← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

الخلل في العاطفة السؤال بعد أن بينتم لنا طرفاً من العاطفة، نرجو أن تبين لنا الطرف الآخر الذي قد يؤدي إلى التهاون في بعض المنكرات، مثل: جلوس الناس أثناء الصلاة أي بسبب التعقل الزائد عن المطلوب؟ الجواب نحن عندما تحدثنا كان موضوعنا فيمن يعمل، ولكنه يعمل إما بعقلٍ أو بعاطفة، وقلنا: لا انفصال بينهما في الحقيقة، لكن مسألة الذي لا يعمل، هذه ليست عاطفة، ولا نسميها عاطفة، وحقيقة هذا يحتاج إلى أن ينصح بأن هذا تقصير، وهذا تفريط، وقد يفلسفه أصحابه بأنه عقل, ولا يفلسفونه بأنه عاطفة، فيقول: أنا عاقل، فمن يوم ما التزمت لم أتشاجر مع أحد من الناس! وأنا لا أدري ما هو هذا العقل! شخص استقام ولم تقع له مشكلة مع أحد، فإن هذا عليه أن يراجع نفسه؛ لأنه لا بد أن فيه مداهنة، ولا بد أن هذا من التقصير في الدعوة، ولو دعوت، فلابد أن تجد من يعاديك لذاتك، كما هو الحال الآن، فإنَّ كثيراً من الناس يعادى لذاته، سواء قال حقاً أو باطلاً، فهو عدو، لأنه يدعو إلى خلاف ما عليه هذا المعادي. والتهاون في إنكار المنكر مرض، وعدم إنكاره وعدم اهتمامه بالدعوة إلى الله تقصير وتفريط ومرض، وهو من دواعي عذاب الله، ومن دواعي انتقام الله من الأمم ومن الأفراد -نسأل الله العفو والعافية- فالضعف الذي يعترينا جميعاً -وكلنا ضعيف- نحتاج فيه إلى أن نتناصح لننهض، ولنقوم، وليس داخلاً كما يخيل لي في موضوعنا الأخص بالذات.

стр. 1612

كيفية تنظيم الأوقات للاستفادة منها السؤال نحن نعاني من عدم قدرتنا على تنظيم أوقاتنا، فكما تفضلتم تجدنا يعجبنا كتاب فنشتريه، ثم نرى كتاباً آخر فنترك الأول، قبل أن تنتهي منه وهكذا نضيع كثيراً من أوقاتنا، فبماذا تنصحوننا في توزيع أوقاتنا، والاستفادة منها؟ الجواب هذا الأخ صادق، ومعاناته صحيحة، وكلنا عانينا ذلك، وهذا الكلام، لم أقله لأني بريءٌ منه، بل عانيناه، وما نزال نعاني منه، وكلنا معرضون لعاطفة تفور أو لتفريط وضعف -نسأل الله العفو والعافية- لكن نقول: هذه القضية بالذات هي قضية القضايا من حيث المنهج العلمي عند الشباب، أول شيء أن بعض الشباب يتصور أنه يجب أن يكون هو وجميع من يدعون إلى الله علماء، وهذا من أعظم الأخطاء في هذا المجال. ولذلك تجد أن هذا الأخ المسكين الذي لم يؤهل لأن يكون عالماً يضيع ويتعب، لأنك تكدح به في غير ما خلق له، ما خلق لهذا الشيء، فهو لما استقام واهتدى جئت به إلى شيخ، فجلس أسبوعاً، أسبوعين، أو شهراً، أو شهرين، ثم تعب، ولم يستطع أن يواصل، أعطيته كتاباً أعجب به، قرأه ثم لم يستطع أن يكمله، فأخذ الكتاب الثاني، والثالث، والرابع، والقضية ليست في الكتاب إنما هي في ضعفه. وفي جميع عصور التاريخ العلماء يعدون على الأصابع قلة، لكن هل الدعاة قلة؟ هل من يغير حال الأمة من الشرك إلى التوحيد، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن البدعة إلى السنة قلة؟ هذا مستحيل، لو كانوا آحاداً لما تغيرت، كيف كان شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمة الله عليه؟ كيف علمه؟ لكن انظروا كيف كان لما غير المنكرات، ولما حارب التتار، ولما حارب الروافض والباطنية، كانت معه أمم وألوف، والدعوة إلى الله هكذا. نحن الآن مشكلتنا أننا نريد أن كل من يهتدي أو يستقيم، نقصره قصراً، ونصبه في قالب طلب العلم، وبعض الناس يكون مسكيناً، فيترك وظيفته، ويقول: أطلب العلم، وقد يأتيك شخص ضابط، أو يأتيك شخص مهندس، يقول: ما رأيك أدخل الجامعة الإسلامية، أو معهد الحرم! لماذا؟ أنت أين تشتغل؟ يقول لي: كذا وكذا، لكن أريد أن أطلب العلم. يا سبحان الله! ولماذا تطلب العلم؟ ومن قال لك أنك من الضروري أن تطلب العلم، أنت يكفيك أن تحضر وأن تتعلم ما ينفعك من الأساسيات التي تعبد ربك تعالى بها، وتستقيم وتعرف طريقك في الحياة، وتعرف الحق في الجملة، لكن التبحر والتوسع في المسائل هذا ليس من شأنك. ونحن لا نقول هذا تحيزاً ولا تعصباً، لكن بعض الناس يفهم ذلك خطأً. لكن هذا الأخ في موقعه الذي هو فيه ينفع الله تعالى به، ونقول له: أنت ادعُ الناس، وادعُ في مجالك، وانفع الإسلام بما تستطيع في مجال عملك الذي أنت فيه، أما أن تتركه وتأتي لطلب العلم، فهذا غير معقول أن تتحول الأمة كلها إلى طلبة علم يجلسون في المساجد، أو في المدارس ويتحلقون حول العلماء! هذا غير معقول أصلاً. فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم أطهر وأفضل جيل. وأحرصهم على العلم والحق والخير، لكن كم كان علماء الصحابة؟ وكم كان المكثرون من الحديث؟ وكم هم المتعرضون للفتوى من الصحابة وكذلك من التابعين؟ عدد قليل، لكن الكل كان يدعو إلى الله، الكل كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يغير بحسب موقعه، وبحسب بيئته، وبحسب ما يستطيع، أما من يتصدر لقضية العلم بالذات فليس كل أحد. فإذاً يا أخي قد يكون بعض هؤلاء -كما شكا السائل- لم يؤهل لأن يكون طالب علم، لكن هذا السائل يمكن أن يبذل من ماله للدعوة إلى الله، ويمكن أن يبذل من وقته في إنكار المنكر، ويمكن أن يبذل من خبرته العملية في معرفة بعض الأمور التي تعين الدعوة على أن تتوسع في المجالات المختلفة، وأن تدخل في جميع القطاعات، فيكون هذا باباً عظيماً للخير، وأنت تريد أن تجعل منه تابعاً صغيراً في الحلقة! فهذا أحد الاحتمالات. الاحتمال الآخر: هو العجلة والملل، فالشاب يمل، ومن طبيعة الإنسان الملل، كما قال ﷺ : ﴿لكل عملٍ شرة﴾، ولكن بعد الشرة فترة، فيأتي الاندفاع، ولكن يعقبه الفترة ويعقبه الضعف، وقد يكون هذا هو السبب. ومما يعين الإنسان على ذلك أنه في الأصل يبدأ بمنهج معقول، فلا يحلم في الخيال، لكن يأتي بشيء معقول يستطيع أن يحققه، ويسلك ذلك مع إخوة له في الله ليعينوه، فكلما ضعف سددوه وأعانوه وساعدوه، حتى يصل الجميع بإذن الله إلى ما يريدون، ولو انضبطت الجوانب العلمية عندنا على مناهج معينة لما وجد ذلك الحرج، أي: يكون عندنا كتب أساسية يجب أن تدرس في العقيدة وفي الفقه وفي غير ذلك، وهذه يجب أن تدرس وأن تعلم بالنسبة للدعاة وطلبة العلم. فمهما وجد الإنسان فيها من تعب أو ملل أو صعوبة فإنه يجب أن يوطن نفسه، وأن يحتسب صبره ليكمل الكتاب، كما يحتسب صبره على طاعة الله، وكما يحتسب صبره عن معاصي الله التي حرم الله، فيحتسب أيضاً صبره حتى يفهم هذه المسألة، وحتى يفهم هذا الكتاب. ثم مسألة أخرى أو جانب آخر، قد تكون أنت مهيأً لأن تكون قارئاً أو مفسراً لكتاب الله، لكن لست مهيأً لعلوم الحديث والرجال، فلا تقصر نفسك على هذا أيضاً، وهذا شيء آخر: إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع وبعض الإخوان يريد أن يلم بالأصول وهو لا يستطيع عليها، لكن يقدر في الفقه، فليجعل نفسه في الفقه أو العكس وهكذا. فكن مع سجيتك وطبيعتك وموهبتك التي أعطاكها الله ﵎.

