← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

واجب دعاة اليمن تجاه الأحداث السؤال ما هو واجب الدعاة في اليمن، هل هو العمل الديمقراطي أم الجهادي؟

стр. 1437

اعتذار ليسمح لي الإخوة بدقائق في موضوع مهم وحقيقة أنني أراه مهماً, وأنا مهتم بهذا الموضوع، وأنا أطلب المعذرة من الذين سألوني عنه مراراً وما منعني إلا أنّ الوقت لم يسعفني لأن أخصص له موضوعاً منفرداً، وأرى أن هذا الموضوع يتعلق بطرف آخر، وأريد أن أسمع منه، فلم أستطع أن أسمع منه حقيقة، لكن لا بد أن أتكلم وأن أقول نصيحة ينفع الله بها -إن شاء الله- ثم بعد ذلك لا بأس من الاستدراك أو من سماع رأي الطرف الآخر كعادتنا هنا، والحمد لله، اليمن في قلوبنا، هذا السؤال المهم يتعلق بالبلد الذي نحبه ويحبنا, والشعب الذي نحن منه وهو منا، وهم إخواننا الدعاة وإخواننا المؤمنون في الشعب اليمني الشقيق، الذي أراد الله له أن تكون حياته سلسلة من المآسي والفتن، لا يبعد فيها عن كثير من أقطار العالم الإسلامي، فقد تولى عليه الروافض في أول الأمر منذ نهاية القرن الثالث تقريباً، ثم تولت عليه الباطنية بعد ذلك، ثم في العصر الحديث -كما ترون- وبعد جهاد وكفاح طويل مع الباطنيين، انتصر عليهم الترك، ثم أخرج الترك، ثم جاءت الثورة المزعومة، وجاء عبد الناصر، وفعل بهم ما فعل، جزاه الله وعامله بما يستحق، ثم كانت المآسي والفتن التي لا تخفى عليكم إلى اليوم. هذا الشعب المؤمن، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية، وهم أرق قلوباً وألين أفئدة وأقبل للبشرى، وهم الذين سيكونون المدد لهذه الأمة -بإذن الله-في حروبها مع الدجال، وفي ملاحمها مع الروم، كما جاءت بهذا الأحاديث، نقول: إخواننا هنالك في حاجة شديدة إلى أن ينصحوا فيما يتعلق بالعمل الدعوي الذي يسيرون فيه، وذلك أن كثيراً من الإخوة أخبروني، وكتبوا لي بأن هنالك من يريد أن يعلن الجهاد المسلح في هذا البلد؛ نظراً لتردي الأوضاع ولفساد أحوالها، ولا يخفى علينا هذا، وبالمقابل هنالك بالطبع -وهم الأكثر- من يخالفهم في هذا القول. فأحببت أن أقدم نصيحة لإخواني هنالك وهي لكل مسلم:

стр. 1438

مضمون النصيحة إخوتي الكرام: إن الدعوة إلى الله واجب علينا جميعاً، ولا يخفى على أحد منا فضلها وأهميتها, ولكن يجب علينا أن نضبطها بمنهاج النبوة، حتى تكون الدعوة على منهاج النبوة وعلى سنة رسول الله ﷺ ، بل حتى تكُون موافقة لسنن الله تعالى في المجتمعات، وفي الكون؛ فإن لله تعالى سنناً، وهذه السنن اتبعها النبي ﷺ في دعوته، فكانت مراحل كما تعلمون. ومن ذلك أن الجهاد إنما يأتي في مرحلة تالية، في مرحلة تكون السُنَّة الربانية فيها أقرب إلى التحقق، ولسنا أياً من كنا بأشد شوقاً وأكثر تلهفاً إلى الجهاد في سبيل الله، وإقامة دين الله من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومع ذلك كان النبي ﷺ يأمرهم في أول الأمر بكف اليد، ويقول: إني لم أؤمر بذلك، حتى هيأ الله تعالى له ما أراد بالهجرة، وما يسر له من إقامة الدولة، وأن يكون هو رأسها وسيدها، فعندئذ أنزل الله ﵎ قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، وهكذا كان ابتداء الجهاد إذناً وليس أمراً، والإذن إنما يكون بناء على طلب، وتلهف، وتشوق من الناس إليه، وهذا ما حدث في عهد النبي ﷺ . وفضل الجهاد وأثره العظيم لا ينكر، ولو خصصنا محاضرات وكتب في فضله وفوائده للأمة ما أتينا عليها، لكن هذه كلها يجب أن لا تنسينا حقائق لا بد من معرفتها ونحن نتعامل في حقل الدعوة إلى الله، وهي أن مرحلة الصبر والبلاغ والدعوة، والنذارة، هذه مرحلة لا بد أن تسبق ذلك كله، وهذه مرحلة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتجاوز، وهي التي قال فيها رسل الله لأقوامهم: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ [إبراهيم:١٢]. حتى لو آذونا وسجنونا، وسجنوا من سجنوا، وآذوا من آذوا، لا عمل لنا إلا الصبر والبلاغ وإقامة الحجة، حتى يفتح الله تعالى بيننا وبينهم بالحق وهو خير الفاتحين، أما استعجال سنن الله ﵎، وتوريط الأمة في مشاكل لا ندرك ولا نضمن عاقبتها، فهذا شيء يجب أن ندركه جميعاً، لا أقول في اليمن وحده، بل في كل مكان، ويجب أن نعلم أن هناك عقبات لا يصح معها أن يعلن الجهاد المسلح في هذا البلد الذي نحن حريصون كل الحرص أن يحكمه الإسلام في أقرب لحظة، وهذا الذي ندين الله تعالى به جميعاً، وهذا ما نريده لكل بلد في هذه الأرض ألا يحكم إلا بما أنزل الله. لكن لا بد من التنبه إلى الأوضاع الدولية، والنظر إلى العقبات الخارجية، فهل تسمح الأوضاع الدولية الآن بوجود جهاد مستقل؛ لإعلاء كلمة الله وإقامة دينه، وسوف يكون التعاون بين الحكومة القائمة وبين الشرق أو الغرب، بين قوى نعلمها ولا نعلمها في سبيل القضاء على هذا الجهاد، لأن الغرب والقوى الدولية لا يريدون أن تتكرر مأساة أفغانستان أو إرتيريا , فهم حريصون على طمس هذا الجهاد هنا وهناك، في الفلبين أو في غيرها، هل يسمحون بالجهاد أن يكون في بلد مهم له موقعه المهم كـ اليمن، لا يكون ذلك أبداً. أهم من ذلك -في نظري مثلاً- هل إمكانيات الدعاة ووسائلهم تتيح لهم ذلك، لنكن موضوعيون فيما نعلم وما يظهر لنا، الدعاة لا يملكون العدد الكافي، والدعاة -أيضاً- لا يملكون الإعلام والجيش الكافي، وكثير من الناس لا يعلم عنك أي شيء، وكيف يتعاطف معك وهو لا يعلم عنك أي شيء. والدعاة -أيضاً- لا يملكون الاقتصاد والمال اللازم، وهكذا أمور كثيرة، على أن أهم من ذلك أيضاً أن نقول ما المقصود بالجهاد؟ إن كان المقصود به إعلاء كلمة الله؛ فإن أهم ما تعلى به كلمة الله ﵎ هو تصحيح العقيدة في قلوب الناس، كما بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن فقال له: ﴿فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله﴾، وفي رواية: ﴿إلى أن يوحدوا الله﴾، إلى أن يعبد الله وحده لا شريك له، هذه أول دعوة، أن نعلم الناس العقيدة الصحيحة، ونفهمهم إياها حتى يتفقهوا فيها، ويعرفوا من يوالون ومن يعادون فيها، وحتى نضمن أنهم إن جاهدوا جاهدوا لله لا لغرض أو مطمع دنيوي. ولا سيما في بيئة معقدة متشابكة كبيئة اليمن، فيها نواحي قبلية ونواحي طائفية، ونواحي مذهبية، وفيها أمور لا يستطيع الإنسان معها أو لا يضمن فيها ولاءً من أحد، وأيام الحرب بين الملكيين والجمهوريين، كان الأمر كان واضحاً، فالقبيلة إن أعطاها الملكيون المال انضمت إليهم، وإن أعطاها الجمهوريون انضمت إليهم، فالنفوس إن لم تكن صادقة متربية مزكاة بتقوى الله، كيف نضمن أنها تقف معنا، وإن وقفت في أول الأمر، أو جاءت بعض الأسباب التي نراها تشجعنا أن نجاهد أو أن نبدأ الجهاد، نحن نخشى أن تتحول العملية -لو قامت وإن شاء الله لن تقوم إلى العكس بل سيفكر الإخوة كثيراً في ذلك- إلى جاهلية وقبلية عنصرية، لا ندري، فقد ينفرط الحبل والزمام، ولا يكون بمقدورنا أن نسيطر عليه، وتتدخل القوى العظمى الخبيثة، لصالح طرف على طرف، أو تتحول اليمن إلى لبنان أخرى، أو أي بلد وهي حريصة على ذلك كما هي حريصة أن تفعل ذلك في السودان وفي أثيوبيا وفي غيرها. فمن المشاكل التي سوف تترتب على قيام مثل هذا: الفرقة بين المسلمين، وكفانا فرقة, وأكثر الدعاة، والمسلمين لن يوافق على هذا الأمر، فسوف يكون هناك من الفرقة بين المسلمين ما نحن في غنى عنه في هذه اللحظة، ولن تكون إلا الفرقة، ولن يكون مثل هذا العمل الذي يختلف الناس إلى نقيضين إلا عند غياب الشورى، فلو كانت الشورى بين الدعاة في الأمور الاجتهادية, ثم الرجوع إلى العلماء في الأمور النصية، ومشاورة أهل العلم في كل مكان لأن الدعوة تهم الجميع في كل مكان؛ فهذا هو الذي يجمع الأمة ويوحد رأيها. أما أن ينفرد أحد برأيه بجهاد أو حتى بدعوة، ويرى الآخرين رأياً آخر، ولا يكون هناك تواصل وشورى لأخذ هذا الأمر وهم في بلد واحد، فإن هذا يؤدي إلى تفريق الأمة، وإلى تمزيق كلمتها، ونحن نعلم من واقع اليمن وهذا يؤلمنا ولكن هذا واقع أكثر العالم الإسلامي -أن القبيلة أو المحافظة أو اللواء قد لا يكون فيها عالم، بل ربما طالب علم، لا يدرك إلا بعض ما يؤدي به الواجب، فالجهاد إذالم يكن هناك علماء يقودونه ويوجهونه، كيف نضمن له أن يستمر، وكيف نضمن له أن ينتصر؟! فالمربي مفقود، بل أكثر من ذلك القائد وهو الذي يكون مربياً وزيادة مفقود، إذ من المربين من لا يكون على قدر من العلم يؤهله في أن يقود طائفة، أو يربي جماعة في مسجد، أو جماعة من الشباب، أو حلقات علم، كيف يربي أمة؟! هذا أمر ليس بالأمر الهين، فحينئذ تضيع الأمور، ويأتي علماء السوء أو من أمثالهم، فيفتوا ضد هذه الأعمال، فتكون المأساة التي نسأل الله تعالى ألا تكون. وقد يقول البعض إلى متى نظل نربي؟ فنقول: نحن لا نستعجل أمر الله، نحن واثقون بوعد الله بالنصر لمن قام بهذا الدين، وكما جاء في الحديث الصحيح: ﴿رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان والرهط، ورأيت النبي وليس معه أحد﴾ بعض الأنبياء ما آمن به أحد، وما تبعه أحد، فعلينا ألا نستبطئ نصر الله، ولا نستعجل وعد الله، وأن نستمر في التربية والتزكية، والتفقه في الدين، وتصحيح العقيدة، والصبر على المخالفين في العقيدة، وفي المنكرات التي يجاهرون بها، حتى يفتح الله سبحانه قلوبهم للخير، وحتى تتكون قاعدة عريضة يمكن أن تقوم بدين الله سبحانه ولا تحوجنا إلى هذه الجهود التي لا ندري كيف تكون نهايتها, أو ما هو مصير هذه الأمور لو قامت؟! وأنا أرى أن القياس على أفغانستان أو على غيرها في غير محله، لأن أفغانستان العدو واضح، هو روسي شيوعي جاء بدباباته واحتل البلد، أما هنا فإن القضية ملبس عليها، فإن الحكومة تدعي أنها إسلامية, وتقول إن الدستور إسلامي، ومن العلماء من يؤيدها؛ فلا نقيس ذلك على أفغانستان، ولا على غيرها ولا ما أشبهها. وقد يقول البعض: ما هو البديل؟ هل ننضم للأحزاب السياسية وندخل البرلمان، ونتحول للعمل السياسي؟ فنقول: لا أيضاً, فليس هذا المقصود، إنما نريد دعوة على منهاج النبوة تبدأ بتصحيح العقيدة، وتفقيه الناس في دينهم وتعليم سنة نبيهم ﷺ ، وتفتح هذه الحلقات الطيبة المباركة، من توعية الناس وتعليمهم وتثقيفهم في المحافظات، في الألوية، وفي القرى، وفي كل مكان بقدر الاستطاعة، وعن طريق المعاهد، وعن طريق تحفيظ القرآن، وعن طريق نشر الأشرطة، ونشر الكتيبات وتوعية الناس، دعوة تقوم وتحتسب وتصبر على الأذى, فهذه هي القاعدة الأساسية التي نريدها. أما ما يتعلق بالعمل السياسي وما تورطت فيه بعض الأحزاب من العمل السياسي، فنقول يجب أن تكون الأمور شورى، أن يستشيروا بعض، ويتشاوروا ويتباحثوا في مفاسدها ومصالحها، وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى تفصيل وإلى بحث طويل، لأن هذه المشاركة قد يكون فيها بعض المصالح، ولكن في نفس الوقت فيها مفاسد واضحة لا تخفى على أي أحد. فلا بد أن تدرس هذه الأمور بعناية. وأسأل الله ﵎ أن يوفقنا للعمل الصالح وللصواب، وأن يجعل دعوتنا كلها خالصة لوجهة الكريم، إنه سميع مجيب.

стр. 1439

تغير المصطلحات السؤال يقول: لماذا لا نستخدم عبارة السلف بدلاً من أهل السنة والجماعة؟ الجواب لماذا لا تستخدمها أنت إذا كان أحد لا يستخدمها؟، وأنا أسأل هذا السؤال: وأقول: هل هناك فرق بينهما؟، في الواقع أنه لا يوجد أي فرق بينهما.

