Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
الصحابة والقيام بالحقوق
كيف عاش عمر بن الخطاب ﵁؟ هل عاش عمر بن الخطاب لنفسه أو لأهله؟ لا! أمَّا ما بين العبد وربه، فقد قاموا بحق الله ﵎ خير قيام.
وحسبهم أن يثني الله ﵎ عليهم: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وغير ذلك من الثناء: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] وهكذا أثنى الله تعالى عليهم، وزكَّاهم فيما بينهم وبينه، وما بينهم وبين غيرهم من الناس، لذلك نقول: عبادتهم لله قمة لم نصل إليها، لكن كيف كانوا في معاملتهم لعامة الخلق؟! كيف كان عمر ﵁ مع الأرملة؟! كيف كان مع العجوز؟! كيف كان مع الذمي الذي يراه هرماً كبيراً؟ فيقول: [[ما أنصفناك أخذنا منك الجزية شاباً وتركناك كهلاً]] فيصرف له من بيت المال ما يكفيه! وحتى العلماء والصالحون كان تعاملهم بالبر، وكان الواحد منهم مع شدة حاجته وما يعتريه من العوز، يتصدق بالصدقة يعطيها أخاه، فيأخذها الأخ فيعطيها أخاه، فيأخذها الآخر فيعطيها أخاه، فلا يدري الأول إلا وقد رجعت إليه، ومن كثرة تعاونهم حققوا قول الله ﵎: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].
حققوا معنى الأخوة الإيمانية، وكما كانت بعثته صلوات الله وسلامه عليه، ودينه رحمة للعالمين، كانت حياتهم وأخلاقهم وتعاملهم رحمة للعالمين!
стр. 1507
واقعنا في الاهتمام بمن حولنا
أقول: لو استطردنا في هذه الأمثلة لوجدنا العجب العجاب، ولكن ما واقعنا نحن؟ وكيف حالنا في مثل هذه الأحياء التي نسكنها ونعيش فيها؟ مع الجيران والأهل والجماعة ومع القبيلة والزملاء في العمل وغير ذلك؟ هل نحن على هذه المثل والقيم الرفيعة العظيمة التي علَّمنا إياها رسول الله ﷺ ، وأصحابه وعلماؤنا الأجلاء، أم نحن دون ذلك؟ الملاحظ أن بعض الشباب، وبعض طلبة العلم همَّه نفسه، يتعلم العلم ولا يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فيعلمه ذلك العلم، لا يعلم الزوجة ذلك العلم، ولا يعلم جاره ذلك العلم -ولو شيئاً منه- حتى أبناءه أحياناً! وتتراكم لديه المسائل، ويجمع المسائل والأحكام بعضها فوق بعض، إلى أن يُذهِب آخرها أولها، وينسي بعضها بعضاً، ولم يخرج ولم ينفق منها شيئاً.
يرى الناس يتهافتون على المعاصي، ويراهم يتسابقون على طريق النار والعياذ بالله، يراهم تفتك بهم الفتن والمحن والأهواء والشهوات من كل جهة، وهو مطمئن بما أعطاه الله من العلم والهدى والخير، وغاية ما يقول: الحمد لله الذي عافاني من هذا الأمر الذي وقع فيه كثير من الخلق! نعم! الحمد لله على ذلك، ولكن ما الذي فعلت؟ ما واجبك نحوهم؟ الحمد لله الذي وفقك فعرفت حق الله عليك في صلاة الجماعة، لكن ما واجبك نحو جارك الذي لا يُؤديها جماعة، وربما لا يؤديها مطلقاً.
الحمد لله الذي علَّمك أن تُطعم الفقير والمسكين، لكن هل بذلت مثل هذه النصيحة لجارك أو زميلك صاحب المال -صاحب العمل- صاحب المؤسسة فيمد يده بالخير إلى المحتاجين والمحسنين الآخرين، أم أنك أنت تؤدي ما عليك إن أديته، ولا تبالي أن يؤدي الآخرون؟ وهكذا؛ وبذلك وقع التخلخل في المجتمع.
стр. 1508
نظرة الناس إلى طالب العلم إذا لم يهتم بهم
أصبح الإنسان المسلم ينظر إلى طالب العلم ويتأمل، أو يظل يُفكر ماذا يريد مني؟ الآن لو أن أحدنا قدم على جماعة من الناس ورأوه: ماذا يتوقعون؟ يفكرون بماذا سوف يأمرنا وماذا سيطلب منا! وكأنا أصبحنا نأمر فقط ونطلب، لكن ماذا نعطي؟! وماذا نقدم؟! كان الناس إذا رأوا أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ يبشون وتتهلل أساريرهم ويفرحون، لأنه جاء يعطيهم، ويبث لهم من هدايا الخير وعطاياه، يعطيهم آية من كتاب الله ﵎، يُعلمهم سورة من القرآن، يُعطيهم حديثاً عن رسول الله ﷺ ، ينصح لهم، بل ربما أعطاهم من ماله.
أما نحن فيتوقع منا أوامر، يتوقع منا إنكاراً، وغلظة وشدة.
فإذا رآك ليناً هيناً، فرح واستبشر واطمأن، وقال: يا أخي! بارك الله فيك، يا ليت الناس كلهم مثلك! يا ليت طلاب العلم يعاملونا هذه المعاملة! قد شعر بأنك غريب ومعاملتك غريبة؛ لأنه لا يوجد أحد يُشعر الناس حقيقةً بهذا الخير الكامن في قلوبنا، لم نحوله إلى واقع، وعمل، إلى محبة، وتآلف، أصبح الشاب المسلم إذا اهتدى، كأنه مثل الذي نجا في جزيرة من الجزر بنفسه ونأى بحاله، فلا يريد أن يمد جسراً إلى الآخرين لينجوا، كلما رآهم يغرقون يفرح، وربما يشمت بهم وهم يغرقون! مُدَّ إليهم الحبال! مُدَّ إليهم جسور الخير! عَبِّدِ الطرق كي ينجو إخوانك كما نجوت!
стр. 1509
طرق الاهتمام بالمجتمع وفعل الخير
كثير منا لا يفعل ذلك: وكثير منا يقول: وماذا نفعل؟! وماذا نصنع؟! هل ضيق الله ﵎ علينا طرق الخير ووسائل الخير التي بها نحقق هذا الواجب علينا؟ لا! يقول الله ﵎: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
أليس سبيل الله واحداً؟! قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
إذاً: طريق الله واحد، وسبيله واحد، فعندما يقول هنا: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، هذه طرق الخير، فالخير له طرائق كثيرة! والجنة لها ثمانية أبواب، ومن الناس من يدخل من باب، ومنهم من يدخل من آخر، فلم لا تعمل يا أخي المسلم لكي تُدعى من أكثر أبوابها، إن لم يكن من أبوابها كلها؟! ابحث عن السبيل الذي أهّلك الله به ومكنك منه أن تدخل إلى الخير، وإلى رضا الله وإلى إصلاح حال هذه الأمة، فلا تتردد فيه ولا تدع الفرصة تفوتك منه.
اغتنم شبابك وعمرك ووقتك وما أُهِّلت له، لتدخل من هذا الباب إلى رضوان الله ﵎ وهداية الخلق، واعلم أن رجلاً واحداً يهديه الله ﵎ على يديك خيرٌ لك من حمر النعم، كما قال ﷺ : ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم﴾.
واعلم أن ﴿موضع سوط أحدنا في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس﴾ كما أخبر ﷺ .
إذن: لماذا لم تبادر إلى أي عمل من أعمال الخير؟ لا تقل: ليس عندي إلا القليل من العلم! إن كنت طالب علم فابذل من هذا العلم، فما لديك فابذل منه، وتوقع أو تخيل أو تصور أنك أنت طالب العلم الوحيد في هذا الحي! أو أنك أنت صاحب المال الوحيد في هذا الحي، أو أنك أنت الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الوحيد في هذا الحي، لكي تعمل كثيراً ولا تستكثر أي عمل تعمله.
وإذا عمل كلٌ منا كذلك رأينا الخير -بإذن الله تعالى- يعم وينتشر في المجتمع كله، ولكن انظر إلى واجبك أنت، واعلم أنك لو لم تنفق إلا ريالاً واحداً، فلعلك تضع هذا الريال في يد رجل يرفع يده إلى السماء ويقول: اللهم بارك له، اللهم ارزقه، اللهم وفقه، فيبارك الله ﵎ لك في مالك وأعمالك، ويدفع عنك شراً عظيماً جداً بهذا الريال الذي وضعته وأنت لم تلق له بالاً، وربما قلت كلمة، فهدى الله ﵎ بها من لم تكن تطمع ولا يطمع غيرك أن يهديه الله ﵎.
وليس شرطاً أن ترى ثمرة كلمتك الآن، ربما رميت الحبة وأنت تحرث أو تبذر الزرع فوقعت على حجر ولم تنبت شيئاً، ولكن قد يأتي بعد شهور أو أيام وتأتي الرياح وتأتي الأمطار وتدحرج تلك الحبة وتلقيها في الأرض وتنبت وتثمر وتصبح شجرة عظيمة، وجناها وثمرتها لك، وأنت لا تعلم، وأنت لا تدري متى ألقيتها وأين ألقيتها، لكن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وهو الذي ينمي ويربي الخير ويزكيه، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة من فضله وجوده ﵎.
فلا تحقر شيئاً من الخير، ولا تحقر شيئاً من المعروف، ولو أن تلق أخاك بوجه طلق، تقول له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وتصافحه؛ فتتحات ذنوبكما كما يتحات ورق الشجر، سبحان الله العظيم، فلماذا نفوت هذا الخير؟!
стр. 1510
تنافس الصحابة الكرام على الخير
اشتكى الصحابة ﵃ عندما جاءوا إلى رسول الله ﷺ والذي هو بالمؤمنين رءوف رحيم، فقالوا: ﴿يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور﴾ وهذا التنافس ليس هو تنافس الفقراء والأغنياء، كما صورته الرأسمالية والشيوعية الكادحون، والطبقات البرجوازية ضد الطبقات الرأسمالية! لا، بل تنافس في الأجور: ﴿ذهب أهل الدثور بالأجور﴾ أي أهل الأموال، ثم قالوا: ﴿يُصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم﴾ أي: زادوا علينا بالصدقة، ونحن لا نملكها، فعلمهم النبي ﷺ ، فقال: ﴿تُسبحون الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمدون ثلاثاً وثلاثين، وتكبرون ثلاثاً وثلاثين﴾، ففعلها أولئك، وقالوا: الحمد لله! وجدنا باباً عظيماً من أبواب الخير نسبق به إخواننا.
فلمَّا فعل إخوانهم ذلك، جاءوا وشكوا إلى رسول الله ﷺ -انظروا التنافس إلى الخير- فقالوا: ﴿يا رسول الله! قلنا ذلك فقالوا كما قلنا -أي: ما الحل؟ - قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾.
ابتلاكم لتصبروا بالفقر، وابتلاهم ليشكروا بالمال وبالنعمة، لكن هذا هو الواجب أن نتنافس -جميعاً- في هذا الخير وأن نذكر الله، وإن لم نجد شيئاً فلندع الله ﵎.