стр. 1613

أضرار العاطفة في فهم الأحكام الشرعية السؤال التزمت بدين الله -ولله الحمد- فبدأت بتقصير الثوب، ولبس العمامة؛ لكني وجدت ظروفاً وانتقاداتٍ حزت في نفسي؛ فعدت إلى خلع العمامة وعدم تقصير الثوب، فأصبح زملائي يقولون عني: إني عدت عن الالتزام، وعدت إلى الضلال، فماذا أفعل؟ الجواب نعم! انظر كيف تتراجع العاطفة وتتأرجح إلى العكس، وقد ذكر السائل -جزاه الله خيراً- قضية يقع فيها بعض الشباب؛ فأول ما يبتدئ في الالتزام -فعلاً- يضع العمامة مثلاً؛ فيبدأ الناس ينظرون إليه. فيقول: مالي وللناس؟ أنا اهتديت، ولبست العمامة. أقول: أولاً كما قلت: ما موقع العمامة من الدين؟ بمعنى أنه قبل أن يفكر بذلك، كان عليه أن يسأل حتى عن أحكام الدين أو بعض أموره، فيرتبها أو يسأل عن ترتيبها، فالعمامة ما موقعها؟ والتمسك بها ما موقعه من الدين؟ ثم بعد ذلك ينظر هل المصلحة أن يلبسها في هذا الوقت؟ وما الحكم فيها؟ فيسأل عالماً ممن يفتيه، ويبين له موقعها من الدين، ثم بعد ذلك يقول: هل أطبقها؟ وكيف أطبقها؟ وهكذا في كل شيء. إذاً ليست القضية قضية العمامة فقط، فأنا أعرف كثيراً أو بعضاً من الشباب -والحمد لله- تمسك واستقام واهتدى، فما خطرت له العمامة على بال، لماذا خطرت لهذا وما خطرت لذاك؟ لأن الآخر لا يرى ذلك، وليس لأنه سأل العلماء، فقالوا له: حكم العمامة؛ بل إنه في ذاته قال: لا داعي للبسها، وأنا أجزم أن هذا واقع. وقد يقول قائل: هذه قضية لا فائدة منها. أي أن هناك أموراً يمليها على الإنسان وجدان خاص -مشاعره الخاصة- وكأنه يريد أن يعرف حكمة معينة لديه، وأن هذا العمل ما ينبغي؛ بغض النظر عن كونه قد يطبقه أو لا يطبقه؛ لكن هذا في البداية ومنذ اللحظة الأولى، بعد ذلك تأتي القواعد أو العلم التفصيلي ليضبط لك كل أمر في موضعه، فهناك أمورٌ تعرفها -أنت- بالبداهة وبالتجربة والواقع، وأما بالعلم فهل شرع لنا رسول الله ﷺ وسن أن نلبس عمامة؟! لا بد أن يفكر بها ويضعها هكذا، نقول: لا، حقيقةً ليس هذا مما شرع. ونريد أن نوضح قضية مهمة في هذا المجال، وهي أن التمسك بالظاهر سهل جداً؛ ولهذا إذا أراد المنافق أن ينافق فذلك سهل عليه، كأن يأتي أحدهم ويريد أن يعمي علينا، فإنه سيعفي لحيته مثلاً، ويقصر ثوبه ويأتي ليصلي كما كان المنافقون يصلون خاصة الظهر والمغرب، أما الفروض التي يكون نائماً فيها فلا يأتي. إذاً فالتمسك بالظاهر سهل؛ ولكن ما هو الصعب؟ إنه الإيمان الباطن؛ وكلاهما لا ينفصل عن الآخر، ويجب أن نقيمهما معاً، ولا نتهاون في شيء منهما. بعض الدعاة الآن إذا رأوا الظاهر، يقولون: الأمر بسيط يا شيخ، فالثوب ليس مشكلة، واللحية ليست مشكلة، ونحن لا نتكلم فيهما. فما دامت يسيرة بهذا الشكل فافعلها يا أخي! وحقيقةً أنها تكون يسيرة بالنسبة للإيمان الباطن، لكن لا بد أن نقوم بهذا الدين جملةً واحدة، ونحيط به من جميع جوانبه، واضعين كل شيءٍ في موضعه؛ فكل من لبس العمامة، وحصل له مثل هذا الأخ الذي لبسها على أنها من الدين، فلتكن مشاعرك وأنت تلبسها ليست شعور إنسان طبق سنة؛ بمعنى أني أنا -مثلاً- أو أي شاب مستقيم في سنوات طويلة قرأ في كتاب من الكتب، ووجد سنة من السنن التي طبقها ببساطة جداً. لكن -هذا الأخ- أول ما اهتدى لف العمامة وكأنها ركن، وكأنها رمز الأصالة، ورمز للتحدي للماضي، وكأنه يقول: إني ابتعدت عنكم يا أصحاب الشماغ أو الغتر! وأنا الآن تميزت وانفردت، وأنا كذا وكذا، ولا يقصد العمامة في ذاتها، بل يقصد ماذا؟ أي: أنني الآن استقمت -بمعنى- وكأنه يقول: الآن اهتديت، والآن استقمت فأصبحت في مظهر غير مظهركم، فإنه ومن هذا المنطلق يكون قد انطلق من منطلقٍ سليم ولا شك في ذلك؛ لكن من حيث الحكمة في العمل، ومن حيث تحقيق المصلحة فلا، وأنا أقول للأخ الذي استقام حديثاً: أما بالنسبة للعمامة فإنها لا تلبس، وليست من مجتمعنا. فإخواننا في السودان يلبسون العمامة، فالبس العمامة، ولا بأس في ذلك، فإخواننا المسلمين يلبسونها، وديننا دين -والحمد لله- واسع، ونحن لا نفتي الناس في السعودية، ألا يلبسوا العمامة، فديننا واسع، وأهل كل بلد يجوز لهم أن يلبسوا ما اعتادوا أن يلبسوه ويرتدوه؛ ما لم يكن حراماً. فلتبق عليه ما لم يكن حراماً وما لم يكن إثماً، وحتى إن كان فيه شيء من المكروهات فأخرها قليلاً. وأما الثوب فأيضاً في المرحلة الأولى: أنصح بأن يقتصر الشاب -مع إيمانه القوي بضرورة تطبيق السنة واتباعها- على رفعه عن الكعبين فقط، فيرفعه عن الكعبين بقدر لا يثير عليه أحداً، لأنك الآن مثل إنسان ملك سلاحاً ضعيفاً، أي: بالنسبة للباطل، فسلاحك مسدس -مثلاً- لكنك تستثير عليك من يملك المدافع والقنابل وهذا لا يصح، فبعض الشباب مسكين لما رآه أبوه والثوب هكذا -أي: قصيراً إلى الركبة تقريباً- والعمامة أيضاً، وبدأ أيضاً يترك أصحابه كذلك، وبدأ ينتقد المدرسة وينتقد الحياة بشكل عجيب! لا شك أن هذا يؤدي إلى أن يعتبر الأب أن هذه انتكاسة كبرى، فيصر إصراراً عنيداً على أنه لا بد أن يكون مسبلاً، وأن يكون عاصياً ومجرماً وفاسقاً. فأقول: أما الإيمان فاجعلوه إيماناً حقيقياً باطناً، والأعمال الظاهرة التي قد تثير مشاعر الناس وينتج عنها مفاسد، نطبقها في حدود اجتناب المحرم؛ فأما المحرم فليس فيه نقاش، ويجب أن نجتنبه إلا في الحالات الخاصة، ونقول هذا الكلام: لأن بلاد المسلمين ليست هي السعودية فقط، ولا نستطيع مثلاً أن نتكلم عن واقعنا الآن فقط، فالكلام يجب أن يكون -في الجملة- عاماً. فالواجب أحياناً في مواقع خاصة قد يؤخر لمصلحة الركن؛ لأن الأصل أن نحقق الركن أولاً، فنقوي إيماننا لكي نعرف كيف ندخل إلى هؤلاء الناس من مدخل الدعوة إلى الله ؛ ثم بعد ذلك تأتي هذه السنن -بإذن الله- تباعاً. أما إذا جعلنا السنة ركناً؛ فإننا سننسي بقية الأركان، وهذه قاعدة معروفة، وهي أن الإنسان إذا فرط في جانب أو غلا في جانب؛ فلا بد أن يفرط في الجانب الآخر. فـ الخوارج أول ما خرجوا كانوا يرون أن من كذب أو زنى أو سرق -أي: أن من ارتكب كبيرة- كفر وخرج من الملة، حتى آل بهم الأمر -عما قريب- إلى أن أنكروا سورة يوسف، وأنها ليست من القرآن -والعياذ بالله- فالغلو لا يؤدي إلى خير، وإن شئت فقل "الشطط العاطفي" سواء كان في خروج عن الدين أو خروجٍ عن الحكمة أو عن مقتضيات المصلحة. فعلى الإنسان أن يضبط نفسه منذ البداية، وأن يقف الموقف الصحيح ولا يبالي بعد ذلك بكلام الناس. فنقول لهذا الأخ الذي رجع: لا يصح ولا يجوز لك أن ترجع إلى الإسبال؛ لأن الإسبال حرام، وأما العمامة فاتركها، والبس كما يلبس الناس، وليس عليك أي إثم بالرجوع، فإذا قالوا: الآن اهتديت أو عدت. نقول: إنك قد انحرفت عن الالتزام، فلا تبال بكلامهم، وانظر إلى ما يحقق المصلحة. والنصيحة للجميع في مثل هذه الأمور؛ لأننا في مجتمع، ويجب أن ننظر إلى كيف نخاطب مشاعر الناس، فلا نثيرها ولا نجرحها.

стр. 1614

أهمية دور الملتزم في إظهار الصورة الحسنة عن هذا الدين السؤال إن له بعض الأقارب إما أنهم يسكنون عندهم، أو يأتون لزيارتهم بين آنٍ وآخر، فيرتكبون بعض المنكرات أو المحرمات، فلا ندري هل ننهاهم عن ذلك؟ أو إذا حدثت مفسدة فكيف نفعل؟ وآخر يقول عن والده: إنه متشددٌ ومتعصبٌ لمذهب معين، فإذا فعل ابنه أمراً يخالف ما عليه المذهب؛ يعترض عليه الأب، فماذا يفعل معه؟ الجواب المشاكل كثيرة من هذا النوع، ويجب أن نعلم أن هذا هو الأصل، وأن هذه هي حقيقة الداعية، وأنه لا بد أن نعاني من أمثال هذه الأمور، وإلا لو كان الناس على الصورة الأخرى لما احتجنا إلى دعوة، فلا بد أننا نحتاج إلى الدعوة على أية حال وفي أي زمان ومكان؛ إما للتوجيه فأقول: إن هذا أمر طبيعي، وهنا نأخذ أو نذكر قواعد كلية، أما التفصيلات فكل إنسان بحسب حاله، وكل مسألة بحسبها أيضاً، لكن -في الجملة- الأصل أن الشاب المسلم -إذا استقام- يجب أن يشعر أبوه وأمه وأهله وأقاربه أنه تحول من الشر إلى الخير، وبالذات ونحن نتكلم عن مجتمعنا المسلم -والحمد لله- ولا نتكلم عن إنسان يكون أبوه نصرانياً أو يهودياً ثم يسلم؛ لكن نقول: يجب أن يكون هذا هو الشعور العام في المجتمع، أن الشاب إذا اهتدى فإنه تحول من الشر إلى الخير. وأما أن يوجد شعور عام -يقل أو يكثر- بأن الشاب إذا اهتدى، فقد تحول من الخير إلى الشر، فهذه مشكلة لا نرضاها أبداً، ودليل على خلل في تمسك هذا الشاب، بمعنى أن الأب عندما كان يحبك وأنت على حالك الأول، وكنت تحبه وتخدمه وتطيعه وتذهب به إلى أي مكان - كالخادم أو كالسائق - وتفعل ما يرضيه؛ فإن استقمت واهتديت وتمسكت، تركته وأهملته؛ لأنه يشاهد كذا، ولأنه يفعل كذا، ولأنه يقول في المتمسكين كذا، فأقول: هذا خطأ، وهذا خلل، لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] أي: والديك: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] أي صاحبهما بالمعروف حتى وهما يدعوانك إلى الشرك بالله ، ويجاهدانك لكي تشرك بالله، ومع ذلك (صاحبهما في الدنيا معروفاً)، وكذلك إذا شعرت الأم أيضاً أن ابنها لما استقام واهتدى، بدأ ينفر من خالاته وبنات خالاته ومن عماته؛ من أجل موضوع الكشف -مثلاً- فبدأ يتكلم فيهم ويكرههم ويقطع الأرحام، ويفعل كذا، وأصبح شريراً، لكن العكس يجب أن يكون؛ أن يستشعر الجميع: الأم والأب والأهل والمدرس والمجتمع أنه استقام واهتدى، فكان الخير، والدعوة إلى الله خير بلا ريب، حتى وإن خالفها من خالفها، فهم يعلمون أنها خير ولكنهم لا يجرؤون على الكلام، فأكثر ما يتكلمون عنه هو تصرفات الشباب، وقليل منهم الذي يتجرأ فيتكلم في نفس الطاعة، أو في نفس السُّنة، بل إنه يقول: لا، فالدين طيب ويسر، إنما يتكلمون في التصرفات. ولهذا أقول: يجب أن تكون التصرفات بما يضمن -بإذن الله تعالى- أن نكسب هؤلاء الناس، فإذا لم تستطع أن تكسب أقرباءك للدعوة، فمن تكسب بعد ذلك؟! فاصبر وتحمل، وأكرمهم، وأحسن إليهم , واحترمهم وقدرهم، حتى يشعروا بأنك لمَّا استقمت واهتديت بذلت لهم من الخير أكثر، فبدأت تطيع والديك أكثر، وبدأت تحب إخوانك أكثر، ولكن واجب هذه المحبة وهذا الحرص أن تقول لهم: يا أخي! اتق الله، يا أبي ويا أمي! هذا حرام، يا أخي! إني أخاف عليك عذاب الله، كما ذكرنا في مناظرة الخليل ﵇ وموعظته لأبيه، وكما كان حال الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم والدعاة إلى الله جميعاً. وبعد ذلك من كُتِبت له الهداية سيهتدي، ومن لم يهتدِ فسيظل يحبك على الأقل، وذكرنا مثال أبي طالب، وأنه لم يهتدِ، ولم يؤمن، لكنه كان يحب صاحب الدعوة صلوات الله وسلامه عليه. فالمقصود أنه يجب أن تكون أخلاقنا ومعاملتنا أفضل وأكرم وأحسن منها في حالة استقامتنا من ذي قبل، وأن يكون الحب وجلب الناس وكسبهم إلى الخير هو رائدنا، حتى ونحن نتكلم مع صاحب المعصية، نعم أقول هذا! ولا تعتبروه استطراداً -إن شاء الله- لنفرض أنك مررت -كما نشاهد الآن- بمحل يبيع أفلام موسيقى أو محل فيه أشياء محرمة والله المستعان، فعندما تخاطبه لا تخاطبه بأنك -أنت- مستقيم ومتمسك، حتى ولو لم تقل هذا أحياناً، لكنه شعورك. فلو بدأت مع أي إنسان تخاطبه: كلنا مقصرين، وقد يمكن أنك أكبر مني سناً أو أصغر مني؛ لكن الحقيقة أنه بدافع المحبة، أحببت أن أقول لك كلمة وإن شاء الله تنفعك ففكر فيها وإذا كان عندك فيها نظرة فأنا مستعد أن أتفاهم معك فيها إلى أن تقول له: إن هذا حرام وكسبه حرام؛ بلطف وبأدب جم، وعندها يرد الرجل: فيك الخير، وجزاك الله خيراً، وأنا كذا. فالحمد لله! الغالب -إن شاء الله- أن مجتمعنا فيه فطرة، لكنك لو أشعرت الناس أنك أنت مستقيم، وأنهم منحرفون ضالون زائغون، وليس فيهم فائدة وليس فيهم خير؛ فتأكد أن هذا لن يُؤدِّي -أبداً- إلى استجابة ولا إلى ثمرة؛ لكن خذ الناس بالحسنى وباللين، بل حتى لو قلت شيئاً مما لا يستحقونه -أحياناً- من بعض الثناء بقصد أن تجلبهم إلى الخير، فهذا -إن شاء الله- لا حرج فيه، ولا يعد من الكذب إن شاء الله.

