Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
المسجد وتعظيمه
الرسول ﷺ قام ذات يوم فافتقد امرأة -جارية سوداء- ليس لها أية قيمة في المجتمع؛ ولو ذكر الناس جميعاً، فإنها تنسى ولا تذكر، ماذا كانت تعمل؟ كانت تقمُّ المسجد، كانت تجمع النوى والعيدان من المسجد كما جاء في الحديث! هذا عملها فلم تكن تعظ في المسجد ولا تذكر ولا تعلم ولا تفتي؟ فافتقدها رسول الله ﷺ فسأل عنها، ﴿قالوا: يارسول الله! إنها توفيت البارحة.
قال: وماذا فعلتم بها؟ قالوا: دفناها قالوا: كيف نزعج رسول الله ﷺ في الليل من أجل جارية أمة سوداء!! ما كان لها من عمل إذا خرج الناس من المسجد إلا أن تأتي فتجمع القمامة! فالصحابة حباً للرسول ﷺ وإيثاراً لراحته ﷺ رأوا أن الأمر قد قضي، ويكفي ﴿قال: هلا آذنتموني، أين قبرها؟ فانطلق وانطلق معه أصحابه، فصلى عليها صلوات الله وسلامه عليه!﴾ انظروا ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وهو إمام المتقين ﷺ .
والله! إن من يقم المسجد هو خير عند الله ممن يسكن القصور في معصية الله ! لكن كيف نعرف؟! مشكلتنا أننا كبَّرنا وعظَّمنا الدنيا وأهلها، وأصبحنا نتفاخر، يقول الله في القرآن: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] زينة وتفاخر وتكاثر!! وأصبحنا نقول: فلان عنده وعنده!! ومات فلان صاحب الأموال والمؤسسات وصاحب الملك! لكن لو مات واحد من السودان كان ينظف المسجد، قلنا: الله يرحمه، قال: ماذا كان عمله؟ وماذا كان عنده! والله لو أعدنا المعايير الشرعية كما في كتاب الله وكما تربى عليها الصحابة، لعظمنا بيوت الله، وعظمنا كل شيء يتعلق ببيوت الله ، يكفي أنه: ﴿من بنى مسجداً لله كمفحص قطاة بنى الله له بيتاً في الجنة﴾ الله أكبر، بيت في الجنة! سبحان الله بيوت الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، الشجرة فيها يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها!! هذه بيوت الجنة! لو عُظِّمت بيوتُ الله، لبنيت ورفعت وشيدت، كيف ترفع؟ ترفع حساً وترفع معنىً؛ أما رفعها حساً، فتكون أجمل وأنظف وأفضل، بشرط أن يخلو ذلك عن الأمور التي قد تدخل في المكروه والبدعة، ولكن تعظم ويختار لها الموقع المناسب، فيختار لها البناء الجميل والفرش الممتاز، وكل ما يخدم المرافق والمصالح والمنافع التي تتعلق بها، ثم ترفع معنىً (وهو المهم) ترفع في القلوب، وتعظم، ويُجلُّ كلُّ من كانت حياته وقيمته مستمدةً من هذا المسجد، وفي هذا المسجد؛ من جاء ليعلم أو يتعلم، من جاء ليعظ أو يستمع لذكر الله ويُوعَظ، فهذا هو الذي نحبه وهذا هو الذي نعظمه، وهذا هو الذي نقدره؛ كما عَظَّمَ صلوات الله وسلامه عليه شأن هذه الجارية ولم يستهن بعملها.
أكثر ما يشغل بال الشباب الزواج! ولا سيما مع هذه المصائب والفتن والمغريات والملهيات والمثيرات التي تريد أن تقحمهم إقحاماً في الرذيلة، والدعاة المضلون كما قال ﷺ : ﴿دعاة على أبواب جهنم﴾ ينعقون في كل إذاعة ومنبر ومجلة وصحيفة يريدون أن يغروهم بالرذيلة، هؤلاء الشباب ألم يفكروا في الجنة وما فيها من الحور العين؟ ألم يسألوا، ما هو مهر الحور العين؟ ألم يعلموا أن كنس قمامة المسجد هو المهر؟! كنس القمامة من المسجد هو مهر الحور العين، لماذا؟ هب أنني شاب نظيف ولا أريد أن أظهر أمام الناس إلا بأنظف مظهر، ولكنني من أجل بيت الله أذللت نفسي! ولكن لمن؟ لله، أما غير الله فلا نذل له، نذل لله ولكل من أمرنا الله أن نذل له من الطاعة، والمراد به وجه الله ، فإذا أتيت لأقم المسجد فأنا بهذا العمل أدفع مهر الحور العين.
ولذلك من عرف الله ، ومن عرف الجنة، والنار، ومن عرف قيمة ذكر الله، فليسابق إلى مثل هذه الأمور، إلى التنافس لإحياء بيوت الله، وإعمار بيوت الله، وإحياء ذكر الله ﵎ في كل مكان، أن يرفع النداء!! النداء الذي نسمعه، ولكننا نغفل عن معناه! من منا لا يسمع (الله أكبر)؟! من منا لا يسمع: (أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله حي على الصلاة وحي على الفلاح؟!) نسمعها لكن هل تدبرنا ووعينا معناها ومدلولها في حياتنا؟! كيف نقول: الله أكبر، ونسمع الله أكبر، ونأتي إلى بيت الله، ثم لا نُعظِّم بيت الله، ولا من دعا إلى الله، ولا من قام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مِن أبنائنا وممن يُعلِّم أبناءنا، لا لذاته ولا لشخصه، ولكن لارتباطه بهذا الدين، لأنه يدعو إلى الله وهو أكبر ﵎ من كل شيء؟! يجب أن يكون كل ارتباط في سبيل الله، وكل ما أريد به وجه الله أكبر عندنا من كل شيء، وأعظم من كل شيء! نحب أبناءنا إذا حفظوا كتاب الله، من يحفظ شيئاً من القرآن، يكون أحب الناس إليك في القرية أو في المدينة! وكذلك من يدعو إلى الله، ومن يعظ، ومن يذكر، تحبه لله، وفي الله، يرتبط قلبك بقلبه كما قال ﷺ : ﴿الأرواح جنود مجنده، ما تعارف منها ائتلف، وماتناكر منها اختلف﴾، يراك فيشعر أنك تحبه، وتشعر أنه يحبك؛ لأنه من جنود الله، ولأنه من أولياء الله، ولأنه ممن يأوي إلى بيت الله، ولأنه ممن يرفع ويعظم شعائر الله، هكذا يجب أن تكون أواصرنا القلبية، ومن هنا تعود إلينا البطولة فيصبح طفلنا وذكرنا وأنثانا وشاعرنا وفقهينا وعالمنا ونحوينا كلهم في ميزان واحد، وهو ميزان التقوى، ويصبح لهذه الأمة معنى آخر، وتنال موقعاً لا تستطيع أن تناله أية أمة في التاريخ.
стр. 1542
حياة القلوب وميزان التقوى
إن الله إنما يرفع الناس وإنما يضعهم بهذا الدين، هذا هو المعيار! الارتفاع والاتضاع بذكر الله، وبالتقرب إليه، وبعبادته ، وبالجهاد في سبيله، وفي بذل النفس والنفيس من أجله وحده لا شريك له، وإن غضب الناس فلا يضروك والله.
أبشركم وأطمئنكم أنه لا يدعو أحد إلى الله خالصاً من قلبه، مجتهداً في النصح لهذه الأمة، يريد لها الخير إلا ويلقي الله ﵎ محبته في قلوبها! هذه قاعدة! وهذه من أسرار القلوب التي لا تدخل تحت أنظار أهل الموازين الدنيوية، ولا يستطيعون أن يدركوها، بل هم أنفسهم يعجزون عنها، لماذا؟ لأن سرها عند الله ، قال ﷺ : ﴿إن الله إذا أحب عبداً، نادى جبريل ﵇ ياجبريل، إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه؛ فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض﴾ وأنت بحسك البسيط، وبنظرتك الأولية، انظر إلى وجوه اجتمعت على ذكر الله في بيت من بيوت الله، من القسمات من التعبيرات والعيون ترى الصفاء والخير والنور!! ثم انظر إلى وجوه قوم اجتمعوا على غير ذلك! ماذا تجد؟! المؤمن ينظر بنور الله، وغير المؤمن لا يستطيع أن يميز، لا يستطيع أن يرى؛ لكن الذي آتاه الله البصيرة والفراسة يميز بين الوجوه.
والله! إذا عرض عليك اجتماع تستطيع أن تقول هؤلاء يجتمعون على ذكر الله! أو تقول: هؤلاء يجتمعون على معصية الله! لماذا؟ لأن كل إناء بما فيه ينضح، لأن القلوب وما يعتلج فيها يظهر على صفحات الوجوه!! هذا سر أودعه رب العالمين لا يستطيع أحد من الناس أن ينفك عنه، بل السعيد من اكتشفه، ومن عرفه، ومن آتاه الله البصيرة، لكي يدركه ويستمتع به ويحمد الله ﵎ على هذا.
стр. 1543
جواذب القلوب
كل منا مر بهذه التجربة، لكن البعض أكثر من بعض، لماذا؟ لأن منا من نشأ مهتدياً وفي بيئة من الخير والإيمان، يأتي عليه العارض أو ماسماه الله تعالى ﴿طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف:٢٠١]، فيقع في ظلمة، فيحضر مجتمعاً للخير، فتنجلي عنه الظلمة، فيحمد الله ، والبعض قد يكون ممن مرت به حالة مظلمة جداً، ثم يرى شيئاً آخر، وأذكر تعبيراً عبر به رجل كان مغنياً مشهوراً ثم اهتدى!! حدثني أحد الإخوة من الدعاة، فقال: ذهبت إلى منطقة من مناطق المملكة، فدخلت إلى محل غناء لأعظ صاحبه، فإذا بفلبيني نصراني يريد شريط لـ كات استيفن، والكآبة تخنقه، فقُلت له: هل تعرف استيفن؟ فقال: نعم، فقلت: أتدري ما حصل له؟ قال: لا، فقلت: أسلم، قال: فأنا مسلم من الآن، ولا يدري ما هو الإسلام وذلك من شدة إعجاب الناس به! يوسف إسلام لما سئل: كيف شعورك؟ قال: لا أستطيع أن أعبر إلا أن أقول: إنني كنت في ظلمات بعضها فوق بعض، وخرجت إلى نور لا نهاية له.
سبحان الله!! الليلة الواحدة بملايين الجنيهات وبمئات الألوف من الجنيهات، والجماهير تعلق صورته على الصدور وفي كل مكان، وصاحب الدخان يقول: ضع سيجارة شركتي في فمك فقط وخذ كذا ملايين! وصاحب السيارة يقول: قف جوار السيارة، وضع يدك عليها، لنأخذ لك صورة وخذ كذا ملايين.
أدنى حركة يمكن أن يتحدثوا عنها؟! كيف حذاؤه! وهل يحب البطاطس؟! هل يأكل البيض؟! كل فعل يريدون أن يعرفوه! يعبدونه كما يعبدون الأصنام!! وهو يقول: والله مع هذا الشعور عند الناس، أنا أحتقر نفسي وبعد أن يغني يذهب إلى البيت لينعزل عن الناس كلهم بنفسه، يشعر بالنقص والاحتقار! ومن النماذج: امرأة أوروبية مشهورة، وإن كانت لم تسلم بعد، ونحن ما نزال في تواصل معها لتسلم ولكنها اعتزلت الفن كلياً؛ تقول: كلما أرجع إلى أي فيلم من أفلامي أقول: كم كنت سخيفة جداً عندما أمثل هذا! وكم قالت لي ابنتي الصغيرة أما كنت تستحين يا أماه وأنت تمثلين هذا الدور؟! سبحان الله!
стр. 1544
المحاسبة والرجولة
الذل داخل الأعماق!! لكن من الذي يراه؟! لا بد أن يحاسب الإنسان منا نفسه ويتفقد موازينها؛ حتى يكون رجلاً، انظر إلى نفسك، إلى قلبك، معيارك وميزانك بين جنبيك، بين أضلاعك، انظر إلى قلبك، إلى إيمانك متى يزداد؟ متى ينقص؟ انظر في قلبك وإلى منزلة شعائر الله والقائمين بها في هذه الأرض، واعلم أن موقعك عند الله من كرامته ومنزلته عندك، من الإقبال لتعظيم شعائر الله، ومن إحيائك لذكر الله، ومن حبك لبيوت الله، ولحلقات تحفيظ القرآن، ولندوات العلم والخير والهدى والصلاح.
