Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
النوع الثاني: المصادر الظنية
لا نقول: إنها باطلة، ولا نقول: إنها يقينية، وسوف تتضح الفكرة عندما نذكر أنواعها وتفصيلها.
النوع الأول: من المصادر الظنية لمعرفة ما سيقع هو الرؤى والمنامات الحقة، وليست أضغاث أحلام، فهذه الرؤى مبشرات كما أخبر النبي ﷺ ، ولا يستطيع أحد أن يجزم بأن تأويلها كذا إلا إذا كان بوحي؛ فرؤيا الأنبياء وحي لا شك في ذلك، وكذلك تفسير الأنبياء وحي كما فسر يوسف ﵇ فتفسيرهم حق، لكن من عداهم مهما كان معبراً أو محدثاً، فإن كلامه يحتمل الخطأ والصواب، ومن هنا فإن هذا يدخل في النوع المظنون، ولكن من الناس من يوفقهم الله تعالى، فيكون تأويله في الغالب صواباً، ومنهم من يكون دون ذلك، والنبي ﷺ عدّل أو صحح تأويل أبي بكر ﵁، وهو أفضل هذه الأمة بعد رسولها ﷺ ، فلم يكن تأويله مطابقاً (١٠٠ %) بالدقة، وهذا دليل على أنه لا يصح ولا يمكن لأحدٍ بعده أن يدعي أن تأويلاته للرؤى صحيحة وسليمة (١٠٠ %).
النوع الثاني من المصادر الظنية: هو ما عند أهل الكتاب من أخبار مما لم يأت في ديننا ما يدل على بطلانه، لأن ما عند أهل الكتاب إما أن يأتي في شرعنا وديننا مما يدل على أنه حق وصواب فهو حق، أو يأتي في شرعنا وديننا ما يدل على أنه باطل فهو باطل، والآخر المسكوت عنه الذي لم يأت ما يؤيده ولا ما يبطله، فهذا يظل نوعاً من الظن لا نستطيع أن نجزم ببطلانه، لاحتمال أن يكون من بقايا الحق الذي لديهم، ولكن لا نثبته؛ لأننا نعلم قطعاً أنهم قد حرّفوا وبدّلوا في كتبهم، وجائز أن يكون هذا مما أضافوه وكتبوه، إما بألفاظه، وإما بتأويله، فهذا وارد وهذا وارد، وعلى هذا نقيس كل ما يروى عن كعب الأحبار ووهب بن منبه وأمثالهما من أخبار الملاحم والفتن التي تكون وتقع في آخر الزمان.
- النوع الثالث من المصادر الظنية: هو الدراسة العلمية التي يمكن أن نسميها "الاستنباط العقلي" أو الاجتهاد بالنظر في سنن الله الكونية، فإن الله ﵎ جعل سنناً في هذا الكون لقيام الدول ولسقوطها ولحياتها ولنمائها، للأفراد وللصناعات وللتجارة وللاقتصاد فلكل أمر من هذه الأمور سنة كونية في حياته وموته، فلله ﵎ أسرار وحكم ونواميس وسنن جعلها، وبقدر ما يدركها الناس ويعرفونها يستطيعون أن يصلوا إلى الحق، وذلك مثل: ما كتبه ابن خلدون ﵀ باجتهاده ونظره في أحوال العالم عن قيام الدول والأمم والحضارات وعن سقوطها، وهذا النوع توسع فيه الغربيون -على ما سنشير إليه إن شاء الله- وكتبوا وأفاضوا فيما بعد ذلك، وهذا النوع لا يدخل في الغيب ولا في التنجيم ولا في الكهانة، ولكن -أيضاً- ليس يقينياً وليس بوحي، وإنما هو استنباط من الحق -أي: من الوحي- أو استنباط من الواقع، فيتأملون أحوال الأمم وأسباب انقراض الدول وتدمير الحضارات، فيستنبطون وقد يصلون إلى شيء من الحق والصواب بقدر ما يعطي الله ﵎ المرء منهم من فهم لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أو فهم في تحليل الواقع -واقع هذه الأمم- وكيف تعيش، وكيف تتدمر.
فهذا -أيضاً- نوع من أنواع المصادر الظنية التي تقبل الخطأ وتقبل الصواب، لكن الغربيين ركزوا وشددوا عليه تشديداً مطلقاً كما سنبين إن شاء الله.
стр. 1682
النوع الثالث: المصادر الصحيحة من الكتاب والسنة
المصدر الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن فضل الله على هذه الأمة، بل على العالمين أجمعين أن بعث محمداً ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] فمن هذه الرحمة أنه ﷺ أخبر هذه الأمة بما تحتاج إليه مما كان ومما سيكون، فلم يقتصر تعليمه ﷺ ورحمته بهذه الأمة -رحمته التي رحم الله بها هذه الأمة- على الإخبار عن الله ﵎ وعن اليوم الآخر وعن الإيمان والشرائع والأحكام والحلال والحرام؛ بل -أيضاً- أخبرهم ﷺ عن كل ما يصلحهم في أمور دنياهم، ومن ذلك إخباره بما كان وما سيكون مما يحتاجون إليه في دينهم أو دنياهم، فأخبر ﷺ بذلك؛ بعضها أخبر به تفصيلاً وبعضها أخبر به إجمالاً أو إشارة، وكل ذلك بحكمة ومقتضى الرحمة، فإن الفتن الضالة المضلة الكبيرة التي تعمي وتصم أخبر عنها رسول الله ﷺ تفصيلاً؛ حتى لا يقع فيها أحد، سواء كانت أحداثاً تقع أو كانت بدعاً.
والأمثلة لا تخفى عليكم، مثلاً: فتنة المسيح الدجال، فصّل النبي ﷺ القول فيها لعظم شأنه؛ لأنه كما قال النبي ﷺ : ﴿ما من نبي إلا وقد حذر أمته من فتنته﴾ ففصّل النبي ﷺ كل ما تحتاج إليه الأمة: من أين يخرج؟ من الذين يتبعونه؟ ما هي المخاريق التي يأتي بها؟ وكيف تكون نهايته وقتله؟ إلى غير ذلك مما هو معلوم ومما صح عن رسول الله ﷺ من أحاديث الفتن.
وكذلك أخبر ﷺ عن فتنة الخوارج؛ لأن الغلو أهلك من كان قبلنا كما أخبر ﷺ ، وهذه الأمة يمكن أن يقع فيها ذلك أيضاً، فأخبر ﷺ بـ الخوارج وصفاتهم وبفتنتهم، فلما ظهروا كانوا كما قال ﷺ حتى إن علياً رضي الله تعالى عنه أمر أصحابه بالبحث عن ذي الثدية -تصغير ثدي- فلم يجدوه فقال: والله ما كَذبت وما كُذِبت، فابحثوا عنه، فبحثوا حتى وجدوه في ساقية تحت القتلى فأخرجوه، فإذا في عضده مثل الثدية! فعلموا أنه هو الذي أخبر عنه الرسول ﷺ .