стр. 1615

كيفية كبح جماح الشهوة السؤال كنت أزاول العادة السرية، ولكن الله منَّ عليَّ بالهداية بعد أن عرفت أضرارها وعقوبتها؛ ولكن مشكلتي هي أنني تثار لدي الغريزة الجنسية لأدنى سبب، فما هو العلاج لذلك، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب أولاً: حقيقة أن هذه الغريزة مشكلة؛ فالله جعلها غريزة طبيعية وجبل الناس عليها هكذا، فدخل منها أعداء الله، ودخل منها المجرمون والمفسدون والَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا، فدخلوا من باب هذه الغريزة؛ فهذا يبيع الأفلام، وهذا يبيع المجلات، وهذا يفعل الدعاية لبضاعته عن طريق النساء، وهذا يروج بالحرام و، فنجد أنه تستثار هذه الغريزة بشكل يخرجها عن موضعها الصحيح، أما نحن فلا رهبانية في الإسلام -والحمد لله- ولسنا من النصارى في شيء في هذه المسألة، ولا من البوذيين أو غيرهم؛ فديننا دين الإسلام الذي يعطي كل شيء حقه. فهذه الرغبة وهذه الغريزة أو هذه النزوة لا بد أن تشبع؛ لأنها أمر فطري جبلي، وأما هذه الدوافع وهذه المثيرات في واقعنا الآن فإنها قد خرجت عن حدها، وخرجت عن طورها؛ بحيث أصبح الشاب مشدوداً ليل نهار إليها؛ فإن دخل مكتبة وجد قصص الغرام، وإن التفت إلى المجلات فكلها صور نساء إلا ما رحم ربك في بعض المكتبات، وإن رأى الأفلام فكذلك، فكل ما يجد ويرى يثيره ويشده. فنقول: أولاً: هذه مسئولية تقع على أعباء المجتمع بأكمله، وكل إنسان مسئول -بحسب موقعه ومكانه- بين يدي الله ، فكل حادثة زناً تقع نتيجةً لهذه الإثارات، فكل من أثارها -أو أذن بأن تثار- مسؤول بين يدي الله بقدر تفريطه في إثارتها، الذي يستطع باليد مسئول أن يغير ذلك؛ الذي يستطيع باللسان مسؤول أيضاً وإن كان أقل مسؤولية. وهكذا فالمسئولية مشتركة على الجميع، ونحن لا نقول: إنها دائماً مسئولية الحكام، أو مسئولية العلماء والدعاة، أو المدرسين؛ لأننا كلنا مسئولون بين يدي الله؛ كما قال ﷺ : ﴿كلكم راعٍ وكل راعٍ مسؤول عن رعيته﴾ فكلنا مسئول بين يدي الله ﵎ عن الترويج للفواحش في مجتمعنا المسلم الطاهر. وهذا الأخ قد ذكر مسألة الإثارة، والإنسان مهما كانت قوته إذا لم يتعرض للمثير فإنه لا يستثار؛ وقد يكون هناك أناس لديهم خروج عن المألوف، ولنفرض أن إنساناً ما، عنده حالة مرض؛ فأصبح يريد أن يعاشر أو يباشر بشكل غريب جداً، فأقول: إن هذا صار مرضاً؛ لكن كقاعدة عامة فالأصل أن السبب هو الإثارة، وإن كان - هذا الأخ- ممن مرض وصار لديه المرض؛ فليذهب إلى أي طبيب ممن يعالج الأمراض التناسلية ولا سيما إذا كان ديناً موثوقاً به، والآن وبفضل الله لا يوجد تخصص إلا وفيه من يوثق بدينه -والحمد لله- وليتعالج على يديه، وربما يعينه بشيء من المهدئات، والمقصود أن لديه العلاج فهذا اختصاصه. وتأتي مسألة أخرى إذا لم يكن مرضاً؛ وإنما كان بعامل المثيرات فما الحل؟ الحل -وهو للجميع- كما أمر الله بقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] فلا بد من غض البصر، ولا بد من حفظ الفرج، وأن يصرف الإنسان هذا الوقت وهذه الطاقة فيما يبعده عن ذلك، فيذهب إلى إخوة له. فكلما كان مع إخوة في الله كلما كان أبعد، وإذا كان وحده فليتذكر اليوم الآخر، وليتذكر سكرات الموت وعذاب القبر، ثم يتذكر الوقوف خمسين ألف سنة بين يدي الله ، والشمس على مسافة ميل، وكل إنسان منهم من يبلغ عرقه إلى أن يلجمه ومنهم يبلغ عرقه إلى الترقوة، ومنهم يبلغ إلى السرة، ومنهم من يبلغ إلى الركبة، فكل إنسان في هذا الموقف العظيم يتذكر ما أمامه من أهوال. أقول: كلما تذكر الإنسان هذه القضايا يجد أنه لا مجال ولا مكان لمثل هذه النزوات أن تستعر وأن تلتهب، والله المستعان.

стр. 1616

المغالاة في الحب وأضرارها السؤال ذكرت الحب في الله، والغلو في الحب، فكيف يكون الحب في الله حقاً؟ ثم إن المغالاة في حب الصاحب قد ذكرت أنها تؤدي إلى البغضاء في المجتمع، أتقصد أن نحبه في إطار محدود؟ وأقول أيضاً: إني أحب جميع علمائنا ومشايخنا، لكني إذا رأيت أحد إخواننا في الله يعايش أحد المشايخ الذين أحبهم تهب فيَّ الغيرة نرجو النصيحة؟ الجواب أقول: أولاً الحب في الله لدينا كالشمس في رابعة النهار؛ كيف كان حب المهاجرين للأنصار وحب الأنصار للمهاجرين؟ وكيف كان حب المتآخين من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ وكيف كان يحب بعض الصالحين بعضاً؟ وهذه والحمد لله واضحة، وأقصد في الجملة التي نريدها الآن: الانضباط وعدم الغلو. وأما مسألة المغالاة في الحب فقد تؤدي إلى البغضاء. فإذا غاليت أنت في حب أحد فهذا يؤدي بمن يخالفك إلى أن يبغضه، ولو أنك كنت معتدلاً قائماً بالقسط؛ لربما كان مثلك معتدلاً أو قريباً منك، لكن عندما غلوت في الحب غالى هو أيضاً في البغض، وهكذا عادة الناس أنهم يقابلون الشيء بضده في الغالب، فإذا أخذهم الإنسان بالحسنى وقرب إليهم الأمر اقتربوا منه، وهذا هو المقصود. أما بالنسبة للإخوة الذين يجمعهم عمل واحد أو مدرسة واحدة أو أي أمر من الأمور المشتركة، فإنه إذا غالى أحدهم في حب إنسان، فإن الحسد يدب في قلوب الإخوة الآخرين فيبغضونه ولا ذنب له، وهذا قد يؤدي إلى نوع من القطيعة وهي مجربة ومشاهدة في الواقع. أما قوله: إنه يحب جميع العلماء والمشايخ فهذا فضل من الله ؛ لكنه إذا رأى أحد الإخوة يعايش أحد المشايخ تدب فيه الغيرة، فإن شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ تعرض لمسألة الصوفية كيف يريد كل شيخ أن يكون المريدون له خاصة، وإذا انتقل المريد إلى شيخ آخر تكون العداوة ونحوها، فإن شاء الله نحن أبعد شيء عن هذه الضلالات. لكن إن كانت المسألة مسألة الحرص على الخير، تقول: يا ليتني كأخي فلان، أي غبطةً وحرصاً منك على أن تكون مثله، تعايش العلماء وأهل الخير، وتكتسب منهم فلا بأس -إن شاء الله- إن كان هذا هو المقصود والعبارة خانتك، وإن كان غير ذلك فهي عاطفة ينبغي -كما ذكرنا- أن تهذب.

стр. 1617

أخطاء الشباب في انتقاد العلماء السؤال ما رأيك في بعض الشباب الذين إذا رأوا خطأً واحداً من أحد العلماء فإنهم يتركون جميع مؤلفاته وجميع ما قدم وجميع آرائه؟ الجواب علماء الأمة هم خيرتها وصفوتها، ومن فضل الله ﵎ أنه لا يزال في كل زمان وفي كل عصر من يرفع راية الجهاد وراية الحق ويقول الحق، وتجد من يسير وفق القواعد الصحيحة من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومنهج السلف الصالح، وهؤلاء هم منارات الهدى للأمة، وإن من حبنا لديننا، واحترامنا وتقديرنا له أن نحب ونحترم ونقدر علماءنا، وأظن أن هذه قضية أساسية والتفريط فيها لا يجوز بأي حال من الأحوال. أما مسألة أن البعض إذا رأى عالماً قد أخطأ في مسألة فإنه يترك الكل، فهذا حيف وجور، وظلم وعدوان، وإن من الوصايا العشر التي أوصى الله ﵎ بها في كل كتاب وجاء بها كل رسول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢] فبعض الناس لأنه يعلم أن شيخاً أخطأ في مسألة يقول عنه: ليس عنده علم، أو ليس فيه خير، أو كذا، فسبحان الله!! هذا ليس من العلم، وأيضاً يقول تعالى ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الشعراء:١٨٣] وبهذه المناسبة في أحد أعداد مجلة البيان -وتعرفونها جميعاً- كتب أحد الإخوة عند هذه الآية جزاه الله خيراً، وأنا أنصحكم بقراءتها. ونحن لا نبخس الكافر شيئاً، فلو جاء إنسان وقال لك: إن أمريكا متأخرة، وليس عندها شيء، ومطاراتها وطرقها غير جيدة، فهل تقول له: هذا صحيح ما داموا كفاراً؟ بل نقول: هذا كلام خاطئ، فلا نبخس الناس ما عندهم ولو كانوا كفاراً أو مبتدعين أو غير ذلك، فكل إنسان يجب أن يأخذ حقه، كافراً أو مسلماً ولا نبخسه حقه أياً كان؛ بل نعدل في القول ونكون كما أمر ربنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٨] وفي الآية الأخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥] وهكذا يجب أن يكون الشباب المسلم بإذن الله. وننبه إلى مسألة أن العلماء ليسوا معصومين مبرئين من العيوب. وكفى المرء نبلاً أن تعد معايبه فقد يقال عن العالم الفلاني أنه مقصر في جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذاً نترك علمه وفضله؟ فنقول: سبحان الله!! لم لا يقال عنه جزاه الله خيراً، فقد بحث وحقق ومحص حتى يقول لنا حكم الله في كثير من المسائل. ولا يعني ذلك أننا نقتدي به إذا كان مقصراً فنقصر مثله، ولكن نأخذ منه العلم ونجبر التقصير؛ فكلنا أمة واحدة نسعى إلى الخير والتكامل، حتى لو استطعنا أو كان منا من يستطيع وبأسلوب وأدب جم أن يقول للشيخ: يا شيخ! لو تنكر ولو تتكلم ولو تفعل، فهذا أيضاً من الخير، ولا ندعي العصمة لأحد؛ بل ننصح لأئمة المسلمين وعامتهم، وهؤلاء من الأئمة، وأئمة العلم كأئمة الحكم ينصح لهم، فننصح لهم من جهة، ولا نقول: لا يليق بنا أن نفعل ذلك فهم علماء، فكيف نرد عليهم؟! ومن جهة أخرى لا يعني ذلك أن نترك ما عندهم من خير أبداً، فكما أن من يدعو إلى الله ينكر المنكر، فلا يعني ذلك أن يكون عالماً أيضاً، فالإنسان قد لا يُلم بالمواهب المتعددة، فبعض الناس برز خطيباً وأعطاه الله ﵎ موهبة الخطابة، فإذا زعمنا أنه عالم وعارضنا فتوى العالم بقول الخطيب فيها برأيه فهذا خطأ؛ لأن هذا خطيب وهذا عالم، وكل إنسان له مجاله، وكل إنسان له طاقته، والمقصود أننا لا نبخس الناس أشياءهم.

стр. 1618

تغليب المصالح على المفاسد السؤال لو ترتب على قول الباطل حقٌ ظاهر أكبر من الباطل، فهل يجوز قول الباطل في هذه الحالة؟ الجواب أولاً: لا يصاغ السؤال هكذا، بل نقول: لو ارتكبت مفسدة ظاهرة، أي: مفسدة من أجل مصلحة ظاهرة، فهل يجوز أن ترتكب المفسدة سواء كانت قولاً أو فعلاً؟ أي: نرتكب مفسدة من أجل تحقيق مصلحة أكبر، والجواب أن القضية هي قضية أننا (ندفع أكبر الضررين، ونرتكب أخف المفسدتين، لنحقق أكبر المصلحتين) أي: ليست الأمور دائماً كما يقال في المثل: أبيض أو أسود، لا، لكن أحياناً قد تأتي أمور مشتركة، فأنت لا تستطيع أحياناً أن تنكر المنكر إلا بتلبسٍ بشيء منه -مثلاً- أو بشيء مما يسببه هذا المنكر، ففي هذه الحالة نعم لا بأس بذلك.