стр. 1511
الاهتمام بالمسلمين والدعاء لهم
من منا لا يألم عندما يرى هذا الواقع المحزن المؤلم لهذه الأمة من أقصاها إلى أدناها؟ ويتذكر أن الدين النصيحة، ويتذكر أنه ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾، ثم يقول: لا أملك شيئاً، لا، بل أنت تملك ما لا يستطيع أي عدو للإسلام أن يملكه، وما ليس في إمكان أية قوة في الدنيا أن تملكه، وهو الدعاء، يقول ﷺ : ﴿رب أشعث أغبر ذي طمرين، لو أقسم على الله لأبره﴾، الله أكبر، يقسم على رب العالمين، ويبره رب العالمين! لله سبحانه أولياء، وله عباد صالحون لهم عنده من الشأن والمنزلة ما الله به عليم، فلِمَ لا ترفع يديك؟ ارفع يديك وتضرع إلى ربك ﵎ بسجدة في جوف الليل لا يراك أحد، قبل السلام في كل الصلوات، وأنت ذاهب إلى بيت من بيوت الله, وأنت تضع اللقمة أو الريال في يد فقير أو محتاج، وأنت ترأف بمسكين أو تشفق عليه.
ادع الله ، كم من هؤلاء الذين إن شفع فهو جديرٌ بألاَّ يُشَّفع، وإن خطب فهو جدير بألا ينكح ولا يُزوَّج، وإن طلب فهو جدير بأن يرد ولا يعطى، ولكنْ بينه وبين الله باب مفتوح، لو رفع إليه يديه بصدق وضراعة لحصل الخير، كما يريد الله ﵎.
إذاً: ارفع يديك وادع الله، واعلم أنك لو دعيت لنفسك فربما يستجاب لك، وربما لا يستجاب لك، وإن كنت على أية حال لست بخاسر أبداً، لأنه كما جاء في الحديث: ﴿إن ربكم حي كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفراً﴾.
أي: يردهما خاليتين، فلا يمكن ذلك ولو ذهبت إلى أي كريم من الناس وطلبته وأنت تعرف كرمه، واجتمعت فيه الصفتان الكرم والغنى، هل يردك؟ يستحيل على كريم غني أن يرد أي واحد يأتيه، ولو بشيء بسيط، فكيف بمن له الغنى المطلق والكرم المطلق، ، الذي طلب منا أن ندعوه، والذي يصدق فيه ما قال الشاعر:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُني آدم حين يُسأل يغضبُ
وقد قال الكريم الغني المفضال ﵎: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، يريد أن ندعوه، ادعه، ولن تكون خاسراً، بل أنت كاسب في أي حال من الأحوال، لكن ربما يحول بينك وبين الإجابة شهوات أو شبهات، أو ارتكاب لذنوب، أو محرمات، أو أكل مال حرام، أو أي حائل من الحوائل، لكن إذا دعوت لأخيك يستجاب لك بإذن الله ﵎، لأنها دعوة عن إخلاص، لأن ذنبك أنت وتقصيرك لا ينسحب عليه فتدعو الله ﵎ له، فيقال: آمين ولك مثل ذلك! إذن لماذا نترك هذا الدعاء؟!
стр. 1512
ما يمكن أن نعمله من أعمال الخير
نستطيع أن نعمل ما هو أكثر من الدعاء؟! ألسنا نستطيع في كل حي من الأحياء، بل في كل مسجد أن نوجد لجنة أو أكثر من اللجان، للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وللخير وللإحسان وللشفقة، ولنتواصى بالمرحمة كما أمر الله ﵎، لنحنو على ضعيف أو مسكين، أو إنسان استهوته الشهوات أو الشبهات، فتاه وضل عن الطريق المستقيم، ألا نستطيع؟ ألم يعمل الإخوة الكرام -بارك الله فيهم- لجنة لمكافحة التدخين؟ هل أثمرت أو لم تثمر؟ ما رأيكم؟ أثمرت نجاحاً عظيماً جداً، كم من صاحب محل الآن يكتب نحن لا نبيع الدخان، عندما تجلس معه يقول: الله يجزيهم خير! الحمد لله، أنا أصلي وأصوم وأحب الخير، وإذا رأيت الإنسان من بعيد لا يدخن، حمدت الله، وإذا رأيته يدخن استعذت بالله منه، وابتعد عن طريقه، وهو الذي كان بالأمس إذا رأى المدخن استبشر، وكان إذا قلت له: لا تبيع الدخان، قال: الزبائن لا يأتون إلا من أجله، لو لم أبعه فلن أعمل، لكن كيف تحول، كيف تغير؟ لما وجدت لجنة ودعوة ونصيحة، انتفع، ولله الحمد.
لجان للفقراء، لجان لمناصحة أصحاب المنكرات في الأحياء، وأنا أطالب الإخوة أن يتركوا الأسماء هذه، لا يهم سموها لجنة أو جمعية، أم لم يسموها شيئاً، لا يهم هذا، المهم يكون منا ثلاثة أو أربعة أنفار يذهبون ويمرون على صاحب المحل: ماذا تبيع؟ يقول: عندي أغاني، يقال له: يا أخي الكريم! اتق الله، يقول لك: عندي تصريح، قل له: ما أتيت أخاطبك للتصريح ولا نحن من موظفي الإعلام، نحن جئنا نقول لك: إن هذا حرام، يفتح الله له نور قلبه، وتستنير بصيرته ويتوب قبل أن يدركه الموت، وهو على هذه المعصية.
إنسان آخر يتهاون بصلاة الجماعة، فهل الذي يعد نفسه آمراً بالمعروف، يخبر الهيئة ليوقفوه؟! ليست مهمة الهيئة أن يأتوا ليأخذوه، اذهب أنت في ثلاثة نفر، وقل له موعظة يخشع لله، ويرق قلبه، ثم يأتي معك إلى المسجد، فتكون قد كسبته إلى الخير، وبعد ذلك تكسب به من وراءه إن شاء الله.
وهكذا إذا كان معك في كل حي أو في كل مسجد أو جماعة أو قبيلة أو مجلس تجلسه فيه شيء من هذا التعاون والتواصل، بدلاً من أن تضيع الأوقات أو يتشتت المجتمع، إما أن نضيع أوقاتنا في لهو ولعب وغيبة ونميمة، وإما نتشتت فلا يلتقي منا اثنان كل مشغول في دينه، والخير في هذه الأمة مهمل ومنسي.
стр. 1513
خيرية الأمة الإسلامية وضمانات البقاء
اعلموا أن هذه الأمة فيها خير عظيم, خير لا نكاد نتصوره نحن، ربما وجدت ذلك الإنسان الذي مظهره من بعيد يشعرك بالمعصية -مثلاً- أو يشعرك بالتقصير، ربما لو قدحت هذا الخير الذي في قلبه لأصبح نوراً عظيماً يشع ويضيء للحي كله، أو للبلد كله، ولكن من الذي قدح ذلك الخير؟ من وعظه؟ ومن ذكره؟ ومن جالسه؟ ومن صاحبه؟ ومن أهدى إليه؟ أهد إليه هدية: كتاباً، شريطاً أهد إليه هدية من هدايا الدنيا، أشعره أنك تحبه، ثم خاطبه من جسر المحبة.
أمتكم -الحمد لله- على خير! هذه الأمة فيها الخير إلى قيام الساعة، لا تظنوا أن ما وقع فيها من شهوات أو شبهات، سيمحو منها الخير.
إن ما انتشر في المجتمع الإسلامي من فواحش أو رذائل أو موبقات إلى غير ذلك، إنما هو بفعل الشهوات النفسية والشيطان، والاحتكاك بالغرب، لكن لا تزال المجتمعات الإسلامية اليوم، هي أفضل أنواع المجتمعات وأكثرها تواصلاً ولله الحمد، فالمجتمعات الأخرى تفككت ولا يرتبط بها أحد بآخر.
قد يكون هناك تماسك في المجتمع، لكن الصلات الأسرية مفقودة تماماً، ونحن -والحمد لله- لدينا الكثير من طرق الخير.
انظروا كيف كنا قبل رمضان، فلما جاء رمضان اجتمعنا في بيوت الله، واستمعنا إلى ذكر الله، وتسابقنا إلى الصناديق لنتصدق وننفق، وأخذنا نتساءل: كم عندكم في الحي من أرامل؟ كم عندكم من محتاجين؟ هل فعلتم كذا؟ هل جمعتم كذا؟ وإذا بكل واحد منا يدل الآخرين على الخير، ثم ذهب رمضان فتراخينا، وإذا بنا الآن نقول: ما هو الحل؟ فجاء الحج وهو موسم جديد، وفيه خير، وفيه وفيه وهكذا، ولا يأتي موسم إلا وبعده موسم تتحرك الأمة فيه.
فالأمة الإسلامية بنيان، لكن على ماذا يقوم هذا البنيان؟ لا يقوم على اللبن، أو الحجارة، ولا يقوم على أي شيء، ولكن الحديد الذي بداخله هو أساس قيامه، وهم طلبة العلم وأهل الخير في هذا الحي أو في أي حي، هم مثل الحديد، إذا قام الحديد وقوي، فسيجتمع عليه بعد ذلك ما يوضع من البناء، ويكون كله قوياً بإذن الله ﵎.
فالواجب علينا رجالاً ونساءً صغاراً وكباراً، أياً كان موقعنا، أن نتذكر هذا الواجب وأن نسعى إلى نشر هذا الخير، وأن يعلم كل منا أنه مسئول أمام الله ﵎ في حدود ما يستطيع، وأن الواجب علينا أن نكون أمة داخل الأمة، أن نكون كما أمر الله ﵎: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] هذه الأمة وهذا عملها داخل الأمة التي قال الله ﵎ فيها: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٩٢]، وكما قال ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣]، فنحن طلبة العلم ورواد بيوت الله، والذين نحب الخير أمة داخل الأمة الإسلامية الكبرى، نحن مجتمع داخل هذا المجتمع، لا ننفصل عنه ولا ننعزل، لكن نقوم بواجب القِوامة والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيهدي الله بنا هؤلاء ونكون ممن يدعون الناس، فهم بعد ذلك يستجيبون لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم، ولمن يدعوهم إلى الله ﵎ من دعاة الخير والهدى والإصلاح في المجتمع.
стр. 1514
من مظاهر التعاون على البر والتقوى
أقول: أي شكل من أشكال التعاون لا تضيعوه، لا تفتقدوه فيما بينكم، واعلموا أن كل حي فيه الكبير في السن الذي له قيمته، والذي لديه وجاهة عند الناس، وفيه الموظف الذي يُمكن أن يؤثر على الحي وعلى غير الحي، فيه التاجر الذي يمكن أن ينفع الله بماله في هذا الحي، فيه الشيخ أو طالب العلم الذي ينبغي أن ينفع الله تعالى بعلمه في هذا الحي.
فيجب أن نتعارف، كثير من الإخوان يقول لي: لماذا لا نتعاون؟ وأقول: لأننا أصلاً لم نتعارف؟! فكيف نتعاون ونحن لم نتعارف، ونحن في شبه غيبوبة عن العلاقات التي أمرنا الله بها، لكن عندما نتعاون ونتعارف ونتحاب، ونشيع الخير فيما بيننا؛ فإن ذلك مما يرفع الله به رءوسنا ويعزنا، ونشعر بحال أمتنا خارج حدود حيناً أو مدينتنا، سنشعر بأحوال إخواننا المسلمين الذي يقتلون في كل مكان.