وأخبرهم ﷺ بالافتراق والفتن ليحذرهم منها وليلزمهم باتباع السنة، باتباع الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا افتراق عنه، ولا يجوز التفرق فيه، فأخبرهم بذلك ﷺ تفصيلاً.
وأخبرهم ﷺ بتفصيل أنهم سيفتحون الأرض المعمورة، وأن الروم سوف يقاتلونهم في آخر الزمان، وقد جاء ذلك -أيضاً- في أحاديث كثيرة مبيناً فيها طبيعة المعركة، والمدن التي تكون فيها، ومكان نزول الروم، وكيف تكون المعركة عند القسطنطينية أو عند روميا، والأحداث المهمة في ذلك الزمان؛ بيّنها رسول الله ﷺ ، -أيضاً- لشدة حاجة الأمة إلى معرفة عداوة الروم لهذا الدين، وأنهم سيظلون العدو اللدود الأبدي؛ لأن الروم -كما لا يخفى عليكم- كان هرقل زعيمهم وملكهم، ولما وفد إليه كتاب رسول الله ﷺ بعد أن رأى الرؤيا وأخبر أن ملك الختان قد ظهر وهذا شاهد لما ذكرنا أن علم الغيب يمكن أن يطلع عليه من أراد الله له ذلك لحكمة منه، فرأى رؤيا أزعجته، وعلم أن مَلِك الختان سيظهر، ثم كان لقاؤه بـ أبي سفيان رضي الله تعالى عنه، وجرى بينهما ما جرى من الحديث الطويل المشهور الذي رواه الإمام البخاري ﵀ واشتمل على عدد عظيم من دلائل النبوة، فمنذ ذلك الحين عندما أبوا الإسلام مع معرفتهم بأنه ﷺ حق، ظلوا العدو الأبدي لهذا الدين فلا يفصل بيننا وبينهم إلا عيسى ﵊، وهذا من حكمة الله أنه لا يفصل بيننا وبينهم إلا نزول عيسى ﵇؛ لأنه سوف يتبرأ منهم في الدنيا قبل الآخرة، فهو الذي يقتلهم ﵇ ويقتل خنزيرهم، ويحطم صلبانهم، ويضع الجزية، أي: تنسخ الجزية فلا يقبلها منهم؛ لأنهم الآن وفي كل العصور ينتسبون إليه وباسمه يبيدون المسلمين في كل مكان، ولشدة عداوتهم وعظيم ضررهم فكان من حكمة الله ﵎ أنه هو الذي يقاتلهم بعد أن يأتي مجدداً ومتبعاً لشريعة محمد ﷺ فيصلي خلف المهدي، كما قال ﵊ في الحديث الصحيح: ﴿وإمامكم منكم﴾ فيصلي عيسى خلف المهدي من هذه الأمة؛ ليعلم الناس جميعاً أن عيسى ﵇ تابع لشريعة محمد ﷺ ، فأخبر ﷺ بهذا.
وقد صح عنه ﷺ أنه أخبر بما كان وما هو كائن خبراًَ طويلاً عظيماً؛ كما في البخاري ومسلم، ورواه أحمد وغيرهم: ﴿أنه ﷺ خطب الناس﴾ وفي رواية مسلم: ﴿أنه صلى الفجر ثم خطب الناس حتى جاء وقت الظهر، ثم نزل فصلى ثم خطب الناس حتى جاء وقت العصر، ثم نزل فصلى ثم خطب حتى غابت الشمس، فأخبرهم بما كان وما سيكون﴾ وفي بعض الروايات قال: حتى دخل أهلُ الجنةِ الجنَة، وأهلُ النارِ النارَ﴾ ولهذا قال الصحابة: فأعلمنا أحفظنا، فحفظ منهم من حفظ، وبعضهم لم يحفظ الكل.
والمقصود أن هذا قد أخبر به ﷺ ، فكل ما يحتاجون إليه بالتفصيل ذكره تفصيلاً، وما كان دون ذلك فهو بحسبه، وما على الأمة إلا أن تتحرى وتجتهد في معرفة وتمييز الصحيح من الضعيف أو الموضوع من هذه الأخبار، فتتلقى الصحيح الثابت والحسن بالقبول وتؤمن به، وما عداه فإنها ترده ولا تقبله، وهذا حق، فهذا مصدر يقين وحق؛ لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى، إنما يظل الخلاف -وهو موضع الاجتهاد- في تفسيره.
وهذا له قواعد أحب أن ألفت نظر الإخوة إليها، فلتفسير ما ورد عن رسول الله ﷺ من أحاديث الفتن، قواعد علمية لا يجوز للإنسان أن يغفل عنها وأن يفسرها بهواه، وقد ضل كثير من الناس في القديم والحديث عندما فسروا ما جاء عنه ﷺ -فضلاً عن المنامات أو الأحلام- بمقتضى آرائهم أو أهوائهم من غير اعتماد على منهج صحيح من العلم واللغة، أو من كلام العلماء، أو من دلائل الواقع أيضاً.
стр. 1683
أنواع الدراسات المستقبلية الغربية
في الحقيقة كل ما تقدم هو مقدمة لنصل إلى صلب الموضوع، وهو موقف الغرب من دراسات المستقبل وموقفنا نحن أيضاً من هذا العلم، ماذا عمل الغرب؟ وما هي مصادر هذا العدو اللدود -الروم والغرب- من هذا العلم؟
стр. 1684
النوع الأول: الخرافات والأساطير
بقيت الخرافات والأساطير عندهم؛ ثم أن اليهود والنصارى وورثوا ميراث أولئك، وزادوا عليه ما عندهم من الخرافات، فهم يعتمدون على الكهانة، ويعتمدون على التنجيم، ويعتمدون على الأساطير، ويعتمدون على كل الوسائل التي قد تخطر على البال أو لا تخطر من مواردالمسلمين وغيرها.