стр. 1440

الفرق بين السلف وأهل السنة والجماعة السلف هم أهل السنة والجماعة بلا شك، لكن أهل السنة والجماعة هم السلف وأتباع السلف، فنحن نقول: نحن من أهل السنة والجماعة لكن هل نحن من السلف؟ لا لسنا من السلف، فـ السلف وأتباعهم هم أهل السنة والجماعة، وأخص من يطلق عليه اسم أهل السنة والجماعة وأولى من يطلق عليه هذا الاسم هم السلف الصالح، والنبي ﷺ لما قال، ﴿تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا من هي؟ قال: هي الجماعة﴾ وفي رواية أخرى، قال: ﴿هي ما أنا عليه وأصحابي﴾ فهذا كلامه ﷺ ، فهم الجماعة وهم الصحابة، وهم السلف، وفي الحديث ﴿خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم﴾ فالقرون الثلاثة المفضلة هم السلف وهم أهل السنة والجماعة. وإن القرن الثالث يعد القرنين الأولين هم السلف بالنسبة له، والقرن الثاني يعتقد أن القرن الأول هو السلف، وهذا حق فأن كلمة السلف هي كلمة نسبية، لكن إذا قلنا أهل السنة والجماعة؛ فإنه يشمل كل ما كان عليه النبي ﷺ ، إلى قيام الساعة، فيدخل في ذلك دخولاً أولياً الصحابة، فهم أولى الناس وأولهم، ثم التابعون، ثم تابعو التابعين، ثم من سار على هذا المنهج إلى الغرباء، الذين يكونون نزاعاً من القبائل في آخر الزمان، كل هؤلاء هم أهل السنة والجماعة. والعلماء عندما كتبوا كتباً مثلاً: أصول أهل السنة والجماعة فهم لا يعنون إلا غير أصول السلف، ولا يعنون شيئاً غير هذا، والإمام أحمد عندما كتب كتاب السنة، فهو يريد عقيدة السلف، أو الإمام عبد الله بن أحمد كذلك وهو ينسب له وأكثره عن أبيه. إذاً كل ما كتب وكل ما يقال عن السنة أو عن أهل السنة والجماعة فأول من يقصد به السلف الصالح، ومن سار على نهجهم، ولا تستحق المسألة أن تكون مشكلة عند أدنى طالب علم مثلاً. ويأتي الإشكال عند بعض الدعاة وبعض طلبة العلم، مثلاً يقول: إن بعض أهل البدع يدعي أنه من أهل السنة والجماعة، فنستخدم عبارة السلف حتى نخرجهم، فنقول: من يدعي أنه من أهل السنة وليس منهم، فهو قادر على أن يدعي أنه من السلف أو من السلفيين وهو ليس منهم، ثم هل نترك نحن كلمة شرعية عظيمة جاءت في كتاب الله استنباطاً كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام:١٥٣] وفسرها العلماء، أن (الصراط المستقيم) قالوا: السنة، ونترك ما جاء في الأحاديث وهي كثيرة جداً ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين﴾ وفي حديث آخر قال: ﴿هي الجماعة﴾ وكلام السلف في هذا يعد بالمئات، بل يمكن القول: إن الآلاف من الآثار ممن يستخدم مثل هذه الكلمة كلمة أهل السنة، فنترك كل هذه النقول من أجل هؤلاء المبتدعة، من أهل الكلام سواء كانوا صوفية أم معتزلة أم أشعرية، أم عصرانية، أم عقلانية، أو أشباههم يقولون: نحن من أهل السنة، نترك الكلمة الشرعية، من أجل إدعاء المدعين. فنقول: لا، السنة لستم من أهلها، فأنتم عقيدتكم كذا، وأهل السنة عقيدتهم كذا، كما ظهر قبل فترة من يقول إن الأشاعرة هم أهل السنة، والحمد لله تصدى لهم من بين أن أصول الأشعرية كذا وكذا، أما أصول أهل السنة والجماعة فهي بخلاف ذلك، فتبين أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة والجماعة، بل هم من أهل البدعة والضلالة. فنحن بهذا نكون قد حررنا الأصول وميزنا فيما بينها، ووضعنا ضابطاً منهجياً علمياً نعرف به هذه المسألة، فلا تشكل علينا إن شاء الله. وعندما أتينا على شرح مسألة التفاضل بين الملائكة وبين بني آدم، فلما وجدنا عبارة لـ شَيْخ الإِسْلامِ قال: 'وكنت أحسب أن هذا الأمر محدث، فإذا بها قضية سلفية ' فقلت لكم: أنا أفرح عندما أجد هذه الكلمة في كلام الفقهاء الأولين، لأننا -والحمد لله- نحبها ونريد أن نعممها، وننشرها، لكنها فعلاً قليلة، لكن معناها واضح، والمعنى: هو أن ما كان عليه السلف الصالح من دين وعقيدة هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا المصطلح لا يخفى على أحد من الناس.

стр. 1441

المعنى العام والخاص لأهل السنة والجماعة وهنا ملاحظة لابد من التنويه إليها، وهي أنه يوجد فرق بين أهل السنة بالمعنى العام، وأهل السنة بالمعنى الخاص، أو نقول: أهل السنة المحضة، وأهل السنة العامة. قد يطلق أهل السنة أحياناً بما يقابل الروافض، وقد تقول: أهل السنة ويقابله المعتزلة، أو أهل السنة ويقابله المتكلمون، عامة، أو أهل السنة ويقابلهم الصوفية، فلماذا اختص بمقابلة الرافضة ومقابلة الشيعة، فيقال شيعي وسني؟! الجواب لكثرة ظهور مذهب التشيع وانتشاره, ولأنه من أجلِّ البدع، كما قال شَيْخ الإِسْلامِ فأصبح كأنه علم على البدعة ' فيقال: هذا الرجل إما سني وإما شيعي، مع أنه قد يكون مقصراً غير شيعي محض، ولكن هذا هو المعنى العام، فالناس الآن مثلاً في الخليج أو في العراق أو في بلاد الشام نقول هم إما أهل سنة وإما شيعة، لكن هل يعني هذا أنهم من أهل السنة المحضة، وأهل الاتباع المتبعين لمنهج السلف الصالح؟ لا، نعني فقط ليسوا شيعة، هذا المعنى الأعم. المعنى الأخص: أن تقول أهل السنة وتقصد في المقابل أهل البدعة، فتقصد بـ أهل السنة أهل الأثر , وأهل الاتباع الذين يأخذون ما جاء عن رسول الله ﷺ ، وصحابته، إيماناً واعتقاداً, وقولاً وعملاً, ولا يعارضون عن ذلك المنهج بأي منهج من المناهج البدعية، ولا بأي رأي من الآراء البشرية، فهم متبعون لا مبتدعون. فهم مقابل ما يسميه العلماء بـ أهل الحديث، أو أهل الأثر، أو أهل الاتباع، أو أهل السنة إلى غير ذلك من الألقاب، هذا هو المقصود بـ أهل السنة في هذا المعنى، عادة أن المقابل لهم هو أي مبتدع كان، وإن كان غير رافضي، فإذا كنت تريد أن تميز فرداً أو شعباً أنه ليس من الرافضة، فتقول: أهل مصر أهل سنة، بمعنى أنهم ليسوا شيعة، هذا وارد، وإن كنت تريد التزكية ليس مجرد التمييز فتقول: فلان من أهل السنة، أي أنه على منهج السلف الصالح، وليس من أهل البدع، لأن البدعة: هي ما أحدثت ولم يكن معمولاً بها ولا معروفة عند السلف الصالح. وأظن أن سبب الإشكال هو دعاوى أولئك، وإلا لم تثر هذه المسائل من قبل، ولذلك لا نجد أن العلماء المتقدمين قالوا: نحن السلفيون -بهذا اللفظ- لكن حقيقتهم هي أنهم كانوا سلفيين قولاً وعملاً واعتقاداً, ظاهراً وباطناً, وخاب وخسر من لم يكن سلفياً في قديم الدهر أو في حديثه لا شك في هذا، لكن هل نجعل أهل السنة والجماعة قسم والسلفيون قسم آخر، ونميز بينهما؟ هذا لا يصح لمجرد أن المبتدعة يدعون أنهم من أهل السنة، بل يوجد من أهل البدع إلى الآن من يقول أو يدعي أن دعوته سلفية، فهل نقره على هذه الدعوى؟ لا، يقر أبداً، فنقول إذاً: لا عبرة بدعوة المدعي وإنما العبرة بالحقيقة نفسها.

стр. 1442

بابا الفاتيكان يزور دولة مسلمة السؤال تناقلت الأخبار والإذاعات نبأ زيارة بابا الفاتيكان للسودان الشقيق والترحيب والاستقبال له من حكومة السودان، وعلى رأسهم الفريق البشير والترحيب بقوله أنت هبة الله، وحسب ما تناقلته الصحيفة أن البابا أقام الصلوات المسيحية النصرانية على أرض السودان، فينبغي لنا نحن المسلمين أن نستنكر ذلك، باعتبار أن بلاد السودان بلاد إسلامية، نرجو رأيكم وما هي النصيحة في ذلك؟ الجواب من عظم البلاء وعظيم الفتنة على المسلمين أن يتسابقوا لاسترضاء زعماء الكفر، وأن يتنافسوا على ذلك, وهذه لا شك أنها أحد مظاهر ضعف عقيدة الولاء والبراء, وانحراف المناهج الدعوية التي تشهده الأمة في هذا العصر. فالبابا في الفترة الأخيرة هو بين من يزوره وبين من يستزيره، والكل يخطب وده من حكومات العالم الإسلامي، والكل يشيد بدوره، ويتمنى له دوراً أكبر في حل مشكلة السلام، وفي إرجاع الحقوق الفلسطينية وفي غير ذلك، وكل واحد منهم يدعي أن له تأويلاً في ذلك. فهذا يقول نريد أن نؤيد البابا والنصارى، ونستظهر بهم على العدو الصهيوني، والآخر يقول: نحن نريد -كما هو حال السودان - أن نكسر حاجز العزلة، أو الحصار الذي يريد الغرب أن يفرضه علينا، فهذا إمامهم وزعيمهم الروحي يأتينا ونريد أن نثبت لهم أننا لسنا ضد حقوق الإنسان، وحتى لا يقول النصارى في الجنوب لماذا تقاتلونا؟ وغير ذلك، أنا أقول في الحقيقة كل هذه التأويلات مردودة ومرفوضة.

стр. 1443

حقيقة البابا البابا هذا عدو الله، وعدو رسول الله ﷺ ، وعدو المؤمنين، ومن زاره، أو استزاره، وجامله، فهو لا شك مخالف للعقيدة الصحيحة، ولا شك أن هذا منحدر خطر، يقع فيه كل من فعل هذا العمل أياً كان، ولا يقبل أي تأويل ولا أي تعليل لمثل هذا الأمر، وخاصة أن يأتي إلى السودان وأن يقيم فيها الصلاة والقداس -كما يزعمون- هذا في الحقيقة منكر يجب أن ينكر ويعلن إنكاره، وأن يصل هذا الإنكار إلى من يهمه الأمر في السودان، فنحن جميعاً رحبنا وفرحنا بالخطوات التي قدمت والتي بذلت من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية، ومن أجل بناء دولة إسلامية في السودان، وهذا الذي نحن رحبنا به، وفرحنا به ولا زلنا نأمل فيه الخير -إن شاء الله- فلا يصح بأي حال من الأحوال أن يأتوا بمثل هذا العمل الذي لا يمكن أن يقرهم عليه أي مسلم. وأنا أنصح كل مسلم -عموماً- بما أمر الله ﵎ به من وجوب عداوة هؤلاء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] فيجب أن نعاديهم، وألا نأمنهم، وأن نعلن عداوتهم، ونحذر مكرهم وخططهم، ومهما ظننا أننا نستفيد من زيارتهم لنا، فالحقيقة نحن خاسرون، هم أمهر منا في السياسة، وأعلم منا بالفائدة المرجوة المتحققة.

стр. 1444

نصيحة لدولة السودان إنني أنصح بصفة خاصة الحكومة السودانية بأن تستقيم على أمر الله، هي وغيرها من الحكومات، لكن أنصحها هي بالذات لأنها ترفع هذا الشعار، أن تستقيم على أمر الله وتعلن الولاء مجرداً لله ولرسوله وللمؤمنين, وتعلن تطبيق الشريعة الإسلامية بكل صراحة وبكل وضوح. وعلى جميع الناس أن يعلموا أنها إذا فعلت ذلك فسوف تخسر الغرب, ولكنها سوف تكسب -أولاً- رضا الله وهذا أهم شيء في الدنيا، ثم سوف تكسب مشاعر وتعاطف المسلمين، وكثير من المسلمين مترددين في تأييدها؛ لأنها لم تعلن بقوة وبوضوح وبصراحة معاداة هؤلاء الكفار، ولم تطبق الشريعة الإسلامية تطبيقاً كاملاً، فهناك نوع من التردد، بل نوع من العداوة، ونحن لا نقر أن يعادى أي مسلم على أية حال، لكن موجود هذا في صفوف بعض الإسلاميين، نظراً لهذا التلكؤ والتباطؤ وتمييع بعض الأمور، وللخلل الفكري الذي نحن نعرفه، والخلل في المنهج الدعوي الذي يتبناه الدكتور حسن الترابي ومن معه، فنحن ننصح الحكومة السودانية أن تعرض عن كل عقيدة تخالف عقيدة السلف الصالح وأن تتبنى عقيدة السلف الصالح ومنهج الكتاب والسنة، منهجاً تدعو إليه وتعمل به، وإذا فعلت ذلك؛ فإن الله تعالى سوف ينصرها -هي وأي حكومة- سوف ينصرها ويعينها على الغرب وعلى غيرهم. أما إذا كانت قضية العقيدة قضية عامة أو مائعة، والتقدم إلى الإسلام أو إلى تطبيقه استحياء، وأن هذا نوع من المجاملة، وهذه قضية سياسية، وهذه قضية مصلحية، وهذه قضية كذا وكذا، ضاع الأمر الذي من أجله قامت الدولة، وقامت الحركة واستبشر المسلمون بقيامها، وإن كانت لم تحقق حتى الآن مما يدعو إلى التفاؤل الكبير، ولكن لا يشك أي إنسان أنها حققت أموراً وأشياءً كانت غير متحققة في السودان فيما يتعلق بالجهاد -جهاد النصارى- وبإحياء بعض الشعائر الإسلامية، وتعديل بعض المناهج، وهذه كلها أمور تشكر لهم، ولكن نريد منهم الاستقامة الكاملة والاعتصام بحبل الله والتوكل على الله، وترك هذه المجاملات، ونرجو أن يبلغهم استنكارنا الشديد لمرور البابا في السودان. يجب أن يعلم كل مسلم، أنه لا مكان للبابا ولا لأحد من أعوانه على أرض الإسلام، ولا يجوز أن يمسها ولا لصاحب قداسة، بل لا يجوز أن يعتقد أحد أن هذا الوصف صحيح، أن يقال له: صاحب قداسة، فهؤلاء أعداء الله، وهو زعيم الكفر في العالم، وزعيم الأمة الضالة، التي وصفها الله ﵎ بالضلال والكفر، فقال ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] , وقال ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٢] فكيف تكون له قداسة، وكيف يصبح له ذلك في بلاد المسلمين. أما وجود نصارى في السودان أو في مصر أو في غيرهما فيجب أن تقام عليهم أحكام الإسلام كاملة، والآيات التي أنزلت في سورة المائدة، آيات الحكم وسبب نزولها -كما تعلمون- هو اليهودي واليهودية اللذان زنيا في عهد النبي ﷺ ، وأقام النبي ﷺ الحد عليهما مع أنهما يهوديان، فلا يقال إن الشريعة لا تطبق إلا على المسلمين، بل لا بد أن تطبق على كل أحد ما دامت الحكومة حكومة إسلامية، وما دامت الدولة دولة إسلامية. ونسأل الله سبحانه أن يرد هذه الأمة إليه رداً حميداً، وأن يبصرنا بحقائق هذا الدين، وألا يجعل للمنحرفين في مناهجهم الدعوية أو الفكرية سبيلاً إلى تضليل هذه الأمة، وهذه الجماهير المسكينة التي يلبس عليها دينها هاهنا وهاهنا، والله المستعان.

