Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.
стр. 1576
الإخلاص في طلب العلم
نحن نخشى على أنفسنا -جميعاً- من النفاق, ولا نستنكف ذلك؛ فإن أحد التابعين وهو ابن أبي مليكة ﵁ يقول: [[أدركت ثلاثين -وفي رواية ثمانين- من أصحاب محمد ﷺ كلهم كان يخشى على نفسه النفاق]] عافنا الله وإياكم من النفاق! فطلب العلم إذا كان خالصاً لوجه الله ﵎, وصاحبه يريد أن يدعو إلى الله، وأن يحقق ثمرة هذا العلم؛ فإن علامة ذلك وآيته: أنه يعد العدة من الآن لهذا العمل الجليل، والله ﵎ قد أخبرنا بحال المنافقين حينما أخذوا يعتذرون إلى النبي ﷺ ويحلفون في غزوة تبوك، فقال: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦].
فبيَّن الله تعالى كذب المعتذرين الذين تخلفوا وخُذلوا عن القيام بأمر الله مهما حلفوا من الأيمان، ومهما ظهر عليهم أو أظهروا من علامات البراءة والصدق, فأبطل الله ﵎ دعواهم هذه بحقيقة مهمة جلية، وهي: أن الذي يريد الحق وسعى إليه ثم حال دونه عذر، فإنه يعد العدة، ولكن يمنعه العذر.
أما هؤلاء فإنهم لم يعدوا العدة لذلك ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ [التوبة:٤٦]، أي: لو كانوا حقاً يريدون الخروج لأعدوا له العدة، ولكنهم كانوا متخاذلين متكاسلين إلى أن انتهت الغزوة وعاد الجيش, فأخذوا يقسمون الأيمان ويحلفون أنهم صادقون، وأنهم يريدون الخروج.
فالإخلاص في طلب العلم لوجه الله هو أول ما يجب على طالب العلم؛ وكما تعملون أن أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ثلاثة -كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ ومنهم: العالم المرائي أو القارئ المرائي طالب العلم الذي تعلم رياءً أو طلب العلم من أجل الدنيا.
وقد عقد الشيخ الداعية المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه في " كتاب التوحيد " باباً بعنوان (باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا)، وذكر فيه قول الله ﵎: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود:١٥ - ١٦] أي: ليسوا من أهل التوحيد أهل المعاصي, لأن المؤمنين الموحدين من أهل المعاصي ما داموا على التوحيد والإيمان، فإن لهم في الآخرة الجنة وإن دخلوا النار، لكن الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار هم الذين تمحَّضت قلوبهم ونياتهم وتجردت عن الإخلاص، وتمحَّضت لغير الله ﵎, وذكر بعد ذلك أن النبي ﷺ قال: ﴿تعس عبد الدرهم! تعس عبد الدينار! تعس عبد القطيفة﴾ إلى آخر الحديث، وفيه الزجر والوعيد لمن يسعى ويعمل ويكدح من أجل الدنيا ومن أجل طلب هذا المتاع الفاني.
فأوصي نفسي وإخواني بالإخلاص في طلب العلم لوجه الله ﵎، وبتقوى الله التي هي وصية الله للأولين والآخرين.
стр. 1577
الحرص على الوقت
وإن مما يجب أن أوصي نفسي وإخواني به: أن نَجِدَّ في طلب العلم، وأن نحفظ أوقاتنا, فما أكثر ما تضيع الأوقات للأسف الشديد!! يجب علينا أن نضيِّق الأسباب المضيعة لأوقاتنا، سواءٌ منها ما كان متعلقاً بالنظام، أو ما كان منها متعلقاً بالسكن وبظروف الحياة؛ فإن هذه ولا شك تقتطع من وقت الإنسان جزءاً غير هين.
لكن يجب أن نغالب هذه الأسباب, ونبذل جهدنا لكي تكون أوقاتنا معمورة دائماً بالخير والنفع، وبما يقربنا من الله ، وأن تكون مجالسنا في السكن وفي الجامعة مجالس خير وذكر ومساءلة وطلب علم وحرص ومحبة لبعضنا بعضاً، وأن نستفيد من هذه الفرصة المتاحة لنا، وهو أننا طُلاَّب وما نزال في مرحلة الطلب, وكلنا إخوة ولا يعاب على أحدٍ أن يسأل مهما بلغت منزلته من العلم، أو أن يقول: الله أعلم؛ فهذا من أصول السلف الصالح ومن آدابهم، لكن مع ذلك طالب العلم وهو ما يزال في مرحلة الطلب هو الذي لا يجد غضاضة في أن يسأل وأن يناقش وأن يبحث، فهذه فرصة مهيأة.
والإنسان إذا تصدَّر للحياة فيما بعد التخرج سيجد نفسه تجد أن السؤال ثقيل، وقول: الله أعلم تجده ثقيلاً، وهذا من أمراض النفوس التي يجب أن تُحارب، لكن ينبغي لنا ألا نتيح الفرصة لهذه النفس ولهذا الشيطان الماكر؛ فالشيطان يمتلك الكثير من الوسائل لأن يوسوس وأن يخدع ويغرر بهذه النفس، فينبغي أن تكون أوقاتنا دائماً كذلك، وأن يسأل بعضنا بعضاً، وأن نسأل أساتذتنا الكرام ومن نثق بعلمه لنستفيد جميعاً.
стр. 1578
المحبة والأخوة أهمية الأخوة لطالب العلم
وهناك أمر أرى أنه لا بد أن أنبه إليه, وهو: أن تكون علاقة بعضنا ببعض علاقة الأخوة والمحبة والنصيحة, فالأمر المؤلم والمؤسف أن يوجد -أحياناً- إخوة في كلية واحدة، وفي سكن واحد ولا يتعارفون, وأشد ألماً أن يكونوا غير متحابين وغير متوادين, فهذا أمر لا ينبغي، فنحن يجب أن نكون إخوة في الله ، وأن يحب بعضنا بعضاً، وأن نتناصح، فالأخ المقصر نعامله بالرحمة والشفقة، وكل منا يتودد إليه وينصحه ويتحبب إليه، وكُلٌّ بأسلوبه الخاص، ولعل الله أن ينقذه مما هو فيه.
ولنعلم -جميعاً- أن الأمر هو كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٩٤]، فنشفق ونرفق بالأخ الذي فيه تقصير دون أن نجامله ونداهنه ونقره ونرضاه على معصيته, لا! أخ يتخلف -مثلاً- عن صلاة الفجر، أو عن بعض الصلوات!! لا نقره على ذلك, ولكن نخاطبه بالمحبة وبالمودة، وكذلك أخ فيه معصية أو منكر يجب علينا أن نتعاون -جميعاً- قبل أن يصل الأمر إلى الجهات المسئولة في الجامعة أو في غيرها نحاول أن نتدارك هذا الأخ، ولا نعين الشيطان على أخينا، وإذا نصحناه وبذلنا الجهد، ثم بعد ذلك حصل له ما حصل، فإننا لا نلوم أنفسنا, ولكن أرأيتم إذا وقع إنسان في أوحال المعاصي, أو قبض عليه, ونحن لم نعذر إلى الله بالنصيحة, كيف يكون شعورنا بالألم؟! لا شك أن كلاً منا يقول: يا ليتني نصحته! وربما لو نصحته لانتصح! وكذلك ما قد يوجد من بعض الأفكار أو الآراء أو بعض البدع التي قد توجد سواء بيننا أو خارجنا, فنحن لا نستغرب أن يوجد أمثال هذه لأننا أمة أصيبت بعلل وبأمراض, ولكن نحن الأساتذة والأطباء الذين نعامل الناس بالرفق، ونحن أحرص ما نكون أن نستأصل هذه الأمراض بالأسلوب الطيب، وهذا واجبنا جميعاً.
فيرفق بعضنا ببعض, وينصح بعضنا بعضاً، ويُحب بعضنا بعضاً، وأرجو ألَّا يكون للشيطان بيننا مجال بتشهير أو ببغضاء أو شحناء، فإن هذا أفضل ما يتمناه عدو الله.
ولا ينبغي أن نعطي له الفرصة لينزغ فيما بيننا.
وتأكدوا وثقوا أن كل عملٍ خالصٍ لوجه الله , فإنه لن يجد الإنسان نفسه به إلا في محبة لإخوانه, ولن يجدها على أهل الشر والبدع والفسق إلا مشفقةً عليهم راحمةً لهم حريصةً على هدايتهم.
وفي رسول الله صلى الله عليه سلم أسوة حسنة كيف كان صلى الله عليه سلم؟ كيف قابله المشركون بصنوف الأذى والتهم؟ ولكن رسول الله صلى الله عليه سلم كان يقابلهم بالصبر الجميل, بالهجر الجميل, ويقابلهم بالإعراض، وإن أعرض كان إعراضاً لا قطيعة معه، ولكنه ترفع عن سفاهتهم وعن إيذائهم.
فهذا ما أحببت أن أنصح به نفسي وإخواني، ونسأل الله أن ينفعنا جميعاً بما نسمع وبما نقول, وأن نكون طلبة علم مخلصين لوجه الله , داعين إلى سبيل ربنا بالحكمة والموعظة الحسنة, والحمد لله رب العالمين.
стр. 1579
الأسئلة
стр. 1580
الحكمة من اقتران الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله
السؤال
أغلب النصوص القرآنية التي تتحدث عن الإيمان باليوم الآخر، تربطه بالإيمان بالله , فما الحكمة من اقتران الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله؟ ولماذا لم يذكر أي ركن آخر من أركان الإيمان مع الإيمان باليوم الآخر؟
الجواب
قد ورد في غيرما آية من الكتاب ذِكَر الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله ، ولكن أيضاً قد وردت أركان الإيمان الأخرى مع الإيمان بالله كالإيمان بالملائكة والكتب والرسل.
فليس الأمر على إطلاقه، وأما الحكمة فنحن نتلمس ونحاول, ولكن قد لا يكون ما نقول هو عين الحكمة؛ لأن الله أنزل القرآن، وفيه من الحكم والعبر والعظات ما لا يطيقه كل أحد وما لا يستطيع أن يستوعبه أو يفهمه كل أحد، والله هو الذي منَّ علينا بهذا القرآن، وأنزله شفاء ورحمة وهدى، وأمرنا أن نتدبره ونتفكر في آياته الكونية والمحسوسة، وأيضاً آياته المنزلة وهو كلامه الحكيم.
ذكر الإيمان باليوم الآخر مقروناً بالإيمان بالله, لأن الإنسان الذي لا يؤمن باليوم الآخر لا يكون مؤمناً بالله ﵎, والإنسان إذا لم يؤمن باليوم الآخر, فلا معنى لكونه يكون مؤمناً بالله في هذه الحياة الدنيا؛ لأن العمل في الحياة الدنيا يرتبط أساساً بالإيمان بالآخرة.
وأيضاً لأن الله غيب، وكذلك اليوم الآخر من أمور الغيب؛ فذات الله من الغيب, وإنما أخبرنا الله بصفاته، وعرَّفنا بنفسه ، وكذلك عرَّفنا باليوم الآخر وبأحواله.
وأيضاً لأن أول علامة للمؤمنين أنهم يؤمنون بالغيب، وهذه أول ميزة وعلامة, ثم تتفرع عنها بعد ذلك كل أمور وشعب الإيمان؛ والذي لا يؤمن بالآخرة لا يمكن أن يعيش الحياة الإيمانية، وإن قال: أنا أومن بالله؛ فإن ذلك لن يكون إلا فكرة في عقله أو خاطرة في فؤاده، ولا يكون حقيقة واقعة في حياته.
ومن هنا نعلم أهمية الإيمان بذلك اليوم, والله يُذكِّرنا بذلك -أيضاً- في هذه السورة العظيمة في السبع المثاني، والتي أنزلها الله ﵎ على نبيه محمد ﷺ ، وهي أعظم ما أنزله الله ﵎ في الكتب جميعها, وهي سورة الفاتحة, وفيها عرفنا الله ﵎ بنفسه، وبأنواع التوحيد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] توحيد الربوبية.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] توحيد الأسماء والصفات.
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فيها الإيمان باليوم الآخر.
ثم بعد ذلك ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] توحيد الألوهية، الذي هو أول واجب على العباد، والذي بعث الله ﵎ به الرسل، وأنزل به الكتب.
فيأتي الإيمان باليوم الآخر بين ثنايا أنواع التوحيد، وبأنه تعالى مالك يوم الدين، لأن من لم يؤمن باليوم الآخر وبأنه هو مالك ذلك اليوم العظيم، فإنه لا ينفعه إقراره بربوبية الله أو بأسمائه، أو بأن الله وحده هو المعبود، وبالتالي فلا يرجو ثواب الله وما عند الله في اليوم الآخر.
ولهذا قال السلف الصالح رحمهم الله تعالى تلك العبارات العظيمة: [[من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق -الذين يقولون: إننا نعبده لذاته ولا نرجو الآخرة، ولا نطمع في الجنة، ولا نخاف من النار فهؤلاء زنادقة- ومن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري -أي: خارجي- ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن]] نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين!
стр. 1581
الإمامة في الدين
السؤال
كيف تنال الإمامة في الدين؟
الجواب
قد ذكر الله ﵎ في كتابه الحكيم بما تنال الإمامة فيما أخبرنا به عن بني إسرائيل، حين قال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، فهذان شرطان أو ركنان عظيمان لتحقيق الإمامة في الدين.
والإمامة في الدين لا تكون إلا بهما: الصبر واليقين، فالصبر يشمل الأنواع التالية: الأول: الصبر على طاعة الله ؛ الصبر في طلب العلم، الصبر على أداء ما افترضه الله وما أوجبه.
والثاني: الصبر عما حرم الله ، كالصبر على غض البصر عن غير المحارم، الصبر على كف اللسان عن الغيبة والنميمة، الصبر على كف القلب عن الغل للمؤمنين وعن الحسد وما أشبه ذلك.
والثالث: الصبر على أقدار الله الكونية؛ فإن هذه الدنيا مليئة بالمصائب والمتاعب، فلا بد من الصبر عليها.
أما اليقين، فإنه يشمل العلم، إذ لا يقين لمن لا علم لديه، فهو يشمل العلم ويشمل حسن الظن بالله ، فلا يقين لمن ليس له ظَنٌ حسنٌ برب العالمين ، وصدقٌ ويقين بوعد الله الصادق له, واليقين هو عمل قلبي يكون تحقيقاً للدرجة أو للمرتبة العليا من مراتب الدين، وهي مرتبة الإحسان؛ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
فهذه عبادة الموقنين جعلنا الله وإياكم من الصابرين والموقنين، ورزقنا الإمامة في الدين! فعندما نعرف أن هذه الدعوة لا تكون إلا لمن حقق هذه الشروط العظيمة، وما يتبع ويدخل ضمن كل شرط منها من فروع بالغة الأهمية؛ فإن ذلك يوجب علينا أن نجتهد وأن نكدح وأن نسعى، وندعو الله أن يحقق لنا ذلك، وما ذلك عليه بعزيز.
стр. 1582
ترك الطاعات خوفاً من الرياء والعجب
السؤال
أحد الإخوة يقول: عندما آتي لأنصح أحد الإخوة يأتي الشيطان ليلقي في نفسي العُجب؛ فعند ذلك أترك النصيحة؟
الجواب
العُجب داءٌُ خبيث، والشيطان لا يبالي بأي وادٍ هلك الإنسان؛ فإن أهلكه بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فحسن, وهذا ما يريد, وإن غلبه الشاب التقي، وقال: لا يمكن أن يخدعني الشيطان، لابد أن أدعو إلى الله وأن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، كيف والدين النصيحة؟! كيف والله تعالى أمرنا ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]؟! إذًا أنا لا أطيع الشيطان في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله.
ولكن إذا أخذ يدعو إلى الله أتاه الشيطان بأمراض القلب؛ أتاه بالعجب والغرور والرياء, وليس ذلك حرصاً منه على علاج قلبك من هذه الأمراض, ولكن ليقول لك: إن دعوت إلى الله فإنك ستعجب بهذا العمل، ويدفعك ذلك إلى الرياء، فخير لك أن تسكت وألاَّ تدعو, فهو يأتي من باب الناصح المشفق المحب، ومتى كان عدو الله ناصحاً مشفقاً؟! ألم يقاسم أبوينا في الجنة إنه لهما لمن الناصحين، وإنه مشفق، وإنه يريد لهما النعيم والملك الذي لا يبلى، وأن يكونا ملكين وغيرها من الوعود والغرور الكاذب؟! ولهذا نقاومه من الجهتين:- - من جهة أننا لا نترك الدعوة إلى الله، ولا طلب العلم، ولا عبادة ربنا من أجله.
- ومن جهة أننا إن جاءنا فقال: اتركوا هذه الطاعات خشية الرياء, فإننا لا نطيعه.
لكن مع ذلك لابد أن نحذر من العجب والرياء, ونحذر من كل ما يحبط أعمالنا، لأن هذه المحبطات تجعل أعمالنا هباءً منثوراً, وما قيمة العمل والجهد إذا كان هباءً منثوراً؟! وما قيمته إذا كان لغير لله ؟! فنحن نقاوم ونحارب العجب والغرور والرياء، ونعمل, ولكن لا نثق في أن هذا العدو ينصحنا ويحذرنا من العجب, فتكون نتيجة ذلك أننا لا ندعو إلى الله ولا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر.
стр. 1583
كيفية تصحيح النية في طلب العلم
السؤال
إن الإنسان عندما يبدأ بطلب العلم لله خالصاً يلاحظ دخول الرياء بين فترة وأخرى على نفسه، وأيضاً يجد أنه يريد شيئاً غير الله من طلب الشهادة والوظيفة والمكانة؛ فكيف يصل إلى تصحيح النية في طلب العلم الشرعي؟
الجواب
الذي جاء وبدأ في طلب العلم أو في أي عملٍ من أعمال الطاعة، وهو لا ينوي بذلك وجه الله ، فإن عليه أن يتوب وأن يستغفر الله وأن يصحح نيته ويحولها لوجه الله .