بهذه المناسبة أذكر للقارئ مثالاً حياً، حدث الليلة حدثٌ كبير في أمريكا حيث ستجرى الانتخابات، وكل واحدٍ من الطرفين لديه عدد كبير من المنجمين والمنجمات والساحرات يخطون لهم بالرمل من شهور ويتنبئون بفوزه في الحملة الكلية أو في ولاية كذا دون كذا! وهذا معروف جداً، ومن لوازم البيت الأبيض الأساسية، وهذا نقل ونُشر، وهو موجود في كتبهم، وهم لا ينكرون ذلك، فإنهم يعتمدون في التخطيط السياسي على الكهانة وعلى أخبار السحرة والمنجمين والمشعوذين بنفس الطريقة العتيقة القديمة، التي يتحدث عنها العجائز أو من أثر فيهم المشعوذون: كالمطالع، والقرانات، وحركات الكواكب والأفلاك، وهذا المصدر ما زال موجوداً! مثلاً: المذَّنبات، فإنها عندهم دليل على حدث ضخم يقع في الأرض، ويتأول الناس في ذلك ما يتأولون، وهذا موجود عند العجائز وكبار السن، ومن المتداول في القديم وإلى الآن، وهذا اعتقاد الغربيين، أن مذنَّب " هالي " يعتقدون أنه يتلازم مع ظهوره وقوع أحداث دولية أو سياسية كبيرة، وهذا دليل على أن الخرافات واحدة، وإن كانت في ثوب عصري، وبمكان عصري ولعل القارئ يذكر بعض الكتب التي تقرأ ويقرؤها العامة وفيها الملاحم، مثل ملحمة " التبع حسان " هذه الملحمة موجودة في كتاب الزير سالم، وهو من كتب الخرافات والسحر التي تقرأ فيها كيف سيأتي ملك بني أمية؟ فيقولون كيف سيظهر الرسول ﷺ ، ثم يأتي ملك بني أمية، ثم بني العباس ثم إلى ظهور المهدي وظهور عيسى ﵇ في آخر الزمان، ومثل هذا كثير.
ومثل لهذا ابن خلدون بأنواع من الشعر كثيرة، فلديهم في الغرب هذه الصورة من الدجل، والحق المشوب بالباطل، والظنون، والتخرصات، كما هو معلوم أن هذه الأشعار والأخبار كتبت بعد الإسلام أصلاً، لكن تفترض أنها كانت قبله، فمثل هذا موجود عند الغرب لكن بصورة أعرق وبطريقة أدق لأنهم يهتمون بتحليل كل شيء حتى الخرافة.
ومن ذلك أن رجلاً غريباً ظهر قبل أكثر من مائتي سنة في أوروبا وألمانيا وذهب إلى الكنيسة ودرس في الفاتيكان يسمونه " انوستر دامث " وهذا كتب كتاباً يتنبأ فيه بأحداث، وزعم أن ما يتنبأ به ليس مجرد أخبار أو آراء أو تنجيم أو كهانة، وإنما فيه -أيضاً- من نور النبوة، وفيه من الوحي، ويحتمل أن يكون استنبط كتابه مما عند أهل الكتاب، بل يحتمل -أيضاً- أن يكون اطلع على ما كتبه المسلمون في هذا مما هو مأخوذ من أحاديث الفتن والملاحم وغير ذلك.
فهذا الرجل هو الحديث والشغل الشاغل لكثير من الدارسين والمحللين الغربيين في أوروبا وأمريكا، وقد عملوا له فيلماً، ولعل البعض قد رآه، وقد رأيته -الحقيقة- بنفسي، فيتعجب المرء عندما يرى كيف يفكر هؤلاء، وقد قال هذا الرجل مثلاً: إن الثورة الفرنسية سوف تقوم، وإن نابليون سوف يظهر، وإن الدولة العثمانية حالها كذا، وإن أمريكا عالم جديد سيُكتشف أو اكتُشِف، وسيكون العالم الجديد، فيه فلان الزعيم وفلان وفلان من الزعماء الذين لم يكونوا قد ظهروا في هذا الوقت إلى أن قالوا: إنه ذكر مقتل جون كيندي، وأخبر بأن دمار أوروبا سيكون على يد رجل يظهر من الشرق، ويرد في الفيلم مجموعة من العرب مثلوا ما في هذا الكتاب، وجاءوا بالأحداث على أنهم مجموعة من العرب في الصحراء، ومعهم هذا القائد -وهو: قائد دكتاتوري- ويشير إليهم أن أطلقوا الصواريخ! فيطلقون الصواريخ، ويجتمع الرئيس الأمريكي وأركان جيشه، قادة أوروبا فيصدون أول وثاني هجوم، وفي المرة الأخيرة لا يستطيعون صد الهجوم النووي، فتنزل الصواريخ! وترى نيويورك وهي تتطاير وتدمر، وكذلك بقية مدن أمريكا، وتسقط أوروبا، ويسقط الغرب ويخضعون لهذا الفاتح العربي -كما صوره الفيلم- وفيه زيادات.
لكن المقصود من هذا الكلام أن هذا الفيلم من أكثر الأفلام رواجاً في أمريكا، وقد عمل عام (١٤٠٥هـ) الموافق تقريباً (١٩٨٥م) وفيه تصويرالمسلمين على أنهم العدو اللدود الذي لا يمكن ولا يصح إلا القضاء عليه وتدميره، حتى في ذلك الزمن عندما كان الاتحاد السوفيتي لا يزال قوياً، فإنهم كانوا يعتبرون أن العدو الخطير لهم هو الإسلام وليس الاتحاد السوفيتي، فالعدو الخطير هو هذا العدو الذي ذكره وصوره هذا الرجل وأصحاب هذا الفيلم.
وسمعت أن المخرج يهودي وأنه قصد هذه الإثارة، ولا يستبعد ذلك.
وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي أصبحت هذه النظرية أكثر رواجاً وأكثر قبولاً، وبذلك أصبح الغرب يعتبرالمسلمين هم العدو الأول والأخير الذي يجب أن يقضى عليه، وأن اجتماع الغرب والشرق ضرورة -أي: غرب أوروبا وشرقها- بل حتى يجتمع الهنود، والصينيون، والبوذيون، واليابانيون، وكل العالم للقضاء عليه، ولكن وفق خطط مدروسة.
إذاً: عندهم هذه الخرافات والأساطير؛ ومنها ما قاله هذا الكاهن أو المنجم بزعمه، فهذه أحد مصادرهم.
стр. 1685
النوع الثاني: نبوءات الكتب المقدسة
قد أبرزوا ذلك كما في "رؤيا يوحنا" أو رؤيا دانيال وأشباهها، وظهر ذلك جلياً في أثناء الحرب بينهم وبين العراق التي يسمونها حرب الخليج، لكن حرب الخليج حربان، فالمقصود الحرب الأخيرة، والتي أظهروا فيها الأساطير والنبوءات؛ حيث ظهرت ظهوراً عجيباً في تلك الأيام، وأظهروا فيها مكرهم، وعندما أظهروا كيدهم ومكرهم وما في أنفسهم من حقد وتولى كبره التدميريون، والإنجيليون والأصوليون الذين يؤمنون بحرفية ما في هذه الكتب فقالوا: إن هذا العالم الإسلامي هو الخطر وهو مصدر الشر كما قال أولئك، وأن المسلمين هم الوثنيون الذين لابد أن يُدمَّروا، وأن هذه الحرب ستكون تمهيداً لنزول المسيح عليه الصلاة السلام، وأنه إذا نزل يُرفع المؤمنين به -وهم النصارى- إلى السحاب، ولا يبقى إلا الوثنيون -أي: المسلمين- ثم يُدَمَّرون تدميراً كاملاً.