стр. 1445

مقاطعة سلع الأعداء السؤال هل نحن أيضاً نطالب بعدم شراء ثمار الرافضة؟ الجواب مقاطعة السلع الإيرانية وغيرها من بضائع الرافضة واجب، حتى لو لم يفعلوا ذلك، يجب أن نستغني عن بضائع الروافض واليهود والنصارى والمجوس والهندوس، وكل ما يدر مالاً أو دخلاً نتيجة تعامله معنا، وهو عدو لله ولرسوله وللمؤمنين، يجب أن نستغني عنه بقدر الطاقة، وهذا التفاح يغنينا الله بأنواع أخرى من التفاح موجودة كثيرة من غير هذا الفعل، فكيف إذا فعلوا هذا الفعل؟! لو أنها شركة لأناس صالحين وطيبين ومسلمين، وداخل هذا البلد وعملت هذا العمل؛ لقلنا لا بد أن تقاطع، حتى لو جاء رئيسها واعتذر بعدم العلم، أو أن عندي عمال هندوس لا يعلمون، فلو قوطعت البضائع، ولو لفترة حتى يشعر الناس بأهمية، وبعظمة هذا القرآن وباحترامه وبقدسيته، فكيف والحال كما ذُكر.

стр. 1446

الصلاة خلف أهل البدع السؤال رجل دخل المسجد فوقع نظره على الإمام فإذا به من الأشاعرة المتعصبين, فخرج وأدرك الصلاة في مسجد آخر؟ الجواب ليس عليك شيء، ما دمت عرفت الرجل بعينه وأنه من أهل البدع، وتركته إلى إمام آخر، فنقول بل أنت مأجور، ومشكور على هذا العمل، فمستور الحال -أي من لا يعلم حاله- يصلى خلفه، أما إن علم أن هذا مبتدع متعصب ومصر على بدعته، فهذا لا يصلى خلفه، ولا يتعمد ذلك.

стр. 1447

كتب أحاديث الاحتجاج بخبر الآحاد السؤال هناك كتاب للشيخ عبد الله بن جبرين بعنوان: أخبار الآحاد في الحديث النبوي، حجيتها، مفادها، العمل بموجبها ينصح الإخوة بالقراءة والاطلاع عليه؟ الجواب الكتب كثيرة في الحقيقة، ونحن عندما اعتمدنا على الصواعق المرسلة، كان هناك سبب, وهو أن نناقش المتكلمين ونرد عليهم ونبسط شبهاتهم، ثم الإسهاب في ردها تفصيلاً، وأكثر من رد عليهم فيه هو شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية في نقض التأسيس , ومع الأسف أن الجزء المتعلق بهذا الموضوع مفقود كله -أو أغلبه- من الطبعة الموجودة الآن، أما في المخطوط فهو موجود، لكن ابن القيم ﵀ أجمل ذلك، وهذبه واختصره وفضله في الصواعق بكلام عظيم نافع جداً، وأنتم -إن شاء الله- أهل لأن تفهموا كلام ابن القيم، لكن ما كتبه هو أو الشيخ الألباني حفظه الله، أو غيرهما فهذا من الاحتجاج بخبر الآحاد في العقيدة من كتب أو كتيبات أو حتى أشرطة، فالكل نافع وموجود، إن شاء الله، لتصحيح وتأصيل هذا الأصل العظيم من أصول أهل السنة والجماعة.

стр. 1448

السؤال عن صفات الله السؤال هل صحيح -كما يذكر بعض العلماء- أن السؤال في أمر الصفات من الأمور المحدثة، وأن الصحابة لم يكونوا يسألون عنها؟ الجواب هذا كلام مجمل، يجب أن يفصل، إن كان القائل يريد أن يقول: إن الصحابة لم يسألوا عن صفات الله مطلقاً، ولم يسألوا عن معرفة الله، ولم يستوضحوا شيئاً يزيدهم معرفة بالله، فهذا باطل، بل سألوا أسئلة كثيرة في هذا. وأما إن كان مراده أن الصحابة ﵃ آمنوا بأحاديث الصفات وآياتها، ولم يسألوا عنها ولم يجادلوا فيها ولم يخوضوا في كيفيتها، بل لما قال رجل للإمام مالك أو لـ ربيعة: كيف استوى؟! قال: إنك رجل سوء. وطرده من المجلس، نقول: إن كان هذا فنعم، فالصحابة ﵃ أجل وأعظم وأقرب إلى الله ﵎، وأعرف به من أن يسألوا عن كيفية صفات الله أو أن يجادلوا فيها, أو يخوضوا بما لا علم لديهم ولم يقفوا به علماً، إذاً هذه المسألة. أما سؤالهم عن شيء يتعلق بالله فقد كانوا يسألون، فقد سألوا عن أفعال الله وعن أمور عظيمة جداً ومن الأمثلة على ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] سأل الصحابة عن ربهم سبحانه: أقريب -ربنا- فنناجيه أم بعيد فنناديه؟! سألوا عن الضحك، سألوا عن رؤية الله سبحانه، حديث عمران بن حصين ﵁، لما جاءه أهل اليمن، قالوا جئنا نسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟ فقال النبي ﷺ : ﴿كان الله ولم يكن غيره شيء، وخلق السماوات والأرض وكتب في الذكر كل شيء﴾. هذا أعظم سؤال في تاريخ البشرية، لا يوجد سؤال يسأل عنه الناس أكثر من هذا السؤال، حتى الكافرون والملحدون يسألون عن نشأة الكون كيف بدأ، الشيوعيون الذين لا يؤمنون بخالق يبحثون بحثاً طويلاً عن نشأة الكون، وهذا العالم الكبير جداً -عالمهم أوبا ريل -حاول أن يضع لهم نظرية في نشأة الكون وغيره وغيره، فأهم قضية هي كيف نشأ هذا الكون؟ وهؤلاء ليسوا من خلص الصحابة أيضاً، إنما هم من أهل اليمن، وفد جاءوا ليسلموا وجلسوا مع رسول الله ﷺ وقبلوا البشرى -بعد أن ردها بنو تميم- ﴿اقبلوا البشرى يا أهل اليمن، قالوا: قبلنا يا رسول الله﴾ فجاءوا وجلسوا وسألوه عن هذا يدل على أن أذكى وأعقل الناس وأبعدهم الناس نظراً، وأعمقهم فكراً هم الصحابة ﵃. أما المبتدع في الإسلام فهو يسأل أسئلة تحير الفلاسفة وتقض مضاجعهم, وهم يعلمون أن الجواب الشافي الكافي يأتي من رسول الله ﷺ ، قالوا: جئنا نسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟ وهذا سؤال عظيم جداً، فبين لهم أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، ثم إنه خلق القلم -وهو المقصود بكتابة الذكر- وأمره أن يكتب كل شيء، فكتب كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم خلق الإنسان، خلق آدم ومنه جاءت الذرية، فعرفنا الجواب الذي يخوض فيه الخائضون ولا ينتهي خوضهم. أما الكيفيات الأخرى، كنظرية الانفجار العظيم، وهي أكثر نظرية يدرسونها في علم الفيزياء وكيف نشأ الكون؟ وأن انفجاراً عظيماً أوجد هذا الكون ابتداءً، كما ذكر في ستة أيام والأيام عند الله سبحانه لا ندري ما هي بالضبط ولا يهمنا منها شيء، قال تعالى ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] المهم أنه هو الذي خلقها وأن يقر الأمر هذا كما أخبر في كتابه، وكما أخبر النبي ﷺ ، لكن التفاصيل التي يسيرون عليها ويتيهون ويضيعون فيها، لا يهمنا كثيراً، قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ [العنكبوت:٢٠] المهم أننا نصل إلى أن الله تعالى هو الخالق والموجد، وهو الذي خلق كل شيء فقدره تقديراً، وهو الذي وضع كل شيء بميزان، هذا هو الذي يجب أن نؤمن به، وهذه خلاصة المتكلمين والمتفلسفين والباحثين في هذه القضايا. الصحابة ﵃ سألوا حتى عن القدر، قالوا: الأمر أُنف أم بما نستقبل ونستدبر؟ قالوا: يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل على الكتاب؟ فأجابهم ﷺ : إن الأمر ليس أُنفاً وإنما قد كتبه الله كما في الحديث المعروف الذي رواه أبو بكر وجابر وعلي وأبو هريرة وأبو الدرداء وجمع من الصحابة ﵃ وهو أنه لا بد من العمل قال: ﴿اعملوا فكل ميسر لما خلق له وقرأ النبي ﷺ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٤ - ٩]﴾ إذاً كل ميسر لما خلق له، ولكن هذا بناءً على عمل.

стр. 1449

حوار مع الشيخ الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي في هذا الحوار تناول الشيخ حفظه الله مسألة الخلاف وحكمه في الإسلام، مبيناً الجوانب التي يسوغ فيها الخلاف، والجوانب التي لا يسوغ فيها، كما شدد على الضوابط التي يجب التقيد بها عند ورود الخلاف. ثم بين دور العلمانيين ومن شاكلهم في الطعن على من ينتسبون إلى منهج أهل السنة والجماعة، عاقداً خلال ذلك المقارنة بين نهج أهل السنة في التعامل مع مخالفيهم ونهج من سواهم ممن ينتسبون إلى المناهج الأخرى. كما بين خلال هذا الحوار المنهج القويم الذي يجب على أهل السنة التقيد به في سعيهم إلى التغيير.

стр. 1450

ضوابط الإنكار في مسائل الخلاف السؤال هناك من يقول: لا إنكار في مسائل الخلاف، فهل هذه القاعدة صحيحة، وتؤخذ على إطلاقها؟ ولماذا يتكئ عليها دعاة العصرنة اليوم؟ الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن القول بأنه لا إنكار في مسائل الخلاف، هو قول قديم مأثور، تداوله بعض العلماء من قبل، ولكنه يستخدم الآن لأغراض خبيثة أوسع وأبعد مما كان من قبل، كغيره من المصطلحات، ومن القواعد التي توسع فيها في هذا الزمن لغرض إفساد هذا الدين. ولا شك أن هذا المصطلح أو هذه القاعدة ليست على إطلاقها، فإنه ليس كل خلاف يعتبر كما ذكر ذلك العلماء الثقات من علماء أهل السنة والجماعة. فالخلاف قد يكون غير جائز، كمن يخالف نصاً من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ، أو إجماع السلف الصالح، فإذا كان الخلاف بين رأي أو اجتهاد أو شيء من ذلك، فإن هذا الخلاف لا يعتبر، ولذلك قال بعض العلماء: وليس كل خلاف جاء معتبراً إلا خلاف له حظ من النظر فما لم يكن له حظ من النظر في الأدلة الصحيحة، كأن يكون الخلاف في مفهوم حديث أو آية، فهذا معتبر، وما لم يكن كذلك فإنه لا يعتبر. وإذا كان الخلاف بين نص عام ونص خاص، فلا شك أن الخاص يخصص العام ويقدم عليه. فعلى هذا -أيضاً- لا ينظر لمن خالف متمسكاً بأدلة العموم في مقابل من تمسك بدليل خاص، أو من تمسك بدليل مطلق في مقابل من يتمسك بالدليل المقيد له. وهذه كلها قواعد مضبوطة عند العلماء في علم الأصول وفي غيره. وكذلك إذا كان المخالف يعتمد على دليل غير ثابت، كمن يستدل بحديث ضعيف أو موضوع أو قياس فاسد، فكل ذلك لا يعتبر، وإن كان هو في الحقيقة خلافاً. وهذا لا يعني أن المخالف نفسه لا يكون مأجوراً، بل قد يكون المخالف مأجوراً؛ لأنه بذل وسعه وطاقته وجهده في الوصول إلى الحق، ولكن هذا هو غاية ما وصل إليه بحثه ونظره واجتهاده، لكن لا يجوز لمن علم أنه لا دليل له إلا هذا أن يخالف الدليل الصحيح الثابت، أو إذا كان الخلاف في الدلالة، فلا يجوزله أن يخالف الدليل القطعي الدلالة، لوجود خلاف سابق، ويقول: إن المسألة خلافية، فالرجوع عند الخلاف إنما يكون إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ . وأما هؤلاء العصريون وأمثالهم، فهؤلاء ينطبق عليهم أكثر ما ينطبق المقولة السابقة، وهي: أنه من تتبع رخص العلماء تزندق، فهؤلاء يأتون إلى كل مسألة من مسائل العلم، ويقولون هذه خلافية، وهذا فيه خلاف. وتتشعب هذه الأمور حتى لا تنتهي الأمة إلى شيء. وهذا يذكرني بما يأتي في ديباجة بعض القوانين الوضعية أو الدساتير، فبعد أن يذكروا نصوص القانون فيما يسمونه المصادر الاحتياطية للتقنين، يقولون: يرجع إلى الشريعة الإسلامية على اختلاف بينهم، فبعضهم يجعلها الثالث أو الثاني من المصادر الاحتياطية، فيقولون: يرجع إلى الشريعة الإسلامية دون التقيد بمذهب معين، بل بما يتفق مع روح هذا القانون، دون التقيد بمذهب معين، حتى ولو كان زيدياً، أو رافضياً، أو ظاهرياً، ولو كان قولاً ضعيفاً أو أثر من قبل. وهذه تفتح باباً عظيماً من أبواب الضلال على الأمة، وتشتت وحدتها العملية، كما أنها شتتت وحدتها الفكرية والنظرية.

стр. 1451

أنواع الاختلاف السؤال ولكن يا شيخ! مفهوم هذا أن الخلاف لا بد أن يبقى في الأمة، فهل يمكن أن نقول: إن هناك مواضيع يجوز أن يحدث فيها الخلاف، ومواضيع لا يجوز أن يحدث فيها الخلاف؟ الجواب: نعم. الخلاف باقٍ كما قال الله ﵎: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود:١١٨] سواء أكان في العقائد، أم في الفروع، وكلامنا نحن الآن في الفروع، في الاستدلال. الخلاف باقٍ؛ لكن يسوغ ويصح ويجوز في موارد الاجتهاد، وهي كثيرة جداً، فيما يسميه -علماء الأصول- تحقيق المناط، وهذا وارد بأن نتفق جميعاً على النص الشرعي من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الصحيح. أيضاً قد نتفق على هذه، ولكن نختلف في تحقيق مناط هذا الدليل الصحيح سواءٌ كان كتاباً أو سنةً أو قياساً أو إجماعاً، فهذا سائغ ووارد، ولا بد أن تختلف فيه الأنظار، وهو طبيعي، وهذا من حكمة الله ﵎. وكذلك يمكن أن يأتي الخلاف في مسائل تتعلق بالدلالة، كما أشرنا بأن يفهم البعض أن هذا يدل دلالة صريحة، والآخر لا يفهم ذلك، وهذا واقع حتى بين الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن بعدهم من العلماء فهذا حق، وهذا واقع، لكن هذا شيء وما يستدل به أولئك -كما أشرنا- شيء آخر.

стр. 1452

الخلاف في الأصول والفروع السؤال بالنسبة للتفريق في مسائل الخلاف بين الخلاف في الفروع والخلاف في الأصول. كأني أفهم أنك تميل إلى أنه لا يقبل الخلاف في الأصول، فهل هذا القول على إطلاقه؟ الجواب: ينبغي أولاً: أن نوضح معنى الأصول، فنحن نقصد بالأصول: الاعتقادات، أي: الأصول الاعتقادية، وهي ما أجمع عليه السلف الصالح -رضوان الله عليهم- من أبواب الإيمان والعقيدة وهي كثيرة، فهذه مجمع عليها والمخالف فيها لا يكون مجتهداً، وإنما مبتدعاً أو قد يكون مخطئاً إذا كان من أهل السنة والجماعة وخالف في مسألة لم تبلغه أو لم يستطع أن يحيط بها علماً وما أشبه ذلك، ولا يعتبر خلافه ولا يعتد به غيره. ولا شك أن الأصول التي هي العقيدة فيها مسائل فرعية ضمن مسائل العقيدة، مسائل فرعية من فرعيات العقيدة أو هي مما يترتب أو يستنتج من الأصول، وهذه يسوغ فيها النظر كما يسوغ في الفروع العملية. ومن الأصول أيضاً غير قضايا العقيدة: أساسيات الأحكام أو أصول الأحكام، كالأمور المعلوم وجوبها من الدين بالضرورة، أو الأمور المعلوم من الدين تحريمها بالضرورة، فإن الإيمان بها ومعرفتها يدخل في موضوع الأصول، ولا يجوز بحال من الأحوال الخلاف فيها، ولكن قد يقع الخلاف في فروعها، كما ذكرنا في فرعيات أو جزئيات العقيدة.