وأحياناً نقول: لماذا -نحن أهل هذا الحي- لا يكون لنا عمل معين في بلد من بلدان المسلمين، لماذا لا يكون هناك مركز إسلامي دعوي -مثلاً- في مدينة من مدن الصومال أو كشمير، أو البوسنة لهذا الحي، وباسم هذا الحي؟ لماذا لا يكون باسمنا -نحن أهل الحي- طبع كتاب دعوي خمسين ألف أو مائة ألف نسخة وترسل إلى أنحاء العالم؟ حينئذٍ نفرح ويهنئ بعضنا بعضاً: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨].
لو نجحنا في إيجاد شبكة مجاري أو مياه أو شبكة هاتف -وهذا أمرٌ مطلوب- فإننا نفرح ونقول: ما شاء الله! مجلس الحي حقق هذا المشروع ولكن لماذا لم يجتهد -أيضاً- في أمر آخر من أمور الدعوة؟ لماذا لا يكون هناك أشرطة كل أسبوع توزع؟ إن كان حجاً عن الحج، وإن كان صياماً عن الصيام، وهكذا إذا توكلنا على الله فعلاً وفقنا الله لذلك.
بعض الأحياء يكثر فيها الفقر، وبعض الأحياء يكثر فيها العمال، وبعض الأحياء يغلب عليها الترف والبطر، وهكذا تختلف الأحياء في كل مكان بمقتضى حالنا وواقعنا، فمن يعالج هذا الواقع وهذا الحال بالعلاج الرباني؟ وبهذا الدين الذي أعطانا الله؟ وكل الإخوة في حيهم يستطيعون أن يضعُوا بنفس التفصيل الأعمال الخيرية للحي، والتخصيص يترك لهم، ولا أستطيع أنا أو الأخ أو الشيخ فلان بن فلان، لأنهم أعلم بالحي وأعلم بظروفه وأعلم بواقعه.
أرجو ألاَّ أكون أطلت عليكم، وأرجو أن يجعل الله هذا اللقاء مذاكرة فيما بيننا ليشعر كل منا بواجبه، ويستشعر ما ينبغي أن يفعله تجاه إخوانه حتى تكتمل -أو تقارب الكمال- صورة ونموذج المجتمع المسلم الحي الذي يشد بعضه: ﴿كالبنيان يشد بعضه بعضاً﴾ كما ضرب المثل بذلك الرسول ﷺ ، وإن كان من أسئلة حول هذا الموضوع خاصة فيمكن أن نستعرضها إن شاء الله، وأرجو ألاَّ يخرج أي واحد منا إلا وقد وضع في ذهنه أي تصور، حتى لو لم تستطع أنت أن تفعل شيئاً من هذا ضعه في يد مندوب الحي، قدمه إلى إمام المسجد، أو إلى خطيب الجمعة، أو إلى مدير مركز الدعوة، أو إلى داعية من الدعاة، قدم له ما تراه من مثال أو نموذج لكي يكون المجتمع متآخياً مترابطاً، ويحقق كل أخ لإخوانه المسلمين ما ينبغي أن يكون بإذن الله ﵎.
стр. 1515
الأسئلة
стр. 1516
الوالد الذي لا يصلي
السؤال
ما واجب المسلم نحو والده الذي لا يصلي ولا يطيع الله ورسوله، ويشتم الدين الإسلامي، ولكنه يصوم رمضان ولا يصلي؟
الجواب
حسبنا الله ونعم الوكيل، نعوذ بالله، اعلموا أن حق الوالدين عظيم -ولو كانا مشركين؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] لا تطعهما فتشرك بالله أو تعصي الله سبحانه، ولكن مع ذلك قال: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥].
أي: بأن تحسن إليهما، وترعى شئونهما، وتقوم بحقوقهما، وتشتري لهما كل ما يحتاجان إليه، وما طلباه من الخدمة تقوم به، ومع ذلك تجتهد بأن تنصح للأب أو للأم أو كليهما، اجتهد أن تنصح لهما، ولكن لا تطعهما في معصية الله.
وإنَّ من معصية الله ، والتي يغفل عنها كثير من الناس في باب الحقوق والواجبات، أن بعضهم يقول: إن من واجب الأب عليه إذا أمره أن يظلم زوجته أو أخاه أو جاره، أن يفعل ذلك! ويقول: أبي أمرني، أو أمي أمرتني!! لا يا أخي الكريم! لا يجوز لك أن تعصي الله ﵎ براً بأحد وتقول بأنك تبر بأحد، لكن أنت من واجبك أن تتحمل أنت لأمك أو لأبيك، أما أن تظلم أخاك أو زوجتك أو جارك بأمر من أبيك، فلا يجوز ذلك، فتنبهوا لهذا، جزاكم الله خيراً.
أما كونه يصوم رمضان ولا يصلي، هذا لا ينفعه ولا يتقبل منه، وقد أجمع الصحابة ﵃ وهم خير القرون، وهم الذين إجماعهم هو آكد الاجماعات، أن تارك الصلاة كافر، ولم يكن الصحابة ﵃ يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر سوى الصلاة، وقد ثبت ذلك بالإجماع عن بعضهم وعن بعض التابعين، أن ترك الصلاة تركاً مستديماً بحيث لا يصلي لله تعالى فريضة، أن فاعل ذلك كافر، لا حظ له في الإسلام، ومستند ذلك الإجماع قوله ﷺ : ﴿العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر﴾ وغير ذلك.
стр. 1517
الاهتمام بالعلم وترك الدعوة
السؤال
إنني أسكن في حي من أحياء جدة وفي الحي طلبة علم كثير، ولكن لا ينصحون ولا يذكرون ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وهمهم فقط حضور الدروس العلمية والتجمعات في المساجد والمنازل، وليس لديهم مجهود يذكر لحيهم، يقول: وإني في الحي وحيد، أذهب إلى مساجد كثيرة، وأسمع أكثر من خمس مواعظ وألقيها في الأسبوع، وألاحظ أن الناس بحاجة إلى المواعظ، وتذكيرهم بدينهم، والشيطان يثبطني أحياناً، ويقول: انظر إلى الشباب مستريحين، وأنت تدور على المساجد، وأحياناً يقول لي: إنك ليس لديك إخلاص، وأنا أخاف الرياء؟
الجواب
هذه مصيبة عندما توجد مثل هذه الشكوى، انظروا كيف هذا الأخ المسكين، من غربته في الحي بدأ الشيطان يشككه، ويوسوس له: أنك تعظ إلا لأنه ليس عندك إخلاص، تريد الناس أن يمدحوك، وهذا من الشيطان نعوذ بالله منه، ويريد أن يدخل منها إلى قلب هذا الأخ، نسأل الله أن يثبتنا وإياه على الحق.
الواجب على الإخوان في كل حي، أن يتآزروا ويتعاونوا، ويتعاطفوا، وأرجو من الإخوان أن يجربوا، وكثيراً ما نتكلم، ولكن ربما لو جربنا لرأينا ثمرة ذلك.
بعض الأحياء جربت أن ما يمر واحد منهم إلا ويقول "الصلاة"! ينبه كل أهل المحلات في الطريق، كل من يراه جالس من الناس في دكان يقول له: "الصلاة الصلاة"! جربوا شهرين أو ثلاثة أشهر، وبعد ذلك مُرَ ولا تتكلم، فمن بعيد يراك ويقول لك: "طيب طيب" مع أنك لم تتكلم؛ لأنه تعود منك هذا الشيء، ولأنك أحييت شعيرة من الشعائر، ولك أجرها وأجر من عمل بها.
لكن إذا سكتنا، وأصبحوا يروننا مع بعض نقول: ما رأيك في الكتاب الفلاني؟ ما آخر شريط؟ ما آخر محاضرة؟ ونتحدث ونمر على الناس، وهذا لاهي، وهذا يسمع الغناء، وهذا فاتح الدكان وقت الصلاة، وهذا ينظر إلى امرأة، وهذا يتفرج التلفزيون، وكأن الأمر لا يهمنا أبداً، وتعودوا هذا منا.
أصبحوا يقولون: والله لا ندري ما عندهم هؤلاء؟! دائماً كلام كلام! فما علموا منا إلا هذا الشيء المبهم الذي لا يعلمونه وتأتي الأجهزة الإعلامية الشيطانية من أمريكا ولندن ومن الشرق والغرب، وتقول: المتطرفون، الأصوليون، الإرهابيون، فيقولون: انظروا هؤلاء، والله مثل صورة ذاك الإرهابي الذي رأيناه ذاك اليوم! لأنه ما رأى منك إلا هذه الصورة، لا تقل: لماذا ينظر لي هذه النظرة؟ فماذا علمته أنت غير هذه النظرة؟! هذه شكوى، وليست من هذا الأخ وحده، وإنما -كما أتوقع- من أحياء كثيرة، ومن طلبة علم كثيرين.
стр. 1518
الشباب الذين يعبثون أثناء الصلاة
السؤال
أرجو أن تقدم لهؤلاء نصيحة، وهي أن بعض الشباب يكثرون من العبث بالغترة والعمامة في الصلاة، نرجو النصح وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الصلاة يا إخوان روحها الخشوع، وكما قال بعض الصحابة: [[لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه]] وكما علم النبي ﷺ الرجل المسيء صلاته إذا ركعت فاركع حتى تطمئن راكعاً، واسجد حتى تطمئن ساجداً، علمه الطمأنينة في الأركان.
فلا شك أن الإنسان الذي يعبث بالغتره أو بالمنديل أو بالساعة، أو يتأمل في الزخارف أو غيرها، أنه يفقد من صلاته بقدر ما يفقد من الخشوع، نسأل الله أن يتقبل منا ومنكم عبادتنا، وأن يرزقنا فيها الإخلاص والخشوع؛ إنه سميع مجيب.
стр. 1519
القرى المليئة بالمنكرات
السؤال
إني أسكن في قرية مليئة بالمنكرات والمعاصي، وإن أغلب أهلها لا يصلون -حسبنا الله ونعم الوكيل- حتى الصلاة المكتوبة، ولا يدخلون المسجد إلا في الجمعة، وقد لا يحضرونها، بل وهم مقيمون على السهرات والرحلات والمجالس المليئة بالمنكرات، وهم يستهزئون بالشباب الملتزم وهم قلة في هذه القرية، فما العمل؟
الجواب
أنا لا يهمني كثرة المنحرفين أو الغافلين، هكذا الحال! كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، وكما قال: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:٧١]، هكذا أخبرنا الله ، فالأكثرية ليست المشكلة، لكن المشكلة هي ما الذي يمكن أن تعمله هذه القلة من طلبة العلم في هذه القرية وما حولها من القرى؟ لماذا لا نوصل الخير إليها، عندما لا يكون فيها من يوصل إليها الخير؟ لماذا عندما يتخرج الواحد منا يقول: عينوني داخل المدينة، فإذا عينوه داخل القرية آثر الراحة على العمل! وهذه مشكلة فعلاً، وكأننا لا نريد إلا الراحة، ولا شك أن الإنسان من حقه أن يطلب الراحة، ولكن لماذا لا نطلب الراحة العظمى عند الله؟ لماذا لا نضع سير الخطط والبرامج لتشمل هذه القرى؟ الإخوان في مركز الدعوة لا يقصرون، والبرامج الدعوية مهيأة من الرئاسة، ونسأل الله سبحانه أن يوفق الوالد سماحة الشيخ عبد العزيز -حفظه الله- فهو يبذل جهداً من البند الخيري، ومن البند الرسمي، ومن جهده الخاص، لكي تنتشر الدعوة في القرى والمناطق النائية، ويحثنا على ذلك كلما لقينا، والحمد لله سبل الخير موجودة؛ فرتبوا البرامج وأعينوا إخوانكم في هذه القرية وفي أي قرية فإذاً: يجب أن تصبر أنت وإخوانك في القرية وأن تتحملوا، وأن تُشعر الإخوان أين تقع هذه القرية ليدرسوا أحوالها، ويبتعثوا إليها.
