر المكتوب المؤصل غير الكلام الملقى، فالكلام الملقى دائماً يعتمد على ذاكرة الإنسان المعرضة للسهو، لكن ما يكتب ويراجع فإن السهو قليل فيه، ومع الأسف فإن الناس اليوم يستسهلون ما يسمعون من الفتاوى والمواعظ، أما الفتاوى المكتوبة فإنها لا تُنشر إلا قليلاً، مع أنها هي التي ينبغي أن نحرص عليها لأنها مكتوبة ومنضبطة بعكس الكلام الملقى، فقد يقول: رواه البخاري، وهو يقصد الترمذي، ويقول: ضعيف وهو صحيح، فينتج عنه شيء من المفاسد، وهو ما يجعل بعض الإخوان في التسجيلات يقولوا نحن السبب في ذلك؟ ونحن نقول لهم: اتقوا الله ما استطعتم، واحرصوا على أن تتأكدوا، والأمور التي قد تلبس أو تنشر الفتنة، أو شريط لرجلٍ ما غير معروف فلا تنشروها.
فلو دققنا وطبقنا تعامل السلف الصالح فبمجرد أن الشخص مجهول فإنهم لا يتعاملون معه، وانظروا في كتب الرجال كم بها من مجهول، فما قالوا: فيه شر، أو فاجر مبتدع ظالم، بل مجهول، فلكونه مجهولاً أقصي، فلو جاءك شريط لمجهول وهذا الشريط فيه طعن وسب وفيه فتاوى، فبمجرد أنه مجهول لا تعرفه ولا تعرف حقيقته فينبغي أن تتثبت.
إذا أخذت الآية قول المجهولين في المعروفين فمن يبقى؟ ولكان الكلام في العلماء سهلاً حتى من أصحاب المقاهي ونحوهم، فإذا ُصدِقَ الكلام وانتشر فمن يبقى لنا؟! فيقال: إن هناك شخصاً تكلم في المشايخ، فحين تسأل عنه لا تعرف سابقته ولا علمه ولا خيره ولا فضله، بمجرد أنه قال ما قال نشر قوله.
فينبغي لإخواننا أهل التسجيلات أن يتقوا الله وأن يتريثوا، وألا يكون الدافع المادي هو الهدف الأساسي، ولكنه موجود عند البعض على الأقل، أو مجرد أن هذا الشريط يشترى فنبيعه، وإن كان فيه أخطاء، ومادته العلمية ضعيفة، وفيه انحراف وجرح وطعن وتشويه للدعاة وضرر على الدعوة لكنه يشترى فنبيعه، فلا يجوز أن يكون الهدف المادي هو الأساس، لأن هذا علم مما يبتغى به وجه الله، فمن جعله وسيلة لكسب الدنيا الرخيصة ناله الوعيد.
فحقيقةً إن موضوع التسجيلات مالها وما عليها، وكذلك موضوع التسجيل ماله وما عليه يحتاج إلى ضوابط معينة في سماع الكلام وفي سماع الأشرطة، بخلاف الشيء المكتوب، فإذا نسبت إلى أحد ما كتبه وقاله وحرره، أو الكلام المكرر بالذات فلا بأس، بخلاف مجرد الكلام في شريط، أي: إذا كان للإنسان آراء تعلم أنه يعتقدها ويكررها ويدين بها ويقولها فلا بأس أن تأخذها، أما كلام في شريط مثلاً أو كلمة واحدة أو مقالة تحتمل عدة تأويلات، فتبني عليها قاعدة كبرى، وتترك القطعيات الواضحة في كلامه هذا لا يصح، وهي محتاجة إلى ضوابط لعل الله ييسر بها.
стр. 1332
هجر مرتكب الكبيرة
السؤال
كان لي زميل بيني وبينه عِشرة، وكنت أجهل ارتكابه لبعض الكبائر، وعند اكتشافي لذلك نصحته مراراً، وكان كل مرة يستجيب بلسانه ولكنه لا يكف، مما دعاني إلى هجرانه منذ أكثر من سنتين، حيث أنه لا يزال يقترف هذه الكبائر، وأنا أبتغي بهذا الهجران وجه الله، فهل أدخل -والحال هذا- في أحاديث الوعيد في هذا الباب؟
الجواب
لا يدخل المؤمن الذي يهجر لله، لكن نخاطبك يا أخي من باب آخر، وهو باب الحكمة في الدعوة، فإذا كان كل من عمل منكراً هجرناه فما فعلنا شيئاً، وخاصة إذا كثر أهل المنكر وقلَّ أهل الطاعة والتقوى، ولكن الواجب أن نصبر، وأن ندعو الله له وأن ندعوه ونزوره، ونحرص بكل ما نستطيع وخاصة إن كان قريباً تربطنا به قرابة، أو كان زميلاًَ في العمل، فليس بجيد لك هجرانه وألاَّ تكلمه ولا يكلمك وأنتم في إدارة واحدة، بل ينبغي أن تصبر، وأن تجتهد في نصحه، وكم من غاوٍ هداه الله بعد سنتين أو ثلاث أو أكثر!! أما إن كان من المجاهرين المعاندين الذين لا يسمعون ولا يرعوون فنعم، ففي هذه المسألة حالات، وهذا يرجع إلى تقدير الأخ الداعية، لأن الله تعالى قال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] فالحكمة أن تضع الشيء في موضعه، والحكمة ليست هي الضعف ولا اللين ولا العفو فقط، فهذا جانب من الحكمة، ولكن الحكمة أن تضع الشيء في موضعه، وهذا شيء يرجع إلى تقديرك أنت، فاجتهد، واستعن بالله أن تقدِّر أن هذا يهجر، وهذا لا يهجر، ولذلك يفرق الإنسان بينهما.
وانظروا إلى سيرة النبي ﷺ كيف يفرق بين أحوال الذين تخلفوا في يوم بدر ويوم أحد، وبين من تخلفوا في يوم تبوك، فيوجد هناك في أشياء معينة ترجع إلى فقه الواقع -كما قلناه سابقاً- وإلى أمور معينة، فالذين هجرهم النبي ﷺ -الثلاثة الذين خلفوا- لهم صفات ولهم وضع، فمن الحكمة أن يهجروا، بخلاف من قبلهم فهنا حال غير الحال، ووضع غير الوضع.
فالعالم أو الأخ الفاضل طالب العلم عندما يأتي بفاحشة أو موبقة أو ببدعة أو يخالط أناسا لا خير فيهم وتهجره، فهذا جيد، لأنه إذا هجره الأخيار وعنفوا عليه وعاتبوه، يرجى أن يكون هذا الهجر رادعاً له، لكن إذا ما اهتدى في أول الطريق وهجره الأخيار فإنه يستمر مع الفجار، فبينهما فرق لأن الأول نعلم ونطمئن أنه لن ينحرف بالكلية، لأننا إذا هجرناه فسيرتدع، أما ذاك إذا هجرناه فسينحرف، وهكذا توضع الأمور في نصابها.
стр. 1333
الفرق بين الولي والواصل عند الصوفية
السؤال
ما الفرق بين الولي والواصل عند الصوفية؟
الجواب
الصوفية بحر متلاطم، لا تستطيع أن تقول إن معناه كذا -فقط- عند الصوفية.
فالولي عند بعض الصوفية درجة فوق النبوة، وخاتم الأولياء عندهم مثل خاتم الأنبياء أو أعظم من خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، والولي عند بعضهم أو عند عمومهم مجرد العابد الذي له ميزات معينة، أما الواصل فهو اسم أو مصطلح لمن يمشي في طريق التصوف، فأول ما يبدأ يسمونه: المريد.
ثم ثانياً: يكون السالك، في الطريق، والثالث: وهو الأخير يسمونه الواصل، فهذا من الواصلين، أي: أصبح من خاصة الخاصة الذين لا يتوبون من الذنوب ولا يتوبون من التوبة، لكن يتوب من الإيمان، ويتوب من رؤية الإيمان، نعوذ بالله.
ومن أراد الاستزادة فهناك كتب كثيرة منها كتاب هذه هي الصوفية وكتاب التصوف بين الحق والخلق.
стр. 1334
توريث الزوجة التي لم يدخل بها
السؤال
أنا شاب متزوج، ولم أدخل بعد، وعلي دين، فماذا يترتب علي بالنسبة للزوجة إذا توجهت للجهاد وقدر الله بوفاتي؟ وهل يجوز أن أوصي سداد ديني مما أملك، مثل أن تباع سيارتي؟ وهل للزوجة ميراث أو وصية خاصة؟ وأسألك أن تدعو لي أنت ومن حضر، لعل الله أن يتقبلني شهيداً عنده وأن يجمعنا بكم في دار كرامته!
الجواب
بالنسبة للزوجة فنعم، فلها عليك أن تعطيها، وأن تحسن إليها، وأن تحسن عشرتها ما بقيت، فإذا ذهبت فعليك أن توصي بها خيراً لعلك تعود، وإن أنالك الله ﵎ الشهادة فإنها ترث منك.
وبالنسبة للدين فأول ما يخرج الدين ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢] سواء كانت سيارة أو مالاً أو أي شيء يُباع ويخرج الدين منه، ثم بعد ذلك تكون أنصبة الورثة، والزوجة من جملة الورثة في مثل هذه الحالة، كما قدر الله ، واكتب وصية خاصة توصيها وتوصي أهلك وإخوانك بتقوى الله ، وأما الفرائض فإنها تقسم كما قسمها الله بين زوجتك وبين غيرها، فقد يكون لك أب، وقد يكون لك أم وإخوة.
стр. 1335
الفرق بين التحسس والتجسس
السؤال
ما هو الخلاف بين نهي النبي ﷺ : ﴿ولا تجسسوا﴾، وبين قوله تعالى: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف:٨٧]؟
الجواب
لا فرق بينهما، فالتحسس إذا كان لمصلحة كمصلحة هذا الأب الحزين الكئيب الذي فقد ابنه، فيرسل أبناءه ليتحسسوا عنه لعلهم يجدونه، فهذا لا شيء فيه.