стр. 1545
فقدان الرجولة
ومن أراد أن يفقد معاني الرجولة فلينظر إلى الطرف الآخر، انظر إلى أصحاب اللهو، والغناء، والسكر، والعربدة، والفجور، هل يمكن أن يتصفوا بهذه الصفة النبيلة، صفة الرجولة؟؟ إن الرجولة تجمع صفات الغيرة، أو الشجاعة، والكرم، والنبل، فهل يتصف بها أصحاب اللهو والغناء والسكر والفجور؟! هيهات! إن أحد هؤلاء إذا شرب المخدرات أو إذا سهر من أجل المجون والخلاعة، جاءت الدياثة في بيته! فرضيها أو لم يعلم عنها!! هكذا واقعهم، تُفقَد الرجولة!! يمسخ الإنسان! كما أنه يفقد صفة عظيمة من صفات الرجولة وهي الكرم، والكرم لا يتصف به إلا الرجال، هل عند هؤلاء السكارى والعرابدة كرم؟! لا، بل هم أبخل الناس.
إن المضيع للصلاة ولطاعة الله يبخل حتى على أبيه وعلى أمه بالريال أو بالدرهم، فإذا جاءه الصاحب في الخبث والفجور، يدفع ويتبرع ويستدين وأكثرهم مَدِين من أجل اللهو والفساد! لا ينفقه على أهله وأولاده!! بل يضيعهم ويحرمهم من ضرورات الحياة من أجل متعة محرمة، أين الرجولة؟! لا عرض، ولا غيرة، ولا مسئولية، ولا كرم! أين الرجولة؟ إنهم يفقدون حتى معاني الرجولة المعروفة لدى الجميع والبدهية لدى الجميع، والتي هي أقل من الرجولة الحقيقية التي يعرفها المؤمنون.
стр. 1546
الرجولة الحقيقية
إن الرجولة الحقيقية بمعناها العميق العظيم والتي يتصف بها المؤمنون هي: إيقاظ القلب، وتحريك الجوارح، وابتعاث الهمة؛ لإعلاء دين الله ﵎، وإرغام أنوف الكافرين والمنافقين والجاحدين والمعاندين من أجل كلمة الحق، من أجل (الله أكبر)، من أجل (لا إله إلا الله)، هذه هي الرجولة التي يجب أن نتربى عليها ويجب أن نتعلمها.
стр. 1547
بشائر الرجولة
وإننا لنحمد الله ، ونفرح ونفخر بأن هذه المعاني بدأت تنغرس في القلوب، بدأنا نشاهد حلقات التحفيظ، نشاهد الاجتماعات الخيرة الطيبة، نشاهد احترام العلم، وافتتاح مكتبات وتسجيلات إسلامية، انتشار الكتيب الإسلامي بل الكتاب الإسلامي، انتشار المؤسسات والمدارس الخيرية، والأعمال التعاونية في كل مكان، ونتفاءل بقول القائل:
إن الهلال إذا رأيت بدوه أيقنت أن سيصير بدراً كاملا
ويقول الآخر: أول الغيث قطرة؛ فأصبحنا نرى من أبناء أمتنا من تخرج وتعلم، وإذا به منارة في منطقته وفي قريته! وإذا الناس كلهم -شيخ القبيلة أو شيخ القرية والأمناء والإمام والناس- يحبونه بينما تراهم يكرهون ذلك الفاجر العاصي الذي يتبع اللهو واللعب، ويرتكب ماحرم الله.
لكن يحتاج الخير منا إلى دعم، وإلى تشجيع، وتأييد، ومساندة، وأن نشترك في الخير، ونتسابق إليه، ونتنافس عليه، كل منا بقدر ما يستطيع، من لم يجد إلا الدعاء فليدع، فليحب الدين والخير والصلاح والإيمان والتقوى والفضيلة، وحفظة كتاب الله ، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، أَحِبَّهم، ادعُ الله لهم؛ فهذا وحده خير عظيم.
وإن استطعت أكثر من ذلك فافعل، لماذا؟ لأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، ومقام الرجولة يقتضي منك أكبر من ذلك، لكن أقل شيء أن تحبهم، وأن تدعو لهم، وأن تعلم أبناءك، وأن تغبط من الآباء كل من كان ابنه حافظاً لكتاب الله ومقيماً لحدود الله نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى إنه جواد كريم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1548
المستقبل للإسلام
بدأ الشيخ حفظه الله حديثه عن مستقبل الإنسانية، ثم تطرق إلى حضارة الرجل الأبيض كما تسمى مبيناً أنها زائلة، باستقراء أحوال الحضارات الماضية، ومستدلاً بكلام كبار فلاسفة الغرب وأدبائهم.
ثم تحدث عن معارك آخر الزمان بين المسلمين والنصارى واليهود، وبشر أن النصر سيكون للإسلام.
ثم سلط الضوء على شيء من عدالة الغرب المزعومة، موضحاً أن العدل كل العدل في الإسلام، وأن الإسلام هو الدين المسيطر والمهيمن على ما سواه، وداعياً إلى الوثوق بموعود الله تعالى لأهل دينه.
стр. 1549
حضارة الغرب في الميزان
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد المبعوث رحمة للعالمين، بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً.
أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونحمد الله ﵎ الذي وفقنا لنتحدث عن أمرٍ عظيم جليل يهم كل مسلم ومؤمن وغيور وداعية، ألا وهو مستقبل الحضارة الإنسانية، ومستقبل الجنس البشري على هذه الأرض.
لمن سيكون المستقبل في هذا العالم الذي يموج ويضطرب بالأحداث ويتفاعل بالقضايا؟ حتى أصبح هذا الكوكب الأرضي مسرحاً ومعتركاً للأفكار والآراء، وللحروب والعقائد المختلفة، فمن الذي سيفوز في النهاية؟ وأي دين أو جنس أو مبدأ سوف يسيطر على هذه البقعة من كون الله وخلقه؟ إن الحديث عن المستقبل لا بد أن يسبقه حديث عن الحاضر، فالحاضر هو الطريق إلى المستقبل، بل هو جزء منه في الحقيقة؛ لأنه بدايته، إذاً لا بد من النظر إلى الحاضر الذي نعيشه اليوم.
فمن الذي يقود الإنسانية؟ ومن الذي يتحكم في الجنس البشري؟ ومن الذي يسيطر -ولو ظاهراً- على هذا الكوكب؟ لننطلق بعد ذلك لمعرفة المستقبل، ولمن سيكون، والغيب عند الله ﵎، ولكن الله قد أظهرنا على شيء منه فيما يتعلق بهذه القضية، وأودع سنناً كونية من تأملها، وكان لديه بصيرة بعواقب الأمور عرف ما ستؤول إليه الأحداث.
إن الحاضر الذي نعيشه اليوم لا يخفى على أحد ذي اطلاع في هذه الدنيا أن الحضارة المتحكمة في هذا الزمن هي الحضارة الغربية، ونحن عندما نتحدث عن أوروبا أو الحضارة الغربية فإننا نعني بذلك الامتداد الطبيعي، أو الفكري للقارة الأوروبية، أي: الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي بكلا النظريتين، وبجميع الدول التي تخضع لهاتين الفكرتين.
стр. 1550
حضارة الرجل الأبيض
هذه الحضارة الغربية هي التي تتحكم اليوم في الجنس الإنساني فكرياً ومادياً - ولو ظاهراً - وهي التي عبر عنها الفيلسوف الغربي الكبير برتراند رسل حين سماها: قيادة الرجل الأبيض، أي: الجنس الذي سماه الله في القرآن، وسماه النبي ﷺ (الروم) أو الجنس الرومي، كما سيتبين لنا من الأحاديث التي تطلق في الكتاب والسنة على هذه القارة اسم الروم.
لأن الامبراطورية الرومية والتي كان زعيمها هرقل، هي التي كانت تتحكم في هذه المنطقة من العالم، بل في بلاد الشام ومصر قبل أن يفتحها المسلمون، فكلمة الغرب أو الحضارة الغربية أو أوروبا هي التي ترِد بمعنى الروم.
فالحضارة الغربية هي التي تتحكم اليوم في قيادة العالم مادياً وفكرياً، فهل هنالك من ضمانات لاستمرار هذه القيادة؟ أم أن هنالك مؤشرات وعوامل واضحة للانهيار، وبناءً على ذلك يكون بلا شك مستقبل البشرية؟ الواقع أننا لا نتكلم كلاماً عاطفياً، فلدينا الأدلة الصحيحة الصريحة على أن المستقبل للإسلام، وإن غَضب الروم، وإن كَثروا، وإن قَووا.
стр. 1551
مؤشرات انهيار حضارة الغرب
نحن لن نتكلم بمجرد العاطفة، أو بمجرد التفاؤل، إنما نتكلم بمنطلق النظر في هذه النصوص الشرعية، وهي كافية وفيها الغنى بلا شك، ولكن لكي يكون الإقناع التام، ولكي تكون الفكرة الواضحة، لننظر ولننتهج المنهج العقلي الحيادي المجرد ونحن نبحث في هذه المسألة.
يقول برتراند رسل: "لقد انتهى دور الرجل الأبيض"، وقبله كتبت كتابات لم يكتبها أشخاص متشائمون، وإنما فلاسفة الغرب، وعباقرة الغرب بأنفسهم قرروا وكتبوا عن مصير الحضارة الغربية والأمثلة على ذلك كثيرة.
ومن أوضح الكتب على ذلك كتاب أُلف في العشرينات من هذا القرن، وهو كتاب (انحطاط الغرب أو سقوط الغرب) الذي ألفه الفيلسوف والمفكر الألماني رسوالد شبنجلر وهو كتاب ضخم ترجم للغة العربية باسم تدهور الحضارة الغربية ترجمه أحمد الشيباني، وملخص ما ورد في هذا الكتاب، على طوله وسعته، أن هنالك عوامل ومؤشرات معينة إذا ظهرت في أي حضارة من الحضارات فإن مآلها إلى السقوط.
فقد درس هذا المفكر الحضارة المجوسية، والحضارة اليونانية، والحضارة الرومانية، وإلى حد ما الحضارة التي يسميها العربية وهي الحضارة الإسلامية، ثم الحضارة الغربية فوجد أن كل عامل من عوامل الانهيار في أي حضارة من الحضارات المنهارة البائدة موجود ومتحقق في الحضارة الغربية، ودرس ذلك كثير من الأدباء، منهم على سبيل المثال (جورج أورويل)، بل ظهرت طبقة من الأدباء الغربيين هي الطبقة التي سماها كولن ولسن اللامنتمي، وهم مجموعة من الأدباء من السويد والنرويج وبريطانيا وفرنسا وغيرها وهؤلاء يطلق عليهم اسم اللامنتمي، وهؤلاء كلهم ينذرون بانهيار الحضارة، ومتشائمون بإفلاس الحضارة الغربية إفلاسا مريعاً ذريعاً.
ولعلنا نستعرض قضيه واحدة، وما أكثر القضايا والمؤشرات التي تدل على إفلاس الحضارة الغربية، لكن هناك قضية واحدة قد تعجبون لها، وهي فعلاً جديرة بأن يتعجب لها.
يقول (شبنجلر) لما نظر إلى الحضارات جميعاً وجد أن هناك عاملاً مشتركاً، بمثابة القاسم المشترك الذي تنهار الحضارات به، فما هو هذا العامل؟ قال: إذا خرجت المرأة من البيت -إذا تركت المرأة دورها كأم- لتعمل وخالطت الرجال؛ ونافستهم فيما خلقوا له، فإن ذلك من عوامل انهيار الحضارات، فيقول: إن هذا قد وجد في الحضارة اليونانية، ووجد في الحضارة الرومانية، ووجد في الحضارة المجوسية، وهو الآن متحقق في الحضارة الغربية.
وهو يكتب هذا الكلام في بداية الثلث الأول من هذا القرن، قبل أن يصل خروج المرأة إلى الحال الذي وصل إليه الآن، وقبل أن يتحقق الأمر الذي ربما لم يجر له على بال.
فهو يقرر هذه القاعدة، فالرومان انهارت حضارتهم في الوقت الذي كانت فيه المسارح الرومانية المختلطة في قوة المجد والأبهة والنشاط، فكان ذلك أحد العوامل في انهيارها، وكذلك الحال في الحضارة الغربية، ويستدل على ذلك بشواهد من كلام الأدباء والمؤرخين الأوروبيين في عصره، على أن الحضارة الغربية سيكون مصيرها إلى السقوط والانهيار، وأن أحد هذه العوامل الواضحة الجلية هو خروج المرأة من البيت ومشاركتها للرجل في العمل.
وحقيقة المسألة هي: أن الأمة التي تكون المرأة فيها أماً، هي أمةٌ متجددة الشباب بطبيعة الحال، ولهذا يلاحظ أن الأمم الشرقية عامة كـ الهند والصين، ممكن أن يتجدد شبابها في أي قرن وفي أي مرحلة من المراحل، أما الضعف التكنولوجي فيمكن أن يعوض وأن يأتي جيل جديد ويستوعب التكنولوجيا وينطلق ويحقق تقدماً حضارياً، لكن الأمة التي تخرج المرأة فيها من البيت وتشارك الرجل في العمل هذه أمة هرمة، ستهرم بعد جيلين أو بعد ثلاثة، فمهما يكن فإنها ستهرم.
