← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

أمثلة من آثار الوحدة الغربية على المسلمين ونضرب مثالاً واحداً: قضية أفغانستان وهي القضية الحساسة المهمة جداً بالنسبة لنا نحن المسلمين، تأثرت بهذا التقارب الدولي العالمي تأثراً كبيراً، ولذلك أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي معاً الموافقة على إعادة الملك ظاهر شاه إلى حكم أفغانستان، وإجراء انتخابات، واتفقت الدولتان. في حالة اختلافهما قد يكون هناك مدخل أو مبرر للمجاهدين في الدخول في اللعبة الدولية بنوع من الدراسة التي قد تُعطي بعض النتائج، لكن في حالة الاتفاق لا شك أن الموقف سيكون أصعب، والمواجهة ستكون أشد بالنسبة للمسلمين، وهذا مثال واحد وغيره كثير. وهناك مثال واضح جداً لا يكاد يمر يوم إلا وتسمعون عنه وتقرءون عنه: وهو أن من إثبات حسن النوايا لدى جورباتشوف عموماً وأوروبا الشرقية خصوصاً، أنهم بادروا لإقامة العلاقات مع إسرائيل، بل الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي ومن أوروبا الشرقية إلى إسرائيل وأصبحت من الموضوعات الأساسية، وقد ناقشها جورباتشوف وبوش في مؤتمر مالطا، وأصبح واضحاً جداً، وقد اشتكى المسلمون واشتكى العرب، واشتكت منظمة التحرير من هذه الظاهرة، وهي هجرة اليهود من الاتحاد السوفيتي. وقد نشرت دول أن الذين هاجروا من الاتحاد السوفيتي أكثر من (ثلاثة وسبعين ألف) يهودي، وهم طبقة مثقفة ونوعية معينة، وسوف تقام لهم مستوطنات، وسوف يكون ذلك على حساب السكان المسلمين الأصليين، الذين سوف يتزايد عليهم العبء ويتضاعف، ولا سيما مع التناقص العددي الرهيب والشديد الذي يقع الجهاد الفلسطيني فريسة له، إذ كل يوم يخسر أعداداً بشرية، حيث إن حالات الإجهاض التي تمت منذ قيام الانتفاضة أكثر من (ثلاثمائة ألف) حالة، ومعنى ذلك أن هناك إصراراً وتعمداً للاضمحلال البشري بالنسبة لسكان الأرض المحتلة الأصليين، وإحلال أولئك اليهود الشرقيين والسوفيتيين محلهم، وهذا -أيضاً- أحد المؤشرات الأولية، وما تزال الأمور في بدايتها. وأمام هذا نقول: إن الخلاف بين الغرب والشرق مهما قيل عنه فإنه يظل محدوداً، ولا سيما أن أرض الواقع فرضت ذلك، والواقع أن الدول الغربية قد أسهمت كثيراً في تأمين العمال وترفيههم، وفي مشاركاتهم في الشركات والمؤسسات. بمعنى أنها قطعت كثيراً من الطرق التي يمكن أن تتسرب منها الشيوعية الماركسية للتطوير والتغيير الكلي، وبنفس الوقت: فإن روسيا تراجعت في كثير من أمورها عن التطبيق الحرفي للماركسية، وأصبحت توائم وتوازن بين الملكية الفردية والملكية الجماعية، وأصبحت النظرة المتفق عليها بين كلا المعسكرين هي إيجاد القوة الاقتصادية لشعوبها، وتأخر إلى حدٍ ما موضوع العقيدة أو الأيديولوجية أو المبدأ أمام الضغط الاجتماعي والضغط الاقتصادي. فإذا أضيف ذلك إلى أن الكفار وأوروبا جميعاً موحدة نفسياً وتاريخياً ضد الأمة الإسلامية، فسوف يبرز للعالم الإسلامي هذا العدو الجديد، وهو عملاقٌ ضخم لا يمكن أن يقاوم إلا بقوة تقوم في هذه الأمة، وهي -والحمد لله- تملك ذلك، لكن يحتاج إلى مقاومة ليست كأي مقاومة، ونحن نؤكد: أن النصر للإسلام، وأن الغرب مهما تجمَّع ومهما توحد فإنه مخذول بإذن الله .

стр. 1402

مع الصحوة الإسلامية في المعركة يجب أن نعلم أن المعركة سوف تطول، وأن نهايتها لن تأتي بسلام، وأن هذه الأمة ستدفع تضحيات كبرى من أجل أن تنتصر على هذا العالم الذي يتفوق عليها في كثير من الشئون والمجالات، ومن ذلك أن الأحزاب الشيوعية أو الاشتراكية في العالم الإسلامي إن جرت عليها عملية إعادة البناء؛ فإنها لن تجري إلا بتضيحات من المسلمين بطبيعة الحال ولن تدفع هكذا، ولو أن الأمة أرادت إعادة البناء لتبني دينها وإيمانها وإسلامها، فإنها سوف تكون في حالة مواجهة مباشرة مع هذا العدو الجديد، ومع (ألف مليون) صليبي يترصدون لها.

стр. 1403

الصحوة في الجزائر والعبرة منها ظهرت حادثة -ومع الأسف الشديد- وقليل من كتب وحلل عنها، ولكنها بارزة ومهمة، ويجب أن نعيها تماماً، وهي الحادثة التي وقعت في الجزائر، فأحداث الجزائر فيها عبرة كبرى بالنسبة لنا المسلمين جميعاً. قام الشيوعيون بإخراج (ثلاثة آلاف) امرأة في مظاهرة لإلغاء قانون الأسرة، لأنه مأخوذ من الشريعة الإسلامية جملة وكذا في كثير من تفصيلاته، ثم أخرجت جبهة الإنقاذ مليوناً ونصف امرأة، مع مليون من الرجال، خرجوا بمظاهرة يطالبون بالإسلام. وكان ذلك الوجود الضخم الذي أزعج الصحافة الغربية والشرقية معاً، ولم يكن في الأمر أية غرابة، لماذا لم تصنف على أنها محاولة إعادة بناء؟! لماذا يحرم علينا نحن المسلمين فقط إعادة البناء؟ لماذا لا يقال: هذا من حقهم، كما أن من حق التشيكي والألماني الشرقي والروماني أن يثور، وأن يغير وأن يتراجع؟ لماذا لا تراجع هذه الأمة نفسها؟! الذي حصل مع التعتيم الإعلامي إن بعض الصحف الغربية أوردت تصريحاً لـ شيراك رئيس فرنسا الدولة الأولى التي يهمها موضوع الجزائر قال فيه: 'لو أن هؤلاء الأصوليين نجحوا في الحكم، لتدخلت في الجزائر كما تدخل بوش في بنما '. وهذا يُعبر عن الحقيقة التي سوف يأتي يوم من الأيام، ونراها كواقع مشهود. وهي أنه في حالة تضاؤل الأحزاب الشيوعية في العالم الإسلامي وهي متضائلة ومتهالكة -بإذن الله- وفي حالة عجز وفشل الأنظمة الموالية للغرب في العالم الإسلامي من احتواء الصحوة الإسلامية والقضاء عليها وتفكيكها، وهي عاجزة وفاشلة -بإذن الله وخائبة في ذلك، ففي هذه الحالة لن يجد الغرب بديلاً إلا أن يتدخل بنفسه عسكرياً في العالم الإسلامي، وهذا ليس بغريب عليهم، فلقد تدخلوا في أفغانستان وفي مناطق أخرى، وأحداث أذربيجان ليست ببعيدة، وإن كانت هي داخل الستار الحديدي، ومعاملة أذربيجان غير معاملة لتوانيا وجمهوريات البلطيق مع أن الحزب والدولة واحدة والنظام واحد، وخروج القوات الروسية من أفغانستان لا يتعارض واقعها مع هذه الحقيقة لأسباب منها: أولاً: أن الاتحاد السوفيتي أخرج القوة العددية الجسدية، لكن المساعدات والقوافل الضخمة من الأسلحة والعتاد تتدفق يومياً أو شبه يومي -متى ما استطاعوا- إلى داخل أفغانستان. ثانياً: أن الوضع هو محاولة ترتيب وتخطيط لما سوف ينتج بالنسبة لمحاولة إثبات حسن النيات، كما تم حكم النيابة بالنسبة لـ أوروبا الغربية، وبعد ذلك عندما تتوحد النظرة إلى حدٍ ما في القضايا الدولية، فسوف نجد أن القرار لن يكون قراراً روسياً هنا، ولن يكون قراراً فرنسياً بالتدخل في الجزائر أو في غيرها وهنا الخطر! لأن القرار سيكون قراراً صليبياً تجمع عليه أوروبا شرقها وغربها والولايات المتحدة الأمريكية ومن دار في فلكها، وهم جزء من الغرب، وسوف يجمع هؤلاء على هذا القرار، سواءٌ كان احتلال أية بقعة من العالم الإسلامي أو أي تدخل مباشر في أي بقعة من العالم الإسلامي، وهذا يضاعف مخاطر مستقبل الصحوة الإسلامية، رغم يقيننا بأن النصر للإسلام -بإذن الله- ولا شك في ذلك. ولكن هذا ليحفزنا إلى البناء الحقيقي، بناء العقيدة، والإيمان في القلوب، والمواجهة الجادة المخطط لها، لمواجهة هذا العدو الماكر القوي الخبيث.

стр. 1404

الصحوة والمعركة القادمة نحن -في الحقيقة- لا نريد أن نُخطئ في تطبيق بعض الأحاديث النبوية على هذا الواقع أو غيره؛ لأن هذا من علم الغيب، لكن نحن نؤمن إجمالاً بما صح عن النبي ﷺ من أنه في آخر الزمان سوف يغزونا الروم، وتكون الملحمة في بلاد الشام، جاء في أحد الأحاديث: ﴿فسطاط المسلمين سوف يكون في الغوطة في مدينة دمشق﴾ أي: أن مسرح الأحداث سيكون واحداً، فالحروب الصليبية استمرت قروناً، ومسرح أحداثها هو هذه المنطقة شرق البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في آخر الزمان كما صحت الأحاديث في ذلك: ﴿تقوم الساعة والروم أكثر الناس﴾ ويقومون ويغزون المسلمين، وتكون المعارك في الشام أيضاً. أي: أن المواجهة مع الغرب عسكرياً أمرٌ لا بد منه، والإعداد لها أمرٌ مطلوب ولا بد منه أيضاً.

стр. 1405

الإعداد للمعركة على نهج الكتاب والسنة وهنا نقول: إنه أياً كان ما تتعرض له الشيوعية، سواءٌ كان انهياراً كلياً أو تطويراً وتجديداً، فإن المسألة تتطلب منا أن نكون واعين بأن مستقبلاً خطيراً يهدد الأمة الإسلامية، وألاَّ ندع مجالاً للعواطف التي تقول: إن هذا الانهيار سوف يتيح للإسلام نشر الدعوة! نعم! قد يسمح لنا أن نصدر الكتب، ونرسل المصاحف، وأقصى ما يمكن أن نصل إليه أن يكون الحال كما هو الحال في أمريكا، ولكن هل تسمح أمريكا بقيام دولة إسلامية؟ حقيقية كما لو قامت -إن شاء الله- في أفغانستان. وهل ترضى أمريكا بأن يتسلم المجاهدون الحكم في أفغانستان؟! ستقف أمريكا بكل قوة وفي أي مكان، ولن تسمح بقيام دولة إسلامية نقية على منهاج الكتاب والسنة -أبداً- في أي بقعة من بقاع العام الإسلامي، فكيف إذا اتفق الغرب والشرق على ذلك وهو العدو المشترك لهما؟ كيف والأفعى اليهودية هي التي تحرك العالم شرقاً وغرباً؟! لا بد للأمة الإسلامية أن تعد العدة، والنصر قادم بإذن الله وقد قام عماد الدين زنكي ونور الدين وصلاح الدين في أوقات الانحطاط والضعف والفرقة في العالم الإسلامي وسيطرة الباطنية والروافض وأشباههم. ومع ذلك كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ في أكثر من موضع في الجزء الثاني والعشرين من الفتاوى يقول: 'نََصَرَ الله نور الدين وصلاح الدين على قلة العدد والمال بالإيمان'. لأنهم كانوا مخلصين في إيمانهم بإذن الله يقول: 'لأنهم كانوا لا يوالون الكفار، ولم يكونوا يوالون اليهود والنصارى '. والغرب لا شك لن يسمح بقيام أمة لا تواليه، ولا تتشرب مبادئه، هذا من جهة. ومن جهة أخرى كون هذا العبء ثقيلاً يفرض علينا مضاعفة الجهود في الدعوة إلى الله وفي تحذير هذه الأمة وتنبيهها، وأن الحل الوحيد في كل مشاكلها لا يمكن أن يكون إلا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ . فعلى أية دعوة تدعو إلى غير الكتاب والسنة أو تدعو وفي دعوتها دخن، فعليها أن تراجع نفسها، لأنها لن تقدم العالم الإسلامي، بل سوف تؤخره ولا ريب، لأنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. ولن يتوحد العالم الإسلامي -بإذن الله- إلا في ظل الكتاب والسنة، وفي ظل دعوة لا ترتبط على الإطلاق بالأشخاص ولا بالنظرات الضيقة، بل هي دعوة لكل (الألف مليون) مسلم إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، منهاج واضح: علم، وجهاد، ودعوة، وأمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، وهذا ما سوف يقوم، وقد بدت بشائره -والحمد لله- واضحة في الجهاد الأفغاني، وفي الجهاد الإرتيري، وفي الجهاد الفليبيني، وفي مناطق كثيرة شملتها الصحوة الإسلامية، كما أشرنا في أحداث الجزائر، وكذلك في ليبيا وتونس، وكل بلد -والحمد لله- توجد فيها هذه الصحوة الإسلامية، أو بشائر لها يجب أن تستمر، وأن يكون الكتاب والسنة هو منهاجها الوحيد، وكذلك فهم السلف الصالح نسأل الله أن يحقق ذلك، إنه سميع مجيب.