وبين أن يكون لتتبع العورات والسقطات، فهذا يدخل في التجسس، وكما قلنا بأن لهما معنىً واحداً، مؤداهما ونتيجتهما واحدة، فلا تعارض يا أخي بارك الله فيك!
стр. 1336
ظلم العباد وكيفية التوبة منه
السؤال
إذا كان الإنسان يرى أنه قد ارتكب كل ما ذكرت في هذا الموضوع من أخطاء وسيئات، فما هو المخرج؟
الجواب
المخرج: التوبة والاستغفار، ورد الحقوق والمظالم إلى أهلها، والتحلل ممن تكلمت فيهم، أو اغتبتهم، أو أخذت مالهم، أو ظلمتهم، قبل أن يأتي اليوم الذي لا درهم فيه ولا دينار، كما أرشد النبي ﷺ .
стр. 1337
الفرق بين توضيح الخطأ وتتبع الأخطاء
السؤال
هناك من الشباب هداهم الله عندما يسمعون من العلماء المعاصرين خطأً في فتوى معينة يقولون: عقيدته فيها كذا، أي: إذا أخطأ في فتوى طعنوا في عقيدته؟
الجواب
سبحان الله! ما الذي أدخل هذا في هذا، فالاجتهاد الفقهي لا علاقة له في مسألة عقيدته، والبعض الآخر منهم يبحثون عن عقيدة العلماء المعاصرين، مع أنهم الظاهر عليهم أنهم من أهل السنة والجماعة، وبعضهم يتكلف ويتتبع، فإن بلغه أن أحد العلماء أو أحد الدعاة عنده مائة محاضرة فيجلس يسمعها كلها من أجل أن يجد فيها عشرة عيوب! أشغلك الله بهذا الإنسان إلى هذا الحد؟! ومن الذي كلفك بهذا؟! وماذا تريد من هذا؟! قال: أريد أن أنظر ماذا عنده من أخطاء حتى أنشرها! فإن نشرتها فماذا فعلت؟ نشرت بين الناس أن هذا الذي يثقون فيه ويحبونه ويسمعون كلامه، وهدى الله به قوماً كثيرين -إن شاء الله- يكون فيه كذا وكذا عيب لكن وبعدها ما الفائدة؟ فقد يرتد بعض الناس عن الخير والصلاح، وقد يفسق وتقل قيمته.
إذا قلت: قيمة العلماء والدعاة فإن هذا يعم الجميع، ولا نتصور فقط أن هذا ينحصر بواحد بعينه، لا، ولكن الله يعرض عنه، كما قال بعض السلف حكمة عظيمة جداً يقول: [[علامة إعراض الله عن العبد أن يشغله بما لا يعنيه]].
فبعض الناس يقول: أريد أن أتتبع فتاوى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية لكي يبينوا ما فيها من أخطاء، سبحان الله! فما أحسن هذا عند أهل البدع وعُبَّاد القبور، والمجرمين، والملحدين، والمؤولين! أن تقول: ابن تيمية أخطأ في كذا، وكذلك إذا قال: سوف أتتبع عيوب الألباني، فهذا عند أهل السنة من أكبر الأخطاء، وهو منافٍ للحكمة في الدعوة، فنحن لا نقول: إن أحداً لا يُخطئ حتى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، لكن نبه عليه! فمثلاً: إذا كتبت موضوعاً أو تطرقت إلى موضوع في بحثك أو في فتوى فقل: وأما قول شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ فيبدو لي أن الصواب خلاف ما قال، مثل سماحة الشيخ ابن باز حفظه الله في كتاب الحج -مثلاً- عندما قال: وبعض العلماء يقول: إن المتمتع يكفيه طواف وسعي واحد، فإن ابن تيمية ﵀ قال هذا الشيء وأخطأ، لكن عندما تكتب أو تتكلم عن قضية بذاتها، أو أمام طلاب علم، أو في بحث معين فلا بأس، وهذا موجود، ولا ينكره أحد، كأن تقول: إن ابن تيمية أو ابن القيم أو ابن حجر ﵏ في هذه المسألة على ما يبدو لي قد أخطئوا في اجتهادهم، أو أن الصواب خلاف ما قالوا ﵏ وتثني عليهم، فهذه لم يعترض عليها أحد.
لكن المشكلة هي أن تقول: أنا أجمع أخطاءه وأبينها للناس، فتقول له: لماذا؟ فيقول: إن الناس يقرءون الفتاوى كثيراً، فمن أجل أن لا يغتروا أُبين لهم ما أخطأ فيه، فهذه مصلحة، لكن نظرك قصير، فعندما تنظر لهذا النظر القصير تنسى المفسدة الكبيرة، لأنه قد يقول لك بعضهم إنه لن يشتري الفتاوى، لماذا؟ تجده يقول: نظرت إلى الكتاب الذي ألفه فلان عن أخطاء هذه الفتاوى فهذا الذي جعلني لا أشتري هذا الكتاب، والآخر ألف كتاباً في أخطاء ابن حجر ويقول الآخر لن أقرأ فتح الباري لماذا؟ لأن فيه أخطاء، جميل وماذا تقرأ؟ فإن تركنا الفتاوى وتركنا ابن حجر وابن القيم والألباني والشيخ ابن باز، فكل واحد -مثلاً- عنده أخطاء، فعندها لا بد أن نرجع ونقرأ لأهل البدع وإلا إلى أين نذهب؟! فهذا من فهم الأمور وعكسها على غير حقيقتها، ولهذا قس نسبة الخطأ الذي قاله وقس الحاجة إليه بالمفاسد المترتبة، وبما ينتشر في الأرض من منكرات وإلحاد وعلمانية وفجور ودعوة إلى ارتكاب أكبر المحرمات وهو الشرك بالله ، فعندها تجد أن كلامك ليس له معنى وعملك لا معنى له أبداً، أما إن كان من الأحياء فاكتب له، وقل له، واسمع منه.
فأحياناً الإنسان يقول قولاً لسبب ما -وهذا مجرب لدى أكثر الناس- فمثلاً في خطبة الجمعة، قد تضطر إلى أن تقول في الخطبة كلاماً ولو سألك واحد بعد الصلاة لماذا؟ تقول هناك سبب معين، أو هناك شيء معين اقتضى أقول هذا الشيء؛ لأنه حدث كذا، ثم يأتيك بتفاصيل أسباب قوله هذا الكلام، فأنت إذا سمعت من أحد شيئاً فقبل أن تنكره، اسمع منه فقد يعطيك عذره ويجعلك تقتنع بغير ما قال، وهكذا.
ثم إذا وصل الأمر إلى أنه اجتهاد، فهناك قاعدة عند العلماء: 'الاجتهاد لا يبطل الاجتهاد' وشَيْخ الإِسْلامِ ﵀ له رسالة بهذا وقررها أعظم تقرير.
ولذلك لو أن قاضياً حديث عهد بالتخرج في أدنى مراتب القضاء، أفتى وحكم في مسألة باجتهاده فلا يجوز حتى لرئيس القضاء وأكبر عالم، أن ينقض الاجتهاد بالاجتهاد، لماذا؟ لأنه اجتهاد باجتهاد، أما لو كان خالف النص فإنه ينقض الاجتهاد بالنص، أما الاجتهاد الذي فيه قولان وفيها اجتهادان، فهذا قال بقول وهذا قال بقول، فلا ينقض هذا بهذا، ولا يقتضي ذلك عداوة، ولا بغضاء، ولا شحناء، ولكن لضيق الأفق فهو الذي يحول دون استيعاب هذا.
فمثلاً: الخوارج ماذا أخرجهم؟ أصل خروجهم أنهم قالوا: كيف يختلف الصحابة؟ وكيف يتقاتلون؟ وما الحل؟ فمثلاً: قالوا: نقتل علياً ومعاوية ونقتل عمرو بن العاص، ونريح الأمة من المشكلة، وفعلاً هذا الذي أرادوه، لكن الله لم يرد أن يُقتل أو يموت إلا علي رضي الله تعالى عنه فهل هذا حل، لأنهم اختلفوا أو تقاتلوا؟ فبدلاً من أن تقول: يا أمة الإسلام! اذكروا محاسنهم، وكفوا عما شجر بينهم، ولكل منهم اجتهاده وإن تقاتلوا فكذا وكذا، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، فقالوا: لا، الحل أن نريح الأمة منهم فنقتل الثلاثة وبعدها الأمة تختار خليفة وتجتمع عليه، ثم إنهم بعدها قتلوا أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، وأما عمرو ومعاوية فاخطؤوهم، فهكذا بعض الناس يرى أن الحل هو القتل، وليس شرطاً القتل بسفك الدم، لكن أن تقضي على العالم الفلاني أو الداعية الفلانية لترتاح من شره، فليس في هذا راحة، بل بالعكس: هذا حل الذين لا يدركون الأمور ولا يقدرونها حق قدرها، وهو فهم ناتج عن ضيق النظر من عدم الصبر، ومن عدم معرفة فقه الاختلاف وأدبه بين العلماء قديماً وحديثاً.
стр. 1338
الإنكار والنصح عن طريق وسائل الإعلام
السؤال
لما تكلمنا عن واجب كل منا في إنكار المنكر في الجرائد ونحوها فقد كتبت نصيحة بذلك، فهل هذا يجزئ عني، وأني أديت ما علي؟
الجواب
شكر الله لك وأثابك ونسأل الله أن يكثر من أمثالك، فهذا أخ فاضل لما تحدثنا فيما سبق عمن يحتسب عند الله أن يكتب لبعض الجرائد على ضوء نصيحة سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين أثابه الله التي قرأناها عليكم، فهي كلمة -والحمد لله طيبة- فيها التذكير، والنصح، والأمر بالعدل، ويطلب منهم أن يستقيموا وأن ينصفوا جزاه الله خيراً.