وأما الذي وُفِّق من أول الأمر لأن تكون نيته لله, ولكن يسأل: كيف يثبت تلك النية ويجردها لله؟ فليعلم أن حالنا مع أنفسنا كحالة جهاد عدو لا يفتر؛ عدوٌ أعطاه الله ومكَّنه من قلوبنا يجري منا مجرى الدم, ونفسٌ أمارة بالسوء تحب أن تخلد إلى الأرض, وشهوات ومغريات من كل جانب, ودعاة على أبواب جهنم يريدون إلقاء الناس فيها.
فلا يكفي أنني أبتدئ بالعمل وأنا مجرد للنية خالصة لوجه الله ؛ لأن هؤلاء الأعداء لا يتركونني أبداً، أنا في طريق قُطّاعه كثير، وعقباته كثيرة, ومفاوزه مهلكة موحشة، ولا سبيل إلى الاهتداء إلى هذا الطريق إلا بالحذر واليقظة؛ بأن يكون القلب يقظاً في كل حين ألَّا يخرج ولا يحيد عن الإخلاص, وعن طلب العلم لوجه الله ، وعن طلب الحق والدعوة إليه كما أمر الله وكما شرع؛ فلا بد من الجهاد.
والنفس قد تغلب تارة, والشيطان قد يغلب تارةً أخرى, ولكن نحن نغلبه -بإذن الله- بالاستغفار وبالتوبة وبتصحيح النية وبتجديدها، وكما قال النبي ﷺ : ﴿إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب﴾.
فلا بد من تجديد الإيمان, ونعلم أنه إذا كان يبلى ويضمحل إلى أن يتلاشى، فلا بد أن نجدده في كل وقت، ولهذا من نظر إلى عبادتنا, وجد أن الله ﵎ شرع هذه الصلوات الخمس، لنجدد إيماننا في كل يوم وفي كل حين؛ كل يوم خمس صلوات، وشرع الله لنا حلقات الذكر, ومجالس العلم وقراءة القرآن, والتفكر في الآخرة, وما أشبه ذلك؛ كل ذلك ليتجدد الإيمان في قلوبنا.
وإلا فقد كان يكفي أصحاب النبي ﷺ أن يقولوا: "لا إله إلا الله" وقد قالوها بصدق وحق وإخلاص ثم ينطلقوا، ولا شيء عليهم بعد ذلك!! لكن كم عانوا! وكم عانى النبي ﷺ وتعب في تربيتهم حتى استكملوا الإيمان، ووصلوا إلى الدرجة العليا التي أثنى الله ﵎ عليهم بها! ونسأله أن يلحقنا بهم, إنه سميع مجيب.
стр. 1584
الرد على من نسب التأويل والتعطيل للسلف
السؤال
أحد الإخوة يسأل عن تفسير قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢]، وذكر بأن ابن كثير قال: 'عن ابن مسعود وابن عباس والشك من ابن جرير ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] قال: عن أمر عظيم، كقول الشاعر:
أصبر عناق إنه شر باق قد سن قومك ضرب الأعناق
وقامت الحرب بنا على ساق
وقال صاحب التفسير: قال العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم:٤٢] يقول: حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال، وكشفه دخول الآخرة، وكشف الأمر عنه' فما رأيكم في هذا التأويل؟ وكيف نوفق بين ذلك وبين من ينفي وجود التأويل بالنسبة لآيات وأحاديث الأسماء والصفات عند السلف رضوان الله عليهم؟
الجواب
الحمد لله! هذا ليس بتأويل، ويجب أن نعلم جميعاً أن السلف الصالح رضوان الله عليهم ولا سيما أصحاب النبي ﷺ لا يمكن أبداً أن يكون فيهم مبتدع، ولم يوجد في أصحاب النبي ﷺ مبتدع ولا مؤول، ولا معطل، ولا خارجي، ولا مرجيء، ولا جهمي، ولا شيء من هذه البدع، والحمد لله رب العالمين، فهو جيل مطهر نقي من هذه البدع والضلالات، بل هم الذين حاربوها وأنكروها.
ولكن هل كل واحد من أصحاب النبي ﷺ معصوم عن الخطأ؟ لا.
وهل كل واحد من أصحاب النبي ﷺ حوى العلم كله؟ طبعاً لا.
فقد يخفى على أحدهم شيء من العلم, وأيضاً قد يقع آحاد منهم في الخطأ.
فهذه الآية صح عن النبي ﷺ أن معناها (يكشف الرحمن عن ساقه فهل هذا الحديث بلغ كل صحابي؟ لم يقل أحد من العلماء أنه لا بد لأي حديث أن يبلغ جميع الصحابة أبداً، فعندما قال هؤلاء الصحابة عن الكشف عن الساق: أنه الهول والكرب والشدة هل قالوا ذلك تأويلاً؟ الصحيح لا, وإنما قالوا ذلك استناداً إلى لغة العرب، فلغة العرب هي أحد المصادر التي نعرف بها التفسير، ولكن نستعمله إذا لم نجد من كتاب الله ما يفسره، ثم من سنة النبي ﷺ ، وبعد ذلك أقوال الصحابة، ثم اللغة, وهم يجتهدون حسب اللغة؛ لأنهم أهل اللغة المتمكنون فيها، وفي لغة العرب لا يُسمى هذا تأويلاً, لأن الكناية يعلم من درس منكم ذلك في لغة العرب لا تقتضي نفي الحقيقة, وهم يمثلون في البلاغة بقول الخنساء في أخيها:
رفيع العماد طويل النجاد ساد عشيرته أمردا
وإذا قلنا: إن فلاناً كثير الرماد, فهذه كناية عن الكرم, فبدلاً من أن أقول: فلان كريم، أقول: فلان كثير الرماد، فالعرب تمدح بعض الناس أنَّ كلبه لا يهر, أي من كثرة ضيوفه, وهذه كناية عن الكرم، لكن الكناية لا تقتضي نفي الحقيقة، فإن وصفي إياه بأنه كثير الرماد لا يقتضي ذلك أنه لا رماد عند بيته أو أنه ليس عنده كلب، أو أن كلبه لا يهر، فقد يكون فعلاً كثير الرماد -حقيقة- بأن يكون هذا الرماد موجوداً عند البيت، وأيضاً قد يكون كلبه لا ينبح لأنه كريم, لكن أنا لم أقصد هذا المعنى الذي يتبادر من ظاهر اللفظ، وإنما قصدت لازمه الذي كنيته عنه أنه كريم، وكذلك لا يلزم من أن يكون الكشف عن الساق كناية عن الشدة وعما في ذلك اليوم من مواقف رهيبة، لا يلزم من ذلك نفي الصفة وأن نقول: ليس لله تعالى ساق.
نلخص ونقرب ذلك ونقول: هل قال ابن مسعود أو ابن عباس: (إنه ليس لله تعالى ساق أو ليس لله يد)؟ لم يقولوا ذلك كمثل المعطلة والمؤولة الذين قالوا: 'ليس له ساق' فهذا فرق عظيم بين القولين، بين من نظر أن الأمر كناية أو لم يبلغه الحديث، وبين من نفى نفياًَ مطلقاًَ هذه الصفة التي صح بها الحديث.
وليس في الصحابة ولا في السلف مؤول؛ ولهذا نقول: ليس من مذهب السلف التأويل, وكل ما يقال: إن فيه تأويلاً، فإن هذا إنما أتي القائل به من سوء فهمه للغة العرب ومن سوء فهمه لعقيدة السلف، ومن بدعته إن كان من أهل البدع، أو بالخطأ في ذلك إن كان من أهل السنة , ونعيد هذه القاعدة ونقررها لا نقول: إن كل واحد من أهل السنة معصوم، ولا أن كل أحد من الصحابة معصوم عن الخطأ حتى في العقيدة, لكن العبرة بأنهم إذا أجمعوا فإنهم لا يجمعون على ضلالة ولله الحمد, وكل من أخطأ فإنه يرد إلى الأصل وإلى المنهج القويم، وهو كتاب الله، وسنة محمد ﷺ ، وما أجمع عليه السلف الصالح.
стр. 1585
كيفية قراءة كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وفهمها
السؤال
كثير من الإخوة يسألون عن كيفية الوصول إلى فهم كتب شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية وما هي الكتب التي تعين على ذلك؟ وكيف يمكن التعرف على عقيدة أهل السنة والجماعة؟
الجواب
بالنسبة لشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية (ولا نقول ذلك تعصباً، ولا نقوله مجرد عاطفة، ولكن نقول ذلك حقاً وصدقاً) نقول: إن هذا الرجل نابغ وفذ, ولو أن شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية كان لدى أية أمة من الأمم, بل أنا أحدد وأقول: لو أن شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ظهر في أوروبا , وظهر منه فقط ما يتعلق بالفلسفة والمنطق، لألَّهه الغربيون ولعبدوه؛ لأنهم أمة جاهلية، ألهت " نيوتن ".
يسمون " نيوتن " إله العلم.
ويسمون " دارون " إله العلم.
ويسمون " هيجل " إله العلم.
هكذا يطلقون عليه عياذاً بالله! ولا إله إلا الله! ونحن أمة لا تؤله إلا الله، عندنا لا إله إلا الله حتى رسول الله النبي ﷺ هو عبد ولا نؤله أحداً غير الله.
لكن نقول: هذه الأمة التي تعبد عظماءها ومفكريها، لو أن هذا الرجل كان منها لعاملته أشد من أولئك، لأنه سبق هؤلاء جميعاً في مسألة نقد الفلسفة والمنطق اليونانيين اللذين لم تقفز أوروبا وتنهض من كبوتها وتدخل في عصر النهضة إلا عندما تخلصت من الفكر اليوناني، ومن المنطق الصوري الذي فرضه أرسطو ومنهجه، ومن الفكر الفلسفي الذي فرض على أوروبا تقليدها وتبعيتها للفكر الإغريقي ولليونان وللجاهلية القديمة.
فيجب على كل طالب علم أن يحرص على اقتناء الكتب، ويبذل جهده لفهمها، ومع أن العصر، والأسلوب، والموضوعات كلها تختلف، ولكن كل شيء يستعان عليه بالمران وبالمراس؛ فمن قرأ له مرة ثم مرة، فإنه سيجد أسلوبه سهلاً شيقاً.
بل من يقرأ لشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀, ثم يجد من ينقل عنه ولم يشر إلى هذا النقل، فتقرأ في ثنايا الكلام سطرين أو ثلاثة أسطر، فيقول لك قلبك: هذا من كلام شَيْخ الإِسْلامِ , وإن كان الرجل لم يذكر ذلك؛ لأن له أسلوباً متميزاً جداً في غاية القوة من الناحية اللغوية وبالمعاني العظيمة التي يتضمنها أسلوبه, ولا غرابة في ذلك؛ لأن الغذاء الذي تغذَّى به قلبه وفكره وعقله هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكلام السلف الصالح.
فالفضل إذاً لذلك المنهج الذي أخرج ذلك الرجل وأمثاله، وسيخرج أمثاله بفضل الله تعالى الذي منَّ علينا بهذا المنهج الذي هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكلام الصحابة والتابعين والسلف الصالح رضوان الله عليهم.
وبهذه المناسبة أكرر وأقول: إن بعضاًَ من كتب شَيْخ الإِسْلامِ ومن آرائه العظيمة التي ألفها تكاد تكون شروحاً لعبارات الإمام أحمد ﵀، وتعلمون ما أعطاه الله من الفضل، المنزلة، الكرامة، الإمامة في الدين.
فمن أراد الخير والحق والهدى، فليتعلق بهذا المنهج الكريم وبهؤلاء الرجال الأفاضل، وليأخذ من حيث أخذوا، وليتبع آثارهم وليقتد بهم، وسيكون -بإذن الله فاهماً لكلامهم، وداعية إلى ما دعوا إليه، وعاملاً كما عملوا وكما جاهدوا.
وأما الكتب التي تطلبون فهي معروفة لديكم, وأول كتاب أوصي به إخواني في الله هو كتاب الله ، كتاب الله: العقيدة، الأحكام, الإيمان، اليقين، الإخلاص، الإخبات الذي تحتاجه قلوبنا، الإنابة، التوكل، الرغبة عن الدنيا والرغبة في الآخرة، كل ذلك نحصل عليه وأضعافه إذا قرأنا كتاب الله قراءة المتدبر المتفكر المتعقل، وقرأنا في تفسير السلف الصالح رضوان الله عليهم من التفاسير الموثوقة، وكذلك سنة النبي ﷺ , فقد حفظ لنا أئمة السنة رضي الله تعالى عنهم أبواباً عظيمة أو كتباً ضمن السنن؛ كتاب الإيمان -كتاب القدر- كتاب التوحيد, وكتاب الرد على الجهمية وغير ذلك من الكتب الموجودة في الصحيحين وغيرهما, هذه المصادر الأساسية وما تبعها من شروح ومن كتب ككتب شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية وابن القيم , وكتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵏ أجمعين, وكتب الشيخ حافظ حكمي ﵀, فهذه مما تعينكم بإذن الله على معرفة العقيدة الصحيحة التي كان عليها السلف الصالح، جعلنا الله وإياكم من أتباعها.
стр. 1586
أخذ العلم والرواية عن أهل البدع
السؤال
حول كتاب أهل السنة والجماعة معالم الانطلاقة الكبرى وما ذكر في كيفية معاملة أهل البدع, وقد يكون لبعضهم من لديه شيء من العلم، هل يؤخذ عنه العلم الشرعي؟
الجواب
بالنسبة للكتاب، هو كما ذكر صاحبه أنه جمعه من كلام شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية , وهو يحتوي على فوائد طيبة، منها هذا الجمع، ومنها ما ذكره فيما بعد من كلام حسن, وجدير بنا أن نقرأه.
وأما بالنسبة للبدعة فقد يقع ذلك, والأمة -كما تعلمون- تتمحض للخير وتتمحض للشر, وبين ذلك أمور متفاوتة، والحال أنه وقع في هذه الأمة في العصور المتأخرة أن التمحض للخير قليل, فلا بد أن يؤخذ شيء من الحق إذا أريد أن يؤخذ الحق ومعه شيء من الباطل, ولكننا نرفض الباطل ونأخذ الحق وحده بحسب المستطاع, وهذا بعد أن نكون عرفنا أن هذا الرجل مبتدع فعلاً، أي أن هذا الكلام مما ثبت عنه.
وهنا أنبه إلى قضية أخرى قد يتعلق بها بعض أهل البدع، وهي قضية الرواية عن أهل البدع، وهو أمر آخر غير تلقي العلم عنهم، لأن الرواية أساسها هو الضبط والثقة والصدق، ولهذا قد يُروى عن أهل البدع الذين لا يكذبون، وكذلك الذين ليسوا من الغلاة في بدعهم والذين ليس لما رووه أثر في بدعتهم، فقد يروى عن بعضهم لضبطه ولثقته, ونحن أهل السنة أمة الإنصاف, وإن لم ينصف أهل السنة فمن ينصف؟ أهل البدعة؟! وإن لم يعدل أهل السنة فمن يعدل؟ أهل البدعة! فنحن إن كان للإنسان فضل من علم أو ضبط وحفظ وإتقان أو زهد وعبادة وفيه بدع, فإننا مع تحذيرنا من بدعته وعلمنا بها لا ننكر فضله فيما له فيه فضل, هذا لا بد منه.
أما من تمحَّض في الشر كـ غلاة الرافضة أو غلاة الخوارج الذين أنكروا بعض سور القرآن، أو كان من الباطنية وأشباهها، ممن ارتد عن الإسلام وتمحَّض للشر وللكفر، فإن هذا لا تقبل روايته، لا يروى عنه ولا يقبل علمه، ولا يُتلقى عنه العلم مطلقاًَ، هذا ما أستطيع أن أوجزه.
والله أعلم.
стр. 1587
منشأ الحداثة وغيرها من المذاهب الفكرية المعاصرة وكيفية علاجها
السؤال
نسمع كثيراً عن الحداثة والحداثيين، فما المقصود بـ الحداثة؟
الجواب
الكلام عن الحداثة لا نستطيع أن نستوفيه، لكن نحن نضع الأصل الذي تعرفون به هذه الفكرة وغيرها من الأفكار، وهي أن هذه الفكرة لم تنبت ولم تخرج من بلاد الإسلام ولا من التراث أو الفكر أو العلم الشرعي الإسلامي أبداً، إنما هي فكرة غربية، وحسبنا أن نعلم أنها غربية, وأية فكرة وافدة، فالواجب علينا أن يكون موقفنا حيالها أياً كانت قبل أن نؤمن بها أو نعتقدها أو نعمل بها أن نشك ونتوقف فيها؛ لأن مصدرها هم هؤلاء الكفار الغربيون.
وما وصل إلينا في مجتمعنا من الحداثة ما هو إلا الفقاقيع, لأن الأصول الفكرية أصلها في الغرب منذ قرن أو قرنين, وأصل هذه الفكرة أنها تستمد من النظرية الداروينية نظرية " دارون ", وتستمد من " الفرويدية " نظرية " فرويد " في حيوانية الإنسان, وتستمد من الماركسية , وتستمد أيضاًَ من المذاهب الأدبية الأوروبية التي عانى منها الغرب مثل المذهب الرومانسي كردة فعل له أو متأثرة به والمذهب الرمزي الذي ظهر في القرن التاسع عشر وهو مذهب أدبي رمزي -أيضاً- طوره البعض وطعنوا في تلك النظريات وأصبحوا يدعونه ويسمونه بهذا الاسم, والحقيقة أن هذا المصطلح هو مصطلح عام يشمل عدة مدارس وعدة اتجاهات هناك في الغرب ومعظمها في فرنسا بالذات، ويصعب حصرها حتى أن بينها من الشقاق ومن العداء ومن الاختلاف الشيء الكثير.
هنالك الاتجاه الوجودي أو ما تطور عن الوجودية وهؤلاء لهم اتجاه, الماركسيون الشيوعيون هؤلاء لهم اتجاه, والشيوعيون أنفسهم لهم أكثر من اتجاه, وهناك أيضاً الاتجاه الكاثوليكي الذي ظل متمسكاً بالتراث، أي الاتجاه الشيوعي المتمسك بمبادئ لينين وماركس.