وكما قال المؤرخ الإنجليزي العالمي المشهور أرنولد توينبي حينما ذكر هذه القضية، واستدل عليها بحقيقة تاريخية إحصائية، وهي أن العالم الغربي - أوروبا - كانت أكثرية في القرن التاسع عشر، وما تزال هي من أكثر بلاد العالم بالنسبة للكثافة السكانية، وإذا استمرت الحياة في الغرب على هذا النمط، فإن أوروبا ستصبح بعد أجيال أقلية بالنسبة للعالم، بل نص هو على ذلك فقال: إن نسبه التوالد عند المسلمين هي ضعف أو أكثر منها عند الأوروبيين، ومعنى ذلك أنه بعد أجيال سوف يصبح العالم الغربي أقلية بالنسبة للعالم الإسلامي بالذات.
وأضاف أرنولد توينبي نقطة أخرى فيقول: "إن العالم الغربي ستفتك به المخدرات والخمور، في حين أن العالم الإسلامي لا يشرب الخمر"، وهذا وضعه كعامل من العوامل، إذا نظرنا إلى أمة شابة فتية يتضاعف سكانها، ونظرنا إلى أمة تهرم مع الزمن، وكلما يأتي جيل يكون عدد سكانها أقل، وفي نفس الوقت تتعاطى المهلكات كالخمور والمخدرات، فبلا شك -على نظره السطحي الظاهري وإن كان له حقيقة- أن العاقبة ستكون لتلك الأمة ولن تكون لهذه الأمة، فالعالم الغربي يتفوق اليوم بأسباب واضحة أعظمها وأجلاها هو التفوق العلمي الصناعي التكنولوجي.
وقد أثبت الباحثون والمفكرون ذلك نظرياً، وثبت - الآن- واقعيا أن التقدم التكنولوجي ليس بتلك المعجزة التي يعجز عنها خلق الله الآخرون، كما كان يزعم بعض الغربيين، فقد استوعبت الحضارة الغربية والتكنولوجيا الغربية شعوب شرقية، واستطاعت أن تقف على ساقيها وأن تنافس العالم الغربي في صناعاته، فـ اليابان أصبحت تنافس هذه الدول منافسة جلية واضحة حتى غزتها في عقر دارها، وهي محافظة على تقاليدها وبوذيتها ومجوسيتها.
وبإمكان الهند أو باكستان أن تستوعب القنبلة الذرية، وهي سر قوة الغرب وتستمر أكثر من ذلك، والصين قطعت خطىً لا تقل عن خطى روسيا جارتها الشيوعية، وكذلك الكوريون فكما يقال: الكوريون قادمون، أيضاً تايوان (الصين الصغرى) ودول كثيرة وكذلك العالم الإسلامي، وإن كنا سنؤخر الكلام عنه.
كل ذلك يثبت أن التفوق التكنولوجي ليس تلك المعجزة التي ستظل حكراً على الإنسان الغربي إلى الأبد، وإنما في إمكان الشعوب الأخرى أن تشارك، ففي أول الأمر تتعلم ثم تشارك ثم تنافس وفي النهاية سوف تتفوق، وهذه قضية أصبحت تُخيف العالم الغربي بشكل مزعج جداً، لكن السنن الربانية لا يمكن لأي أحد أن يدفعها، إذاً هذا جانب.
الجانب الآخر من جوانب تفوق الغرب هو: تفوقه الحضاري الفكري؛ فبلا شك ولا ريب أن العالم اليوم خاضع إلى حد كبير إلى الفكر الغربي، بمعنى أن اللغات الغربية، الانجليزية أو الفرنسية تكاد تكون لغات التخاطب العالمية، وأن مناهج تعليم الأفكار والأنماط السياسية كـ الديمقراطية والاشتراكية وأمثالها كلها شعارات وأفكار وثقافات ونظريات غربية، وهي التي تكتسح معظم العالم اليوم، لكن حتى هذه ليست بتلك الأزلية الثابتة أبداً.
стр. 1552
مستقبل التدين في الغرب
يتبين من الإحصاءات التي تجري سنوياً أن الذين يدخلون في الهندوسية والبوذية وحدها -فضلاً عن الإسلام- من الأمريكان والأوروبيين يتزايدون آلافاً مؤلفة سنوياً، ومعنى ذلك أن الثقافة الأمريكية والحضارة الغربية سوف تنطبع حتماً بطابع جديد وبمؤثرات جديدةٍ عليها، لأن الإنسان الأمريكي أو الأوروبي مهما كان فقناعته بحضارته وبثقافته نظرياً، فهو حينما يذهب يلهث وراء أي دين من الأديان.
وحينما يذهب إلى نيبال أو إلى سيام أو بورما ليبحث هنالك عن الدين ويعتنق أي دين فإنه يعبر تعبيراً صارخاً عن إفلاس الحضارة الغربية عقائدياً وفكرياً، وبالتالي فإنه لا بد أن تظهر بصمات واضحة وآثار جلية في الحضارة الغربية سوف تخسر بها كثيراً من نظرياتها التي يزعم أو يتوهم أصحابها أنها خالدة، وأنه لا يمكن لأحد أن يغيرها ولا أن يزحزحها.
فالتفوق الفكري للعالم الغربي ليس بذلك الذي لن ينقضي إذا ما قارناه بالثقافات المجوسية وبالثقافات البوذية والهندوسية، وهي ثقافات بشرية وضعية وثنية قديمة منحطة تتنافى كل المنافاة مع واقع الإنسان الغربي، ومع ذلك فإن الكفة الآن تميل لصالح الإنسان البوذي ضد الإنسان الغربي، وإن كانت الأفكار الغربية اجتاحت الهند والصين، إلا أنها أفكار جاءت عن طريق حكومات علمانية أو شيوعية تسيطر على تلك الملايين المؤلفة من البشر، وتفرض عليهم نظاماً غربياً، إما العلمانية في الهند وإما الشيوعية في الصين على سبيل المثال.
ولكن الشيء الثابت والأساس هو أن الأفراد الغربيين أنفسهم بدءوا هم يدخلون في الدين البوذي، في حين أن المثقفين الهنود والصينيين بدءوا يعيدون النظر في موقفهم من الحضارة الغربية، ويقولون: ليس للغرب أية ميزة، ونحن لنا حضاراتنا ولنا أمجادنا، فإن الشيوعية التي تسيطر بقوة الحديد والنار في الصين قد حدثت فيها عدة انتفاضات ضدها، وبدأ الإنسان الصيني يراجع نفسه ويقول: لا بد أن نرجع إلى البوذية، لا بد أن نرجع إلى ديننا إلى دين الآباء والأجداد، ولماذا نأخذ نظريات ماركس ولينين وأمثالهما، ونحن عندنا أفكار بوذا فيها ما يغني وفيها ما يكفي وفيها ما يضمن لنا الحياة المستقرة الهادئة المطمئنة؟ مع أن كلا الحضارتين وكلا النظريتين باطلٌ ووثنيٌ جاهلي، إلا أن هناك رجحان في كفة هذه على تلك.
стр. 1553
دعوة الأمة إلى الأخذ بأسباب التوبة
إذا كان هذا بالنسبة لتلك الأمم فما هو الحال بالنسبة للعالم الإسلامي وللأمة الإسلامية؟ الأمة الإسلامية اليوم تشهد صحوة ويقظة، وإذا استخدمنا التعبيرات الشرعية -وهي الأصح والأولى- فإننا نقول ونسميها توبة، فالعالم الإسلامي اليوم يعيش بداية توبة وإنابة ورجوع إلى الله ﵎، وذلك لعدة أمور:- أولاً: أن من داخل العالم الإسلامي حركات ودعوات ضمير يحرك العالم الإسلامي للعودة إلى الدين نقياً سليماً صافياً، وهذا الضمير الموجود في هذه الأمة يعبر عنه وجود طائفة من هذه الأمة لا تتزحزح ولا يتزعزع إيمانها مهما ذهبت بقية الأمة؛ ومهما انحرفت ومهما انجرفت مع التيار، وهي الطائفة التي أخبر عنها النبي ﷺ وهو الصادق المصدوق حين قال: ﴿لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله﴾.
وأمر الله هو الريح الطيبة التي تهب قُبيل قيام الساعة فتقبض أرواح المؤمنين، فلا يبقى إلا شرار الناس وعليهم تقوم الساعة، عافانا الله وإياكم من ذلك.
إذاً: فهذه الطائفة المنصورة موجودة وجوداً حقيقياً حسياً وموجودة وجوداً علمياً، فالقرآن -ولله الحمد- موجود وكأنما أنزل اليوم، وسنة النبي ﷺ موجودة، بل ظهر من الاعتناء بها في هذا العصر الشيء الذي لم يظهر مثله في قرون كثيرة مما سبق، وكتب السلف الصالح ودعاة الأمة والمجددين موجودة بين أيدينا، وتجاربهم موجودة بين أيدينا.
فإذاً هنالك عامل ورافد من روافد العودة والإنابة والتوبة إلى الله موجود في قلب الأمة الإسلامية أو في ضمير الأمة الإسلامية وهذا لن يموت، ولن يخفت بإذن الله ﵎.
والأمر الآخر: أنه بقدر ما يظهر إفلاس الحضارة الغربية، وانهيار الحضارة الغربية وانحطاطها وتدهورها والسفول الأخلاقي البهيمي الذي تعيشه، بقدر ما يوجد لدى المسلمين -كما وجد لدى غيرهم من الشعوب- القوة والاعتزاز بالنفس والشعور بالانتماء وبالذات، ورفض التبعية والتقليد والانتماء لتلك المناهج التي أعلن أصحابها إفلاسها، وأعلنوا حيرتهم وضياعهم وشقاءهم.
فكل من هذين العاملين كلاهما يؤيد الآخر في أن الصحوة الإسلامية أو العودة والتوبة، أصبحت حقيقة واقعة يراها الإنسان في كل مكان من بلاد العالم الإسلامي.
والذي يبشر بالخير أكثر فأكثر: أن هذه العودة هي عودة إلى المنابع الأصلية، إلى القرآن والسنة وإلى سير السلف الصالح، فلم يشهد عصر من العصور انتشاراً لكتب السلف الصالح وأئمتهم ودعاتهم وعلمائهم كشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية وابن القيم، والشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ أجمعين- كانتشارها في هذا العصر في شتى البقاع، وبلغات شتى، وفي هذا دليل على أن الأمة الإسلامية بدأت تعرف أين هو، وما هو المصدر الحقيقي الذي تكون الانطلاقة منه صحيحة وسليمة؟ ولا بد أن تتحقق النتيجة بإذن الله ﵎.
стр. 1554
الأدلة على سقوط المنهج الغربي
وما سبق إنما هو بالنظرة المجردة للواقع، كواقع بالنسبة للعالم الغربي وبالنسبة للعالم الإسلامي، لكن إذا ما نظرنا إلى النصوص وإلى الأدلة الشرعية فإننا نجد ما يؤيد ذلك تأييداً قوياً جلياً صريحاً.
стр. 1555
سقوط الكنيسة الشرقية وملك فارس
يقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عندما سأله أحد التابعين قال له: ﴿يا عبد الله أيُّ المدينتين تفتح أولاً: مدينة هرقل أم روميا؟ -يعني القسطنطينية تفتح أولاً أم روما - فأخرج عبد الله بن عمرو كتاباً من صندوق كان لديه، وفتحه وقرأه وقال: أخبرنا رسول الله ﷺ -ونحن نكتب- أن مدينة هرقل تفتح أولاً﴾.
ما معنى ذلك؟ إذا تحدثنا بالنظرة الفكرية بغض النظر عن القضية الجغرافية، فإن العالم النصراني ينقسم إلى كنيستين كبيرتين: الكنيسة الشرقية، والكنيسة الغربية، والعالم الصليبي هو أعتى وأقوى أعداء الإسلام، وهو الذي -كما سنعرض في الأحاديث- سيظل العدو اللدود للإسلام إلى قيام الساعة.
هذا العدو ينقسم إلى كنيستين: الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية.
الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية ومقرها القسطنطينية، والكنيسة الغربية الكاثوليكية ومقرها روما، وعبد الله بن عمرو يُسأل فيقال له: أي المدينتين تفتح أولاً؟ ونلاحظ من هذا السؤال أن التابعي ليس لديه شك في أن كلاً من القسطنطينية وروما ستفتح، وما سأله هل ستفتح روما وإنما سأله أي المدينتين ستفتح أولاً؟ فعنده يقين بأن المدينتين ستفتحان لكن أيهما تفتح أولاً؟ فقال له عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولاً.
فالكنيسة الشرقية هي أول ما ينهار في طريق الزحف الإسلامي المظفر، وقد حصل ذلك، وقد اجتاحها المسلمون فبدءوا بـ بلاد الشام، وقد كانت قاعدة حكم الامبرطورية الرومانية لـ هرقل، وقد أخبر النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح: ﴿إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ﴾ وقد أنفقت كنوزهما في سبيل الله .