على كل حال، فهذا أدَّى ما عليه إن شاء الله تعالى، ولو أن كل واحد منا كتب أو تكلم بمثل هذا الأسلوب المشرق الطيب، لوجد إن شاء الله الاستجابة ولأقام الحجة.
стр. 1339
محاربة وسائل الفساد
السؤال
ما رأي فضيلتكم في انتشار مراكز الجمال والرشاقة -مثلاً- هذه الأيام علماً بأن من يقوم بها نساء؟
الجواب
ظننا أنها قد خفتت وإذا بها قد ظهرت، واستعيذوا بالله من الفتن -نسأل الله العفو والعافية- فمحلات الرشاقة والجمال تقول: لكل من تهتم بجمالها، فخدماتنا منزلية، (٢٤ساعة) وبدون إجازات، تجهيز عرائس، قص، استشوار، وتشقير إلى آخره، فكل هذا خدمات منزلية و (٢٤ ساعة) وبالتلفون، اطلب وتأتي المجملة، أو المزينة هذه إلى البيت، وهذا يحصل في أرض من؟ وعند من؟ في بلاد المسلمين، وتحت أنظار من يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقرؤون قول الله ﵎: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] أصبحت هذه هي الشغلة، وهذه الطلبيات جاءت من باريس أو نيويورك هل تظنون أن الدول الغربية تبيح الدعارة بالشكل الذي قد يتصوره بعضنا.
إنه من السذاجة أن يظن ذلك أن هذا مكان للزنى، فقد كانت موجودة حيث كان هناك مكان معد للزنى وطبيب يشرف على الزانيات والزناة ويكشف عليهم، وبعد ذلك يدفعون الأجرة، والدولة تأخذ ضريبة على ذلك، فحورب البغاء بهذا الشكل حتى على مستوى الأمم المتحدة.
لكن البغاء الموجود الآن مثل هذا البغاء، اتصل وتأتي معها أدوات الزينة والتجميل إلى أين تذهبين؟ فتقول: أنا ذاهبة إلى فلان، لأنه طلبني وهذا كرت عملي، فماذا يكون من المفاسد؟ وماذا يترتب عليه؟ وهل يجوز أن يسكت على هذا؟ فهذه والله مصيبة وإن كان من كان أصحابها، فالمنكر لا بد أن ينكر، ولا فرق عند الله بين أصحاب الثراء وأصحاب الجاه وبين غيرهم، فسيبتلينا وسيعذبنا إن لم ننكر مثل هذا المنكر، وأنا أظن أن هذا المنكر إذا أنكر فإنه بإذن الله سيمنع.
لأنه منكر واضح، مهما كان صاحبه فسيمنع بإذن الله ، ولا يمنعننا من الإنكار مهابة أن يقال: إن هذا لفلان أو فلانة، فإذاً ما معنى الإيمان بالله؟! وما معنى العقيدة التي نعتقدها؟! فهل هي عقيدة نظرية، أو كلام في الذهن؟ لا! وإنما عقيدتنا أن نتوكل على الله ونشرع في هذا، فكم من منكرات أكبر لأناس أكبر أزيلت والحمد لله.
فمن كان يقول: إن فندق البلاد يقفل، ولكن الحمد لله أنكر أهل الخير وتعاونوا حتى أقفل، فهذه أتفه من فندق البلاد، وأصحابها أتفه وأقل، فتوكلوا على الله وأنكروا المنكر، ولا تخافوا ولا تخشوا في الله لومة لائم، فهذه بيعة رسولكم ﷺ كما في حديث عبادة بن الصامت ﴿بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعسرنا ويسرنا، وأن نقول الحق ولا نخاف في الله لومة لائم﴾ قل كلمة الحق بدليلها وبأسلوب حسن وألقها، وستجد القبول بإذن الله.
ونحن في أمة محمد ﷺ وفي مجتمع خير، فستجد من يقبلها في الإمارة أو الشرطة أو الهيئة أو في المسجد، المهم أن تقولها ولا تمنعك مهابة الناس من أن تقولها.
стр. 1340
ترك ما يؤدي إلى مفسدة
السؤال
إذا كان الصلح بين الأخوين يؤدي إلى مفسدة، فما الحكم؟
الجواب
كل شيء يترتب عليه مفسدة أعظم منه فيترك.
стр. 1341
اتهام النبي بسماع الغناء
السؤال
هل صحيح أن النبي ﷺ كان يستمع إلى الغناء كما نشر في جريدة الأخبار؟
الجواب
آخر ما نختم به التنبيه على جريدة الأخبار وهي من الجرائد الذي تطبع أكثر من (١.
٥٠٠.
٠٠٠) يومياً تفتري على رسول الله ﷺ بعنوان كبير (النبي كان يستمع للغناء) -أعوذ بالله- ولا من حسيب ولا رقيب، النبي ﷺ لما سمع الراعي، وضع يده هكذا، وهؤلاء يقولون: إنه ﷺ كان يستمع الغناء، والذي يسمع هذا يعرف أنه الغناء الموجود الآن في الإذاعة وفي التلفزيون وهذا من الكذب والبهتان.
стр. 1342
واجبات الداعية
في هذه المادة يوجه الشيخ نصيحة للداعية إلى الله بأن لا تشغله الدعوة إلى الله عن مراجعة نفسه وتذكيرها، موضحاً أن التذكر والتذكير من المبادئ الإيمانية المهمة، مبيناً ما يجب أن يُذكِّر به الدعاة إلى الله أنفسهم به من الإخلاص لله ، وطلب العلم الشرعي.
والصبر على الابتلاء.
стр. 1343
المذاكرة مبدأ إيماني
قال الشيخ: سفر الحوالي حفظه الله.
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على أفضل خلق الله سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فنشكر الله ﵎ على توفيقه وامتنانه وعفوه ونعمه.
من أصول ومبادئ التزكية الإيمانية، أن العبد المؤمن يتذكر ويُذكر، فالألفاظ لا جديد فيها، ولكن في المعاني يجب أن تُذكر وتتذكر، وإن كانت محفوظة ألفاظها عند السامعين، وهذا من فضل الله ﵎ ومن عظيم التربية الإيمانية، والتزكية الربانية والنبوية، أن يُذكر الإنسان وأن يتذكر.
فالتذكير لا يشترط له بالضرورة أن يأتي بالجديد، لكن التذكير لا بد منه؛ لأن الإنسان إذا استغرق في العمل وانهمك فيه، ربما ينسى أو تخفى عليه أساسيات وضرورات، كانت حاضرة حية في قلبه وشعوره عند بداية العمل.
стр. 1344
مكانة الإخلاص
ومن ذلك الإخلاص لله تعالى في الدعوة، هذا كله لا يخفى علينا أهميته -والحمد لله- لكنه إذا انشغل في غمار الدعوة، واستغرق أوقاته فيها، وهي مشكلات كثيرة، وما من شيء تعطيه أوقاتك أو عمرك وما لديك، إلا وتجده يتسع، وخاصة الدعوة وطلب العلم، فمهما بذلت لها فهي أوسع وأعظم من أن يحيط بها جهدك أو وقتك.
ومع هذا الاستغراق وهذه السعة ينسى الإنسان من يذكره بالله تعالى، ويذكره بالإخلاص لله ﵎، ومن هنا كان أول ما يجب أن يذكر به بعضنا بعضاً هو الإخلاص، كما قال ﷺ : ﴿إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى﴾.
فالواجب علينا -جميعاً- أن نجعل أعمالنا وخطراتنا وسكناتنا وأقوالنا، وكل ما نأتي ونذر، خالصاً لله ﵎ لا تشوبه شائبة، وبذلك نحقق الروح التي تفرق بين الصورة والحقيقة، بين التمثال المنصوب وبين الإنسان الحي الذي خلقه الله ﵎ في أحسن تقويم.
فإن العمل بلا إخلاص سواء أكان تأليفاً، أم جهاداً، أم كان دعوةً، أم أي عمل آخر، فهو كالتمثال أو الدمية التي لا روح فيها ولا حياة، وإنما حياة الأعمال بالإخلاص لله ﵎ ومراعاة تقوى الله ومراقبته فيها.
стр. 1345
العلم الشرعي
والأمر الآخر الذي لا بد منه هو: العلم، فإن أساس الدعوة إلى الله ﵎ على منهاج النبوة، هو العلم.
ولهذا جعل الله ﵎ العلم قبل القول والعمل فقال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩].
فالعلم هو الأساس، ولا نعني أي علم وإنما العلم المقصود هو: العلم بكتاب الله أولاً وقبل كل شيء، ثم العلم بسنة النبي ﷺ ، ثم بآثار السلف الصالح ومنهجهم وسيرهم وحياتهم في الدعوة إلى الله، ثم ما كتبه الأئمة والدعاة المجددون، الذي أقام الله ﵎ بهم الحجة، وأظهر المحجة في أزمنة الغربة وعصور الانحطاط ﵃ وأرضاهم أجمعين.
وهذا لا بد منه، وما تشاهدونه وما تفرحون به إنما هو ثمرة من ثمرات الحرص على العلم، ولا سيما علم السنة النبوية المطهرة التي ضيعها كثير من المسلمين في هذا الزمن، ولولا هذه الصحوة الطيبة المباركة، وما قيض الله ﵎ لها من علماء وأئمة مجددين في هذا الفن، لكان الناس في شأن السنة في حال عجيب.
ففي القرن الماضي وما قبله اشتدت غربة علماء السنة جداً، حتى إنك تجد العلماء الكبار من أكبر جامعة في العالم الإسلامي يحفظون القرآن عن ظهر قلب في مراحل متقدمة من العمر، ولكنهم لا يكادون يميزون الضعيف من الصحيح من الموضوع، ولا يعلمون شيئاً في الحديث، وإذا تكلموا أو وعظوا أو كتبوا، خلطو الموضوعات والأباطيل بالصحاح، ولم يميزوا بين شيء منها، فكان في ذلك آفة ومدخل عظيم للشيطان.