стр. 1453

العصرانيون ومسائل الخلاف السؤال أيضاً: بالنسبة لموضوع مسائل الخلاف خاصة في الفروع وهي التي يكثر الدندنة حولها من قبل العصرانيين في هذا الزمان، نجد أن هذه المسائل التي يشيرون إليها منها ما كاد يكون الإجماع يتم عليه وإن كان هناك من خالف، لكنهم قلة ويُعتبرون شواذ، وهناك مسائل الخلاف فيها دائر، ونجد أهل السنة منقسمين فيها، فهل هناك فرق بين هذا وذاك؟ فمثلاً مسائل الغناء نجد من خالف فيها مثل إبراهيم بن سعد أو ابن حزم وهم شواذ، فليست هذه المسألة من المسائل التي يكثر فيها الخلاف؟ الجواب في نظري أنه ينظر للأمر من زاويتين: الأولى: أن هؤلاء إنما يريدون الطعن في مصادر التشريع الإسلامي بإطلاق، ولذلك يطعنون في الإجماع توصلاً بذلك إلى الطعن في بقية المصادر، لأن الإجماع أقوى الأدلة - كما تعلمون - لأنه لا بد أن يستند إلى نص من الكتاب أو السنة، فمع دلالة النص يضاف إلى ذلك الإجماع في فهم النص ودلالته، فيطعنون في الإجماع، ويطعنون في القياس مهما كان جلياً في الجملة، ويطعنون في دلالة نصوص الكتاب [[والقرآن حمّال وجوه]] كما أُثِرَ ذلك عن السلف - ثم يأتون إلى السنة فيطعنون في ثبوتها، إما جملة وإما بعضها دون بعض على اختلاف مشاربهم ومواردهم، فهم يريدون هدم مصادر التشريع من جهة، فهذا جانب. والجانب الآخر: أنهم يأتون إلى خلاف حقيقي وموجود كما ذكرتم في مسألة الغناء، لكن يتناولون هذه القضية كما تناولها العلماء من قبل بأن يقال: هذه مسألة فيها قول ونحن نرجحه ونميل إليه، وليس هذا فقط. فمثلاً كتب أحدهم كتاباً مستقلاً عن هذه المسألة وبعض المسائل الأخرى، سماه آراء تقدمية في الفكر الإسلامي، فاعتبر أن قول ابن حزم وأمثاله في مسألة الغناء أنه حلال، وأنه رأي تقدمي عصري، ومساير لروح العصر والحياة، وأنه سبق من أتى من بعده من المتأخرين، ورأوا أن هذه الموسيقى والغناء ضرورة عصرية، فرأى أن هذا هو التقدم العصري والرأي التقدمي، وأن تحريم الغناء هو رأي -بالمقابل- رجعي، مع أنه هو الثابت وهو الصحيح، وهو الذي دلت عليه النصوص. فليست المسألة ترجيح قول أو أخذاً لقول دون قول، وإنما تقديم لقول مرجوح، وبشكل يزري ويطعن في الرأي الآخر جملةً وتفصيلاً، فهذا خطر كبير، ولا شك أنه يترتب عليه آثار تصل إلى حد التقديم بين يدي الله ورسوله ﷺ ورد النصوص بمجرد الرأي والهوى نسأل الله العفو والعافية.

стр. 1454

مسائل الخلاف ومسايرة العصر السؤال إذاً: هذا يفضي إلى الطريقة التي يرجحون بها في مسائل الخلاف، وهذه الطريقة بحسب معرفتي هي طريقة لم يسبق إليها أحد من العلماء، وهي أنهم ينظرون في مسائل الخلاف، ويرون الأنسب لما يزعمونه من أمور العصر، والحقيقة أنه الذي يوافق الهوى، فإن طريقة العلماء السابقين أنهم يوازنون بين الأدلة من حيث قوتها وضعفها وبمرجحات أخرى كما بلغت عند العلماء أوجهاً كثيرة، فهل هذه الطريقة التي يرجحون بها يمكن أن يحكم عليهم من خلالها بأنهم مبتدعة وأنهم خالفوا سبيل المؤمنين السابقين؟ الجواب لا شك -كما أشرنا وكما ذكرتم- أن القضية هي قضية المعيار، فالمعيار لديهم ليس معياراً شرعياً، وليس هو معيار العلماء الذين ينظرون في الأدلة ويُرجحون بينها بناءً على مرجحات، وعلى نظر صحيح واجتهاد سائغ، وإن كان أحياناً خطأً، إنما المعيار لديهم هو الهوى واتباع المتشابه وترك المحكم كما ذكر الله ﵎، فهذا هو الأصل عندهم. فهم يقدمون النصوص المتشابهة على المحكمة، ويأخذون بالأمور والنصوص المجملة ويقدمونها على المبينة، ويقدمون الآراء الشاذة الغريبة على الإجماع، كما في نظرية الطوفي وغيره، وهي تقديم المصلحة على النص، وهذا رأي شاذ لم يسبق إليه ولم يقل به أحد قبل الطوفي في القرن الثامن. ومع ذلك، فإن هذا هو أكبر ما يعتمدون عليه الآن، ولو تأملنا حقيقةً لوجدنا أن الهوى هو الدافع الأساسي، وهو مسايرة روح العصر، وهذا هو الأصل عندهم، ثم بعد ذلك أخذوا ينقبون، فإن وجدوا قولاً شاذاً أو ضعيفاً أو مغموراً، أو أن هناك احتمال شبهةٍ أو شذوذٍ أخذوا به، ولهذا يرجعون إلى عموم الآيات التي يمكن أن يتسع مفهومها لمعانٍ واسعة جداً، فيعارضون بها الأدلة الصحيحة الصريحة الأخرى. فمثلاً: عندما ينظرون إلى الميراث ومعاملة المرأة -مثلاً- يستدلون بقوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. ولا يشك أحد أنها آية عظيمة في كتاب الله ، وتضع معياراً ومنهجاً في التعامل بين الناس؛ لكنهم يعارضون بها أحكام القوامة -قوامة الرجل- وأحكام الميراث، وأحكاماً أخرى كثيرة وهكذا قس على ذلك بقية الأمثلة، فهم بلا شك مبتدعة، وهذا هو منهج ما كان عليه أهل البدع من جهمية وخوارج ومرجئة ولو تأمل المتأمل، فإنه يجد أن العصرانيين هم خليط متمازج من هذه المذاهب القديمة، وأيضاً من آراء الباطنية وإخوان الصفا وأشباههم، ثم أضافوا إليه زبالة وحثالة الفكر الغربي الذي أخذوا منه، من هنا وهناك، ودرسوه، ولذلك لا نجدهم يجتمعون على أصول وقضايا محددة، كل ما يجمعهم هو نسف هذه الأصول، وهذه المصادر، وهذا التراث، ثم بعد ذلك يطلق العنان للشهوات، والآراء، والشبهات، حتى تذهب بالأمة يمنة ويسرة.

стр. 1455

العصرانيون واجتهاداتهم في مسائل الخلاف السؤال فإن قالوا: نحن مجتهدون، وهناك قاعدة تقول: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فماذا نقول؟ الجواب أما القول بالاجتهاد فهذه دعوة مردودة، فإن المجتهد له شروط، والعلماء بينوا شروط الاجتهاد من العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولغة العرب، ووجوه الخلاف، والاطلاع على كلام الأئمة في هذا الشأن، سواء كان الاجتهاد اجتهاداً مطلقاً أو اجتهاداً في قضية معينة. فالاجتهاد له شروط، وبعض هؤلاء -ونحن نعرفهم شخصياً ونعرف كتبهم- يجهلون الكتاب والسنة جهلاً فاضحاً، وإن عرفوا شيئاً فإنما عرفوا نُتفاً من الكلام، جمعوها من هاهنا وهاهنا، وإن أجادوا أو أتقنوا شيئاً فهو من شبهات المستشرقين، وآراء المفكرين الغربيين، فهذه هي بضاعتهم التي يؤثرونها ويقدمونها، ويقيسون عليها بعد ذلك ما يجدونه في تراث الإسلام، فلا يحق ولا يصح لهم ولا لمن كان غير أهلاً للاجتهاد أن يدَّعي أنه من أهل الاجتهاد.

стр. 1456

من صفات أهل السنة والجماعة السؤال لعل هذا الحديث يجرنا إلى الحديث عن منهج أهل السنة والجماعة وهي الطائفة المنصورة بنص حديث النبي ﷺ فهل يمكن أن نحصل على أهم ملامح لمنهج هذه الطائفة؟ الجواب هي كثيرة، ويمكن أن نجملها في أنها متبعة للكتاب والسنة، أي: ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، كما جاء في بعض روايات حديث الافتراق. وأنها تحيي الدين وتجدده، بل وتقاتل عليه كما جاء في بعض الطرق الصحيحة: ﴿لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على أمر الله ظاهرين لا يضرهم من خالفهم﴾ فهم يحيونه أمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، وجهاداً في سبيل الله . هذا أعظم ما يميزهم أنهم أهل اتباع، وليسوا أهل ابتداع، وأنهم أهل دعوة كما ذكر الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]. فهم أهل دعوة وأهل أمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، وهم أولى الناس بقوله ﵎: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]. ويتجلى أمرهم ودعوتهم في بيان الحق وتبيلغ السنة وإحيائها، سواء منها السنة الاعتقادية أو العملية أو القولية، إلى أن يصل الأمر إلى إنكار المنكر باليد، ثم إلى أن يصل إلى جهاد الكفار والمنافقين، وهو أعلى درجات الجهاد، كل ذلك من صفات أهل السنة والجماعة. كما أن من أعظم ملامحهم صفاتهم: التأسي برسول الله ﷺ وصحابته الكرام في التخلق بأخلاقهم، والتأدب بآدابهم، فهم يجمعون بين صحة الاعتقاد وصحة المنهج الدعوي، واستقامة الأخلاق، والسلوك والمعاملة مع الخلق. ويترتب على ذلك أنهم أعدل الناس مع الناس، ولو اختلفت جميع الفرق فإن الذي يحكم بينهم وينصف بينهم هم أهل السنة والجماعة، لأنهم أعظم من قام بقول الله ﵎: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢]، فهم أعدل الناس، وهم أرحم الناس بالناس، ولذلك من عدلهم ورحمتهم أنهم يُخطِّئون ولا يكفرون إلا من كفَّره الله ورسوله ﷺ ، وثبت عنه ذلك، وتوفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع.