стр. 1520
الذي لم يجد أثر النصيحة
السؤال
إذا أنا نصحت جاري بالصلاة، ولكنه لم يصل، فهل يلزمني شيء بعد ذلك؟
الجواب
ليست النصيحة مجرد السلام والأمر بالصلاة فقط، بل اسمع له، وزره، وسلم عليه، وقدم له هدية، وارفق به، فقد يهديه الله سبحانه فيصبح قوياً في الحق وكل قلب له مفتاح، فانظر مفتاح قلب هذا الرجل من أي نوع، فإن كان مفتاحه الغيرة فذكره بالغيرة، وإن كان عنده غفلة فأعطه موعظة يصحو ويفيق، وإن كان الشيمة فحدثه عن الشيمة، وإن كان المروءة والأخلاق، فخاطبه باللغة التي تظن أنها توصل الخير إلى قلبه، بأسلوب طيب.
حاول أن تظهر له أنه قريب من الخير وأعرض عليه هل يريد خدمة أو طلباً فقدمه له.
قدم الدعوة مع شيء من الخير، بعد ذلك إذا رفض فما عليك إلا البلاغ، لأن هذا ما أوجبه الله على الرسل وهم خير منا، لكن ثقوا تماماً أننا نستطيع أن ندعو كثيراً من الخلق إلى الله، فيهتدوا -بإذن الله- إذا نحن أصلحنا أساليبنا في الدعوة، ووسعنا أنفسنا ومداركنا، وتبقى القلة الضئيلة التي لا تستجيب، فهذه موجودة في كل زمان ومكان.
стр. 1521
الحزبية
السؤال
تعلم أن المسجد هو خير مكان تنطلق منه توعية الناس ونصحهم، ونحن في حي مزقته الحزبية، أئمة المساجد جميعهم متحزبون، لذلك قد حرم سكان الحي الخير، رغم أنك إذا زرت ذلك الحي ترى كثيراً من السكان ظاهرهم الصلاح، ولكن لا نشاط لهم في الحي، والله المستعان؟
الجواب
هذه الأمة كما قال ﷺ : ﴿فتنتها المال وعذابها الفرقة﴾ عذابها الفرقة والاختلاف، والتحزب: تحزب قبلي، تحزب في العمل الدعوي، التحزب في الآراء، التعصب المذهبي، في كل شيء تجدها أحزاباً، والله سبحانه نهانا عن هذا فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٥٩] نهانا الله سبحانه عن ذلك: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣].
فالواجب على الإنسان أن يتبع الحق، وأن يتحزب للحق، وأن يكون من حزب الله، فحزب الله هم أهل الحق، أينما كان الحق وعلى أي لسان قيل، لا يكذب ولا يجور على مخالفه، ولكن لا يتعصب أيضاً لرأيه، وإنما يقبل الحق أينما كان، والقضاء على الحزبية لا يكون بحزبية مقابلة، وإنما يكون ببذل النصح للجميع، بمحبة الجميع، بإيجاد ترابط وعلاقات من الجميع وإلى الجميع وتذكيرهم وتخويفهم بالله ﵎، وأياً كان مصدر هذه الحزبية فهي شر ووبال ودمار، ولا سيما في العمل الدعوي بين الشباب.
стр. 1522
واجب المسلمة نحو مجتمعها
السؤال
ما واجب المسلمة نحو مجتمعها المسلم، وهل تنحصر في بيتها فقط؟
الجواب
المسلم يخاطب أكثر من المسلمة، لأن الله لم يجعل لها من الوسائل ويمكنها من الإتصال بالناس ما جعل للرجل، فأعظم واجب عليها هو بيتها، لكن من بيتها تستطيع أن تعمل الكثير، أن تزور وأن تستزير، أن تصلح أبناءها، وجاراتها وقريباتها وهكذا، وإن كانت ممن تعمل في التدريس -مثلاً- فكذلك تصلح مدرستها وطالباتها، ويمكن أن تكتب الرسائل النافعة، والآن الحمد لله تنشر بمئات الألوف رسائل كتبتها واحدة في قعر بيتها والحمد لله.
فالأخت المسلمة عليها نفس الواجب، إلا أن الوسائل في حقها تنحصر في الوسائل الشرعية اللائقة بكرامتها وفكرها وصونها.
стр. 1523
دور المسلم في البلاد التي لا يطبق فيها شرع الله
السؤال
ما واجبي الحقيقي نحو مجتمعنا المسلم الذي تصيبه الأوبئة الجماعية والأمراض، وهل هي ابتلاء أم حياة ضنك تصيب مجتمعنا، وما دوري كإنسان عادي خاصة إن لم يطبق الشرع الإسلامي في هذا المجتمع؟
الجواب
كأن الأخ يتحدث وكأني أشعر أنه من إحدى البلاد الإسلامية التي نكبت به الأوبئة والأمراض والحياة الضنك، وعدم تطبيق شرع الله سبحانه، نسأل الله سبحانه أن يرفع عنا البلاء، فما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة.
واجبك يا أخي أن تكون كراكب السفينة إذا استطاع أن ينصح لها ولربانها وركابها فليفعل، فإن لم يكن ذلك فليستقل بنفسه ولو على خشبة، ولينج هو وأهله ومن يستطيع؛ إما داخل المجتمع الذي هو فيه، أو يهاجر إلى خارجه، إلى أي مجتمع آخر من مجتمعات الخير.
أما المجتمعات التي يُحارَبُ فيها الإسلام علانية بقوة الحديد والنار، كما في الجزائر وتونس وليبيا ومصر وسوريا والعراق وغيرها فلا.
وهذه المجتمعات نفسها فيها الخير الكثير والحمد لله، فيها قبول، واستجابة، وكأنني أتأمل وأرى هؤلاء الظالمين والمجرمين والعلمانيين والاشتراكيين، الذين يُمسكون بأزمّة الأمور في هذه البلاد، أو عملاء اليهود والنصارى وإن لم يكن لهم راية ولا مذهب، وهم يتحسرون على ما قبل عشرين سنة مضت حينما كان في إمكانهم أن يبطشوا، وأن يفعلوا ما شاءوا وهم في أمن.
أما الآن فالحمد لله، وأنا أبشركم بهذا وأنا مطمئن (العملاق قد خرج من القمقم) كما يقولون، ولم يعد بإمكانه أن يرجع إليه.
العملاق الإسلامي بدأ يفيق وينتشر ويستيقظ وتقوى عضلاته يوماً بعد يوم.
الآن يستحيل أن تحشر الأمة بالحديد والنار، لكي ينصرفوا عن دين الله وعن تطبيق شرع الله!! فليفعلوا ما شاءوا، في مصر أو الجزائر أو تونس أو أي مكان، فنهايتهم خسارة، وكانوا كلما حدثت أشياء في مصر يقولون: سنة الحسم مع الجماعات الأصولية، ويحسمه الله ويذهب ويأتي غيره، والإسلام باقٍ والحمد لله؛ لأنه ليس قضية جماعات كما يقولون.
ولكن يجب أن نصبر كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] وكما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، وكما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩] (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه:١٣٢]، العاقبة لنا بإذن الله، يستحيل أن يُقَاوَمَ هذا الدين.
في جمهوريات الاتحاد السوفيتي -كما يُسمى- ظنوا أنهم طمسوا هذا الدين ومحوه، ومع ذلك يأتون إلينا يحفظون كلام الله، ويتكلمون العربية الفصحى، ويطلبون منا كُتباً ما كنا نظن أنهم يعرفونها!! من يستطيع أن يحارب الله؟! ولكن كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك:٢٠] يظن الكافر أنه قد يقضي على كل شيء فيحدد موعداً معيناً، ويعقد المؤتمرات.
يقول من خلالها: هدف المؤتمر أو هدف الزيارة القضاء على الإرهاب، أو القضاء على الأصولية! غرور فقط!! وفي النهاية يذهب ويذهب سيده، ويذهب مؤتمره والحق باقٍ، والحمد لله.
فاطمأنوا فنحن لا نخاف -والحمد لله- بعد اليوم على هذا الدين، إنما نخاف على أنفسنا من ذنوبنا، من أخطاء الدعاة، ومن عيوبهم، وعدم صبرهم، وعدم تمسكهم بالحق، وتناصحهم فيما بينهم، ومن عدم التخطيط الواعي الجيد لمواجهة هذه الأحداث، فهذا الذي نخشى وهذا الذي نخاف.
أما أن نقول: ﴿إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض﴾، فهذه لا تقال الآن؛ لأن صحوة الأمة كلها في كل مكان، لو عذبت طائفة فطوائف كثيرة تقوم بالواجب؛ فاصبر يا أخي في مجتمعك وادع الله.
وأنا أقول لكثير من الإخوان: لأن تكون في هذا المجتمع داعيةً، صابراً، مجاهداً، ولو مسجوناً، خير لك من أن تهاجر إلى بلد تبحث عن عمل، أو تأوي إليه، فتهان وتضطهد ولا تعرف قيمتك، لأن قيمة كل إنسان في بلده، مهما كان، ونحن أمةٌ واحدةٌ وبلد واحد بلا شك، ولكن قيمتك في بلدك وبين عشيرتك، ولو كنت مسجوناً فستظل عندهم قضية هذا الدين قضية حية، لكن إذا غبت وابتعدت، وغيرك ابتعد، تركنا الأمة فريسة للإعلام المفسد الضال المضل، فتعود بعد سنين إلى بلدك، وتجدهم قد ابتعدوا كثيراً، وانقطعوا عن طريق الله المستقيم.
стр. 1524
مراتب الإنكار
السؤال
كثير من الناس يلومون بعض الدعاة على إنكاره بعض الأمور، ويقولون: يكفيك أن تنكر بقلبك، فأرجو أن توضحوا مراتب الإنكار باليد واللسان والقلب، وكيف يكون مراتب الناس على حسب أحوالهم؟
الجواب
الذي يلوم هو محاد لقوله ﷺ : ﴿من رأى منكم منكرا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه﴾ شاء ذلك أم أبى!! فهو يحاد قول رسول الله ﷺ الذي رتَّب الإنكار بحسب الاستطاعة، أنت في بيتك يجب أن تنهى وتأمر بيدك، لأنك في بيتك، أنت في إدارة المدرسة أو رئيس الإدارة فلتغير المنكر عملياً، فإن لم يكن كذلك كأن تكون فقط إماماً في الحي، ولا تستطيع أن تغير فيه إلا باللسان، فيجب أن تنكر بلسانك، أما الإنكار بالقلب فهذا أدنى المراتب، وهو لمن لم يستطع المرتبتين الأوليين، ولهذا قال: ﴿وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل﴾.