إذا فسد العلم فسدت العقائد والأعمال، ولا خير فيها بعد ذلك، فالحمد لله الذي منَّ على هذه الصحوة الطيبة بهذا العلم العظيم، وأحيا في هذه الأمة الاهتمام بحفظ سنة رسول الله ﷺ قولاً وعملاً وقدوةً.
وما نشاهده في هذه الأيام من التمسك بالسنة في الصلوات في المساجد، وفي المظهر، لم يكن موجوداً قبل خمس عشرة سنة، ولو كنت ذهبت إلى مساجد جدة والرياض والقصيم، لا تجد التمسك بالسنة مثل هذه الأيام، وإنما تجد بعضاً من العلماء الذين لديهم تمسك بها على حال غربة.
أو تجد الذين يتمسكون بالمذهب، وخاصة مذهب الإمام أحمد ﵀ والمنسوب له أقرب إلى السنة، لأن أصول الإمام أحمد هي أقرب المذاهب إلى موافقة السنة وكذلك في الفروع.
لم يكن عن اتباعهم للسنة مباشرة، ولكن كان عن اتباع للمذهب الحنبلي في الحقيقة، وعلى هذا كان كثير من العلماء ﵏ وجزاهم الله خيراً، لكن الحمد لله هذه الصحوة الطيبة أصبحت تتمسك بالسنة، ولا ننسى العلمين المجددين فيها وهما سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ومن سار على نهجهما، فإنهم جددوا في هذا الجيل، إحياء السنة رأساً بغير تقيد بمذهب معين، وهذا من التجديد الذي نفع الله ﵎ به الأمة، والحمد لله على ذلك.
стр. 1346
الصبر على الابتلاء
والأمر الثالث بعد الإخلاص لله تعالى وبعد طلب العلم هو: الصبر على ما يُبتلى به الإنسان في طريق دعوته إلى الله ﵎، فإن الله ﵎ يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
هكذا مضت سنَّة الله، ألاَّ يبعث نبياً إلا وجعل له أعداء، وقد قصَّ الله ﵎ علينا في القرآن من ذلك، مما جرى وحدث مع نوح ﵇ أو هود أو صالح أو إبراهيم أو لوط أو شعيب أو موسى أو عيسى أو محمد ﷺ ، كل من حدثنا الله ﵎ عنه أو حدثنا عنه رسوله ﷺ ، فلا بد أنهم وجدوا من يعاديهم من الملأ المستكبرين، ومن الجهال الأغرار، ومن المستهزئين، الذين لا همّ ولا شأن لهم في الحق، ولا يريدون الحق، وإنما غاية ما لديهم الاستهزاء والعبث والاستخفاف بكل من يدعوهم إلى الله ﵎.
فهم يرون دلائل النبوة وآياتها واضحة جلية، ومع ذلك يُعرضون عنها ولا يبالون بها، ويستهزئون بأنبياء الله ورسله الكرام.
هذا في الأنبياء، فليتأسَ بذلك الدعاة، وليتأسَ بذلك كل من سار على منهاج النبوة.
وأعظم الرجال في هذه الأمة وأفضلهم وخيرتهم هم: الشيخان أبو بكر وعمر ﵄.
ومع ذلك لو نقب الإنسان وقرأ في الكتب، ورأى في أحوال الأمة الذين ينتسبون للإسلام، لعجب كل العجب مما تقوله الخوارج والروافض والباطنية وأشباههم في حق هذين الشيخين الجليلين الصحابيين للنبي ﷺ في حياته، وخليفتيه بعد مماته، فماذا تتوقعون أن يقال فيمن هو دون هؤلاء؟! فالواجب الصبر، والواجب أن يتخلق الداعية بأعلى درجات العفو والصفح والحلم والتجاوز، وألاَّ ينتقم لنفسه، وإنما يعلم أنه إن أصيب من سلطة مسئولية أو من كان ذا كبر وشأن عند الناس، أو سفيه جاهل متطاول، أو من قريب أو بعيد أو حتى من الزوج أو الابن، فكل ذلك إنما هو امتحان وابتلاء، فليصبر على ذلك ليرفع الله ﵎ به درجته وليثبته على الحق، وليكفر عنه من خطاياه.
فإن العبد المؤمن لا يأمن على نفسه أن يعمل عملاً، فتكون فيه شائبة لغير الله أو يقصر في أمر أو يدعو الناس إلى طاعة ولا يأتيها، أو يضعف ويفتر عزمه فيها، فكل ذلك يحتاج إلى المكفرات، وهذه المكفرات هي من نعمة الله ﵎ على العبد، ومن ذلك كما قال له ﷺ : ﴿ما يصيب العبد من هم ولا نصب ولا حزن إلا كان كفارة لخطاياه﴾ أو كما قال ﷺ ، فيكفر الله تعالى عنه بهذه اللأواء وبهذه المصائب وبما يعرض له.
فلذلك لا يكرهها المؤمن ولا يحقرها، وإنما يحمد الله ﵎ عليها وعلى كل أحواله، وليجتهد في الدعوة إلى الله على ما أمر الله ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].
هذا ما أردت أن أقوله، وكل ما قلته لا جديد فيه، أسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا هداة مهديين صادقين خاشعين قانتين إنه سميع مجيب.
стр. 1347
الأسئلة
стр. 1348
دورنا في مواجهة التنصير
أجاب على هذا السؤال فضيلة الشيخ يحيى اليحيى:
السؤال
ما هو دورنا في مواجهة التنصير، وخاصة في هذه المدينة التي تعج بالنصارى، خاصة أنه في بداية عام ميلادي؟
الجواب
ما يتعلق بقضية التنصير فأنا أحيلك على شريط لفضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة ذكر فيه خمسين وسيلة وطريقة لمعاجلة التنصير.
стр. 1349
وسائل الدعوة اجتهادية
أجاب على هذا السؤال فضيلة الشيخ يحيى اليحيى: سؤال آخر: وسائل الدعوة هل هي توقيفية أو اجتهادية؟ وأما فيما يتعلق بأساليب الدعوة فقطعاً أساليب الدعوة ليست توقيفية، إنما هي اجتهادية تختلف على حسب الزمان، وعلى حسب المكان.
فالعلماء يجتمعون ويتشاورون فيما يرونه، ولهذا قال الله : ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] فمنطوق هذه الآية أن الأمور لابد لها من مشورة لأنها تتعلق بعامة المسلمين، ويفهم من هذه الآية أن بعض الأمور -والتي منها الأساليب الدعوية- ليست توقيفية، وإنما هي اجتهادية، فيجتهد العالم كما قال النبي ﷺ كما في حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: قال ﵊: ﴿إذا اجتهد الحاكم فأصاب له أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد﴾ والحاكم ليس هو الإمام الأعظم للمسلمين فقط، بل قد يكون الحاكم إماماً، وقد يكون الحاكم قاضياً، فلا بد لهذه الأمور من اجتهاد ليس فردياً بل جماعياً فنقوم بذلك وخاصة في هذا الزمن، والطرق والمناهج تختلف، ولكن الاختلاف هذا هو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.
هذا الذي أراه وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 1350
تعليق على عيد الكريسمس
يجب علينا الوقوف ضد أي مظهر مهما قَلْ من مظاهر الانحلال أو الفسق أو ترك السنن الظاهرة، فما بالكم كيف يكون الواجب في محاربة إعلان شعائر الكفر الظاهرة التي ينطبق عليها قول النبي ﷺ : ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾.
وقوله: ﴿لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة﴾ فهذا لا شك أن أعظم ما يجب على المسلم إنكاره.
والمنكر الأكبر الذي يجب أن ينكر هو الكفر وتوابعه، وشعائره، ومظاهره، وهذا من مظاهر الكفر، ولو سكت عنها لوجدنا أنفسنا لسنا بمسلمين ولا نصارى -والعياذ بالله- فيبقى عند الناس أداء الصلاة والإعلان بها، وبعض الأمور التي تدل على أنهم مسلمون، ولكن بتعظيم شعائر الكفر ورفع الصلبان، والاحتفال بأعياد النصارى، وما أشبه ذلك.
يكون فيهم أيضاً نوع من النصرانية، فتصبح الأمة المصطفاة التي قال الله ﵎ فيها ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر:٣٢] حتى الظالم لنفسه في هذه الأمة داخل في الأمة المصطفاة، تصبح مسخاً تتخلق بأخلاق من أخلاق الأمم الكافرة التي تغزوها كل طائفة منها بشعيرة من شعائرها، حتى على الناقلات الصغيرة تجدون اللاصقات، يكتبون ( I LOVE) الفلبين أو تايلاند، ويصبح البلد مملوءاً بهذه الشعارات التي قد لا يفطن لها كثير من الناس، أو يظن أنها مجرد أمور شكلية عابرة، لكن في الحقيقة يصبح البلد بعد ذلك فيه كثير من مظاهر الكفر والشرك والعياذ بالله.
وهذا من أعظم ما يجب على المسلمين التعاون والتضافر لمحاربته، ورحم الله شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية عندما تكلم وألف كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم.
والحمد لله الجهود التي بُذلت قد أثمرت، فوزارة التجارة استجابت وأصدرت الأمر بمنع بيع بطاقات التهنئة، وهذا مكسب، ويجب أن نزيد عليه في الإنكار، ونجعله في الحيز الواقع.
ثم يجب علينا أن نحارب المظاهر التي قد تفشو وتنتشر في تلك المناسبات عندهم، من إيقاد الشموع، ووضع شجرات الميلاد على الشرفات وما أشبه ذلك، من الاحتفالات، وهذا من واجب الإخوان في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالتعاون معنا جميعاً.