стр. 1619

الخروج عن المألوف السؤال هل يعتبر إظهار بعض الأحكام غير المنتشرة خروجاً عن المألوف؟ الجواب نعم يعتبر خروجاً عن المألوف، فتقصير الثوب إلى نصف الساق يعتبر خروجاً عن المألوف، لكن هل كونه خروجاً عن المألوف يعني أننا لا نطبق السنة؟ فالمألوف هو ما يقتضي أنه يكون طيباً أو حقاً، ولكن المألوف عند الناس اليوم هو الإسبال، فإذا قصرت خرجت عن المألوف؛ لكن هل خرجت عنه إلى حق أم إلى باطل هذه مسألة أخرى. فنقول: ما كان مألوفاً في الناس فإننا نتعامل فيه بحكمة حتى يكون الخروج عنه، وهناك أمور يصدع بها، كمسألة الشرك والتوحيد، فيجب أن نصدع بها، ولا تقبل النقاش، فهناك أمور نقولها بهدوء، أو بتدرج، وهناك أمورٌ نؤخرها، بل وربما هناك أمورٌ لا نذكرها، فهي على سلّم ودرجات، وهذا هو المقصود. فالمألوف منه ما هو حق، ومنه ما هو باطل، وليس المعيار عندنا هو المألوف في الحكم، لكن المعيار للمصلحة. إذاً كيف يكون موقفنا من هذه المسألة؟ فمثلاً إذا كنت في بيئةٍ كبيئتنا هذه، فيمكن أن تقف في أي مكان وتتكلم في الصوفية، وتقول فيها ما هو حق إن شاء الله، لكن لو ذهبت إلى بلد كله صوفية، فإذا قمت مباشرة وتكلمت في الصوفية، فإن هذا لا يكون -في الحقيقة- من النصيحة ولا من الحكمة؛ لأنك خرجت عن المألوف، بينما هو يعتبر هنا متماشياً مع المألوف، ولا يعني ذلك أن المألوف هناك حق أو أنه سنة.

стр. 1620

مجاهدة النفس في الطاعات السؤال أحياناً لا أجد القدرة على حفظ الورد الذي فرضته على نفسي من القرآن؛ بحيث أجد في نفسي إعراضاً وضيقاً، وهذا لا يحدث قليلاً بل كثيراً مما أدى إلى استيائي وخوفي من سوء العاقبة، فما العلاج، جزاك الله خيراً؟ الجواب إن الله لا يمل حتى تملوا، فالإنسان يأخذ نفسه باليسر، فإذا كان الأخ قد ألزم نفسه بقسط كبير فليخففه، وإذا وجد أن نفسه غير قابلة لهذا الخير، ولهذا النور العظيم، وأنها قد صدأت وأظلمت؛ فليرققها قبل أن تتسلط عليه، وليعظها وليذكرها بالله وليعالجها؛ ثم بعد ذلك يأتي إلى ما يريد من الخير، ولا يكره نفسه على أمر هي تكرهه؛ فربما تنفر منه، ولا شك أن هذا دليل على شيءٍ في القلب، وقلَّ من ينجو قلبه من مثل ذلك، وهذه حكمة من الله ، فأنت قد تخشع في صلاة الفجر ولكنك قد تجد قلبك قاسياً في صلاة الظهر، سبحان الله! وهكذا في المغرب والعشاء رغم أنهما متقاربان، فتجد خشوعاً في هذه وقسوة في تلك، وهكذا تجد أننا نحتاج إلى أن نجدد وأن نتعاهد إيماننا، وأن نأخذ أنفسنا بما نستطيع ولا نكلفها ما لا تستطيع، وأن نجاهدها في ذات الله ، فنجدد إيماننا دائماً، ونذكر أنفسنا باليوم الآخر، وبما أعده الله من الفوز العظيم لمن أطاعه، ومن الشقاء والعذاب -عافاني الله وإياكم- لمن عصاه وخالف أمره، وأن نُذكِّرها بحال السابقين الصالحين لتقتدي بهم وتتأسى بهداهم وهكذا، فلعلها تستنهض الهمة فيها -بإذن الله ولا يشق الإنسان على نفسه فيصبح في مثل هذه الحالة الحرجة.

стр. 1621

أمثلة على ارتكاب المفسدة لجلب المصلحة السؤال عندما أجبتم على جواب تقديم المفسدة على المصلحة أو ما شابه ذلك، يقول: نرجو التوضيح ببعض الأمثلة حتى يتضح الأمر في أذهاننا؟ الجواب المفسدة أو المصلحة كثيرة جداً في واقع الحياة، فمثلاً: إذا أردت أن تنكر على إنسان يسمع الأغاني، فأول ما تفعله هو أنك إذا زرته فدخلت ورأيته يسمع الأغاني، فهل تبدأ بإقفالها؟ بذلك يمكن أن تتشاجرا معاً، فأنت في هذه اللحظة ستسمع الموسيقى أثناء كلامك له، ولكن من أجل إفهامه. أو إذا كان المنكر هو التدخين، أو شيئاً من هذا، فالتلبس -أحياناً- بشيء مما فيه مفسدة لا بأس به، بل ربما تدخل على من هو أشنع من ذلك كمحل فيديو مثلاً فتراه يعرض أشياء محرمة أو شيئاً من ذلك، حتى وأنت تكلمه فإنك تعرض عِرْضك لشيءٍ من الشبهة، فلو مر أحدهم فربما يقول: هذا يريد أن يشتري فيلماً، فيظن بك ذلك، فهذا فيه مفاسد كدخولك ورؤيتك وسماعك، وهكذا بعض الإخوان يكون ذلك في حقه واضحاً جداً وأكثر، كالإخوان في الهيئة أو الجمارك أو الإعلام والمراقبة، فهو يرى المنكر نفسه، فيرى هل هذه المجلة تدخل أم لا تدخل ويتصفحها، فيرى فيها الصور المخزية -أحياناً- وغيرها. فنقول: مثل هذه المفاسد تهدر ولا ينظر إليها؟ لأننا نحق مصلحةً عامةً فوق ذلك، وأهم من ذلك وهو درءُ هذه الأمور بالكلية إن شاء الله تعالى. والأمثلة أعتقد أنها يومية ومتكررة بالنسبة لمن يمارس الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 1622

المنهج العلمي للطالب المبتدئ السؤال كيف يبدأ الإنسان بطلب العلم وما هي الكتب التي يبدأ فيها؟ وما هي الوسائل التي ينتهجها لذلك؟ سؤال آخر يقول: إن فضيلة الشيخ سفر قد بدأ بكتابة رسالة توضح كيف تكون بداية طالب العلم، فنرجو أن يكون ذلك صحيحاً، وكذلك نرجو التنويه على ما ذكرناه في السؤال؟ الجواب بالنسبة للمنهج العلمي، فلا يخفى عليكم في الجملة ما يجب أن يبدأ به طالب العلم، والرسالة التي ذكر الإخوة أو الوريقات، -ولعل الله تعالى أن ييسر لتكتب- ما هي إلا شيء مما يعين على ذلك، وإلا فالأمر واضح، وعندنا -والحمد لله- مناهجنا المعروفة الآن والمقررة في المدارس الخيرية في المساجد. وأظن أنكم تعلمون جميعاً ما يدرسه الدعاة -غالباً- وهذه كلها منضبطة والحمد لله على هذا الشيء، وهو: البدء بالمتون الأساسية حتى تتدرج، ففي التوحيد -مثلاً- الأصول الثلاثة، ثم القواعد الأربع، ثم كتاب التوحيد، ثم فتح المجيد، ثم تيسير العزيز الحميد، وفي موضوع العقيدة -الأسماء والصفات- تؤخذ الواسطية، ثم الحموية بعد ذلك، ثم تنتقل إلى شرح العقيدة الطحاوية إلى أن تقرأ في مجموع الفتاوى وأمثاله. فأما في الفرق -مثلاً- فتأخذ شيئاً مبسطاً ثم تتوسع، وفي التفسير أرى أن تبدأ بـ تفسير ابن كثير ولا أرى غير ذلك. لكن يمكن أن تبدأ بقراءة الكتب التي تعرف المعاني مجملةً، فيعرف المراد منها في الجملة، ثم بعد ذلك تتدرج في معرفة أنواع التفسير والأحكام والخلافات والاستنباطات، وأمثال ذلك، فهذه أظنها بدايات طبيعية، والكتب إن شاء الله تعالى يعرفها ولا يجهلها الكثير، وما وعدت به أرجو أن يعينني الله تعالى على تحقيقه. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1623

كيف ندعو إلى الله الدعوة إلى الله تعالى هي طريق الأنبياء والمصلحين، وهي أحسن قول يقرب من الله ، لكن هذه الدعوة لابد لها من ضوابط وآداب ينبغي مراعاتها، ومن هذه الضوابط وجوب مراعاة التعامل مع كل فئة بحسبها، فمن كان متقبلاً للدعوة فأسلوب التعامل معه يختلف عن أسلوب التعامل مع المعرض عنها، كما يختلف عن أسلوب التعامل مع المحارب لها.

стр. 1624

مكانة الدعوة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، الذي دعا إلى الله حق دعوته وجاهد في الله حق جهاده، وكان قدوةً ونموذجاً ومثالاً لما يريد الله ﵎ من الدعاة إليه إلى أن تقوم الساعة، وبعد: فنشكر الله ﵎ الذي وفقنا وإياكم إلى أن نكون من الدعاة إليه، السائرين على منهج الرسول ﷺ في الدعوة، وأسأل الله لنا ولكم الثبات والإخلاص والعزيمة، إنه سميع مجيب. إن أمر الدعوة إلى الله من الفقه، وفقه الدعوة إلى الله ﵎ ليس من الفقه الكبير؛ أي: من فقه الأحكام والفروع، بل من فقه الأحكام الأكبر؛ الذي هو: توحيد الله ﵎؛ وذلك لأن الوسائل تأخذ أحكام المقاصد، فلما كان أشرف شيءٍ وأعظمه في هذا الدين هو توحيد الله ﵎، وكانت الدعوة وسيلة إلى توحيد الله، فإنها تكون أعظم الفقه، فهي من الفقه الأكبر الذي يجب على الدعاة إلى الله وعلى طلبة العلم أن يعرفوه، وكما قال ﷺ : ﴿من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين﴾. إن منهج الدعوة إلى الله دين، فهو لا ينفصل عن التوحيد ذاته، وعن الأوامر الربانية، فهو من جملتها، وهو منهج اتباع لا ابتداع. إن هذا الدين أنزله الله ﵎ لكل زمان ومكانٍ، وفرضه على البشر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالأحوال تختلف، ولكن الذي لا يتغير أبداً هو هذه الأصول الثابتة في الدعوة إلى الله، والتي لو اتفق عليها الدعاة إلى الله، وسار طلبة العلم على نهجها لما اختلفوا إلا فيما يجوز الاختلاف فيه.

стр. 1625

سبيل الدعوة وغايتها

стр. 1626

نقاط في طريق الدعوة هناك نقاط مهمة ينبغي للداعية أن تكون نبراساً في طريق دعوته إلى الله:

стр. 1627

الإخلاص يجب علينا أن نراجع أنفسنا دائماً وكل حين في قضية الإخلاص، في هذا الأمر العظيم، فإنه النقطة الأولى في طريق الدعوة، التي لا يجوز ولا ينبغي أن نتجاوزها إلى ما بعدها إلا وقد تحققت، وهي أن تكون دعوتنا خالصة لله ، وإذا دعونا الى الله، ائتلفت القلوب بإذن الله ﵎، وتحقق الخير.

стр. 1628

لا نستعجل النتائج والثمرات وحينئذٍ لا نستعجل النتائج والثمرات، لأننا ندعو إلى الله، والله هو الذي تكفل بقيام هذه الدعوة، فما علينا إلا البلاغ، ولسنا بأكثر في ذلك من الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً، قال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] فلذلك لا نخطئ الطريق.