ولما أن كانت القصة المعروفة المشهورة -التي رواها الإمام البخاري في أول الصحيح- ولم يؤمن هرقل ولكنه كاد أن يسلم ثم بقي على دينه، فلما أن جاء الزحف الإسلامي وتقدم إلى دمشق ففر هو إلى حمص، فلما تقدم الزحف الإسلامي إلى حمص، قال هرقل الكلمة المشهورة: سلاماً عليك يا سوريا، وداعاً لا لقاء بعده.
فقد علم بذلك من قَبل لما جاءه كتاب رسول الله ﷺ فقال: ﴿والله ليبلغن ملكه ما تحت قدمي هاتين﴾ فقد كان يعلم ذلك، فهم يعلمون أن هذا الدين سيظهره الله على الدين كله ولو كرهوا وقاوموا، فانسحبت جيوش هرقل.
стр. 1556
سقوط الكنيسة الغربية
أما الكنيسة القبطية التي في مصر فقد اضمحلت -ولله الحمد- وتلاشت إلا ما بقي من الأقباط، وبدخول محمد الفاتح إلى القسطنطينية سقط معقل الكنيسة الأرثوذكسية، أي النصف الشرقي من العالم الصليبي النصراني، سقط في أيدي المسلمين وبقي من العالم القسم الغربي وهو الذي قاعدته روما.
يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: ﴿تغزون جزيرة العرب فيفتح لكم، ثم تغزون فارس فيفتح لكم، ثم تغزون الروم فيفتح لكم، ثم تغزون الدّجال فيفتح لكم﴾.
وبهذا الترتيب نجد أن الذي وقع فعلاً هو ذلك، فـ جزيرة العرب فتحت في عهد النبي ﷺ وانتهى أمرها، وثبتت في أيام أبي بكر بعد القضاء على المرتدين، وظلت وستظل بإذن الله قاعدة للدين الإسلامي ﴿لا يجتمع فيها دينان﴾ كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، هذا خبر ولكنه حكم يجب أن لا يجتمع في جزيرة العرب دينان، فلا يبنى فيها كنيسة ولا معبد لأي دين من الأديان، ولا يقيم فيها غير مسلم إلا الإقامة المؤقتة، لا يسكنها ولا يقيم فيها اليهودي ولا النصراني إلا بصفة مؤقتة للضرورة، وإلا فهي معقل الإسلام الذي يجب أن يصان عن رجس الشرك.
﴿ثم تفتح فارس﴾ وقد فتحت فارس فتحاً كاملاً، اجتاح المسلمون ملك كسرى إلى أن وصلوا إلى حدود الصين، فكسرى مزق كتاب رسول الله ﷺ ، فدعا النبي ﷺ أن يمزق ملكه، فمزق الله ملكه ولم يبق منه شيء، وهرقل احترم كتاب النبي ﷺ -هذه إحدى الدلالات البينات من دلائل النبوة، وكاد أن يسلم كما أشرنا- فبقي له جزء من الامبراطورية الغربية بعد أن تقدم المسلمون إلى بلاد الشام وإلى أن حاصروا القسطنطينية في أيام معاوية بن أبي سفيان، ثم من بعده ﵃.
قال: ﴿ثم تفتح الروم﴾ والفتح الحقيقي للروم كما يظهر من الحديث -لأنه قال ﴿ثم الدجال﴾ - يكون إذا فتحت المدينة الأخرى وهي مدينة روما، وحينئذ تكون الكاثوليكية أو بمعنى آخر: تكون قاعدة الدين النصراني الكبرى قد سقطت هي الأخرى في أيدي المسلمين كما سقطت من قبل مدينة هرقل وهي قاعدة الكنيسة الشرقية، ونتيجة لذلك لن يقوم للنصرانية قائمة بعد ذلك بإذن الله ﵎.
стр. 1557
ملحمة آخر الزمان
بقي لدينا أن النبي ﷺ قد قال كما في الحديث الذي رواه مسلم وكان بحضرة عمرو بن العاص وشهد له ﴿تقوم الساعة والروم أكثر الناس﴾.
وفي الحديث الآخر الذي جاء من عدة طرق وروايات: ﴿أن الروم يقاتلون المسلمين ويغزوهم حتى ينزلون بـ الشام﴾ وهذا يدل على أن هناك كرةً أخرى سوف تستعيد فيها أوروبا قوتها ونشاطها وتغزو العالم الإسلامي، حتى أنها تنزل بـ الأعماق في أرض الشام وهناك تكون الملحمة المشهورة التي في أرض الشام.
هذه هي الملحمة النهائية الفاصلة التي لا قيامة بعدها للروم، وفيها تكون المعركة الحاسمة، حتى أن النبي ﷺ وصفها وذكر أيامها وأهوال هذه الحرب، وبعد انتهاء الملحمة بهزيمة الروم يكون تفوق العالم الإسلامي، وتفوق المسلمين النهائي على العالم الغربي، رغم أنهم قد يكونون أكثر منهم مناعةً وقوةً وعتاداً وسلاحاً.
فالمهم أن هذه الملحمة لا بد منها، ولا بد من أن تتفوق وتنتصر فيها الأمة الإسلامية ولا تقوم بعد ذلك للروم قائمة، وفي نفس الوقت نجد أحاديث صحيحة تدل على أن المسلمين سوف يقاتلون اليهود وينتصرون عليهم انتصاراً ساحقاً، كما في الحديث: ﴿حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله﴾.
وتصوروا كيف تكون حالة العالم إذا قضى المسلمون على اليهود وقضوا على النصارى، ما الذي سيبقى؟ العالم الغربي -الآن- أشبه بوحش كبير جداً يسيطر على الدنيا ومنها العالم الإسلامي، وهذا الوحش على رأسه تلك الأفعى اليهودية توجهه يميناً وشمالاً، تمتص خيرات هذا العالم، وتوجهه ليحارب من شاء ويترك من شاء، فإذا قضى المسلمون على اليهود والنصارى -كما بشر بذلك رسول الله ﷺ فإنه لن تقوم حينئذ للعالم الغربي قائمة فيندحر بذلك ويندحر أقوى وأعتى أعداء الإسلام، ويتحقق قول النبي ﷺ : ﴿ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار﴾ ويدخلون في دين الله أفواجاً.
هذه نظرة عجلى على النصوص التي تدل على أن المستقبل -بإذن الله ﵎ للإسلام، وأن الحضارة الغربية هي بلا ريب وبلا شك مآلها إلى الانهيار والدمار.
стр. 1558
بين عدالة الغرب وعدالة الإسلام
إذا عدنا إلى المستقبل القريب الذي يعيشه العالم اليوم، وأردنا أن ننظر إلى بشائر العودة إلى الله والإنابة والتوبة إليه من جهة، وإلى واقع العالم الغربي من جهة أخرى، فإنه تتعارض لدينا قضيتان.
القضية الأولى: التفوق العلمي، والتفوق التكنولوجي والمادي الذي يعيشه العالم الغربي، بحيث إنه يمتلك من العتاد والسلاح والأساطيل والصواريخ والقوى ما يجعل مجرد التفكير في حربه ومقاومته -كما يبدو ظاهراً- أمراً صعباً ومريعاً للغاية، أو مستحيلاً لا يمكن أن يفكر فيه إلا مغامر مهووس لا يقدر العواقب والأمور، كما يتصور ذلك العالم الغربي على الأقل.
لكن في نفس الوقت نجد أن هذا العالم الغربي لديه الخواء النفسي والروحي الرهيب، فلديه الذعر الذي يسيطر عليه من داخله، وتسيطر عليه الجريمة، والإدمان بجميع أنواعه، والانهيار الاجتماعي وتفكك الأسرة من الداخل.
إذاً كما قال المفكر الإنجليزي (جود): 'نحن مثل الذي يملك قوة العفاريت ولكن بعقول العصافير، هذا العالم قوة عفاريت ولكنها بعقول العصافير'.
فإذا فقد الروح هذا الهيكل العظمي الحديدي الذي يتمثل في الأساطيل وفي الصواريخ وفي الصناعات، إذا فقد الروح فإنه مهما كبر فلن يؤدي أي دور على الحقيقة، بل هناك نظرية معروفة الآن على المستوى السياسي والدفاعي وهي ما يسمى بنظرية "توازن القوى" بمعنى أن الأمة التي تمتلك قنبلة ذرية أو هيدروجينية متفوقة على الأمة الأخرى، فإذا امتلك الخصم قنبلة مناظره أو مقابله معنى ذلك: أن كلا الطرفين لن يستخدم السلاح النووي، فسيضطر الطرفان أن يعقدا الاتفاقيات للحد من الأسلحة النووية، لأنه لا يمكن أن يستخدمها لا هذا ولا ذاك في المعركة؛ لأن كلاهما خاسر في المعركة فيها، فتعود الأمور إلى الأسلحة التقليدية.
وهناك ما هو أعظم من ذلك حين تعود المسألة إلى المعنوية النفسية، وهذا أمر مشاهد، فالإفلاس عند الإنسان الغربي في ضميره وروحه وأخلاقه، فكيف كانت أحوالهم وهم يحاربون في فيتنام بل وإلى الآن، فقد نشر أن في القواعد الأمريكية في بريطانيا قد يصبح الشخص مدمناً على المخدرات بحيث إن بقاءه في القواعد لا يصلح، وهذا يؤدي إلى أن يطرد يومياً شخص على الأقل ما بين ضابط إلى صف ضابط إلى آخره.
وانظروا إلى هذه العوامل إذا استمرت كيف يكون الفتك، وكيف إذا انتشرت الأوبئة والأمراض التي أصبحت حديث العالم وهَمَّ العالم، وهي منتشرة بلا شك بين العالم الغربي، ومنه جنوده هؤلاء، فنقول: إن عوامل الانهيار الذاتية في العالم الغربي تجعله يوماً من الأيام يستسلم ويركع أمام أي عدو.
فكيف إذا كان الخصم المقابل هو من يملك النور والهداية والبرهان والحق المبين، والعالم الغربي يفتقر اليوم إلى العدالة، ومن الذي يملك العدالة؟ فالعالم الغربي أحوج ما يكون اليوم إلى العدالة، فلا تغرنا مظاهر ما يسمى بـ الديمقراطية أبداً، فإن هذا عالم يحتاج إلى العدالة.
يقول (تومبي): "إن الديمقراطية -المزعومة بشعاراتها الثلاثة البراقة (الحرية، الإخاء، المساواة) - شعار براق لأن حياة الغرب في الحقيقة ما هي إلا صراع بين مبدئين: الحرية والمساواة"، كيف هذا؟ هذا كلام قد يستغربه بعض الناس، فيقول: إن حقيقة الديمقراطية ليست هي الحرية والإخاء والمساواة! بل إن فإن حقيقتها أن العالم الغربي يعيش في صراع بين مبدئين، وهما نفس المبدئين اللذين جاءت بهما الديمقراطية، بين مبدئي الحرية والمساوة، ولا يمكن على الإطلاق أن تتحقق المساواة مع الحرية، ولا أن تتحقق الحرية مع وجود المساواة أبداً، فكيف يأتي هذا المبدأ ويرفع شعارين متناقضين في وقت واحد، ويؤمن به العالم الغربي، وهو يعاني هذا الصراع.
ويقول: الكسس كاري في كتابه (الإنسان ذلك المجهول): إني أتعجب كيف تصبر الإنسانية على هذا الشعار السقيم أو العقيم، ولن يدوم صبر الإنسانية على هذا الشعار -يعني الديمقراطية - لماذا؟ يقول: لأنها تقضي على الفرد الممتاز، فـ الديمقراطية والمساواة المطلقة في أي وقت وزمان تقضي على الفرد الممتاز المتفوق؛ فبالتالي فإنها تحشر الناس قوالب كبيرة جداً في أطر معينة، فإن فتح المجال للحرية ظهر التفاوت الكبير الذي لن تتحقق معه المساواة.
فالعالم الغربي يفتقد للعدل، يقتل عدد من رؤساء الدول أو رؤساء وزراء الدول بتدبير من شركات السلاح، وتستمر القضية (٢٠ سنة) وأكثر ولا يعلم القاتل، أين العدالة؟ إن هذا ليس بشراً عادياً، إنه هذا رئيس الدولة، ولا يعلم قاتله، ولا تقتص العدالة من الجاني، إذاً هذا العالم يعاني الإفلاس الرهيب من العدالة، فأين توجد العدالة؟ وأين يوجد العدل؟ وأي أمة على ظهر الأرض تملك العدل؟ هل في الطرف الآخر الشيوعية؟ كاتب غربي مشهور يدعى (آرثر فوستلر) جرب الشيوعية وجرب الرأسمالية، ثم كتب عن ذلك كتاباً يقول فيه: كثير من الناس يتكلمون عن مساوئ الشيوعية وينسون مساوئ الرأسمالية، وكثير منهم يتكلم عن مساوئ الرأسمالية وينسى مساوئ الشيوعية، أما أنا فأقول: لعن الله كليهما.