стр. 1406

الأسئلة

стр. 1407

الاستفادة من الأحداث السؤال لماذا لا يستفيد الإسلاميون من هذه الأحداث؟ وما هي أوضاع المسلمين في الجمهوريات الإسلامية؟ الجواب نحن الإسلاميين لم نستطيع أن نفهم الأحداث، فكيف نستفيد منها؟! إذا لم نعرف لمصلحة من تدور هذه الأحداث، وما هي عاقبتها، فكيف نستطيع أن نفعل شيئاً؟! المتوقع -الآن- ظهور كتلة عالمية قوية متحالفة يعبر عنها البعض الشمال ضد الجنوب، وليست فكرة شمال ضد جنوب، بل هي الصليبية ضد الإسلام، فهذا الواقع، وهذا هو المسار. أما الجمهوريات الإسلامية فهناك تعتيم كامل من جهة الاتحاد السوفيتي، وأيضاً: من جهة إعلام بعض الدول الإسلامية، ونتوقع أن يكون لهم شأن- سواءٌ من كان منهم على المنهج السليم الذي سوف ينتصر -بإذن الله- أم أي أقلية أخرى، نتوقع أن يكون لهم دور، وأن ينتهزوا فرصة الخلخلة ما بين الديكتاتورية السابقة وعملية إعادة البناء، ولكن ليست هذه النتيجة أو القصد، فالقصد هو أن المسلمين في عمق العالم الإسلامي يحتاجون إلى الفهم الصحيح للدعوة والإيمان بالله ، فكيف تتصورونهم في ظل الشيوعية الملحدة التي أبعدتهم عن معرفة حقيقة دينهم؟! أي: لا يمكن أن يحقق النصر إلا على ضوء منهاج واضح، وهذا المنهاج مفقود أو غائب في الواقع إلا من الناحية العلمية النظرية في عمق العالم الإسلامي، فكيف تتوقعونه في تلك الأصقاع؟!

стр. 1408

ضرورة الاهتمام بالأحداث السؤال كثير من الشباب المسلم لا يهتم بهذه الأحداث العالمية وتأثيرها على العالم الإسلامي والدعوة الإسلامية، أو باختصار لا يهتم بعلم الواقع والفكر، فبماذا تنصحهم؟ الجواب ننصحهم بضرورة الاهتمام، فنحن جزء من هذه الدنيا المائجة الهائجة، وقد قال ﷺ : ﴿من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم﴾، وقال ﷺ : ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾. نحن يجب أن نكون كالبنيان المرصوص جميعاً في كل مكان، فهذه الأحداث الآن أصبحت تلاحق الفرد وليس الأمة، الفرد في بيته مغزو، فابنك أو أي شخص في البيت يشاهد -مثلاً- الأخبار في التلفزيون كما تعرضها وكالات الأنباء الغربية، ويرى جورباتشوف وأين يذهب، وماذا يفعل، سوف يتأثر هو بنفسه، ويستوعب النظرية الغربية أو عملية إعادة البناء سلباً أو إيجاباً، وفقاً للمفهوم الذي رآه، فلابد أن يكون لك دور، أما مجرد سلبية مطلقة أو نفي مطلق فلا يمكن أن يعقل هذا لا ديناً ولا عقلاً.

стр. 1409

ظهور ما يسمى بالإسلام العصري السؤال إن موجة الحرية التي تسود في أوروبا الشرقية والاتحاد السوفيتي ستدفع الناس إلى التخلي عن فكرة الإلحاد والبحث عن هوية دينية، فهل للمسلمين دور في تعريف هؤلاء الناس بالإسلام وإرشادهم إليه؟ الجواب نعم هذه حقيقة، الفراغ الروحي قائم، لكن الكاثوليكية تريد أن تحل محله. وأيضاً: قد يسمح للمسلمين بالدعوة الفردية، وهذا ما يؤثر كثيراً على الأحداث، وسوف تزرع -وقد زرعت- أنواع من تفسير الإسلام تفسيراً جديداً، وهذا خطر موجود وقائم في أمريكا بشكل واضح في الاتجاه الجديد الذي يريد تطوير الإسلام كما يزعمون! الاتجاه العصري إسلام مرن، إسلام يقول: نريد الاحتشام ولا نريد الحجاب، إسلام يبيح الغناء والرقص والحياة الغربية بدون أي إشكال. الاقتصاد يقوم على الربا، ويقولون: الربا والبنوك الغربية هي الاقتصاد الحر، والاقتصاد الحر لا يتعارض مع الإسلام. ويقولون: إذا كانت الدولة برلمانية ديمقراطية فهذه شورى إسلامية، وهذا لا يتعارض مع الإسلام. يقولون: لم يعد هناك دار إسلام ودار كفر، فكل العالم الآن دار واحدة تجمعها النظم والقوانين الدولية وهكذا. ويقولون: لا بد من إعادة النظر بين علاقة المسلم بالكافر؛ لأن الفقهاء كتبوا تلك الكتب في الفقه في ظل الحروب الصليبية وعصور الإيمان، أما الآن فالعالم يتجه نحو الإنسانية، ويجب أن ننبه المسلمين لهذا كما يقولون: لا فرق بين المسلم والكافر، الكل إنسان، وهذا له حقوق، وهذا عليه واجبات!! مبادئ خطيرة جداً، ولها مدارس كثيرة، وبالذات في أمريكا، وقد صدَّرت إلى الشرق الهجوم على العلماء الإسلاميين، والهجوم على الدعوات الإسلامية القديم منها والحديث، ومحاولة للتجديد -كما يسمى- ولكن بأسلوبٍ يناسب أو يطور الإسلام -كما يزعمون- ليلائم الفكر الغربي. هذا أيضاً سوف يوجد وسوف يُدعم، فلو انتشر هذا النوع الذي يُسمى إسلاماً، فلن يؤثر على العملية التي يريدون. وحين أتى الصليبيون في الحملات الصليبية أتوا معهم الباطنية والروافض الذين ينتسبون للإسلام، وأتباع الدنيا أيضاً كانوا معهم، وبعض ملوك الشام قدموا لهم قلاعاً بأكملها وسلاحاً بأكمله، لأنهم لا يعرفون مبدأ الموالاة والمعاداة، ولا يؤمنون بعقيدة الولاء والبراء، فوجود مثل هؤلاء الناس -وإن كانوا مسلمين- لا يتنافى مع الأهداف التي يريد الغرب أن يحققها، فهو غير دين الإسلام الحقيقي الذي سوف يقفون بقوة لمحاربته.

стр. 1410

اتحاد العالم الإسلامي السؤال ما هو موقف العالم الإسلامي في مواجهة هذا الاتحاد الصليبي، وهل يمكن للعالم الإسلامي أن يتحد؟ وما هي الخطوات التي يمكن أن يتبعها لتحقيق هذه الاتحاد؟ الجواب العالم الإسلامي حقيقةً لا يمكن أن يتحد بهذا الوضع الحالي أبداً، فأما الدعاة فيجب في كل مكان أن يتحدوا على الكتاب والسنة وهذا هو بداية النصر، أما الواقع العام فإن الهيمنة الغربية تسيطر عليه إما شرقاً وإما غرباً، وهناك أوضاع كثيرة سوف تحول دون هذا الاتحاد، أي: الاتحاد الذي سوف يواجه الغرب.

стр. 1411

خطر المذاهب الكفرية على الإسلام السؤال أيهما أخطر على الإسلام الشيوعية أم الماسونية؟ الجواب الشيوعية مبدأ ومذهب مطبق واقعياً، أما الماسونية فهي مؤامرات خفية تتغلغل في كيان الأمم وفي داخلها وتخطط للشيوعية ولغيرها، والكل يجمعه أنه في النهاية يعمل للهدف اليهودي، وما يدل عليه هو أن ماركس يهودي، تروتسكي يهودي، ولينين يهودي، واستالين يهودي، وخريتشوف يهودي، وبريجنيف يهودي، فهذه حقائق معروفة، وجورباتشوف قد تظهر هويته يوماً ما، وكذلك في العالم الغربي هيمنة اليهود واضحة، فالخاسر أو العدو سيظل هو الأمة إن لم تستيقظ.

стр. 1412

الحركة اليسارية السؤال كثيراً ما نسمع عن الحركة اليسارية، فهل هذه الحركة من ضمن الشيوعية وقد قال كثيرٌ من المفكرين بأن هذه الحركة هي حركة منشقة عن الشيوعية؟ الجواب اليساريون تعبير يطلق على الشيوعيين والاشتراكيين وأشباههم، وهي أيضاً تدور ضمن الفلك الشرقي في الجملة.

стр. 1413

الفرق بين الرأسمالية والشيوعية السؤال ما الفرق بين الرأسمالية والشيوعية؟ الجواب الفرق بينهما هو أنهما وجهان لعملة واحدة، وآرثر كوستوار خبير أوروبي كبير حائز على جائزة نوبل، سُئل هذا السؤال فقال: 'بعض الناس يفضلون الشيوعية، وبعض الناس يفضلون الرأسمالية، أما أنا فأقول لعن الله كليهما' فنحن المسلمون نعلم أن كلاهما كفر، وكليهما ملعون بلا ريب، والفرق فكرياً: أن هذا ينحو منحى فردياً وذلك ينحو منحى جماعياً. وبناءً على ذلك ترتبت الخلافات في ساحة الواقع.

стр. 1414

معرفتنا بواقع المسلمين السؤال متى دخل الإسلام أذربيجان؟ وما هو رأيك فيما ينبغي أن يصنعه المسلمون؟ الجواب أذربيجان دخلت الإسلام في أيام عثمان ﵁، ولا أستطيع أن أقول رأيي حقيقة، أين الأخبار التي نستطيع من خلالها أن نتكلم؟ تكلم في إحدى الجرائد كاتب إيراني شيعي بلا شك تكلم وكتب حلقات، لكن معرفتنا بالعالم الإسلامي مفقودة، فنحن لا نعرف شيئاً، ولا ندري بالضبط عن حقيقة الأوضاع هناك، ولهذا نحتفظ برأينا -كما يقال- حتى نتبين، لكن أنا قلت في الجملة وفي الإطار العام لا بد أن الخلخلة تحدث حركةً في الجنوب وفي المناطق الإسلامية، ولا بد من صراع، وإن لم يهتدِ المسلمون إلى الحل الصحيح للنجاة وللنصر، فإنهم سيقدمون ضحايا وراء ضحايا، وفي النهاية لن يحصلوا على شيء، إلا إن شاء الله شهادة من يموت أو شيءٌ من ذلك، لكن الهدف النهائي الذي نريده لا يحصل بهذه السهولة.

стр. 1415

الموقف من التقدميين السؤال يقول بعض المراقبين التقدميين: إن هذا الانهيار الذي تواجهه الشيوعية ليس انهياراً وإنما هو تخطيط من الشيوعيين أو تكتيك لا يعرف مداه أحد؟ الجواب نحن أشرنا إلى كلا الوجهتين، لكن المشكلة أن التقدميين في العالم العربي كما قال فيهم الشاعر: ويقضى الأمر حين تغيب تيمٌ ولا يستأمرون وهم شهودُ فلا أحد يعتبرهم، ولا يأخذ أحد رأيهم، لا أولاً ولا آخراً، فهم الذين أضاعوا دينهم، وأضاعوا أمتهم، وخدموا عدو الله وعدوهم، والآن يقضى الأمر بغيرهم، وإن اقتضت اللعبة أن يُنحوا، فإنهم يُنحون بأي شكل. ولا شك بأن وجودهم الآن يعيق عملية إتمام اللعبة؛ لأنهم متلطخون بالعار والخزي أمام الشعوب، فمستحيل أن يقوموا بأي دور، ولهذا يعللون أنفسهم بأن الأمر مجرد تكتيك، وسوف تنتبه لهم روسيا، وتعرف قيمتهم، ولكن الأمر قد قضي، وهذا جزاء من ربط نفسه ومصيره بأعداء الله لا في الدنيا ولا في الآخرة، بل خسر دنياه وآخرته، وشر الناس من يبيع دينه بدنيا غيره.