стр. 1629

لا نقيس عمر الدعوة بالزمن فلا نقول: لم يتحقق هدف الدعوة إلى الله كما تقول بعض الدعوات: مضى علينا كذا من الزمن ولم يتحقق الهدف، هذا لا يوجد عندما ندعو إلى الله، إنما يوجد المحاسبة والمراجعة، وإن دعونا إلى الله حقاً، وعلى المنهج الصحيح، فالثمرة متحققة ولابد ولو لم يكن من تلك الثمرة، إلا أننا دعونا إلى الله. هذه ثمرةٌ عظمى أننا عرفنا طريق ربنا وسبيله، ودعونا إليه سواء استجاب لنا أحد أو لم يستجب، فلنا أسوةٌ بالأنبياء الكرام، الذين رآهم النبي ﷺ كما قال: ﴿رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ومعه الرهط، أو الرهيط، والنبي وليس معه أحد﴾. إذاً ليست المسألة حساباً عددياً، أو بكثرة الأتِّباع أيضاً، وإنما هي بالاتباع لا بالأتباع، أدعو إلى الله على بصيرة، وبالحكمة، كما في قوله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥].

стр. 1630

الدعوة إلى الله على بصيرة تفكروا في هاتين الكلمتين: كلمتان لو بحثنا في اللغة العربية، فلن نجد أدق وأبلغ منهما في معناهما الذي تؤديان إليه (على بصيرة) و (بالحكمة) ماذا يعني ذلك؟ البصيرة: تعني: العلم، وهل يمكن أن تصف جاهلاً بالبصيرة؟! أو تصف أي يائس قنوط بأنه على بصيرة؟! أو تصف المتهور بأنه على بصيرة؟! والبصيرة تعني أيضاً الثبات، والبصيرة تعني معنى الحكمة، والحكمة تدل على البصيرة، والحكمة لم توصف، فقد وصف الله ﵎ الموعظة بالحسنة، ووصف المجادلة بالتي هي أحسن، أمرٌ فوق أن يكون حسناً، بل بالتي هي أحسن، ولكن الحكمة لم توصف، والبصيرة كذلك، لأن الكلمة في ذاتها تدل على الكمال، ولو حدث خللٌ أو نقص لما كانت بصيرة، ولو حدث عيب في الأسلوب لما كانت حكمة. وكلمة الحكمة تطلق على: ١ - القرآن. ٢ - تطلق على السنة. ٣ - وتطلق على الدين. ٤ - وتطلق على الحق. ٥ - وتطلق على كل رأيٍ أو فعلٍ صواب. كما أن كل تصرفٍ حسن حق يوصف صاحبه بأنه عمله على بصيرة، على حجة من الله وعلى علم وعلى دراية بثمرته أو بنهايته. إذاً لابد أن تكون على بصيرة. ثم قال: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، سواءٌ كان: على بصيرة أنا ومن اتبعنى، أو بالمعنى المفهوم للآية بحسب الوقف، وهي أن تكون الدعوة على بصيرة، إما الدعوة على بصيرة، أو أنا ومن اتبعني على بصيرة، وكلاهما يُؤدي إلى مفهوم واحد، وهو أن اتباع النبي ﷺ يدعون إلى ما دعا إليه من البصيرة وإلى ما دعا إليه من الحكمة. وهنا نقف -قليلاً- عند مسألة وهي: هل نحتاج إلى أن نجتهد ونفكر في مناهج وطرائق للدعوة إلى الله، حتى في دعوة النبي ﷺ ، هل نحتاج إلى أن نفرد أحاديث معينة، ونتخيل أنها هي أحاديث الدعوة؟ في الحقيقة لو تأملنا لوجدنا أن حياة النبي ﷺ كلها دعوة، منذ أن نزلت عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] إلى أن لقي الله، كل حياته ﷺ دعوة إلى الله. إن حارب المشركين فهي دعوة، وإن ربَّى المؤمنين فهي دعوة، وإن وعظ في المسجد فهي دعوة، وإن أخذهم للجهاد فهي دعوة، وإن علمهم الأحكام فهي دعوة إلى الله .

стр. 1631

هدي النبي ﷺ في الدعوة إلى الله انظروا هذا التكامل لو ارتقت آفاقنا وأذهاننا إليه، كيف يكون حال الدعوة إلى الله؟! لم يكن الرسول ﷺ مفتياً عالماً، يفتي الناس في أمور الدعوة، ثم يذهب إلى منزله، والناس يفهمون الفتوى ويطبقونها ويتصرفون فيها كما شاءوا، لم يكن هذا من هدي الرسول ﷺ قط، ولم يكن كذلك قائداً سياسياً، يدبر الخطط، ويدير الأمور، ولم يكن كذلك قائداً حربياً يرسم الخطط، ثم يأمر الجيش بأن يطبقها، ثم ينتهي الأمر. إنما كان رسول الله ﷺ داعياً إلى الله في كل حال من أحواله، أو يذكر الله، حتى وهو يقوم الليل كان حاله كله دعوة، فقد كان يُعلِّم أصحابه الدعوة إلى الله، وُيعلِّمهم كيف يتزودون في الدعوة إلى الله . ولهذا لا نحتاج إلى أن نقول: كيف ندعو؟! ومن هذا نفهم قضية أساسية في فقه الدعوة، وهي أن الدعوة إلى الله، يجب أن تشغل كل وقت الإنسان الداعية إلى الله ، وإن الدعوة إلى الله تحتاج إلى أن تفرغ لها كل طاقتك، ووقتك، وجهدك، إن أعطينا الدعوة فضول أوقاتنا فلن تقوم دعوة، ولن تنجح، ولا نسمى دعاة، ولا نستطيع أن نصف أنفسنا بأننا دعاة. ولا يعني ذلك أن يتخلى الإنسان عن عمله أياً كان! انظروا إلى النبي ﷺ ، وإلى أصحابه الكرام، لم يتخلوا عن أعمالهم، بمعنى الانقطاع الكامل عن الدنيا والالتحاق بأهل الصفة، ما فعلوا ذلك، وإنما كان التاجر في تجارته هو داعيةٌ إلى الله، والمحارب في جيشه هو داعية إلى الله، والطالب في طلب العلم كذلك، وكل واحد منهم كان يقوم بحق الزوجة وبحق الأبناء وبما فتح الله عليه من أعمال دنيوية، ومن خلال ذلك هو متبع لطريقة النبي ﷺ ، وهو داعية إلى الله. ومن أولى منهم بذلك؟ لا أحد، ومع ذلك كان هذا طريقهم، وكانت الدعوة إلى الله هي روحهم وحياتهم وهدفهم كله، ليس هناك من هدفٍ آخر لديهم، بل عندما قال بعضهم: إن الله قد أظهر دينه، وأعز نبيه، فلو أننا ذهبنا إلى أموالنا، وإلى ضياعنا، أنزل الله عليهم: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] كما فسرها أبو أيوب ﵁، فكان الانصراف عن الجهاد والدعوة، والاشتغال بالزرع والضياع، كان ذلك هو الإلقاء إلى التهلكة. لكن المطلوب أن نظل كما كنا ندعو إلى الله، ومع ذلك نتزود لدنيانا، ونقوم بحق أنفسنا، وحق أهلينا، ولكن من خلال دعوتنا إلى الله . ولهذا لما انفصلت وسائل الدعوة، ولما أصبح الدعاة إلى الله إما عالماً يفتي ويعلم، ولكنه لا يربي، ولا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، ولا يعايش ويعاني واقع الدعوة عند العامة والخاصة، حصل خلل كبير، وإنه لأمر مؤسف، مع ما فيه من خير وثمرة مرتجاة للدعوة، وكذلك تحول بعض الدعاة إلى طاقات نشطة تعمل ليل نهار في الدعوة، ولكن على غير علم، وعلى غير بصيرة، فكانت النتيجة ليست بالثمرة الصحيحة، فهي إن سلمت من الابتداع، لم تسلم من الخلل في التربية، والله يقول: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]. الانتماء في الدعوة أمر مهم جداً، إلى من أنتمي في دعوتي؟ إذا كانت غايتي أن أدعو إلى الله فمن الطبيعي جداً أن يكون انتمائي إلى الإسلام، قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]، فلا نوالي ولا نعادي إلا في الإسلام وبالإسلام، والبراءة التامة من المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] كما فعل إبراهيم مع وقومه، وكما فعل محمد ﷺ مع قومه أيضاً، وكما هو طريق الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان. الانتماء هو إلى الإسلام والمسلمين عامة، قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] لا نحصر هذا الانتماء في فئة أو طائفة، فتكون النتيجة هي التحزب المقيت والتفرق والاشتغال بالتعصب وبالصراعات بين الدعاة عن واجب الدعوة إلى الله ﵎، وذلك قد يعود بالفساد على النية، وقد تفسد الإرادة، وإذا فسدت الإرادة، وشاب الإخلاص أية شائبة، فإن العمل يفسد، بقدر ما تشوبه شائبة الرياء، أو شائبة الهوى والتعصب.

стр. 1632

موقف الجمهور من الدعوة أما في المنهج فإننا نجد أن الآية قد أوضحت أنواع الناس، أو حالات الدعوة بحسب أحوال الناس، فالناس الذين يخاطبهم الدعاة من الأنبياء فمن بعدهم، هم على ثلاث أصناف:

стр. 1633

محب للحق وموافق عليه الصنف الأول: محب للحق وموافق لك عليه، يريد أن يصل إلى مرضاة الله ، ويريد أن يسير معك في الطريق القويم، لا بد أن تدعوه إلى الله ولا تقل: انتهيت، علمته الفاتحة، وعرفته بكيفية الصلاة. إذاً فليصبح هو داعية، لا بل هو مدعو، وكل إنسان مدعو، حتى أكبر العلماء علماً، فهو مدعو بالنسبة إلى من يعظه أو ينصحه أو يذكره.

стр. 1634

موافق للحق في غفلة عنه الصنف الثاني: الذي يوافقك في الحق، ويؤمن بما تؤمن به وتدين به، ولا يخالفك فيما تدعو إليه، ولكنه في حالة غفلة، وغلبة هوىً أو شهوة، أو إعراض عما تريد أن تدعوه إليه.

стр. 1635

معاند للحق مكابر وعدو الصنف الثالث من الناس: هو الصنف المعاند المكابر المعادي لك، إذا دعوته إلى الله . ولن تجد من الناس غير هذه الأصناف الثلاثة، وهذا الآية العظيمة، قد بينت لنا كيف ندعو الناس بحسب هذه الأحوال، فيقول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، الحكمة مع من؟ الحكمة مع الراغب في الحق، المتبع له، الساعي إليه، الذي جاءك يسعى وهو يخشى، هذا تدعوه إلى الله بالحكمة، وتعلمه بالحكمة. فمن جاءك يريد أن يطلب العلم على يديك ليدعو إلى الله، فإن الحكمة هنا أن تبدأ معه بصغار العلم قبل كباره، أن تبدأ معه بالأساسيات والضروريات قبل التفصيلات والتفريعات، أن تبين له أهم هذه العلوم ثم ما يليه ثم المهم إلخ. مثلاً: في جانب العلم، وفي جانب الدعوة: تبين له المنكر الأكبر الذي يجتنبه، ثم المنكر الكبير ثم المكروهات، وفي جانب الواجبات تبين له أول ما يلتزم به ويحرص عليه، ثم ما يليه ثم الذي يليه وهكذا، وهذا هو أحد جوانب الحكمة معه.

стр. 1636

ومن الحكمة الجانب الآخر في الحكمة، وكثيراً ما يغفل الدعاة عن هذه الجوانب، وينسون أنها من الحكمة: أنك عندما تدعو هذا الإنسان، وعندما تربيه، فإنك تحتاج معه إلى نوعين من التعامل: إلى اللين والرفق، وإلى القسوة والغلظة، هذا الجانب كثير من الدعاة لا يفقهونه، بل يظنون أن الحكمة تعني: اللين، وأن الحكمة معناها الرفق، لا بل الحكمة أن تضع اللين في موضعه، وأن تضع الشدة في موضعها، فإذا زجرت ابنك حال نصحه وعلَّمته أمراً من الأمور بالهدوء وبالإحسان فهذه من الحكمة. فإن كبر هذا الابن، ثم علَّمته أكثر وأكثر، ففعل ما تستقبحه وقد حذَّرته منه فضربته، فهذا من الحكمة، فالضرب في هذه الحالة من الحكمة، لا يصدك عنه أحد، ويقول لك: إنه ليس من الحكمة في التربية والدعوة، بل كل من عليه لك ولاية، تستطيع أن تضربه فاضربه، وهذا من الحكمة!! أضرب لكم مثالاًً من واقعنا: رجل الحسبة ورجل الهيئة إذا أمسك إنساناً وأخذ عليه التعهد، وأوقفه يومين أو ثلاثة، هل يقال: الهيئة ليس عندها حكمة في الدعوة إلى الله، لأن الدعوة إنما تكون باللين. أتريد منه أن يمسح على كتف قاطع الصلاة، ويقول له: الصلاة واجبة، ثم يتركه على هواه؟! لا! بل هذا رجل موقعه من المجتمع أن له سلطة عقابية، والأمر الآخر: أنه يدعو إلى أمر واضح لا يحتاج إلى أن يقال: لماذا؟ من الذي يجادل في أهمية الصلاة؟ من في مجتمعنا يجهل أنها واجبة؟ ومن في مجتمعنا من يجهل أنه يجب أن يفلق متجره وقت الصلاة؟ هذه قضايا بدهية. يقول البعض: نُربِّت على كتفه ونكلمه ونعظه، ونأتي له بالآيات والأحاديث، لا بل اضربه عندما يقتضي الأمر ذلك. المهم أن تستخدم الأسلوب الصحيح. فالحكمة هنا أن تعاقبة عقاباً يجعله يرتدع، ويحس بالخطأ ويعود إلى الحق، فقد تكون الحكمة -أيضاً- في العقاب، وهي كذلك في كثير من الحالات.