يقول: إن الاثنين كلاهما مفلس، وهذا كاتب كبير على مستوى العالم، وأظنه فاز بجائزة نوبل، يقول: إن الاثنين ملعونين، وإنهما سواء ليس هناك من عدل.
إذاً: فمن الذي يملك العدل؟ إنها الأمة الربانية التي تملك شريعة الله التي لا تحابي ولا تجامل أبداً، الأمة التي علمت الناس العدل.
ونضرب مثالاً واحداً على العدل، وما أكثر الأمثلة على ذلك العدل وغيره.
كانت مصر مستعمرة للدولة الرومانية، التي هي قبل الحضارة الغربية في سلم التسلسل الأوربي للحضارات، وكان الروم طبقتين -نفس الشعب على طبقتين- طبقة الأسياد، وطبقة العبيد، وطبقة العبيد في الدولة الرومانية يتحكمون في أبناء الشعوب المفتوحة مثل مصر والشام، فكانت منزلة الإنسان المصري أو السوري هي طبقة عبيد العبيد للامبراطورية، وما الذي حصل عندما دخلوا في دين الله ؟ بعد أن فتح المسلمون مصر ودخلوا فيها، وأتى - ابن عمرو بن العاص ابن القائد الفاتح الذي يحكم مصر - فلطم أحد أبناء الأقباط، فما الذي وقع؟ يأتي هذا القبطي ويشد رحله -ناقته- ويسير المسافات والأيام إلى أن يصل المدينة ويقول لـ عمر: إن ابن فلان لطمني، ودعونا من عدل عمر المعروف، ثم دعونا من قضية الإسلام، وأنه لا يُقر لأحد أن يعتدي على أحد، مهما كان هذا المعتدي كبيراً أو ابن كبير، فهذا منكر وجريمة لا يقرها الإسلام، وهذا معروف، لكن انظروا ما الذي جعل القبطي يثأر لكرامته، ويرحل هذه المسافات البعيدة ليقتص ممن لطمه، وهو منذ سنوات كان هو وأعظم شخصيات بلده عبداً لعبيد الامبراطورية الرومانية، فهذا الانقلاب الكبير أحدثه الإسلام، وأحدثته عدالة الإسلام.
يفتح جيش قتيبة بن مسلم الباهلي ﵀ وهو من كبار قواد المسلمين، وكما في تاريخ الطبري، وابن كثير من قرأ فيهما يجد ما لقي المسلمون من عنت شديد من أهالي سمرقند وما حولها من البلاد، يصالحون ثم يغدرون، ويصالحون ثم يغدرون، حتى تعب المسلمون وخسروا أبطالاً عظاماً.
فـ قتيبة بن مسلم رضي الله تعالى عنه ورحمه صالحهم، ولما صالحهم وهو يعلم أنهم سيغدرون بدأ بهم فهاجمهم؛ فتمكن منهم فقضى عليهم، فجاءت العدالة التي لا يؤمن بها أولئك الوثنيون ولم يسمعوا عنها، فقالوا: لا بد أن نذهب ونشتكيه؛ لأن هذه أمة لا ترضى الظلم، فذهبوا إلى الخليفة.
وكان الأمر قد آل من سليمان بن عبد الملك الذي أرسل قتيبة إلى الخليفة العادل الراشد عمر بن عبد العزيز، فقالوا: يا عمر إننا قد صالحنا جيشك ثم غدروا بنا، ونحن جئنا نشكوهم، فقال: أهكذا كان؟ قال المسلمون: نعم -فليس لدينا كذب فنحن أمة العدل- لماذا؟ قالوا: لأنهم غدروا بنا مرات، فقلنا: لابد أن نصالحهم ثم نغدر بهم وتمكنا منهم فقال: لا، وأمر الجيش بأن يخرجوا وأن يبقى الصلح.
فليغدر عدونا ما شاء وليكذب ما شاء، فنحن لا نكذب لأننا أمة العدل، إذا أردنا أن نحاربهم ننبذ إليهم على سواء، ونقول لهم: انتهى الصلح الذي بيننا وبينكم فاستعدوا، فلما رأوا ذلك تعجبوا وظنوا أن الأمر كذب وإذا به حقيقة، وإذا بالجيش ينسحب، فما كان منهم إلا أن أسلموا عن حق وحقيقة ودخلوا في دين الله، وبقيت معقلاً من معاقل الإسلام، ونسأل الله ﵎ أن تعود كذلك.
هذا من ناحية إفلاس العالم الغربي في العدالة، وإفلاسه في القيم، والأمن، والأسرة المتماسكة.
هناك أيضاً قضية مهمة جداً وهي: أن الوهم الذي كان يسيطر على العالم، وهو أن العالم الغربي لن يستطيع أن يقاوم صواريخه وأساطيله أية أمة من الأمم، هذا الوهم قد تبدد وتبخر بنموذج إسلامي حي معاصر وهو أفغانستان، شعب أعزل يحارب بالبنادق المصنوعة في القرن التاسع عشر، على نمط البنادق القديمة التي تحاربت بها النمسا وفرنسا في القرن التاسع عشر -قديمة جداً- يسلب من عدوه الرصاصة الواحدة، ليعيدها إلى صدر عدوه، ومع ذلك يحارب أعتى دولة في القسم الشرقي من العالم.
وتعلمون جميعاً -ولله الحمد- كيف آلت أمر هذه الحرب، وبدون أية مساعدة وتدخل عسكري من أي دولة إسلامية أخرى أبداً، هذا الشعب الأعزل بمفرده يقاوم هذه المقاومة العنيدة الأبية الصامدة مع ضعف في التربية بلا شك، ومع تفرق ابتليت به الأمة الإسلامية، ومع عوامل كثيرة لا يهمنا الآن أن نعددها، ولكن الذي يهمنا هو أنه مع هذه العوامل
стр. 1559
الخاتمة
بقي أن نقول كلمة بين يدي ختام هذا الحديث وهي: هل يقيننا وإيماننا الذي لا يتزعزع ولن يتزعزع -بإذن الله- بأن المستقبل للإسلام، هل يعني ذلك الركون والدعة والتكاسل؟ وهل يعني ذلك أن هذا العدو اللدود -ولاسيما العالم الغربي- سوف يستسلم لنا بسهولة ويخضع لنا بسهولة؟
الجواب
إنه لا يمكن أبداً، بل سوف تكون المعركة على أشد ما تكون، وهذا يستدعي من كل واحد منا أن يجعل نفسه فعلاً على ثغر من ثغور الإسلام، والله الله أن يؤتى الإسلام من قبله.
احم بيتك من تأثير هذه الحضارة الفاسدة الكاسدة، احم أبناءك من سمومها، احم نفسك من ذلك، وقاومها ما استطعت أن تقاوم، لتبدأ الطريق من أوله، وإذا كان غاندي رفع شعار المقاومة السلبية التي تعني ألا تشتري من الإنجليز ولا تركب في مواصلاتهم إلخ كلها مقاومة سلبية، وحقق الانتصار لبلاده، فكيف المسلمون؟ كيف لو حققنا أو بدأنا ببيوتنا فنظفناها، وبدأنا بأموالنا فحفظناها من أن نبذرها على شهواتنا في تلك البلاد؟ بل حتى الأمور الحاجية، فلا نأخذ إلا الضروريات ونقف عند شيء من الحاجيات، فضلاً عن الكماليات، فضلاً عن المحرمات.
يجب علينا أن نعرف أننا أمة مستهدفة ومحارَبة وهي أيضاً محارِبة، فلابد أن نبدأ الطريق من الآن، ولا بد أن نهيئ أنفسنا وشبابنا بالإيمان القوي، لأن هذا العالم الكافر العنيد القوي لن يقاومه إلا من آمن بالله تعالى حق الإيمان.
كما كان المؤمنون في أيام اليرموك، وفي فتوح فارس، يأتي المئات من جنود الروم أو الفرس مسلسلين بالسلاسل بعضهم مع بعض ويتقدمون صفاً واحداً حتى لا يتزحزحوا، ويأتون معهم بالفيلة، ومعهم الرماح الطويلة، ويهجم المسلمون حتى أن بعض المسلمين كـ عبد الله بن الزبير ﵁ ألقى الدرع، وأخذ يواجه هذه الكتائب المسلسلة وهذه الفيلة بصدره وهو حاسر، وتقدموا وثبتوا حتى نصرهم الله .
يجب أن يكون شبابنا قوياً في إيمانه، ويجب أن يكون قوياً في جسمه، فسموم الحضارة الغربية وشهواتها تفتك بشباب المسلمين في جسده، وفي عقله، وفي إيمانه، وفي كل شأن من شئونه، بل حتى في ماله، فلا بد أن نخلص شبابنا من ذلك، وهذا هو بداية النصر، وهذا هو بداية المعركة.
والمعركة الآن قائمة معلنة من طرف واحد، وهو طرف العالم الغربي ونحن غافلون.
وانظروا -وأنا أذكر مثالاً من قضايا كثيرة- ماذا تكتب وسائل الإعلام والصحافة في العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه عن العالم الغربي من اختراعات وبطولات عظيمة، حتى الجريمة الغربية تكتب وكأنها شيء جديد وحضاري، ولكن انظروا ماذا يفعل الغرب لو حققنا أعظم إنجاز، ما يكتب عنه الغرب إلا على سبيل الاستهزاء، أو الشماتة، أو التشاؤم، أو التحقير، وهذه الصحف الغربية أنتم أعلم مني قطعاً بها؛ لأنكم تقرؤونها بلغتها، وربما منكم من يقرأها يومياً، فلا يمكن أن تكتب عنا خيراً، لا صحافتهم ولا تلفازهم ولا وسائل إعلامهم.
فإلى متى يا شباب الإسلام؟ إلى متى تظل الحرب قائمة ومعلنة من طرف واحد والطرف الآخر مستسلم؟ نحن نقول هذا على مستوى الأمة الإسلامية ككل، وعلى مستوى الشباب المتنبه والغير متنبه، يجب أن نكون جميعاً أمة الإسلام يداً واحدة نقاوم هذا العدو، ونبدأ المعركة ونستشعرها -أقل ما يكون- في شعورنا الذاتي الخاص، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم إلى ما يحب ويرضى.
стр. 1560
مشاركة من طالب أمريكي
هناك أحد الإخوة يريد أن يعرض علينا بعض ما سماه (نبذة عن تدهور الغرب) من خلال واقع عاشه أثناء دراسته في أمريكا، فليتفضل: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.
أنا آسف لأني قد أخذت من وقت المحاضر، ولكن هناك بعض الأمور تدور في خاطري فأحببت أن ألقيها على مسامعكم، فأسأل الله أن ينفع بها.
في الواقع إن لما سأذكره صلة بالموضوع وإلا لما طلبت ذلك، ففي أثناء دراستي للماجستير في الولايات المتحدة كان هناك من المواد التي درستها مادة اسمها (الإعلام)، وأتى المحاضر بشريط فيديو وعرض علينا هذا الشريط واستمر العرض لمدة ساعتين، وكان يعرض فيه جميع أنواع الإعلانات في التلفزيون الأمريكي، وطلب منا كطلبة أن نأخذ ملاحظات على كل إعلان من هذه الإعلانات، فعندما أتاني الدور وقال لي البروفسور: أعطني ملاحظاتك على ما رأيت من إعلانات، فقلت له: لدي ملاحظتان فقط: الملاحظة الأولى هي: سوء استخدام المرأة في الإعلان، وما أن انتهيت من كلمتي هذه إلا وقلن البنات اللاتي كن في الصف: هو محق نحن مظلومات في هذا المجتمع، المرأة تستخدم استخداماً سيئاً في هذا المجتمع، وما يقوله نحن نعانيه، فإذا بأحد اليهود -وهو من الطلبة وقد كان جالساً معنا- ضج لهذه القضية، وكأنهم سبحان الله العظيم هم وراء هذا، فما استطاع أن يمكث في الفصل وخرج، ثم ضج بعد ذلك الفصل وأخذوا يتكلمون بين معارض ومؤيد، ولكن البنات أجمعن على أن ما تحدثت به هو الحق، وأن المرأة تستخدم استخداماً سيئاً في الإعلام.
وحتى ألطف الجو قلت له: أريد أن أنقد إعلاناً آخر من الإعلانات التي رأيتها، وهو يدل على تدهور الحضارة الغربية، وهو أن هناك إعلاناً يأتي على الشكل التالي: تأتي إحدى السيارات تنحرف يميناً وشمالاً، ثم تأتي سيارات الشرطة من كل جانب لتحيط بهذه السيارة وعنوان هذا الإعلان: ' if you drink its your business but if you drink and drive its our business' ومعناه أنك تشربت الخمر بحريتك، لكن إذا شربت الخمر وقدت السيارة فإننا سوف نمسك بك.