стр. 1416

نجيب محفوظ وعلاقته بالشيوعية السؤال نجيب محفوظ هل له علاقة بـ الشيوعية؟ الجواب له علاقة بالاتجاه الغربي الصليبي عموماً، أما بـ الشيوعية فلا نستطيع أن نقول: إنه اتجه هذا المنحى، ونجيب كغيره من الأدباء مثل توفيق الحكيم كتب عودة الروح، وبعدها كتب عودة العقل، ولو جاء زعيم ثالث، وأتى بعملية أخرى واضطهاد جديد، فربما كتب عودة الحكمة، عودة المنطق وهكذا، حسب الوضع يعود أية عودة! فهم يكتبون من خلال التوجه العام، فكانت الاشتراكية في الستينات تجعجع بها الإذاعات والصحافة، وكانوا مع تيارها ثم لما انتهت وانتعشت الرأسمالية والانفتاح ساروا في ركبها، فهم صورة لمن يكون بيده الأمر.

стр. 1417

معنى كلمة الحداثة السؤال سبق وأن قلتم في إحدى المناسبات: إن الحداثة هي من برنامج عملية إعادة البناء، فهل رموز الحداثة في البلاد الإسلامية يعون ذلك، أم أنهم يسيرون حسبما يرسم لهم من دونه وعي؟ الجواب الحداثة أسسها الشيوعيون الغربيون في فرنسا، وفي إيطاليا وفي بريطانيا وغيرها وهم ينصون نصاً أن الحداثة جزء من التغلغل الشيوعي عن طريق الحركة الذاتية داخل المجتمعات الغربية، من أجل الوصول إلى الشيوعية الكبرى، حيث تضمحل الدولة، ويسود المجتمع العالمي، ويمكن الوصول إليه لا عن طريق الثورة الحمراء، ولكن عن طريق الفكر، والحداثة بما أنها تقويض لكل المؤسسات، ولكل الآداب، وتقويض لكل المتعارف عليه، فهي سوف توصل إلى وجود الشيوعية النهائية. ولهذا يقول هنري كروستوفر أحد قادة الحزب الشيوعي الفرنسي: 'إن الحداثة هي ظل الثورة الغائبة هنا -أي: في باريس - والناقصة أو غير المكتملة هناك -أي: في موسكو -" الحداثة. ظل الثورة التي لم تقم في باريس والتي لم تكتمل في موسكو، فإن الاكتمال لا يكون إلا إذا سيطرت الشيوعية وحكمت العالم، وقضت على الدولة، وقام المجتمع البيروليتاري.

стр. 1418

العلاقة بين الرافضة والشيوعية السؤال ما حقيقة العلاقة بين الرافضة وبين الشيوعية؟ الجواب العلاقة بين الرافضة والشيوعية قوية، وهناك شواهد على ذلك: أولاً: عندما قامت ثورة الرافضة فإن حزب توده الشيوعي هو الحزب الوحيد الذي ظل محتفظاً بكل قواه ومؤسساته. ثانياً: العلاقات القائمة بين الرافضة والاتحاد السوفيتي من الوضوح والزيارات المتبادلة بشكل واضح. ثالثاً: منطقة أذربيجان: أيام الصوفيين الرافضة القدامى قتلوا -كانوا معاصرين للدولة العثمانية- انتقاماً لقتل الدولة العثمانية للرافضة في العراق وإيران بلاد فارس انتقاماً لذلك تذكر بعض المصادر أن دولة الصوفيين الروافض قتلت في أذربيجان وما حولها أكثر من مليون من أهل السنة! الهدف مشترك دائماً، وشَيْخ الإِسْلامِ ﵀ وابن القيم ذكروا أن كل عدوٍ للإسلام كان الرافضة معه دائماً في جميع عصورهم، ولم يشذوا عن هذه القاعدة في أي عصر، كانوا مع الصليبيين في مراحلهم المتعددة، كانوا مع التتار في هجمتهم، ثم هم مع العدو وإن كان شيوعياً أو أمريكياً. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1419

قراءة في الدساتير القومية تحدث الشيخ حفظه الله عن خطورة القوانين الوضعية على الأمة العربية والإسلامية، وسرد نماذج من صور التشريع والتحليل والتحريم في البرلمانات والمجالس النيابية، ونوّه إلى تصور القوانين الوضعية لمسألة السلطة والسيادة، ثم بيّن كيفية دخول القوانين الوضعية إلى الدول العربية والإسلامية، وتحدث عن الغزو التشريعي ونظام الحكم في بعض الدول العربية والإسلامية، وبين فساد هذه القوانين والدساتير ومخالفتها للإسلام، حيث أنها تعطي للحاكم حق التشريع والتصديق والاعتراض، مختتماً حديثه ببيان خطورة هذه القوانين على الدول، ومركزاً على ضرورة نصرة هذا الدين والصبر على ذلك.

стр. 1420

القوانين الوضعية وحق التشريع في البرلمانات نذكر هنا نماذج تدل على أن هؤلاء الذين في البرلمانات ونحوها يرون أن لغير الله حق التشريع والتحليل والتحريم وإصدار القوانين، بغض النظر عن كونها موافقة لما أنزل الله أو مخالفة له، فلا فرق بين أن يوافق البرلمان على حكم الله أو أن يرفضه؛ لأننا لا ننظر إلى النتيجة، ولكن إلى كيفية عرض حكم الله على الناس وأخذ رأي المخلوقين في حكم الخالق ، فالمبدأ موجود من الأصل، فعندما يعرض تحريم الخمر على البرلمان لاتخاذ قانون بذلك، فمعنى هذا: أنهم يجعلون حكم الله القطعي الذي جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بتحريم الخمر حيث يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠] إلى آخر الآيات، فهو حكم قطعي صريح، وسنة النبي ﷺ القولية والعملية صريحة وقطعية بذلك، يجعلونه موضع نظر عند من يملك حق التشريع الذي خوله القانون أو الدستور بأن يشرع وأعطاه حق التشريع والتحليل والتحريم، فالبرلمان إن رأى أن يوافق شرع الله، واتخذ بذلك قراراً بالإجماع أو بالأغلبية، أصبح شرع الله هو الناتج، وإن رأى البرلمان غير ذلك لم ينفذ ما أنزل الله! فمجرد أن يعرض هذا على الناس وعلى البشر، فإن هذا في حد ذاته هو الكفر بعينه -نسأل الله العفو والعافية- وفيه إعطاء حق الله الخالص -بأن يكون وحده هو الحكم- لهؤلاء البشر حتى وإن وافقوه فيما بعد؛ فإنهم لم يوافقوه لأنه حكم الله، بل يوافقونه لأن من يملك السلطة التشريعية أقر هذا القرار وأصدره، ولذلك فالمعروف عند قضاة المحاكم الوضعية عموماً أنهم يعملون به بناءً على التشريع الرسمي المكتوب، وليس على التشريع الإلهي الذي نزل به جبريل ﵇ على نبينا محمد ﷺ . وهذا يدل على خطر وضرر هذه القوانين بغض النظر عن كون النتيجة ربما تكون أحياناً لصالح الإسلام أو لصالح الحكم الشرعي، فالقضية هي إعطاء حق التشريع لغير الله وسلب هذه الصفة وأخذها ونزعها من مستحقها الذي له الحق الخالص فيها، وإعطاؤها للمخلوقين المربوبين، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وأمروا جميعاً بلا استثناء بأن يردوا كل شيء تنازعوا فيه إلى الله ورسوله ﷺ . ونعرض لكم بعض هذه النماذج: الإخوة الذين يدرسون في كلية الإدارة، وبعض الكليات الأخرى -بل وفتح قسم خاص يسمونه قسم القانون- وكذلك من يدرسون في قسم العلوم السياسية وقسم الاقتصاد، هذه الأقسام تدرس القانون دراسة متخصصة أو تدرس مبادئ القانون كما يسمونها. والذين درسوا خارج المملكة في كليات الحقوق، أو اطلعوا على الكتب القانونية، فهذه الأمور بدهية عندهم؛ لكن لأن بعض الإخوة لم يطلع على هذه الدراسة، ولم يدرسها فإننا نذكر نبذة مختصرة عن مسألة السلطة أو السيادة كما تصورها القوانين الوضعية.

стр. 1421

السلطة في منظور القوانين الوضعية كان الناس في أوروبا في فترة القرون الوسطى -وهي بالنسبة لهم عصور مظلمة- يسيطر عليهم فيها رجال الدين والملوك الظالمون الجائرون والإقطاعيون وكل أنواع الطواغيت، والتي يقابلها في التاريخ الإسلامي عصور سيادة الإسلام وغلبته على الأرض، ففي تلك العصور إلى أن ظهرت الثورة الفرنسية كان الناس يعتقدون في الغالب أن للملوك أو الأباطرة حقاً إلهياً مقدساً، فهم يحكمون نيابة عن الله، والبابوات يصححون لهم هذا، فكل ما يتخذونه من أحكام وما يصدرونه من قرارات هو في قوة الوحي المنزل الذي لا يقبل النقاش، فالسيادة وحق التشريع كان لهؤلاء الملوك أو الأباطرة أو الإقطاعين، ومعهم رجال الدين، الأحبار والرهبان الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] وقد وضح هذه الآياة ووضحها حديث عدي بن حاتم ﵁، وفيه أنهم كانوا يطيعونهم ويتبعونهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، فالحق لهم كان حقاً إلهياً مقدساً، فيشرعون ما شاءوا، وهذا التشريع مستمد من الله، ويسمونها نظرية الحق الإلهي، وهذه النظرية هي النظرية التي كانت سائدة في أوروبا.

стр. 1422

منشأ القوانين الوضعية ظهرت نظرية أخرى وهي نظرية العقد الاجتماعي، ونظرية العقد الاجتماعي كما فسرها جان جاك روسو تقول: ليس لأحد حق إلهي على أن يحكم أحداً أو يسيطر عليه، ولكن الأفراد متعاقدون مع الحكومة أو مع السلطة أياً كانت السلطة، فالسلطة متعاقدة مع الأفراد، والأفراد متعاقدون معها، فهو عقد بين الطرفين، وهو الذي يسمونه العقد الاجتماعي، والسلطة بموجب هذا العقد تتنازل عن أشياء وتلتزم بأشياء، والرعية بموجب هذا العقد الاجتماعي تتنازل عن بعض حقوقها للسلطة لتتصرف فيه وتأمر وتنهى، وفي نفس الوقت تطالب بحقوقها بمقتضى العقد، فهي قضية حقوق وواجبات أو التزامات على السلطة من جهة وعلى الشعب من جهة أخرى. والغربيون اعتبروا هذا فتحاً عظيماً، وإن كان ظهر من الغربيين أنفسهم من يفسر العقد الاجتماعي لمصلحة الاستبداد، وذلك بحجة أن العوام لا حكم لهم، ولا يعرفون الخير من الشر، فيجعل الحاكم مخولاً بأن يفعل كل شيء، ففسروه من خلال العقد، ولكن جعلوه لمصلحة الأمر الواقع، وهكذا كان الخلاف الشديد بين المفكرين والفلاسفة في أوروبا. ولما قامت الثورة الفرنسية قبل أكثر من مئتي سنة من الآن، كانت مستندة على نظرية العقد الاجتماعي، وليس على نظرية الحق الإلهي، وأعطي ولأول مرة في تاريخ الإنسانية حق السيادة والتشريع والتحريم للشعب، والشعب يختار سلطته ويعقد معها هذا العقد، ثم هي تشرع ما تشاء وتحل ما تشاء وتحرم ما تشاء. والصورة الوحيدة التي وجدت قبل هذا الحكم -الذي هو: إعطاء هذا الحق للبشر بشكل صريح منقطع عن الله وعن الأديان هي- ما حدث في نظريات أرسطو وأفلاطون وأمثالهما، حيث تخيلوا المدينة الفاضلة. فـ أفلاطون في كتابه الجمهورية جعلها نظرية مقررة، ولذلك يقول بأن الفلاسفة هم الذين يحكمون، ولهم حق التحليل والتشريع والتحريم؛ لأن العوام لا يفقهون شيئاً فلا حكم لهم، وكل هذه النظريات مبنية على أساس الكفر بالوحي، وأن الله ﵎ خلق الناس وتركهم هملاً، ولم ينزل عليهم كتاباً، ولم يرسل إليهم رسلاً، فذلك لا يردون ما تنازعوا وما اختلفوا فيه إلى ما جاء به هؤلاء الرسل من الوحي، فهؤلاء الفلاسفة يكفرون بالوحي نهائياً، فإذا كفروا بالوحي لم يبق إلا البشر، فإما أن يقولوا: إن الحكم للجميع، وهذا ما كان يحدث في بعض المدن اليونانية، وهذا ما يسمونه السيادة الشعبية المباشرة، أو الحكم الشعبي المباشر، فالقرية أو المدينة التي سكانها ألفاً -مثلاً- من البالغون والعقلاء والذكور، فهؤلاء الألف يجتمعون في كل مرة، ويصدرون قانوناً، ويحكمون أنفسهم بأنفسهم. وهذا الحكم المباشر اعترض عليه الفلاسفة، فقالوا: الناس همج رعاع إلا الفلاسفة، فاقترحوا حكومة الفلاسفة النخبة، فهم الذين يحكمون ويقررون، وبقية الناس يخضعون، وهذه الصورة بقيت مطموسة على مر القرون حتى جاءت الثورة الفرنسية، فقالت: الحق والسيادة للشعب، وظهر في مقابلها أنصار الملكية التي كانت قائمة والتي ثارت عليها الثورة الفرنسية، وكانوا يرون أن السيادة يجب أن تظل محفوظة للامبراطور أو للملك. وفي بريطانيا ظلت الفكرة واضحة، وهي: أن هذه السيادة وهذا الحق يعطى للملك، وهو الذي يعين مجلس اللوردات أو مجلس الأعيان، وهؤلاء مع المجلس الآخر الذي ينتخبه الشعب هم الذين يشرعون ويحللون ويحرمون، فكان الصراع هناك صراع بين هاتين النظريتين.