وقالوا: إن ما ورد في رؤيا يوحنا من النار المتقدة بالكبريت -أي: الحرب النووية- التي سوف تستخدم في الحرب، فهم أظهروا هذا الكلام حتى قبل أن تنشب الحرب، وهيئوا أذهان الناس في أمريكا وغيرها لقبول خيار الحرب، وأنه لابد من الحرب حتى لو انسحب العراق، ولا بد من تدمير هذه القوة، وأن " بابل الزانية" التي يكثر ذكرها في كتبهم هي هذه بابل، فـ العراق لا بد أن تضرب، ولا بد أن تدمر.
وهناك عوامل غير ذلك، فـ الصهيونية واليهود يستخدمونهم ويسخرونهم لمآرب لهم تلتقي مع أهدافهم، لكنهم أرادوا بهذا تدمير العراق وإخضاعه، وهذا هدف مبدئي قريب، ولكنهم إنما يريدون -أصلاً- تدمير العالم الإسلامي، وأن يكون هذا نموذجاً له.
فالنموذج لديهم إما أن يكون الخميني: العنف والإرهاب والدموية، وإما أن يكون القذافي: الإرهاب واستئجار كارلوس.
وإما أن يكون صدام أو غير صدام فيقال: هذا هو الإسلام، وهذا هو الجهاد المقدس قد أعلنه صدام، فيجب أن نقضي عليه.
فأية فرصة تسنح لهم فإنهم ينتهزونها ويستغلون الأحداث لإبراز أن الإسلام هو العنف والدموية والإرهاب وسفك الدماء، والعدو الذي يجب أن يقضى عليه.
فعندما كان الرمز هو الخميني، كان صدام بالنسبة لهم هو المُحِق المصيب أو المظلوم في هذه الحرب الذي يطالب بإيقافها من طرف واحد، وهو عادل ومنصف، وهو الذي استجاب لمطالب الأمم المتحدة في هذا، فهو مع الشرعية الدولية.
فلما أرادوا تحويله، إذا به هو المجرم والدكتاتور والسفاح وصاحب بابل الزانية، وكل لقب من الألقاب الشنيعة، وهو الوحش لأن في رؤيا يوحنا وحشاً، وهو النبي الكذاب إلى غير ذلك، فهم أوّلوا كل التأويلات عليه.
إذاً عندنا إنجيليون حمقى يؤمنون بهذا الكلام حرفياً، ويتأولون بالأهواء وعندنا الساسة الخبثاء الذين يستغلون ما في النصوص ويستغلون كلام الإنجيليين لأغراض وأهداف، وكل هذه الأهداف والأغراض تلتقي على تدمير هذه الأمة وتجميع القوى وتهيئة أذهان الشعوب الغربية؛ لتصدق أن هذه الأمة هي العدو الذي لابد أن يُقضى عليه قبل أية مشكلة من المشاكل التي يعاني منها الغرب.
стр. 1686
النوع الثالث: الدراسات العلمية المعتمدة على النظر في السنن الربانية
فالنوع الثالث: من أنواع الدراسات المستقبلية الغربية: هي الدراسات التي أشرنا إليها من قبل في النوع الظني، وهي الدراسات المعتمدة على الاستنباط والاجتهاد والنظر في سنن الله الربانية، فهي دراسات علمية.
وهذا النوع ظهر أيضاً في أوروبا، وكثر المتكلمون فيه من الفلاسفة الذي يسمونه فلسفة التاريخ، بمعنى أنهم يتأملون كيف تجري أحداث التاريخ، وكلهم تأثر من قريب أو بعيد بـ ابن خلدون.
مثلاً: يقول " هيجل " المفكر الأوروبي المشهور: ' إن في العالم صراع النقائض فيما بين الشعوب، وفي النهاية ينتهي بقيام دولة بروسيا التي كان فيها ' فهي الدولة النهائية التي ينتهي عندها حلم البشرية لأنه كان يعيش في ظلها.
هذا الكلام أخذه " كارل ماركس " وجعله بصورة أخرى، فقال: ' إن المتناقضات هي همّ الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية، وإن الدولة التي ينتهي عندها التاريخ ويقف عندها وتكون نهاية العالم هي الدولة الشيوعية! ' والحمد لله ذهبت وقُضي عليها كلها -البروسية والروسية- لكن هذا نموذج لتفكير الأوروبيين في دراسة التاريخ، هؤلاء فلاسفة، وظهر بعد ذلك باحثون ليسوا بـ فلاسفة لكنهم باحثون لا يعتمدون منهجاً فلسفياً معيناً، لكنهم أكثر وأدق استنباطاً في سنن الله أو في التاريخ.
أشهرهم هو المؤرخ البريطاني المشهور: أرنولد توينبي الذي درس الحضارات جميعاً، وتأمل فيها واطلع على أحوالها، وذكر كيف يمكن أن تسقط الحضارات، وكيف يمكن أن تقوم، وتنبأ -فيما تنبأ- بسقوط الحضارة الغربية، وتنبأ -فيما تنبأ- بأن المسلمين سيكونون عدو المستقبل أيضاً، وإن كان في كلامه بعض الاعتراف بالحق، عندما ذكر أن الغرب سوف يسقط بسبب الخمر والفواحش والانحطاط الأخلاقي، وأن المسلمين سلموا من هذه بمعنى أن هذا أحد العوامل -بلا شك- التي بها يرث المسلمون الأرض.
وتوينبي في مختصر دراسة التاريخ ذكر هذا الشيء، ومن العجب أن -حتى يعلم القارئ الكريم كيف يعمل هؤلاء ويخططون- توينبي المعروف عند الناس أنه مؤرخ وعالم في الواقع كان مستشاراً لوزارة المستعمرات البريطانية! ومن خلال ما يستنتج من تخطط السياسة البريطانية على وفق ذلك، فلما انتهى عصر الاستعمار البريطاني نقلت الملفات والخبرة والوسائل القديمة وكل شيء إلى أمريكا، وقد أشار كوبلنت " إلى هذا في كتاب " لعبة الأمم " أنه في عام (١٩٥٨م) نقلوا كل شيء إلى أمريكا، ولذلك عندما حدثت أحداث الخليج الأخيرة ظهرت وثائق في الصحف -منها الحياة - كيف أن ما نفذ في عام (١٩٩٠م)! وما وقع من اعتداء عراقي ثم هجوم كان سيقع عام (١٩٦٠م) لكن المنفذ في ذلك اليوم كان بريطانيا، بمعنى أن العملية واحدة، وكل منهم يبني على ما عند الآخر، ويأخذ دراسته ويفيد منها، ثم يضيف إليها ما حصل.