وهناك الاتجاه الشيوعي المتطور، الذي كان من دعاته " رجاء جارودي " الذي ألف كتاب " ماركسية القرن العشرين " وقد اعتنق الإسلام بعد ذلك, أي أن هناك عدة اتجاهات فكرية، وذلك نتيجة مجتمع لا يؤمن بالله ، نتيجة مجتمع غلا في الجاهليات وأشبع بها من قرون.
تصوروا أن هناك جماعة من هذه الجماعات في باريس واسمها جماعة الضفادع وجماعة الخنازير، وهذه جمعيات أدبية ويجتمعون ولهم فكر، ولهم شعر مختلف عن الآخرين، فضلاً عن البنيوية ومؤسسها رجل يهودي، وأيضاً من المؤسسين لمذهب الحداثة في الاتجاه الشيوعي رجل شيوعي معروف اسمه " رولانده " وآخر اسمه " لفيفر ", وكلهم دعاة للشيوعية، وهم مكشوفون ومعروفون في بلادهم.
وقد جاءتنا إما لأن فينا سماعين لهم، وإما لأسباب كثيرة غيرها أدَّت إلى أن يتأثر بهذا الغزو الفكري شواذ من الشباب, وهذا يجب أن نحسب حسابه كأحد المؤثرات للاحتكاك الفكري مع الغرب؛ فالصراع الفكري مع الغرب أحد الأوجه للغزو الوافد إلينا, ووجه من الوجوه الكثيرة جداً.
وبهذه المناسبة أذكر ما حذر منه وزير الثقافة الفرنسي منذ سنوات حيث وقف يحذر أمته وبلاده فرنسا من خطر السيطرة الفكرية الأمريكية يقول: 'إن الذوق الفرنسي أصبح أمريكياً والهدف الفرنسي أصبح أمريكياً والأفلام تأثرت بأفلام هوليود ' وهكذا رجل في باريس يحذر من هوليود!!! ولا فرق بينهما عند المؤمن.
وإذا كانت هذه الأمم تحافظ على أصالتها كما تزعم، وترى أن أصالتها لا تكون إلا بأن تحمي نفسها من خطر الغزو الفكري القادم إليها من أمم غربية مثلها لا تختلف عنها من حيث المادية عدم الإيمان بالله إنكار الدين ومن حيث الإباحية والانحلال، فكل ذلك سواء هنا أو هناك, لكن يرون أن ثقافتهم لا بد أن تتميز، فما بالكم بالمسلم الذي يؤمن بالله، والذي يستمد إيمانه وعلمه وفكره وثقافته من كتاب الله ومن سنة رسوله ﷺ والعلم الشرعي الصحيح؟! كيف تكون مقاومته؟! وكيف يكون تحذيره من هذه الآراء؟! فهي موجة من موجات الغزو الفكري الوافد, ولا بد أن تنحسر, وتأكدوا أنه لا بد أن تنحسر، لكن لا بد -مع ذلك- من التنبه لهذه الأخطار جميعاً.
وإذا أردنا أن نعالجها, وأنا أقول هذا لأنني أمام إخوة -ولله الحمد- على مستوى العلاج, كيف نعالج هذه الظواهر السيئة؟ ابدءوا بالوقاية، انشروا العقيدة الصحيحة، والعلم الصحيح، والدعوة إلى الله, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع، وأنتم بذلك تجعلونه في وقاية محصنة تامة عن أية فكرة وافدة, لكن إذا اشتغلنا بفكرة ما، قد يشغلنا بها أعداء الله لمدة عشرين أو ثلاثين سنة ثم يغيرونها، كما يغيرون من الإباحية إلى الشيوعية ومن الشيوعية مثلاً إلى الحداثة، وهكذا وقد يغيرون ويغيرون، ولا ننتهى أبداً من الجهل، لكن إذا نظرنا إلى الأصل الوقائي, فلا بد منه لنا لكي نكون مؤمنين ومسلمين حقاً، وهو أن نعبد الله على علم وبينة وبصيرة, وأن ندعو إلى الله على بصيرة وأن نوعي أمتنا, بحيث لا ترتكب معصية ولو صغيرة فضلاً عما ترتكب من الإلحاد، فإن هذا يعطيها وقاية عامة، ولولا الخواء الموجود لدى شباب العالم الإسلامي من العقيدة الصحيحة، ما تقبلوا أفكار الغرب وما رضوا بها، وهم يعلمون أن وراءها الأيدي الهدامة، وأن وراءها اليهود، وأن وراءها المستشرقين والمبشرين.
إذاً محاربة هذا الخواء هو بتعبئة هذا الفراغ الروحي بالإيمان الصحيح بالله والعقيدة الصحيحة، هذا الذي به نقاوم جميع العلل وجميع الأدواء بإذن الله ﵎، ومع ذلك فإن وجد فينا متخصصون في الرد على هذه الضلالات وكشف زيفها بالتفصيل، فهو أفضل.
стр. 1588
مقتضيات ولوازم الأخوة
السؤال
أحد الإخوة يسأل عن حد الأخوة، وما هي المقتضيات العامة لها؟ لأنها تستخدم كشعار عند كثير من الإخوة عندما يكون له رغبة ومراد في بعض الأمور التي يسعى لتحقيقها؟
الجواب
الأخوة المطلوبة هي الأخوة الإيمانية التي تقتضي أن يكون المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، وتقتضي أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، وتقتضي أن ينصحه لأن الدين النصيحة، ومن ذلك النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم، وتقتضي حسن الخلق مع المؤمنين جميعا، ً والتعاون على البر والتقوى، وتقتضي عدم الشذوذ عن أهل الإيمان والخير والصلاح، الشذوذ إما ببدعة أو برأي أو بتخاذل عنهم، وهكذا مقتضيات واضحة جاءت في الكتاب والسنة.
نعلم بها أن الأخوة الإيمانية هي تحقيق لموالاة المؤمنين، والبراءة من الكافرين ومن المعاصي والفجور وأصحابها.
فكون بعض الناس قد يستغلها سُلَّماً أو ذريعة لغرض غير شرعي، نعم! قد يوجد، لكن ذلك لا يجعلنا نتخلى عنها، المؤمن الشاب التقي -جعلني الله وإياكم كذلك- الذي يتقي الله يتخلق بأخلاق المتقين، بأخلاق أولياء الله وعباده الصالحين، ولا يبالي أن غيره يستغل ذلك الأمر.
نعم! المؤمن فطن وحذر، ولكن ربما يكون في أخلاقك وتمسكك بالدين ما يردعه ويعلمه تعليماً عملياً أن يكون مثلك بإذن الله ، فالأصل في هذا أن تُقَابِل الإساءة بالإحسان، وأن تُقَابِل الجهل بالحلم، وأن تُقَابِل الاستغلال أو الانتهازية بالإخلاص لوجه الله , وما دمت تحتسب ذلك عند الله فلا تُبالِ بأهداف المخلوقين ومآربهم وبأغراضهم.
لكن لو شعرت أو رأيت أن إنساناً ما؛ إما صاحب هوى أو بدعة أو معصية ليس غرضه إلا أن يصل إلى ما أراد، وأنت عرفت ذلك يقيناً, فإنه لا يصح أن تتخلى عن هذا الخلق مع غيره من الناس, لكن معه ينبغي لك أن تحذر منه وألاَّ تتيح له فرصة, ومع ذلك لا تكف عن الدعوة له، ولو بدعاء الله له أن يهديه وأن يوفقه للحق, كيف ورسول الله ﷺ يدعو للمشركين أن يهديهم الله وأن يأتي بهم مؤمنين وأن يسلموا؟! فكيف بنا نحن مع المؤمنين؟! فيجب أن يكون خلقنا أرفع وأسمى من كل هذه المؤثرات، وفي نفس الوقت أن يكون منهجنا في الدعوة هو التعامل على السنة الصحيحة التي لا محاباة ولا مداهنة ولا مجاملة فيها في الحق، ولا تحريف للحق من أجل إرضاء أي إنسان كائناً من كان, لكن التعامل شيء آخر, فإن التعامل قد يتغير بسبب المواقف، أما التمسك بالمنهج فهو شيء آخر, التمسك بالحق مبدأ, والمبادئ ثابتة لا تتحول ولا تتغير.
стр. 1589
الجمع بين قول الله: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ) وحديث (كل مولود يولد على الفطرة)
السؤال
يقول الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] والرسول ﷺ يقول: ﴿كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه﴾، فكيف نأخذ من ذلك كون الإنسان يولد على الفطرة مع أن الآية تبين أنه على الدين؟
الجواب
ليس بين الآية والحديث منافاة -ولله الحمد- بل صريح القرآن يدل على الحديث، وهو قول الله ﵎: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]، فإن الله خلق النفوس على هذه الفطرة النقية التي هي الإسلام، وهي التوحيد، وهي هذه الملة القويمة، وكما أوضح النبي ﷺ في إحدى روايات الحديث: ﴿كما تنتج البهيمة جمعاء هل ترون فيها من جدعاء﴾، أي: البهيمة تلد بهيمة مستوية كاملة الخلقة, ليس فيها جدع ولا شعار ولا إشارة, وبعد ذلك يضع الناس هذه الرموز وهذه الإشارات وهذه العلامات للانتماء لشيء ما.
أما الآية ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] فهذا إخبار من الله عن حال الناس أن منهم المؤمنين وأن منهم الكافرين، وأنه خلقهم جميعاً , وحكمته وقدره بالأزل اقتضى أن يكون منهم مؤمنون وكافرون, مع أن كل مولود يولد على الفطرة، ولكن أبويه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، فيصبح الخلق على نوعين: كافر ومؤمن, مع أن كلاً منهما قد ولد على الفطرة, فلا منافاة إذن بين الآية والحديث، والله أعلم.
стр. 1590
حكم الاستثناء في الإيمان
السؤال
ما حكم الاستثناء في الإيمان، وما هو قول أهل السنة في ذلك؟
الجواب
الاستثناء في الإيمان هو أن يقول الإنسان: أنا مؤمن إن شاء الله, وخلاصة القول فيه بإيجاز: إن أراد الإنسان أن يبعد عن نفسه شبهة التزكية، كما قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢] فيقول: "أنا مؤمن إن شاء الله", فإنه لا بأس بذلك، ويقصد بذلك كمال الإيمان، أي: أنه مؤمن الإيمان السلفي الذي هو أعلى من درجة الإسلام, الذين وصفهم بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢].
فمن السلف من كان يتحرج عندما يقرأ هذه الآيات ويُسأل أمؤمن أنت؟ وقد سُئِلَ الحسن البصري ﵀ عن ذلك فقال: 'إن كان من هؤلاء الذين وصفهم الله بقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [الأنفال:٢] إلى آخر الآيات في وصفهم فلست منهم، وإنما أرى نفسي ممن قال الله فيهم: ((وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [التوبة:١٠٢] '.
فهذا من باب حط النفس واتهامها وعدم تزكيتها، وأما بالنظر إلى كمال الإيمان وتحقيقه فإنه جائز، وأما إن قالها على سبيل الشك عياذاً بالله، ويقصد بالإيمان الإسلام أنه مؤمن إن شاء الله - يعني أنه شاك في إسلامه- أي: أنا مسلم إن شاء الله، على سبيل الشك، فذلك لا يجوز.
وهذا يجمع ما ورد عن السلف من الاستثناء وما ورد عنهم من النهي عنه, فمن نظر إلى كمال الإيمان وإلى التزكية استثنى، ومن لم يستثن فإنه نظر إلى أن المؤمن لا يشك في دينه، كما قال قائلهم: أشك في كل شيء إلا في إيماني، فأنا مسلم، ويقصد من ذلك أنه لا شك عندي بأن الله حق وأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فكيف أستثني وأقول: أنا مسلم إن شاء الله بنية الشك، وبهذا يجمع بين القولين ولا منافاة بينهما، ولله الحمد.
стр. 1591
وحدة المسلمين تكون بالاجتماع على الكتاب والسنة
السؤال
ألا ترى بأن التركيز على منهج أهل السنة يعتبر معاداة للملل والفرق الأخرى، وبالتالي فإنه يؤدي إلى نبذ الوحدة بين المسلمين, واليوم نحن في حاجة إلى الوحدة وهدم الخلاف وترك التشكيك في بعضنا؟
الجواب
لا خيار لنا في أن ندعو إلى السنة، وهذا الأمر ليس من النوافل ولا من التطوعات, بل هو الواجب الذي يجب على طلاب العلم جميعاً وعلى الدعاة إلى الله وعلى كل مسلم أن يدعو إلى السنة وإلى منهج أهل السنة والجماعة، ليس لنا خيار في ذلك؛ لأن ما عدا السنة هو البدعة وهو الضلالة, أما أن ذلك يفرق فننظر يفرق بين من؟ إن كان يفرق بين أهل السنة، فإن هذا لا يتصور, لأن أهل السنة إنما يريدون السنة ويريدون الحق، فلا يمكن أن يفرق بينهم من يدعوهم إلى السنة، وليس عند أهل السنة شيء أفرح من أن يظهر فيهم أو يدعوهم أحد إلى السنة، ويبينها لهم ويعرف أنهم كانوا على خطأ، ثم ظهرت لهم السنة، أو كانوا على بدعة فبانت لهم السنة، هذا أحب شيء إلى نفوس أهل السنة، فلا تفريق بين أهل السنة الراغبين في الحق وفي الكتاب والسنة أبداً.
وأما إن كان القصد أن يفرق بين الأمة، فإن النبي ﷺ قد أخبرنا في الحديث الذي يُروى عن كثير من الصحابة عن أبي هريرة، وأنس، ومعاوية ﴿أن هذه الأمة ستفترق إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل من هم يا رسول الله ما أنا عليه وأصحابي﴾ وهم أهل أهل السنة.
إذاً الفرقة الناجية والطائفة المنصورة هم أهل السنة، وكلام النبي ﷺ لا يتخلف ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٢ - ٣]، لا بد أن يقع التفرق, فلو قال قائل: نريد أن نجمع هذه الثلاث والسبعين وندمجها لتكون سبعين؟ نقول: لا تستطيع أبداً؛ لأنه ﷺ قال: على ثلاثٍ وسبعين.
فالتفرق حقيقة قائمة، أي لا يمكن لنا واقعاً أن نجعل الأمة الإسلامية كلها واحدة، كما أننا مأمورون أن ندعو أمم الأرض جميعاً إلى الإسلام، ولكن في الواقع هل نستطيع أن نقضي على اليهود والنصارى والمشركين مع أن ذلك واجب علينا ونحن نسعى إليه، ونحبه، ونبذل جهدنا فيه؟ هذا الواقع لا يكون إلا إذا أنزل الله عيسى ﵇، وخلت الأرض من الشرك نهائيا، ً هذا أمر آخر، لكن في واقعنا نحن الآن لا نستطيع ذلك, ومع ذلك ندعو إليه ونحبه.
فكذلك السنة ندعو بأن تكون أمة الإسلام أمة واحدة, ونحرص على إزالة كل سبب يفرق ويباعد بينها, ونبذل جهدنا لئلا تتفرق, لكن الواقع أن الأمة ستظل متفرقة, فهل نقول: نضحي بالعقيدة الصحيحة وبالمنهج الصحيح من أجل أن تجتمع الأمة, وهي لن تجتمع أصلاً، هذا عكس ما أمر الله : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، فالتفرق واقع، والمأمور به أن نعتصم بحبل الله, وحبل الله هو: منهجه وطريقه وسبيله، وهو الكتاب والسنة، نعتصم بالكتاب والسنة ولا نتفرق.
فندعو الأمة -جميعاً- أن تتحد على الكتاب والسنة، ومن الخطأ أن نقول: اللهم اجمع كلمة المسلمين فقط, بل نقول: اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق، فما الفائدة على أن يجتمع المسلمون كلهم على أن يكونوا خوارج أو روافض أو صوفية -عياذاً بالله- فعند أهل الحق الاجتماع ليس مطلباً في ذاته, إنما الاجتماع على الحق هذا هو الصحيح.
والواقع أنه لا يجمع المسلمين شيء غير الكتاب والسنة أبداً، لأنك لو دعوت الناس إلى مذهب فلان من الناس، فإنه سيقابلك آخر برأي آخر، فيرى أن مذهب فلان الآخر هو الأفضل، وبهذا لا يمكن أن نجتمع، لكن إذا قلت لهم: الكتاب والسنة فسيوافقني -ولله الحمد- كثير من الناس, فالذي يجمع الأمة الإسلامية الكتاب والسنة, وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة ومن شذ عنه فلن يشذ عن إمام أو طائفة أو شيخ طريقة أو فرقة أو أمير دعوة وإنما سيشذ عن الكتاب والسنة.
فقد حكم على نفسه بالشذوذ, وأخرج نفسه من أهل الحق، وسوف يحاسب يوم القيامة على ذلك، لم يخرجه أحد بل هو أخرج نفسه, لكن أي شيء يجمع المسلمين غير ذلك؛ فإنه قد يخرج عنه من هو من أهل التقى والإيمان والحق، وقد يدخل في ذلك الاجتماع من هو من أهل الفجور والضلال والباطل، لأن المعيار وهو اتباع الكتاب والسنة، فلا أحد أحرص في هذه الأمة على المحبة بين المسلمين والألفة والاتفاق من أهل السنة والجماعة.
لكن لا يكون ذلك بالتضحية بالعقيدة الصحيحة والإيمان الصحيح أو بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والموالاة في الله والمعاداة في الله, وذلك لا يكون أبداً, وإلا فسنكون أضعنا هذه الأهداف العظيمة, وعصينا الله , وخالفنا أمره؛ لنحقق هدفاً نحن صنعناه، ولن يتحقق في الواقع أبداً.
стр. 1592
ضابط الأصول والفروع في الدين
السؤال
ما أصل ضابط كل من أصول الدين وفروعه؟ وكيف نعرف الأصول من الفروع؟
الجواب
بالنسبة للأصول والفروع عامة، لا نفترض فيها الضبط المنطقي الدقيق حسب الحدود المنطقية الدقيقة، لكن ما كان متعلقاً بأمور الاعتقاد -العقائد والإيمان- فهو من الأصول، وأما الأعمال والشرائع العملية فهي من الفروع، ثم بعد ذلك العقيدة نفسها فيها أصول ويتبعها فروع لنفس الأصول التي هي الاعتقادات.