стр. 1423

القوانين الوضعية في العالم الإسلامي لما استورد العالم الإسلامي القوانين الوضعية -كما ذكر الشيخ أحمد شاكر - جاءت هذه القوانين وأخذوا يطبقونها، فبدأت تركيا ثم مصر ثم تلتها دول أخرى. وكان مما أخذوه: إعطاء حق السيادة والتشريع وإصدار القوانين وتنفيذها لغير الله، كأن يكون لرئيس الدولة دائماً أو في حالات معينة، وقد يكون بعد ذلك لمجلس الشعب أو البرلمان، وقد يكون لمجلس قيادة الثورة أحياناً. ويقصدون بالشعب: أن الشعب عليه أن يختار ممثليه وهم الذين يحكمون الناس باسم الشعب، لأن الشعب هو الذي اختارهم ورضي بهم، ولذلك كان كل من يحكم بغير ماأنزل الله مع اختلافهم يدَّعون الديمقراطية حتى أشد النظم ديكاتوريةً واستبداداً تدعي الديمقراطية، لأنهم يرون أنه حكم الشعب لنفسه، أو حكم الشعب بواسطة الشعب، إما مباشرة، وهذا غير موجود الآن في الوقت الحاضر، وإما عن طريق ممثلي الشعب الذين هم المجالس التشريعية.

стр. 1424

تقسيم السلطات التشريعية وبالنسبة لتقسيم السلطات التي تملك السيادة فيقسمونها إلى ثلاث سلطات، وهذا التقسيم ظهر لأول مرة في فرنسا ودعا إليه بعض الفلاسفة بقوة، ومنهم الفيلسوف مونتيسكيو وغيره الذين دعو إلى الفصل بين السلطات، وإلا فإن إحداها يمكن أن تستبد بالأمر دون الأخرى. فقالوا: السلطة الأولى: هي السلطة التشريعية ووظيفتها التشريع وسن القوانين المختلفة. والسلطة الثانية: هي السلطة القضائية، وهي بالنسبة للتشريعية عبارة عن سلطة تنفذ ما تقرره السلطة التشريعية، فالتشريع يسن ويقرُّ أولاً ثم ينتقل إلى المحاكم فينفذ على آحاد القضايا، والقاضي إذا خالف ما سنته السلطة التشريعية فإن حكمه يكون باطلاً غير شرعي. وقد حكم أحد القضاة في قضية شرب الخمر بما أنزل الله، فأبطلوا حكمة وفصلوه من القضاء؛ لأنه مخالف للدستور الرسمي المكتوب!! وأما السلطة التنفيذية فمهمتها أن تنفذ ما يحكم به القضاء واللوائح وتلتزم بالدستور وتتعهد بالمحافظة عليه وتقسم اليمين الدستورية لتنفيذ الدستور الذي هو القانون الأساسي الذي تقره السلطة التشريعية. ويحدث أن تأتي حكومة تنفيذية -مجلس الوزراء- فتقدم استقالتها، فمثلاً: في الجزائر قبل أيام استقالت الحكومة، ويحدث كثيراً في بعض الدول أن السلطة التنفيذية تمسك بالأمور جميعاً، فيصبح التشريع حقاً لها، ويصبح القضاء تابعاً لها، وهذا هو الواقع في العالم الإسلامي، وهذا هو الاستبداد، حتى إن السلطة التنفيذية هي التي تملك كل شيء، ولا يوجد فصل بين السلطات إلا نظرياً، ولكن حتى لو فصلوا فإن، حق التشريع والتحليل والتحريم يعطى لغير الله وذلك لا يجوز أبداً. ففي الواقع تحدث مخالفات، لكن في الجانب النظري نجد أن القوانين والدساتير في البلاد العربية أو الإسلامية عموماً -بحكم الانتماء الجغرافي أو التاريخي- تنص على إعطاء الحق لغير الله . وسوف نستعرض بعضها حتى نعلم خطورة هذا الشرك العصري، ولنعلم أن من قام مجهادها بما استطاع فقد قام بواجب على الأمة، وهو مأجور على ذلك، ويجب أن ينصر ولو بالحجة العلمية؛ فهذا شرك خبيث جديد لم يقع في تاريخ الأمة إلا في أيام التتار كما ذكر أحمد شاكر، وقد رفضته ولفظته الأمة آنذاك، ولكنه الآن أصبح هو السائد والرائج والمنتشر، وإذا اعترض عليه أحد اتهم بأنه أصولي متطرف ويرغب في السلطة ويريد الحكم، واقرءوا الصحف التي تتعرض لما يحدث في تونس أو الجزائر أو غيرها، فبمجرد أن يكون كان هناك دعاة أو شيوخ يطالبون بإلغاء هذه الدساتير فإنهم يتهمونهم ويقولون: هؤلاء أصوليون ومتطرفون، وغرضهم السلطة، ولا يريدون إلا الحكم، ويجرون البلاد إلى الهاوية وإلى الدمار وإلى الفساد، كما اتهم الرسل من قبل. نحن الآن أمام من يقول: نريد حكم الله، ومن يريد حكم الجاهلية، فكيف تنحاز الصحافة ضدهم، وتجمع على أن هؤلاء الذين يسمون بالإسلاميين يستحقون أن يكبتوا ويسجنوا ويُنَكَّل بهم؛ لأنهم يريدون تغيير السلطة، ويرغبون في الوصول إلى الحكم؟! بينما لا يتجاوز الأمر في كثير من الأحيان مجرد الإنكار على هؤلاء الذين يحكمون بغير ما أنزل الله؟! وهذا الأمر واجب، كما في حديث ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له حواريون وأصحاب يقتدون بهديه، ويهتدون بسنته، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقتدون بغير هديه، ويهتدون بغير سنته، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل﴾، فلا بد من مجاهدتهم ولو بالحجة العلمية، وأن يقال للناس هذا كفر بواح، كما فعل الشيخ أحمد شاكر في كتابه عمدة التفسير.

стр. 1425

تحكيم القوانين الوضعية في الدول الإسلامية سوف نستعرض ما يدل على هذا في واقع هذه الدول التي تدَّعي الإسلام.

стр. 1426

الغزو التشريعي في جمهورية مصر العربية أولاً: مصر وهي أهم دولة عربية، وأكثر دولة عربية تعرضت للغزو التشريعي، وأصبحت مرجعاً للدول الأخرى في هذا، ويوجد في العالم نوعين من أنواع التشريع: ١ - التشريع المكتوب. ٢ - التشريع بنظام العرف والسوابق. والاتجاه الفرنسي يأخذ بالتشريع المكتوب وبالتقنين، ومصر ومثلها سوريا ولبنان نقلت قوانينها عن القانون الفرنسي، ثم نقلت عنهم بقية الدول العربية، ومن العجب أن السنهوري وهو أكبر قانوني ظهر في مصر، والذي كتب من المجلدات في القانون ما يعدل حمل بعير -نسأل الله العفو والعافية- ولو أنه بذل هذا الجهد الكبير، وأنفق هذا الوقت الكثير في تعلم دين الله وكتاب الله وسنة رسوله ﷺ لنفع الله به نفعاً عظيماً، ولكن ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨] فاختار أرذل الأمر، وأخذ يبحث في هذه القوانين حتى أصبح كبير القانونيين، وهو الذي وضع القانون المدني المصري، يقول في أول كلامه عن وجود القانون في مصر 'إن واضع القانون المدني المختلط الذي هو أصل القانون المدني المصري هو محامي فرنسي وضعه بطلب من نوبار باشا ' إلى آخر هذا الكلام. وسوف نقف عند هذه القضية: نوبار باشا رجل ماروني نصراني، وصل به الحال إلى أن يكون رئيساً لوزراء مصر بحكم نصرانيته وصليبيته وحكم ولائه للغرب فإنه قد أتى بمحام فرنسي، فوضع له القانون المدني، ثم يأتي بعد ذلك المنتسبون إلى الإسلام أو من يدَّعون الانتساب إلى الإسلام، ويطورون هذا النظام، ويطعمونه ببعض القوانين الانجليزية والفرنسية والألمانية إلى أن أخذوا من قوانين أمريكا اللاتينية، وأصدروا التقنين الجديد الذي يرون أنه أفضل تقنين وضع، وأصل هذا القانون هو المحامي الفرنسي. فأمة تترك كتاب الله وتترك سنة الرسول ﷺ ، وتعرض عما جاء فيهما، وعما استنبط العلماء وتوسعوا فيه من مباحث فقهية عظيمة لا نظير لها في الدنيا على الإطلاق، وتتحدى أحداً أن يأتي بما يناقض هذا الشيء، فتترك هذا كله وتتبع نوبار باشا ومحاميه الفرنسي الذي وضع هذا القانون نقلاً عن القانون الفرنسي حرفياً، وجاء السنهوري ومن معه، وأضافوا إليه، وصار هذا هو القانون المتبع في مصر مع الأسف، ثم من مصر اشتقت أكثر الدول العربية تشريعاتها، والذي لم يؤخذ من مصر أُخِذَ من سوريا ولبنان، وهذه هي المصيبة العظمى التي حاقت بالمسلمين. يقول دستور جمهورية مصر العربية المادة (١٠٩) بالنسبة لسن الأنظمة: ﴿﴿لرئيس الجمهورية حق اقتراح التشريع﴾﴾ كأن يقترح أن يشرع تنظيماً للزنا أو للاغتصاب والمادتان (١١٢،١١٣) تنظمان حق رئيس الجمهورية في التصديق على القوانين والاعتراض عليها، وبعد أن يقر رئيس الجمهورية القانون إما أن يُصَدِّق عليه، فيصبح شرعاً نافذاً، وإما أن يعترض عليه ويرده ويطعن فيه، فالذي يملك حق التشريع هو رئيس الدولة.

стр. 1427

التشريع في الدستور السوري والليبي والمغربي أما الدستور السوري الذي صدر عام (١٩٧٣م) وحصلت بسببه مشكلات كثيرة جداً واكتفى في أن يرضي الناس بقوله: ﴿﴿إن رئيس الدولة يجب أن يكون مسلماً﴾﴾ إسكاتاً وإرضاءً للناس لمطالب بعض من الناس والشعب والدعاة لتحكيم الشريعة، فالكثير في هذه الأمة يريدون حكم الله، فقالوا: نجعل رئيس الدولة مسلماً! وهذه الأمة مصائبها مركبة فليست مصيبة واحدة، لأن هذا الرئيس المسلم الذي أرضوا الناس به هو باطني نصيري، والنصيرية مرتدون كفرة لا يعدون من المسلمين لا في قليل ولا في كثير، ولكنهم أرضوا وأسكتوا الناس حيث جعلوا مادةً تقول: إنه مسلم، ثم لو فرضنا أنه من أهل السنة وأبوه وأمه ينتسبون كابراً عن كابر إلى أهل السنة وإلى آل البيت، أو إلى آل أبي بكر أو إلى آل عمر، وكلهم على السنة والجماعة، ولكنه التزم هذه التشريعات والقوانين، فهل يكون مسلماً؟ فالمصيبة مركبة من جهة الأصل، حيث إنه باطني خبيث، ومن جهة الحكم بغير ما أنزل الله والتشريع والتحليل. ومع ذلك فالمادة (١١٠) أعطته أيضاً حق اقتراح القوانين، والمادة (٩٨) أعطته حق إصدار القوانين والاعتراض عليها، فالمقصود أن الحكم عندهم لهذا الرجل! نسأل الله العفو والعافية. وكذلك الدستور المؤقت للجمهورية الليبية بعد ما قامت الثورة المجنونة، وقالوا: نغير بعض الأشياء، فضحكوا على بعض العلماء، وجاءوا بالشيخ محمد أبو زهرة، وجاءوا بغيره من المشايخ، وقالوا: نجعل للدولة دستوراً مؤقتاً، ثم بعد ذلك يكون هذا خطوة لتطبيق الإسلام، وأعلنوا أن النظرية الثالثة التي وضعها هذا العبقري الملهم في كتابه الكتاب الأخضر التي تقول: لا شرقية ولا غربية، لا النظام الرأسمالي ولا النظام الشيوعي، وهذه نظرية جديدة تقوم على الإسلام وهو مرتَكز لها، لكنها نظرية جديدة مطورة، فهي عندهم أعلى حتى من الإسلام ومن الاشتراكية ومن كل شيء، وإنما الإسلام مرتكز لها، فوضع دستوراً ووسموه بأنه دستور مؤقت حتى تتفتق العبقريات ويأتي الوحي في النهاية، وصار الأمر إلى كفر أشد من هذا. فيقول هذا الدستور المؤقت في المادة (٢٠): ﴿﴿إن مجلس الوزراء يدرس ويعد مشروعات القوانين﴾﴾ فهو قد أعطى الحق للسلطة التنفيذية، وأخذ حق السلطة التشريعية وأعطاها للسلطة التنفيذية، وهذا موجود في كثير من الدول العربية، والمادة (١٨) تقول: ﴿﴿إن مجلس الثورة هو الذي يوافق على التشريعات ويصدرها﴾﴾ فحق التشريع لم يعط لله ولم يرجعوا إلى حكم الله وإنما إلى مجلس الثورة، فإن أقر مجلس الثورة شيئاً مما أنزل الله عملوا به؛ لأن مجلس الثورة أقره، وإن لم يقر شيئاً مما أنزل الله وخالفه ولو كان صحيحاً صريحاً في القرآن أو صريحاً قطعي الدلالة في السنة، فإنه لا يعمل به؛ لأن مجلس الثورة الذي يملك حق التشريع أو الاعتراض عليه لم يوافق عليه. وكذلك دستور المملكة المغربية الصادر سنة (١٩٧٢م) حوالي سنة (١٣٩٢) هـ في الفصل رقم (٢٦) يقول: ﴿﴿للملك حق إصدار القوانين والتشريعات﴾﴾ فالمرجع والحكم عندهم هو شخص هذا الحاكم، ثم قال في الفصل (٦٦، ٨٧) من الدستور المغربي: يعطى للملك ثلاثة حقوق وهي: الحق الأول: أن يصدر التشريعات. والحق الثاني: إعادة النظر في التشريعات، الذي يسمونه قراءة القانون من جديد. والحق الثالث: طرح القانون للاستفتاء الشعبي وأخذ الموافقة عليه، فيقوم باستفتاء الشعب كما هو الآن في بعض الدول، فيقولون: إن الشعب يريد الدستور، ولأن الشعب قد اختار الدستور فإنه يحكم بين الناس بغير ما أنزل الله -نسأل الله العفو والعافية- فالحاكم له حق في إصدار التشريعات الجديدة وأن يغير ما يشاء، وله حق أيضاً في طرح ذلك للاستفتاء الشعبي.