стр. 1637

دعوة الراغب المحب للحق الحكمة تكون باللين في التعامل مع الراغب المقبل للحق، ويكون التبيين له بالرفق، وبالهدوء قليلا ًقليلاً. وأيضاً: من الحكمة مع هذا الراغب: أنك قد تقسو -أحياناً- عليه وإن كان حبيباً عزيزاً مخلصاً وحريصاً على الدعوة، ولكنك تلين مع إنسان أقل من ذلك بكثير، وهذا من الحكمة. تأملوا في فعل النبي ﷺ مع الثلاثة الذين خلفوا، وماذا قال لـ كعب، وهو من أهل العقبة ومن معه كانا شهد بدراً، والذين قيل لهم: ﴿اعملوا ما شئتم فقد غُفر لكم﴾ ومع هذه المنزلة، وهذه القدم الراسخة بالإيمان وبالدين، نزلت بهم تلك العقوبة، عقوبة قاسية، ويكفيكم في بيان قسوتها، أن الله وصفها، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨]. عقوبة شديدة جداً ومع ذلك جاء المعذرون من الأعراب، والمنافقون جاءوا يقولون: والله يا رسول الله، والله ووالله يحلفون الأيمان، فيقبل منهم النبي ﷺ ، فيذهبون، أين العقوبة؟ لماذا لم تنزل عليهم حينذاك؟ هذه هي الحكمة، هذا الشاب المستقيم الذي عرف الحق والدعوة، إذا ارتكب موبقة، فإنك تقسو عليه، لا قسوةً تنفره ولكن قسوة تردعه، لأنك تضمن رجوعه بإذن الله، لما تعلم لديه من الإيمان، ولما تعلم أن قسوتك عليه وقولك له: أنت مخطئ وما كنت أظنك تعمل كذا، هذا كذا وكذا بقوة، هذا تجعله يخاف ويرتجف ويرتعد لأنه وقع في خطأ عظيم، لكن ضعيف الإيمان أو الذي في أول أمره من الدعوة. قد تقول له: استغفر الله وتب ولا تعد إلى ذلك، ولا تيأس وهكذا، فهذه من الحكمة.

стр. 1638

دعوة الغافل العارف بالحق الصنف الثاني من الناس: وهو الذي يعرف الحق ولا يمانع منه، ولكنه في غفلة عنه، وهذا ندعوه إلى الله: بالموعظة الحسنة. تأتي إليه وتقول له: يا أخي! هذا حرام، وأنت تعلم أنه حرام، وما كان ظني بمثلك أن يفعل، وأنت كذا، وأنت كذا، لأن الله قال: ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] فلتجعلها حسنة، لتهذب عبارتها وأسلوبها بلين الكلام واستعطاف قلبه واستفزاز غيرة الإيمان وحمية الإيمان فيه كأن تقول له: أنت الذي كنا نأمل فيك الدعوة إلى الله، تفعل هذا وهذا، أنت الذي كنا نتوقع منك أن تقوم بواجب الهداية؟ تنحرف، أنت تفعل كذا؟ أنت الذي عندك هذا القدر من العلم، تفعل هذه البدعة -مثلاً- أو توافق على هذه البدعة، فأنت بهذا الكلام، تستثيره، فتجد أنك بهذا الكلام تجعله يقبل إليك ويستغفر الله، وهذه حالات كثيرة مما قد يقع فيه الدعاة، وربما يمارسونه يومياً تقريباً.

стр. 1639

دعوة المعرض المعاند للحق الصنف الثالث: وهذا الذي مشكلتنا اليوم معه وإن كانت مشكلة الشباب من الصنف الأول الآن في نظري أهم، فمشكلتنا معهم أهم وأخطر من مشكلتنا مع المعرضين عن الحق، لأننا لو ربَّينا هؤلاء بالحكمة، بأن نعايشهم، وأن نعاني ما يعانون، وأن نعيش مشاكلهم، وأن نوجههم بالدليل، لتغير ذلك تماماً، لكن كأننا الآن ننصرف إلى أن ندعو الفجار، والفساق، فنكسب للدعوة أعداداًَ وأفواجاً جديدة من الناس ليستقيموا، ونحن لم نقم بواجب التربية الحقة مع هؤلاء الذين يأتون ويريدون أن نوضح لهم: بم يبدءون؟ وكيف يتعلمون؟ وكيف يدعون؟ فقد ننشغل عنهم، ونذهب إلى ذلك المعرض ونفرح بأنه تاب ورجع إلى الله، ولاشك أن هذا أمر عظيم أن يتوب أهل الفسوق، ولكن هذا لا يشغلنا عن هؤلاء. فأقول أيضاً: مشكلتنا مع الصنف المعاند المعارض، أن من الناس من لا يدعوهم إلى الله، ويظن أنه داعية، ونعني بهم الذين يظنون أن الدعوة إلى الله هي موعظة، هي تعليم في المسجد فقط، وهذه الموعظة لايسمعها إلا طلبة العلم، وهذا العلم لايحضره إلا طلبة العلم، لا. ليس هذا، بل يجب أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وأن نواجه هؤلاء المعرضين عن الله، فندعوهم إلى الطريق المستقيم، ومن الناس من يدعوهم ولكن على غير المنهج الصحيح، فكيف ندعوهم؟ ندعوهم ونجادلهم بالتي هي أحسن، وليس بالمجادلة الحسنة فقط، ولكن بالتي هي أحسن، كما قال الله تعالى -أيضاً- في حث أهل الكتاب: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦]، الذين يقولون: عيسى بن الله، وعزيز بن الله والذين قال الله عنهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) [التوبة:٣١]. فالمعارضون لك، الذين قد لا تطمع على الإطلاق في أن يهتدوا، ولكن ترضي ربك بإقامة الحجة عليهم، وتبين لهم أنك على الحق، وتبين لهم أنهم على الباطل، كيف تدعوهم إلى الله؟ تدعوهم إليه بالمجادلة بالتي هي أحسن، تقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] هات ما عندك، لا تتهرب مني هات ما عندك نتناقش، نتباحث نصل -إن شاء الله- إلى الحق. أحدهم يقول لك: هذا ليس حراماً، تقول له: الحرام ما حرمه الله، والحلال ما أحله الله، اسمع إلى قول ربك ، اسمع إلى قول نبيك ﷺ ، فتعرض عليه الأدلة من الكتاب والسنة التي تبين له أن هذا حرام، ثم تعرض له مفاسد ذلك ومخاطره، وغضب الله على من فعله وهكذا. فيقول لك: لا! هذا يجوز، هذا فيه اختلاف، اختلف العلماء، إنما أنتم متشددون، يجادلك، فعليك أن تجادله، بالتي هي أحسن، ولو ثرت وغضبت، وانفعلت، لخسرت هذا الرجل ربما إلى الأبد، نسأل الله العفو والعافية. فيجب أن تكون بالتي هي أحسن، فإذا كانت الدعوة إلى الله على بصيرة وبحكمة، وكانت بحسب أحوال الناس، وبحسب مواقفهم من هذه الدعوة، ووضعت كل أمر في موضعه، وكل كلمةٍ أو موعظةٍ أو عملٍ في موضعه الصحيح، ونظرت إلى عمل النبي ﷺ ، وعلمت أن حياته كلها دعوة، وأنه في كل أحواله داعية إلى الله، وأنه قدوة لك في كل هذه الأمور، ووفقك الله إلى أن تعرف اللين، وأين تضع الرفق، وأين تنزل كل دليل من أدلة السنة والسيرة في محله الصحيح، فهذا هو الذي وفق إلى الخير. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم جميعاً من الموفقين لذلك، وأن يبصرنا بديننا وبدعوتنا إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1640

وصايا عامة أُنزل القرآن على قوم كان منبع فخرهم فصاحة اللفظ وبلاغة البيان، فكان للكلمة مدلولها وأثرها في قلوب ذلك الجيل؛ ولذلك من آمن منهم بالله وقرأ كتاب الله تمسك به، وعمل بمقتضاه، وعرف فضله على ما كان موجوداً عندهم من كلام فصيح وأشعار بليغة، وعرف أن هذا القرآن إنما هو كلام الله وليس من كلام البشر؛ ولذلك أنزلوه منزلته، وتنافسوا في أخذه، وتفاضلوا بناءً على ذلك، كما أنهم عرفوا فضل من بُعث به، وهو نبي الهداية محمد ﷺ وعرفوا أن حبه ومنزلته إنما بلغها بما جاء به؛ فأحبوه حباً أدى بهم إلى صدق اتباع هديه، والسير في الطريق الذي حدده لهم؛ وأكبروا فعل من خالفه وقاتلوه أشد القتال، وأيقنوا أن الله قد أتم دينه، فما كان موجوداً لديهم من علم وقول أو فعل عملوا به وما بعد ذلك لا يكون إلا الغواية والتردي في مسالك الهوى والزيغ والضلالة الموصلة حتماً إلى سخط الله وعقابه.

стр. 1641

قيمة القرآن في نفوسنا الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، وبعث نبيه محمداً ﷺ بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد:

стр. 1642

الغفلة عن القرآن القرآن إن مشكلتنا نحن المسلمين جميعاً مع تفاوت فيما بيننا أننا قد ننسى قيمة هذا القرآن، ولو فكرنا في أسباب ذلك فلعلنا نهتدي إلى علاجه، وإلا فكيف يهجر القرآن ولا يؤبه له؟! مع أن هذا القرآن جعل الله آياته تحيي القلوب، فأحيت أمماً وشعوباً, وأيقظتها إلى الهداية والخير والصلاح. كيف نغفل عن كتاب الله ؟!! وقد جعل الله فيه الهداية والسعادة الكاملة، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] في كل أمر من الأمور، وكم يختلف الناس، في أمور دنياهم، وفي أديانهم، وتقربهم إلى الله تعالى، وفيما بينهم، وكيف يكون الأفضل؟ وأين الصواب؟ وما من علم ولا فن ولا أمر من الأمور، إلا وللبشر فيه آراء وآراء، وخلافات، فأين هو الطريق الأقوم؟ وأين الهداية في خضم ذلك الخلاف؟ يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء:٩] ورحم الله الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، فإنه في تفسير هذه الآية قد أجاد وكتب ما لم يكتبه غيره، فجزاه الله خيراً. ولو أننا تدبرنا كتاب الله من خلال فهمنا لهذه الآية وأمثالها، لصلحت أحوالنا، فالقلوب الميتة، والعيون العمي، والآذان الصم تحيا -بإذن الله- وترى الحق وتتبعه، عندما تقرأ وتتدبر كتاب الله . والشقاء والضياع والخسارة التي تعاني منها الأسر والمجتمعات والأمم، كلها تتبدد خيوطها وأوهامها إذا أقيم كتاب الله ﵎، وإذا أقيمت حدوده، ووقف عند أمره ونهيه، واتبعت سنة رسول الله ﷺ وأصحابه.