فالحاصل أن هذا الإعلان لا يؤدي دوره، لأن الذي يشرب الخمر يفعل الأفاعيل، فقد يزني بأمه -والعياذ بالله- وقد يقتل أمه وقد يقتل أباه، فما بالك بمن يركب السيارة ويسوق، فأنت لم تعالج قضية شرب الخمر بل عالجت ظاهر القضية وهي أنه إذا شرب الخمر لا يركب السيارة وهذا شيء غير صحيح، فتلطف الجو عندما ذكرت هذا النقد الثاني.
والحقيقة أن التجارب التي رأيناها كثيرة، وهي التي أثبتت فعلاً أن المستقبل لهذا الدين، وأبشركم بشارة أنه لا تكاد تخلو مدينة في الولايات المتحدة الأمريكية من وجود مسجد يُعبد فيه الله ، بل إن هناك إحصائية قالها أحد المسلمين وهو بروفسور في جامعة نيويورك قال: إنه لا يوجد مسافة أطول من خمسين ميلاً في الولايات المتحدة في جميع الاتجاهات إلا ويوجد فيها مسجد، فهذه من البشائر التي تدل على عودة هذا الدين، أقول قولي هذا واستغفر الله.
قال الشيخ سفر: شكر الله للأخ، وأنا واثق ثقة تامة أن كل من عاش أو ابتعث إلى الغرب -وهم منكم كثير بحكم عملكم- فإنه لو وقف هنا لجاء بمثل ما ذكره الأستاذ عبد الرحمن، وأكثر العجائب والغرائب لا تنتهي في تلك البلاد، وكلها -ولله الحمد- دلائل ومبشرات ومؤشرات على أن المستقبل هو لهذا الدين، وعلى أن التبعة علينا نحن المسلمين عظيمةً جداً في إصلاح الإنسانية وفي قيادة الإنسانية، وأنه قد آن الأوان لنا أن نقود الجنس البشري:
قد هيئوك لأمر لو فطنت له فأربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
.
стр. 1561
الأسئلة
стр. 1562
حديث (إن الله زوى لي الأرض)
السؤال
ورد في الحديث أنه سيبلغ حكم أمة محمد ﷺ ما زوى له ﷺ من الأرض متى يتم ذلك؟ وكيف؟ وهل نحن على أبواب ذلك؟
الجواب
متى، العلم عند الله ﵎، لكن هذا الحديث من جملة الأحاديث التي تبشر بأن المستقبل للإسلام وهو يتظافر مع ما ذكرنا من أحاديث، وأن ذلك كائن لا بد، أما متى فالله أعلم، ولا يهمنا متى بقدر ما يهمنا أنه آتٍ، وهل نحن على أبواب ذلك؟ الحقيقة أن الغيب لا يعلمه إلا الله ، لكن الله أعطانا نحن من الأسباب ما لو بذلناه لو شئنا لبدأنا من اليوم على أبواب ذلك.
فنعود إلى الله تعالى عودة صادقة، وندعو إلى الله ، نُحكِّم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فنكون على الأبواب؛ لأن هذه هي الضمانة، وهذا هو المنطلق، فإن أخرنا ذلك فالتأخير منا، كما أن الإنسان بإمكانه أن يبادر إلى الصلاة أو يتكاسل عنها -والعياذ بالله- وهذا بإمكانه، فإن النصر آتٍ آت.
ولكن بيدنا نحن إن شئنا بعد توفيق الله وبعد مشيئة الله بلا ريب، وإن بقينا هكذا فسوف تتأخر بالنسبة لنا فقط، وإلا فإن الله ﵎ يقول: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] إذا تخلى العرب سخر الله العجم أو البربر أو الزنوج أو حتى الفرس أو أية أمة، ولا يهم ذلك المهم أنها تقوم بدين الله فتستحق بذلك الوراثة في الأرض وقيادة البشرية.
стр. 1563
نظرية سقوط الحضارة بسبب خروج المرأة من منزلها
السؤال
قلت مؤكداً نظرية الفيلسوف الألماني بأن نزول المرأة من منزلها، وملاحقتها بالمساواة مع الرجل من علامات انهيار حضارة الأمة الغربية، فما رأيكم وقد أصبحت كثير من الدول العربية والإسلامية يحدث فيها مثلما قال الفيلسوف الألماني، أليس هناك من خطر في ذلك علينا كعرب ومسلمين؟
الجواب
بلى هو الخطر الماحق، إذا كانت الأمم القوية المتفوقة في الحضارة المادية تنهار إذا وجدت فيها عوامل الانهيار، فكيف تتصورون الأمم التي ما تزال تحبو في بدايات النمو، وفي بدايات التقدم المادي، بلا شك أنها ستنهار وهي في أثناء الطريق إلى التفوق، فإذا كانت الأمم المتفوقة تنهار فالأمة التي لا تزال تطمح وتطمع بأن تتفوق بلا شك أنها سوف تنهار إذا هي أخذت بأسباب الانهيار، ومن ذلك خروج المرأة، فالمكان الصحيح للمرأة هو البيت، قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
هذا هو المكان الأصلي، وكل ما عدا ذلك من الاستثناءات، كأن تعمل في مدرسة أو طبيبة أو في أي عمل مما يلائم فطرتها فهو استثناء، أما أن تعمل عملاً لا يلائم فطرتها فلا يجوز بأية حال من الأحوال، ولا في أي زمن من الأزمان، ولا يجوز شرعاً ولا يصح ولا يجوز واقعاً، وهذا الكلام الذي نقوله الآن بعبارات قليلة معدودة هو خلاصة ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من جهة، وخلاصة ما جربه وذاقه الغربيون وطبقوه لمدة قرنين أو أكثر من جهة أخرى، ومن أراد الحق فهو واضح جلي، ومن أراد وأبى إلا مصادمة الفطرة، فإنه لا بد أن ينهار.
الكسس كاري قال: إن الحضارة الغربية لا بد أن تنهار لأنها حضارة لا تلائم الإنسان، وكل أمر مخالف للفطرة لا بد أن يدفع ثمنه، ولا بد أن تدفع ضريبته.
فكل شيء مخالف للفطرة فإن هناك عقوبات شرعية، وهناك عقوبات كونية، فالعقوبات الشرعية: إذا خلا الرجل بالمرأة يعزر، وإذا زنى بها يجلد أو يرجم.
والعقوبات الكونية ما هي؟ إذا خلا بها أو زنى بها تنهار الأمة، ويضعف الاقتصاد، ويهبط مستوى التعليم، وتتحطم الأسرة، وتنتشر الجريمة، فهذه عقوبات قدرية وكل من العقوبات تتحقق في المسلم الذي يفسق أو يخرج عن دين الله، فرداً كان أو مجتمعاً.
стр. 1564
أحاديث معركة آخر الزمان
السؤال
في أي كتاب نجد أحوال المعركة التي ستكون بين المسلمين والروم في الشام؟ ثم إنكم ذكرتم أحاديث تخبر بأن المستقبل لهذا الدين، فماذا عن صحة هذه الأحاديث هل كلها صحيحة؟
الجواب
الأحاديث كلها صحيحة، ومن ضمنها حديث المعركة التي ستكون بين المسلمين والروم في أرض الشام، وهو حديث رواه الإمام مسلم، ورواه غيره والذين شرحوا هذه الأحاديث كـ النووي والقرطبي والقاضي عياض قد أفاضوا في شرحها، وكذلك ذكرته الكتب التي تتكلم عن الفتن، ففي الإمكان أن تراجع في جامع الأصول فستجد مجموعة منها هناك.
стр. 1565
صحة حديث: (ستكون النبوة ما شاء الله أن تكوة)
السؤال
ما مدى صحة الحديث الذي يخبر بأنه سيكون الحكم خلافة راشدةً ثم وراثة ثم جبرية؟ الجواب: ﴿ستكون النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله أن تكون، ثم يكون ملك جبرياً، ثم يكون ملك عاضاً، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة﴾ هذا حديث صحيح في أول سلسلة الأحاديث الصحيحة للشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني، وقد ذكر بعض ما ذكرت أنا من هذه الأحاديث بنفس العنوان.
وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى والحمد لله رب العالمين.
стр. 1566
الكيد للدعاة
السؤال
هذه الأيام بدأت التوبة أو الصحوة بأوسع أبوابها، وهذا من فضل الله ونسأل الله المزيد رغم كيد الكائدين وعدم رضاهم عن هؤلاء التائبين، وهؤلاء الكائدين هداهم الله كثيراً ما يوجدون في الشركات، وهم ضد كل شاب يبدأ ويلتزم ويحاولون إلخ؟
الجواب
الأخ يشتكي شكوى بأنه يوجد من يكيد للدعوة.
في الحقيقة يجب أن نعلم أنه ليس هناك أية غرابة في أن يوجد للمسلمين ككل أعداء، وفي أن يوجد للشاب المسلم بفرده عدو أو خصم، فإبراهيم ﵇ كان أبوه عدو له، والنبي ﷺ كان عمه عدواً له، وكثير من أقربائه، يقول الله ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] فقد يضايقك أبوك أو أخوك أو زميلك في العمل، وربما رئيسك، لكن لا بد من الصبر ومن التحمل، ولا بد من الدعوة بالحكمة، ولا يحملك شدته عليك أو معاداته أو كيده على أن تخرج أنت عن منهج الدعوة الصحيح ولكن ارفق به، فربما أن هذا الأب أو الأخ أو الرئيس أو المسؤول أو الموظف لو عرف من الحق والنور ما عرفت لكان أكثر تمسكاً به منك، وما أكثر من انقلب فأصبح مؤيداً للحق بعد أن كان عدواً له.
ففي عهد النبي ﷺ كان خالد بن الوليد ﵁ وحمزة بن عبد المطلب وعمرو بن العاص ﵃ كل هؤلاء كانوا أعداء ألداء للإسلام، ثم أصبحوا جنوداً له، فلا نيأس ولا نجزع إذا عودينا بل نصبر، ونعلم أن هذه بداية النصر والطريق بإذن الله ﵎، وإذا كان النبي ﷺ قد قال لأصحابه: ﴿ولكنكم قوم تستعجلون﴾ فوالله لنحن أعجل منهم، أعجل وأعجل بكثير، يجب أن نأخذ الأمور على مهل وبتؤدة، ونسأل الله أن تكون العاقبة للمتقين، وإنها كذلك بإذن الله.
стр. 1567
أسباب انحطاط العالم الإسلامي
السؤال
ما هي الأسباب التي كانت سبباً في انحطاط العالم الإسلامي؟ وما هي الأسباب التي تساعد في إعادة الحضارة الإسلامية على ما كان عليه السلف الأول والقرون الأولى؟
الجواب
يقول الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وهذه هي القاعدة الذهبية في هذا المجال، وهي ما ذكرت من قول النبي ﷺ لما أخبر عن الفرقة الناجية، فقال: ﴿ما أنا عليه اليوم وأصحابي﴾ فإذا كنا على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه فالعاقبة مضمونة والنصر مضمون بإذن الله.
لماذا انحططنا؟ لأنا خالفنا ما كان عليه النبي ﷺ .
فمن ذلك: التفرق في الدين، كان المسلمون أمة واحدة على السنة فخرجت الخوارج والشيعة والمعتزلة والجهمية وغيرها من هذه الطوائف المنحرفة، ثم تلتها الصوفية فيما بعد، وهذه فرقت المسلمين عن دينهم وصرفتهم عن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكانت مع العدو الذي جاء إلى بلاد المسلمين، فكانت من عوامل الانحطاط.
لم نفهم معنى العبادة وحقيقة العبادة، وظننا أن العبادة هي أن يؤدي الإنسان بعض الركعات ثم يذهب يسرح ويمرح في دنياه كما شاء، ولم نأخذ بأسباب القوة المادية التي أمر الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠] وفهمنا التوكل على أنه تواكل.
لما حصل هذا للأمة الإسلامية وفهمت التوكل على أنه تواكل، وتركت العمل كانت الهزيمة، انحطاط علمي وانحطاط في الأوضاع العامة، وفي الحياة الاجتماعية، وفي كل مجال، فهذا كله حصل نتيجة البعد عن تطبيق الأحكام الإسلامية وعن التمسك بالسنة القويمة والمنهج السليم.
ففي كل زمان سبب الانهيار هو البعد عن الكتاب والسنة، وعن الدعوة إلى الله، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسبب التقدم والعودة والتفوق هو إقامة كتاب الله، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعدم التشبه بالكفار، فكل هذه الأمور هي التي تضمن لنا بإذن الله العودة والنجاح.
стр. 1568
دور أبناء الإسلام
السؤال
يعيش الشباب الأمريكي والأوروبي منذ فترة حالات من الضياع والحيرة، وكل يوم نسمع عن (تقليعة) إن صحت الكلمة تعبر عن هذا الضياع، والملاحظ أن كثيراً من شباب الإسلام يقتدون بهذه (التقليعات).