فمثلاً: الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو من الأصول، لكن -مثلاً- من الفروع مسألة الاستثناء في الإيمان، وأن ننظر إلى فلان والتطبيق الواقعي له.
من الفروع أن ننظر إلى بعض الأمور التي اختلف فيها السلف في مسائل واقعية أو عملية تتفرع عن مسألة الإيمان أو القدر أو الصفات أو ما أشبه ذلك.
فمثلاً: الأصل العام في الصفات أننا نثبت لله ما أثبته لنفسه من غير تحريف ولا تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل، قد يكون من الفروع لها ما هو صفة من صفات الله ورد بها حديث رأى بعض العلماء صحته ورأى بعض العلماء عدم صحته، هذه من الفروع، لكن -مثلاً- من يرى أن الحديث صحيح فيجب عليه ألَّا يؤول هذا الحديث, لأن ذلك يُعتبر نقضاً للأصل، أما الإنسان الذي يقول: "أنا الآن لم يثبت عندي" وهو عالم متبع للحق وللسنة, فهذا من الفروع.
مثلاً: إثبات رؤية الله يوم القيامة للمؤمنين هو أصل من الأصول، والمخالف فيه ضال مبتدع, لكن مسألة هل النبي ﷺ رأى ربه ليلة الإسراء أو لم يره، هذا من الفروع، وهكذا.
الخلاف في مسائل الفروع فيها الراجح والمرجوح، فالأمر فيها دائر بين الخطأ والصواب، أما المخالفة في الأصول فهي دائرة بين السنة والبدعة، بين الهدى والضلال، ولذلك يجب علينا أن نعرف أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يضيع الأصول بحجة أن بعض الفروع فيها خلاف.
مثال: بعض السلف لم يثبت صفة الساق فهل نهدم أصلاً كبيراً وهو توحيد الأسماء والصفات وما يبنى ويترتب عليه لهذا السبب؟! لا.
لو أن الخلاف في الأصل نفسه، لكان المخالف مبتدعاً لا يُعتد بخلافه أصلاً، أما إن كان من الصحابة أو من أهل السنة في مسألة من فروع العقيدة فإنه يحتمل النظر والاجتهاد، فإن هذا يجعل المسألة تدور بين الصحة والخطأ -كما قلنا- ولا يتعدى ذلك إلى إبطال الأصل، في أي حال من الأحوال، ومن فعل ذلك فهو إما جاهل وإما ملبس يريد أن يلبس على المسلمين ويفسد عليهم عقيدتهم متعللاً بما قد يتعلق بهذه الأمور، ويقول: إنها كلها أصول.
стр. 1593
إثبات أن الأراضي السبع هي غير السموات السبع
السؤال
هل كل سماء هي أرض بالنسبة لما فوقها؟
الجواب
القول بأن كل سماء هي أرض لما فوقها هو قول خاطئ ليس بصحيح, والله قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] السماء الدنيا هي سماء من الناحية الاعتبارية المجردة.
لكن لا تسمى أرضاً بالنسبة لما فوقها من سماء، فما كان من السماء الدنيا جهة الأرض فهو سماء، وما كان منها جهة السماء لا يُسمى أرضاً.
والأنبياء الذين قابلهم النبي ﷺ ليلة الإسراء والمعراج في السماء الأولى، ثم في الثانية، ثم في الثالثة، وجبريل يستفتح له ويفتح له الباب، ولم يقل أحد: إنه قابلهم في الأرض -أي: في الأرض التي بالنسبة للسماء- فلا يصح هذا, هؤلاء في السماء وهم مرفوعون عند الله وهذا هو الملأ الأعلى.
وإنما قصد بعض الناس التخلص من مسألة كيف نقول: إنها سبع أراض, بينما ليس هناك إلا الأرض هذه وهي واحدة, والله لم يقل: إن الأرض سبع أراض, وإنما قال: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:١٢] , هذا شيء.
الشيء الثاني: أن الحديث يدل على ذلك وهو: ﴿من ظلم شبراً من الأرض طوقه من سبع أرضين﴾ لأنها كلها تحت بعضها، حتى استدل بها العلماء -كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح - على أنه من ملك شيئاً فإنه مباشرة ملك باطنه وأرضه، لأنه إذا أنت ملكت قطعة من الأرض، فلك أن تحفر بئراً إلى الأعماق, فأنت تملك ذلك، فالمسألة إذاً هي كونها من السبع الطبقات، هي السبع، التي يقول علماء الجيولوجيا أو سبع أو خمس ولا يهمنا هذا وهي قضايا نظرية، لكن يهمنا أن الله جعل من الأرض مثلها -أي: سبعاً- كما ورد في الحديث، وكما دلَّ عليه ظاهر القرآن، ويكفينا أن نقف عند هذا.
стр. 1594
العرش وإحاطته بالكون
السؤال
قرأت أن العرش كمثل القبة على السماوات والأرض.
فكيف ذلك؟
الجواب
بالنسبة للأرض فهي من جميع الجهات محاطة بالسماء وهذا معروف، لكن لعله حديث: وما نسبة السماوات السبع جميعاً إلى الكرسي، وما نسبة الكرسي إلى العرش، والعرش شكله كالقبة، كما ذكر النبي ﷺ وشبَّك بين يديه هكذا، نحن الآن أصبحنا نتكلم في خيال، فنحن عندما نُفكر في الكيفية نفسها، فإن الكيفية خيال محض، لا نستطيع أن نتصورها على الإطلاق، العقل يتقاصر عن الكيفية, لكن من فضل الله علينا أن الله أوحى إلينا أننا نعرف ذلك على سبيل التقريب, نعرفه نظرياً، لكن كيفيته؟ لا نستطيع أن نعرف ذلك، والقائل بهذا القول ينبغي أن يُبين له إن شاء الله، ولا يدخل في ضمن الابتداع إن شاء الله.
والسماوات مثل سبعة دراهم ملقاة على ترس بالنسبة إلى الكرسي -أي: أعظم منها وأكبر وسعاً- ولا يشترط أن يكون وسعها بأنه يتضمنها ويحويها، ولكن يكفي أن يعلم أنه أعظم منها، وهذا يكفي، وسعه أعظم منها بكثير، كما تقول العرب: وسع حلم فلان جهله، بمعنى أنه اتسع عنه فاستوعبه، وليس هو شرط الإحاطة الحسية.
وفي الرسالة العرشية لشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية المجلد السادس من الفتاوى، ذكر فيها مسألة العرش والأفلاك وشكل الكون، والله أعلم.
стр. 1595
حكم تحديد أسماء الثلاثة والسبعين فرقة
السؤال
هل الثلاثة والسبعين فرقة هي فعلاً ثلاثة وسبعون أم أن الرقم لغرض التكثير فقط؟
الجواب
قد يحتمل التكثير وقد يحتمل العدد نفسه، لكن عندما ننظر في الحديث أن اليهود افترقوا على إحدى وسبعين، والنصارى اثنتين وسبعين، وهذه الأمة على ثلاث وسبعين، فهذا يجعلنا نرجح أن الرقم محدد، لكن أيضاً هذا لا يعني أن نفعل كما فعل بعض المصنفين، يقول: ثلاث وسبعين ويقسم الخوارج ويقسم المعتزلة ويقسم كذا، حتى ينهي ثلاثاً وسبعين، وبعد قرن -مثلاً- تظهر فرقة جديدة.
فلا يقال: إن هذه الفرقة هي كذا وهذه رقمها كذا إلا بدليل، هذا لا يمكن؛ لأن أحداً لا يعلم الغيب، ولا يعلم ما سيكون من الفرق وما يظهر منها، فنفهم من هذا أن الثلاث والسبعين هي عبارة عن ثلاث وسبعين سبيلاً ومنهجاً، وقد يدخل في الفرقة الواحدة عدة فرق، لكن طرقها ومناهجها ومناحيها هي كذلك، وهذا يريحنا من التكلف في أن نعين ونعد ونحدد كل فرقة وكم رقمها والله أعلم.
стр. 1596
التوحيد وعلم الكلام
السؤال
ما صحة من يقول: إن علم الكلام هو علم أصول الدين وعلم العقيدة؟
الجواب
من يقول: إن علم الكلام هو علم أصول الدين والعقيدة فهو مخطئ، هذا الكلام غير صحيح، ونرد عليه بما رد عليه السلف الصالح، الذين أنكروا علم الكلام، فمثلاً في أول شرح العقيدة الطحاوية ذكر الإمام ابن أبي العز ﵀ كلام الإمام أبي حنيفة وكلام الإمام الشافعي وكلام القاضي أبي يوسف ﵀ وغيرهم من الأئمة.
يقول الشافعي: 'حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في الأسواق، ويقال: هذا جزاء من خالف الكتاب والسنة'.
وكيف يكون علم الكلام هو علم التوحيد، وكلامه هذا غير توحيد، ولو رجعنا إلى كتب وشروح أصول أهل السنة والجماعة ككتاب اللالكائي وغيره من الكتب، نجد الذم والنقد لمن تعلم علم الكلام.
وكل الكتب التي كتبت في بيان العلم: ما هو العلم الصحيح الشرعي، ككتاب فضل علم السلف على علم الخلف , وهي كتب كثيرة من كتب الأئمة الذين يُقتدى بهم، والذين عاصروا علم الكلام يعتبرون الكلام ليس من الدين.
وتجدون -أيضاً- المتكلمين ليسوا من العلماء، بل في فتاوى الحنفية وغيرها يقولون: لو أن رجلاً أوقف مالاً أو أوقف وقفاً وقال: هذا الوقف للعلماء لم يدخل فيه أهل الكلام، هذه عقوبة لأنهم ليسوا من العلماء، فكيف نقول: علم الكلام هو علم التوحيد؟! هذا إن كان القائل بهذا لمجرد أنه أخطأ أو أنه تربى أو تعلم في مكان ليست السنة منتشرة فقد يُعذر، لكن أن يقول: إن علم التوحيد هو علم الكلام!! هذا لا يجوز.
стр. 1597
فرقة الإباضية
السؤال
فرقة الإباضية ما هي علاقتها بـ الخوارج؟
الجواب
الإباضية في هذا العصر هي الإباضية التي في كل العصور، فليس هناك أي تناقض، وهم فرقة من الخوارج.
وبالنسبة لتصنيف الخوارج نجد أن الإباضية هي أخف الخوارج غموضاً، فأكثر الخوارج غموضاً هم الأزارقة يرون من عداهم من الأمة أنهم كفرة حتى من كان من الخوارج وهو مقيم في دار المسلمين يعتبرونه كافراً، بل أشد كفراً من اليهود.
وأخف منهم بقليل النجدات أتباع نجدة بن عامر قال: هؤلاء المسلمين كفار لكن من كان على منهجنا وأقام عندنا لا نكفره، أي أنهم أخف لكنهم على نفس الغموض.
أما الإباضية فإنهم قالوا: من كان مخالفاً لمنهجنا فإنه كافر، ولكنه كافر كفراً لا يخرجه من الملة هذا في الأصل، فهؤلاء أخف بقليل من الفرقتين السابقتين.
ثم بعد ذلك دخل في عقيدة الإباضية في باب الأسماء والصفات مذهب المعتزلة، فأصبحت الإباضية تعتقد -وإلى يومنا هذا- أن من يؤمن بأن الله يرى في الآخرة فإنه كافر، ولازم ذلك أن أهل السنة والجماعة كلهم كفار، ونحن نؤمن بذلك، بل والله نسعى إليه ونشتاق إليه، بأن نرى ربنا وأي فوز أعظم من هذا كما قال الزمخشري أي: من دخول الجنة, مع أن أعظم فوزاً من ذلك أن يرى الله في الجنة.
ويقولون -أيضاً-: إن القرآن مخلوق, فما كان غير الله فهو مخلوق، ففرقة الإباضية التي أسسها عبد الله بن إباض التميمي أضافت إلى مذهب الخوارج بدعة الاعتزال وإنكار الصفات وإنكار الرؤية, وصاحب الكبيرة عندهم كافر، لكن الكفر عندهم لا يخرج من الملة.
والذين يقولون: إن القرآن مخلوق هم قوم ابتدعوا هذه البدعة، وتأثروا باليهود والنصارى، حيث فلاسفة اليهود ومتكلميهم، قالوا: إن القرآن مخلوق، أي: مثل سائر المخلوقات كما أن الله خلق الناقة وخلق الإنسان، فكذلك خلق القرآن.
وهذا تكذيب لكلام الله ورسوله ﷺ ؛ لأن الله أخبر أن القرآن كلامه: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] وهذا كلام الله، وكلامه صفته، فهل يكون شيء من صفات الله مخلوقة؟! لا يمكن ذلك أبداً! ولهذا لو قال واحد: أقسم بالقرآن، أو بالذكر الحكيم، أو بآيات الله المحكمة؛ لكان هذا القسم صحيحاً، لأنه لا يجوز أن يُقسم إنسان بالمخلوق، وهذا أقسم بغير المخلوق، أقسم بكلام الله، بصفة الله، والقسم لا يكون إلا بصفات الله ، ولم يعهد عن أحد من السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أنه قال: إن القرآن مخلوق.
ولهذا فإن بعض السلف من باب الإلزام بذلك، جعلهم بين أمرين: إما أن يكون السلف علموا أن القرآن مخلوق كما قال هؤلاء أو لم يعلموا، فإن قال: ما علموه, فهم يرون بذلك أنهم جهال، وإن قال علموه، قيل: إما أن يكونوا بلغوه أو كتموه، فاحتار وبهت الذي كفر، لأنهم لو بلغوه لنقل إلينا ذلك, ولو قال: إنهم كتموه لكان هذا قدحاً فيهم أو أننا أعلم منهم, وهذا لا يمكن! فعلى أي حال يكون هذا بدعاً من القول.
стр. 1598
الشباب المسلم بين العقل والعاطفة
تحدث الشيخ حفظه الله تعالى عن قضية هامة وهي: قضية الشباب المسلم بين العقل والعاطفة.
فبين في حديثه: كيفية التوفيق بين التصرفات المحكمة وبين ما تمليه العاطفة، مدعماً ذلك بذكر بعض الأمثلة من حياة الأنبياء والسلف الصالح.
ثم تحدث عن مفاسد الميل نحو العاطفة الغير منضبطة، مبيناً أن ذلك يؤدي في كثير من الأحيان إلى الوقوع في الخطأ نتيجة للاستعجال، أو الخروج عن المألوف، وكذلك قد يؤدي إلى الخطأ في تطبيق مفهوم الولاء والبراء على وجه الخصوص.
стр. 1599
بين التفكير العقلي والميول الوجدانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلَّى الله وسلم وبارك على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فأسأل الله ﵎ أن يجعل هذا الدرس خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعنا جميعاً به، إنه سميعٌ مجيب.
وبعد إننا نسير -ولله الحمد- مسيرةً طيبة مباركة، وأمتنا الإسلامية -والحمد لله- تعيش هذه الأيام عودة وتوبة وإنابة إلى الله ﵎ مشهودة يراها كل ناظر، ولكن توجيه هذه الأوبة وتسديدها، والنصح لأهلها ولشبابها هو من أعظم ما ينبغي على من لديه شيءٌ مما يظن أنه ينفع الله ﵎ به في تصحيح المسيرة، وفي توجيه هذه الطريق إلى السداد، وإلى ما يرضي الله ﵎، ولذلك فإنني أحب أن أتناول القضايا بمنتهى الإيضاح والتفصيل.
وموضوعنا هو: قضية العقل والعاطفة.
الله ﵎ خلق الإنسان مركباً من أمور، ومنها هذان الشيئان: العقل، والعاطفة، ومن نعمة الله على الإنسان أن النفس الإنسانية مرنة واسعة وأن الله شرع لها هذا الدين القويم، الذي يلبي احتياجاتها أياً كانت، وفي أي زمان وفي أي مكان، وبأي طبعٍ ركب في الإنسان أو جبل عليه.
أما العقل فهناك من يبالغ فيه، وهم الحكماء كما يسمون، فيجعلون كل الأمور بالعقل المحض المجرد، وهناك من يبالغ في العاطفة كالشعراء وأمثالهم، فيجعلون الأمور عواطف بحتة.
والحق أنه لا هكذا ولا هكذا؛ فالإنسان مزيج ومركب من مشاعر كثيرة.
وأقول هذا كمقدمة؛ لأننا لا نتنكر للعقل ولا نتنكر للعاطفة، وليس الأمر خياراً بين هذا أو ذاك، ولكن كيف نستطيع أن نوفق بين التصرفات المحكمة؟ بين تصرفٍ أفكر فيه وأستشير وأستخير ثم أعمل، وأيضاً مع ذلك أتوقع الخطأ، وأتابع العمل لئلا يقع فيه الخلل حتى ينتهي، وبين عملٍ يأتيني فأتدفق حماساً، وأفيض مشاعر وإقدام، فأعمل ما تمليه عليَّ العاطفة في تلك اللحظات الحاسمة، دون حسابٍ لأية عاقبة من العواقب.
стр. 1600
كيفية التوفيق بين التصرفات المحكمة وما تمليه العاطفة
أقول: هذه هي القضية، وهذه هي قضية الشباب، والعاطفة مطلوبة، ولا يمكن أن يقوم دينٌ ولا دعوة إلا بهذه العاطفة، والله ﵎ أنزل هذا القرآن، الذي فيه الشفاء والموعظة والعبرة، ومع ذلك فإن أقوى الحجج العقلية في كتاب الله ﵎ تصاغ بأكثر الأساليب إثارةً للعاطفة والوجدان، وهكذا عباداتنا كلها -ولله الحمد- عبادات تنمي في الإنسان جانب التهذيب الأخلاقي، والانضباط، والسلوك العقلي القويم، وفي نفس الوقت تنمي فيه الإيمان والإحساس، والمشاعر الوجدانية الإيمانية، وأيضاً تنمي فيه المعاملة والتعامل، فالكل شيء واحد.
لكن نحن الشباب نحتاج إلى أن نضبط أمورنا لتوافق هذا المنهج الرباني القويم، وإلا فإنه سوف يقع الخلل عندما يطغى أحد الجانبين على الآخر، وكلا الجانبين موجود، إما طغيان عقلي، أو قد يسمى علمي -وأنا أردت وتعمدت أن أقول هو عقلي- أو طغيان عاطفي.