стр. 1457

منهج أهل السنة وشمولية الدين السؤال بعض الناس يظن أن أهل السنة والجماعة ينبغي أن يقتصر كلامهم على العقائد والأحكام والوعظ ونحو ذلك، وأنهم لا دخل لهم في أمر الواقع وبخاصة الكلام في السياسة وما يهم واقع المسلمين من جميع الجوانب السياسية، والتي تجعلهم ضعفاء في أوساط هذا العالم المتلاطم الأمواج، ويقصر مفهوم أهل السنة والجماعة على ما أشرنا إليه سابقاً وينحيهم عن الكلام في هذه المواضيع، فما رأيكم في ذلك؟ الجواب هذا لا شك أنه خطأ، وربما يكون انحسار عقيدة الإسلام، ومفهوم الدين، ومفهوم أهل السنة والجماعة، وتخلف المسلمين في الواقع هو الذي جعلهم يبررون هذا الواقع بمثل هذه الدعاوى، وإلا فإذا نظرنا نظرة حقيقية علمية منصفة، وفي نظري لو نظرها أي إنسان غير مسلم فضلاً عن المسلم، فإنه يجد أن عقل المسلم هو العقل الوحيد المفكر في هذا الكون تفكيراً شمولياً عالمياً. أي عقل في الدنيا أو مذهب أو مبدأ يمكن أن يُفكر في هذا الوجود من أوله إلى منتهاه، ويمتلك أدوات التفكير الصحيحة، لا يوجد غير عقل المسلم. فنحن -والحمد لله- نؤمن ونعلم -بالتفصيل-بداية هذا الكون، وكيف نشأ، وما الذي حصل، كما في حديث وفد اليمن المروي من حديث عمران بن حصين ﵁ الذي أفرده شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية بشرح مستقل ﴿جئنا نسألك عن أول هذا الأمر كيف كان﴾. نحن نعلم بالتفصيل ما حار وما تحار فيه عقول أكبر العلماء -علماء الطبيعة-ولن يصلوا إلى شيء من ذلك من نشأة الكون ونشأة الإنسان. فنحن نعلم -بالتفصيل- الأبعاد الزمانية والمكانية لهذا الكون، ولا يمكن أن يعلم غيرنا ذلك إلا التخمينات والظنونات، فأخبار أبينا آدم ﵇ ثم ما بعده من الأمم، كنوح ﵇ وماذا حصل له، ثم عاد، ثم ثمود إلى إبراهيم ﵇. أما أهل الكتاب فإنما تقتصر معلوماتهم على إبراهيم ﵇ وما بعده، وأما ما قبل ذلك فلا يعلمون شيئاً إلا عن آدم ﵇، وأما نحن -أمة محمد ﷺ فنملك التصور الكامل في الماضي. ثم ننتقل إلى المستقبل فنجد أننا نملك تصوراً سليماً عنه كأننا نرى هذه الأحداث أمامنا، نعلم أن ما أخبر به النبي ﷺ من الفتن، ومن أشراط الساعة، ومما يقع في آخر الزمان، ثم كيف يكون النفخ في الصور، ثم الحشر، ثم البعث إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فكل هذه الأبعاد الزمانية لا يمكن لأي عقل بأن يصل إليها، ولكن الإنسان المسلم يجد ذلك، بل العجوز المؤمنة تشعر بذلك، وهذا دليل واضح على أن عقل المسلم هو الذي يُفكر تفكيراً شمولياً، وتفكيراً عالمياً. وقد جاء رسول الله ﷺ بهذا الدين من عند الله، فنقل العرب من محيط التفكير القبلي المحدود، حيث كان الشاعر يتغنى في معشوقته، وفي ناقته، وفي أمجاد قبيلته، إلى التفكير العالمي، حتى أصبح العرب يتحدثون عن الفرس والروم وعن مصائر الأمم. يجلسون المجلس ويتكلمون عن التأريخ السحيق، عن عاد وثمود، أو يتكلمون عن المستقبل البعيد، عن أحداث آخر الزمان، كيف سيكون الروم، كيف ستكون الملاحم، بل ويتحدثون -أيضاً- عن واقعهم، كيف ستكون أحوالهم؟ حتى أن النبي ﷺ -كما تعلمون- في الصحيح لما ولى الفرس ابنة كسرى، قال: ﴿لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة﴾. وهكذا أحداث عالمية كانت تقع ويتفاعل معها الواقع في زمن النبي ﷺ والصحابة الكرام، كما في أول سورة الروم، بشارة الله ﵎ أنه من بعد غلبهم سيغلبون وهكذا. فعندما نتأمل مثل هذه الأمم، نجد أن الأصل في التفكير الإسلامي العادي هو هذه الشمولية، فكيف بالدعاة الذين يتصدرون لإصلاح أوضاع الأمة، وهم في وضع معقد، متشابك، متداخل الفكرة، أو المبدأ. إذا حدث أمر بالمسلمين في باريس أو موسكو أو نيويورك تكون لدينا ويراها الملايين من أبناء هذه الأمة، فكيف يليق بنا عملياً ولو لم يكن نص على ذلك؟ من الناحية العملية، على الأقل، من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لا بد أن نعرف هذه الأمور، وأن نعرف كيف نقاومها، ونعرف كيف نواجهها، وعندنا نماذج من هذا التفكير، والحمد لله هذا الإمام أحمد ﵀، عندما نستعرض سيرته، ونستعرض كتبه ككتاب الإيمان، وكتاب الأشربة، وكتاب الزهد وغيرها، نجد العجب العجاب. كان الإمام أحمد ﵀ له معرفة ودراية وبصيرة بالرجال، فيعرف مذاهبهم وآراءهم واعتقاداتهم، وهذا مذكور في كتب الجرح والتعديل وهو معلوم للجميع. كذلك كان ﵀ على اطلاع واسع وعجيب. فمثلاً: بالنسبة لأحوال الناس المعيشية، كان يسأل عن بعض النواحي من بغداد، فيقول: هذه الأراضي كانت وقفاً، وهذه اغتصبها الظلمة، أخذها بنو فلان، فهذا التفكير شمولي، ومستوى عالٍ، وهو إمام أهل السنة والجماعة بإجماع العلماء ﵁ وأرضاه. أيضاً بالنسبة للفرق، كان بصيراً بمآخذهم وأسباب ضلالهم، وفي كتاب الإيمان نجد نوادر عجيبة عنه مما ذكر الخلال، وفي المسند نجد أموراً عجيبة جداً تدل على فقهه وفطنته ﵀، حتى إن شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀، في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم ذكر عن الإمام أحمد، أموراً عجيبة في مسألة المشابهة، وكان يعرف أن هذه من عادات المجوس، ومن عادات النصارى، وهذه من عادات كذا، مما لا نعرفه نحن مع الأسف -الآن- بل قد يكون في بيت أحدنا أمور من شعائر النصارى، أو المجوس، أو ربما تكون في ملابس أهله، أو مع أبنائه، وهو لا يدري، ولا يعلم بها، هذه ليست أبداً من منهج أهل السنة والجماعة. وإذا انتقلنا إلى مثال آخر، وهو شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، وقد ضرب في كل علم بسهم، فعندما يسأل عن مسألة جزئية، يبتدئ حديثه من كلام اليونان فيها، فينقض كلام أرسطو، وأفلاطون، ومن بعدهم، ثم يعرج على الفلاسفة الآخرين من الهندوس وغيرهم، ثم يعرج على الفلاسفة الذين يسمون بالإسلاميين، ثم يأتي على المعتزلة، ثم على الرافضة وهكذا حتى يبين الحق ويرد على أهل الباطل في هذه المسألة. هذا منهج واضح، وهذه الكتب والمجلدات - التي ألفها- وهي كتب نفيسة، متعمقة، عظيمة، ويمكن أن نستخرج منها شتى أنواع العلوم: في الفلك، والطبيعة، والرياضيات، والأحياء، والسلوك، وعلم النفس، وعلوم أخرى كثيرة، وكثير من الباحثين في الغرب والشرق لم يتوصلوا إلى مثل ما توصل إليه شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ في هذه العلوم، وفي هذه القضايا، فإنه إذا تكلم عن أي فن، فإنك تشعر وكأنه من أهله، حتى عندما تكلم عن الخرافات، وانحرافات المشعوذين، والسحرة، فإنه يتكلم عنها كلام البصير، العارف كيف يستحوذون على عقول العامة بهذه المخاريق الكاذبة، حتى دعوى النصارى للمعجزات التي يسمونها المعجزات، يبين بالأدلة العلمية كيف أنها ما هي إلا حيل شيطانية ويذكرها بكلام لا يدركه أحد من الناس إلا من كان متخصصاً في الكيمياء أو في الفيزياء أو نحو ذلك. وأما النموذج الثالث وهو: الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- مع أن دعوته كانت محدودة الاطلاع من ناحية الصلات الخارجية، لكنها كانت عالمية المنحى والتفكير والمنهج، وكانت مستوعبة لواقعها في الجزيرة استيعاباً كاملاً كما كانت تتلمس المصادر عن العالم الخارجي، ولذلك انتشرت -والحمد لله- في أطراف إفريقيا وغيرها، والهند، وغيرها. فكانت دعوته منطلقة من واقع معرفته ودراسته وخبرته. في الحقيقة أن القول بأننا لا نفقه الواقع، أو أنه لا ينبغي معرفته، أو أنه لا تجب معرفته، هذا مخالف لما هو مقرر بالبداهة في العقيدة الإسلامية الصحيحة، التي هي العقيدة، والدعوة العملية التي تسعى إلى إقامة هذا الدين، والذي لن يقوم أبداً إلا برجال يدركون هذه الأمور إدراكاً صحيحاً واعياً.

стр. 1458

أهل السنة والجماعة وتكوين تنظيم لهم السؤال نعود للحديث عن الفرقة الناجية، فرب سائل يسأل ويقول: كثر الحديث عن أهل السنة والجماعة، وكل يأمل أن يكون من أهل السنة والجماعة، ويسأل أين هذه الفرقة الناجية لكي ننضم إليهم؟ فما الجواب يا شيخ؟ الجواب إن فإن الوصية من الله تعالى ورسوله بالجماعة والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، يلزم منه أمران: الانضمام إليهم عضوياً، وهذا هو الذي يشكل على الناس اليوم. يقول: أين هم كأعضاء؟ وكيف أنضم إليهم عضواً وفرداً؟ ولكنه يشمل -أيضاً- ما هو أهم من ذلك، وهو الانضمام إليهم معنوياً، أي أن يكون الإنسان على منهجهم، ومتبعاً لآثارهم، ومقتدياً بهم، وهذا هو الأصل. فالمنهج هو الأصل، والاجتماع إنما يكون على المنهج، فالأفراد يجتمعون وفق المنهج، وعلى هذا فمن جهة المنهج فإنه موجود والحمد لله، وهو محفوظ بحفظ الله ، وهو ميسر لمن أراده. أما الأفراد، فإنه لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، ولا تخلو الأرض من أهل السنة والجماعة؛ بل هم موجودون ومنتشرون، لكن الذي قد يخطئ فيه بعض الناس، تصورهم أن أهل السنة والجماعة لا بد أن يكونوا بالضرورة حزباً سياسياً معيناً أو حزباً من الأحزاب الموجودة على الساحة، وأن الذي ينضم إليهم يكون منهم، والذي لا ينضم إليهم لا يكون منهم. وهذا غير صحيح؛ لأن صور التجمع العضوي تختلف بحسب العصور والأحوال، وأما الاجتماع في ذاته، فإنه مطلوب ولا شك، لكن تختلف صورته بحسب مقتضيات ذلك الاجتماع، فقد يجتمعون في عمل من أعمال الخير والدعوة، وقد يجتمعون اجتماعاً عضوياً متكاملاً، فيما لو اقتضى الأمر أن يكونوا كالجسد الواحد فعلاً، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الجهاد في سبيل الله ، كما يكون في بعض المجتمعات وأن يكون تحت إمارة واحدة، وجهاد واحد في سبيل الله . والحمد لله، نحن نرى بوادر الخير في العالم الإسلامي، من وجود هذه التجمعات أو المدارس على اختلافها، وكلها -والحمد لله- على منهج أهل السنة والجماعة، الذي هو الأساس، مع أن بعضهم لهم نوع اجتماع يختلف عن الآخرين، بل أنواع مختلفة من الاجتماع، كمدرسة, أو جامعة، أو عمل دعوي، أو غيرها، فهذه كلها موجودة، ونرجو الله أن يُبارك هذه الجهود، وتكون نواة للاجتماع العام الكبير المنشود لـ أهل السنة والجماعة في هذه الدنيا، حتى يكونوا يداً واحدة من شرق الدنيا إلى غربها، يحاربون أهل الشرك والكفر، وأهل البدع والضلالة.

стр. 1459

أهل السنة بين المسميات والتحزب السؤال في هذا العصر يُسَّمى الدعاة أعمالهم بأسماء مختلفة، ربما اقتضى الأمر والحاجة إلى ذلك، فهل مجرد هذه التسمية تعني الانضمام أو عدمه في طائفة أهل السنة والجماعة؟ وهل يمكن أن تشمل الطائفة كل هذه المسميات التي نسمعها في هذا العصر أو بعضها؟ الجواب: المسميات منها المحمود ومنها المذموم ومنها ما لا مشاحة فيه، والأساس هو المنهج والاتباع. فإذا كانت التسمية لا تحمل أي مفهوم للتحزب على غير ما أمر الله به ورسوله، ولا تحمل مفهوماً اعتقادياً معيناً، أو اقتداءً أو انتماءً لأحد غير رسول الله ﷺ ، بحيث يؤخذ أمره ويطاع ويتبع منهجه دون رسول الله ﷺ . أقول: إذا لم تكن كذلك، وكانت مجرد اصطلاح فلا حرج فيه، وقد وجد في التأريخ الإسلامي مثل هذه الأسماء، ومثل هذه المصطلحات. لكن كما نرى من خلال الواقع، أن من مفاسد ذلك: أنه قد ينجم عنه سوء الظن، أو قد ينتج أيضاً عنه: التحزب والتعصب أحياناً، فنرى أن الأولى البقاء على الاسم العام، اسم الإسلام واسم السنة، إلا إذا كان الاسم مجرد اصطلاح على نوع من أنواع العمل، أو نوع من أنواع الاجتماع التي لا تُثير شيئاً مما ذكرنا.

стр. 1460

كيفية الانتساب لمنهج أهل السنة والجماعة السؤال في بعض هذه التجمعات شيء من الخلل، هل يُخرجون من مسمى أهل السنة والجماعة؟ الجواب نعم، العدل في هذا الأمر هو كما نعلم من منهج وطريقة السلف الصالح -رضوان الله عليهم-في الجرح والتعديل وهو أن الاعتبار إنما يكون بالمسلك والمنهج وأصل الطريقة والتمسك والاتباع، فمن كان متبعاً لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ وللسلف الصالح في الجملة والأصل، متحرياً للحق، مجتهداً في اقتفاء آثارهم، فإنه يكون منهم، أي: من أهل السنة والجماعة ومن أتباع السلف الصالح، وإن أخطأ. وليس مجرد انتساب الإنسان لـ أهل السنة والجماعة أن يكون معصوماً، بل لا يزال كل بشر عرضة للخطأ، فمهما أخطأ في بعض الأمور، فإنه يظل من أهل السنة والجماعة، أما إذا كان الخلاف عن اتباع لأصل من أصول أهل البدع، فإنه يلحقه ما يلحق أهل ذلك الأصل، من الذم، أو اللوم، أو القدح، أو الطعن. ومن الاتباع ما قد يكون مخرج من الملة -نسأل الله العفو والعافية- ومنه ما يكون صاحبه مبتدعاً ضالاً مذموماً بحسب درجته، والمقصود هو أن نُفرق بين الخطأ الذي لا يؤثر على المنهج وبين قصد مخالفة المنهج، وهذا واقع في القديم والحديث، ولنضرب مثالاً بالواقع، حتى يتضح الماضي: الآن من دعاة الإسلام من يقول: إن في الإسلام اشتراكية، أو يقول: إن الإسلام لا يتعارض مع القومية؛ لكنك لا تستطيع أن تقول: إن فلاناً اشتراكي أو قومي، بمعنى أنه مثل دعاة الاشتراكية المستوردة من الدول الشرقية، أو من أتباع الحركة القومية المعروفة، لكنه متأثر بهم، يميل إليهم في بعض آرائهم وهكذا، فإن هذا قد يقع في القديم، مثل ما يُقال: في فلان تشيع، فيه إرجاء، أو أنه قال قولاً موافقاً لإحدى الطوائف البدعية، ولكن ذلك لا يخرجه عن دائرة أهل السنة والجماعة، وقد يوافقهم في بعض الأمور عن اجتهاد وخطأ، بل إنني وجدت من خلال قراءتي عجباً في هذا. بعض الناس يقول: أنا أشعري، ويظن أنه بذلك يمدح معتقده لأن الأشعري -في نظره- هو صاحب الإبانة، التي قال فيها: نحن على ما كان عليه الإمام أحمد بن حنبل بخلاف الآخر الذي يقول: أنا أشعري. ويقصد معنىً بعيداً جداً وهو المذهب الكُلامي الكلابي الذي تبرأ منه الإمام أبو الحسن الأشعري في الأخير وهكذا. ولذلك -في الحقيقة- ليس العبرة بمجرد الانتساب أو مجرد الأسماء، بل لا بد أن ننظر لحقيقة الرجل وإلى منهجه، ومن غلب عليه الصواب والحق، فنرجو أن الله سبحانه يُكفر عنه خطاياه التي أخطأ أو تأول فيها، أو كانت لديه فيها شبهة، أو ما أشبه ذلك، ولا سيما في العصور المتأخرة عندما تكاثرت الفتن وضعف أهل السنة، ولـ شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ كلام قيم في مسألة ضعف أهل الحديث وضعف أهل السنة أو كثير منهم -في العصور المتأخرة- عن إقامة الحق. بل الذهبي ﵀ عندما تحدَّث عن ابن عربي، وقال: إن الذي جعل ابن عربي وغيره من أهل الزندقة يتطاولون أنهم نشئوا في عصر، والمحدثون فيه أمثال فلان وفلان، وذكر أسماءهم لكن الذين عاشوا في أيام الإمام أحمد، وعلي بن المديني، ويحي بن معين، وعبد الله بن المبارك، وسفيان ووكيع، وشعبة، وغيرهم من الأئمة الأعلام، ما كان أحد منهم يستطيع أن يجاهر بمثل هذا الكلام، فظهور آثار النبوة والرسالة له ميزة في الحكم على الناس فيما بينه وبين الله. فنحن تعبدنا الله باتباع الحق ومعرفته والسعي إليه، ثم بعد ذلك بالنسبة للحكم على الناس تعبدنا الله ﵎، وأمرنا بالعدل والإنصاف في هذا الأمر.