فما هو الدور الملقى على أبناء الإسلام خصوصاً عندما يجد هؤلاء الأوروبيون ذلك النور الإلهي؟
الجواب
يقول الشاعر:
ومن جعل الغراب له دليلاً يمر به على جيف الكلاب
الإنسان الأوروبي حائر أعمى لا يعرف إلا الجيف في حياته كلها، فإذا اقتدى به هؤلاء الشباب فإن حالهم لن يكون أحسن من حالهم، فالأعمى إذا اقتدى به أعمى مثله ضاعا، ولذلك فإن الإنسان الأوروبي يصيح ويبحث عن دليل، فهم يسافرون إلى نيبال، وقد رأيت صورهم، وأخبرني عنهم بعض الإخوة، ولماذا خصصت النيبال؟ لأن نيبال تعتبر أحط دولة في العالم من ناحية الحضارة، ليس فيها أي أثر من آثار الغرب إلا العجلات -كما يقولون- التي يركبون عليها وتقودها الدواب، يقولون: نريد أن نذهب إلى بيئة بعيدة كل البعد عن الغرب وعن تأثير الحضارة الغربية، لا يحمل معه ساعة ولا قميصاً من صناعة غربية أمريكية، ولا أي شيء غربي أبداً، يذهب هناك يقول: أبحث عن الفطرة.
هذا الأعمى الضائع الحائر يأتي الشباب المسلم الذي بين يديه كتاب الله وسنة رسوله الله ﷺ ويلقي بهذا النور جانباً، ويمشي وراء هذا الأعمى في الظلام فأين سيذهب به؟ لا شك أنه سيؤدي به إلى الهلاك والدمار، ومن هنا وجب علينا أن نبدأ بهذا الشباب، فمسئوليتنا الأولى هي تصحيح حال هذا الشباب المسلم، ثم الانطلاق إلى الشباب الغربي الحائر هناك.
فالمسلم إذا عرف دينه تحول إلى رسول هداية إلى ذلك الضال الحائر المسكين، هذا هو الذي يجب أن يكون بإذن الله، أما (التقليعات) فلن تنتهي ولا تنتهي إلا بالعودة إلى الله ، فكلما خفت حدة أمر من الأمور جاءت أمور أخرى، وصنع أعداء الله وأعداء الإنسانية تقليعات وصراعات وفتن جديدة.
стр. 1569
الصلاة لمن يعمل في أماكن خطيرة
السؤال
إذا كنت أعمل في منطقة خطيرة ينبغي فيها الحرص الشديد وذلك أثناء نوبتي في مصفاة بترومين، ودخل علي وقت الصلاة ولا أستطيع مغادرة هذه المنطقة، هل أؤدي الصلاة على أية حال كنت فيها؟ وهل هذا يجزي.
أفيدونا جزاكم الله خيراً؟
الجواب
الحقيقة لا ينبغي الإجابة على هذا السؤال المتسرع بسرعة من خلال هذه الكلمات، ولابد من التفصيل عن حالة هذا الإنسان، وحالة هذا الموقع، وهل بإمكانه أن يغادر مكانه أو لا، وهذا الشخص لا بد أن يتوضأ قبل أن يأتي المكان، ثم هل لا بد أن يكون منحرفاً عن القبلة، وهل يؤثر ذلك في ركوعه وسجوده، وهل يؤثر في عمله، إلى غير ذلك من الأمور التي لو بسطها هذا الأخ في رسالة، وبعث بها إلى هيئة كبار العلماء أو اللجنة الدائمة للإفتاء، لنفع الله بها إخوانه؛ لأنه ليس هو الوحيد في هذا العمل.
فمثله إخوة كثير في شركات أخرى، وفي قطاعات كالجيش وأمثاله، أو الخطوط، فإذا كان الجواب من هنالك فسوف يكون أعم وينشر بشكل أعم وأفضل للجميع -إن شاء الله- ولكن عموماً ومبدئياً ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ليتق الله الأخ هذا ما استطاع، ولو أن يؤخر الصلاة قليلاً أو يقدمها، ويتق الله بقدر ما استطاع من ناحية السجود والركوع والاتجاه إلى القبلة، وبحسب الضرورة التي يكون فيها، ويمكنه أن يخبر مدير الشركة، ونحن لا ندخل في الحلول؛ لأن هذه القضية تطول، لكن يمكن أن يوضع في هذا المكان من الكفار الذين يعملون في هذه الشركات؛ ويوضع المسلم في مكان آخر، ولو لمدة الصلاة فهي دقائق معدودة إلى غير ذلك من الحلول، ونحن في الحقيقة نرجو أن يبقى السؤال مفتوحاً، لأنه قد توجد مناطق لا يكون فيها إلا مسلم، ولكي نعرف الجواب بدقة.
стр. 1570
الدعوة في أثناء العمل
السؤال
هل الدعوة إلى الله داخل منطقة العمل لا تجوز؟ وإذا كان الداعية في عمله محافظاً على عمله على الوجه الأكمل فهل للمسئول الحق في منع الداعية من الدعوة داخل العمل، ويقول: الدين داخل المسجد وليس في العمل؟
الجواب
لا يوجد مسئول مسلم يقول: لا تدعو إلى الله إلا في المسجد، إلا إن كان لا يعرف حقيقة الإسلام، لكن لا بد أن ننظر إلى الموضوع دائماً في كل أمورنا نظرة الإنصاف ونظرة الاتزان، بمعنى: أننا كما نقول للمسئول لا يا أخي كيف تقول له: لا يدعو إلى الله، نقول أيضاً لهذا الأخ: ما معنى الدعوة إلى الله؟ تمسك كتاباً وتقرأ في أثناء العمل؛ وتقول: هذا من الدعوة إلى الله؟ وتطيل النقاش مع إنسان في قضايا فقهية وعلمية وتقول: هذا من الدعوة إلى الله، وأنت مكلف بهذا العمل؟ فلا يجوز الإفراط ولا يجوز التفريط لا من المسئول ولا من الموظف، وإنما يجب أن نكون جميعاً يداً واحدة، نؤدي مصلحة العمل ونؤدي مصلحة الدعوة، وهذا هو الذي يجب أن يكون فنقتصد جميعاً.
فلا أظن أن مسئولاً مسلماً يؤمن بالله واليوم الآخر ينكر الدعوة إطلاقاً، ولن يستطيع أن يكمم فمك لأنك ستتكلم مع زميلك ومع جارك، لكن لو أنك أنت أسرفت في ذلك وتركت العمل، فمن حقه حينئذٍ أن يتدخل لأنه مسئول، فيجب أن يكون من الطرفين مراعاة للعدل والاتزان ويكون الهدف للجميع هو رضا الله .
стр. 1571
ليلة النصف من شعبان
السؤال
ما صحة الأحاديث التي جاءت في فضل ليلة النصف من شعبان؟
الجواب
لم يصح في تخصيص ليلة النصف من شعبان أي شيء، أي: أنه لم يصح في تخصيصها بعمل من الأعمال أية رواية ولا أي حديث، وإنما هناك بعض روايات ضعيفة تدل على أن لها فضلاً -فقط- وهو أن الله تعالى يغفر فيها الذنوب إلا للمشرك والمشاحن، وهذا فضل وليس عملاً معيناً خاصاً بها، وهذه الروايات ضعيفة فلا يعمل بها.
وبعض العلماء يقول: هذه الروايات يجبر بعضها بعضاً، فتكون النتيجة أن لهذه الليلة هذه الميزة، أن الله يغفر فيها إلا للمشرك وللمشاحن، وهذا أكثر ما ورد فيها، وأما تخصيصها بعبادة أو بعمل أو بدعوة أو باحتفال فهذا كله بدعة، ولسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رسالة مستقلة في ذلك، لكن أحببنا أن ننبه عليها لاقتضاء المقام ذلك.
стр. 1572
نصيحة لكل مسلم
السؤال
نطمع منكم أن توجهوا النصيحة إلى منسوبي بترومين، راجياً من الله أن يوفقكم وإياهم لما يحب ويرضى؟
الجواب
ليس هناك من نصيحة تخص إخواننا في هذه الشركة، إلا ما ننصح به أنفسنا وننصح به إخواننا المسلمين دائماً، وهو وصية الله للأولين والآخرين حيث قال جل شأنه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] فتقوى الله هي خير وصية نوصي بها أنفسنا ونوصي بها إخواننا في بترومين وفي خارجها.
وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى وأن يختم بالصالحات أعمالنا، وأن يوفقنا لأن نكون هداة مهتدين، ودعاة إليه على ما يحب ويرضى، إنه سميع مجيب.
стр. 1573
لقاء مع طلبة الجامعة
تحدث الشيخ حفظه الله تعالى عن بعض الآداب والأخلاق التي يجب أن يتحلى بها طالب العلم، فذكر أهمية الإخلاص فيه، ثم بين وجوب الحرص على الوقت وتنظيمه واستغلاله أثناء الطلب.
مركزاً على أهمية الأخوة والمحبة بين طلاب العلم, ثم أجاب عن بعض الأسئلة المتعلقة بطلب العلم, ومنهج السلف في العقائد, مختتماً الحديث بالكلام عن بعض المذاهب الفكرية المعاصرة.
стр. 1574
نصائح في طلب العلم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد: أيها الإخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ونسأل الله ﵎ بفضله وكرمه أن يكتب لنا جميعاً أجر هذا الدرس، وأن يجعلنا من المقبولين، وأن يثيبنا، وأن يرزقنا حسن الاستماع والقول، وأن ينفعنا بما نقول ونسمع؛ إنه سميع مجيب.
أحب بين يدي هذا اللقاء بكم والسماع إلى بعض استفساراتكم أن أتقدم أولاًَ بكلمة أرجو الله أن ينفعنا جميعاً بها.
نحن ننتمي -ولله الحمد والشكر- إلى طلب العلم، ولم يجمعنا إلا رباط العلم، وهو علم قائم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذه نعمة عظيمة أن يُهيئ الله ﵎ لنا أن نطلب العلم في البلد الأمين، وأن يُكثر لنا ما ترون من الوسائل والتسهيلات التي تمت بفضل منه ، ثم بجهود الإخوة القائمين على هذه الأنشطة والوسائل، وهذا يستوجب منا شكر الله ﵎، ويستتبع واجبات يجب أن نعلم أنها مُلقاة على أعناقنا.
стр. 1575
الأمانة الملقاة على طالب العلم
إن كثيراً من الناس يريد أن يطلب العلم في هذه البلاد وفي بلاد أخرى، ويتمنى ويحرص على أن يأتي إلى هذا البلد الأمين, ويطلب العلم ويتلقاه من هذه المنابع النقية الصافية، ولكن لا يتاح له ذلك، وهذا يوجب على من أنعم الله عليه بهذه النعمة أن يُعطيها حقها من الشكر، والإخلاص لوجه الله في طلب العلم, ومن الدعوة إلى الله ونشر هذا العلم، وتحقيق ثمرته، ومن التعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر، في سبيل نشر هذا الدين؛ الصبر على طلب العلم، والصبر في سبيل الدعوة إلى الله .
وإن مما ينبغي لطالب العلم أن يعلمه: أمر الأمة الإسلامية وحالها لا يخفى على أحد منكم، وأنتم خلاصة مختارة، وصفوة منتقاة من هذه الأمة، والآمال بعد الله ﵎ معلقة عليكم, سواءٌ كان الواحد منكم من المملكة أومن خارجها، فلا بد أن وراءه من ينتظره؛ المدرس تنتظره مدرسته، وتنتظره مدينته، أو بلدته، أو قبيلته، وأي عمل من الأعمال فالآمال تعلق على شباب جاءوا لطلب العلم, ويريدون وجه الله ﵎, ويراد منهم أن ينفعوا هذه الأمة التي تعاني -كما ترون جميعاً- من نقصٍ في المتخصصين في العلم الشرعي الداعين إلى الله ﵎ على بصيرة وبينة.
إنّ أمتكم -ولله الحمد- في إقبال وهذه بشرى، ونحمد الله الذي منَّ بهذه الرجعة والأوبة والتوبة إلى الله، فالأمة الإسلامية في حالة غليان، وفي حالة توبة وأوبة وعودة إلى الله ، ولكن من الذي يرسم لها معالم الطريق؟! ومن الذي يأخذ بيدها إلى النهج القويم؟! ومن الذي يرشد هذه المسيرة والأوبة والتوبة؟! إن الأمانة -بلا شك- مُلقاة على طلبة العلم من أمثالكم، وهذه الأمانة لا يقوم بها إلا من بدأ يعد العدة للقيام بها، ويجب أن نعلم أن هذا الإعداد مُتنوِّع وثقيل, ولكن لا بد منه, وإلا فليتهم الإنسان نفسه.