ثم ما معنى الإنكار بالقلب؟ الإنكار بالقلب ليس معناه: أن أعلم أنه حرام، وأن أعلم أنه منكر، فهذه معرفة القلب، وهناك فرق بين مجرد المعرفة وبين الإنكار، الإنكار معرفة مع شعور بالواجب وإحساس بالألم، كما قال بعض السلف: [[وددت لو أن جسمي يقرض بالمقاريض، وأن أحداً لم يعص الله ]]، يتمنى أن يقرض جسمه ولا يرى معصية.
فيجب أن تكون لديك غيرة على محارم الله، وغيرة على حدود الله، يتقطع قلبك ويتألم أن ترى المنكر، ولكن لا تستطيع أن تقول: إنه منكر، ولذلك تغضب ويتمعر وجهك، وتدعو الله أن يزيل هذا المنكر، وتبحث عن وسيلة لكي تستطيع أن تغير باللسان وهكذا.
هذا الإنكار بقلبك، ليس كإنكار الغافل الذي يمر على المنكر ويقول: أعلم أنه حرام، ثم يذهب، فهذا حال أدنى المراتب؛ فما بالك بما فوقها من المراتب؟! د فالإنكار هو على هذا المنكر هداه الله.
стр. 1525
قراءة سورة معينة عند الحج
السؤال
لقد ظهر في قريتنا بل على المناطق ظاهرة، لا أدري هل هي مبنية على دليل، وهي قولهم: إذا ذهبت الحج فاقرأ سورة يس أو غيرها من القرآن سبع مرات، فهل هذا صحيح، وهل يعمل به؟
الجواب
لم يصح عن رسول الله ﷺ أنه علّم ذلك أصحابه، والقرآن لا شك كله خير، وكله بركة، ولكن تخصيص سورة معينة وتقرأ بعدد معين، لا نعلم من ذلك شيئاً، إلا أن الواجب أو ينبغي على المسلم إذا خرج أن يدعو بأذكار الخروج وأذكار الطريق، وأن يسأل الله دائماً من فضله، يدعو في الصباح بأذكار الصباح، ويدعو في المساء بأذكار المساء، ويقرأ القرآن، والله -سبحانه- سوف يبارك له في ماله وفي وقته، ويستجيب له بإذن الله.
стр. 1526
نصيحة للمعلمين
السؤال
إن للمعلم دوراً في المجتمع، فهل من نصيحة لإخواننا المدرسين؟
الجواب
المعلم هو أكبر المربين في المجتمع هذه الأيام، لأني أنا وأنت والأخ الآخر، لو حسبنا كم نجلس مع أبنائنا، لوجدنا أن المعلم يجلس معهم أكثر مما أجلس أنا وأنت، وأنا لو كنت معلماً لجلستُ مع أبناء الناس أكثر مما أجلس مع أبنائي! إذاً هذا واجب عظيم ودور كبير على المعلم، فليكن أباً، وليكن واعظاً، وليكن معلماً، فلا يجعل من التعليم فقط أداء المنهج، إنما أب شفوق حنون عطوف، وواعظ يذكر طلابه ويرشدهم ويوجههم، ومعلم يعلمهم الخير ويعلمهم العلم الذي وُكل إليه أن يعلمهم إياه؛ لينال أجره حلالاً طيباً بإذن الله ﵎.
وأيما أمة صلح معلموها وصلحت مناهجها، فاعلم أنها إلى الصلاح أقرب، وصلاح المعلم به يصلح المنهج؛ لأن المعلم يستطيع أن يعلم أبناءه الحق، حتى ولو كان في المنهج خلل، فلو وجد خلل في المنهج ولكن المعلم داعية حكيم، فإنه يستطيع أن يوجه طلابه إلى ذلك، لو كان يعلم علماً لا منفعة له في الآخرة، فإن في استطاعته -أيضاً- أن يعلم أبناءه الخير وما يقربهم إلى الله وإلى الدار الآخرة، فلا شك أن واجبه كبير، ولا تتسع لتفصيله هذه الدقائق.
стр. 1527
أهمية إقامة الداعية في بلده
السؤال
تحدثت عن بقاء الداعية في بلده وبين عشيرته من أجل دعوتهم، وعدم الهجرة إلى أي بلد آخر لما يلاقيه من ذل واضطهاد، هل يكون ذلك إذا قدم إلى بلاد الإسلام الطاهرة، ليتعلم أمور دينه، في بلد الحرمين وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
إذا كان خروجك لطلب العلم في هذه البلاد أو غيرها، ثم تعود، فلا بأس؛ فإن هذا كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢] لكن أنا أتكلم بصفة عامة لئلا يفهم الناس أنه إذا وقعت محنة أو فتنة أو أزمة على الدعاة أن عليهم أن يخرجوا ويفرغوا البلد للمفسدين، وأن يقيموا في بلاد أخرى بلا إقامة، وبلا وسائل معيشة، وبلا أمور تعينهم على الحياة، فيهربون من ذل إلى ذل دون أن يحققوا الهدف المنشود.
стр. 1528
منكرات الزواج
السؤال
يسأل عن منكرات الزواج.
الجواب
منكرات الأعراس كثيرة، خذوا نموذجاً من حياتنا، الزواج في الإسلام وإلى عهد قريب من حياة آبائنا كان الزواج في أيامهم أمراً يسيراً، يخطب الرجل المرأة من أبيها وهما جالسان.
يقول لأبيها: هل تزوجني ابنتك؟ فإذا وافق، يأتي العاقد فيعقد بينهم، ثم يعملون حفلة بسيطة، وتأتي النساء التي عندها ثوب تلبسه، والتي ليس لديها تستعير، وذهبوا بها إلى العروس وانتهوا! أمور ليس فيها تعقيد، سهلة ميسرة، وكانت الأمة تعيش بهذا الوضع، جئنا الآن فجعلنا عقبات كبيرة بحيث لو اتفق على الزواج؛ لا بد أن يتفق الآن على أن الزواج في العطلة الكبيرة.
ونبدأ في التأثيث، وفي التعقيدات، والمطبلات، ثم ليلة الزواج أو قبلها أو بعدها، الروتين الطويل والمراسم الطويلة العريضة، وكأن الزواج شيء نادر لا يقام في البلد إلا مرة في السنة مثل العيد، كل الناس يتزوجون، وكل الخلق الذين أمامك هم إما ذكور وإما إناث، وكل واحد سيتزوج ما كتب الله له، لماذا التعقيد، والمفاخرة والمباهاة والترف والديون العظيمة؟! وغالباً ما تكون القطيعة وتكون المخاصمة بين الأرحام في ليلة الحفل، لأننا لا نخالف سنة من سنة رسول الله ﷺ إلا وجدنا عاقبة ذلك خصاماً وخسارة وذلاً في الدنيا قبل الآخرة، ولو أقمنا سنته ﷺ في أنفسنا وأحوالنا كلها، لرأينا الخير والسعادة، والراحة والنعمة بإذن الله سبحانه.
فمنكرات الأعراس كثيرة، وتعقيداتها كبيرة، وما ذكر الأخ إلا واحدة منها فيما يتعلق باستئجار المطبلات وغيرهن، نسأل الله أن يكفي المسلمين شرهن، وهذا من أخبث الكسب والعياذ بالله أن يكون كسب الإنسان كذلك.
стр. 1529
حكم العمل في البنك الربوي لمن لم يجد عملاً
السؤال
بحثت وأنا أعول أسرة ولم أجد أي عمل مناسب إلا أن أعمل في بنك القاهرة السعودي، هل أقبل هذا العرض؟
الجواب
لا تقبل العمل في أي بنك من البنوك حتى يلتزم بأمر الله، ويقيم دين الله، ويترك محاربة الله بهذا الربا، وأرجو أن يعوضك الله ﵎ خيراً، واصبر ولا بد بإذن الله أن تنال الخير، فعليك أن تصبر وتحتسب، وأن تبذل وتجتهد في أبواب الرزق وهي كثيرة، وهذا نتيجة تقصيرنا في التعاون، وهذا من الأشياء التي أقول: إنه لا بد أن ندرسها في الأحياء، وأن نوجد فرص عمل، لأي أخ في الحي، لا يشترط أن يكون مثل هذا الأخ، يمكن أن يكون عاملاً قادماً من بلاده في غربة ولا عمل له، ويحاول أن يجد فرصة ليعمل.
فنقول لهذا الأخ: لك أن تعمل في أي عمل مفيداً فإن أكثر الشباب اليوم الوظيفة عنده هي المصدر الأساسي، فيبحث عن الوظيفة مع أن هناك وسائل أخرى غير الوظيفة، ولو اتبعتها لفتح الله عليك، ولأصبح بعد سنوات صاحب الوظيفة يقول: ياليتني عملت مثل علمك، وكثيراً ما يفتح الله بمثل هذا، لكن نحن ضيقنا على أنفسنا.
الحمد لله بلد مثل هذا البلد، فيه خير كثير، وفيه كثافة سكانية كثيرة، وفيه مجالات عمل كثيرة، لا تنقصنا مجالات عمل أبداً، لكن ينقصنا تفكير في وسيلة عمل تكون مناسبة، فإذا كان لا يستطيع أن يفكر، أو يخطط، نفكر له نحن، جمعية الحي وجماعة المسجد في إيجاد فرص عمل، فأرجو من هذا الأخ أن يتقدم إلى مندوب الحي أو جماعة المسجد، ويفكروا ويتشاوروا في حال اجتماعهم في الحي في إيجاد هذا العمل وذلك إعانة له.
стр. 1530
من عليها قضاء صيام، وتريد صيام الست من شوال
السؤال
امرأة عليها قضاء صوم عدة أيام من رمضان، هل تستطيع أن تصوم الست قبل القضاء، وإذا صامت وكان نيتها بالصوم القضاء، وبعد ذلك غيَّرت نيتها فأرادت صيام الست قبل القضاء فما الحكم؟
الجواب
الأفضل أن تتم ما عليها من قضاء شهر رمضان، ثم تعقب على ذلك بصيام الست من شوال، أما تغيير النية بأن تصوم قضاء ثم تنوي أنها الست، فلا يصح ذلك؛ لأن النبي ﷺ يقول: ﴿إنما الأعمال بالنيات﴾، فما نوته قضاء فهو قضاء، وإن كانت قد نوت الست من شوال، فإنما صامت الست من شوال وليس القضاء، ولا تغير النية بعد أن تكون قد صامت، ويجوز لها أن تقضي إلى رمضان القادم، كما قالت عائشة ﵂: ﴿كان يكون علي الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان﴾ أي: الذي بعده، فلا بأس بذلك -إن شاء الله- على القول الآخر للعلماء، فبعض العلماء يرى أنه لا بأس أن يصوم الإنسان الست من شوال، ثم يتم قضاء ما عليه من رمضان؛ لأن النافلة وإن كانت نافلة وهي مؤخرة عن الفريضة، إلا أن النافلة إذا كان وقتها مضيقاً، فلا بأس أن يؤخر قضاء الفريضة إذا كان وقت القضاء موسعاً، وهذا على كل حال اجتهاد، وكل واحد من العلماء نظر نظرة، والأولى وهو ما يفتي به كبار علمائنا هنا في هذه البلاد، هو أن الأولى البدء بالصيام الواجب، ثم بعد ذلك يعقب بصيام التطوع، أو الست أو غيرها.