стр. 1461

المعاملة بين أهل السنة ومن خالفهم السؤال كيف تنظر طائفة أهل السنة والجماعة للاثنين وسبعين فرقة الأخرى؟ وكيف يحكمون عليها؟ وكيف تكون علاقتهم بها؟ الجواب الحديث واضح الدلالة، على أن الطائفة الناجية واحدة، وأما ما عداها فغير ناجٍ أو أن ماعداها يمكن أنه ينجو ومن الممكن أن لا ينجو. وحتى لا نفهم العبارة خطأً، يقول شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: معناه إن الحديث بيَّن الفرقة الناجية، وما عداها، فهو لم يحكم عليها بالهلاك مطلقاً؛ لأن المقصود منه بيان طريق النجاة، وأنه في الكتاب والسنة بمعنى النجاة في الدنيا من الضلال، والنجاة في الآخرة من النار، لكن لو أن أحداً انتسب إلى منهج آخر، فلا يعني ذلك أنهم لا بد أن يكونوا هالكين وأنهم لا بد أن يكونوا جميعاً من أهل النار ولا ينالون النجاة، هذا أمر آخر. وسبب ذلك أن الناس لهم حسنات ولهم سيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته -كمن كان يعتقد بدعة اعتقادية- كما نعلم ممن يؤولون في الصفات أو لديهم شبهة في باب القدر أو ما أشبه ذلك، ولكن له فضل علم ودعوة وجهاد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، فعند الله ﵎ تنصب الموازين، وهو -كما ذكر: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:٤٤]، والله لا يظلم أحداً، وإن تك مثقال ذرة يضاعفها. فهذا لا يضيع الله ﵎ عبادته، وما وافق فيه الحق والسنة فإنه يُثاب على سعيه واجتهاده وهكذا، لكن الناجي بإطلاق المقصود منه هو من تمسك بهذا المنهج بإطلاق، أما البقية من الفرق فالقول الصحيح والراجح أنها ليست خارجة عن أهل القبلة، فالاثنتان والسبعون فرقة هم من أهل القبلة. فبهذا الاعتبار وهذا المفهوم فإن من خرج من أهل القبلة فإنه خارج عن الاثنتين والسبعين فرقة، بمعنى: أن الثنتين والسبعين فرقة تشمل من هو في دائرة الإسلام من أهل القبلة وتشمل غيرهم، ولكن الصحيح والمعيار والضابط هو أن الأمة التي هي أمة الصلاة وأمة القبلة هي ثلاث وسبعون فرقة، وأن من عداهم فهو خارج عنهم، كما خرجت الباطنية، فلا تعد من طوائف الأمة الاثنتين والسبعين فرقة. وبهذا الاعتبار فإن الثنتين والسبعين فرقة يدخل فيها أهل الكبائر مادمنا قد حكمنا أنهم من أهل الصلاة، وأهل القبلة ومن المقرر في أصول أهل السنة والجماعة أن الكبيرة قد تكون اعتقادية كما هو في أهل البدع وقد تكون كبيرة عملية كما هو في أهل المعاصي والفجور، ويكون التعامل في الآخرة بناءً على هذا الأساس. فإذا قررنا هذا الأصل، واعتبرناهم مسلمين، فإن لهم الحق الذي هو لكل مسلم، ولكنهم -أيضاً- يبغضون ويرد عليهم، وتكره وتحارب بدعهم وضلالاتهم، وتحذر الأمة منهم، ولكن لا يهدر حقهم بالكلية كمثل الكفار، ولا يعطون الولاء الكامل كمثل من كان على الكتاب والسنة، أما على الاعتبار الآخر، إذا قلنا: أن أهل البدع والضلالة خارجون عن الملة، فهؤلاء يأخذون حكم الكفار غير حكم أصحاب البدع المغلظة، كبدع الخوارج -مثلاً- وما أشبهها. فهؤلاء جاء فيهم النص عن رسول الله ﷺ بقتالهم، وهذه قاعدة وأصل عظيم، يندرج فيه قاعدة التعامل مع أهل البدع، وأنهم يقاتلون ويهجرون، وهذا كله وارد؛ لكن لا يضيع مالهم من حق الإسلام ماداموا مسلمين، كما قال علي ﵁ لهم، لما قالوا: لا حكم إلا لله، قال: [[إن لكم علينا ثلاثاً: ألاَّ نمنعكم من مساجد الله، وألاَّ نمنعكم من فيء الله، وألا نبدأكم بقتال]] وهذا كله مع كشف شبهته وبيان ضلاله وخطئه وردعه وهجره بالأسلوب الشرعي المناسب.

стр. 1462

أسباب هجوم العالم الغربي على أهل السنة والجماعة السؤال العالم يشهد هجمة شرسة على أهل السنة، ويوصفون بأوصاف فيها شيء من التنفير، إذا ما ارتبطت ببعض الهيئات التي تصدر من بعض الأفراد أو الجماعات، وتجسد هذه الأخطاء، ومن ثم يوصف الجميع بهذا الوصف رغبهً في التنفير منهم، فمن هذه المسميات التي يوصف بها أهل السنة الأصولية. فما أسباب هذه الهجمة؟ وما سر اختيارهم لهذا التوقيت في هذه الفترة من تاريخ المسلمين؟ الجواب هذه من الابتلاءات، وهي من السنن الربانية، والله ﵎ يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١]، وما من نبي بعثه الله إلا أوذي، وقد قال ذلك ورقة بن نوفل ﵁ لرسول الله ﷺ عند أول نزول الوحي -كما تعلمون-: ﴿ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي﴾ هذه سنة جعلها الله للرسل ولأتباع الرسل أن يبتلوا وأن يؤذوا، ومن الأذى: أن ينبزوا بمثل هذه الألقاب في القديم والحديث، ولو قرأنا التاريخ لوجدنا العجب! كيف كان ينبز أهل السنة والجماعة، ويقال لهم: الثابتة، المجسمة، الحشوية إلخ. كانت كثير من التهم توجه إليهم، بل لا نقول: إن التهم من أهل البدع فقط، بل وقع في ذلك بعض المؤرخين ممن هم من أهل السنة عن حسن نية، وعن متابعة غير مقصودة، وهذه سنة ربانية، وقد لقبت قريش النبي ﷺ ، وأتباعه بالصباة وهكذا. والآن -في هذا الزمن- اشتدت الهجمة والحملة لأسباب: ١. أن ذلك امتداد لهذه السنة، وهذا لا غرابة فيه. ٢. أن العالم الغربي الآن يعيش نوعاً من الرعب -إن صح التعبير- أو من التخوف من هذا العملاق لو أنه استيقظ. العالم الغربي -ولا سيما بعد الأحداث الأخيرة في أوروبا الشرقية - بدأ يدرك أن المواجهة ستكون مع عدو آخر. وكما عبر بعضهم بأن الصراع هو صراع بين حضارتين: الحضارة الإسلامية وبين الحضارة المسيحية، ولذلك هم يتخوفون جداً من هذه الأمة التي تمتلك من وسائل القوة البشرية والمادية والمعنوية ما لا تملكة أية أمة أخرى. ولو نظرنا -مثلاً- إلى الصين -كمثال- كتكتل بشري ضخم يوازي في عدده تقريباً عدد المسلمين، ودين مستقل مخالف للدين الغربي، وأيضاً تمتلك قوة نووية. لو نظرنا إلى نظرة الغرب إلى الصين ونظرتهم إلى العالم الإسلامي، نجد الفرق كبير جداً يتعامل الغرب مع الصين كأي دولة، ورغم حساسية الغرب منهم لكنها لا ترقى إلى معشار النظرة إلى الأمة الإسلامية، التي لو ظهرت فيها حركه صغيرة طلابية في إحدى جامعاتها في إحدى عواصم دولها أو دويلاتها، لأثارت الصحافة الغربية، وتحدثوا عنها على أنها بعبع وعملاق، وخطر يهدد المصالح الغربية في المنطقة، هذا الرعب هو سببه -والله تعالى أعلم- أن لديهم إحساساً وشعوراً بأن حقيقة الصراع هي مع هؤلاء، وهذا الإحساس ليس مأخوذاً من مجرد النظر والتخطيط، وهم أهل تخطيط بعيد، لا، بل نؤكد ونقول: حقيقة يجب أن يعلمها المسلمون، وهي أن هذا مأخوذ من كتبهم الدينية. ولهذا فإنهم بعد الأحداث الأخيرة تكلموا ونشروا في إحدى المجلات المشهورة جداً في أمريكا، التي يقرؤها الملايين أن المعركة من أجنادين إلى هرمجدون، وأجنادين هي المعركة التي خاضها عمرو بن العاص ﵁ مع الروم، وبعدها دخلوا فلسطين، وهرمجدون هي المعركة التي تكون في فلسطين في آخر الزمان، حيث يأتي المسيح، ويقتل الوثنيين وهم -بحسب زعمهم- المسلمون، وأنه يقدر عدد الجميع بمائتي مليون كما ذكر في بعض شروحهم، وأنهم يبادون ويموتون، ويرفع المسيح النصارى فوق السحاب وينجون، والمقصود أن إحساسهم بالعداوة للأمة الإسلامية هي حقيقة تؤكدها أديانهم وآراؤهم الاعتقادية، كما تؤكدها دراساتهم وتخطيطاتهم المستقبلية، وهي بالنسبة لنا أمر طبيعي جداً، لأن الله تعالى أخبرنا بها، والرسول ﷺ أطلعنا عليها.

стр. 1463

نظرة المسلم للمستقبل السؤال في هذا العصر الذي تسود فيه هذه الدول الغربية على كل أنحاء البسيطة تقريباً، وينظر المسلم ويعلم أن ما هو عليه هو الحق، وأن أولئك ما هم عليه هو الباطل، وأن الله ابتعث هذا الدين ليكون للناس كافة، فكيف تكون نظرته لواقعه ولمستقبله، ومستقبل الإسلام؟ الجواب الإجابة في هذا تطول، لكن نقول: أهم ما ينبغي أن يعلمه المسلم: أن سيطرة الكفار وعلوهم في الأرض واستكبارهم إنما هو أمر موقوت محدود، وأن لهم نهاية ولهم عاقبة، كما ذكر الله ﵎: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ [الكهف:٥٩]. فكل أمة لها نهاية، وإنما قص الله ﵎ علينا أخبار عاد وثمود وفرعون وأشباههم لنعلم ونعتبر، قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] ولنعلم أن مصير هؤلاء هم كمصير أولئك، وأن هذا من الاستدراج، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤] وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً﴾ [يونس:٢]، وهكذا آيات كثيرة تدل على أن مصير هؤلاء لا بد أن يندرج تحت هذه السنة، وأن الله سوف يهلكهم ويزيلهم. في المقابل -أيضاً- نجد أن الاستضعاف الذي يعيشه المسلم والغربة التي يشعر بها، هي -أيضاً- مقدمة بإذن الله تعالى إلى الاستخلاف والتمكين، كما ذكر الله ﵎: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦]. هذه قاعدة عامة، وقد تحقق ذلك لبني إسرائيل، كما وعد الله ﵎: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧]، وكذلك هذه الأمة المؤمنة استضعفت وأوذيت في أول أمر الدعوة حتى هاجر من هاجر إلى الحبشة، وأوذي رسول الله ﷺ وضيق عليهم حتى كادوا أن يتخطفهم الناس، ثم شاء الله ﵎ أن ينعم عليهم، فجاءت السنة الربانية بالاستخلاف والتمكين، وأظهر الله ﵎ دينه على العالمين. ونرجو -وهذا وعد الله نؤمن به ونصدقه- أن هذه الأمة ستعود -بإذن الله ﵎ إلى الاستخلاف والتمكين والقوة، وسوف يديل الله ﵎ هذه الدول، وينالها كما نال الأمم قبلها، لكن لله ﵎ سنة، وهي أنه لا بد أن يكون هذا بجهد منا نحن البشر وبعمل منا، وهذا ما فعله النبي ﷺ وأصحابه كما في غزوة تبوك وفي غيرها، وكانوا في الفتوحات يواجهون هذه القوى، ونصرهم الله ﵎ عليها، وأعدوا لها العدة بقدر ما استطاعوا، وهزموا في بعض المعارك، وقُتِل من قتل من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في فتوح الشام وفارس وفي النهاية أظهر الله ﵎ هذا الدين. فلا بد لنا مع هذا اليقين في وعد الله تعالى وعدم اليأس، أن نتوكل على الله ونعد العدة، وأن نقاوم به هذه القوى الطاغية المستكبرة في الأرض، وحينئذٍ ينصرنا الله كما وعد.

стр. 1464

نظرة إلى التجربة الجزائرية السؤال بالنسبة لموضوع الأصولية، وكما طُرِحَ قبل قليل بأنه تستغل بعض الأخطاء التي تصدر من بعض الحركات الإسلامية، ومن ثم تُشوه بها سمعة هذه الصحوة على وجه العموم، ولدينا تجربه مثل الجزائر وغيرها من البلدان، فكيف تقيمون التجربة الجزائرية؟ وما هي في نظركم الإيجابيات والسلبيات التي برزت من خلال ممارسة الحركة الإسلامية في الجزائر. ؟ الجواب أما تضخيم الأخطاء أو النفاذ منها إلى الطعن في الدعوة الإسلامية فهذا أمر واقع، ولكن ما هو الخطأ؟ الخطأ في نظرنا نحن الذين نزن الأمور بميزان الكتاب والسنة، شيء، والخطأ في نظر الغرب وأتباعه شيء آخر، قد يكون العمل صحيحاً وسليماً ومستجمعاً لشروطه الشرعية الصحيحة، ولكنه يكون عند أعداء الدين خطأً، ويستغل ويضرب باسمه العمل الإسلامي والدعوة الإسلامية. لكن على مفهومنا -نحن- للخطأ نقول: نعم الدعوة الإسلامية وقعت في أخطاء، وتقع في ذلك، ولا أرى غرابة فيه؛ لأن أمة نامت بضعة قرون في غفلة، وبُعدٍ عن الله ، وخيم عليها الاستعمار البغيض، أو الاستعباد الكالح البغيض، وأراد أن يمسخها ويطمس هويتها، لا نتوقع منها أن تفيق في أيام معدودات أو بضع سنوات، والصحوة في الجزائر أوضح مثال على ذلك، فهو شعب مسلم -والحمد لله- متدين بفطرته، وغيور وشجاع ومقدام بطبيعته وبفطرته. ولكن هل مرت هذه الدعوة بمرحلة التمحيص والتربية على منهج علمي، عقدي، دعوي، متوازن شامل، كما مرت غيرها من الجماعات الإسلامية كدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، عندما أخذت واهتمت أولاً بجانب العقيدة والعلم الشرعي، ثم بدأت قليلاً قليلاً، وكان الاعتماد والتركيز على ترسيخ مفهوم العقيدة الصحيحة في القلوب، وتحويل هذا الاعتقاد إلى طاقة عملية؟ في الواقع أن الوضع في الجزائر كان فيه نوع واضح من التعجل في قطف الثمرة، وربما كان هناك -أيضا-ً شيء من الإعجاب بهذه الجماهير المتجمعة التي لا ينقصها الحماس، ولا نشك -إن شاء الله- في حماسها، لكن الحماس وحده لا يكفي، فلا بد من المرور بهذا المنهج والتمحيص، ولذلك نجد من نكص على عقبيه، وخرج من الصف الإسلامي بالكلية، ومن باع نفسه للسلطة، ومن فعل أفعالاً كثيرة تدل على أن الصف لم يمحص في الأصل. ومن حكمة الله تعالى كما نجد في سيرة النبي ﷺ -كما تعلمون- في آيات غزوة أحد من آل عمران وغيرها، نجد أن هناك تمحيصاً وابتلاءً وتنقيةً للصف في النهاية، ما كان أصحاب الضرار إلا فئة معدودة محصورة من المسلمين، وبقيت قلة قليلة ضئيلة من المنافقين تعيش في غمرة المجتمع الضخم الكبير، ويعرف المسلمون بعضهم ببعض علاماتهم، ويعرف القلة من المنافقين حذيفة بن اليمان ﵁ يعرفهم بأسمائهم، فما لم نصل إلى دقة التربية مع ترسيخ مفاهيم العقيدة وتصحيحها في الناس إلى مثل هذا، فإنه لن نتوقع إلا نتائج سريعة، وهذه النتائج السريعة تتعوض سريعاً. وهنا أرى أنه يجب أن أؤكد على أمر، وهو: ألاَّ يصيبنا ذلك بإحباط أو خيبة أمل، فهذه ليست إلا محاولة تخفق وستنجح، وإنما نجاحها مرهون بتطبيق الكتاب والسنة وفهمهما فهماً صحيحاً، والدعوة إليهما على منهاج النبوة، ومنهج السلف الصالح، هذا هو الذي يجب أن يكون، وهو العبرة الكبرى التي تؤخذ من هذه الأحداث. وأنا -في الحقيقة- أعتبر أن ما حدث في الجزائر وغيرها، هو تقدم بالنسبة للعمل الإسلامي لو لم يكن فيه إلا التجربة. وأنا أقول أيضاً بالإضافة إلى التجربة فهو تقدم في بعض المجالات وحسبك أنك ترى أن الأمة الإسلامية وأن الشعب في كل الولايات يشعر شعوراً عاماً وإسلامياً موحداً، هذا أمر يُعد تقدماً بالنسبة لأمة كان يراد لها أن تمسخ وأن تصبح قطعة من الأمة الفرنسية لا دين لها ولا عقيدة. فلاشك أن هذا تقدم، وأن هذا الشعور وهذا الحماس وإن خمد، فإنه بإذن الله قابل لأن يعود في المستقبل، ولهذا لم يذهب سدى؛ بل تخوف الاستعمار منه والغرب، فلقد أوعزوا إلى المغرب، وليبيا، وتونس، أيضاً أن يقوموا بضربات مماثلة. وأظننا سمعنا قريباً في هذه الأيام ما حدث في تونس وما يحدث في دول أخرى من مثل هذه الأعمال، ولكن الله تعهد فقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُه﴾ [الحج:٤٠].