стр. 1576
الإخلاص في طلب العلم
نحن نخشى على أنفسنا -جميعاً- من النفاق, ولا نستنكف ذلك؛ فإن أحد التابعين وهو ابن أبي مليكة ﵁ يقول: [[أدركت ثلاثين -وفي رواية ثمانين- من أصحاب محمد ﷺ كلهم كان يخشى على نفسه النفاق]] عافنا الله وإياكم من النفاق! فطلب العلم إذا كان خالصاً لوجه الله ﵎, وصاحبه يريد أن يدعو إلى الله، وأن يحقق ثمرة هذا العلم؛ فإن علامة ذلك وآيته: أنه يعد العدة من الآن لهذا العمل الجليل، والله ﵎ قد أخبرنا بحال المنافقين حينما أخذوا يعتذرون إلى النبي ﷺ ويحلفون في غزوة تبوك، فقال: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦].
فبيَّن الله تعالى كذب المعتذرين الذين تخلفوا وخُذلوا عن القيام بأمر الله مهما حلفوا من الأيمان، ومهما ظهر عليهم أو أظهروا من علامات البراءة والصدق, فأبطل الله ﵎ دعواهم هذه بحقيقة مهمة جلية، وهي: أن الذي يريد الحق وسعى إليه ثم حال دونه عذر، فإنه يعد العدة، ولكن يمنعه العذر.
أما هؤلاء فإنهم لم يعدوا العدة لذلك ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ [التوبة:٤٦]، أي: لو كانوا حقاً يريدون الخروج لأعدوا له العدة، ولكنهم كانوا متخاذلين متكاسلين إلى أن انتهت الغزوة وعاد الجيش, فأخذوا يقسمون الأيمان ويحلفون أنهم صادقون، وأنهم يريدون الخروج.
فالإخلاص في طلب العلم لوجه الله هو أول ما يجب على طالب العلم؛ وكما تعملون أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة -كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ومنهم: العالم المرائي أو القارئ المرائي طالب العلم الذي تعلم رياءً أو طلب العلم من أجل الدنيا.
وقد عقد الشيخ الداعية المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه في " كتاب التوحيد " باباً بعنوان (باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا)، وذكر فيه قول الله ﵎: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٥ - ١٦] أي: ليسوا من أهل التوحيد أهل المعاصي, لأن المؤمنين الموحدين من أهل المعاصي ما داموا على التوحيد والإيمان، فإن لهم في الآخرة الجنة وإن دخلوا النار، لكن الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار هم الذين تمحَّضت قلوبهم ونياتهم وتجردت عن الإخلاص، وتمحَّضت لغير الله ﵎, وذكر بعد ذلك أن النبي ﷺ قال: ﴿تعس عبد الدرهم! تعس عبد الدينار! تعس عبد القطيفة﴾ إلى آخر الحديث، وفيه الزجر والوعيد لمن يسعى ويعمل ويكدح من أجل الدنيا ومن أجل طلب هذا المتاع الفاني.
فأوصي نفسي وإخواني بالإخلاص في طلب العلم لوجه الله ﵎، وبتقوى الله التي هي وصية الله للأولين والآخرين.
стр. 1577
الحرص على الوقت
وإن مما يجب أن أوصي نفسي وإخواني به: أن نَجِدَّ في طلب العلم، وأن نحفظ أوقاتنا, فما أكثر ما تضيع الأوقات للأسف الشديد!! يجب علينا أن نضيِّق الأسباب المضيعة لأوقاتنا، سواءٌ منها ما كان متعلقاً بالنظام، أو ما كان منها متعلقاً بالسكن وبظروف الحياة؛ فإن هذه ولا شك تقتطع من وقت الإنسان جزءاً غير هين.
لكن يجب أن نغالب هذه الأسباب, ونبذل جهدنا لكي تكون أوقاتنا معمورة دائماً بالخير والنفع، وبما يقربنا من الله ، وأن تكون مجالسنا في السكن وفي الجامعة مجالس خير وذكر ومساءلة وطلب علم وحرص ومحبة لبعضنا بعضاً، وأن نستفيد من هذه الفرصة المتاحة لنا، وهو أننا طُلاَّب وما نزال في مرحلة الطلب, وكلنا إخوة ولا يعاب على أحدٍ أن يسأل مهما بلغت منزلته من العلم، أو أن يقول: الله أعلم؛ فهذا من أصول السلف الصالح ومن آدابهم، لكن مع ذلك طالب العلم وهو ما يزال في مرحلة الطلب هو الذي لا يجد غضاضة في أن يسأل وأن يناقش وأن يبحث، فهذه فرصة مهيأة.
والإنسان إذا تصدَّر للحياة فيما بعد التخرج سيجد نفسه تجد أن السؤال ثقيل، وقول: الله أعلم تجده ثقيلاً، وهذا من أمراض النفوس التي يجب أن تُحارب، لكن ينبغي لنا ألا نتيح الفرصة لهذه النفس ولهذا الشيطان الماكر؛ فالشيطان يمتلك الكثير من الوسائل لأن يوسوس وأن يخدع ويغرر بهذه النفس، فينبغي أن تكون أوقاتنا دائماً كذلك، وأن يسأل بعضنا بعضاً، وأن نسأل أساتذتنا الكرام ومن نثق بعلمه لنستفيد جميعاً.
стр. 1578
المحبة والأخوة أهمية الأخوة لطالب العلم
وهناك أمر أرى أنه لا بد أن أنبه إليه, وهو: أن تكون علاقة بعضنا ببعض علاقة الأخوة والمحبة والنصيحة, فالأمر المؤلم والمؤسف أن يوجد -أحياناً- إخوة في كلية واحدة، وفي سكن واحد ولا يتعارفون, وأشد ألماً أن يكونوا غير متحابين وغير متوادين, فهذا أمر لا ينبغي، فنحن يجب أن نكون إخوة في الله ، وأن يحب بعضنا بعضاً، وأن نتناصح، فالأخ المقصر نعامله بالرحمة والشفقة، وكل منا يتودد إليه وينصحه ويتحبب إليه، وكُلٌّ بأسلوبه الخاص، ولعل الله أن ينقذه مما هو فيه.
ولنعلم -جميعاً- أن الأمر هو كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤]، فنشفق ونرفق بالأخ الذي فيه تقصير دون أن نجامله ونداهنه ونقره ونرضاه على معصيته, لا! أخ يتخلف -مثلاً- عن صلاة الفجر، أو عن بعض الصلوات!! لا نقره على ذلك, ولكن نخاطبه بالمحبة وبالمودة، وكذلك أخ فيه معصية أو منكر يجب علينا أن نتعاون -جميعاً- قبل أن يصل الأمر إلى الجهات المسئولة في الجامعة أو في غيرها نحاول أن نتدارك هذا الأخ، ولا نعين الشيطان على أخينا، وإذا نصحناه وبذلنا الجهد، ثم بعد ذلك حصل له ما حصل، فإننا لا نلوم أنفسنا, ولكن أرأيتم إذا وقع إنسان في أوحال المعاصي, أو قبض عليه, ونحن لم نعذر إلى الله بالنصيحة, كيف يكون شعورنا بالألم؟! لا شك أن كلاً منا يقول: يا ليتني نصحته! وربما لو نصحته لانتصح! وكذلك ما قد يوجد من بعض الأفكار أو الآراء أو بعض البدع التي قد توجد سواء بيننا أو خارجنا, فنحن لا نستغرب أن يوجد أمثال هذه لأننا أمة أصيبت بعلل وبأمراض, ولكن نحن الأساتذة والأطباء الذين نعامل الناس بالرفق، ونحن أحرص ما نكون أن نستأصل هذه الأمراض بالأسلوب الطيب، وهذا واجبنا جميعاً.
فيرفق بعضنا ببعض, وينصح بعضنا بعضاً، ويُحب بعضنا بعضاً، وأرجو ألَّا يكون للشيطان بيننا مجال بتشهير أو ببغضاء أو شحناء، فإن هذا أفضل ما يتمناه عدو الله.
ولا ينبغي أن نعطي له الفرصة لينزغ فيما بيننا.
وتأكدوا وثقوا أن كل عملٍ خالصٍ لوجه الله , فإنه لن يجد الإنسان نفسه به إلا في محبة لإخوانه, ولن يجدها على أهل الشر والبدع والفسق إلا مشفقةً عليهم راحمةً لهم حريصةً على هدايتهم.
وفي رسول الله صلى الله عليه سلم أسوة حسنة كيف كان صلى الله عليه سلم؟ كيف قابله المشركون بصنوف الأذى والتهم؟ ولكن رسول الله صلى الله عليه سلم كان يقابلهم بالصبر الجميل, بالهجر الجميل, ويقابلهم بالإعراض، وإن أعرض كان إعراضاً لا قطيعة معه، ولكنه ترفع عن سفاهتهم وعن إيذائهم.
فهذا ما أحببت أن أنصح به نفسي وإخواني، ونسأل الله أن ينفعنا جميعاً بما نسمع وبما نقول, وأن نكون طلبة علم مخلصين لوجه الله , داعين إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة, والحمد لله رب العالمين.
стр. 1579
الأسئلة
стр. 1580
الحكمة من اقتران الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله
السؤال
أغلب النصوص القرآنية التي تتحدث عن الإيمان باليوم الآخر، تربطه بالإيمان بالله , فما الحكمة من اقتران الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله؟ ولماذا لم يذكر أي ركن آخر من أركان الإيمان مع الإيمان باليوم الآخر؟
الجواب
قد ورد في غيرما آية من الكتاب ذِكَر الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله ، ولكن أيضاً قد وردت أركان الإيمان الأخرى مع الإيمان بالله كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل.
فليس الأمر على إطلاقه، وأما الحكمة فنحن نتلمس ونحاول, ولكن قد لا يكون ما نقول هو عين الحكمة؛ لأن الله أنزل القرآن، وفيه من الحكم والعبر والعظات ما لا يطيقه كل أحد وما لا يستطيع أن يستوعبه أو يفهمه كل أحد، والله هو الذي منَّ علينا بهذا القرآن، وأنزله شفاء ورحمة وهدى، وأمرنا أن نتدبره ونتفكر في آياته الكونية والمحسوسة، وأيضاً آياته المنزلة وهو كلامه الحكيم.
ذكر الإيمان باليوم الآخر مقروناً بالإيمان بالله, لأن الإنسان الذي لا يؤمن باليوم الآخر لا يكون مؤمناً بالله ﵎, والإنسان إذا لم يؤمن باليوم الآخر, فلا معنى لكونه يكون مؤمناً بالله في هذه الحياة الدنيا؛ لأن العمل في الحياة الدنيا يرتبط أساساً بالإيمان بالآخرة.
وأيضاً لأن الله غيب، وكذلك اليوم الآخر من أمور الغيب؛ فذات الله من الغيب, وإنما أخبرنا الله بصفاته، وعرَّفنا بنفسه ، وكذلك عرَّفنا باليوم الآخر وبأحواله.
وأيضاً لأن أول علامة للمؤمنين أنهم يؤمنون بالغيب، وهذه أول ميزة وعلامة, ثم تتفرع عنها بعد ذلك كل أمور وشعب الإيمان؛ والذي لا يؤمن بالآخرة لا يمكن أن يعيش الحياة الإيمانية، وإن قال: أنا أومن بالله؛ فإن ذلك لن يكون إلا فكرة في عقله أو خاطرة في فؤاده، ولا يكون حقيقة واقعة في حياته.
ومن هنا نعلم أهمية الإيمان بذلك اليوم, والله يُذكِّرنا بذلك -أيضاً- في هذه السورة العظيمة في السبع المثاني، والتي أنزلها الله ﵎ على نبيه محمد ﷺ ، وهي أعظم ما أنزله الله ﵎ في الكتب جميعها, وهي سورة الفاتحة, وفيها عرفنا الله ﵎ بنفسه، وبأنواع التوحيد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] توحيد الربوبية.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] توحيد الأسماء والصفات.
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فيها الإيمان باليوم الآخر.
ثم بعد ذلك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] توحيد الألوهية، الذي هو أول واجب على العباد، والذي بعث الله ﵎ به الرسل، وأنزل به الكتب.
فيأتي الإيمان باليوم الآخر بين ثنايا أنواع التوحيد، وبأنه تعالى مالك يوم الدين، لأن من لم يؤمن باليوم الآخر وبأنه هو مالك ذلك اليوم العظيم، فإنه لا ينفعه إقراره بربوبية الله أو بأسمائه، أو بأن الله وحده هو المعبود، وبالتالي فلا يرجو ثواب الله وما عند الله في اليوم الآخر.
ولهذا قال السلف الصالح رحمهم الله تعالى تلك العبارات العظيمة: [[من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق -الذين يقولون: إننا نعبده لذاته ولا نرجو الآخرة، ولا نطمع في الجنة، ولا نخاف من النار فهؤلاء زنادقة- ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري -أي: خارجي- ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن]] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين!
следующие страницы →