стр. 1428

التشريع في الدستور الكويتي والأردني والتونسي دولة الكويت في المادة (٦٥) أعطت للأمير حق التشريع بالرغم من أن الكويت قبل الحرب، وعندما اجتمعوا في جدة أجمعوا على مشروع دستور برقم (٦٣)، والآن حتى من بعض الدعاة الإسلاميين من يطالبون بتطبيق الدستور، سبحان الله! إذا لم تستطع أن تقول: نريد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فلا تقعد ولا تحضر معهم ولا تشاركهم، وأيضاً فبإمكانك في المؤتمر الذي عقد في جدة أو الآن أن تقول: نريد كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولكن هناك أناس ينسبون أنفسهم إلى الدعوة الإسلامية، ويقولون: نحن نطالب بدستور (٦٣) الذي يكفل الحريات والحقوق والانتخابات، وبعضهم يتأول ويقول: إذا طبق هذا الدستور، وعرض للاستفتاء وعرض أمر القوانين والدساتير وأمر الشريعة الإسلامية على الشعب، فالشعب لن يختار إلا الإسلام. وهذا كلام يقال في الخيال لكن الواقع غير ذلك، وحتى لو عرض الشرع على الناس، فلن يختاروا إلا الشرع؛ فهل حكم الله على سبيل التخيير؟!! فنقول: نحن على ثقة أن الناس سيختارون حكم الله، وأيضاً لو فرضنا أن الناس لم يختاروا شرع الله، فنكون قد جعلنا حكم الله للتخيير وهذا كفر -عياذاً بالله- لأنهم لا يقرون بشهادة أن لا إله إلا الله، والرب يقول: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فهم معترفون بأن الله هو الخالق، ولكنهم يجعلون الأمر لغيره، فجعلوا حكم الجاهلية هو الحكم، فإذا اعترض معترض، وقال: لا نريد حكم الله ولا نريد حكم الشريعة -نسأل الله العفو والعافية- فإنه لا يعاقب؛ لأنه مارس حقاً قانونياً له، والدستور يعطي كل مواطن الحق في أن يختار ما يريد، ولو لم يكن في المليون إلا رجل واحد يقول أريد غير حكم الله! كل الخلق ملزمون ومتعبدون ومأمورون بأن يتبعوا حكم الله وحده وإلا فليسوا بمسلمين، ومعنى كلمة الإسلام هو هذا، ولهذا يقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨]، والسلم: هو الإسلام، وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]، كله لا بد أن يكون لله ، وإذا كان كذلك فلا تخيير: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِم﴾ [الأحزاب:٣٦]. وكذلك دستور الأردن؛ حيث إن المادة (٣١) تعطي للملك حق التصديق وحق الإصدار. وأما في تونس ففيها العجب العجاب؛ لأن رئيسهم هو المجاهد الأكبر -كما يسمونه- ولكنه لم يكن مجاهداً في الله، وإنما كان يجاهد المؤمنين، ويجاهد لتكون كلمة فرنسا وقوانينها هي العليا، فقد أصدر قانوناً ينص على أن حق الاقتراح والفصل في أمور التشريع والاعتراض هو لرئيس الدولة.

стр. 1429

نظام الحكم في لبنان أما لبنان فإن المادتين (٥٦،١٨) تعطي حق الاقتراح والاعتراض لرئيس الدولة، فمصيبتها كمصيبة سوريا، ولكن من نوع آخر، حتى المسلمين هناك من أهل السنة يطالبون بأن يوافقوا ويقروا المصالحة الوطنية التي تنص على أن رئيس الدولة يكون مارونياً، ورئيس الوزراء يكون مسلماً سنياً، ورئيس مجلس الشعب يكون شيعياً، والمليشيات مقسمة، فتكون هناك مليشيات للدروز، ومليشيات للموارنة، والصليبيين والنصارى ينقسمون إلى عدة فئات، ففئةٌ مع فرنجيه وفئة مع شمعون، وفئة مع الجميل. وذكرت بعض الإحصائيات في مجلة لبنانية: أنه في لبنان خمسمائة نحلة، أي: أن كل الأديان في العالم تقريباً موجودة في لبنان، حتى البهائية والقاديانية والشيوعيين والناصريين والبعثيين والقوميين والشيعة، والباطنية موجودة بجميع أنواعها، فكل نحلة وملة تخطر على بالك تجدها في لبنان ولو مجرد شخص أو اثنان أو ثلاثة أو عشرة من أصحاب هذه النحلة، فيقال: كيف يجتمع هؤلاء على الدستور الذي ينص على المصالحة الوطنية ويطلب حتى من المسلمين أن يقروه ويقر هذا بعض علمائهم هنالك أو في غيرها من الدول أحياناً، فيقرون لهذا الحكم الذي بموجبه يكون رئيس الدولة نصرانياً، وتخضع للرافضي الذي يرأس مجلس الشعب، وهذا السني الذي في الوسط التنفيذي -رئيس الوزراء- يعتبر شكلية إدارية، لأن الوزراء تجدهم على هذا النمط وزيراً من حزب الشيطان والذي يسمى بـ حزب الله، ووزيراً شيعياً من الأمل ووزيراً درزياً وهكذا.

стр. 1430

ضرورة الصبر والتضحية لنصرة الإسلام إن الناس إذا أرادوا دين الله وشرعه، فهو لا يقوم إلا بالجهد وبالدعوة، وبالصبر والتضحيات، وربما أدَّى إلى الجهاد وإراقة الدماء حتى يقوم هذا الدين كما هو الآن في أفغانستان وإرتيريا، لأن هذا الدين لا يقوم إلا بالجهد والجهاد الحقيقي الذي لا جدال فيه، ولكن لو أرادوا غير ذلك كـ الديمقراطية -مثلاً- فهل يحصلون عليها بلا تعب؟! رومانيا لما أرادت الديمقراطية ماجاءتها إلا بعد حمامات الدم التي أرعبت العالم، وأوروبا الشرقية لما أرادت التخلص من الديكتاتورية والاستبداد لم يأخذوها إلا بالجهد والتعب. فالشعوب والأمم التي لا تجاهد ولا تضحي من أجل إقامة دين الله، فسوف يعاقبها الله بأن تضحي وتجاهد وتتعب وتخسر وتريق الدماء من أجل الطواغيت والمجرمين والأنظمة الكافرة المرتدة، فـ حزب البعث في العراق وسوريا، خسرت هذه الشعوب خسارات عظيمة جداً من أجل أن يبقى هؤلاء الزعماء المجرمون، ويبقى هذا الحزب المرتد مسيطراً على البلاد، ولو أن هذه الخسارة في الأرواح والأموال والأنفس والمطاردين والمهاجرين -ومصائب لا يعلمها إلا الله- بذلت لإقامة دين الله لقام هذا الدين في العالم كله، ولو بذل بعض منها لإقامة الدين في تلك البلاد لقام، ولكن الناس ضحوا وبذلوا من أجل بقاء هؤلاء المجرمين، فكانت العقوبة أن يسلطهم الله عليهم أكثر. وهكذا في كل مكان؛ إما أن يدفع الناس ضريبة الإيمان وضريبة العزة، ولا تنال العزة الإيمانية إلا بجهد، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، ولذلك فقد جاهد النبي ﷺ والرسل من قبله، وصبروا وصابروا ورابطوا، وكذلك جاهد العلماء الذين جددوا دين الله كالشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومن المعلوم أن الحكومة السعودية الأولى لم تقم على التوحيد الخالص النقي مجاناً، بل بجهادٍ وجهد شديد حتى تأليت عليها القوى الطاغية المجرمة وقضت عليها. وهكذا الدعوات دائماً لو لم تجاهد في سبيل الله فإنها تقدم تضحيات وجهود عظيمة في سبيل الشيطان وتدفع ضريبة الذل، أما ضريبة العزة فكل قطرة دم تراق في سيبل الله للجهاد ومن أجل إعلاء كلمة الله -كما هو في أفغانستان أو غيرها- لها موقع عظيم عند الله وهي -إن شاء الله- لبنة من أجل الوصول إلى هذا الأمل الكبير بإذن الله مع تصحيح المسار، وتنقية الصف إلى آخر الشروط الأخرى، ولو فرضنا أن أفغانستان رضيت بالحكم الشيوعي لقامت بقتلهم وانتهاك أعراضهم وأخذ أموالهم كما فعلت في اليمن الجنوبي، وليبيا وغيرها، وكما فعل البعثيون في العراق وسوريا. وكان المسلمون الأفغان سيقدمون تضحيات أكثر وأعظم وهم في ذلة أجارنا الله وإياهم منها! إلى الآن قد خسروا أكثر من مليون شهيد، لكنها بعزة وثمنها والحمد لله عظيم جداً، ولو لم يكن فيه إلا أن الناس أيقنوا أن بإمكان أي شعب أعزل -إلا من الإيمان بالله- أن يقاوم أقوى دولة في العالم، فكيف لو استكملنا الشروط الشرعية، وتجنبنا الموانع الشرعية لتحقيق النصر الكامل، من الوحدة وتوحيد الصف والاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعدم التفرق كما أمر الله بتوحيد المجاهدين والدعاة والمسلمين في كل مكان، فيتوحدون على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومنهج السلف الصالح والتواصي بالحق وبالصبر، ويكونون يداً واحدة كما أمر الله تعالى حيث يقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦] فهذا سبب من أسباب النصر. والأمر الآخر هو: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] فلم يكلفنا الله مالا نطيق، فلا يأت قائل ويقول: روسيا لديها قنابل نووية، ونحن لا يوجد لدينا إلا بنادق، فنقوم بترك الجهاد، فهذا هو الخطأ بعينه، ولكن علينا أن نعد العدة، فإذا وجدنا أننا يمكن أن نقاوم ووجد لدينا بعض التكافؤ، فنقول: باسم الله! يا خيل الله اركبي، فيكون النصر بإذن الله.