والجانب العقلي هو أن تؤخذ القضايا دائماً بقوالب منطقية جامدة، أن تؤخذ مجردة عن المشاعر، وعن العواطف، فالأخ الذي يربي يربي وهو لا يتنبه لهذه الأمور، والأخ المتلقي يتلقى بعيداً عن هذه الأمور.
وأقول: لم تقم دعوة مجردة على الإطلاق من العاطفة الجياشة القوية، وقد كان في أصحاب النبي ﷺ ، بل في الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم العبرة في ذلك عندما يقوى هذا الجانب، ولكنه وجدانٌُ وعاطفةٌ قويمة مستقيمة.
стр. 1601
أمثلة من حال الأنبياء
الخليل إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه يحطم الأصنام، ويجعلها جذاذاً إلا كبيرها، بهذه القوة، وبعاطفة الشباب المتحمس، لكنها قوة في الحق وبأسلوب سليم وبموقف قويم، حسب حسابه، وانتصر في النهاية، ولله الحمد، ولو أن هذا الفتى أو هذا الشاب كان مسايراً لوضعه ولعصره دون أن تحدث منه هذه التي عدَّها قومه طيشاً ونزوة، لما غيَّر شيئاً.
стр. 1602
أمثلة من حال الصحابة
وكذلك كان رسول الله ﷺ ، وأصحابه إنما كانوا يواجهون هذه الدعوة، ويتحملون أعباءها بتلك القوة العاطفية الوجدانية، التي أخرجوا بها الناس من الظلمات إلى النور، كيف كانت شجاعتهم؟ وكيف كان إقدامهم؟ وكيف كان تعاونهم؟ وكيف كانت هجرتهم؟ لم تكن مواقفهم وثباتهم إلا نتيجةً لهذه العاطفة ولهذا الوجدان، ولكنه وجدانٌ إيمانيٌ منضبط.
وقد يقع أن تثور العاطفة، ولكنها أيضاً تضبط وتنضبط، وفي مواقف عمر بن الخطاب ﵁ الكثيرة المتعددة ما يبين ذلك، فمثلاً في موقفه يوم الحديبية، عندما كاد أن يعترض على ما اتفق عليه رسول الله ﷺ وأقره مع الكفار: كان يقول: ﴿يا رسول الله، ألسنا المؤمنين؟ أليسوا مشركين؟ فكيف نرضى الدنية في ديننا﴾ ويصرخ ويضطرب ويتألم.
فهذه عاطفة إيمانية، وموقفٌ حميدٌ في أصله من حيث المنبع، لكن في إخراجه وفي كيفيته خطأ، ولهذا يقول بعد ذلك الموقف: عملت لذلك أعمالاً، حيث كان رضي الله تعالى عنه بعد ذلك إذا تذكر موقفه من رسول الله ﷺ يوم الحديبية يتصدق ويعتق وينفق ليكفر عن ذلك الموقف.
وأيضاً موقفه من المنافقين، فالرجل الذي ترك التحاكم إلى رسول الله ﷺ ، وأراد أن يتحاكم إلى كعب بن الأشرف أو إلى كاهن جهينة، كيف كان موقف عمر رضي الله تعالى عنه منه؟ وأيضاً الرجل اليهودي الذي أراد أن يختبر النبي ﷺ ليرى هل الصفات التي في التوراة موجودة فيه أو غير موجودة، فيأتي إلى النبي ﷺ ، ويشده شداً، ويجذبه جذباً، فيقول عمر رضي الله تعالى عنه: ﴿يا رسول الله! دعني أضرب عنقه﴾.
ومواقف كثيرة يقول فيها الفاروق: ﴿يا رسول الله! دعني أضرب عنقه﴾ لكن ماذا حصل للفاروق رضي الله تعالى عنه عندما أصبح هو الخليفة، هل ضرب عنق أحد بمثل هذه السرعة؟ إنما بذلك الموقف كان هيبة وقوة للدين، ورسول الله ﷺ هنالك، فإن فعل أمراً فبأمر رسول الله ﷺ ، لا نتيجة عاطفته هو واندفاعه، وإن لم يفعله حصل المراد، وهو الهيبة لهؤلاء المنافقين وأمثالهم، وحصل إظهار لعزة الدين ولمنعة المؤمنين، وفي نفس الوقت لم تحصل المفسدة التي لا يريدها رسول الله ﷺ ، وهذا مثال من أمثلة كثيرة.
стр. 1603
مفاسد العاطفة الغير منضبطة
لو وُظَّفت العاطفة توظيفاً صحيحاً، لاستطعنا - بإذن الله تعالى- أن نستفيد من وجودها في الشباب، طاقةً، وحيويةً، ونشاطاً، لو وظفت توظيفاً صحيحاً لاستطعنا بإذن الله تعالى أن نحقق المكاسب الكبرى منها دون أن تحصل المفاسد التي قد تقع، والتي سوف نتعرض لأمثلة منها.
стр. 1604
مفسدة الاستعجال
ومن ذلك أيها الإخوة الكرام: أن عاطفة الشباب دائماً تؤدي إلى العجلة، وهذه صفة كانت موجودة حتى في صحابة النبي ﷺ ، ولكنها تعرضت للانضباط كما أشرنا.
الصحابة رضوان الله تعالى عليهم عندما أتوا إلى النبي ﷺ ، وهو نائم في ظل الكعبة فأخبروه عما فتنتهم به قريش، وغير ذلك من المواقف، قال لهم: ﴿ولكنكم قوم تستعجلون﴾.
وأقول: إن العجلة هذه موجودة في الشباب، والعجلة في أصلها دليل خير، وعاطفة خير، -مثلاً- يستعجل الشاب في أن يتعلم حفظ القرآن في أقصر مدة، أو يريد أن يتعلم علم الحديث والرجال والأسانيد والمتون في أوجز مدة، بل ربما يقول البعض: أجمع هذه العلوم جميعاً، فأتخصص وأتبحر في القرآن وعلومه، أو في الحديث وعلومه، وأقوم بالدعوة إلى الله وبالتربية، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالإضافة إلى أعمال خاصة، مع رعاية الزوجة إن كان متزوجاً، أو الاشتغال بشأن الزواج، ويريد ذلك دفعة واحدة! وهذا من العجلة.
والحقيقة أنك تجده سنتين وثلاثاً وأكثر، بدأ بهذا الكتاب فلم يأخذ منه إلا الربع، وكتاباً آخر أقل منه، وآخر جزءاً يسيراً، ثم ترك هذا، ثم سمع عن هذا، ثم سمع بشيخ من المشايخ فذهب إليه، ثم لم يحصل له المراد، ثم سمع بشيخ آخر في بلد آخر، فسافر إليه، وانتقل من هذا إلى هذا، ثم ترك الكلية هذه إلى كلية أخرى، وإذا به في النهاية لم يحصل على الذي يريد، مع أن الأصل أن ذلك دافع خير، ولكن العجلة هذه إن لم تضبط فإن هذه هي نتيجتها، وقد حصل هذا لكثير من الشباب.
وهناك أيضاً عجلة في الدعوة إلى الله ، فالشاب كلما يتذكر -وأظن هذا الشعور مشتركاً- كيف كان عندما كان بعيداً عن الله وعن الاستقامة على دين الله ، إن كان تارك صلاة فإنه يقول لنفسه: سبحان الله! كيف لو مت وأنا تارك الصلاة؟! كيف لو مت وأنا أشرب الخمر وأتعاطى المحرمات، أو أفعل الفواحش وأشياء تؤرق الشاب.
ولا شك أن المؤمن يؤرقه ذلك لمَّا يرى أن إخوانه في البيت أو إخوانه المسلمين يعانون مما كان يعاني، ويخاف عليهم مما كان يخشاه على نفسه، ويحمد الله الذي أنقذه منه ومَنَّ عليه، وإلا فقد كان كذلك من قبل، فيندفع بسرعة، ويريد أن يرى ثمرات الدعوة إلى الله عاجلةً سريعة -هذا أحد الأسباب- ويريد أن يدعو الناس فيستجيبوا.
يأتيني بعض الشباب، يقول: عندي والدي وأمي وإخوتي، وزميلي في العمل كلمته فلم يسمع، وكررت عليه عدة مرات وما سمع وهكذا، سبحان الله! ليست القضية "كم مرة" يا أخي! انظر كيف صبر أنبياء الله! وكيف صبر رسول الله ﷺ ! ومتى يكون الوقت المناسب؟ وكيف يكون الأسلوب المناسب! انظروا إلى عم رسول الله ﷺ أبي طالب - ما كان يشك لحظةً واحدة في صدق رسول الله ﷺ أبداً، ولو شك ما حمى الدعوة، وما وقف معه، وما حوصر معه في الشعب، ولما تحمل الأذى والألم والتعب أبداً، لكن كان النبي ﷺ يدعوه ويبين له، حتى -كما تعلمون قصته- عند الموت، أراد الرسول ﷺ أن يموت عمه على الإسلام يقول: ﴿يا عمِّ! قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله﴾، وصبر النبي ﷺ ، وهذا مع الموالي والمحب للدعوة، ولكن لم يدخل فيها.
ومع الأعداء صبر أيضاً رسول الله ﷺ ، وصبر الأنبياء من قبل، ويقول الرسول ﷺ في الحديث المتفق عليه: ﴿ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، ورأيت النبي وليس معه أحد﴾ سبحان الله! هل يستطيع أن يقول أحد: إن هذا من ضعف دعوة هذا النبي، عياذاً بالله! أو من عدم بذل الجهد، أو من عدم الحكمة في الدعوة، نبي يعطى الحجة من الله ، ويوحى إليه من الله وليس معه أحد! ونحن نقول: في الحي ما استجاب لي أحد، وفي البيت ما أطاعني أحد، فهذا عجيب! والله تعالى قص علينا حتى في واقع البيوت عن امرأة نوح، وامرأة لوط، وابن نوح، وأبي إبراهيم، وذلك لنأخذ العبرة، نفس الشيء ونفس القضية، ونفس الصبر، ونفس المحاورة، كما حاور إبراهيم ﵇ أباه كما في سورة مريم.
وهكذا يجب أن نعرف أن هذا طريق طويل، وأننا كلما صبرنا وتأنينا، وعرفنا كيف نخاطب من نواجه، فإن ذلك أجدر وأحرى أن يستجيب بإذن الله ﵎، فإن لم يستجب فلنبق على الطريق نفسه، ولنصبر على الأذى، كما صبر أولئك الصحب الكرام، ولنحتسب عند الله ﵎ كل ما ينالنا ونتحمل؛ حتى يعلموا أننا ما أردنا لهم إلا الخير، وما أردنا لهم إلا النجاة من عذاب الله في الدنيا والآخرة.
لكن يحصل مع الاستعجال أشكال أخرى من التصرفات التي قد تلتصق أكثر بمسألة العجلة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو أن الإنسان ربما استعجل فتصرف بما لا ينبغي، فكانت نتيجة ذلك أن يصر صاحب المنكر على منكره، بل ربما تعاضد المجتمع معه على هذا المنكر، لأنه يرى هذا الشاب -بطريقة هوجاء أو انفعالية أو عصبية- يمس أمراً والمجتمع كله متعارف عليه، يقول: سبحان الله! كل الناس تفعل كذا، وكل الناس مقرة لهذا الشيء، والعلماء يعلمون ذلك وفلان يدري، وفلان ما أنكر، وفلان كذا، فماذا يريد هذا الشباب الذي أتى دفعة واحدة يريد أن يغير هذا المنكر؟! وهذا الشاب لم يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا لتحرقه ولتألمه ولعلمه أن وراء هذا المنكر فسادٌ عظيم، ونقص في الخيرات والبركات، ووراءه فساد القلوب، ووراءه تخطيط أعداء الله ، ويعلم كثيراً مما لا يعلمون -لا شك- لكن كيف تنقل إليهم شعورك هذا؟ لا تنقله إليهم بأن تأتي فتحسم الأمر في لحظة واحدة ودفعة واحدة، وتقضي على هذا الشر وانتهى الأمر، ولو كان الأمر كذلك لكان الرسل والصحابة الكرام هم أجدر الناس بأن يفعلوه، وقد أراد ذلك الصحابة الكرام، لكن لا بد من حكمة، ولا بد من الأناة، والصبر.
وتعرفون قصة أبي ذر رضي الله تعالى عنه لما أصر على أن يعلن إيمانه كيف ضرب! ولما بايع الأنصار رسول الله ﷺ بيعة العقبة، قالوا: [[يا رسول الله! إن شئت ملنا على أهل الموسم بأسيافنا، فمنعهم النبي ﷺ ]].
فالرسول ﷺ كان يمشي بخطى وئيدة ولكنها مدروسة -وهذا من الله نحن يجب علينا -أيضاً- أن نفكر وأن نجتهد، وإذا اجتهدنا وظننا أن هذا الأمر مدروس بفكرة، وحكمة، واستشارة، واستخارة، وأخطأنا فهذا من الله، وكل شيءٍ من الله، ولكن فرق بين هذا وبين أن نستعجل فنقع فيما لا خير فيه.
فالعجلة في التغيير وفي الدعوة إلى الله ، هذه هي نتائجها، ربما انقلب صاحب المنكر -الذي كان يمكن أن يقبل منك لو لاطفته ولاينته- عدواً لدوداً لأهل الحق حيث كانوا، بل ربما يستعجل شاب واحد، فيضيع الفرصة على آخرين كان يمكن أن يُسمع منهم.
صحيح أن بعض الإخوان يقول: يا أخي! الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متروك، ويكاد يكون مفقوداً في المجتمع، من قبل طوائف كثيرة من الناس، ونحن نحييه! نعم نريده أن يحيا، لكن يحيا بالبصيرة وبالحكمة، ولعلك إن بدأت شيئاً، يتم الله ﵎ ما بدأت على يد غيرك، أما أن تأتي به كله جملةً واحدة، تريد أن تضعه، فإن هذا مخالفٌ لسنة الله ﵎.
стр. 1605
مفسدة الخروج عن المألوف
وهناك -أيضاً- أمور مما يخطأ الشباب فيها، وهي من جانب العاطفة، والشكاوى منها كثيرة.
الشاب في حال ضلاله أو بُعده قبل توبته وقبل هدايته، يرى ما هو عليه -قبل أن يستقيم- أنه مألوف لدى أكثر الناس، وهذا في الغالب، فلما استقام أصبح غريباً، وأصبح متميزاً عنهم، ولا شك أن الحق متميز عن الباطل، وأن الطاعة متميزة عن المعصية، وأن المعروف متميز عن المنكر، لا شك في ذلك، ولا بد أن تستبين السبيل وأن تتضح.
فالنفاق والمداهنة ليست من دين الله ، لكن إلى أي قدر يصل ذلك؟ وإلى أي حد؟ فيأتي الشاب وهو في هذا الشعور الجياش الفياض بالإيمان، فيُرى بعيداً عن كل ما مِنْ شأنه أن يشوب إيمانه أو يُعكِّر عليه هذه الاستقامة، فيعتقد قاعدة ترسخ في ذهنه، وهي أن الخروج عما عليه الناس وعما ألفوه هو الخير، فيظن أن الأصل في ديننا أن تخرج عما عليه الناس، والصحيح أن الأصل أن تخرج من الباطل إلى الحق، لكن هكذا يزين الشيطان.
فيبدأ الإنسان يخرج عن المألوف، ولا نقصد أنه خرج عن مألوف من يسمعون الأغاني، ويرون هذه المسلسلات الفاجرة، ويذهبون إلى الأسواق، ويسافرون، ويفعلون المنكرات، فالخروج من هذا المألوف إلى هذا المجتمع الطيب شيء جميل، لكن لا تقف العاطفة بالشاب عند هذا الحد، بل يدخل في القضايا العلمية، وهنا تكون المشكلة، مع وجود العلماء -والحمد لله- ومع وجود المفتين، ومع وجود المنهج العلمي، وإن لم يوجد في الواقع بالشكل الذي نريد لكنه موجود في الكتب.
مع وجود كل ذلك يأتي الشاب، فيخيل إليه من منطلق الخروج عمَّا ألفه الناس أنه لا بد أن يتصرف في أفعاله غير ما يفعلون، فالناس يسبلون الثياب، وهو قد تمسك بالسنة -والحمد لله- وترك هذا الفعل المحرم، فقصَّر الثوب، وهذا شيء عظيم، فهل يقف عند هذا الحد -مثلاً- لا، بل يريد أن يتميز عنهم في الصلاة، وهذا جميل جداً، فيرى الناس لا يخشعون في صلاتهم، ولا يضعون أيديهم حيثما كان النبي ﷺ يضع يده، ولا يطمئنون، وغير ذلك مما هو موجود في المجتمع، فيطبق صلاته لتكون على السنة وإن خالفت الناس، وهذا جميل جداً، ثم يستنير بعد ذلك، فيدخله الشيطان، أو هذه العاطفة تأتي به فتوقعه في أمور أخرى، حيث يجتهد بعض الشباب فيها، وهي خارجة عن المألوف، وينسى مردودها في واقع الدعوة.
وبعض الشباب قد قرأ في صفة صلاة النبي ﷺ حديثاً صحيحاً أن النبي ﷺ زاد في التسليم على السلام عليكم ورحمة الله: (وبركاته)، وهذا طيب -والحمد لله- لأنه قد صح الحديث فيها، فذهب يصلي بالجماعة، فكيف يكون شعوره عندما وجد هذا ووجد أن الناس لا يفعلونه، وأن المساجد كلها لا تقول: وبركاته؟! فيعزم على أنه لابد أن نحيي هذه السنة، فربما قد تأتيه مشاعر، ويقول في نفسه: نحن متى كنا نتبع آراء الناس؟ فلينكر من ينكر، وليغضب من يغضب، المهم أن يفعل هذا الشيء، إذا صح شيء عن النبي ﷺ فليذهب الناس إلى ما يريدون، لا يهمنا، المهم ما فعله النبي ﷺ .