стр. 1531
صحون البث الفضائي
السؤال
أنا إمام مسجد، وبعض أهل الحي لا يصلون في المسجد، والبعض قد ركب دشوش على منازلهم فما هو واجبي نحوهم؟
الجواب
الصلاة أمرها هو كما بينا من قبل، وهذه الدشوش: هي تعبير عن شيء داخل في النفس، إذا رأيت هذه الصحون على العمائر، فهي تعبير عن انفتاح القلوب، واستعداد القلوب لاستقبال أي شيء يأتي من الخارج، فليست المشكلة الحديد والشبكة الصغيرة هذه، المشكلة استعدادنا من داخلنا للاستقبال، وإذا لم نقطع الاستعداد الداخلي، لاستقبال ما يبث علينا من أعداء الله، فيمكن أن نستقبله ولو من تحت الأرض، ليست المسألة مسألة الدش، فإنما هو وسيلة، إنما نحن أمة ضعفت عندها مفاهيم الإيمان والعقيدة، والتربية الإيمانية ضعفت: في وسائل الإعلام، في المساجد، في الأسواق؛ فبقدر هذا الضعف، نجد استقبالنا لما يبثه الكفار علينا.
يا أخي الكريم: المسلم المعتز بإيمانه وعقيدته، لو يعرض عليه المفسد أو الكافر أن يعطيه المال ويركب له الدش ويدخل عليه التلفزيون، لقال له: ما أقبل أبداً، فكيف أنا أشتريه بمالي وربما أتدين حتى آتي بهذا الفساد! هذا يدل على الخواء الداخلي في القلب والاستعداد للاستعمار.
ألم نقل نحن الآن: الاستعمار فعل بنا؟ ما ذنب الاستعمار، نحن لدينا قابلية للاستعمار الفكري أو المادي، والقابلية الموجودة لدينا جعلته يفعل فينا ما يشاء، يرسم مجلة، يبعث خطاباً، يبث أغنية ماجنة فيتلقفها الناس ويتتبعونها، فهل الذنب، واللوم عليه وحده، أو من يتلقفها ويتقبلها؟ إذاً: نحن الآن نفتح صدورنا، ونقول: يا أعداءنا افعلوا بنا ما شئتم! ونرحب بالتنصير والمجون والدعارة والفساد! افعلوا ما تشاءون فنحن مستعدون، وقلوبنا مفتوحة لكم بخوائها من معرفة الله ومن العقيدة الصحيحة ومن الموالاة والمعاداة.
ولذلك نُذَّكِر الأمة بالموالاة والمعاداة ووجوبها، حتى تعرف أن عدوك لا ينالك منه خير، ألم يوقف البث المباشر سنوات في أوروبا حتى تستطيع أوروبا الغربية، أن تواكب المحطات الأمريكية خشية وخوفاً على الغرب من أمريكا! باريس تخاف من فساد أمريكا! وما الفرق بينهما؟! مكة هي التي يجب أن تخاف الأرض الطاهرة هي التي يجب أن تخاف من الفساد العالمي، أما هم فما الفرق بينهم؟! هم يقولون: هذا غزو حضاري وتدفق حضاري مدمر، يدمر القيم، وهانحن نستقبله! وأنا أريد بهذا الكلام أن تخاطبوهم وتذكروهم بالله وتخوفوهم به من هذه الفتنة ومن غيرها، فإذا قطعت شجرة حب الدنيا والشهوة، فالعصافير المضللة تصبح ولا تجد ما تقع عليه؛ لأن الشجرة من أصلها استأصلت، فيجب أن تقطع شجرة الشهوات من قلوب الناس، وإلا فماذا يستفيد من يرى هذه المناظر؟! لا يستفيد شيئاً والله.
стр. 1532
الرجولة
تحدث الشيخ عن أهمية الرجولة، وأنها ذكرت في القرآن وصفاً للأنبياء، وبيَّن أن الرجولة الحقة تتمثل جلية في أعظم -الرجال محمد ﷺ ثم أجاب عن تساؤل طرحه وهو (أين محضن الرجولة؟) فبيَّن أنه المسجد، وتحدث عن بعض المحاضن الأخرى مبيناً أنها لا تغني عن المسجد، بل ذكر بعض مساوئها، ثم عقد مقارنة بين دور المسجد في العهد النبوي، ودوره في عصرنا الحاضر، وأرشد إلى ما ينبغي أن يكون عليه المسجد، داعياً إلى تعظيمه وتفعيل دوره الحقيقي في قيادة الأمة وتسيير شئونها.
ثم اختتم حديثه بالتبشير بظهور ملامح الرجولة الحقيقية في جيل الشباب، داعياً إلى تبنيها توجيهاً وترشيداً لتستفيد منها الأمة.
стр. 1533
أهمية الرجولة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ اللهم بك من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: فالرجولة أصل عظيم من أصول التربية على هذا الدين والإيمان به والدعوة إليه، وإنه حيثما توجد الرجولة، وحيثما تكون البطولة، فإنه يكون عزالدين ومنعته، وغلبة الحق وقيام الدعوة إلى الله، وإحياء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويجب أن نفرق بين مجرد الذكورة وبين الرجولة؛ فإن الله خلق الزوجين الذكر والأنثى، فجعل بني آدم زوجين إما ذكر أو أنثى، لكن ليس كل الذكور رجالاً.
стр. 1534
الرجولة في القرآن
الرجولة في القرآن وصف آخر فيه زيادة على مجرد الذكورة؛ فالله ﵎ بدأ بأنبيائه في هذا المنصب، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء:٧] والله ﵎ أرسل رجالاً مواقفهم الرجولية واضحة لمواجهة الفساد، والشرك، والطغيان، والانحراف، والجور، والظلم وكل ما من شأنه أن يخدش أمراً مما أنزله الله، ولذلك كانت تلك المواقف البطولية، التي لا يقفها إلا أعظم الرجال وأقواهم وأشجعهم: مثل وقوف إبراهيم الخليل ﵇ أمام النمرود، ووقوف موسى ﵇ أمام فرعون، ووقوف نوح ﵇ أمام أمة عاتية ماكرة ألف سنة إلا خمسين عاماً، ووقوف هود ﵇ أمام أمة مستكبرة متجبرة يبنون بكل ريع آية يعبثون، وإذا بطشوا؛ بطشوا جبارين، كما أخبر الله عنهم على لسان نبيه هود ﵇، وكل الأمم لا يقف لدعوتها ويتصدى لجبروتها إلا رجال.
стр. 1535
بطل الأبطال وأعظم الرجال
وإن أعظم هؤلاء الرجال هو خيرة الله ومصطفاه من خلقه محمد ﷺ ، ولو استعرضنا المواقف الرجولية لانقضى الليل كله وما زلنا نتحدث عن موقف واحد من مواقفه ﷺ ! يكفيه ﷺ من مواقف الرجولة أن يقف وحده، والناس كلهم قاموا ضده، وأن يدعو إلى الله ويحطم الأصنام جميعاً، ترتجف قلوب ملوك الروم والفرس منه ﷺ ، ولم يجف مداد صلح الروم بعد! كما ثبت ذلك في الصحيح وفي قصة هرقل.
أية رجولة هذه التي عُلِّمَها رسول الله ﷺ من ربه، وخَلَقَه وَجَبَلَه عليها، ثم عَلَّمها أصحابه من بعده صلوات الله عليه وعليهم أجمعين؟! أية رجولة أعظم من قيامه على الصفا لينذر عشيرته الأقربين؟! ثم ذلك الموقف الشجاع العظيم الذي وقفه في هجرته.
مواقفه العظيمه في الجهاد في سبيل الله إذ يخبر أصحابه ﷺ أنه لولا أن يشق عليهم لما بقي خلف سرية تخرج في سبيل الله، ولما تخلف عنها قط!! وقال أصحابه رضوان الله عليهم [[كنا إذا حمي الوطيس (اي اشتدت المعركة) احتمينا برسول الله ﷺ ]] وقد تمثل هذا الأمر يوم حنين إذ أقبلت هوازن وما أدراك ما هوازن؟! وقد أعدت وأجلبت؛ حتى قال بعض مسلمة الفتح ممن لم يتمكن الإيمان في قلبه: لن يردهم اليوم إلا البحر! وقال الآخر: بطل السحر اليوم! ومع ذلك وقف -صلوات الله وسلامه عليه- وقد كاد أن يتولى أكثر المسلمين، وقف ﷺ وهو ينادي: يا أصحاب بدر! يا أصحاب الشجرة! حتى اجتمعوا إليه ﷺ وهو ثابت في مكانه، ثم تحولت المعركة لصالح المسلمين، وانتصروا بفضل الله.
وهناك مواقف عظيمة في حياته ﷺ وحياة أصحابه الكرام في اليرموك، والقادسية، ونهاوند، وغيرها، لا تعد ولا تحصى، ولكننا سنضطر أن نتجاوزها كلها، لنتحدث عن أمر يجب أن يتنبه له المربون والدعاة الوعاظ فيما يتعلق بالرجولة، وهو من أين تنبع الرجولة؟ وأين توجد الرجولة؟ وكيف نربي في شبابنا الرجولة؟ كل منا يوصى ابنه كل يوم (كن رجلاً) (نريد أن تكون رجلاً) باختلاف اللهجات والمقصود منها واحد؛ فأين يكون محضن ومهد هذه الرجولة؟ وكيف نربيها؟ وكيف ننميها؟
стр. 1536
منبع البطولة
الله ﵎ عندما بعث محمداً ﷺ ، استجاب له الشباب، وكفر به الشيوخ؛ وإذا أردت أن تعرف دليلاً واضحاً على ذلك، فانظر كم عاش أصحابه ﷺ من بعده، عاشوا أربعين سنة وخمسين سنة ونحو ذلك، فهذا دليل على أنهم لو كانوا من جيله أو قريباً من جيله (كـ الصديق ﵁ لتوفي أكثرهم في حياته ﷺ ؛ بل كان أكثرهم شباباً! بل المساجد إنما يرتادها ويكثر فيها من المصلين في دهره ﷺ وإلى اليوم الشباب، ممن نقول إنهم الأطفال على سبيل التجوز وإلا فليسوا بأطفال، لماذا؟ لأن الله ﵎ عندما وصفهم، وصفهم بأنهم رجال فقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧].
لو أن كل واحد منا صحب أبناءه إلى المسجد لوجدنا أن أكثر من ثلاثة أرباع المسجد من الأطفال أو الشباب! أليس كذلك؟! إذا كان كل منا عنده أربعة أو ثلاثة أو اثنان أو خمسة، فيكون الأكثرية كذلك، فينطبق عليهم أنهم رجال، كيف خرجوا من الطفولة إلى الرجولة؟ هل هو بالانتقال إلى المرقص أو الملهى أو الملعب؟ لا والله؛ بل هو بالانتقال من البيت إلى المسجد، ينتقل هؤلاء من وصف الطفولة إلى وصف الرجولة كما دلَّ عليه كتاب الله.