стр. 1643

مدارس تحفيظ القرآن تعيد قيمة القرآن إلى نفوسنا ومن فضل الله تعالى أن وجدت مدارس متخصصة لتحفيظ القرآن الكريم، وهذه نعمة كبرى، وأنا أغبط طالب ومعلم تحفيظ القرآن الكريم لأنهم هم المورد المفقود في العالم الإسلامي، ولأنه حين يوجد شاب يحفظ كتاب الله تعالى، ويجيد قراءته، إلى جانب القدرة والكفاءة ليتعلم أي علم من العلوم الدنيوية معه، فهو بذلك يوجد الشيء المفقود من هذه الأمة. وحيث أن أمام الشاب اليوم في العالم الإسلامي طريقين: إما أن يسلك طريق القرآن؛ فتوصد في وجهه أبواب الرزق والوظيفة، وإما أن يسلك طريق الدنيا وتعلمها بأي سبب من الأسباب، ولا يجيد القرآن ولا يحس به، إلا ما يقتطعه من وقته في أوقات فراغه إن كان لديه فراغ. ولكن أنتم يا معلمي القرآن من أجل القرآن تعملون وتشتغلون، ويأتيكم الطلبة من أجل كتاب الله، وكم من أب حريص كل الحرص على أن يدخل ابنه مدرسة تحفيظ القرآن، ولو أن يدفع ما يطلب منه أن يدفع، ولو أن يضحي بما أمكن أن يضحي به، فقد يأتي من مسافة بعيدة، ولكنه يحب أن يدخل ابنه في هذه المدرسة، وقد يضحي بأمور كثيرة، وهذه الخصيصة التي تعطى لمن يدعو إلى الله، ويعلم كتاب الله، وهذا الأجر الذي يعطيه الله هو خير وأبقى. فهذه تجعل علينا جميعاً مسئولية مشتركة تجاه هذا الكتاب، وتجاه تنمية الطالب والأستاذ، فنريد الطالب أن يعي ويتدبر ويفهم أهمية وقيمة هذا الكتاب وقيمة ما يتعلمه، فإن الحجارة في الأرض كثيرة، ولكن الذهب فيها هو القليل، وإذا كنا نريد أي طالب فالدنيا مليئة بالمدارس، وبالطلاب، ولكننا نريد طالباً يحفظ كتاب الله، ويقيم حدوده، ويأتمر بأمره وينتهي بنهيه. وهذا هو الذهب النادر، وهذا الذي نحرص عليه، وهذا هو الذي مهما ضحينا من أجله، فلا خسارة في الجهد ولا ضياع، لأنه في سبيل الله ومن أجل كتاب الله ، وهذا الذي يجب أن نتعاون عليه نحن الآباء والمدرسين والمجتمع كله، هذا هو الثمرة، وهذا هو الخلاصة.

стр. 1644

المفاضلة بالقرآن كان النبي ﷺ يفاضل بين أصحابه بالقرآن، وكذلك في قيادة الجيش، وفي إمامة الصلاة، يتفاضلون بالقرآن لأنهم عاشوا في مجتمع أو جاهلية جهلاء، وعرفوا نكدها وشقاءها، ووثنيتها وشركها، ولما جاءهم فضل القرآن أحسوا بقدر النعمة، وعرفوا قيمته, وتمسكوا به، فكان ربيعاً لقلوبهم، وجلاءً لأحزانهم، وذهاباً لغمومهم. فكانوا يلجئون ويهرعون إلى القرآن والصلاة، وإلى قراءته في الصلاة، أو في غيرها؛ إذا حزبهم أمر من الأمور، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ، وكما كان أصحابه من بعده، كانوا يستعينون بقراءته، فتذهب همومهم وأحزانهم، والتي هي هموم في سبيل الله ، وفي الدعوة إليه، فما بالكم بقلوبٍ همومها في الدنيا، وأحزانها للدنيا؟! فهي أحوج إلى أن تذهبها, وأن تجلي من صدئها بكتاب الله . فإذا التحقت بمدرسة تحفيظ القرآن، فاحمد الله، واعلم أن الله يختبرك في أمر عظيم، فإما أن تكون طالباً تستحق حفظ كتاب الله، وإلا فإنها فتنة وستسقط في ذلك الامتحان، وإذا كنت مدرساً لتحفيظ القرآن، فإن هذا يجعلك تستشعر هذه المسئولية، وإلا فالمدرسون كثير والمدارس كثيرة، فلماذا أنت في تحفيظ القرآن الكريم؟! إذاً هناك أمر عظيم، هناك اختبار من الله لك، فإما أن تكون من أهل القرآن وحملته، وإما أن تخفق -عافنا الله وإياكم- فيكون أشد وأعظم بلاء من ذلك الذي يأخذ أجراً على عمل يقوم به لغير كتاب الله . فهذا القرآن يوجب على كل واحد منا أشياء: فالحاكم يوجب عليه القرآن أن يقيم حدود الله من خلاله، وعلى المربي أن يربي الشباب عليه، وأن يكون بين ناظري الأب ليقوم به في بيته وفي أسرته، وأن يكون موضع اهتمام الابن ليحفظه ويتعلمه، وكل منا مخاطب بهذا القرآن، وكل العالمين مخاطبون به أيضاً، ولكن مسئولية من تصدَّر لتعليمه ولتحفيظه كبيرة، وكذلك الأجر الذي يحسب له بإذن الله كبير إذا قام بواجب هذا القرآن وعلمه وحفظه، وخرج من تحت يديه جيل يصح أن يسمى جيلاً قرآنياً، كما كان أصحاب النبي ﷺ . هذه المهمة وهذا هو الواجب الذي يستشعره الإنسان مع فرحته وشعوره بأنه يعيش في جو يزكيه ويطهره بتلاوة كتاب الله ، إلا أنه يجب علينا أن نستشعر المسئولية، وأن نذكر أنفسنا أولاً وإخواننا ثانياً بعظم هذه المسئولية الملقاة على عواتقنا، وأن نتوكل على الله ، ونعرف قيمة هذا القرآن، وندعو إليه، ونعمل به، ونحيي قلوبنا بذكر الله، فإن الله قد تكفل لمن قام بهذا القرآن وعمل به ودعا إليه، أن ينصره في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] فلا طريق إلى النصر، ولا إلى الفلاح والنجاح والسعادة إلا بالقرآن، نسأل الله أن يجعله ربيع قلوبنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا، إنه سميع مجيب.

стр. 1645

خطر بدعة المولد من البدع المشهورة بدعة المولد التي راجت في ديار الإسلام والتي تحتاج إلى تنبيه وتوضيح خطرها، وكلنا يعلم خطر البدعة، وشر البدعة، وشؤم البدعة. وأول بدعة ابتدعت في الدين، وترسخت في جماعة، وعملت بها فرقة، هي بدعة الحرورية، الخوارج، ومع شدة عبادتهم وكثرة اجتهادهم، التي قال عنها النبي ﷺ : ﴿تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم﴾، وفي وقت الصحابة وهم أهل العبادة والفضل، كان أولئك الخوارج أكثر منهم عبادة، وأكثر منهم قراءة، حتى إن عبد الله بن عباس ﵁، لما دخل عليهم هو وأبو سعيد الخدري عجبا من شدة عبادتهم واجتهادهم، لما رأيا أن جباههم وركبهم عليها مثل ركب الإبل، من شدة وكثرة السجود، ومع ذلك فإن النبي ﷺ ذكر فيهم من الوعيد الشديد، أنه لو أدركهم لقاتلهم كقتال عاد وثمود. وقد كان علي ومن معه من أصحاب النبي ﷺ فرحين مستبشرين لما أظفرهم الله ﵎ على الخوارج وقتلوهم، لأنهم أصحاب بدعة مع هذا التعبد الشديد. وهكذا البدع مهما كان عليه أصحابها من العبادة والتقوى في ظاهر حالهم، أو فيما يعلمون من أمور دينهم، لكنهم يتعمدون هذه البدع، فيكون لها من الشؤم ما يفسد تلك العبادة، والعياذ بالله!

стр. 1646

تحقيق محبة النبي ﷺ ومحبة النبي ﷺ من تمام الإيمان برسالته؛ لقول النبي ﷺ : ﴿لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين﴾، فهي من أصول ديننا، ومن معاني الإيمان به ﷺ أن نحبه حباً يفضل حب أنفسنا وأولادنا ووالدينا والناس أجمعين، هذا هو الذي نعتقده ونشهده في حقه ﷺ . ولكن كيف نعبر عن هذه المحبة وما مقتضى هذه المحبة؟ هذا هو الذي يخطئ فيه كثير من المسلمين، فمنهم العامد الهدام، ومنهم الذي لا يدري، ومنهم الغافل الذي يظن أن هذه قربة يتقرب بها إلى الله ، والقلب البشري كالإناء لا يحتمل إذا وضعت فيه عسلاً أن تضع فيه ماءً أو غير ذلك، وكذلك عمل وعمر الإنسان، فإما أن يعمر العمر بالطاعة، وأن يكون العمل كله طاعة، وإما أن يكون محل الطاعة معصية، أو مكان السنة بدعة، وهذا لا بد منه، لأن القلب لا يحتمل غير ذلك، فإذا أحدثت بدعة في الدين، فإنها تحل محل السنة، وكما روي ذلك في حديث عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: ﴿ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها﴾ وهكذا. أنزل الله هذا الدين تعبداً لجميع حياة الإنسان، وأي جزء من حياة الإنسان يصرفه في بدعة، فقد رفع شيئاً من السنة بلا ريب وبلا شك.

стр. 1647

نشأة بدعة المولد وهذه البدعة التي يسمونها المولد، عندما تتبعت كيف وجدت وكيف نشأت، تأكد لي أن أول من أوجدها هم العبيديون، الذين يسمون أنفسهم بالفاطميين أتباع الدولة الفاطمية في مصر، وهذه الدولة دولة يهودية أثبت ذلك علماء الإسلام، وتكلم علماء الإسلام والمؤرخون أنها يهودية، القدماء منهم والمتأخرون، حتى من كان باطنياً على دينهم، ثم رجع عنه، وكتبهم الآن طبعت وحققت ولله الحمد. ويدعون أنهم ينتسبون إلى النبي ﷺ ، واليهود كما نعلم أعداء الرسول ﷺ وأعداء المسلمين، واليهودية سممت النبي ﷺ في ذراع الشاة التي أنطقها الله ، ولا شك في ذلك. فهل يعقل أن أصحاب النبي ﷺ ، وأفضل القرون القرون الثلاثة لا ينتبهون أن هذا من محبته ﷺ فيعملونه ويعلمونه، وينتبه اليهود لذلك؟! فالذي حيَّرني في هذه المسألة أن هناك سراً، ولعل السر والله أعلم، أن مولد النبي ﷺ غير ثابت، ولا ندري في أي يوم ولد، وفي أي شهر، فقيل: إنه في ربيع، وقيل: إنه في رمضان، وقيل: في أول الشهر، وقيل في آخره، وكان العلماء كـ ابن عبد البر والمالكية يرجحون أنه ﷺ ولد في رمضان، بدليل أن القرآن أنزل في رمضان، وهذا ثابت في القرآن، والقرآن أنزل عليه ﷺ في تمام الأربعين سنة، ونحو ذلك من الأدلة، فوقت مولد النبي ﷺ غير معروف. فنحن لا نتكلم عن مناقشتهم بالأدلة، بل نحلل القضية بالتحليل التاريخي والعقلي، وما وراء هذه المسألة، فإذا كان مولده ﷺ غير ثابت، مع أن وفاته ﷺ ثابتة في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، فما الذي يتوقع من اليهود أن يفعلوه وهم أعداء النبي ﷺ ؟! فقد جعلوا تاريخ وفاته المؤكد أنه في الثاني عشر من ربيع الأول عيداً لهم، وموهوا على المسلمين؛ لأنهم كانوا يحكمونهم. وكان المسلمون يعلمون أنهم كفرة، وأنهم زنادقة، وخاصة في مصر والمغرب لأنهم كانوا متضايقين منهم أشد الضيق، ولذلك عندما جاء صلاح الدين وقضى على دولتهم لم يبق في مصر والمغرب رافضي واحد ينتمي لهذه الدولة، من شدة ما كان الناس يكرهونها. فكيف يستطيعون أن يهدموا ويفعلوا ويموهوا على هؤلاء الشعوب وعلى المسلمين، وأن يفعلوا احتفالاً بالوفاة، قالوا: احتفالاً بالمولد فجعلوه مولداً، يوقدون فيه الشموع، ويبسطون الموائد، وتأتي الخيول، وتقام المهرجانات والاحتفالات، وهناك يظهرون الفرح والابتهاج، لماذا تفرحون؟ قالوا: الناس يفرحون على أنه مولد، واليهود يفرحون على أنه موت. وإن شئتم بعض الأدلة على ذلك، فإن محمد الفاتح؛ عندما فتح القسطنطينية، فإن أوروبا تألمت ألماً شديداً -اليهود والنصارى- وخاصة النصارى، تألموا جداً أن عاصمتهم تفتتح، فماذا عملوا؟ جعلوا يوم وفاة محمد الفاتح عيداً، يقدمون فيه الولائم في كل أوروبا، ويجمعون الناس، ويذبحون الذبائح، ويبتهجون يوم وفاته. وهذه من عادة أولئك القوم، فمن عادة اليهود والنصارى وبعض الشعوب أن تجعلوا يوم وفاة أكبر عدو لها عيداً تحتفل به وتبتهج، ومن هنا كان المولد أول من أحدثه: هم هؤلاء الزنادقة اليهود، وجعلوه عيداً واحتفالاً، لأنه يوافق موت النبي ﷺ . هذا هو التحليل التاريخي، بغض النظر عما تعلمونه من أدلة ونصوص، فإن الإنسان لا يجوز له أن يحتفل بأية بدعة، وكفى في ذلك ما صح عنه ﷺ أنه قال: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ أي: مردود على صاحبه غير مقبول، بل هو مأزور غير مأجور، وعليه إثم البدعة، وهذه الأحاديث والنصوص الكثيرة التي جعل الله التمسك بالسنة وترك البدعة أمراً. إحدى وصايا النبي ﷺ الآيات العشر التي أنزلها عليه الله، قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] وهي السنة، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣] وهي البدعة ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] ومع هذا التأكيد إلا أن أهل الضلال والبدع لا يزالون في غيهم يعمهون. حتى أنهم جعلوا عزاءهم يوم كربلاء ومولد النبي ﷺ متشابه الكلام والأناشيد والنغمات، فمع اختلاف موضوعهما وكل منهما في جهة إلا أن أعداء الإسلام يقولون: هدمنا هؤلاء بالتشيع، فلنهدم هؤلاء بالتصوف والبدع، ولا يبقى للإسلام قائمة، هذه عقول تخطط وتعمل ليل نهار، يمكرون ويخططون، ويوحي بعضهم إلى بعضٍ من الجن والإنس، لكي يفسدوا هذا الدين، والله هو الذي يعلم ما يبيتون، وهو الذي يعلم ما يمكرون وما يخططون، ومن أجل ذلك بيَّن لنا الله المحجة البيضاء، وأوجب علينا سلوكها، لنجتنب أولئك.