ثم إنه صلَّى بهم الصلاة ثم سلَّم: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله؛ فيبدأ الناس يتهامسون في المسجد، وربما وُجد فيهم -من أصحاب البدع- من يقول: "أنا قلت لكم: هذا الولد -الإمام- يقول: إن المولد بدعة! ".
أو ربما يكون هذا القائل صاحب ربا، يقول: "هذا الإمام يقول: إن التعامل مع البنوك ربا، وهذا كذاب، وانظروا كيف زاد في الدين، هذا هو الدين!! والبنوك موجودة من زمان، والعلماء رأوها، والناس أيضاً رأوها، وما تكلم أحد عنها، وهذا يحرم في آخر الزمان، وكل يوم يأتي بشيء جديد".
وإذا بالناس سبحان الله! ضجوا به، وإذا به يصيح بهم: يا جماعة! هذا الحديث صحيح، وهذا الكتاب، انظروا! فيقولون: نحن نسمع الحرم كل يوم، ونسمع المساجد فلا أحد يقولها، فمن أين أتيتنا بهذا، وأدى بهم ذلك إلى أنهم لم يعد يسمعوه.
فلو تكلم أو قام وقرأ عليهم الآيات في الشرك، وهو أكبر ذنب عُصِيَ الله به، وأكبر قضية في القرآن قضية الشرك وتحقيق التوحيد، لو قام وتكلم فيها بعد ذلك لقالوا: هذا صاحب: وبركاته! فلا يسمعونه أبداً وهكذا، فيجعلون تلك الجزئية حجة لترك ما هو واضح الأدلة، ومعلوم ومشتهر كالشمس في رابعة النهار، فيقولون: اتركوه ولا تسمعوا منه، أمور تأتي والسبب فيها مثل هذه التصرفات وبسبب الخروج عن المألوف.
وأنا قلت: تخرج عن المألوف، ولم أقل العمل بالراجح أو المرجوح، فالمسألة هنا لا أعتبرها مسألةً علمية، قبل أن تبحث الحكم من الناحية العلمية في مثل هذه الأمور، انظر فعلاً إلى أثره، وإلى مردوده، أي: قبل أن تجتهد لتصل إلى خلاصة في هذه المسألة، انظر ما موقعه من دعوتك.
وأوضح أكثر ما أريد أن أقول: عندما أدعو الناس للاستقامة، وإلى السنة، وإلى الخير، فإن أول وأجدر ما يمكن أن أدعو إليه هو توحيد الله ، وهو أن يؤمنوا بالله، وأن يستقيموا على دين الله، وأن يعرفوا الله، وأن يتجهوا إلى طريق الله ، وينصرفوا عن الشرك أو الضلالات الفكرية والانحرافات العقائدية والبدعية التي تنتشر بين الناس، هذه هي قضيتنا الأساسية، ثم بعد ذلك، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكرات، نجتهد في الدعوة إلى النهي عن المنكرات التي تلي ذلك وهي الفواحش المحرمة، وكل ما هو محرم، وبعد ذلك ندعو الناس إلى ترك المكروهات، ولا نعني بالتدرج هذا أننا نتكلم مع الناس فقط في التوحيد وترك الشرك إلى ما لا نهاية، ثم ننتقل بعد عشرين سنة أو مائة سنة إلى مرحلة أخرى، لا! إنما المدعو الذي عرف التوحيد وعرف الله، وانقاد لدين الله، ننصحه ونبين له المنكرات الأقل، فإذا انقاد أكثر، قلنا له: هذا من السنة، وهذا من الدين، وهذا من الفطرة وهكذا، فلا نبدأ بالعكس.
هكذا الأسلوب الصحيح في التربية، أما ذاك الذي لا يزال في أول الطريق فإننا نظل نخاطبه بما نقوله لمن هو في أول الطريق، لكننا أحياناً نعكس القضية.
فيجب علينا أن نحسب حساب تصرفاتنا وأنها محسوبة على هذه الدعوة، وما جاء رسول إلى قومه إلا واتهموه -صلوات الله وسلامه على رسوله وأنبيائه أجمعين- بأنه خرج عنها، وشذَّ عنها، وخالف ما كان عليه الآباء والأجداد، كما فعلت قريش لما أرسلت عمرو بن العاص إلى النجاشي -مثلاً- وذكر له أن جريمتهم أنهم خرجوا عما نحن عليه.
وهناك صفة اجتماعية معروفة في جميع المجتمعات، وهي أن المجتمع لا يحب من يخرج على وضعٍ قد ألفه، وإن كان هو قبل عشرين سنة لم يكن على هذا الوضع، وبعد عشرين سنة لن يكون على هذا الوضع، لكن هو يقبل التدرج البطيء في التغيير، ويرفض الطفرة والسرعة في التغيير.
فنقول: يجب أن نهتم بمثل هذه الأمور، نعم! نحيي السنن، لكن يجب أن نضع الشيء في موضعه، وأن نسأل أنفسنا متى نحييه ومع من؟ أنا أقوله لكم، إذا كنت في مدرسةٍ لتحفيظ القرآن -مثلاً- أو في مركزٍ من المراكز الطيبة، وفي مكان كلهم طلبة علم، يمكن أن تقول أو تدعو إلى بعض هذه الأمور أو تظهرها، لكن أمام العامة من الناس فإن الحال يختلف، فهناك فرق بين مقام التعليم أو مقام طلبة العلم وبين مقام العامة، وهذا كمسألة القراءات -مثلاً- وقد وقعت، ويسأل عنها البعض، هل نقرأ الآن القرآن بغير قراءة حفص؟ لو أنك في مدرسة تحفيظ القرآن، أو في مجتمع كلهم من الحفظة الذين يعرفون القراءات، فإنه لن يقول لك أحد من العلماء: حرام عليك أن تقرأ بأية قراءة من القراءات، لكن إذا عينت إماماً بين عامة، وذهبت تقرأ بغير القراءة المشهورة، ماذا سيكون مردودها وصداها؟! إنها سوف تسبب مفاسد كبيرة جداً، فبعض الناس لا يعرف القراءات أصلاً، ولم يسمع عن شيء اسمه قراءات، والبعض الآخر يسمع ويغالط نفسه، يقول: ليست قضية قراءات، لكن هؤلاء شباب شذاذ مبتدعون، يريدون أن يخرجوا عما نحن عليه، ويريدون ويريدون، ويكيل لك التهم الكثيرة وهكذا.
والأمثلة لا أحب أن استطرد فيها لكثرتها، ولكن لأنني أعاني منها أو من بعضها، أحببت أن أشير فقط إلى كيف أن العاطفة تغلب، وأن الإنسان يظن أنه بهذا العمل يخرج عمَّا ألفه الناس من الواقع المخالف، ولكنه يقع في مفسدة أكبر وأعظم.
стр. 1606
أخطاء في مسألة الولاء والبراء
ومثل ذلك أيضاً عاطفة الحب، ونحن، نحتاج أن نحب في الله، وأن نوالي في الله وأن نعادي في الله، ولولا ذلك لما كنا مؤمنين حقاً، فهذه فضلها عظيم، ودرجتها عالية، كما نص على ذلك بعض العلماء، فقالوا: 'أعظم قضية بعد التوحيد ونبذ الشرك في كتاب الله هي قضية الموالاة والمعاداة' الموالاة في الله والمعاداة فيه، لكن كيف يكون التطبيق؟ وكيف يطبقها الشباب؟ هنا تدخل العاطفة وتطغى حتى ينسى الإنسان الأصل الذي منه انطلق، بعض الشباب يحب شيخاً -مثلاً- أو عالماً أو داعيةً -معاصراً أو قديماً- ويوالي في ذلك حتى يصبح أشد من المتعصبين المذهبيين، واسمحوا لي أن أقول هذا، أي: لو سمعت أحدهم يقول: أنا شافعي، أو أنا حنفي، فإن بعض الشباب يكاد ينفجر فيه، ما هذا التعصب؟ نحن نتبع رسول الله ﷺ ، ولكن هذا الشاب نفسه يحب شيخاً قديماً أو حديثاً، ويذهب به الإعجاب به كل مذهب، حتى أنه لو نسب إلى الشيخ قول وهو ما قاله، قال هذا الكلام صحيح، ما دام الشيخ قاله، وهو في الحقيقة لم يقله، إنما نسب إليه، فإذا قيل له: الشيخ يقول غير ذلك، قال: فهو كما قال، ويرجع إلى قوله الثاني.
إذاً وماذا تنقم أنت على المقلدين؟ وماذا تأخذ عليهم؟ وإذا بك تخرج وتشتط، وتقع فيما تحذرهم منه وتزجرهم عنه، ولو أننا جعلنا هذه العاطفة منضبطة لأحببنا كل العلماء، وكل الدعاة، وكل المصلحين الداعين إلى الله ﵎، وأخذنا من هذا، ومن هذا، وسددنا وقاربنا، واستفدنا من الجميع، ولم نبالغ، ولم نغلُ في أي أحد منهم.
كذلك فيما يتعلق في معاملتنا -نحن الإخوة- مع بعض، بعض الإخوة يحب البعض الآخر حباً شديداً جداً، يخرج أحياناً عن كونه حباً في الله -الأصل أنه في الله إن شاء الله- يخرج حتى يصبح محبة في ذات الشخص، فيريد أن يراه وأن يجلس معه وأن يعيش معه هكذا، وربما غلب ذلك، وغطَّى على بعض الحقوق التي هي على هذا الأخ المحب لأهله وزملائه الآخرين، وربما أدَّى هذا إلى بغضاء وعداوة وشحناء بين الإخوة الشباب المجتمعين في مدرسةٍ، أو في دعوةٍ، أو في عملٍ من أعمال العلم والخير، بسبب هذا الغلو، والذي يحصل من أحد الإخوة، وقد يقابله الآخر بغلوٍ معاكس، والعاطفة -عموماً- هي ثورة وانفجار، وقد تؤدي إلى الخير، ولكن قد تقذف أحياناً بما قد يؤدي إلى العقوبة المذمومة.
فكذلك نقول: إن عاطفة الحب يجب أن تضبط ضبطاً محكماً قوياً، ونحن -أيها الإخوة في الله- لسنا كمشجعي الكرة، واسمحوا لي إذا قلت هذه العبارة، فلا نريد أن نتحول إلى ما يشبه عمل المشجعين، كل طائفة تشجع شخصاً، كما أنهم يشجعون فريقاً ويتعصبون له.
نحن يجب أن تكون لدينا الضوابط الهادئة المتزنة التي نعقل بها الأمور، ونناقش ويستدرك بعضنا على بعض، ثم نأخذ القضية أخذاً سليماً صحيحاً بعيداً عن هذا التعصب، ولذلك نجد أننا بعد حين إذا هدأت هذه العاطفة -ولا بد أن تهدأ، لأن العاطفة تهدأ مع الزمن- تتعجب من نفسك كيف كنت أولاً؟! فتجد نفسك فعلاً كنت لا شيء، ولم يكن ذلك الموقف مبنياً على دليل ولا تصورٍ معقول سليم.
стр. 1607
العاطفة في قول الحق والجهاد في سبيل الله
العاطفة -أحياناً- في قول الحق والدعوة إليه والجهر به، ولا شك أنه يجب علينا أن نقول الحق وأن نصدع به، وأن نجهر به، فالأصل في ديننا ذلك، لكن كيف؟ ومتى؟ ليس الأمر هكذا مطلقاً، فالشباب أحياناً ينسى إلا أنه يجب أن نصدع بالحق، وأن نقول كلمة الحق ولا نبالي، أو أن نعمل للحق وبالحق ولا نبالي، فتكون النتيجة كما ذكرنا في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الاستعجال لأنهما متلازمتان، تكون النتيجة أن الحق -هذا الذي أردنا أن يقوم فقط- قد ضيعنا من أجله فرصاً كثيرة على الدعوة، كان يمكن بالأناة وبالحكمة أن تؤدي إلى الخير، وإلى الثمرة الطيبة.
وكثيراً ما نضع الأمور في غير موضعها، فنضع القوة في غير موضعها، فنريد أن نجاهد في سبيل الله ، ومن مِن المسلمين لا يحب الجهاد؟ لكن هذه العاطفة جاشت وفاضت حتى أصبحت لا تجد صغيراً ولا كبيراً إلا وتريد أن تحمله على رأيك في هذه المسألة، وهنا تلعب العواطف دوراً رهيباً في إيجاد مفاسد كثيرة، وقد عاناها الكثير وتحدثوا عنها، وهناك أيضاً القوة في مسألة مواجهة المنكرات أو الانحرافات، وقول الحق، وهو أنك تقول أمام صاحب الباطل: أنت كذا، وأنت كذا، وهذه مواقف دعوية لكن ممن؟ هنا نقف، أي إنسان يقف هذا الموقف؟! فرق بين أن يقف عالم له كلمته، وله قيمته، وله وزنه، ويقوم لأي ظالم أو جبار أو بطاش أو منحرف أو مبتدع ممن له عند الناس شأن، ثم يقول له: أنت كذا، وبين أن تأتي -أنت المسكين- بعاطفة وانفعال وتقف ذلك الموقف، الأمر ليس كذلك! وبعض الأمور قد لا أمثل لها مع كثرتها؛ لأن التمثيل قد يفهم خطأ، ولأنكم تعيشون هذه القضايا جميعاً، إنما نقول: هي عبارة عن وجهة نظر في تلك المسائل والقضايا.
أقول: يجب أن نتدارك أمورنا وأن نعيد النظر، وأن نحاسب أنفسنا في منهجنا، وفي تصرفاتنا، فأنظر هل أنا أتصرف تصرفاً منضبطاً متزناً بالفعل، أم أنها العاطفة وحدها هي التي تسيرني؟ هذه هي القضية.
وكل ما ذكرت فهو مجملات أو أمثلة مبسطة، أرجو أن أكون وفقت في تقريبها إلى أذهانكم.
стр. 1608
الأسئلة
стр. 1609
الحكمة في تكسير إبراهيم للأصنام والفرق بين الهمة والعاطفة
السؤال
ما معنى قولك: إن إبراهيم ﵊ كسر الأصنام بأسلوب حكيم وبنظر بعيد، ثم صارت العاقبة أن أراد قومه حرقه، وهل يوجد فرقٌ بين الهمة والعاطفة؟
الجواب
المقصود يتضح بالمقابل، فإنه بالنظر إلى الخليلين: إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، كل منهما حطم الأصنام، وكل منهما جعله الله ﵎ إماماً للناس في الإيمان والتوحيد، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل:١٢٣]، فالله هو الذي جعله إماماً للناس، ولا شك في إمامته ﷺ للناس.
أقول: إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه خطط وعزم أنه إذا ذهب الناس إلى لهوهم، فإنه سوف يحطم الأصنام جميعاً، ويستبقي الكبير ويضع الفأس في عنقه، يعلقه عليه، ثم يقول: إني سقيم، هكذا يفعل، حتى الإعداد للمناظرة، فإنهم قالوا: من فعل هذا؟ قالوا: سمعنا فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم، فجاءوا به، أأنت فعلت هذا؟ قال: بل فعله كبيرهم هذا، فاسألوهم إن كانوا ينطقون، وهذا تصرف بعيد جداً عن العاطفة.
لو قال: نعم أنا أكسرها وأكسر رءوسكم -كما يقول بعض الشباب- فهذا لا يصلح، لأن هناك قلوب ميتة، وهناك عواطف ميتة، الفطرة ماتت في قلوب هؤلاء الناس، ما الذي يحركها لتصحوا وتفيق على أنه لا إله إلا الله؟ يكون ذلك عندما يرى معبوده وربه جذاذاً، وهو الذي كان يدعوه، ويتمسح به، ويستغيثه، ويذبح له، الآن أصبح جذاذاً، ويُحاكم هذا الفتى لم فعلت هذا؟ وكيف تفعل ذلك؟ فيقول: لم أفعل، واسألوا كبير الآلهة، والفأس معلق في عنقه.
إذاً يمكن أن يكون هو الذي فعل، والحقيقة أنها لا هي التي دافعت عن نفسها، ولا هذا الكبير دافع عنها، ولا هو الذي حفظ نفسه وسلم، ولا يستطيع هو أن يفعل شيئاً، ولا تلك التي تحطمت، فرجعوا إلى أنفسهم، وقالوا: إنكم أنتم الظالمون.
والموقف لو تأملتموه لوجدتم أنه موقف -فعلاً- فيه الحكمة، وفيه وضع الشيء في موضعه، رغم أنه لا شك لا يقوم به إلا ذو وجدان حي متوثب.
ورسول الله ﷺ لما كان في مكة، وهو يطوف ويعبد الله ومعه الصحابة، لم يحطموا الأصنام، ولكن متى حطَّم النبي ﷺ الأصنام؟ حطمها عام الفتح، لما فتح مكة، ودخلها ودخل الناس في دين الله أفواجاً، حطمها حينئذٍ، لأن المصلحة هنا، والحكمة تقتضي ذلك، فكلا الرسولين حكيم، وكلاهما وضع الشيء في موضعه.
وأما بالنسبة للشق الآخر من السؤال وهو هل يوجد فرق بين الهمة والعاطفة؟ أنا لا أحب أن أدخل في تعريف العاطفة، والعقل، والهمة، والدافع، والشعور وغيره، وهذا كله موجود في علم النفس، وقد قال رسول الله ﷺ : ﴿أصدق الأسماء حارث وهمام﴾.
وهذا مثال من الأمثال: وبعض الناس يسمي ولده الأول: حارث، والآخر: همام، لماذا؟ قالوا: لأن النبي ﷺ قال: ﴿أصدق الأسماء حارث وهمام﴾، والحقيقة أن القصد هو تحبيب هذا الاسم، ولا يعني ذلك تفضيل هذا الاسم على غيره، مثلاً إذا سمينا شخصاً بجميل، يمكن ألا يكون جميل، ويوجد كثير من الناس يسمي نفسه بشيء وهو عكسه تماماً، -مثلاً- رجل اسمه كريم، قد يكون بخيلاً، وهكذا.