ثم كل منا يجعل من نفسه عيناً وحارساً لهذا الدين وسنة رسوله ﷺ ، فأينما رأيت علماً من أعلام البدعة ارتفع فالواجب أن تبلغ عنه وأن تحذر منه سواء كان في شركة أم في مؤسسة أم في أي قطاع من القطاعات، خاصة قبل أن تقع، فإنهم يبدؤون يهيئون لهذه الأيام، لأنها عندهم وبالنسبة لهم فرحة العام كله.
فيبدؤون يهيئون لها من قبل ما لا يقل عن عشرة أيام، فلذلك يجب أن نحذر في هذه الأيام ونتنبه إلى هذا، فإذا بلغنا عن شركة أو مؤسسة أو إدارة أو مدير إدارة قد يكون مسلماً، لكن يحب أن يهنئهم أو يقرهم، فنبدأ من الآن في الإنكار، وليس إذا وقع فقط، لأنها ليلة أو ليال ولا نستطيع حينئذٍ أن نُوزع الجهود، فربما لا نستطيع أن نبين أو نتكلم، وإذا تكلمنا فلا يُستجاب لنا، وخاصة إذا كلمت بعض الجهات وجاءت المكالمات أن مائة شركة عندها حفل -مثلاً- تقول: والله لا نستطيع إيقاف مائة.
ولكن إذا بدأنا من الآن وما بقي إلا ما فات عنا ولم نعلم به، أو من يعالج فعادة يكونون قليلاً.
فإذا كانوا ثلاث شركات أو أربع تعمل والباقي التزم، فلا شك أن الباقي يهيئ من بيده الأمر، فيمنع من إقامة هذه الحفلات وإحياء هذه الشعائر الكفرية وأشياء أخرى لا تخفى عليكم -إن شاء الله- إنما المقصود أنه يجب على كل أحد منا أن يكون حارساً وعيناً لهذا الدين وشعائره وأعلامه وتعظيم ذلك، نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يُعظم شعائر الله إنه سميع مجيب.
стр. 1351
موقف المسلم تجاه المنكر
أجاب على هذا السؤال فضيلة الشيخ يحيى اليحيى:
السؤال
حديث الرسول ﷺ : ﴿إن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب ولكنه رضي بما تحقرونه من أعمالكم﴾ رأينا التبرج في بعض الأماكن قد تفشى، والمنكرات وصلت الذروة، لا سيما العمالة الكافرة، خاصة النساء من العمالة الوافدة يكشفن الرأس والساقين، ونحن عندما نرى مثل هذا نقوم بإنكاره على الفور، ولكن سؤالنا هل إذا أنكرنا، ثم لم يلتزم هؤلاء النساء بالغطاء، والهيئات ليس عندهم أمر، فهل في سكوتنا بعد ذلك إقرار لذلك المنكر؟
الجواب
الحديث ﴿إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب﴾ هو حديث انفرد به مسلم عن البخاري من حديث جابر بن عبد الله ﵄ ولفظه ﴿إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش بينهم﴾.
أما ما يتعلق بموقف المسلم تجاه منكر لم يتغير، فهو موقف الرسول ﵊، عندما قال الله له ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩]، فأنت في حكم الرسول؛ لأنك تبلغ عن الرسول ﵊، فما عليك إلا أن تبلغ هذا الحق للمرتكب للمنكر.
ثم أيضاً لا تبلغه إنكار المنكر مرة واحدة فحسب، وإنما تعود مرة أخرى لعله أن يتذكر أو يخشى، ثم مرة ثالثة تدعوه بالحكمة والموعظة الحسنة.
وإذا رأيت أنه معاند ومكابر فعند ذلك برئت ذمتك، وليس عليك شيء، ولا يتضمن هذا إقراراً عندما تترك هذا المرتكب للمنكر.
لكن متى يكون الإقرار؟.
عندما تراه يصول ويجول في المنكرات وأنت ساكت عنه.
стр. 1352
الشركات المعاصرة في ضوء الشريعة الإسلامية
في هذه المادة يتحدث الشيخ عن مبدأ ظهور الشركات المساهمة على مستوى واسع في الغرب، وارتباط ذلك بالاستعمار الأجنبي، وأثر ذلك في ظهور الاشتراكية وردة الفعل بعد ظهور الاشتراكية بتقنين الشركات، وإنشاء المؤسسات العامة، وتكلم عن كيفية دخول القوانين الغربية إلى البلاد الإسلامية، وحُكْم ذلك موضحاً لجملة من المآخذ على نظام الشركات، ثم ختم حديثه بذكر بعض الحلول المقترحة للتخلص من هذه المعضلات.
стр. 1353
أحكام الشركات الحديثة
стр. 1354
أهمية البحث عن أحوال الشركات
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن موضوعنا طويلٌ ومهم، فأرجو أن تحضروا أسماعكم وأذهانكم لتستوعبوا ما تستطيعون أن تستوعبوه، فهذا الدرس بمثابة انطلاقة وبدايةٍ لدراسةٍ أوسع وأشمل يقوم بها كل منا بالإضافة إلى بعض الجهات التي قد نقترح أن تقوم بواجبها في هذا الشأن.
أيها الإخوة: إن الشركات -ولا سيما الشركات المساهمة، وهي أهم الشركات التي ستكون دراستنا لها أكثر- قد انتشرت وتنوعت وتشعبت في مجتمعنا بسبب ما أنعم الله به علينا وفتح لنا من كنوز الأرض، حتى قل أن تجد إنساناً غير مساهمٍ في شركة أو سائل عن مساهمةٍ في شركة، ولا أستطيع أن أحصي الأسئلة التي تأتيني يومياً شفهياً أو خطياً أو هاتفياً عن هذا الموضوع، فكيف بمشايخنا وعلمائنا! لا شك أن هذا يدل على أن قسماً كبيراً جداً من الناس يريد أن يعرف حكم الله في هذه الشركات، وأحكامها وأنواعها، ولا سيما المساهمة منها كما ذكرت.
وهذا الذي دفعني إلى أن أبين وأوضح ما أراه وأعتقده في هذا الشأن، وهناك سبب آخر ربما كان أهم من الأول، وهو أن من يفتي أو يتحدث إلى الناس، أو يعظ أو يخطب متحدثاً عن أحكام الشركات، ومحذراً مما فيها من حرام، إنما هو في الحقيقة متكلمٌ عن حالات واقعة، وجزئيات معينة يسأل عنها السائلون فيفتيهم من خلال ما يعلم؛ ولذلك نجد أن هذا لا يعطي الحل الشامل الجذري.
ولقلة ما رأيت وما سمعت من معالجةٍ جذريةٍ لأصل موضوع الشركات، رأيت أنه لا بد أن أتحدث ببعض ما يوفقني الله ﵎ له، ثم أترك البقية لإخواننا المتخصصين في هذا المجال ممن جمع بين العلم الشرعي وبين الدراسة الاقتصادية، وفوق ذلك لعلمائنا الأفاضل الذين لا بد أن يدلوا بدلوهم، وأن يقولوا كلمتهم الفصل في هذه القضايا.
فالقضية ليست قضية جزئيات ومسائل متكررة يومية يسأل عنها الناس، ما حكم كذا؟ وما الحكم إن ساهمت في شركة كذا؟ وما حكم شركة كذا؟ ولو استمررنا على هذه الحالة سنظل إلى الأبد لا تتغير أمورنا وأحوالنا إلا تغيرات جزئية معينة بقدر ما يقتنع به بعض الناس؛ وكثيرٌ منهم لا يسأل، وكثيرٌ منهم قد يسأل ولكنه لا يمتثل لجواب المفتي.
إذاً لا بد من حل جذري لمسألة الشركات؛ وبيان حكم الله ﵎ فيها من واقع نظام الشركات السعودية وهو النظام أو القانون المطبق في هذه البلاد على الشركات.
стр. 1355
نشأة الشركات
قبل أن ندخل في تفصيل هذا الكلام؛ نتحدث عن نشوء الشركات، ولا سيما الشركات المساهمة في العالم، فنقول: إننا لا نستبعد أن يكون مجتمعنا الإسلامي قد عرف أنواعاً من الشركات المساهمة، أي التي يكثر فيها المساهمون؛ لأن الشركات وجدت في الجاهلية ثم في الإسلام، وفي أثناء توسع ونمو الحضارة الإسلامية وتعاملها مع الأمم وجدت الشركات المعروفة التي بينها وفصلها علماؤنا في كتب الفقه (كشركة العنان، وشركة المضاربة، وشركة المفاوضة، وشركة الوجوه) وذكروا منها (شركات الأبدان، وشركات الأموال إلى غير ذلك) فلا تجد كتاباً من كتب الفقه إلا وفيه أحكام لهذه الشركات.
فمن الطبيعي أن يوجد نوعٌ من الشركات المساهمة بأن يجتمع طائفة كبيرة من الناس ويكونوا شركة، ولا نستبعد أن يكون ذلك قد وقع؛ لأن هذا من الوقائع العادية التي لا تؤرخ؛ لكن هذا يختلف اختلافاً كثيراً عن الشركات في الواقع الغربي، وفي القانون الغربي الذي يحكم حياة الناس، والذي استوردناه وهو المطبق الآن في العالم الإسلامي مع الأسف الشديد.
стр. 1356
نشأة الشركات في الغرب
نشأت الشركات في الغرب نشأةً استعمارية، وأول ما يذكرون في تأريخها شركة تسمى (شركة المغامرين المكتشفين الإنجليز) ثم ظهرت فيما بعد شركة (الهند الشرقية) وهي شركة بريطانية احتكرت تجارة الهند، وأيضاً شركة الهند الشرقية وهي شركة هولندية، احتكرت التجارة في جزر الهند الشرقية - أندونيسيا وما والاها.