стр. 1465

منهج أهل السنة والجماعة في التغيير السؤال هل يمكن أن نحدد في نقاط معينة منهج أهل السنة والجماعة في التغيير؟ الجواب هذا صعب جداً، ويمكن إجمالها فيما يلي: ١. التمسك بالكتاب والسنة في المنهج. ٢. الصبر على الابتلاء، وهذا لا بد منه. ٣. الدقة في رصد الأحداث والتخطيط للمستقبل. ٤. الأناة وعدم العجلة في قطف الثمرة؛ بل لا بد من التريث والتأني حتى تتمكن الدعوة ويصلب عودها وتقوم. ٥. الثقة، وهي في نظري ضرورية جداً، أن تكون الدعوة في كل مراحلها -حتى في أشد مراحل الاستضعاف والأذى- واثقة من نصر الله ، وإظهار دينه، واستخلاف هذه الأمة في الأرض. ٦. التعاون بين جميع فئات الأمة، وألاَّ تنحصر الدعوة في طائفة منها دون طائفة، فالدعوة تحتاج إلى العامل والتاجر، وتحتاج إلى الجندي والموظف وأصحاب المهن، وكل من يهمه أمر هذا الدين، وهم محتاجون إلى أن يؤمنوا بهذه الدعوة وأن ينشروها كل في محيطه، وأن يقوم بها، وكل ما يمكن أن أقوله، فهو راجع إلى سيرة النبي ﷺ ، وما ذكر الله ﵎ أيضاً من سير الأنبياء من قبله، ففيها النبراس، وفيها المنهاج الواضح.

стр. 1466

السلام العالمي الجديد وتأثيره على العالم الإسلامي السؤال نحن نلمس أن أي تحرك لأي اتجاه إسلامي في أية بقعة من بقاع الأرض يضرب بشدة، وتخشى الدول الاستعمارية من أن تقوم للمسلمين قائمة، وما حدث في الجزائر وغيرها من البلدان من أكبر الأدلة على هذا، ونحن نجد أنهم الآن يتوجهون بدعوة براقة، وهو ما يسمى بالسلام العالمي، والنظام العالمي الجديد، فما رأيكم في مدى تأثير هذه الدعوة على العالم الإسلامي؟ الجواب الغرب له تجاربه وله خططه في هذا المجال، وما يُسَّمى النظام الدولي الجديد أو السلام العالمي الذي سيحل في هذا النظام هو شعار غامض، كما صرح زعماء الغرب. أي: أنه ليس فكرة محددة، وإنما هو بهرج وستار لأحداث معينة بدأت بعض بوادرها تظهر، والبعض الآخر سيظهر مع الزمن. النظام العالمي أو النظام الدولي الجديد هو في حقيقته تمكين للعالم النصراني بزعامة أمريكا من السيطرة على العالم. وكما ذكرت أن له تجاربه في ذلك، ونستعرض تجربتين قريبتين: التجربة الأولى: أنه عندما قامت الحرب العالمية الأولى وكان يراد بها تقويض الدولة العثمانية وما يتبعها من الدول، وكان معظم العالم الإسلامي ومنطقة ما يسمى بالشرق الأوسط تابعة لها، فقوضت الدولة العثمانية وهدمت، وتمت سيطرة أوروبا على المنطقة بحجة الانتداب، والانتداب هو: أن تنتدب عصبة الأمم دولة معينة على دولة معينة، فانتدبت إيطاليا مثلاً على ليبيا، وانتدبت بريطانيا العراق وفلسطين، وانتدبت فرنسا على بلاد الشام، والصومال قُطِّعت، فكل دولة انتدبت على جهة، وسموه الانتداب. وقالوا: إن المقصود من الانتداب أن هذه الدول إلى الآن عاجزة أن تدير شؤونها بنفسها، وتحت المظلة الدولية التي هي عصبة الأمم في ذلك الزمن تتم إدارتها انتداباً حتى تقوم على ساقها وتنهض، وكما نعلم جميعاً أن هذا هو الاستعباد الذي يسمونه الاستعمار، هذه هي حقيقته، انكشفت الحقيقة وتجلت واضحة للدول كلها في العالم كله، فقامت الحرب العالمية الثانية وأريد التخلص من هذه الصورة من صور الاستعباد. وجاءوا بفكرة تقرير المصير، وتغيرت اللافتة الدولية من عصبة أمم إلى هيئة الأمم وميثاق سان فرانسيسكو، وقالوا: لا بد من إعطاء الشعوب حق تقرير المصير، الذي تطمح إليه كل الشعوب، بمعنى أنها تستقل وتتحرر، ولكن تقرير المصير هو مشروط بأن تكون في المسار الديمقراطي وهو ظل الشرعية الدولية التي هي عصبة الأمم، فالحلفاء هم الذين يمثلون الديمقراطية، وأعداؤهم يمثلون الاستبداد والديكتاتورية الخ. وقامت الأمم المتحدة بناءً على هذا الشعار، وتسلط الطواغيت الخمسة الكبار على مجلس الأمن الدولي وعلى بقية العالم. وكان أكثر تركيز للعداوة هو على العالم الإسلامي الذي استبعد كلياً أن يكون له وجود دائم في مجلس الأمن؛ بل هو مطمع الدول جميعاً، وهو مطمح أنظار كل الغاصبين والمعتدين والمجرمين لنهب خيراته وثرواته وتقطيع أوصاله ومنعه من القيام بأي دور حضاري أو رسالي في هذه الحياة. وعندما برز العملاق الشرقي كما كان يُسمى، وجد الغرب أنه لا بد أن يقضي عليه، وعملوا لذلك، وأثمرت هذه الجهود فيما نراه هذه الأيام من هذا الانهيار المتسارع في تلك الامبراطورية الضخمة. احتاجوا إلى شرعية -كما يسمونها أي: مسوغ ومبرر جديد- للسيطرة على العالم ولا سيما على هذه المنطقة التي أصبحت تمثل العدو الحقيقي في المستقبل للغرب. فجاءوا بشعار جديد هو شعار الشرعية الدولية والنظام العالمي الجديد، هذا النظام تكون أمريكا هي الشرطي الوحيد فيه الذي يكون مدججاً بكافة أنواع الأسلحة، والبقية هم من السكان الذين لا يختلفون، وإن اختلفوا فهذا الشرطي يأتي ويقمع هذا، ويردع هذا، ويسجن هذا، ويضرب هذا، ولكن تحت مظلة الأمم المتحدة والشرعية الدولية والنظام العالمي الجديد. والمستفيد الأكبر من هذه الشرعية المزعومة التي لا شرع لها -لأن الشرع في الحقيقة هو ما شرعة الله ، وهو الشرع الذي نؤمن به نحن المسلمين- والمستفيد الوحيد منها هم اليهود بالدرجة الأولى في هذه المنطقة وأمريكا عموماً بالنسبة للسيطرة على العالم وامتلاك ثرواته ومقدراته وفرض هيمنة الإنسان الغربي الدينية والأخلاقية والفكرية والحضارية عموماً على بقية شعوب العالم.

стр. 1467

فكرة توافق مصالح الإسلام والغرب السؤال يقول البعض: أنتم تبالغون في النظرة نحو الغرب بأنه يكره الإسلام والمسلمين ويخطط للقضاء عليهم، وإنما هي توافق مصالح، فأرى أن مصالحه الآن تتوافق مع الإسلام ومع المسلمين فنسعى نحو هذا التوجه، فما رأيكم؟ الجواب نعم، هذه التهمة تُقال، وقد وجهت إلينا كثيراً وإلى من يشاركنا في هذا، ولكن نحن نقول: أولاً: حقيقة إن هذه التهمة ليست موجهة إلى الأشخاص الذين يتحدثون عن خطر العداوة اليهودية والنصرانية بقدر ما هي موجهة إلى أصل العقيدة وإلى أصل نظرتنا إلى اليهود والنصارى، كما جاءت في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فالله هو الذي أخبرنا في كتابه الكريم أنهم سيظلون أعداء لنا وأنهم سيعادوننا في آيات كثيرة جداً. كما ذكر الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة:١٠٩]، وآيات كثيرة لا نستطيع أن نأتي عليها ولا على بعض منها أو بعض من الأحاديث في هذا الشأن، أما التاريخ فهو شاهد كبير وواضح جداً على هذا. لكن ننتقل إلى الواقع المعاصر الآن نقول إن كانت المسألة مسألة مصالح، فلنأخذ بعض الأمثلة: اسأل أي مثقف أمريكي: ما مصلحة أمريكا من إسرائيل؟ مع أنها هي الأمة المادية التي لا تؤمن إلا بالدولار. ولا تعبد إلا الدولار، كل فرد في أمريكا لو تأمل لوجد أنه يدفع الضرائب من دخله الفردي الخاص لهذه الدولة. وأنه يعطيها أرقى أنواع الأسلحة، وأن إسرائيل تشترط أن كل سلاح يصبح قديماً فإنها تعيده إلى أمريكا وتأخذ بنفس ثمنه السلاح المطور، وأن إسرائيل خارجة خروجاً واضحاً عن كل ما تلزم به أمريكا دول العالم الأخرى، بل حتى ما تلتزم به أمريكا لا تلتزم به إسرائيل. وهذا تدليل عجيب ظاهر، مع أن مصالح أمريكا توجد في العالم الإسلامي، مثل: البترول وهو أهم مصالحها، وكذا المصالح الاقتصادية، والثروة السكانية، أو التجمع السكاني الكبير الاستهلاكي، الذي يستهلك كل المنتجات الأمريكية هو يوجد في العالم الإسلامي وهكذا، الولاء من الحكومات العربية أكثر من ولاء حكومات الدول الأخرى، ومع ذلك كيف تنظر أمريكا إلى هذه الدول؟ وكيف تنظر إلى هذه الشعوب التي فيها الطاقات المخزونة، وفيها سوق الاستهلاك والإنتاج، وفيها أيضاً الحكومات والأحزاب العلمانية الموالية لها؟ إنها تنظر إليها نظرة مجحفة تماماً، فهي لا تعدها شيئا ولا تنظر لها ولا تعتبر لها أية قيمة، مع أنها تشكل تكتلاً بشرياً وجغرافياً هائلاً جداً، وإسرائيل قطرة في هذا البحر! كيف يمكن أن يفسر هذا إذا نظرنا إلى الأمور نظرة مادية مجردة؟! المثال الآخر: ننتقل إلى مثال آخر غير أمريكا، وهو الاتحاد السوفيتي، والذي يهمنا هو سؤال واحد: لماذا تكون مسألة المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفيتي هي أعظم وأهم المسائل التي يبحثها الرئيسان في عدة اجتماعات؟ والتي بناءً عليها جعلت أمريكا الاتحاد السوفيتي الدولة التي تعامل معاملة الأفضل بشرط السماح بهجرة اليهود إلى إسرائيل، والنظر إليها على أنها قضية إنسانية مع أنها حتى الجانب الإنساني مفقود؛ لأن حشر مجموعة من الناس بالقوة وتحديد مسارات معينة لهجرتهم ولرحلتهم إلى مكان معين وينزلون فيه بالقوة، ثم منعهم من الخروج من هذا البلد بالقوة، هذا لا يمكن أن يقال بأنه عمل إنساني، ومع ذلك فإن هذا هو الواقع أيضاً بالتعاون بين أمريكا وبين روسيا. ثم ننظر إلى كيفية تعامل روسيا وأمريكا والغرب مع الصين أو كيف يعاملون الهند؟ نجد أن التعامل يختلف جداً، فلا شك أنها عداوة دينية كما ذكر الله ﵎ وكما يشهد بها التاريخ، وكما يشهد بها العاقل المنصف المتأمل في الواقع المعاصر، وأنه لو حدثت مبالغات من بعض الناس أو بعض العبارات، فالمبالغة لا تعتبر، لكن الأصل يظل صحيحاً وسليماً.