لكن التسمي بحارث أو همام -مثلاً- إنما هو تعبير صادق على أي إنسان، فإن كل إنسان هو صاحب خير، أو صاحب شر، وأياً كان حاله، فهو حارث وهمام، فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ﴾ [الانشقاق:٦]- عام: لكل إنسان- ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:٦]، فهذا حارث، أي: كادح يحرث إما معصية أو طاعة، المهم أنه يحرث، وكذلك همام، فإن كل إنسان يهم كل يوم، وكل واحد في هذه الدنيا، كافر أو مؤمن -أياً كان- كل يوم يفكر في شيء ما، ويريد أن يحققه وهكذا، ومن هنا تكون الهمم متفاوتة، وتكون الهمم مختلفة جداً ومتباينة، فالهمة هذه تستنفر العقل، وتستنفر الوجدان.
وأكثر وأعظم الناس همة هم الذين يريدون الله والدار الآخرة، وهذه هي الهمة العالية، وشخص يقول: أنا كدحت بعرقي وبجبيني حتى عملت مؤسسة، وصار عندي فروع للشركة؛ والآخر يقول: كدحت واجتهدت حتى أخذت درجة عليا؛ والثاني يقول: أخذت المرتبة العاشرة أو الثانية عشرة، يا سبحان الله! هذا من العاجلة قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان:٢٧].
أما المؤمنون فإنهم أصحاب الهمة العالية، عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يقول: [[تاقت نفسي إلى الإمارة، فلما وليتها، تاقت نفسي إلى الخلافة، فلما وليتها تاقت نفسي إلى الجنة]] فهذه هي الهمة العالية، وليس معنى هذا أنه سعى إلى الخلافة ورغبها، لكن قد تأتي كل إنسان خواطر، لو كنت كذا، لو أني حصلت على كذا، لكن الهمة العالية هي بأن يريد الإنسان رضا الله والدار الآخرة، ويريد الجنة جعلنا الله وإياكم من ورثتها.
стр. 1610
ميزان العاطفة المجردة والعاطفة الإيمانية
السؤال
أكثر من سؤال تكرر يقول: ما هو الميزان الذي يزن به الشخص عمله؟ هل هو عن عاطفة مجردة أو عن عاطفة وجدانية إيمانية، وجزاك الله خيراً؟
الجواب
هذا الميزان، يا ليته كان موجوداً جاهزاً، فنشتريه، ونضعه في جيب كل شخص، وهذه هي المشكلة الحقيقية، لهذا أنا قلت: هذه وجهة نظر أو مقدمة لِأنْ نبدأ ونبحث عن الميزان، فمن الناحية النظرية -الحمد لله- هو موجود، وكل شخص يقول: كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وعمل السلف الصالح، لكن هذا الكلام المجمل العام لا يكفي، بل يجب أن نفكر، فنسأل أنفسنا: في أي موقعٍ نحن الآن من الدعوة إلى الله؟ ثم ننظر في الأدلة التفصيلية أو الإجمالية أو القواعد، وكيف يمكن أن نسير؟ وأذكر لشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه كلاماً جليلاً عظيماً، معناه: أنه ليس العالم أو الفقيه من يقول: هذا حرام، وهذا حلال، وإنما الفقيه أو العالم هو من يعرف أرجح المصلحتين، وأفسد المفسدتين، ثم يفتي بأرجح المصلحتين وبما يدفع أكبر المفسدتين، أي أن تفتي الناس بشيء يحقق لهم أرجح المصلحتين، أو تفتيهم بشيء يدفع أكبر المفسدتين.
أما مجرد أن تقول: هذا حرام، وهذا حلال، فيمكن للإنسان، أو نستطيع مباشرة من خلف الميكرفون أي سؤال يأتي أن نقول: هذا حرام، وهذا حرام، والفيديو حرام، والأغاني حرام، والزنا حرام، يمكن هذا، والحمد لله، ويستطيع الناس -أيضاً- ذلك، لكن نحن الدعاة عموماً نفكر بشيء غير ذلك، أي: عندنا أشياء لا شك أنها حرام -كمثل التبرج والسفور- لكن كيف نتصرف لتغييرها؟ وكيف نعمل لننقل ما نشعر به من إحساس بخطرها وضررها ودمارها إلى من يعملونها؟ هذا هو التحدي، وهنا المحز.
فنحن نحاول أن نجتهد لمعرفة منهج النبي ﷺ في دعوته وصبره على ذلك، ولا شك أننا إذا قرأنا ذلك، فإنه يعطينا قواعد عامة كما يعطينا أدلة تفصيلية، ونستعين بالله في تحقيق ذلك، ثم نستعين بآراء إخواننا، وكلما انفرد الإنسان برأي فإنه ينبغي أن يتوقع أن هذا الرأي قابل للاستشارة، وكلما استشرت فإنه أجدر أن يكون إن شاء الله صواباً، وأن يكون خيراً، ولا سيما في قضايا مألوفة ومعروفة، لست أنا أول من يجتهد في تحقيقها إن كانت معروفاً أو في إزالتها إن كانت منكرات موجودة.
فإذاً ما دامت الدواعي والمقتضيات قائمة فإنني أنظر إلى من يرى نفس الموقف، ويشاركني ويشاطرني نفس الرأي وماذا لديه من وجهة نظر، ثم أجتهد معه.
ولا أكتمكم أن بعض الشباب يستطيع أن يعرف هل هذه عاطفة أو عقل، ويعرف ذلك، وتجاربهم تدل عليه، والدليل على ذلك أن بعضهم يقول: لا يوجد داعي أن أسأل فلاناً، وأستشيره، أنا أعرف رأيه مقدماً، فهذه هي العاطفة، أنت تعرف رأيه مقدماً إذاً لا تستشيره، إذاً تستشير الذي يشير عليك بما تريد، فهذه عاطفة قد تؤدي بك إلى الخطر، وهكذا في أية قضية، وفي أية مسألة، أحياناً العقل يقتضي أن تسأل المعارض لا أن تسأل الموافق، فإن صممت أن تعمل شيئاً فاسأل المعارض، إن كان عنده موانع، قبل أن تعمل، فإن وجدت أنها ليست موانع حقيقية، فإنك تعملها وأنت مطمئن، ولذلك تجد الذي يندفع بهذه الطريقة بعد أن يذهب بعيداً يرجع إلى المخالف، ويقول: يا ليتني فعلت! يا ليتني استشرتك! يا ليتني قبلت! ويكون قد أضاع الفرصة على نفسه.
стр. 1611
الخلل في العاطفة
السؤال
بعد أن بينتم لنا طرفاً من العاطفة، نرجو أن تبين لنا الطرف الآخر الذي قد يؤدي إلى التهاون في بعض المنكرات، مثل: جلوس الناس أثناء الصلاة أي بسبب التعقل الزائد عن المطلوب؟
الجواب
نحن عندما تحدثنا كان موضوعنا فيمن يعمل، ولكنه يعمل إما بعقلٍ أو بعاطفة، وقلنا: لا انفصال بينهما في الحقيقة، لكن مسألة الذي لا يعمل، هذه ليست عاطفة، ولا نسميها عاطفة، وحقيقة هذا يحتاج إلى أن ينصح بأن هذا تقصير، وهذا تفريط، وقد يفلسفه أصحابه بأنه عقل, ولا يفلسفونه بأنه عاطفة، فيقول: أنا عاقل، فمن يوم ما التزمت لم أتشاجر مع أحد من الناس! وأنا لا أدري ما هو هذا العقل! شخص استقام ولم تقع له مشكلة مع أحد، فإن هذا عليه أن يراجع نفسه؛ لأنه لا بد أن فيه مداهنة، ولا بد أن هذا من التقصير في الدعوة، ولو دعوت، فلابد أن تجد من يعاديك لذاتك، كما هو الحال الآن، فإنَّ كثيراً من الناس يعادى لذاته، سواء قال حقاً أو باطلاً، فهو عدو، لأنه يدعو إلى خلاف ما عليه هذا المعادي.
والتهاون في إنكار المنكر مرض، وعدم إنكاره وعدم اهتمامه بالدعوة إلى الله تقصير وتفريط ومرض، وهو من دواعي عذاب الله، ومن دواعي انتقام الله من الأمم ومن الأفراد -نسأل الله العفو والعافية- فالضعف الذي يعترينا جميعاً -وكلنا ضعيف- نحتاج فيه إلى أن نتناصح لننهض، ولنقوم، وليس داخلاً كما يخيل لي في موضوعنا الأخص بالذات.
стр. 1612
كيفية تنظيم الأوقات للاستفادة منها
السؤال
نحن نعاني من عدم قدرتنا على تنظيم أوقاتنا، فكما تفضلتم تجدنا يعجبنا كتاب فنشتريه، ثم نرى كتاباً آخر فنترك الأول، قبل أن تنتهي منه وهكذا نضيع كثيراً من أوقاتنا، فبماذا تنصحوننا في توزيع أوقاتنا، والاستفادة منها؟
الجواب
هذا الأخ صادق، ومعاناته صحيحة، وكلنا عانينا ذلك، وهذا الكلام، لم أقله لأني بريءٌ منه، بل عانيناه، وما نزال نعاني منه، وكلنا معرضون لعاطفة تفور أو لتفريط وضعف -نسأل الله العفو والعافية- لكن نقول: هذه القضية بالذات هي قضية القضايا من حيث المنهج العلمي عند الشباب، أول شيء أن بعض الشباب يتصور أنه يجب أن يكون هو وجميع من يدعون إلى الله علماء، وهذا من أعظم الأخطاء في هذا المجال.
ولذلك تجد أن هذا الأخ المسكين الذي لم يؤهل لأن يكون عالماً يضيع ويتعب، لأنك تكدح به في غير ما خلق له، ما خلق لهذا الشيء، فهو لما استقام واهتدى جئت به إلى شيخ، فجلس أسبوعاً، أسبوعين، أو شهراً، أو شهرين، ثم تعب، ولم يستطع أن يواصل، أعطيته كتاباً أعجب به، قرأه ثم لم يستطع أن يكمله، فأخذ الكتاب الثاني، والثالث، والرابع، والقضية ليست في الكتاب إنما هي في ضعفه.
وفي جميع عصور التاريخ العلماء يعدون على الأصابع قلة، لكن هل الدعاة قلة؟ هل من يغير حال الأمة من الشرك إلى التوحيد، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن البدعة إلى السنة قلة؟ هذا مستحيل، لو كانوا آحاداً لما تغيرت، كيف كان شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمة الله عليه؟ كيف علمه؟ لكن انظروا كيف كان لما غير المنكرات، ولما حارب التتار، ولما حارب الروافض والباطنية، كانت معه أمم وألوف، والدعوة إلى الله هكذا.
نحن الآن مشكلتنا أننا نريد أن كل من يهتدي أو يستقيم، نقصره قصراً، ونصبه في قالب طلب العلم، وبعض الناس يكون مسكيناً، فيترك وظيفته، ويقول: أطلب العلم، وقد يأتيك شخص ضابط، أو يأتيك شخص مهندس، يقول: ما رأيك أدخل الجامعة الإسلامية، أو معهد الحرم! لماذا؟ أنت أين تشتغل؟ يقول لي: كذا وكذا، لكن أريد أن أطلب العلم.
يا سبحان الله! ولماذا تطلب العلم؟ ومن قال لك أنك من الضروري أن تطلب العلم، أنت يكفيك أن تحضر وأن تتعلم ما ينفعك من الأساسيات التي تعبد ربك تعالى بها، وتستقيم وتعرف طريقك في الحياة، وتعرف الحق في الجملة، لكن التبحر والتوسع في المسائل هذا ليس من شأنك.
ونحن لا نقول هذا تحيزاً ولا تعصباً، لكن بعض الناس يفهم ذلك خطأً.
لكن هذا الأخ في موقعه الذي هو فيه ينفع الله تعالى به، ونقول له: أنت ادعُ الناس، وادعُ في مجالك، وانفع الإسلام بما تستطيع في مجال عملك الذي أنت فيه، أما أن تتركه وتأتي لطلب العلم، فهذا غير معقول أن تتحول الأمة كلها إلى طلبة علم يجلسون في المساجد، أو في المدارس ويتحلقون حول العلماء! هذا غير معقول أصلاً.
فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم أطهر وأفضل جيل.
وأحرصهم على العلم والحق والخير، لكن كم كان علماء الصحابة؟ وكم كان المكثرون من الحديث؟ وكم هم المتعرضون للفتوى من الصحابة وكذلك من التابعين؟ عدد قليل، لكن الكل كان يدعو إلى الله، الكل كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يغير بحسب موقعه، وبحسب بيئته، وبحسب ما يستطيع، أما من يتصدر لقضية العلم بالذات فليس كل أحد.
فإذاً يا أخي قد يكون بعض هؤلاء -كما شكا السائل- لم يؤهل لأن يكون طالب علم، لكن هذا السائل يمكن أن يبذل من ماله للدعوة إلى الله، ويمكن أن يبذل من وقته في إنكار المنكر، ويمكن أن يبذل من خبرته العملية في معرفة بعض الأمور التي تعين الدعوة على أن تتوسع في المجالات المختلفة، وأن تدخل في جميع القطاعات، فيكون هذا باباً عظيماً للخير، وأنت تريد أن تجعل منه تابعاً صغيراً في الحلقة! فهذا أحد الاحتمالات.
الاحتمال الآخر: هو العجلة والملل، فالشاب يمل، ومن طبيعة الإنسان الملل، كما قال ﷺ : ﴿لكل عملٍ شرة﴾، ولكن بعد الشرة فترة، فيأتي الاندفاع، ولكن يعقبه الفترة ويعقبه الضعف، وقد يكون هذا هو السبب.
ومما يعين الإنسان على ذلك أنه في الأصل يبدأ بمنهج معقول، فلا يحلم في الخيال، لكن يأتي بشيء معقول يستطيع أن يحققه، ويسلك ذلك مع إخوة له في الله ليعينوه، فكلما ضعف سددوه وأعانوه وساعدوه، حتى يصل الجميع بإذن الله إلى ما يريدون، ولو انضبطت الجوانب العلمية عندنا على مناهج معينة لما وجد ذلك الحرج، أي: يكون عندنا كتب أساسية يجب أن تدرس في العقيدة وفي الفقه وفي غير ذلك، وهذه يجب أن تدرس وأن تعلم بالنسبة للدعاة وطلبة العلم.
فمهما وجد الإنسان فيها من تعب أو ملل أو صعوبة فإنه يجب أن يوطن نفسه، وأن يحتسب صبره ليكمل الكتاب، كما يحتسب صبره على طاعة الله، وكما يحتسب صبره عن معاصي الله التي حرم الله، فيحتسب أيضاً صبره حتى يفهم هذه المسألة، وحتى يفهم هذا الكتاب.
ثم مسألة أخرى أو جانب آخر، قد تكون أنت مهيأً لأن تكون قارئاً أو مفسراً لكتاب الله، لكن لست مهيأً لعلوم الحديث والرجال، فلا تقصر نفسك على هذا أيضاً، وهذا شيء آخر:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
وبعض الإخوان يريد أن يلم بالأصول وهو لا يستطيع عليها، لكن يقدر في الفقه، فليجعل نفسه في الفقه أو العكس وهكذا.
فكن مع سجيتك وطبيعتك وموهبتك التي أعطاكها الله ﵎.
стр. 1613
أضرار العاطفة في فهم الأحكام الشرعية
السؤال
التزمت بدين الله -ولله الحمد- فبدأت بتقصير الثوب، ولبس العمامة؛ لكني وجدت ظروفاً وانتقاداتٍ حزت في نفسي؛ فعدت إلى خلع العمامة وعدم تقصير الثوب، فأصبح زملائي يقولون عني: إني عدت عن الالتزام، وعدت إلى الضلال، فماذا أفعل؟
الجواب
نعم! انظر كيف تتراجع العاطفة وتتأرجح إلى العكس، وقد ذكر السائل -جزاه الله خيراً- قضية يقع فيها بعض الشباب؛ فأول ما يبتدئ في الالتزام -فعلاً- يضع العمامة مثلاً؛ فيبدأ الناس ينظرون إليه.
فيقول: مالي وللناس؟ أنا اهتديت، ولبست العمامة.
أقول: أولاً كما قلت: ما موقع العمامة من الدين؟ بمعنى أنه قبل أن يفكر بذلك، كان عليه أن يسأل حتى عن أحكام الدين أو بعض أموره، فيرتبها أو يسأل عن ترتيبها، فالعمامة ما موقعها؟ والتمسك بها ما موقعه من الدين؟ ثم بعد ذلك ينظر هل المصلحة أن يلبسها في هذا الوقت؟ وما الحكم فيها؟ فيسأل عالماً ممن يفتيه، ويبين له موقعها من الدين، ثم بعد ذلك يقول: هل أطبقها؟ وكيف أطبقها؟ وهكذا في كل شيء.
إذاً ليست القضية قضية العمامة فقط، فأنا أعرف كثيراً أو بعضاً من الشباب -والحمد لله- تمسك واستقام واهتدى، فما خطرت له العمامة على بال، لماذا خطرت لهذا وما خطرت لذاك؟ لأن الآخر لا يرى ذلك، وليس لأنه سأل العلماء، فقالوا له: حكم العمامة؛ بل إنه في ذاته قال: لا داعي للبسها، وأنا أجزم أن هذا واقع.
وقد يقول قائل: هذه قضية لا فائدة منها.
أي أن هناك أموراً يمليها على الإنسان وجدان خاص -مشاعره الخاصة- وكأنه يريد أن يعرف حكمة معينة لديه، وأن هذا العمل ما ينبغي؛ بغض النظر عن كونه قد يطبقه أو لا يطبقه؛ لكن هذا في البداية ومنذ اللحظة الأولى، بعد ذلك تأتي القواعد أو العلم التفصيلي ليضبط لك كل أمر في موضعه، فهناك أمورٌ تعرفها -أنت- بالبداهة وبالتجربة والواقع، وأما بالعلم فهل شرع لنا رسول الله ﷺ وسن أن نلبس عمامة؟! لا بد أن يفكر بها ويضعها هكذا، نقول: لا، حقيقةً ليس هذا مما شرع.
ونريد أن نوضح قضية مهمة في هذا المجال، وهي أن التمسك بالظاهر سهل جداً؛ ولهذا إذا أراد المنافق أن ينافق فذلك سهل عليه، كأن يأتي أحدهم ويريد أن يعمي علينا، فإنه سيعفي لحيته مثلاً، ويقصر ثوبه ويأتي ليصلي كما كان المنافقون يصلون خاصة الظهر والمغرب، أما الفروض التي يكون نائماً فيها فلا يأتي.