ثم ظهرت الشركات التي نشأت في مصر؛ لاستعمار مصر والقبض على تجارة القطن فيها؛ ثم شركات الرقيق التي كانت في إفريقيا والتي تبيع الرقيق لـ أمريكا وغيرها، ثم ظهرت شركات البترول وسيطرت -أيضاً- على بترول المنطقة، وتحكمت في إخراجه وتوزيعه وتسويقه بنسب معينة مع الحكومات.
стр. 1357
ارتباط الشركات بالاستعمار وآثاره
نلاحظ أن وجود الشركات المساهمة يرتبط تاريخياً بالاستعمار وبالاحتكار وبالمذهب الرأسمالي الذي لا يحل حلالاً ولا يحرم حراماً؛ وإنما هدفه الحصول على أكبر قدرٍ من الربح بأقل قدر ممكن من المال أو الجهد، ونتيجةً لانتشار هذه الشركات المساهمة؛ وما صاحبها من انتشار الاحتكار، وانتشار الغبن، والتفاوت الطبقي الفاحش بين الأغنياء وبين الفقراء، وما كان لهذه الشركات -أيضاً- من نفوذ على الدول يزيد من شدة التفاوت الطبقي ومن الظلم؛ نشأت الاشتراكية، والماركسية.
وليس الوقت مقام تفصيل في الاشتراكية، لكن نقول: كيف أثر نشوء الاشتراكية على المجتمع الرأسمالي والشركات المساهمة الكبرى؟!
стр. 1358
آثار ظهور الاشتراكية
أثر ذلك أن الدول الغربية في شمال غرب أوروبا بالذات خشيت على نفسها من الثورات العمالية الاشتراكية، فأخذت تضع قيوداً معينة على النظام الاقتصادي وعلى الشركات؛ ومن هنا ومع الزمن تحولت أكثر الشركات من شركات اتفاقية عقدية بين الناس إلى شركات قانونية يحكمها القانون ويحكمها النظام الذي تضعه الدولة، واحتاجت الدول الغربية إلى إنشاء ما يسمى بالمؤسسات العامة، وهو نوعٌ من أنواع الشركات، يدرأ عن الدولة خطر الثورات والاضطرابات العمالية؛ لأن العمال يساهمون فيها، وفي نفس الوقت تظهر الدولة بمظهر العدالة الاجتماعية مع المحافظة على النظام الرأسمالي في حقيقته وفي لُبِّه، وهكذا كانت الشركات المساهمة.
ولذلك فإن الذي يظهر وهو واضح جليٌ في إدارة الشركات المساهمة وفي أعمالها؛ أن الذي يقبض على زمام الأمور إنما هو مجلس الإدارة؛ فمليون من الناس أو أكثر يشعرون أنهم مساهمون في الشركة، وأن لهم حق التصويت كما يريدون، فهذا يعطيهم رضاً وقناعة بها، ومن المستحيل أن يثور أحد عليها؛ لأنه يساهم فيها ولو بسهم واحد، فيشعر أنها له، ولا يريد أن تخسر؛ لكن أعضاء مجلس الإدارة -وهم دائماً فئة معينة محدودة من الناس- تحتكر كل شيء وتعمل بكل شيء.
ولهذا يقول بعض الاقتصاديين: إن هناك أكذوبتين في القرن العشرين، أكذوبة الديمقراطية: وهي أن الشعب يحكم نفسه بنفسه والذي يحكمه هو في الحقيقة فئة متسلطة معينة باسم الديمقراطية.
والثانية: أكذوبة مجلس الإدارة في الشركة المساهمة أو في المؤسسات العامة، لأنه يتصرف في كل شيء، والمساهم لا يدري عن شيء.
فبهذا المنهج العملي كانت ظروف نشأة الشركات، وخاصة (الشركة المساهمة) في أوروبا.
стр. 1359
القوانين الغربية تغزو البلاد الإسلامية
ما القانون الذي يحكم هذه الشركات؟! أول ما عرف عن قانون مفصل مكتوب في أوروبا هو قانون (نابليون) الذي أظهره في مطلع القرن التاسع عشر من عام (١٨٠٤م) إلى عام (١٨٠٧م) تقريباً.
هذا القانون هو الذي استوردته البلاد العربية، ودخل مع الاستعمار عندما قدم البلاد العربية فعم أكثر أنحاء العالم الإسلامي، وكانت الدولة التي تحكم العالم الإسلامي دولة الخلافة وهي الدولة العثمانية، فالدولة العثمانية استوردت من القانون الفرنسي ومن غيره من القوانين أحكاماً كثيرة؛ منها (القوانين التجارية) وكان القناصل الغربيون يحكمون بأحكام القوانين الغربية في بلاد الإسلام، وفي ولايات دولة الخلافة كـ الشام ومصر، والعراق وغيرها، ونتيجة لذلك جاءت هذه القوانين إلى بلاد العالم الإسلامي.
زيادةً على ذلك؛ أن مصر وهي أهم وأكبر الدول الإسلامية في هذا الشأن أصدرت دستوراً وضعياً سنة (١٩٢٣م)، وقبله أصدرت عدة مراسيم أو أنظمة للحكم لكن أهمها هو هذا الدستور، ثم بعد ذلك وضعت القوانين ومنها وضع القانون المدني المصري الذي هو أكبر وأهم القوانين في العالم العربي، وهو باعتراف واضعه الأكبر (السنهوري) ربيبٌ للقانون الفرنسي ومشتقٌ منه ومأخوذ عنه، وله اعترافات قالها -لا يتسع المقام لذكرها- في ضرورة أن تعود الأمة للشريعة الإسلامية، وأن تستمد من تراثها ومن عاداتها وعرفها أحكامها وقوانينها.
стр. 1360
صدور نظام المحكمة في المملكة
هذا القانون الفرنسي والذي أصبح مطبقاً في العالم العربي، ويسمى باسم (القانون المدني المصري) (والقانون المدني السوري) (والقانون المدني العراقي) (والقانون المدني الأردني) هو الذي اشتق منه نظام الشركات السعودي، ونكون الآن قد وصلنا إلى الحديث عن بداية نظام الشركات في المملكة وكيف صدر.
أصل نظام الشركات في المملكة في الحقيقة يرجع إلى نظام المحكمة التجارية الذي صدر عام (١٣٥٠هـ) واسمه (نظام المحكمة التجارية)، وصدر في تلك الفترة وكان موافقاً في أكثر أوكل مواده لقانون التجارة العثماني، الذي هو منقول عن قانون التجارة الفرنسي.
стр. 1361
أسباب صدور نظام الشركات في المملكة
لما وضع قانون الشركات؛ أُلغي الفصل المتعلق بالشركات من نظام المحكمة التجارية، وأُحل محله نظام الشركات المعمول به حالياً، والذي أُخذ أخذاً مباشراً من القانون المدني المصري، ولا بأس أن نقرأ لكم المقدمة من " نظام الشركات " وهذا النظام موجود، ويباع بخمسة ريالات في وزارة المالية، لنعرف أسباب وضع هذا النظام:- يقول في المقدمة: ' بالرغم من أن الشركات التي أسست في تلك الفترة القصيرة -أي أيام الملك عبد العزيز وما بعده- من الزمن قد شملت في أعراضها كافة أوجه النشاط المالي والتجاري والصناعي، وبلغت رءوس الأموال المملوكة لها عدة مئات من ملايين الريالات، وزاد إقبال الدوائر الحكومية والأفراد على التعامل معها، فإن نصوص الأنظمة التي تحكمها لا تزيد حتى الآن على بضع مواد وردت في نظام المحكمة التجارية، لم تكن كافيةً لمواجهة كافة المسائل المتعلقة بالشركات، سواء عند إنشائها، أم خلال مزاولة نشاطها، أم عند انقضائها وتصفيتها، وإزاء هذا القصور، لجأ الأفراد لتأسيس شركاتهم ومعالجة أمورها إلى اقتباس القواعد المعمول بها في الدول الأخرى، فاختلفت السبل، واختلطت الأمور في كثير من الأحوال، اختلاطاً جعل مهمة الوزارة -أي وزارة التجارة- في مراقبتها والإشراف عليها عسيرة، ومن هنا بدت الحاجة ملحةً إلى وضع نظامٍ شاملٍ للشركات ينص على الأحكام الواجبة الاتباع في تأسيسها ومزاولتها نشاطها إلى آخره ' فالمشكلة التي شخصها النظام بنفسه هي أنه لا يجد عندنا تشريعاً يضبط الشركات مع تشعبها وكثرتها إلا بضعة مواد في نظام المحكمة التجارية؛ فلهذا احتجنا إلى وضع نظام شامل.
إذاً: فأول سؤال يتبادر إلينا جميعاً هو: أين الشريعة الإسلامية؟ وهل أحوجنا الله إلى هذه المواد القانونية؟
стр. 1362
كمال الشريعة الإسلامية في أبواب المعاملات
إن عندنا -ولله الحمد- الشرع الكامل المطهر، الذي أكمله الله ﵎، كما قال سبحانه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] والذي ما ترك شاردةً ولا واردةً إلا ولها فيه حكمٌ؛ إما نصاً أو استنباطاً؛ والذي لا خيار لنا في أن نأخذ به أو أن نتركه أبداً، قال سبحانه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠] ولقوله أيضاً: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] ويقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وكل الآيات التي تذكر موضوع الكفر بالطاغوت كما ذكر الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦] أي: أن الكفر بالطاغوت ركن شهادة أن لا إله إلا الله.