أيضاً: عندما تخلى الإنجليز عن مصر والقناة وعن العرب واليهود، ورثت أمريكا نفس الدور البريطاني، والمحادثات التي تجري الآن في المفاوضات حول السلام تشرف عليها أمريكا، وقد كانت تشرف عليها من قبل بريطانيا، وكذلك مؤتمرات كانت في لندن، والإشراف عليها بريطاني، فالعملية واحدة؛ فهم يستفيدون من خبرة من سبقهم ويزيدون عليها، وبعضهم يحيل إلى بعض، والجميع يشعر أنه كيان واحد، وأن العدو الذي يهدده واحد، وهو هذا الدين، والله المستعان.
стр. 1687
النوع الرابع: الخيال العلمي
ظهر نوع آخر -لا بأس بالحديث عنه- وهو الخيال العلمي، وهو نوع من أنواع معرفة المستقبل عند الغربيين، وهو يعتمد على مجرد التخيل، لكنه يستند إلى حقائق: إما حقائق علمية بمعنى النظر في الكون، وإما حقائق عملية بمعنى نتائج تاريخية واستنتاجات من تاريخ وواقع الناس عندهم، وفيهم رجل يسمونه نبي القرن العشرين من كذبهم وافترائهم، وهو " ولز " وقد تنبأ بأشياء كثيرة، وله عدة كتب منها كتاب " رحلة في دنيا المستقبل " وهو مترجم، وهو من الناحية العلمية البحتة.
وله أيضاً توقعات أخرى عن سقوط بريطانيا وانهيار الامبراطورية وقيام امبراطوريات أخرى وما أشبه ذلك، وكان " ولز " ممن اشتهر بهذا النوع من التنبؤات وكتب فيها طويلاً.
ومنهم من درس دراسة بعيدة عن هذا الخيال العلمي، ولكنه أقرب للحقيقة وهو " جورد أولوي " ألف كتاباً عنوانه " ١٩٨٥ " وقد ألفه قبل هذا بحوالي (٨٠) سنة، وقال: في عام (١٩٨٥م) سيكون العالم كذا وكذا، وبيّن أشياء مما تخيل أنه سيكون عليها حال العالم.
وهناك دراسات أخرى من نوع آخر، من ذلك ما قام به شبنجلر في كتابه: تدهور الحضارة الغربية، وهو شبيه بعمل توينبي، وهو أنه جمع الحضارات جميعاً، وكيف تقوم، وكيف تسقط، وذكر -أيضاً- أن الحضارة الغربية سوف تسقط وتنهار: ولكن أقول: الخيال العلمي كثير جداً، حتى أنهم تنبئوا بصعودهم إلى القمر، وبالسيطرة على الكواكب، وتنبؤا بحرب النجوم، وبأشياء كثيرة، ليست من الغيب في شيء، إنما فكروا أن العالم سيتطور، وبتطور ما لديه تصبح هذه الأمور حقيقة واقعة، وبعض هذه الأشياء يكونون قد اطلعوا عليها وهي في دور الفكرة ودور المعمل في التجربة، فيفترضون أنها قد وقعت، وبعد سنين ينجح العلماء التجريبيون في الحصول عليها، فيظهر ما قالوا من قبل، فهي ليست تكهناً، وإنما هي خيالات ورؤى تستند على بعض الأمور أو الحقائق الصحيحة، ويمكن أن تسمى تكهناً من باب أنها رجم بالغيب، لكن ليس مصدرها الكهان الذين يخبرون عن الشياطين ويسترقون عنهم.
هذه الأربعة الأنواع مع أنها موجودة ولها أثر كبير في الغرب لكنها لا تهم كثيراً مثلما يهمنا النوع الخامس والأخير والخطير.
стр. 1688
النوع الخامس: الدراسات العلمية المتخصصة في معرفة المستقبل
وحتى لا أطيل على القارئ من جهة فسوف آتي بأمثلة عامة يمكن إدراكها جميعاً، وما يدق من الأمثلة ندعه.
стр. 1689
أمثلة للدراسات العلمية المتخصصة
стр. 1690
القوة القادمة
في هذه الأيام ينشغل الناس -أو ينشغل الأوروبيون- بوحدة أوروبا، وهل ستكون أو لا تكون؟ واتفاقية أمسترخت، وكل منا يسمع هذا الكلام في الإذاعة أو يقرأ في الجرائد: هل تنجح أو لا تنجح؟ ولا يعلم الغيب إلا الله، لكن قبل أن يوقعوها -بغضّ النظر عن بعض الدول التي رفضتها- نستطيع أن نقول: إن أوروبا سوف تتوحد، وذلك للدلائل التاريخية والدلائل النصية! أما الدلائل التاريخية: فإن أوروبا قد توحدت علينا أيام الحروب الصليبية في الحملات الكثيرة التي قامت بها، وكانت تحت راية واحدة، فملك ألمانيا وملك فرنسا وملك بريطانيا ودوق كذا وكذا من الدوقيات، كلهم جاءوا تحت راية واحدة هي: الحرب ضد المسلمين، فلا يُستغرب هذا عليهم مادام العدو هو الإسلام.
وأما الدلائل النصية: فإننا نفهم أن الروم سيحاربوننا في آخر الزمان على أنهم جبهة واحدة، ولا يعني هذا أن الأحاديث تنطبق الآن في هذه اللحظة، لكن نقول: تشير الدلائل على أن الغرب أقرب إلى أن يتوحد دائماً.
فالغربيون عندما يحاولون تقرير هذا، ويدرسون هذا دراسة تطبيقية تجريبية، فيقولون: هل يمكن أن نتوحد؟ ولماذا نتوحد؟ وما هو مستقبل العالم في القرن العشرين إذا توحدت أوروبا؟ وبناءً على هذا، يقولون: من الذي سيكون القوة العظمى في العالم؟ وظهرت ثلاثة احتمالات، وبعضهم يجعلها أربعة: ١ - الاحتمال الأول: أن تظل أمريكا هي القوة العظمى في العالم، وهذا ما يريده الإنجيليون والأصوليون والتدميريون وأمثالهم أن تظل القوة ل أمريكا، وهم يزعمون أنهم سوف يسيطرون على أمريكا، وأنها هي القوة التي تهيئ لمقدم المسيح ونزوله؛ لأن النصارى عندهم اعتقاد أنه سوف ينزل عام (٢٠٠٠م)، وهكذا سوف ينزل المسيح رضينا نحن أم لم نرض، قلنا حقاً أو باطلاً، هذا هو تفكيرهم، فيريدون تجميع الناس.
ومثل ما كانت الحرب الأخيرة هذه فإن هذه التنبؤات ظهرت أنها كذب، ولكن هذا لا يضرهم؛ لأن الشعوب لا عقل لها، ولا أحد من الناس يقول: أنت قلت لي كذا قبل ثلاث سنوات، والآن صار كذا، والمفكرون المثقفون هم قليل، لكن أكثر الناس إذا جاء عام (٢٠٠٠م) ولم يأتِ المسيح، أشغلوهم بقضية ثانية ليسوا القضية الأولى، وهكذا حال الشعوب عموماً.