стр. 1468

كلمة توجيهية للصحوة الإسلامية السؤال في ختام هذا اللقاء، لو كان هناك كلمة في ترشيد هذه الصحوة الإسلامية وتحذيرها من الانزلاق في متاهات أو في شراك تقاد إليه، وربما كان ظاهر هذه الانزلاقات براقاً، ولربما وضعت عليه شعارات أيضاً تشترك معها ظاهراً، وتحتها السم الزعاف، فلو كان منكم كلمة حول هذا المعنى بارك الله فيكم؟ الجواب ما دمنا نتكلم عن الصحوة في الجملة، ولا نخص مكاناً أو وضعاً دون وضع، فلتكن النصيحة عامة، وهي ما نوصي به أنفسنا وإخواننا في الله في كل مكان وهو: أولاً: التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ قولاً وعملاً واعتقاداً، واتباع منهج السلف الصالح، وأن نعتقد اعتقاداً يقينياً جازماً أن منهج السلف الصالح هو سفينة نوح، التي من ركب فيها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى، وأنه لا يمكن أن نصل إلى عمل، ولا دعوة، ولا استخلاف، ولا تمكين، ولا خير أبداً، لو تركنا هذه العقيدة الصحيحة، وتمسكنا بأي منهج آخر. ثانياً: العلم، فإن العلم هو الذي يُضيء لهذه الصحوة طريقها، وهو الذي يُحول الحماس إلى طاقات منضبطة تعرف كيف تعمل، وأين تعمل، وهو الذي يوجه هذه الطاقات، ويسدد مسيرتها، فلا بد من العلم الشرعي، وهو العلم الذي أمر الله ﵎ به، وأوله وأصله: العلم بالله ومعرفة أسمائه وصفاته، وحقه على العباد، وتقديره حق قدره ﵎، وكذلك برسوله ﷺ ومعرفة سيرته وسنته وأحواله للاقتداء به، وكذلك معرفة ما يجب على الإنسان أن يعرفه في حدود ما أتاح الله له، مما يتعبد به لربه حتى يعبد الله على بصيرة وبينة وبرهان. وكذلك مما أوصي به، وأرى ذلك من ضرورات ترشيد هذه الصحوة: الآداب والأخلاق الإسلامية التي هي مطلوبة من كل مسلم، وحاجة الدعاة إليها أشد وهم إليها أحوج، ومن ذلك العدل. وأنا أعجب! عندما نجد العدل يكاد يكون مفقوداً أو مختلاً لدى كثير ممن يمثلون هذه الدعوة وهذه الصحوة الإسلامية في كل مكان: العدل في الأقوال، والعدل في الأعمال، وكذلك التخلق بالأخلاق النبوية، أخلاق الأنبياء التي عَّلمنا إياها النبي ﷺ ، والتي بها فتح المسلمون العالم، فإن حقيقة الأمر أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إنما فتحوا قلوب العباد، ولم يفتحوا مجرد الأراضي، فتحوا قلوب العباد بأخلاق النبوة، يرون فيهم أخلاق الأنبياء. لأنهم كانوا يقتدون ويتأسون برسول الله ﷺ في أخلاقهم، ويجدون من رحمته وشفقته وحسن رعايته ولطفه وإنصافه ما يجعل العدو يضطر أن يحترمه ويقدره ويحبه. ونحن نلحظ نوعاً من الجفوة في التعامل بين كثير ممن ينتسبون إلى هذه الصحوة الإسلامية سواء فيما بينهم أو مع الناس، وهذه كلها مما يؤثر ويضر بالدعوة إضراراً كبيراً، ولنعلم أننا إن لم يكن لنا جسر إلى قلوب الناس بهذه الأخلاق العليا -التي أمر الله بها كما قال: ((ِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩] فلتكن صفتنا هي الربانية في الإيمان، في العلم والخلق- فإن ذلك لا يمكن أن يؤدي إلى الثمرة المطلوبة المرجوة منهم. كما نُحذِّر هذه الصحوة، أشد الحذر من كيد الأعداء، فإن الأعداء في الداخل، والخارج، وفي كل مكان، يكيدون ويخططون، ويسعون إلى احتواء هذه الصحوة في أي شكل من أشكال الاحتواء وتضليل المسيرة وتفتيت الجماعة التي تسير على هذا الطريق، وتمزيق الصف المسلم في كل مكان، هذا أمر يجب أن نتنبه له، وأن نتفطن له، وهو من أعظم أساليب الأعداء الملتوية، أنهم يجتهدون له، وهذا يريحهم من المواجهة المباشرة التي تجلب تعاطف الجماهير مع الدعاة، وتعطيهم زخماً واقعياً كبيراً. وكذلك يتنبه الدعاة من المنافقين، لأنهم يندسون في الصف، وعن طريقهم تخترق الدعوة، وعن طريقهم يمكن أن يُحقق الأعداء أعظم المكاسب، فهم مثل الألغام الموقوتة التي تدخل في داخل الأبنية، أو في داخل أية سيارة، أو في أي شيء يراد تفجيره، وفي اللحظة المناسبة يقومون بتفجير هذا الوجود، وهذه الصحوة. وهذه الأحداث الأخيرة التي حصلت في واقع الدعوة الإسلامية تبين وتدل أن هذا من أهم ما يجب أن تتنبه له الصحوة الإسلامية، وهو تمحيص الصف، والتحرز الشديد من أن تخترق من داخلها. وكذلك يجب على حملة هذه الصحوة الإسلامية أن يحذروا مما يوقعه أعداء الإسلام من المنافقين أو اليهود وأمثالهم من التحريش فيما بينهم، فإن أهل الإسلام في الجملة يجمعهم ويربطهم من أسباب التعاون والأخوة الشيء الكثير، والواجب أن يكونوا جميعاً كذلك، مهما اختلفوا، فكيف بـ أهل السنة وخاصة الدعاة منهم؟ وأي خلاف فإنه يُحَلُ وفق هذا المنهج، وقد فصَّل الله ﵎ ورسوله ﷺ ذلك تفصيلاً: كيف يكون الرجوع عند الخلاف؟ وكيف يمكن التحاكم إلى المنهج؟ بل إنه لو تغاضى طرف عن طرف، بأن سكت طرف عن هجوم الطرف الآخر وتشنيعه والتشهير به ولومه واتهامه، مهما كان جائراً، مهما كان جاسراً، لو سكت الطرف الآخر واحتسب ذلك عند الله، فإن ذلك خير له وللدعوة. وإن الدخول في هذه المهاترات والردود لا يجنى ثمرته إلا أعداء السنة وأعداء أهلها، ولذلك نوصي بأن يكون أهل السنة والجماعة يداً واحدة، علماء، وطلاب علم ودعاة وعامة. ومن أخطر ما يجب أن نتنبه له الحذر من أن يدخل المنافقون أو المفسدون فيحدثوا فجوة بين أهل السنة وبين علمائهم، بين العامة وبين الدعاة بألوان وأنواع من الكيد، يدخلون بها لإحداث هذه الفجوة، وعند ذلك يقطعون الرأس عن الجسد، ويتمكنون من السيطرة على هذه الصحوة وتضليلها. كذلك أحذر وأؤكد على عدم العجلة والاستعجال في أمور الدعوة، لأن هذه العجلة تجعل أعداءنا يعرفون كيف يستفزونا بمواقف معينة، ويعلمون أننا نتعجل ونتسرع، فنقع في الفخاخ والشراك التي ينصبونها لنا. ثم بعد ذلك يكون ضرب الدعوة بناءً على هذه المبررات، ويقولون: هذا ما وقع، وهذا يستحق العقوبة؛ فلذلك يجب أن ينتبه المسلمون والدعاة من أن يُجروا إلى مواقف معينة تبرر القضاء عليهم وتبرر ضربهم من قبل أعدائهم، وأن يعتصموا بعد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بالشورى، فيما بينهم، وألاَّ يتصرف فرداً بأي موقف قد يجر المصيبة والبلاء على الأمة كلها، بل يجب أن يكون أمرهم شورى بينهم، وأن يتباحثوا في أي شأن من الشئون، حتى يكونوا يداً واحدة، وموقفاً واحداً ما أمكن، فإن كان هناك اجتهاد فليتح لكل إنسان أن يجتهد في مجاله، لكن دون بغضاء ولا تحرش ولا اتخاذ موقف يكون سبباً لأن يقضي عليهم أعداء الله ﵎. ونختم هذه الوصايا بوصية الله ﵎ إلينا وإلى من قبلنا: أن نتقي الله في أقوالنا وأعمالنا وسرنا وعلننا، وأن نخلص أعمالنا لوجه الله، ولا نبتغي بأي عمل من الأعمال أحداً سواه ﵎، وأن نكون كما أمر النبي ﷺ : ﴿اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾.

стр. 1469

احفظ الله يحفظك لقد أوتي رسول الله ﷺ جوامع الكلم، وعندما أردف ابن عباس وراءه على دابته حدثه بكلام موجز عظيم لخص به معاني الإيمان وثمراته، وفي هذا الدرس تناول الشيخ حفظه الله هذا الحديث بالبيان والشرح، ووضح معنى حفظ العبد لربه ومعنى حفظ الله لعبده، وارتباط ذلك بتوحيد السؤال والاستعانة، والإيمان بالقضاء والقدر، وأتبع ذلك ببيان اقتران كل من العسر واليسر، والفرج والكرب، والنصر والصبر، موصياً الحاضرين بالدعوة إلى الله.

стр. 1470

وصية النبي ﷺ لابن عباس الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه، أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: نحمد الله ﵎ ونشكره على ما أنعم وتفضل به علينا من مجالس الذكر والعبادة والإنابة. ونسأل الله ﵎ أن يتقبل منكم ومنا جميعاً، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه سميع مجيب. تحدثنا في الدرس الماضي عن الوصية الأولى من حديث رسول الله ﷺ : ﴿الطهور شطر الإيمان﴾. واليوم سنتحدث عن الوصية الثانية وهي حديث عظيم من كلام رسول الله ﷺ ، وما أعظم وصايا هذا الرسول! وكيف لا، وهو الرحمة المهداة، والنعمة المسداة؟! الذي أخرجنا الله ﵎ به من الظلمات إلى النور فما أجدره ﷺ أن نتأمل وأن نتدبر كلامه ومواعظه ووصاياه!

стр. 1471

نص الحديث وهذا الحديث الذي هو الوصية الثانية، قال عنه بعض العلماء: تدبرت هذا الحديث فأدهشني وكدت أطيش' فالله أكبر! القلوب التي تتدبر وتتفكر وآتاها الله قوة الفهم والمعرفة واليقين لا تحتمل بعض الأحاديث أو بعض الآيات، بل تكاد تطيش. وهذا الحديث هو قوله ﷺ في وصيته المشهورة، للغلام النبيه النجيب الذكي، الذي نوَّر الله قلبه بالإيمان، وجعله حبر الأمة وترجمان القرآن. عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه وعن أبيه عندما أوصاه النبي ﷺ ، فقال: ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف﴾، وفي رواية أخرى: ﴿تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً﴾.

стр. 1472

السلف الصالح والتفكر وتحت كل جملة من هذه الجملة عبر ومعانٍ عظيمة لا نستطيع أن نأتي عليها، وإنما نشير بما فتح الله ﵎ به علينا، حاثين أنفسنا وإخواننا جميعاً على تدبر كلام رسول الله ﷺ ، ولا سيما هذه الوصايا الجامعة المانعة. ولا نتعجب من قول ذلك العالم في هذا الحديث، فقد قرأت منذ أمد ليس بالطويل أن الإمام العابد الزاهد أبا سليمان الداراني -رحمه الله تعالى- نادى غلامه أحمد بن أبي الحواري فقال له: ائتني بماء، فجاءه بماء ليتوضأ لقيام الليل، يقول أحمد بن أبي الحواري: [[فلما أذن الفجر، أذن وهو على حاله، ويده في الإناء ولم يرفعها ولم يتوضأ! فقلت له: الصلاة رحمك الله! أذن الفجر]] أي أنه طوال كل هذه الليلة كان يتفكر في حاله مع الله ، تفكر فنسي واستغرق ولم يفعل شيئاً، وهذا التفكر هو عبادة. أقول: لا نستغرب أن من تدَّبر وتفكَّر وأمعن النظر قد يحدث له شيء من هذا، فمثلاً: عندما تأملت هذا الكلام وتعجبت منه تذكرت أن الرسول ﷺ لما ذكر قصته مع ابن عبد ياليل وما جرى له من الأذى، فقال: ﴿انطلقت هائماً على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بـ قرن الثعالب!﴾. وهو ﷺ أقوى الناس زماماً، وأثبتهم نفساً، لكن الهمّ الذي ركبه واستغراق التفكير جعله يمضي وينطلق ولا يفيق إلا وهو في قرن الثعالب، واستغراق التفكير في المشي والسير أعظم منه والإنسان جالس.

стр. 1473

ثمرات التفكر أقول هذا لأنبه الإخوة لعظم التفكر في آية، أو في حديث، أو في عبرة، أو في حكمة؛ فهذا التفكر ثمرته عظيمة جداً؛ لأنه يورث لك علماً عظيماً جداً؛ بحيث إنك كلما قرأت، أو تعلمت، أو رأيت أيَّة عبرة وأخذتها بهذا العمق بالتفكير والتدبر والتأمل، فإنها تفيدك كثيراً جداً، وما ميَّز الله ﵎ أهل التقى السابقين -وعلى رأسهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم- بكثرة الرواية، ولا بكثرة المسائل في العلم، ولكن بهذا العمق في الفهم واليقين والتدبر. إن عامة الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يكونوا يحفظون كتاب الله، وإنما حفظه نفرٌ معدودون منهم، والحديث كذلك لم يكن يجمعه أو يجمع أكثره والآلاف منه إلا نفر معدودون، لكن كان اليقين يقر ويثبت في قلوبهم بآية واحدة أو بحديث واحد. فهذا اليقين يستغرق قلبه، ويفتح الله ﵎ به عليه معارِفِ عظيمة، فيلج على قلبه من الحقائق الإيمانية والمعارف القرآنية ما يجعله ينسى كل شيء في هذه الدنيا، فحكمة واحدة يأخذها ردة واحدة يردها إلى كتاب الله أو إلى سنة رسول الله ﷺ ، وإلى هذا النعيم الصافي العذب، تروي قلبه، وتنبت فيه شجرة الحكمة، فيجني ثمارها هو ومن بعده. لذلك انظروا إلى كلامهم! ورحم الله الحافظ ابن رجب حيثن كتب كتاب " فضل علم السلف " فقال: 'الكلمة الواحدة من كلام السلف تزن مجلدات من كتب الخلف' وما أكثرها الآن في المكتبات! وما أكثر المحاضرات والكلمات، لكن أين كلامنا وأين علمنا وأين خطبنا ومحاضراتنا من كلمة واحدة من كلام السلف؟! فالسلف ﵏ أخذوا هذا الدين عن إيمان ويقين.

стр. 1474

معنى"احفظ الله يحفظك " إخوتي الكرام: تدبروا هذا جيداً، وتدبروا قوله ﷺ : ﴿احفظ الله يحفظك﴾ من الذي لا يسعى في دنياه إلى أن يحفظه الله ﵎ من أي سوء؟! يجتهد الناس في هذه الحياة الدنيا إما لجلب النفع أو دفع الضر، وإذا تأملنا هذا الحديث وجدنا كل ما جاء فيه متعلقاً بهذا الموضوع. فكل الناس في هذه الدنيا إنما يسعون ويجتهدون ويعملون من أجل أن يحققوا لهم في أنفسهم ما ينفعهم في العاجلة أو الآجلة، ويدفع عنهم ما يضرهم، ومحور ذلك وجماعه كله في هذه الوصايا التي أوصى بها النبي ﷺ (احفظ الله يحفظك) أي: في دنياك وآخرتك.

стр. 1475

مجالات حفظ العبد لربه احفظ الله كما ذكر الله ﵎ وبيَّن في كتابه. فعندما ذكر صفات المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١] فجعل من صفاتهم: الحافظون لحدود الله، أي أنني أحفظ الله بأن أحفظ حدود الله. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:٥] فاحفظ هذه الآلة، وهذا العضو، وقد بيَّن ﷺ خطورة هذا العضو وضم إليه عضواً آخر، فقال: ﴿من يضمن لي -أو من يحفظ لي- ما بين لحييه ورجليه أضمنْ له الجنة﴾. احفظ اللسان، واحفظ الفرج، فالله تعالى استودعك هذين العضوين، وما أكثر من دخل النار بسببهما! فإذا حفظتهما فهذا من جملة ما تحفظ. ومن أعظم المحافظة التي أمر الله بها المحافظة على الصلوات: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، فحافظ على الصلاة؛ فمن حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة. والمحافظة على هذه الأعضاء، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] وهل تظن أنك يا عبد الله في هذه الدنيا تقول ما تشاء، وتصنع ما تشاء، وتنظر إلى ما تشاء؟! لا والله! إن السمع والبصر والفؤاد، حتى الفكر وهمُّ القلب وخطراته وما يأتي فيه لا ينبغي أن يكون إلا لله وقد تجاوز الله لنا عما حدثتنا به أنفسنا ولم نعمل به، لكن لا يجوز ولا ينبغي لنا أن نعزم على معصية؛ لأن العزم مقدمة العمل. بل يجب علينا أن نعلم أن هذه ودائع استودعنا الله ﵎ إياها، فلنحفظها ولنحافظ عليها، فإذا حفظ العبد جوارحه، وحفظ حدود الله، وحفظ ما أمر الله ﵎ به وامتثله، وحفظ ما نهى الله ﵎ عنه فلم يقربه، نال النتيجة، وهي حفظ الله له.
следующие страницы →