إذن الرجل -أولاً- يتلقى مبادئ الرجولة من المسجد، انظر إلى من تراه رجلاً بجثته؛ لو قلت له: قم أمام الجماعة في قرية فقط وألقِ كلمة، أو تقدم صل بالناس (وهو مجرد ذكر ليس برجل) يخاف ولا يستطيع!! لكن لو أتيت إلى رجل من هؤلاء الرجال -حفظة القرآن- فإنه يتقدم ويصلي بنا ويقرأ الأجزاء الطويلة! أليس هذا رجلاً؟! هذه الرجولة من أين تعلمها؟ من المسجد، ولو قلت له: قم اخطب الجمعة، لقام وخطب! وهكذا تربى الصحابة الكرام على هذه الرجولة، وتنافسوا فيها.
وأبناء الصحوة الإسلامية المباركة كل من كان في ميدان من ميادين العلم والجهاد والدعوة، هؤلاء يجب علينا -نحن المربون- أن نعيد فيهم هذه الرجولة، ونربيهم على هذه الرجولة؛ إذ لا رجولة غيرها، وكل ما عداها فهو لهو، وعبث، وتضليل، بل ربما كان فتنة لهم، بل ربما كان إخراجاً لهم من دينهم وإيمانهم وعقيدتهم؛ فالرجولة إنما تنمو إذا اقترنت بإحياء المساجد، وبإقامة الدين، وبتحفيظ كتاب الله ﵎، وبالأمر بالمعروف، وبالنهي عن المنكر، وبالدعوة إلى الله ، هنالك يكون محضن الرجولة، وهنالك يصبح الصغير رجلاً، ويصبح بطلاً؛ كـ محمد بن القاسم، وطارق بن زياد، وأمثالهما من الفاتحين الذين فتحوا أمماً عظيمة، وهم في سن لا نقارنه ولا نقيسه إلا بشباب ما يسمى بالثانوية!
стр. 1537
التربية على الرجولة
وإنها والله مأساة، أن يكون أبناؤنا الذين لآبائهم ماضٍ عريقٍ في الجهاد والعلم والدعوة محرومين من التربية على تلك الرجولة؛ عندما تريد أن تتأكد وتطلع على هذا الحرمان فانظر على أي شيء يربى الطفل لو لم يربط بالمسجد، انظر إلى ذلك، وأين البطولة فيه؟ انظر إلى طفل نشأ في أحضان والدين غير متعلمين -لا نقل جاهلين؛ لأن هناك فرقاً بين الجهل وعدم العلم! الجهل من جهل الله ، وليس الذي لا يحسن القراءة والكتابة- وهما يريدان له الخير، ولكن الله لا يكلفهما ما لا يطيقان، هما لم يتربيا ولم يتعلما، فكيف يدعوانه إلى الله؟! مع أننا نعلم أنه لا يوجد أب وأم لا يدعوان ابنهم إلى الصلاح، إلا من مسخ الله!! فكلنا يتمنى أن يكون في ابنه من الخير والصلاح والهدى والاستقامة ما يجعله مضرب المثل في قريته وقبيلته، هكذا يريد منا آباؤنا وأمهاتنا لكنهم معذورن، فلا يجد الأبناء من يربيهم على هذه الرجولة.
فتتلقفهم المدرسة، أليس حراماً أن يمضي الطفل اثنتي عشرة سنة: ست في الابتدئية، وست في متوسط وثانوي، ثم يتخرج ولا تستطيع أن تصفه بأنه رجل! سبحان الله! أية تربية هذه؟! أين كان النبي ﷺ وأصحابه يربون؟! اثنتي عشر سنة كفيلة أن تحوله إلى طاقة، إلى شعلة، إلى قائد، إلى مجاهد، إلى عالم، إلى مفتٍ، إلى محدث، إلى فقيه، إلى نحوي، إلى لغوي، واقرءوا سير العلماء، في أي سن كانوا عندما بلغوا مبلغ الفتوى، والعلم، والحفظ، والجهاد، والدعوة؟! أي ظلم يُظلَمُه الفتى المسكين؟! الذي ولد وله نفس العقل الذي كان لأولئك، وفي نفس البيئة، ولكنه ظلم بأن يظل يدرس، ثم يدرس، وتمضي عليه هذه السنوات، ثم لا يكون مستحقاً أن يقال عنه رجل إلا القليل! وقد يقال: إنه ربما يعوض ذلك الإعلام، وربما يعوض ذلك المجتمع؛ وأظن أن الحديث في الإعلام أصبح من الكلام المكرر، والكلام فيه أشبه باللغو؛ لأنه لا يمكن أن يربي على خلق ولا على فضيلة ولا على جهاد، ولا تربى عليه نشء إلا نشأ في أودية أخرى!! لا نريد أن نتحدث عنها أصلاً؛ لأنها بعيدة عن الله واليوم الآخر والدار الآخرة، فهي لن تربطه بالله ولا بتقوى الله ولا بطاعة الله! إن قلب المجتمع النابض، إن حقيقة المجتمع، إن انتماء المجتمع مرتبط بأصل أصيل وركن ركين، وهو ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور:٣٦] إنه مرتبط بالمساجد هذا هو الأصل، وهذا هو المنطلق ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] سبحان الله! هكذا الرجولة، الرجولة مرتبطة ببيوت الله، بالطهارة، بالبيوت التي أسست على تقوى من الله، والتي رفعت بذكر الله، والتي هي لله .
стр. 1538
المسجد مدرسة الرجولة
стр. 1539
دور المسجد في العهد النبوي
كان مسجد رسول الله ﷺ هو دار الحكم، ودار القضاء، ومقر القيادة العسكرية، ومقر الفتوى، والعلم، ومقر ذوي الصدقات، والتبرعات، وغيرها، عدِّد ما شئت من ضرورات الأمة وأساسيات حياتها، أين تجدها؟! إنها في المسجد!! وهكذا كان الصحابة الكرام، من أين تخرج العلماء الذين درسوا على يد عبد الله بن مسعود ﵁، وعبد الله بن عباس ﵁، والذين حفظوا هذه الآلاف المروية عن أبي هريرة ﵁ الدوسي الجهراني ومعاذ؟ أين تعلموا؟ ثم العلماء من بعدهم الإمام أحمد ومالك والشافعي، وأولئك الأئمة الأعلام في الحديث وغيره، حتى اللغويون (علماء اللغة) أين كانوا يعلمون اللغة؟ سبحان الله! كل شيء كان ينطلق من المسجد! ولهذا نقلل من قدر المسجد جداً إذا سميناه جامعة! مع أن جامعاتنا ومعروفة الآن! ومعروف ماذا تخرج!! فلا أريد أن أقلل من شأنه، وأقول: "كان جامعة" إلا على سبيل التجوز، يؤخذ فيه كل أنواع العلوم فهو جامع وجامعة، ومقر قيادة، وإمارة، وحكم، ودعوة إلى الله .
стр. 1540
المسجد في عصرنا
لكن اليوم، أين مساجدنا؟! أين دورها في التربية والرجولة؟! لماذا أقفرت المساجد من المواعظ؟ لماذ أقفرت من حلقات العلم،؟! أين ذهبت حلقات تحفيظ القرآن الكريم؟! أين المربون، والمعلمون، والمفتون، والموجهون؟! أم أن المسجد للصلاة فقط؟! وحتى هذه قصرنا فيها!! نصلي مع تأخرٍ أحياناً أو تقاعس وتخلف، نصلِّى فيها ثم تقفل سبحان الله! ولذلك يعشعش في الأذهان ما يريد العلمانيون والمفسدون أن ينشروه من أن الدين لا علاقة له بالحياة، إذا كنت متديناً فصلِّ واخرج، وبعد ذلك إن أردت الربا فتعامل به! وإن أردت الاختلاط فهو ميسر! وإن أردت اللهو واللعب فله مجالاته! وله ميادينه ومؤسساته! أي لا يمكن أن تظل متديناً أو مرتبطاً بهذا الدين إلا بالارتباط بالمسجد!! والبعض لا يأتي إلا يوم الجمعة!! فبالله عليكم أية رجولة في أمة هذا حالها؟! إنها أبعد ما تكون عن حقيقة الرجولة؛ فيها ذكورة، ولكن الرجولة فيها قليل، هذا حالنا، وهذا حال مساجدنا؛ عندما حصرنا الدين بمعنى واحد هو جانب من جوانبه، وحصرنا عمل المسجد في ذلك، ثم نرجو خير الدنيا والآخرة!! كيف يأتي خير الدنيا من المطر والنعمة والغيث ودوام المال والرفاهية والصحة؟! وكيف نريد الجنة، ونريد الفوز برضا الله، ونريد أن نرى وجه الرحمن ﵎، وهذا مقام بيوت الله عندنا؟!
стр. 1541
المسجد وتعظيمه
الرسول ﷺ قام ذات يوم فافتقد امرأة -جارية سوداء- ليس لها أية قيمة في المجتمع؛ ولو ذكر الناس جميعاً، فإنها تنسى ولا تذكر، ماذا كانت تعمل؟ كانت تقمُّ المسجد، كانت تجمع النوى والعيدان من المسجد كما جاء في الحديث! هذا عملها فلم تكن تعظ في المسجد ولا تذكر ولا تعلم ولا تفتي؟ فافتقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها، ﴿قالوا: يارسول الله! إنها توفيت البارحة.
قال: وماذا فعلتم بها؟ قالوا: دفناها قالوا: كيف نزعج رسول الله ﷺ في الليل من أجل جارية أمة سوداء!! ما كان لها من عمل إذا خرج الناس من المسجد إلا أن تأتي فتجمع القمامة! فالصحابة حباً للرسول ﷺ وإيثاراً لراحته ﷺ رأوا أن الأمر قد قضي، ويكفي ﴿قال: هلا آذنتموني، أين قبرها؟ فانطلق وانطلق معه أصحابه، فصلى عليها صلوات الله وسلامه عليه!﴾ انظروا ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وهو إمام المتقين ﷺ .
والله! إن من يقم المسجد هو خير عند الله ممن يسكن القصور في معصية الله ! لكن كيف نعرف؟! مشكلتنا أننا كبَّرنا وعظَّمنا الدنيا وأهلها، وأصبحنا نتفاخر، يقول الله في القرآن: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] زينة وتفاخر وتكاثر!! وأصبحنا نقول: فلان عنده وعنده!! ومات فلان صاحب الأموال والمؤسسات وصاحب الملك! لكن لو مات واحد من السودان كان ينظف المسجد، قلنا: الله يرحمه، قال: ماذا كان عمله؟ وماذا كان عنده! والله لو أعدنا المعايير الشرعية كما في كتاب الله وكما تربى عليها الصحابة، لعظمنا بيوت الله، وعظمنا كل شيء يتعلق ببيوت الله ، يكفي أنه: ﴿من بنى مسجداً لله كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة﴾ الله أكبر، بيت في الجنة! سبحان الله بيوت الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، الشجرة فيها يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها!! هذه بيوت الجنة! لو عُظِّمت بيوتُ الله، لبنيت ورفعت وشيدت، كيف ترفع؟ ترفع حساً وترفع معنىً؛ أما رفعها حساً، فتكون أجمل وأنظف وأفضل، بشرط أن يخلو ذلك عن الأمور التي قد تدخل في المكروه والبدعة، ولكن تعظم ويختار لها الموقع المناسب، فيختار لها البناء الجميل والفرش الممتاز، وكل ما يخدم المرافق والمصالح والمنافع التي تتعلق بها، ثم ترفع معنىً (وهو المهم) ترفع في القلوب، وتعظم، ويُجلُّ كلُّ من كانت حياته وقيمته مستمدةً من هذا المسجد، وفي هذا المسجد؛ من جاء ليعلم أو يتعلم، من جاء ليعظ أو يستمع لذكر الله ويُوعَظ، فهذا هو الذي نحبه وهذا هو الذي نعظمه، وهذا هو الذي نقدره؛ كما عَظَّمَ صلوات الله وسلامه عليه شأن هذه الجارية ولم يستهن بعملها.