المقصود -الآن- في هذه المرحلة أنهم يهيئون الناس إلى هذا الكلام، ويقولون بأنه سينزل، فإذاً أمريكا هي القوة المحتملة.
٢ - الاحتمال الثاني: أن أوروبا الموحدة هي القوة المحتملة.
٣ - الاحتمال الثالث: هو أن يكون هناك قوة يابانية أو قوة شرق آسيا، يعني أن تتوحد اليابان وكوريا والصين، وتكون قوة عالمية.
٤ - الاحتمال الرابع: الذي يخططون ضده في الخفاء، وله معاهد متخصصة أن الإسلام هو القوة القادمة، وهذا يصرح به من يصرح ويخفيه من يخفيه، كما قال تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران:١١٨] , والذي ينتج عن هذا عملياً، إذا ترجح لديهم لأنهم دائماً يضعون ثلاثة احتمالات أو أربعة ويضعون على كل احتمال جوابه حتى لا يفاجئوا به: فمثلاً: إذا ترجح أن الإسلام سوف يكون القوة القادمة فإن هذا يترتب عليه القضاء على المسلمين في أوروبا، فمثلاً: المسلمون في البوسنة والهرسك، وهذه دولة مسلمة أغلبية سكانها مسلمون في داخل أوروبا، فلا يصح أن تقوم في أوروبا دولة إسلامية مهما صغرت إذا كانت مستقلة؛ لأنها نواة للخطر القادم داخل أوروبا.
فيريدون القضاء على أية دولة وتفتيت العالم الإسلامي خارج أوروبا فكيف تكون دولة إسلامية داخل القارة؟! فالحرب على الملونين المسلمين، وإلا لو كان نصرانياً فمهما كان لونه أو جنسه لا يهمهم، والحرب على المسلمين الذين يقيمون في أوروبا أو في أمريكا أو يقدمون إليها، ولذلك ظهرت موضات غريبة عند الشباب منها حلق الرءوس أي: الرءوس الملساء فترى شباباً غربيين يحلقون شعورهم حلاقة كاملة، وهم إرهابيون مهمتهم اقتناص الملونين، ففي أي مكان يجدونهم يقتلونهم، هذا موجود في ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وكثير من الدول أي: يتعبدون ويتقربون بقتل هؤلاء المسلمين الذين يرونهم في أوروبا، وقد ذكرت في أحد الدروس بعد شرح الطحاوية بعض كلامهم وقولهم: لا نريد المآذن ولا نريد الثياب ولا نريد هؤلاء أن يأتوا بدين غير ديننا وغير ذلك.
فالمقصود أنه في ظل هذا الخيار يظهر لنا لماذا هذا التخاذل وهذا التواطؤ الواضح المكشوف؛ ففي داخل القارة يباد شعب أوروبي في دولة مستقلة اعترفت بها الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، تباد وبهذه الوحشية المتناهية التي ما شهد لها التاريخ -كما يكتبون هم- نظيراً، وفي القرن العشرين، وفي ظل حقوق الإنسان والشرعية الدولية والعدالة التي رأيناها في أحداث الخليج، عدالة عجيبة سريعة تقفز من مكان إلى مكان!! ونجد الخذلان المطلق في هذه القضية، بينما ليس الصرب بأقوى من روسيا ولا بأهم منها، فـ روسيا تدلل جمهوريات البلطيق وتنسحب منها، ويضغط عليها الغرب لتعطيها استقلالها وهي دويلات صغيرة في مواقع غير مهمة على الإطلاق من العالم، ولا أحد يدري عنها ولا أين تقع وليس لها أي أهمية، بخلاف البوسنة التي تقع على البحر الأبيض، وقريبة من إيطاليا، وقريبة من الشرق، وهي في موقع مهم جداً، وهي وما حولها من أجمل بقاع العالم -على الأقل عند الغربيين أن أجمل بقاع العالم هي تلك المناطق- ومع ذلك تدمر.
وهكذا تختلف المعايير؛ لأن هناك حقداً خفيا ًدفيناً، قد يظهرونه وقد لا يظهرونه، لكن الدراسات الاستراتيجية المستقبلية تقول: يجب أن تقضوا على هذا الخطر، وليس رجال الدين فقط هم الذين ينادون بذلك، بل رجال السياسة الذين يستندون إلى هذه الدراسات، والدراسات تستند إلى ما في الكتب المقدسة هم الذين يخططون ويتنبئون بهذا.
إذاً في ظل هذا يمكن أن نقول: إن مستقبل أوروبا يراد له أن تكون أوروبا هي القوة الوحيدة في القرن القادم ويراد لها أن تتطهر عرقياً ودينياً، وتصبح أمة نصرانية متماسكة.
стр. 1691
موضوع السكان والانفجار السكاني
بدراسة بسيطة جداً يستطيع أن يجريها أي شخص منا، فيعرف أنه إذا كانت القرية -الآن- سكانها خمسة آلاف، ويتزوج منهم بنسبة (٢٠%) أو (٣٠%) وكل واحد يولد له في كل سنتين مولود فبعد عشر سنوات أو عشرين سنة يصبح عدد سكانها كذا، فبهذه الطريقة يتحدثون ويخططون تخطيطاً دقيقاً.
طبعاً هذا تخطيط ساذج، لكن هم بتخطيط عميق يخططون ويقولون: إن الغرب في خطر شديد جداً.
قالوا: إن العالم الإسلامي الآن مليار، ألف مليون وستمائة مليون، وإذا استمر المسلمون في التكاثر والتناسل في مثل هذه النسبة سيصبحون بعد جيل أو جيلين أكثرية في الأرض، بينما الغرب يتناقص، فالوفيات في الغرب أكثر من المواليد، فبهذا سيصبح الغرب أقلية بخلاف ما كان في أول هذا القرن حيث كان الغرب أغلبية ساحقة، فقد كان سكان مصر خمسة ملايين، وكان سكان بريطانيا خمسين مليوناً.
لكن في عام (٢٠١٠م) سوف يصبح سكان مصر مائة مليون، ويصبح سكان بريطانيا ستين مليوناً تقريباً، فكيف بعد مئة سنة؟!! هذا خطير جداً! واليهود من أقل الشعوب تناسلاً، ومعنى ذلك أنه في عام (٢٠٥٠ أو ٢٠٣٠) -تقديرات- سيكون اليهود (١٥ مليوناً)، بينما سيصبح عدد العرب الذين حولهم (٤٠٠ مليون)، وهذا رقم مخيف جداً، وخاصة مع انتشار الأصولية، فلو لم يتدين من الأربعمائة مليون، ويتمسك منهم إلا (١٠%) لصاروا (٤٠ مليوناً)، فيمكن أن يقضوا على (١٥ مليوناً)، فهذا عدد هائل ولذلك يهتمون بهذا جداً، لذلك يجعلون من أولويات الدراسة عندهم بالغرب بحسابات دقيقة ودراسة تفصيلية: معرفة النمو السكاني؛ ولذلك كثير من دول أوروبا تعطي لكل مولود يولد منحة أو جائزة، وتحاول بعض الدول أن تسكن أرضها حتى من كان من غير الأوروبيين، فالمهم أن يتكاثر ويندمج هؤلاء مع الشعب؛ مثلما يعبئون الآن من الصومال، فهم يعبئون الآن من أية دولة فيها مآس ونكبات، ولا يهمهم أن الجيل الأول مسلمون، فإن أبناءهم وأبناء أبنائهم سيكونون نصارى ومن أبناء البلد ويندمجون معهم.