فالقضية الأساسية ومدخل الخطر: أننا نظرنا إلى الوضع والحال المعمول به في البلاد الأخرى؛ فاستوردنا قوانينها واستوردنا مؤسساتها وشركاتها، وتركنا الرجوع إلى الشرع، وقد فصلت أحكام ذلك تفصيلاً؛ وأكثر من ذلك ألماً وأسفاً أن يقال كما في كتاب مبادئ القانون الذي يُدرَّس في كلية الاقتصاد والإدارة بالجامعة هنا في جدة وفي غيرها ' إن الشريعة الإسلامية لم تنظم المعاملات، بل تركتها للناس ' وإن أيَّ طالب علم يقرأ في المغني، أو في فتح الباري، أو في شرح النووي، أو أي كتاب من كتب الفقه أو شروح السنة أو التفسير، يجد أن آيات الأحكام وأحاديث الأحكام في المعاملات، تستغرق قسماً أكبر من القسم الذي يسمونه العبادات -أي الصيام والصلاة والطهارة والحج والزكاة والصوم- وفي الطبعة المحققة -الآن- من المغني وفي الجزء السابع فيه كتاب (الشركات) من (صـ١٠٩) إلى (صـ١٩٥)، هذا غير ما تتعرض له كتب الفقه من أحكام الشركة في أبواب الصلح، وفي أبواب البيع، وفي أبواب الميراث، وفي أبواب الشفعة، وفي أبواب كثيرة من أبواب الفقه التي لها علاقة بالشركة.
стр. 1363
حكم تحكيم القوانين
لم يتركنا الله هملاً ولا عبثاً، ولا أيتاماً ضائعين نبحث عما يقوله الغربيون أو نستورد ما يصدرونه لنا من فتات أفكارهم وقوانينهم.
ومن هنا انبرى سماحة الشيخ العلامة محمد بن إبراهيم -رحمه الله تعالى- وتصدى لهؤلاء، وأصدر الفتوى الشهيرة التي هي بعنوان: تحكيم القوانين، ولعلكم قرأتموها جميعاً، وله مع سماحة الشيخ عبد العزيز ومجموعة من العلماء فتوى قريبة من هذه في ألفاظها وفي معناها، كلاهما موجود في الجزء الثاني عشر من فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم في كتاب القضاء منه.
стр. 1364
المآخذ على نظام الشركات
أصل الخلط الذي وقع، هو كون النظام ينص على: ' إننا لا نخالف الشريعة، وإن النظام لم يحل حراماً ولم يحرم حلالاً' فهذا غير صحيح، وسنبين كيف أنه خالفه ولم يلتزم به، بعد أن نبين الجوانب الأخرى من المآخذ على هذا النظام؛ وبعد أن عرفنا المأخذ الأول وهو أنه مستمد من القوانين الوضعية لا من الشريعة.
المأخذ الثاني: أن واضع نظام الشركات ليس العلماء، وليس لجنة شرعية، وإنما هي لجنة من القانونيين، إذاً استمداده ليس من الشريعة، وواضعه ليس من المتخصصين في علوم الشريعة.
المأخذ الثالث -وهو خطير ومهم جداً-: أن التحاكم إلى أحكام الشركات، والرد عند التنازع في أمور الشركات ليس إلى المحاكم الشرعية، وإنما إلى هيئةٍ قانونيةٍ خاصة كانت تسمى المحكمة التجارية، ثم غيرت عدة مرات وبعدة أسماء: هيئة حسم المنازعات التجارية، أو هيئة فض المنازعات التجارية، ثم خصصت لها هيئة باسم هيئة حسم المنازعات في الشركات، وتغيرت مراراً عديدة في تشكيلها وفي أعمالها.
ونقتصر على نص واحد من سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ تعرض فيه لنقد نظام الغرفة التجارية والمحكمة التجارية وهو موجود في (صـ٢٥١) من الجزء الثاني عشر من الفتاوى كما أشرنا.
يقول الشيخ ﵀: 'وقد انتهى إلينا نسخة عنوانها: نظام المحكمة التجارية بـ المملكة العربية السعودية المطبوع بمطبعة الحكومة بـ مكة عام (١٣٦٩هـ) للمرة الثانية، ودرسنا قريباً من نصفها - (من) هذه من كلامي ليستقيم اللفظ- فوجدنا ما فيها نظماً وضعية قانونية لا شرعية، فتحققنا بذلك أنه: حيث كانت تلك الغرفة هي المرجع عند النزاع فإنه سيكون فيها محكمة، وسيكون الحكام فيها غير شرعيين بل نظاميون قانونيون، ولا ريب أن هذه مصادمة لما بعث الله به رسوله ﷺ ، من الشرع الذي هو وحده المتعين للحكم به بين الناس، والمستضاء منه عقائدهم وعبادتهم ومعرفة حلالهم من حرامهم، وفصل النزاع عندما يحصل التنازع، واعتبار شيء من القوانين بالحكم بها ولو في أقل القليل - لاحظوا عبارة الشيخ - لا شك أنه عدم رضاً بحكم الله ورسوله، ونسبة حكم الله ورسوله إلى النقص وعدم القيام بالكفاية في حل النزاع، وإيصال الحقوق إلى أربابها' وانظروا كيف نُسب ذلك النظام حكم الله إلى عدم الكفاية! يقول نظام الشركات في المقدمة: 'والواقع أن كافة أنواع الشركات التي تضمنها المشروع على تباين أشكالها وأحكامها لا تختلف عن الشركات التي كانت معروفةً في الماضي وقال: أما علة الاختلاف فترجع بأساسها إلى اتساع دائرة المعاملات عما كانت عليه في الماضي مع تنوع صورها وأشكالها على نحو لم يكن معروفاً أو متوقعاً'.
وهذا لا يجوز أن يقال عن الشريعة؛ لأنه لا يمكن أن يقع أي شيء إلا وله حكمه في دين الله، والواقع شاهد على ذلك.
أرجعوا الأمور إلى المحاكم الشرعية؛ تجدوا أنها تحكم -بإذن الله- في كل شيء أرجعوا وضع هذه الأنظمة إلى هيئات شرعية من العلماء؛ تجدوا أنهم يضعون لكم كل شيء مما يصلح حال هذه المشاكل وغيرها.
يقول الشيخ: 'وهذا فيه نسبة حكم الله ورسوله إلى النقص وعدم الكفاية في حل النزاع وإيصال الحقوق إلى أربابها، وحكم القوانين إلى الكمال وكفاية الناس في حل مشاكلهم -وكأن القوانين أكمل في حل المشاكل- واعتقاد هذا' أي ومن يعتقد أن القوانين تحل المشاكل، والشريعة لا تحلها، وليس فيها الكفاية في ذلك، قال الشيخ: 'واعتقاد هذا كفرٌ ناقلٌ عن الملة -فانظروا خطر ما يقع فيه بعض الناس أو يقوله، شعر به أو لم يشعر ثم يقول: والأمرٌ كبير مهم وليس من الأمور الاجتهادية -أي أن بعض الناس يقول هذه أمور ومشاكل تجارية اجتهادية ولا مانع من ذلك.
فيقول الشيخ:- والأمرٌ كبير مهم وليس من الأمور الاجتهادية؛ وتحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه؛ شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه' أي أنهما شقيقان أن يعبد الله وحده وأن يحكم شرع الله وحده.
قال: 'إذ مضمون الشهادتين أن يكون الله هو المعبود وحده لا شريك له، وأن يكون رسوله ﷺ هو المتبع، المحكم ما جاء به فقط، وما جردت سيوف الجهاد إلا من أجل ذلك، والقيام به فعلاً وتركاً وتحكيماً عند النزاع، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩] ' إلى آخر كلامه ﵀ ورضي عنه وأرضاه.
وهذه هي المآخذ المهمة أصله واستمداده ثم واضعه ثم جهة التحاكم فيه وكلها كما قد رأيتم مرجعها ومآلها إلى غير شرع الله هذا من حيث الجملة.
стр. 1365
نقد تفصيلي لنظام الشركات
يقع الخلل والخطأ، وتكثر أسئلة الناس اليوم، ويقعون في الحرج العظيم من جراء مساهمتهم في هذه الشركات، وذلك بسبب ما في هذا النظام من المخالفات الشرعية الواضحة، ومنها ما يلي:
стр. 1366
أولاً: عدم الشمولية
إن نظام الشركات غير شامل لجميع أنواع الشركات، فالشركات المعروفة في الفقه تشمل نوعين: شركات الأبدان، وشركات الأموال، ونظام الشركات هذا لم يتعرض لشركة الأبدان؛ لأن القانونيين لا يتعرضون لها، مع أنها جزء ونوع من أنواع الشركات، فلم يتعرض لها إلا إشارة إلى أن ما عدا هذا يجوز لكن لم يتعرض لأحكامها ولم يفصل فيها شيئاً، فمن هنا نلحظ أنه سار على المنهج القانوني لا على المنهج الشرعي في تقسيم أنواع الشركات.
стр. 1367
ثانياً: إجبار المتعاقدين على نمط معين
إن هذا النظام يحكم عقود الشركات، بحيث تصبح وكأنها ليست عقوداً اتفاقية بين الشركاء؛ فالأصل بين الشركات شرعاً؛ أنها عقود بين الشركاء؛ أما في الواقع الحالي، فإن النظام هو الذي يحكم وليس العقد، أي أن الشركاء يدخلون تحت نظام، وهم مرغمون ومجبورون على اتباعه، وإلا عوقبوا، وليس بإرادتهم هم وبتعاقدهم هم.
стр. 1368
ثالثاً: إلزامية عقد الشركة
إن الشركة المساهمة -حسب لوائح النظام- عقدٌ لازم وليس اختيارياً جائزاً، ولهذا تجدون كل واحد من الناس ساهم في أي شركة -سواء كان مكاناً ربوياً بحتاً مثل بنك الرياض، أم غير ربوي كصافولا وغيرها- لا يستطيع أن يسترد رأس ماله؛ فيقولون: بع سهمك، وهي في بعض الأحيان لم تفعل شيئا بعد، والأصل في الشرع أن الشركة عقد جائز، متى رأى الشريك أن يخرج أو يحل الشركة فإنها تحل وهذا لو كان على مستوى أفراد لهان الأمر، لكنه على مستوى أمة؛ فإذا وجد مليون مساهم وعرفوا أن هذا حرام، فأرادوا أن يتخلصوا من الحرام -والحمد لله مع وجود الصحوة الكبرى، والأوبة والتوبة والرجوع إلى الله، تجعل الناس يرون ضرورة التخلص من هذا الحرام- إذا اقتنع مليون أو ألف من الناس أن يتركوا هذا الحرام؛ فلا بد أن يضعوا مكانهم مليوناً أو ألفاً آخر، فلا يمكن التخلص منه، وهذا بسبب أن النظام يجعل الشركة عقداً لازماً لا يمكن أن ينفضَّ إلا بحكم النظام، وهذا أمرٌ مهم جداً.