стр. 1431

التشريع في الدستور العراقي والسوري كذلك في العراق في المادة (٥١،٤٢) فهؤلاء البعثيون يقولون: ﴿﴿إن مجلس قيادة الثورة يقترح مشروعات القوانين ويصدرها﴾﴾ فأعطوا حق التشريع لمجلس قيادة الثورة كما هو في ليبيا، وأما المادة (٤٤) فتقول: ﴿﴿إن رئيس مجلس قيادة الثورة يوقع القوانين الصادرة عن المجلس وينشرها﴾﴾ فهو الذي يعتمدها وإذا اعتمدها أصبحت ديناً ووحياً وكتاباً منزلاً -والعياذ بالله- فلا يحيدون عنه ولا يتركونه، وهذا من أسباب وقوع البلاء على هذه المجتمعات والشعوب التي رضيت بتسلط هؤلاء المجرمين، ومكنتهم حتى لعبوا بدينها ودنياها وعبثوا بطاقاتها ومقدراتها، ولم يقم فيهم قائم لله بالحق، ولم يجدوا من يجاهد، بل قام عدد قليل من العلماء، فكبت من كبت، وطرد من طرد، وانتهى الأمر، وخضعت الأمة، فكانت النتيجة لهذا الحزب الصليبي. ونحن لا نفرق أبداً بين عداوة البعثيين الصليبيين وبين عداوة الغرب للإسلام والمسلمين، فالقضية واحدة، وهما وجهان لعملة واحدة؛ لأن هذا الحزب هو حزب صليبي نصراني، ومن أعظم أسسه التي قام عليها هو تقديم النصارى باسم أن رابطة الدم هي التي تربط العرب، فهي أمة عربية واحدة، وإقصاء المسلم إن كان هندياً أو تركياً أو كردياً أيّاً كان قدمه في الإسلام، فلا قيمة له عند البعثيين؛ لأنه ليس قومياً. أما النصراني فمقدم؛ لأن المؤسس هو ميشيل عفلق والنائب هو طارق عزيز، وكان أيضاً في سوريا قبل الحكم البعثي فارس الخوري رئيس الوزراء. فهؤلاء القوميون عموماً والبعثيون خصوصاً لا يوالون إلا في هذه العقيدة الكافرة التي تجعل الكافر الصليبي النصراني مقدماً على غيره. فأقول: الإسلام لا يفرق بين الغرب والبعثيين مهما اختلفوا -وقد يختلفون أحياناً ونحن لا ننكر ذلك- ولكنهم بالنسبة للمسلمين عدو واحد وصف واحد، حتى ولو اختلفوا أو ظنوا أنهم يستطيعون أن يتمردوا على الأسياد في الغرب، فهم في الحقيقة يخدمون أهدافهم، ولن يخرجوا عن هذه الأهداف، لأنهم كلهم يجمعهم الصليب، وتجمعهم العداوة والحقد على الإسلام والمسلمين. وفي السودان أيضاً المادة (١٥٥) تعطي رئيس الجمهورية حق الاقتراح، وفي المادة (١٥٧) يعطونه حق التصديق، وفي المادة (١٠٧) يعطونه حق الاعتراض، فالرئيس هو الذي يصدر القانون، ويعترض ويوقع، فماذا بقي لرب العالمين وخالق الأولين والآخرين؟!

стр. 1432

التشريع في الدستور اليمني أما دستور جمهورية اليمن الديمقرطية الشعبية التي كانت سابقاً، فالمادة (٩٢) تقول: ﴿﴿إن مجلس الرئاسة يقترح مشروعات القوانين ويصدرها ويأمر بنشرها﴾﴾، فله حق الاقتراح وحق الإصدار والنشر، لأن عندهم في القوانين لا يكون القانون ملزماً إلا بعد أن يمر بصفة النشر، فلا بد أن ينشر، وإلا فسيكون في إمكان أي إنسان أن يطعن أو يعترض بعدم نشر القانون، فترفع عنه الجناية أو التهمة القانونية، وهذا الدستور اليمني قد ألغي، وصوتوا قبل أيام أو أسابيع على الدستور الجديد الذي أحدث هذه الفتنة، التي نسأل الله أن يقي هذا الشعب المسلم شرها، وأن يجمع قلوبهم على كتاب الله وعلى سنة رسوله ﷺ ، فهذا الشعب هو كما قال ﷺ : ﴿الإيمان يمان والحكمة يمانية﴾، ويكفيهم فخراً أنهم لم يفتحوا بجيش، وإنما انقادوا وأسلموا بلا قتال، وطلبوا من رسول الله ﷺ أن يرسل إليهم من يعلمهم الخير، فأرسل إليهم النبي ﷺ معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري وعلي بن أبي طالب، ولما ظهر فيهم المرتد الخبيث الأسود قتلوه وقضوا عليه، فدخلوا في الإسلام طواعية، ثم عندما ارتد العرب أو أكثر العرب قضوا على الردة هم بأنفسهم دون أن يطلبوا من الصديق جيشاً يرسله ليقضي على المرتدين، وهذا دليل على أن الخير والرقة التي ذكرها النبي ﷺ فيهم: ﴿هم أرق قلوباً وأفئدة﴾ فالرقة فيهم موجودة، والخير فيهم موجود، فهذا الشعب المسلم يؤتى إليه بقوانين فيعبد ماركس ولينين، والمصيبة أنه بعد الوحدة الذين قبضوا على الأمور هم الذين ينتمون إلى الجنوب لأنهم حزبيون، وهؤلاء الحزبيون هم من أخبث خلق الله إن لم يكونوا أخبث من على وجه البسيطة، لأنهم تغذوا ورضعوا لبن الأفكار الخبيثة وتشربوها، وعندهم مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة)، ومستعدون أن يصلوا إلى هدفهم ولا يبالون أبداً، ولذلك رأوا أن من مصلحتهم أن ينضموا إلى الشمال بما فيه من طاقات بشرية وموارد خيرة اكتشفت أخيراً. وعندما ضموا الشمال إلى الجنوب أصبحت السيطرة لهؤلاء المجرمين الحزبيين، نسأل الله أن يكفي المسلمين شرهم، وأن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وأن يرجع هذا البلد وكل بلاد الإسلام إلى الاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .

стр. 1433

السيادة في الدستور الجزائري والتونسي والسوداني والبحريني أما دستور جمهورية الجزائر الصادر عام (١٩٧٦م) فيقول: إن رئيس الجمهورية يصدر القوانين كما في المادة (١٥٤)، وله حق طلب مداولة ثانية، أي: إعادة القراءة في القانون، ويتعين حينئذٍ الموافقة على القانون بأغلبية الثلثين، فـ الجزائر تعطي حق التحليل والتحريم لرئيس الجمهورية حسب الدستور، وهذا الذي دفع الإسلاميين والدعاة إلى أن يطالبوا بتحكيم الشرع. وبهذه المناسبة -لأن الكلام الآن عن الجزائر - كنا نود أن تتاح فرصة، لنعطي الإخوة فكرة أوسع عن هذا البلد أولاً: لأن همَّ المسلمين واحد، وهم كما قال ﷺ : ﴿كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾، وبعض الناس يقول: هذه مناطق بعيدة، وليس بشرط أن نعرف أحوالها، نقول: قد لا يكون شرط باعتباري أنا كفرد، ولكن باعتبار ذلك كأمة لا بد أن نعرف أحوالها. ثانياً: إن وسائل الإعلام الشرقية والغربية لم تتركنا جهلة. أي: أنه لا يتكلم حولها مطلقاً في الإذاعة والتلفزيون، ولا يهمل نهائياً. نقول هذا؛ لأن البعض يفهم الإخوة خطأً ولا يدري ما حقوقها، فلا بد من معرفة أحوال المسلمين وواقع الأمة، وإعطاء الحلول لها والنظر إلى مشاكلها، ويومياً يصب الإعلام على الناس صباً، والناس يقرءون الجرائد ويسمعون الأخبار عن أحداث الجزائر، وما تقوله وسائل الإعلام الغربي وحتى الإعلام العربي التابع للغرب، يسمعونه منها: الجزائر: المتطرفين الأصوليين إلى آخره. إذاً: أمام هذا الزخم الإعلامي الهائل، فلا نستطيع أن نسمعهم -نحن- كلمة الحق! هذا تقصير منا، وقد نأثم بذلك لأن في ذلك تلبيس للأمة وغش لها، وقبل فترة تقول جريدة عكاظ جبهة الإنقاذ تريد جر الأمة إلى الدماء، ما شاء الله! كم من الناس عندنا هنا بالآلف، بل مئات الألوف يكرهون هذه الجبهة لأنها -على حسب فهمهم- تؤدي إلى دمار الأمة، فيكرهون المطالبة بحكم الله، لأنهم قرءوا هذه الجريدة، ويقولون: هذه جريدة سعودية في بلد مسلم -والحمد لله- ولا يخطر على باله غير ذلك، وخاصة إذا لم يعترض عليها أحد، لا من العلماء ولا من الدعاة، -إذاً- هذا كلام صادق. أيها الإخوة: القضية ليس فيها تكافؤ، فلا مقارنة بين ما يتكلم به أعداء الإسلام في وسائل الإعلام وبين ما يتكلم به الدعاة عن هذه القضايا، بل الإعلام يجد له صدى عندنا هنا في الداخل؛ وبهذا يضللوا الأمة عامة عن أحوال المسلمين، ولو أن واحداً يقوم في مكان ما في مسجد ما، ويقول أمام مائة أو مائتين أو ألف -مثلاً- فيذكر لهم الحقائق الصحيحة التي حلت بالأمة، ويحذر من المفاهيم المغلوطة -وهذا الكلام بين أفراد معدودين وليس بين الملايين- يراد له ألا يتكلم عن هؤلاء، وهذه مصيبة وجناية. أقول: من هذا الباب كنت أريد أن نخصص محاضرة عن الجزائر نعرف ما هي أصل القضية، وأنا أتوقع أنه لا يوجد أحد في الشرق أو في الغرب اطلع على تاريخ الجزائر أو سمع الأخبار عنها، إلا ويشعر أن الأمر فيه شيء غريب، وأظنكم كلكم تشعرون بهذا الإحساس، وهذا الإحساس والشيء الغريب هو: أن البلد بلد مفرنج، أو مفرنس بالأصح، مائة وعشرين سنة من الاستعمار الخبيث؛ حيث دمروا وأزالوا فيها كل ما يَمُتْ للإسلام بصلة، حتى اللغة غيروها، وبعد فترة وإذا بالعاصمة وحدها يأتي منها مليون شخص، يقولون: نريد الإسلام، رجالاً ونساءً، شباب ملتحين ومظهرهم إسلامي، ونساء محجبات، يريدون الإسلام، ما السر؟ لماذا لا يظهر في تونس، أو المغرب مثل هذا الشيء؟ ما هو السر؟ أيها الإخوة: إن الجزائر يشبه هذه البلاد بالدعوة، لأن أصل البلد فيه دعوة سلفية، قضي عليها لكنها لم تَمُت في قلوب الناس، والمتأمل إلى دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه يجد أنها متميزة في جزيرة العرب، ولا شك أنها متميزة في التاريخ كله، لكن على غرارها وعلى منهاجها مع اختلافات -لكن المنهج والهدف واحد وهو الرجوع إلى الكتاب والسنة- فقامت هذه الدعوة على يد الشيخ عبد الحميد بن باديس في الجزائر، وانتهج الشيخ عبد الحميد بن باديس منهجاً علمياً، وهذا الذي نقوله دائماً: العلم العلم! فلا يأتي من يقول: نترك الجهاد، ونترك الدعوة من أجل العلم، لا، بل العلم أساس الدعوة، والعلم أساس الجهاد، ولكن أي علم؟ العلم الذي على عقيدة السلف الصالح. يقول الشيخ عبد الحميد: لا يمكن أن نبدأ بجهاد الفرنسيين وإخراجهم من البلاد لسببين: أحدهما: لتمكنهم ولسيطرتهم، وهناك سبب آخر هو الأهم وإن كانت تلك من الأسباب المهمة، لكن لأننا لما تركنا العقيدة الصحيحة، وأصبح الناس يتبعون طرق الصوفية والخرافات والشركيات والبدع، وجهلوا الكتاب والسنة، ولأن الأمة ليست لها علماء يوقظونها، ويحركون ضميرها، ويجاهدون بها، فإننا لو أردنا الجهاد، لقادنا فلان وفلان من المجرمين، ومن العلمانيين. إذاً: ما الفائدة؟! قال: أولاً: نؤسس العقيدة في قلوب الناس، ونؤسس العلم الشرعي الصحيح، ثم بعد ذلك يكون -إن شاء الله- الخير، فالشيخ عبد الحميد بقي أكثر من اثنين وعشرين سنة يفسر القرآن، ويدرس العقيدة في أحد المساجد، ويحضر عنده عدد معين من الطلاب، قد يصلوا إلى مائة وخمسين أو مائتين طالب -تقريباً- وكان يتجول أحياناً ويسافر، ويذهب إلى بعض المناطق، فإذا التمس من شاب في الأقاليم المختلفة أنه طالب علم، وفيه نباهة ونبوغ، وفيه خير، أتى به عنده ويصرف عليه من الأوقاف، ويجلس في الحلقة ويتعلم عشرين سنة، فأصبح عنده عدد كبير من العلماء من أقاليم مختلفة، ثم بثهم الشيخ في الأقاليم، يدعون الناس ويعلمونهم السنة، ويحاربون البدع، منهم الشيخ العقبي ومنهم الشيخ الميلي الذي ألف كتاب الشرك ومظاهره، وغيرهما، وبعضهم لهم كتب موجودة، إما زملاء للشيخ أو تلاميذ له، المهم: اتفقوا على هذا الشيء الواحد، وبعد العشرين نظروا وإذا الحمد لله الدعوة والعقيدة قد انتشرتا كل مكان، والفرنسيون: قابضون على البلاد قبضة شديدة، فقال الشيخ وزملاؤه: لا بد أن يكون هناك رابطة علمية، لا سياسية، ولا حزبية، حتى لا يقال: هؤلاء يريدون السلطة -مثلما تتهم مؤسسات الشرق الأوسط بجميع مجلاتها أصحاب الدعوات أنهم يريدون السلطة- ونسميها رابطة علماء السلف، فاجتمع العلماء والمشايخ من كل إقليم من أقاليم الجزائر وكونوا رابطة موحدة على منهج واحد وهو الكتاب والسنة. وهذه -والحمد لله- ميزة، إذا وجد في أي بلد وحدة المنهج، فهذه نعمة عظيمة، كما نحن في هذا البلد، منهج الاستدلال واحد -والحمد لله- وهذا يوفر كثيراً جداً على الدعوة؛ لأنك لا تضطر لأن تقول للشيء: إنه بدعة، والعلماء يقولون: إنه سنة أو العكس، فمنهج الاستدلال على الأقل واحد، وهذه نعمة، أن يكون المنهج هو منهج السلف، كذلك كان الحال في الجزائر، المهم أنهم لما اجتمعوا إذا بهم كلهم منهجهم في الاستدلال واحد، وقالوا: نريد أن ننشئ مجلة ونبدأ نبث وننشر دعوتنا على الأمة، ونطالب الأمة بأشياء، ونطالب الفرنسيين بأشياء، فتحركت الأمة كلها -طبعاً- وهل يعقل أمة يجتمع علماؤها ويصدرون مجلة، ولهم صوت مسموع، ولا تلتف حولهم الأمة؟! لا يمكن، وهذه من نعم الله، والأمة هذه فيها خير كثير جداً. لو اجتمع العلماء والدعاة في أي بلد على أمر واتفقوا عليه، واستمروا فيه، فإن الأمة تجتمع حولهم؛ لأن العلماء هم ضميرها المعبر، وهم الذين تثق فيهم؛ لأنهم يقولون: قال الله، قال رسوله، وتعرف أنهم لا يريدون الدنيا، ولكن لو أن أحد العلماء طالب بمنصب أو غيرها من أمور الدنيا لا تهموهم الناس، لكنهم لا يريدون إلا ما عند الله، فالناس لثقتهم في صدق نياتهم وسلامتهم، وأنهم يقولون كلمة الحق التي تغضب أكثر الناس عليهم التفوا حولهم. إذاً: الأمة الجزائرية، التفت حول رابطة علماء السلف، ولما التفت حولها، بدءوا بالجهاد، وهنا كانت سنة من سنن الله أن الغرب أذكى وأقوى وأكثر بما لا نسبة بينهما، فاستطاعوا أن يقطفوا الثمرة، ويأتوا بالاشتراكيين والخبثاء، ومن قبلهم الوطنيين -كما يسمون- وقطفوا الثمرة وحكموا البلد، ومسخت مسخاً كاملاً؛ حتى صارت اشتراكية، ثورية، ديمقراطية، شعبية، والاختلاط الذي كان الفرنسيون يخافون من تعميمه، عمموه هم، فقد كانت المرأة الجزائرية حتى في المدارس الفرنسية تلبس لباساً أشبه ما يكون بالحجاب، أو قريباً من الحشمة، ولما جاءت الثورة -مع الأسف- استوردوا لهم مدرسين ومدرسات من بعض الدول العربية المعروفة بالتبرج، فنشروا التبرج، مع أنهم لم يأخذوا من الفرنسيين التبرج، لكن لما جاء هؤلاء المسلمون أخذوا منهم التبرج، وهكذا حتى حكمت البلاد بـ العلمانية، وبـ الاشتراكية. ولما أراد الله لهم الخير، وجاءت الصحوة الجديدة عادت من جديد، والمجتمع فيه بقايا الخير، وفيه آثار الدعوة السابقة، الشيخ سحنون ما زال حياً -إلى الآن- وهو فوق الثمانين، فشكلوا رابطة علماء السلف، فاجتمعت الأمة حول هذا الشيخ وغيره من المشايخ، وقامت الدعوة مرة أخرى، ويريدون -أيضاً- أن تكون هناك دعوة سلفية، ويريدون أن يكون الحكم لله وحده، وبدون أي مقدمات، وبدون أي تكلف، وبدون أي نشاط حزبي قديم؛ وإذا بالملايين الجزائرية معهم لأن الأصل أن الخير موجود، والسلطة التي كانت تفرض عليهم الكفر ضعفت أو اختفت، أو أعطتهم حرية أنهم يقولون: ما يشاءون، فوجد هذا الزخم الهائل، واجتمعت أوروبا عدة مرات، كان آخرها