فشعورهم بالفقر السكاني يخيفهم ويجعلهم يتناسون كثيراً مما يؤمنون به، ويجعلهم يأتون بهؤلاء الناس ويعطونهم جنسيات ويسكنونهم، ففي ألمانيا حتى العمال الأتراك تشملهم الزيادة العددية في السكان حتى يسكنوا فيها ويستقروا وتكون لغتهم الألمانية، وسيكونون مجندين في الجيش "الألماني"، فهم ألمان حتى وإن كانوا أتراكاً وهكذا؛ مع أنهم يحقدون على الأتراك حقداً شديداً، لكن يرون أن هذا ضروري، ففي فرنسا مثلاً: لماذا يعطون الجزائريين والمغاربة الجنسيات؟ السبب لأنهم يشعرون بالقلة العددية.
ويصدرون لنا كل يوم أن الانفجار السكاني خطر يهدد مصر ويهدد الدول العربية ويقولون لن يجد العرب ما يأكلون، ولا كيف يعيشون! مع أنهم يعلمون -وهم أعلم بنا من أنفسنا- أن المساحة المزروعة في العالم العربي -فضلاً عن العالم الإسلامي- لا تصل أبداً إلى (٥%) من أرضه، أما هم فيستغلون كل شبر من بلادهم، بل حتى البحر يستغلونه في الزراعة! واليابان وغيرها مثال على هذا! إذاً هم يخوفوننا بهذا الانفجار، وهم يخططون في الدراسات المستقبلية لأن يظلوا هم الأكثرية أو المسيطرين بشرياً على العالم، وهذا أحد الجوانب التي توضح للجميع خبايا تخطيطهم ودراساتهم الاستراتيجية المستقبلية.
стр. 1692
موضوع البيئة
لعلك سمعت -أيها القارئ الكريم- عن مؤتمر الأرض وما جرى فيه من الاهتمام بالبيئة، وهذا علم يمكن التوصل إليه بالدراسة العادية جداً، ونحن المسلمون في غفلة عنه مع الأسف الشديد، فيناقشون كيفية تلوث البيئة، أو خطر فتحة الأوزون كما يسمونه: وهو ثقب في سقف الكون، فيناقشون خطرها وماذا ينتج عنها، والمسلمون كأنهم في غفلة عن هذا، وأعلى نسب للتلوث في العالم هي في العالم الإسلامي، والقاهرة مثال على هذا وغيرها من المدن.
إذاً هم يفكرون في كيفية إيجاد البيئة الملائمة للإنسان، والتخفيف والتقليل الشديد من آثار الخطر البيئي، ولذلك هم يعرفون أماكن بناء المصانع، وكيفية تحويلها، وأماكن دفن النفايات النووية، واكتشفت بواخر تدفن النفايات النووية، قرب سواحل بعض الدول الإسلامية بغرب إفريقيا؛ بل قالوا: إنها يمكن أن تدفن في بعض الصحاري العربية، حتى لا تتأثر بيئتهم بما فيها من أضرار وأخطار؛ لأنهم يريدون نظافة وسلامة ونقاوة البيئة وتفاصيل كثيرة.
فمثلاً: عندما تمنع زراعة بعض الأمور لديهم؛ لأنها بعد عشر أو بعد عشرين سنة تفسد الأرض، فتأتي شركاتهم تستأجر في بلاد العالم الإسلامي الأرض لمدة عشرين سنة، فيفرح الناس، ويقولون: ستأتي شركة تشتغل في أرضنا، وتعطينا الأموال، وهذا مكسب عظيم؛ لأنهم يستخدمون مدة صلاحية الأرض فقط وهكذا، مما ينتج عنه دمار كامل في المستقبل لهذه الأمة ولمقدراتها، فهذا المثال يدل على أن الدراسات المستقبلية ضرورية لمعرفة مستقبل هذه الأمة سكانياً وأيضاً بيئياً، وهذا ليس داخلاً في علم الغيب، إنما مما يجب أن نستنبطه وأن نتعلمه وأن نبحثه، ونرى آثاره أيضاً على الإنسان والفرد وغير ذلك.
стр. 1693
البث المباشر
وأظن الكلام في البث المباشر كثير جداً فلا يحتاج أن أطيل فيه: ولكن أقول: قبل أن يسمح بالبث المباشر على أوروبا أُجّل الموضوع لمدة ثلاث سنوات، ودرست آثار ونتائج البث المباشر الأمريكي لو جاء إلى أوروبا، ووضعت الترتيبات اللازمة، ثم بعد ذلك بدأ بعضهم يستقبل من بعض، بحثوا عن النتائج الأخلاقية، والنتائج الاجتماعية، والنتائج السلوكية، والنتائج اللغوية، فكل هذا درسوه على أنه من الممكن أن يقع وخططوا له، ثم درسوا بعد ذلك نتائجه البعيدة كيف يكون الوضع إذا أصبح العالم فعلاً قرية واحدة، وما أثر هذا على القرار الديني أو القرار السياسي، يقصدون مثلاً بابا الفاتيكان.
فهم يقولون: إذاً في عام (٢٠٠٠) أو (٢٠١٠) نستطيع أن نتواصل مع العالم كله بطريقة سهلة، وهي طريقة التلفزيون، بواسطة الغزو الفضائي، وهكذا نتمكن من تنصير العالم كله وهكذا.
стр. 1694
موضوع المعادن
كل المعادن إلى نفاد، فهي تقدر عن طريق الأقمار الصناعية، ويكتشفون المعادن، وهذه أصبحت عملية سهلة فيعلمون ما في باطن هذه الأرض بالتصوير الفضائي وقد يميزونه سواء كان ذهباً أو نحاساً أو فضةً، فيقدرون أنه إذا كان كل سنة المخزون منه -مثلاً- من (١٠٠ مليون) طن، إذا أنتج منه كل سنة (١٠ ملايين) طن، فإنه سينتهي بعد عشر سنوات مثلاً.