стр. 1369
رابعاً: المخالفات الشرعية في الصكوك
الصكوك التي تصدرها الشركة المساهمة-ولنقرأها لكم كما هي في الفصل الرابع- وهي ثلاثة أنواع وهذه من أخطر الأمور التي يجب أن يتنبه لها المسلمون ويهتمون بمعرفة أحكامها: ' الفصل الرابع من نظام الشركات يبتدئ بالمادة ٩٨يقول: الصكوك التي تصدرها شركة المساهمة: النوع الأول: الأسهم من المادة ٩٨ إلى المادة ١١١.
النوع الثاني: حصص التأسيس من المادة ١١٢ إلى المادة ١١٥.
النوع الثالث: السندات من المادة ١١٦ إلى المادة ١٢٢.
' وهذه الثلاثة الفروع لصكوك الشركة وأموالها، فهي إما أسهم، وإما حصص تأسيس، وإما سندات.
إذا كنتم عرفتم ذلك، فلنأخذها واحداً واحداً، ونبدأ بالأخير: -السندات: والسندات رباً وحرام قطعاً، ولا يشك في ذلك أي إنسان يعرف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وصرح بهذا حتى من القانونيين أنفسهم فيقول أحدهم: هذا مخالف للشريعة؛ لأنه سند بقرض وفائدته فيه معروفة ومعلومة، والسند هو عبارة عن قرض أو سندات بقرض يسمونها، وهذا حرام قطعاً ولا شك فيه إذن، هذا الفرع باطل كله ولا يحتاج أن نفصل فيه، لأننا لا نحتاج أن نبين أن الربا حرام.
- حصص التأسيس: وهي حرام أيضاً، لماذا؟! وما معنى حصة التأسيس؟.
نقرأ تعريفها من نفس النظام الذي يقول: ' هي براءة اختراع أو التزامٌ حصل عليه من شخص اعتباريّ عام، يكون مشاركاً بحصة تأسيس '.
فمثلاً: هذا رجل ليس عنده مال يقدمه، لكن عنده اختراع ينفع الشركة، أو خدمة معنوية للشركة يرى مجلس الإدارة أنها تصلح خدمة للشركة، فيعتبر صاحبها مؤسساً أو مشاركاً فيها وهذه تسمى حصة التأسيس، ويعطى بذلك صكاً من الشركة أنه يملك حصة تأسيس، وهذا لا يجوز شرعاً، لماذا؟ لأن فيه جهالة، وفيه غرر، ويترتب عليه مفاسد كثيرة، وكل من بحث المسألة يرى أن هذا حرام والأسوأ أن هذه الخدمة المعينة يفسرها مجلس الإدارة، ولذلك يمكن أن تكون رشوة.
فكيف تكون رشوة؟ تقدم -مثلاً- الشركة (شركة استيراد) ولدينا موظف في الجمارك في وزارة التجارة، فنعطيه حكم التأسيس في الشركة مقابل خدمة تسهيل استيراد أشياء بدون أن تتأخر، أو بدون أن تجمرك، أو كذا، وهذا يفتح مجالاً كبيراً للتزوير والخداع بطريقة نظامية للشركة؛ وإذا قيل: ما حصة فلان؟ قالوا: هذا عنده حصة تأسيس.
ويمكن أن يدخل فيها أنواع كثيرة من الخداع، والعالم الغربي اليوم يعيش هذا ويعلمه؛ فأكثر الشركات قائمة على الخداع، وعلى الغش، وعلى الرشاوى، وعلى التزوير، ويدخل ذلك من باب حصص التأسيس النظامي، والواقع في كل بلاد العالم شاهد بذلك.
إذاً وهذا النوع الثاني نوعٌ باطل، فلا يجوز أن يشترك إنسان بشيء معنوي مجهول في شركة مالية، لأنه -أصلاً- باطل؛ فكيف إذا دخله حرام.
- بقي النوع الأول وهو " الأسهم " ولا بد أن نفصل قليلاً- في موضوع الأسهم من حيث الموقف الشرعي من الشركات المساهمة.
فالأسهم نوعان -كما في النظام في المادة (٩٩) - إما أن يكون السهم اسمياً، وإما أن يكون لحامله؛ فاسمياً يعني سهم فلان بن فلان، وأما لحامله فيعني كل من يملك الورقة فهو مالك للسهم، فالنظام في المادة (١٠٢) يقول: " تتداول الأسهم لحاملها بمجرد المناولة " أي حتى لو ضاعت على أحدهم ووجدها شخص آخر وأخذ السهم؛ فالأمر طبيعي جداً ولا يسأل عن ذلك.
فهذا النوع من الأسهم -وهو الأسهم لحامله- حرام، ولا يجوز إصداره شرعاً، لما فيه من إضاعة الحقوق، ولأن الجهالة هي جهالة الشريك ولا ندري من هو الشريك، وهذا يوقع في مفاسد ومحظورات شرعية؛ فإذاً هذا النوع باطل بقي أمر آخر في موضوع الأسهم، وهي الأسهم التي تضعها الشركات المساهمة -كما في نفس النظام- وهي إما أسهم عادية، وإما أسهم ممتازة.
ما معنى أسهم ممتازة؟ أي أن الأسهم أصحابها لهم ميزة، فنحن نعرف جميعاً أن الأسهم كلها متساوية، فالسهم قيمته -مثلاً- مائة ريال لجميع المساهمين؛ لكن الأسهم الممتازة حتى لو أفلست الشركة أو صفيت، فإنك تأخذ حقوقك كاملة، ولا تشترك في الخسارة، ويمكن أن تسحب مالك من أي وقت ولا تُطالَب بأي شيء، وأمامك فرص كثيرة جداً لأنك شخص ممتاز، مع أنك ما دفعت إلا المائة، أو ما تملك إلا سهماً واحداً؛ وهذه توضع لأناس معينين.
فهذه الأسهم الممتازة حرام بهذه الصفة؛ لأنها تعطي ميزات وتفاضلاً بغير حقٍ وبغير وجه شرعي، والأصل أن المساهمين جميعاً سواءٌ في الربح أو في الخسارة.
ومنها أنواع يسمونها (أسهم التمتع) وتنص على أن بعض الناس بعد مضي فترة من الزمن يسترد رأس ماله، ومع ذلك يظل في الشركة ويأخذ أرباحاً عادية؛ لأن لديه أسهم رأس المال أو أسهم تمتع!! أي أنه يأخذ رأس ماله ومع ذلك لا يزال يُعطى مثل ما يُعطى بقية الشركاء!! وهذا لا شك أنه حرام، فبأي حق يأخذ هذا المال، وقد استرد رأس ماله فهذا أيضاً نوع من أنواع الأسهم، وهو حرام قطعاً.
وأما ما عدا ذلك فهي الأسهم العادية وهذه لا تخلو من محظورات شرعية، بعضهم أوصلها إلى حد أنها تبطل الشركة، أي أن الشركات المساهمة من أصلها باطلة، وسبب ذلك هو أن الشريك يساهم ويشتري ويخرج دون علم الآخرين، فليس هناك شركة في الحقيقة.
وأكثر من هذا أن البورصات العالمية وبائعي الأسهم والدلالين والسماسرة يتلاعبون بعقول الناس بسبب هذه الأسهم، ويتلاعبون -حتى- بالسياسة الدولية، فيتدخلون في أمورٍ ويتحكمون بأكثر من قطاع وأكثر من مجال من مجالات الحياة والناس لا يعلمون.
مثلاً: حدثت حادثة: رئيس الوزراء في بريطانيا قدم استقالته قالوا: ارتفعت الأسهم، وإذا ذهب وزير خارجية أو اختطفت طائرة أو ارتفع البترول قليلاً انخفضت أو ارتفعت الأسهم في الدقيقة أو في الثانية لا بد من ملاحقة شديدة لها.
ويدخل في هذا النجش المحرم شرعاً كما قال ﷺ : ﴿ولا تناجشوا﴾ وهو الزيادة ممن لا يريد الشراء، وكم أفلست من دول ومن شركات ومن مؤسسات، بسبب هذه الأسهم، وفوق كل ذلك إفلاس هائل جداً للناس الذين انهالوا على شراء الأسهم، فاشتروا وارتفع سعرها، ثم اشتروا وباعوا وفي النهاية فوجئوا بالإفلاس؛ وسنوات طويلة والدولة ما تزال تحاول أن تحل هذه المشكلة.
إذاً: عن هذه الأسهم نقول: على فرض أن الشركة المساهمة حلال، فإن من مشاكلها هذا البيع، وما يدخلها من غش وغرر ونجش ومعاملات محرمة، ولا يحصر أثرها في محاضرة ولا أكثر لأن أثرها وضررها عظيم، هذا بالنسبة لموضوع الأسهم.
стр. 1370
خامساً: اجتماع الأجرة مع نسبة من الأرباح
من المخالفات الشرعية: أن نظام الشركات السعودي أجاز أن يحصل الشريك بالعمل على نسبةٍ من الأرباح زائد أجرة ثابتة وهذا لا يجوز شرعاً؛ لأنه ربما استهلكت الأجرة الربح؛ كله فماذا يبقى؟! والثابت شرعاً أنه لا يعطى زيادة على نسبة الربح أجرة، ولعل فيما بعد يأتي الكلام عن مكافأة أعضاء مجلس الإدارة وما يتعلق بها، وهي قريب من هذا.
следующие страницы →