стр. 1648

كيفية القضاء على هذه البدع ولن نتقي شر البدع وأهلها إلا باتباع ما كان عليه النبي ﷺ ، وقد قالها عبد الله بن مسعود ﵁، قالها في أمر يسير عادي وهو الذكر قال: [[إما أن تكونوا على ضلالة وإما تكونوا أهدى من أصحاب محمد ﷺ ]] ففي كل بدعة تقام إما أن يكون أهدى من أصحاب محمد ﷺ ، وإما أن يكون على ضلالة، وهكذا كل بدعة لم يفعلها أصحاب النبي ﷺ ، فلهذا أحببت أن أنبه على هذه المسألة. ومن كان في حي أو منطقة غافلة عن هذا الموضوع، فعليه أن ينبههم ويذكرهم، فقد ينتبه الغافل، ومن كان في مجتمع أو في بيئه يظهر فيها هذا الأمر فليبين لهم بالأدلة من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، وبالأسلوب الهادئ المقنع، ويحرص على من يعلم اقتناعه بهذه البدعة من كبار هؤلاء القوم كالتجار ونحوهم، ويتودد إليهم ويكلمهم بالحكمة، ويبين لهم أن نفقة المال إن لم تكن في سبيل الله فلا خير فيها، وأنكم تريدون الأجر وتضعونه في الإثم وأمثال ذلك. وليستعن بإخوان ليعينوه، لأنه -كما تعلمون- هدفنا الدعوة إلى الله وأن يترك الناس هذه الضلالات والبدع، ولو كان همنا إقامة الحجة لكان الأمر أهون من ذلك، لكن القضية أكبر من إقامة الحجة، وهو أن نطمع في الهداية، فتحصل بإذن الله ، فكم منهم من اهتدى وتاب والحمد لله، فهذه السَنَة يقول: أنا كنت أعمل ذلك في العام الماضي، ولكن هذه السنة فهمت، فنقول: جزاك الله خيراً، وهذا المال مثلما كنت تنفق في البدعة فانفق منه على السنة، والجهاد في سبيل الله، وتحفيظ القرآن، وأعط الفقراء والمساكين، واعمل الخير وتصدق، وهذا يكفر عنك ما كنت تعمل. أصحاب البدع والضلالات كثير، وعندنا ليست المسألة كثير أو قليل، لكن المسألة عندنا اتباع أو ابتداع، وأصحاب النبي ﷺ هم القدوة في هذا الشأن، والسلف هم القدوة وحدهم، فما عملوه نعمله وإن خالفهم من بعدهم، وما لم يعملوه لا نعمله، وإن عمل به من بعدهم كائناً ما كان عددهم، فالعبرة عندنا هي بهذا.

стр. 1649

الاشتغال بالجهاد وأما القضية الأخرى وهي قضية الانشغال بالجهاد: أولاً: يجب أن نلزم أنفسنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبالجهاد، فإن هذا مما يظهر الله به الحق على ألسنتهم، فهم يقولون: إن الصحابة اشتغلوا بالجهاد، ونحن اشتغلنا بالموالد والموائد، ولولا الموائد ما كانت الموالد! إذاً هذا يقول: الصحابة في وادٍ وأنا في وادٍ آخر، وهذه شهادة على نفسه، لأن الصحابة الذين جاهدوا ما كانوا يجاهدون فقط بحمل السيف، إنما جاهدوا بالدعوة، وبالعلم، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم كتاب الله وبث سنة النبي ﷺ . وأحوج ما تحتاج إليه الأمة الإسلامية هذا الجهاد، فأين الفراغ الذي عندكم؟ ثم يعترفون ويقولون: إن الصحابة لم يحتفلوا بالمولد لأنهم انشغلوا بالجهاد والدعوة وسواها، وهذا أيضاً من العجب! تقولون: لم يفعلوه لأنهم انشغلوا، ونحن حتى إذا لم ننشغل لا يجوز لنا أن نفعله، وإلا كما قال عبد الله بن مسعود عن حلقة الذكر التي رآها: 'إما أنكم أهدى من أصحاب محمد ﷺ ، وإما أنكم على ضلالة' ولا بالكثرة ولا عبرة بقضية الانشغال. كم من الأمور التي أهملناها! وكم تركنا من ديننا! وليس الجهاد هو العائق الوحيد، لكن العائق الذي وقف أمام أصحاب النبي ﷺ في مثل هذه الأمور وغيرها، هو أنهم يعلمون أن صاحب البدعة مأزور غير مأجور، ولأنهم كانوا وقافين عند كتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ ولذلك لم يفعلوها، وإلا فهي أيسر عليهم من الجهاد، وقد يقال: إن الذين على الرباط وفي الثغور في الفرس والروم منشغلون بالجهاد، لكن الذين كانوا في المدينة، فليلة في السنة لا تؤثر على وقتهم، وخاصة في عمل فيه محبة للرسول ﷺ ، وهم الذين كانوا أكثر الناس ألماً لوفاته ﷺ ، ولفقده، وأكثر حباً له. تعلمون حديث أم أيمن لما زارها أبو بكر وعمر، فوجداها تبكي على وفاته ﷺ ، فقالا: ما يبكيك يا أم أيمن؟ أما تعلمين أن ما عند الله خيرٌ له ﷺ من هذه الدنيا؟! قالت: والله ما أبكي وإني لأعلم أن ما عند الله خيرٌ لنبيه ﷺ من هذه الدنيا، لكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء فهيجتهما على البكاء، فبكيا ﵄. أبو بكر ﵁ جاهد بماله كله وتصدق، ويقول له الرسول ﷺ ﴿ما أبقيت يا أبا بكر؟ فيقول: الله ورسوله﴾، فلماذا لم ينفق من ماله شيئاً ليحيي ليلة مولد النبي ﷺ ؟ لأنه يعلم أنها بدعة، وأن محبته ﷺ في إحياء سنته وباتباعه، وبتعظيمه في قلوبهم، وتعظيم أمره ونهيه، وأن ذلك أفضل وأعظم عندهم من أن يبتدعوا في دين الله ما ليس منه. يقول أحد السلف: [[ما عبدت الأصنام إلا بالشبهات]] أي: أن الكواكب والحجارة ما عبدت إلا بشبهة، يقولون: هذا الحجر مبارك، لأن هذا البيت بناه إبراهيم، وهذا الحجر منه فأخذوه، ثم طافوا حوله وعبدوه، فبالشبهات والتلبيسات عبدت الحجارة من دون الله. فلا نستغرب من أية بدعة من البدع أن يكون حولها شبهات وتلبيسات وتوهمات، فهذه طبيعتها، فلو جاء الكفار مثلاً وقالوا: اكفروا، لما كفر أحد، ولو جاء إبليس وقال: لا تصلوا، فلن يطيعه أحد، لكن يجعل حولها شبهات وتلبيسات وشهوات، ويقول للإنسان: الآن لا يجب عليك الصلاة، وستصليها فيما بعد، حتى يضيع المرء الصلاة، وهكذا. وهناك قضية أهم من قضية المولد، وهي إهمالنا نحن في تمحيص العقيدة، وفي نشر العلم الشرعي الصحيح، والأمة التي تعلم أن كتاب الله حق، وتعرف العقيدة الصحيحة، والتوحيد الصحيح، مهما حاول الدجالون معها فلن تقبل منهم، لكن مع الجهل ومع الخواء، ومع تخاذلنا وتكاسلنا بالقيام بالدعوة، صار كل من هب ودب يقول ما شاء، ويُسمع له، ولو قال أحد: أنا رسول يوحى إلي، لصدقوه وعبدوه! كما جاء أن الدجال يقول: (أنا الله) فيصدقونه ويتبعونه، كم يؤمن بالدجال؟ كثير، وكم يحارب الدجال؟ قليل، فدعوته يلقى لها رواجاً، لكن متى هذا؟ في غياب الحق، ولو ظهر الدجال والنبي ﷺ على الحياة، هل كان يجد هؤلاء الأتباع؟! ولو ظهر أحمد القادياني، هل يجد ما وجد من الأتباع؟ لكن الآن أي ناعق يظهر بدعوة سيجد الأتباع، لوجود الخواء في قلوب الناس. إذا كان طالب العلم شحيحاً بما تعلم، ويقصر في تبليغ الدعوة إلى الله ، والعامي مشغولاً بدنياه، ويريد أن يعبد الله وتأتيه هذه اللحظات، وهذه الحسنات، ويقول: أنا أعبد الله من خلال الدين، وأؤدي عن نفسي هذا الواجب، حتى إذا قيل له: أنت يا أخي ليس عندك دين فإنه يحضر المولد، ويبرهن لك ويقول: أنا على دين! إذا كان هذا حالنا نحن في تقصيرنا وإهمالنا، فلا نستغرب أن توجد أية بدعة، فمثلاً: كان أحد الدجالين ساحراً دجالاً وكان في مكان قريب من هذا المكان، وكان هناك عشرة شباب يذهبون إليه في الساعة الواحدة ليلاً ويسهرون عنده، ليعلمهم السحر واستحضار الجن، كيف يذهبون إليه ويصدقونه؟ لأن العلم غائب عنهم، حتى هدى الله واحداً منهم ثم شاء الله وكتب، ووضع ذكرياته عن هذا الرجل وذكر اسمه، وكيف كان يعلمهم، وكيف كان كذا وكذا إلى آخره. وهذا وقع نتيجة الجهل لغياب الدعوة إلى الله ، ولغياب نشر العلم الشرعي، كلكم -ولله الحمد- تعلمون، وكلكم أفضل مني في هذا ولا شك، لكن هل نحن يد واحدة؟ هذا يعقد مجلساً، وهذا يقيم ندوة، وهذا يكتب مقالة، وهذا كذا، فنحول القطرات إلى تيار. فإذاً لا بد أن نتعاون جميعاً في مثل هذه المناسبات، ونذكر أنفسنا بهذا الشأن أينما كان، ونتعاون في تأدية الواجب لله، وندعو إليه ، ونحيي سنة الرسول ﷺ ، وسيكون لنا عند الله الأجر الذي وعد به النبي ﷺ من أحيا سنته. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1650

الصبر على الابتلاء تحدث الشيخ حفظه الله عن أمور مهمة تتعلق بالصبر، وحاجة الناس إليه، وعلى وجه الخصوص الدعاة إلى الله، وذلك لما يقابلهم من عقبات تحتاج إلى الصبر، ثم بين ما يترتب على الصبر من الثواب الجزيل، مستعرضاً بعض النماذج من صبر الدعاة الأوائل، مبيناً أنه لابد من الابتلاء وعليه فلابد من الصبر، فهو حيلة من لا حيلة له، وهو أساس النصر، وكلما زادت مسئولية الانسان صار الصبر في حقه أولى وأحرى.
следующие страницы →