أكثر ما يشغل بال الشباب الزواج! ولا سيما مع هذه المصائب والفتن والمغريات والملهيات والمثيرات التي تريد أن تقحمهم إقحاماً في الرذيلة، والدعاة المضلون كما قال ﷺ : ﴿دعاة على أبواب جهنم﴾ ينعقون في كل إذاعة ومنبر ومجلة وصحيفة يريدون أن يغروهم بالرذيلة، هؤلاء الشباب ألم يفكروا في الجنة وما فيها من الحور العين؟ ألم يسألوا، ما هو مهر الحور العين؟ ألم يعلموا أن كنس قمامة المسجد هو المهر؟! كنس القمامة من المسجد هو مهر الحور العين، لماذا؟ هب أنني شاب نظيف ولا أريد أن أظهر أمام الناس إلا بأنظف مظهر، ولكنني من أجل بيت الله أذللت نفسي! ولكن لمن؟ لله، أما غير الله فلا نذل له، نذل لله ولكل من أمرنا الله أن نذل له من الطاعة، والمراد به وجه الله ، فإذا أتيت لأقم المسجد فأنا بهذا العمل أدفع مهر الحور العين.
ولذلك من عرف الله ، ومن عرف الجنة، والنار، ومن عرف قيمة ذكر الله، فليسابق إلى مثل هذه الأمور، إلى التنافس لإحياء بيوت الله، وإعمار بيوت الله، وإحياء ذكر الله ﵎ في كل مكان، أن يرفع النداء!! النداء الذي نسمعه، ولكننا نغفل عن معناه! من منا لا يسمع (الله أكبر)؟! من منا لا يسمع: (أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة وحي على الفلاح؟!) نسمعها لكن هل تدبرنا ووعينا معناها ومدلولها في حياتنا؟! كيف نقول: الله أكبر، ونسمع الله أكبر، ونأتي إلى بيت الله، ثم لا نُعظِّم بيت الله، ولا من دعا إلى الله، ولا من قام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مِن أبنائنا وممن يُعلِّم أبناءنا، لا لذاته ولا لشخصه، ولكن لارتباطه بهذا الدين، لأنه يدعو إلى الله وهو أكبر ﵎ من كل شيء؟! يجب أن يكون كل ارتباط في سبيل الله، وكل ما أريد به وجه الله أكبر عندنا من كل شيء، وأعظم من كل شيء! نحب أبناءنا إذا حفظوا كتاب الله، من يحفظ شيئاً من القرآن، يكون أحب الناس إليك في القرية أو في المدينة! وكذلك من يدعو إلى الله، ومن يعظ، ومن يذكر، تحبه لله، وفي الله، يرتبط قلبك بقلبه كما قال ﷺ : ﴿الأرواح جنود مجنده، ما تعارف منها ائتلف، وماتناكر منها اختلف﴾، يراك فيشعر أنك تحبه، وتشعر أنه يحبك؛ لأنه من جنود الله، ولأنه من أولياء الله، ولأنه ممن يأوي إلى بيت الله، ولأنه ممن يرفع ويعظم شعائر الله، هكذا يجب أن تكون أواصرنا القلبية، ومن هنا تعود إلينا البطولة فيصبح طفلنا وذكرنا وأنثانا وشاعرنا وفقهينا وعالمنا ونحوينا كلهم في ميزان واحد، وهو ميزان التقوى، ويصبح لهذه الأمة معنى آخر، وتنال موقعاً لا تستطيع أن تناله أية أمة في التاريخ.
стр. 1542
حياة القلوب وميزان التقوى
إن الله إنما يرفع الناس وإنما يضعهم بهذا الدين، هذا هو المعيار! الارتفاع والاتضاع بذكر الله، وبالتقرب إليه، وبعبادته ، وبالجهاد في سبيله، وفي بذل النفس والنفيس من أجله وحده لا شريك له، وإن غضب الناس فلا يضروك والله.
أبشركم وأطمئنكم أنه لا يدعو أحد إلى الله خالصاً من قلبه، مجتهداً في النصح لهذه الأمة، يريد لها الخير إلا ويلقي الله ﵎ محبته في قلوبها! هذه قاعدة! وهذه من أسرار القلوب التي لا تدخل تحت أنظار أهل الموازين الدنيوية، ولا يستطيعون أن يدركوها، بل هم أنفسهم يعجزون عنها، لماذا؟ لأن سرها عند الله ، قال ﷺ : ﴿إن الله إذا أحب عبداً، نادى جبريل ﵇ ياجبريل، إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض﴾ وأنت بحسك البسيط، وبنظرتك الأولية، انظر إلى وجوه اجتمعت على ذكر الله في بيت من بيوت الله، من القسمات من التعبيرات والعيون ترى الصفاء والخير والنور!! ثم انظر إلى وجوه قوم اجتمعوا على غير ذلك! ماذا تجد؟! المؤمن ينظر بنور الله، وغير المؤمن لا يستطيع أن يميز، لا يستطيع أن يرى؛ لكن الذي آتاه الله البصيرة والفراسة يميز بين الوجوه.
والله! إذا عرض عليك اجتماع تستطيع أن تقول هؤلاء يجتمعون على ذكر الله! أو تقول: هؤلاء يجتمعون على معصية الله! لماذا؟ لأن كل إناء بما فيه ينضح، لأن القلوب وما يعتلج فيها يظهر على صفحات الوجوه!! هذا سر أودعه رب العالمين لا يستطيع أحد من الناس أن ينفك عنه، بل السعيد من اكتشفه، ومن عرفه، ومن آتاه الله البصيرة، لكي يدركه ويستمتع به ويحمد الله ﵎ على هذا.
стр. 1543
جواذب القلوب
كل منا مر بهذه التجربة، لكن البعض أكثر من بعض، لماذا؟ لأن منا من نشأ مهتدياً وفي بيئة من الخير والإيمان، يأتي عليه العارض أو ماسماه الله تعالى ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف:٢٠١]، فيقع في ظلمة، فيحضر مجتمعاً للخير، فتنجلي عنه الظلمة، فيحمد الله ، والبعض قد يكون ممن مرت به حالة مظلمة جداً، ثم يرى شيئاً آخر، وأذكر تعبيراً عبر به رجل كان مغنياً مشهوراً ثم اهتدى!! حدثني أحد الإخوة من الدعاة، فقال: ذهبت إلى منطقة من مناطق المملكة، فدخلت إلى محل غناء لأعظ صاحبه، فإذا بفلبيني نصراني يريد شريط لـ كات استيفن، والكآبة تخنقه، فقُلت له: هل تعرف استيفن؟ فقال: نعم، فقلت: أتدري ما حصل له؟ قال: لا، فقلت: أسلم، قال: فأنا مسلم من الآن، ولا يدري ما هو الإسلام وذلك من شدة إعجاب الناس به! يوسف إسلام لما سئل: كيف شعورك؟ قال: لا أستطيع أن أعبر إلا أن أقول: إنني كنت في ظلمات بعضها فوق بعض، وخرجت إلى نور لا نهاية له.
سبحان الله!! الليلة الواحدة بملايين الجنيهات وبمئات الألوف من الجنيهات، والجماهير تعلق صورته على الصدور وفي كل مكان، وصاحب الدخان يقول: ضع سيجارة شركتي في فمك فقط وخذ كذا ملايين! وصاحب السيارة يقول: قف جوار السيارة، وضع يدك عليها، لنأخذ لك صورة وخذ كذا ملايين.
أدنى حركة يمكن أن يتحدثوا عنها؟! كيف حذاؤه! وهل يحب البطاطس؟! هل يأكل البيض؟! كل فعل يريدون أن يعرفوه! يعبدونه كما يعبدون الأصنام!! وهو يقول: والله مع هذا الشعور عند الناس، أنا أحتقر نفسي وبعد أن يغني يذهب إلى البيت لينعزل عن الناس كلهم بنفسه، يشعر بالنقص والاحتقار! ومن النماذج: امرأة أوروبية مشهورة، وإن كانت لم تسلم بعد، ونحن ما نزال في تواصل معها لتسلم ولكنها اعتزلت الفن كلياً؛ تقول: كلما أرجع إلى أي فيلم من أفلامي أقول: كم كنت سخيفة جداً عندما أمثل هذا! وكم قالت لي ابنتي الصغيرة أما كنت تستحين يا أماه وأنت تمثلين هذا الدور؟! سبحان الله!
стр. 1544
المحاسبة والرجولة
الذل داخل الأعماق!! لكن من الذي يراه؟! لا بد أن يحاسب الإنسان منا نفسه ويتفقد موازينها؛ حتى يكون رجلاً، انظر إلى نفسك، إلى قلبك، معيارك وميزانك بين جنبيك، بين أضلاعك، انظر إلى قلبك، إلى إيمانك متى يزداد؟ متى ينقص؟ انظر في قلبك وإلى منزلة شعائر الله والقائمين بها في هذه الأرض، واعلم أن موقعك عند الله من كرامته ومنزلته عندك، من الإقبال لتعظيم شعائر الله، ومن إحيائك لذكر الله، ومن حبك لبيوت الله، ولحلقات تحفيظ القرآن، ولندوات العلم والخير والهدى والصلاح.
стр. 1545
فقدان الرجولة
ومن أراد أن يفقد معاني الرجولة فلينظر إلى الطرف الآخر، انظر إلى أصحاب اللهو، والغناء، والسكر، والعربدة، والفجور، هل يمكن أن يتصفوا بهذه الصفة النبيلة، صفة الرجولة؟؟ إن الرجولة تجمع صفات الغيرة، أو الشجاعة، والكرم، والنبل، فهل يتصف بها أصحاب اللهو والغناء والسكر والفجور؟! هيهات! إن أحد هؤلاء إذا شرب المخدرات أو إذا سهر من أجل المجون والخلاعة، جاءت الدياثة في بيته! فرضيها أو لم يعلم عنها!! هكذا واقعهم، تُفقَد الرجولة!! يمسخ الإنسان! كما أنه يفقد صفة عظيمة من صفات الرجولة وهي الكرم، والكرم لا يتصف به إلا الرجال، هل عند هؤلاء السكارى والعرابدة كرم؟! لا، بل هم أبخل الناس.
إن المضيع للصلاة ولطاعة الله يبخل حتى على أبيه وعلى أمه بالريال أو بالدرهم، فإذا جاءه الصاحب في الخبث والفجور، يدفع ويتبرع ويستدين وأكثرهم مَدِين من أجل اللهو والفساد! لا ينفقه على أهله وأولاده!! بل يضيعهم ويحرمهم من ضرورات الحياة من أجل متعة محرمة، أين الرجولة؟! لا عرض، ولا غيرة، ولا مسئولية، ولا كرم! أين الرجولة؟ إنهم يفقدون حتى معاني الرجولة المعروفة لدى الجميع والبدهية لدى الجميع، والتي هي أقل من الرجولة الحقيقية التي يعرفها المؤمنون.
следующие страницы →