إذاً فالتمسك بالظاهر سهل؛ ولكن ما هو الصعب؟ إنه الإيمان الباطن؛ وكلاهما لا ينفصل عن الآخر، ويجب أن نقيمهما معاً، ولا نتهاون في شيء منهما.
بعض الدعاة الآن إذا رأوا الظاهر، يقولون: الأمر بسيط يا شيخ، فالثوب ليس مشكلة، واللحية ليست مشكلة، ونحن لا نتكلم فيهما.
فما دامت يسيرة بهذا الشكل فافعلها يا أخي! وحقيقةً أنها تكون يسيرة بالنسبة للإيمان الباطن، لكن لا بد أن نقوم بهذا الدين جملةً واحدة، ونحيط به من جميع جوانبه، واضعين كل شيءٍ في موضعه؛ فكل من لبس العمامة، وحصل له مثل هذا الأخ الذي لبسها على أنها من الدين، فلتكن مشاعرك وأنت تلبسها ليست شعور إنسان طبق سنة؛ بمعنى أني أنا -مثلاً- أو أي شاب مستقيم في سنوات طويلة قرأ في كتاب من الكتب، ووجد سنة من السنن التي طبقها ببساطة جداً.
لكن -هذا الأخ- أول ما اهتدى لف العمامة وكأنها ركن، وكأنها رمز الأصالة، ورمز للتحدي للماضي، وكأنه يقول: إني ابتعدت عنكم يا أصحاب الشماغ أو الغتر! وأنا الآن تميزت وانفردت، وأنا كذا وكذا، ولا يقصد العمامة في ذاتها، بل يقصد ماذا؟ أي: أنني الآن استقمت -بمعنى- وكأنه يقول: الآن اهتديت، والآن استقمت فأصبحت في مظهر غير مظهركم، فإنه ومن هذا المنطلق يكون قد انطلق من منطلقٍ سليم ولا شك في ذلك؛ لكن من حيث الحكمة في العمل، ومن حيث تحقيق المصلحة فلا، وأنا أقول للأخ الذي استقام حديثاً: أما بالنسبة للعمامة فإنها لا تلبس، وليست من مجتمعنا.
فإخواننا في السودان يلبسون العمامة، فالبس العمامة، ولا بأس في ذلك، فإخواننا المسلمين يلبسونها، وديننا دين -والحمد لله- واسع، ونحن لا نفتي الناس في السعودية، ألا يلبسوا العمامة، فديننا واسع، وأهل كل بلد يجوز لهم أن يلبسوا ما اعتادوا أن يلبسوه ويرتدوه؛ ما لم يكن حراماً.
فلتبق عليه ما لم يكن حراماً وما لم يكن إثماً، وحتى إن كان فيه شيء من المكروهات فأخرها قليلاً.
وأما الثوب فأيضاً في المرحلة الأولى: أنصح بأن يقتصر الشاب -مع إيمانه القوي بضرورة تطبيق السنة واتباعها- على رفعه عن الكعبين فقط، فيرفعه عن الكعبين بقدر لا يثير عليه أحداً، لأنك الآن مثل إنسان ملك سلاحاً ضعيفاً، أي: بالنسبة للباطل، فسلاحك مسدس -مثلاً- لكنك تستثير عليك من يملك المدافع والقنابل وهذا لا يصح، فبعض الشباب مسكين لما رآه أبوه والثوب هكذا -أي: قصيراً إلى الركبة تقريباً- والعمامة أيضاً، وبدأ أيضاً يترك أصحابه كذلك، وبدأ ينتقد المدرسة وينتقد الحياة بشكل عجيب! لا شك أن هذا يؤدي إلى أن يعتبر الأب أن هذه انتكاسة كبرى، فيصر إصراراً عنيداً على أنه لا بد أن يكون مسبلاً، وأن يكون عاصياً ومجرماً وفاسقاً.
فأقول: أما الإيمان فاجعلوه إيماناً حقيقياً باطناً، والأعمال الظاهرة التي قد تثير مشاعر الناس وينتج عنها مفاسد، نطبقها في حدود اجتناب المحرم؛ فأما المحرم فليس فيه نقاش، ويجب أن نجتنبه إلا في الحالات الخاصة، ونقول هذا الكلام: لأن بلاد المسلمين ليست هي السعودية فقط، ولا نستطيع مثلاً أن نتكلم عن واقعنا الآن فقط، فالكلام يجب أن يكون -في الجملة- عاماً.
فالواجب أحياناً في مواقع خاصة قد يؤخر لمصلحة الركن؛ لأن الأصل أن نحقق الركن أولاً، فنقوي إيماننا لكي نعرف كيف ندخل إلى هؤلاء الناس من مدخل الدعوة إلى الله ؛ ثم بعد ذلك تأتي هذه السنن -بإذن الله- تباعاً.
أما إذا جعلنا السنة ركناً؛ فإننا سننسي بقية الأركان، وهذه قاعدة معروفة، وهي أن الإنسان إذا فرط في جانب أو غلا في جانب؛ فلا بد أن يفرط في الجانب الآخر.
فـ الخوارج أول ما خرجوا كانوا يرون أن من كذب أو زنى أو سرق -أي: أن من ارتكب كبيرة- كفر وخرج من الملة، حتى آل بهم الأمر -عما قريب- إلى أن أنكروا سورة يوسف، وأنها ليست من القرآن -والعياذ بالله- فالغلو لا يؤدي إلى خير، وإن شئت فقل "الشطط العاطفي" سواء كان في خروج عن الدين أو خروجٍ عن الحكمة أو عن مقتضيات المصلحة.
فعلى الإنسان أن يضبط نفسه منذ البداية، وأن يقف الموقف الصحيح ولا يبالي بعد ذلك بكلام الناس.
فنقول لهذا الأخ الذي رجع: لا يصح ولا يجوز لك أن ترجع إلى الإسبال؛ لأن الإسبال حرام، وأما العمامة فاتركها، والبس كما يلبس الناس، وليس عليك أي إثم بالرجوع، فإذا قالوا: الآن اهتديت أو عدت.
نقول: إنك قد انحرفت عن الالتزام، فلا تبال بكلامهم، وانظر إلى ما يحقق المصلحة.
والنصيحة للجميع في مثل هذه الأمور؛ لأننا في مجتمع، ويجب أن ننظر إلى كيف نخاطب مشاعر الناس، فلا نثيرها ولا نجرحها.
стр. 1614
أهمية دور الملتزم في إظهار الصورة الحسنة عن هذا الدين
السؤال
إن له بعض الأقارب إما أنهم يسكنون عندهم، أو يأتون لزيارتهم بين آنٍ وآخر، فيرتكبون بعض المنكرات أو المحرمات، فلا ندري هل ننهاهم عن ذلك؟ أو إذا حدثت مفسدة فكيف نفعل؟ وآخر يقول عن والده: إنه متشددٌ ومتعصبٌ لمذهب معين، فإذا فعل ابنه أمراً يخالف ما عليه المذهب؛ يعترض عليه الأب، فماذا يفعل معه؟
الجواب
المشاكل كثيرة من هذا النوع، ويجب أن نعلم أن هذا هو الأصل، وأن هذه هي حقيقة الداعية، وأنه لا بد أن نعاني من أمثال هذه الأمور، وإلا لو كان الناس على الصورة الأخرى لما احتجنا إلى دعوة، فلا بد أننا نحتاج إلى الدعوة على أية حال وفي أي زمان ومكان؛ إما للتوجيه فأقول: إن هذا أمر طبيعي، وهنا نأخذ أو نذكر قواعد كلية، أما التفصيلات فكل إنسان بحسب حاله، وكل مسألة بحسبها أيضاً، لكن -في الجملة- الأصل أن الشاب المسلم -إذا استقام- يجب أن يشعر أبوه وأمه وأهله وأقاربه أنه تحول من الشر إلى الخير، وبالذات ونحن نتكلم عن مجتمعنا المسلم -والحمد لله- ولا نتكلم عن إنسان يكون أبوه نصرانياً أو يهودياً ثم يسلم؛ لكن نقول: يجب أن يكون هذا هو الشعور العام في المجتمع، أن الشاب إذا اهتدى فإنه تحول من الشر إلى الخير.
وأما أن يوجد شعور عام -يقل أو يكثر- بأن الشاب إذا اهتدى، فقد تحول من الخير إلى الشر، فهذه مشكلة لا نرضاها أبداً، ودليل على خلل في تمسك هذا الشاب، بمعنى أن الأب عندما كان يحبك وأنت على حالك الأول، وكنت تحبه وتخدمه وتطيعه وتذهب به إلى أي مكان - كالخادم أو كالسائق - وتفعل ما يرضيه؛ فإن استقمت واهتديت وتمسكت، تركته وأهملته؛ لأنه يشاهد كذا، ولأنه يفعل كذا، ولأنه يقول في المتمسكين كذا، فأقول: هذا خطأ، وهذا خلل، لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] أي: والديك: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] أي صاحبهما بالمعروف حتى وهما يدعوانك إلى الشرك بالله ، ويجاهدانك لكي تشرك بالله، ومع ذلك (صاحبهما في الدنيا معروفاً)، وكذلك إذا شعرت الأم أيضاً أن ابنها لما استقام واهتدى، بدأ ينفر من خالاته وبنات خالاته ومن عماته؛ من أجل موضوع الكشف -مثلاً- فبدأ يتكلم فيهم ويكرههم ويقطع الأرحام، ويفعل كذا، وأصبح شريراً، لكن العكس يجب أن يكون؛ أن يستشعر الجميع: الأم والأب والأهل والمدرس والمجتمع أنه استقام واهتدى، فكان الخير، والدعوة إلى الله خير بلا ريب، حتى وإن خالفها من خالفها، فهم يعلمون أنها خير ولكنهم لا يجرؤون على الكلام، فأكثر ما يتكلمون عنه هو تصرفات الشباب، وقليل منهم الذي يتجرأ فيتكلم في نفس الطاعة، أو في نفس السُّنة، بل إنه يقول: لا، فالدين طيب ويسر، إنما يتكلمون في التصرفات.
ولهذا أقول: يجب أن تكون التصرفات بما يضمن -بإذن الله تعالى- أن نكسب هؤلاء الناس، فإذا لم تستطع أن تكسب أقرباءك للدعوة، فمن تكسب بعد ذلك؟! فاصبر وتحمل، وأكرمهم، وأحسن إليهم , واحترمهم وقدرهم، حتى يشعروا بأنك لمَّا استقمت واهتديت بذلت لهم من الخير أكثر، فبدأت تطيع والديك أكثر، وبدأت تحب إخوانك أكثر، ولكن واجب هذه المحبة وهذا الحرص أن تقول لهم: يا أخي! اتق الله، يا أبي ويا أمي! هذا حرام، يا أخي! إني أخاف عليك عذاب الله، كما ذكرنا في مناظرة الخليل ﵇ وموعظته لأبيه، وكما كان حال الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم والدعاة إلى الله جميعاً.
وبعد ذلك من كُتِبت له الهداية سيهتدي، ومن لم يهتدِ فسيظل يحبك على الأقل، وذكرنا مثال أبي طالب، وأنه لم يهتدِ، ولم يؤمن، لكنه كان يحب صاحب الدعوة صلوات الله وسلامه عليه.
فالمقصود أنه يجب أن تكون أخلاقنا ومعاملتنا أفضل وأكرم وأحسن منها في حالة استقامتنا من ذي قبل، وأن يكون الحب وجلب الناس وكسبهم إلى الخير هو رائدنا، حتى ونحن نتكلم مع صاحب المعصية، نعم أقول هذا! ولا تعتبروه استطراداً -إن شاء الله- لنفرض أنك مررت -كما نشاهد الآن- بمحل يبيع أفلام موسيقى أو محل فيه أشياء محرمة والله المستعان، فعندما تخاطبه لا تخاطبه بأنك -أنت- مستقيم ومتمسك، حتى ولو لم تقل هذا أحياناً، لكنه شعورك.
فلو بدأت مع أي إنسان تخاطبه: كلنا مقصرين، وقد يمكن أنك أكبر مني سناً أو أصغر مني؛ لكن الحقيقة أنه بدافع المحبة، أحببت أن أقول لك كلمة وإن شاء الله تنفعك ففكر فيها وإذا كان عندك فيها نظرة فأنا مستعد أن أتفاهم معك فيها إلى أن تقول له: إن هذا حرام وكسبه حرام؛ بلطف وبأدب جم، وعندها يرد الرجل: فيك الخير، وجزاك الله خيراً، وأنا كذا.
فالحمد لله! الغالب -إن شاء الله- أن مجتمعنا فيه فطرة، لكنك لو أشعرت الناس أنك أنت مستقيم، وأنهم منحرفون ضالون زائغون، وليس فيهم فائدة وليس فيهم خير؛ فتأكد أن هذا لن يُؤدِّي -أبداً- إلى استجابة ولا إلى ثمرة؛ لكن خذ الناس بالحسنى وباللين، بل حتى لو قلت شيئاً مما لا يستحقونه -أحياناً- من بعض الثناء بقصد أن تجلبهم إلى الخير، فهذا -إن شاء الله- لا حرج فيه، ولا يعد من الكذب إن شاء الله.
стр. 1615
كيفية كبح جماح الشهوة
السؤال
كنت أزاول العادة السرية، ولكن الله منَّ عليَّ بالهداية بعد أن عرفت أضرارها وعقوبتها؛ ولكن مشكلتي هي أنني تثار لدي الغريزة الجنسية لأدنى سبب، فما هو العلاج لذلك، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
أولاً: حقيقة أن هذه الغريزة مشكلة؛ فالله جعلها غريزة طبيعية وجبل الناس عليها هكذا، فدخل منها أعداء الله، ودخل منها المجرمون والمفسدون والَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا، فدخلوا من باب هذه الغريزة؛ فهذا يبيع الأفلام، وهذا يبيع المجلات، وهذا يفعل الدعاية لبضاعته عن طريق النساء، وهذا يروج بالحرام و، فنجد أنه تستثار هذه الغريزة بشكل يخرجها عن موضعها الصحيح، أما نحن فلا رهبانية في الإسلام -والحمد لله- ولسنا من النصارى في شيء في هذه المسألة، ولا من البوذيين أو غيرهم؛ فديننا دين الإسلام الذي يعطي كل شيء حقه.
فهذه الرغبة وهذه الغريزة أو هذه النزوة لا بد أن تشبع؛ لأنها أمر فطري جبلي، وأما هذه الدوافع وهذه المثيرات في واقعنا الآن فإنها قد خرجت عن حدها، وخرجت عن طورها؛ بحيث أصبح الشاب مشدوداً ليل نهار إليها؛ فإن دخل مكتبة وجد قصص الغرام، وإن التفت إلى المجلات فكلها صور نساء إلا ما رحم ربك في بعض المكتبات، وإن رأى الأفلام فكذلك، فكل ما يجد ويرى يثيره ويشده.
فنقول: أولاً: هذه مسئولية تقع على أعباء المجتمع بأكمله، وكل إنسان مسئول -بحسب موقعه ومكانه- بين يدي الله ، فكل حادثة زناً تقع نتيجةً لهذه الإثارات، فكل من أثارها -أو أذن بأن تثار- مسؤول بين يدي الله بقدر تفريطه في إثارتها، الذي يستطع باليد مسئول أن يغير ذلك؛ الذي يستطيع باللسان مسؤول أيضاً وإن كان أقل مسؤولية.
وهكذا فالمسئولية مشتركة على الجميع، ونحن لا نقول: إنها دائماً مسئولية الحكام، أو مسئولية العلماء والدعاة، أو المدرسين؛ لأننا كلنا مسئولون بين يدي الله؛ كما قال ﷺ : ﴿كلكم راعٍ وكل راعٍ مسؤول عن رعيته﴾ فكلنا مسئول بين يدي الله ﵎ عن الترويج للفواحش في مجتمعنا المسلم الطاهر.
وهذا الأخ قد ذكر مسألة الإثارة، والإنسان مهما كانت قوته إذا لم يتعرض للمثير فإنه لا يستثار؛ وقد يكون هناك أناس لديهم خروج عن المألوف، ولنفرض أن إنساناً ما، عنده حالة مرض؛ فأصبح يريد أن يعاشر أو يباشر بشكل غريب جداً، فأقول: إن هذا صار مرضاً؛ لكن كقاعدة عامة فالأصل أن السبب هو الإثارة، وإن كان - هذا الأخ- ممن مرض وصار لديه المرض؛ فليذهب إلى أي طبيب ممن يعالج الأمراض التناسلية ولا سيما إذا كان ديناً موثوقاً به، والآن وبفضل الله لا يوجد تخصص إلا وفيه من يوثق بدينه -والحمد لله- وليتعالج على يديه، وربما يعينه بشيء من المهدئات، والمقصود أن لديه العلاج فهذا اختصاصه.
وتأتي مسألة أخرى إذا لم يكن مرضاً؛ وإنما كان بعامل المثيرات فما الحل؟ الحل -وهو للجميع- كما أمر الله بقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ [النور:٣٠] فلا بد من غض البصر، ولا بد من حفظ الفرج، وأن يصرف الإنسان هذا الوقت وهذه الطاقة فيما يبعده عن ذلك، فيذهب إلى إخوة له.
فكلما كان مع إخوة في الله كلما كان أبعد، وإذا كان وحده فليتذكر اليوم الآخر، وليتذكر سكرات الموت وعذاب القبر، ثم يتذكر الوقوف خمسين ألف سنة بين يدي الله ، والشمس على مسافة ميل، وكل إنسان منهم من يبلغ عرقه إلى أن يلجمه ومنهم يبلغ عرقه إلى الترقوة، ومنهم يبلغ إلى السرة، ومنهم من يبلغ إلى الركبة، فكل إنسان في هذا الموقف العظيم يتذكر ما أمامه من أهوال.
أقول: كلما تذكر الإنسان هذه القضايا يجد أنه لا مجال ولا مكان لمثل هذه النزوات أن تستعر وأن تلتهب، والله المستعان.
следующие страницы →