стр. 1434

خطر التقنين على الأمة الإسلامية الغرض مما تقدم أن نعرف أن هذا شرك عام وكفر طام، وأنه لن يقوم بدين الله إلا من أقامه وأحاط به من جميع جوانبه، فتوحيد الله بالعبادة وبالذبح والنذر والخوف والرجاء كما دعا إليها الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم وغيرهم من الدعاة الكرام الذي هو توحيد الألوهية يجب أن ندعو إليه في كل زمان ومكان ولا ننساه أبداً، ولكن مع ذلك فإن الدعوة إلى أن يكون الحكم لله هو جزء منه، وليس خصماً للدعوة ولا لتوحيد العبادة، ولا نقول: إما أن نأخذ هذا أو هذا، بل نوحده سبحانه ولا نبتغي غيره إلهاً، وكذلك لا نبتغي غيره حكماً -كما ذكر الله تعالى في سورة الأنعام- ولا ولياً ولا رباً. ولذلك يجب على المسلمين أن يعرفوا الحق ويعتقدوه، ثم يلي ذلك أن يجاهدوا لإقامته ولو بالدعاء ولو بالحجة العلمية كما أمر الله بقوله: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر:١ - ٣] أي: عرفوا الحق واعتقدوه وعملوا به: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣] أي: دعوا إليه. والصحوة الإسلامية اليوم في كل مكان هي في الأعم والأغلب صحوة سلفية أثرية، وهذه من نعم الله على هذه الأمة، ومن أوجب ما يجب علينا أن نجمع كلمة المسلمين على هذا المنهج -منهج السلف الصالح - وكل من أعلن أنه ينتمي إلى هذا المنهج نفتح له صدورنا ونقبله، وإن وجدنا فيه نقصاً أو خللاً سددناه ووجهناه. المقصود: أن الدعوات التي تقوم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إذا وجد فيها خطأ نرده وننصحها ونوجهها. والدعوات الرافضية والقائمة على منهج علم الكلام -كـ الأشعرية - مرفوضة، وإذا قامت دعوة قبورية شركية، فهذه لا نقبلها أصلاً، بل هي من ألدَّ الأعداء، فلا بد أن نكون جميعاً يداً واحدة على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ولا نسمح لأعداء الإسلام أن يدخلوا بيننا الفتنة. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1435

قضايا وأحداث معاصرة تناول الشيخ حفظه الله في هذه المحاضرة عدداً من الموضوعات: فكان الموضوع الأول يتعلق بمسألة استخدام السلاح ضد الحكومة في اليمن, موضحاً أن ذلك سوف يضر أكثر مما ينفع. وأما الموضوع الثاني فقد تناول فيه مسألة إطلاق كلمة السلف بدلاً من كلمة أهل السنة والجماعة؛ بغرض التميز بين من يتبع الكتاب والسنة وبين غيره، وقد بين خلال ذلك الفرق بين العبارتين. وأما الموضوع الثالث: فقد علق فيه على من زيارة بابا الفاتيكان لدولة السودان وغيرها من الدول الإسلامية، وبين أن ذلك دليل على ضعف عقيدة الولاء والبراء لدى المسلمين، وأنه لا ينبغي تشريف ذلك النجس بشرف زيارة الدول الإسلامية تحت أي تأويل.

стр. 1436

واجب دعاة اليمن تجاه الأحداث السؤال ما هو واجب الدعاة في اليمن، هل هو العمل الديمقراطي أم الجهادي؟

стр. 1437

اعتذار ليسمح لي الإخوة بدقائق في موضوع مهم وحقيقة أنني أراه مهماً, وأنا مهتم بهذا الموضوع، وأنا أطلب المعذرة من الذين سألوني عنه مراراً وما منعني إلا أنّ الوقت لم يسعفني لأن أخصص له موضوعاً منفرداً، وأرى أن هذا الموضوع يتعلق بطرف آخر، وأريد أن أسمع منه، فلم أستطع أن أسمع منه حقيقة، لكن لا بد أن أتكلم وأن أقول نصيحة ينفع الله بها -إن شاء الله- ثم بعد ذلك لا بأس من الاستدراك أو من سماع رأي الطرف الآخر كعادتنا هنا، والحمد لله، اليمن في قلوبنا، هذا السؤال المهم يتعلق بالبلد الذي نحبه ويحبنا, والشعب الذي نحن منه وهو منا، وهم إخواننا الدعاة وإخواننا المؤمنون في الشعب اليمني الشقيق، الذي أراد الله له أن تكون حياته سلسلة من المآسي والفتن، لا يبعد فيها عن كثير من أقطار العالم الإسلامي، فقد تولى عليه الروافض في أول الأمر منذ نهاية القرن الثالث تقريباً، ثم تولت عليه الباطنية بعد ذلك، ثم في العصر الحديث -كما ترون- وبعد جهاد وكفاح طويل مع الباطنيين، انتصر عليهم الترك، ثم أخرج الترك، ثم جاءت الثورة المزعومة، وجاء عبد الناصر، وفعل بهم ما فعل، جزاه الله وعامله بما يستحق، ثم كانت المآسي والفتن التي لا تخفى عليكم إلى اليوم. هذا الشعب المؤمن، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية، وهم أرق قلوباً وألين أفئدة وأقبل للبشرى، وهم الذين سيكونون المدد لهذه الأمة -بإذن الله-في حروبها مع الدجال، وفي ملاحمها مع الروم، كما جاءت بهذا الأحاديث، نقول: إخواننا هنالك في حاجة شديدة إلى أن ينصحوا فيما يتعلق بالعمل الدعوي الذي يسيرون فيه، وذلك أن كثيراً من الإخوة أخبروني، وكتبوا لي بأن هنالك من يريد أن يعلن الجهاد المسلح في هذا البلد؛ نظراً لتردي الأوضاع ولفساد أحوالها، ولا يخفى علينا هذا، وبالمقابل هنالك بالطبع -وهم الأكثر- من يخالفهم في هذا القول. فأحببت أن أقدم نصيحة لإخواني هنالك وهي لكل مسلم:

стр. 1438

مضمون النصيحة إخوتي الكرام: إن الدعوة إلى الله واجب علينا جميعاً، ولا يخفى على أحد منا فضلها وأهميتها, ولكن يجب علينا أن نضبطها بمنهاج النبوة، حتى تكون الدعوة على منهاج النبوة وعلى سنة رسول الله ﷺ ، بل حتى تكُون موافقة لسنن الله تعالى في المجتمعات، وفي الكون؛ فإن لله تعالى سنناً، وهذه السنن اتبعها النبي ﷺ في دعوته، فكانت مراحل كما تعلمون. ومن ذلك أن الجهاد إنما يأتي في مرحلة تالية، في مرحلة تكون السُنَّة الربانية فيها أقرب إلى التحقق، ولسنا أياً من كنا بأشد شوقاً وأكثر تلهفاً إلى الجهاد في سبيل الله، وإقامة دين الله من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومع ذلك كان النبي ﷺ يأمرهم في أول الأمر بكف اليد، ويقول: إني لم أؤمر بذلك، حتى هيأ الله تعالى له ما أراد بالهجرة، وما يسر له من إقامة الدولة، وأن يكون هو رأسها وسيدها، فعندئذ أنزل الله ﵎ قوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، وهكذا كان ابتداء الجهاد إذناً وليس أمراً، والإذن إنما يكون بناء على طلب، وتلهف، وتشوق من الناس إليه، وهذا ما حدث في عهد النبي ﷺ . وفضل الجهاد وأثره العظيم لا ينكر، ولو خصصنا محاضرات وكتب في فضله وفوائده للأمة ما أتينا عليها، لكن هذه كلها يجب أن لا تنسينا حقائق لا بد من معرفتها ونحن نتعامل في حقل الدعوة إلى الله، وهي أن مرحلة الصبر والبلاغ والدعوة، والنذارة، هذه مرحلة لا بد أن تسبق ذلك كله، وهذه مرحلة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتجاوز، وهي التي قال فيها رسل الله لأقوامهم: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ [إبراهيم:١٢]. حتى لو آذونا وسجنونا، وسجنوا من سجنوا، وآذوا من آذوا، لا عمل لنا إلا الصبر والبلاغ وإقامة الحجة، حتى يفتح الله تعالى بيننا وبينهم بالحق وهو خير الفاتحين، أما استعجال سنن الله ﵎، وتوريط الأمة في مشاكل لا ندرك ولا نضمن عاقبتها، فهذا شيء يجب أن ندركه جميعاً، لا أقول في اليمن وحده، بل في كل مكان، ويجب أن نعلم أن هناك عقبات لا يصح معها أن يعلن الجهاد المسلح في هذا البلد الذي نحن حريصون كل الحرص أن يحكمه الإسلام في أقرب لحظة، وهذا الذي ندين الله تعالى به جميعاً، وهذا ما نريده لكل بلد في هذه الأرض ألا يحكم إلا بما أنزل الله. لكن لا بد من التنبه إلى الأوضاع الدولية، والنظر إلى العقبات الخارجية، فهل تسمح الأوضاع الدولية الآن بوجود جهاد مستقل؛ لإعلاء كلمة الله وإقامة دينه، وسوف يكون التعاون بين الحكومة القائمة وبين الشرق أو الغرب، بين قوى نعلمها ولا نعلمها في سبيل القضاء على هذا الجهاد، لأن الغرب والقوى الدولية لا يريدون أن تتكرر مأساة أفغانستان أو إرتيريا , فهم حريصون على طمس هذا الجهاد هنا وهناك، في الفلبين أو في غيرها، هل يسمحون بالجهاد أن يكون في بلد مهم له موقعه المهم كـ اليمن، لا يكون ذلك أبداً. أهم من ذلك -في نظري مثلاً- هل إمكانيات الدعاة ووسائلهم تتيح لهم ذلك، لنكن موضوعيون فيما نعلم وما يظهر لنا، الدعاة لا يملكون العدد الكافي، والدعاة -أيضاً- لا يملكون الإعلام والجيش الكافي، وكثير من الناس لا يعلم عنك أي شيء، وكيف يتعاطف معك وهو لا يعلم عنك أي شيء. والدعاة -أيضاً- لا يملكون الاقتصاد والمال اللازم، وهكذا أمور كثيرة، على أن أهم من ذلك أيضاً أن نقول ما المقصود بالجهاد؟ إن كان المقصود به إعلاء كلمة الله؛ فإن أهم ما تعلى به كلمة الله ﵎ هو تصحيح العقيدة في قلوب الناس، كما بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن فقال له: ﴿فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله﴾، وفي رواية: ﴿إلى أن يوحدوا الله﴾، إلى أن يعبد الله وحده لا شريك له، هذه أول دعوة، أن نعلم الناس العقيدة الصحيحة، ونفهمهم إياها حتى يتفقهوا فيها، ويعرفوا من يوالون ومن يعادون فيها، وحتى نضمن أنهم إن جاهدوا جاهدوا لله لا لغرض أو مطمع دنيوي. ولا سيما في بيئة معقدة متشابكة كبيئة اليمن، فيها نواحي قبلية ونواحي طائفية، ونواحي مذهبية، وفيها أمور لا يستطيع الإنسان معها أو لا يضمن فيها ولاءً من أحد، وأيام الحرب بين الملكيين والجمهوريين، كان الأمر كان واضحاً، فالقبيلة إن أعطاها الملكيون المال انضمت إليهم، وإن أعطاها الجمهوريون انضمت إليهم، فالنفوس إن لم تكن صادقة متربية مزكاة بتقوى الله، كيف نضمن أنها تقف معنا، وإن وقفت في أول الأمر، أو جاءت بعض الأسباب التي نراها تشجعنا أن نجاهد أو أن نبدأ الجهاد، نحن نخشى أن تتحول العملية -لو قامت وإن شاء الله لن تقوم إلى العكس بل سيفكر الإخوة كثيراً في ذلك- إلى جاهلية وقبلية عنصرية، لا ندري، فقد ينفرط الحبل والزمام، ولا يكون بمقدورنا أن نسيطر عليه، وتتدخل القوى العظمى الخبيثة، لصالح طرف على طرف، أو تتحول اليمن إلى لبنان أخرى، أو أي بلد وهي حريصة على ذلك كما هي حريصة أن تفعل ذلك في السودان وفي أثيوبيا وفي غيرها. فمن المشاكل التي سوف تترتب على قيام مثل هذا: الفرقة بين المسلمين، وكفانا فرقة, وأكثر الدعاة، والمسلمين لن يوافق على هذا الأمر، فسوف يكون هناك من الفرقة بين المسلمين ما نحن في غنى عنه في هذه اللحظة، ولن تكون إلا الفرقة، ولن يكون مثل هذا العمل الذي يختلف الناس إلى نقيضين إلا عند غياب الشورى، فلو كانت الشورى بين الدعاة في الأمور الاجتهادية, ثم الرجوع إلى العلماء في الأمور النصية، ومشاورة أهل العلم في كل مكان لأن الدعوة تهم الجميع في كل مكان؛ فهذا هو الذي يجمع الأمة ويوحد رأيها. أما أن ينفرد أحد برأيه بجهاد أو حتى بدعوة، ويرى الآخرين رأياً آخر، ولا يكون هناك تواصل وشورى لأخذ هذا الأمر وهم في بلد واحد، فإن هذا يؤدي إلى تفريق الأمة، وإلى تمزيق كلمتها، ونحن نعلم من واقع اليمن وهذا يؤلمنا ولكن هذا واقع أكثر العالم الإسلامي -أن القبيلة أو المحافظة أو اللواء قد لا يكون فيها عالم، بل ربما طالب علم، لا يدرك إلا بعض ما يؤدي به الواجب، فالجهاد إذالم يكن هناك علماء يقودونه ويوجهونه، كيف نضمن له أن يستمر، وكيف نضمن له أن ينتصر؟! فالمربي مفقود، بل أكثر من ذلك القائد وهو الذي يكون مربياً وزيادة مفقود، إذ من المربين من لا يكون على قدر من العلم يؤهله في أن يقود طائفة، أو يربي جماعة في مسجد، أو جماعة من الشباب، أو حلقات علم، كيف يربي أمة؟! هذا أمر ليس بالأمر الهين، فحينئذ تضيع الأمور، ويأتي علماء السوء أو من أمثالهم، فيفتوا ضد هذه الأعمال، فتكون المأساة التي نسأل الله تعالى ألا تكون. وقد يقول البعض إلى متى نظل نربي؟ فنقول: نحن لا نستعجل أمر الله، نحن واثقون بوعد الله بالنصر لمن قام بهذا الدين، وكما جاء في الحديث الصحيح: ﴿رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان والرهط، ورأيت النبي وليس معه أحد﴾ بعض الأنبياء ما آمن به أحد، وما تبعه أحد، فعلينا ألا نستبطئ نصر الله، ولا نستعجل وعد الله، وأن نستمر في التربية والتزكية، والتفقه في الدين، وتصحيح العقيدة، والصبر على المخالفين في العقيدة، وفي المنكرات التي يجاهرون بها، حتى يفتح الله سبحانه قلوبهم للخير، وحتى تتكون قاعدة عريضة يمكن أن تقوم بدين الله سبحانه ولا تحوجنا إلى هذه الجهود التي لا ندري كيف تكون نهايتها, أو ما هو مصير هذه الأمور لو قامت؟! وأنا أرى أن القياس على أفغانستان أو على غيرها في غير محله، لأن أفغانستان العدو واضح، هو روسي شيوعي جاء بدباباته واحتل البلد، أما هنا فإن القضية ملبس عليها، فإن الحكومة تدعي أنها إسلامية, وتقول إن الدستور إسلامي، ومن العلماء من يؤيدها؛ فلا نقيس ذلك على أفغانستان، ولا على غيرها ولا ما أشبهها. وقد يقول البعض: ما هو البديل؟ هل ننضم للأحزاب السياسية وندخل البرلمان، ونتحول للعمل السياسي؟ فنقول: لا أيضاً, فليس هذا المقصود، إنما نريد دعوة على منهاج النبوة تبدأ بتصحيح العقيدة، وتفقيه الناس في دينهم وتعليم سنة نبيهم ﷺ ، وتفتح هذه الحلقات الطيبة المباركة، من توعية الناس وتعليمهم وتثقيفهم في المحافظات، في الألوية، وفي القرى، وفي كل مكان بقدر الاستطاعة، وعن طريق المعاهد، وعن طريق تحفيظ القرآن، وعن طريق نشر الأشرطة، ونشر الكتيبات وتوعية الناس، دعوة تقوم وتحتسب وتصبر على الأذى, فهذه هي القاعدة الأساسية التي نريدها. أما ما يتعلق بالعمل السياسي وما تورطت فيه بعض الأحزاب من العمل السياسي، فنقول يجب أن تكون الأمور شورى، أن يستشيروا بعض، ويتشاوروا ويتباحثوا في مفاسدها ومصالحها، وهذه مسألة أخرى تحتاج إلى تفصيل وإلى بحث طويل، لأن هذه المشاركة قد يكون فيها بعض المصالح، ولكن في نفس الوقت فيها مفاسد واضحة لا تخفى على أي أحد. فلا بد أن تدرس هذه الأمور بعناية. وأسأل الله ﵎ أن يوفقنا للعمل الصالح وللصواب، وأن يجعل دعوتنا كلها خالصة لوجهة الكريم، إنه سميع مجيب.

стр. 1439

تغير المصطلحات السؤال يقول: لماذا لا نستخدم عبارة السلف بدلاً من أهل السنة والجماعة؟ الجواب لماذا لا تستخدمها أنت إذا كان أحد لا يستخدمها؟، وأنا أسأل هذا السؤال: وأقول: هل هناك فرق بينهما؟، في الواقع أنه لا يوجد أي فرق بينهما.

стр. 1440

الفرق بين السلف وأهل السنة والجماعة السلف هم أهل السنة والجماعة بلا شك، لكن أهل السنة والجماعة هم السلف وأتباع السلف، فنحن نقول: نحن من أهل السنة والجماعة لكن هل نحن من السلف؟ لا لسنا من السلف، فـ السلف وأتباعهم هم أهل السنة والجماعة، وأخص من يطلق عليه اسم أهل السنة والجماعة وأولى من يطلق عليه هذا الاسم هم السلف الصالح، والنبي ﷺ لما قال، ﴿تفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قالوا من هي؟ قال: هي الجماعة﴾ وفي رواية أخرى، قال: ﴿هي ما أنا عليه وأصحابي﴾ فهذا كلامه ﷺ ، فهم الجماعة وهم الصحابة، وهم السلف، وفي الحديث ﴿خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم﴾ فالقرون الثلاثة المفضلة هم السلف وهم أهل السنة والجماعة. وإن القرن الثالث يعد القرنين الأولين هم السلف بالنسبة له، والقرن الثاني يعتقد أن القرن الأول هو السلف، وهذا حق فأن كلمة السلف هي كلمة نسبية، لكن إذا قلنا أهل السنة والجماعة؛ فإنه يشمل كل ما كان عليه النبي ﷺ ، إلى قيام الساعة، فيدخل في ذلك دخولاً أولياً الصحابة، فهم أولى الناس وأولهم، ثم التابعون، ثم تابعو التابعين، ثم من سار على هذا المنهج إلى الغرباء، الذين يكونون نزاعاً من القبائل في آخر الزمان، كل هؤلاء هم أهل السنة والجماعة. والعلماء عندما كتبوا كتباً مثلاً: أصول أهل السنة والجماعة فهم لا يعنون إلا غير أصول السلف، ولا يعنون شيئاً غير هذا، والإمام أحمد عندما كتب كتاب السنة، فهو يريد عقيدة السلف، أو الإمام عبد الله بن أحمد كذلك وهو ينسب له وأكثره عن أبيه. إذاً كل ما كتب وكل ما يقال عن السنة أو عن أهل السنة والجماعة فأول من يقصد به السلف الصالح، ومن سار على نهجهم، ولا تستحق المسألة أن تكون مشكلة عند أدنى طالب علم مثلاً. ويأتي الإشكال عند بعض الدعاة وبعض طلبة العلم، مثلاً يقول: إن بعض أهل البدع يدعي أنه من أهل السنة والجماعة، فنستخدم عبارة السلف حتى نخرجهم، فنقول: من يدعي أنه من أهل السنة وليس منهم، فهو قادر على أن يدعي أنه من السلف أو من السلفيين وهو ليس منهم، ثم هل نترك نحن كلمة شرعية عظيمة جاءت في كتاب الله استنباطاً كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام:١٥٣] وفسرها العلماء، أن (الصراط المستقيم) قالوا: السنة، ونترك ما جاء في الأحاديث وهي كثيرة جداً ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين﴾ وفي حديث آخر قال: ﴿هي الجماعة﴾ وكلام السلف في هذا يعد بالمئات، بل يمكن القول: إن الآلاف من الآثار ممن يستخدم مثل هذه الكلمة كلمة أهل السنة، فنترك كل هذه النقول من أجل هؤلاء المبتدعة، من أهل الكلام سواء كانوا صوفية أم معتزلة أم أشعرية، أم عصرانية، أم عقلانية، أو أشباههم يقولون: نحن من أهل السنة، نترك الكلمة الشرعية، من أجل إدعاء المدعين. فنقول: لا، السنة لستم من أهلها، فأنتم عقيدتكم كذا، وأهل السنة عقيدتهم كذا، كما ظهر قبل فترة من يقول إن الأشاعرة هم أهل السنة، والحمد لله تصدى لهم من بين أن أصول الأشعرية كذا وكذا، أما أصول أهل السنة والجماعة فهي بخلاف ذلك، فتبين أن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة والجماعة، بل هم من أهل البدعة والضلالة. فنحن بهذا نكون قد حررنا الأصول وميزنا فيما بينها، ووضعنا ضابطاً منهجياً علمياً نعرف به هذه المسألة، فلا تشكل علينا إن شاء الله. وعندما أتينا على شرح مسألة التفاضل بين الملائكة وبين بني آدم، فلما وجدنا عبارة لـ شَيْخ الإِسْلامِ قال: 'وكنت أحسب أن هذا الأمر محدث، فإذا بها قضية سلفية ' فقلت لكم: أنا أفرح عندما أجد هذه الكلمة في كلام الفقهاء الأولين، لأننا -والحمد لله- نحبها ونريد أن نعممها، وننشرها، لكنها فعلاً قليلة، لكن معناها واضح، والمعنى: هو أن ما كان عليه السلف الصالح من دين وعقيدة هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا المصطلح لا يخفى على أحد من الناس.
следующие страницы →