فمعنى هذا؛ أنهم سيبحثون عن البديل بعد ذلك، كيف سيكون وضعهم؟ وكيف ستكون أمورهم؟ وكيف إلخ، وبلغ تخطيط هذا في أمريكا إلى أنهم نشروا وقدروا الانتهاء من البترول الخام والمعادن الخام ومصادر الطاقة في العالم بعد (٥٠٠ سنة)، أي أنه في عام (٢١٠٠) سيكون البترول قد نضب ونفد من الأرض، وأن البترول المكتشف حاليا سوف ينفذ بعد ثلاثة أجيال مثلاً، بمعنى أن أولاد أولادنا يمكن أن يشهدوا هذه النهاية، فهم هناك يعرفون كيف يخططون؟ ومما يعملون الآن أنهم يحفرون حُفراً عميقة بعيدة جداً، ويسحبون البترول من جميع الدول المنتجة له، ويودعونه في هذه المخازن الكبيرة جداً، بالإضافة إلى مصادرهم الاحتياطية، بالإضافة إلى الدول التي تدور في فلكهم، أو الذي لم يكتشف ولم يعلن عنه في دول مكشوفة لهم، وفي النهاية يريدون إفقار العالم الإسلامي وليترك ليموت لأنه ليس لديه مصدر ثروة أو مصدر طاقة ويتحكمون هم في مصيره.
أما نحن المسلمون فلا نكاد نفكر في هذا، فالمهم أن نبيع اليوم ونأكل ونشرب، ولا نفكر في المستقبل ونقول: الأرزاق بيد الله! وهذا لا شك فيه، لكن لا بد من التفكير في مدة انتهاء البضائع وإيجاد البدائل لها، ولا نقول: إنه لا يوجد تفكير؛ فهناك شيء من التفكير نسمع ونقرأ عنه، لكن ليس بمستوى الدراسات الجادة الغربية العميقة، ثم يوجد شيء آخر: وهو مدى ارتباط هذا التفكير بعقيدة الولاء والبراء، فإن كان مجرد تخطيط بشري فلن ينجح أبداً؛ لأنه يقوم على افتراض أن العلاقات بيننا وبين الغرب حسنة، وأننا وهم سوف نتفق على هذا وأن العملية متبادلة، فهم يحتاجون منا المواد الخام ونحتاج منهم كذا، فالعملية متبادلة.
إذاً فلا بد أن تقوم هذه الدراسات على أساس الولاء والبراء لهذه العقيدة العظيمة، وكل عقيدتنا هي قوة دافعة، وطاقة لا تملك أي أمة هذه الطاقة.
أرجو أن أكون قد أوصلت شيئاً أو كثيراً مما أريد إليكم.
стр. 1695
الموقف الإسلامي من الدراسات المستقبلية
وتبقى القضية الأخيرة وهي أن الواجب علينا -على هذه الأمة- أن يكون لديها دراسات مستقبلية جادة متخصصة، وهي أقدر الأمم في العالم على ذلك، لأن واقع الناس والعالم الآن في صراع، فأنت إن لم تأكلهم أكلوك، وهذه قضية لاشك فيها، فنحن مأكولون مأكولون! إلا إذا رجعنا إلى الله وأخذنا بالأسباب ومنها هذا.
ونقول: نحن أقدر الأمم على أن نضع دراسات مستقبلية مصيبة ودقيقة؛ لأننا -كما ذكرنا في أنواع معرفة المستقبل- لدينا المصدر الوحيد الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فنأخذ هذا المصدر ونبني عليه النظر في سنن الله الكونية، وهذا يمكن أن نصل إليه -أيضاً- بصورة أدق مما يصلون إليه، لأنهم مهما نظروا فهم يعتبرون الدين عاملاً مؤثراً، لكن الدين عندهم هو أيُّ دين سواء كان هو التوحيد أو الشرك لا يعرفونه.
فأيضاً حتى دراسة الأوربيين الغربيين لموضوع السنن الربانية، فمهما أصابوا فيها فهم عرضة للخطأ أكثر منا، ونحن نُصيب بلا شك أكثر منهم.
стр. 1696
منازعة القدر بالقدر
وهنا قضية أخرى لا بد أن نذكرها وهي أن من ديننا أن ننازع القدر بالقدر أو كما قال عمر ﵁: [[نفر من قدر الله إلى قدر الله]].
وأضرب لذلك مثلاً: عندما يخبرنا رسول الله ﷺ أن الكعبة -هذا البيت الحرام المعظم- سوف يهدمها ذو السويقتين من الحبشة، فهذا من المستقبل الذي لا يستطيع الغرب أن يتصوروه بدراسات السنن الربانية، وليس عندهم فيه يقين أو وحي فهذا مما نتفرد به، وفي هذه الحالة ليس من المشروع لنا أن نستسلم وندع الأحباش الوثنيين والنصارى، ونتركهم وما يريدون أن يعملوه فيعملونه، ونقول: قد أخبر النبي ﷺ بهذا وما لنا حيلة، ولا بد أن يأتوا ولا بد أن يهدموا الكعبة!! فهذا ليس بصحيح، وهذا خذلان واتكالية وجبرية، إنما الواجب أن نعمل جهدنا وطاقتنا لئلا يقوم أي حكم غير إسلامي في الحبشة، وفي أثيوبيا كلها، وفي شرق أفريقيا، ونجتهد في هذا في جميع الأوقات فإذا غلبنا، والله أعلم متى يكون هذا، ويقع ما أخبر به النبي ﷺ ، لكن نحن ندفع القدر بالقدر، فهذا قدر، وهنا واجب علينا أن نسعى وأن ندافع عن ذلك.
نحن نعلم أن الروم سيأتوننا وسينزلون في الأعماق أو بـ دابق أي: في بلاد الشام، وهذا معناه أنهم سيجتاحون تركيا ويحتلون البحر، ثم يكون لنا دول في أوروبا سيجتاحونها، ولكن ليس معنى ذلك أن نستسلم لهم ولا نحاربهم في البوسنة مثلا أو تركيا أو في البلقان أو في قبرص! بل نحارب ونحارب حتى إذا نزلوا في الأعماق يكون قد وقع ما أخبر به النبي ﷺ وهكذا.
هذا اليقين الذي عندنا في أننا نتعبد الله بأن ندفع القدر بالقدر، أما هؤلاء المجرمون اليهود والنصارى فإنهم بمقتضى عقيدتهم جواز البداء على الله تعالى الله عن ذلك، والبداء معناه: أن يبدو له أمراً ما -أي يغير رأيه- كان خطأً فيغيره إلى الصواب، هذا من عقيدتهم في التوراة وغيرها، فهم مهما قرءوا في كتبهم أو قرءوا في كتبنا وصدقوا أننا سنهزمهم يقولون: لا! إذا نحن اجتهدنا وعملنا فيجوز أن نجعله يغير رأيه، تعالى الله عن ذلك!! هذا من عقيدتهم وأن الأحبار يقولون للرب: غير رأيك وعدِّل! ويغير رأيه، تعالى الله عن ذلك! إذاً هم عقيدتهم غير عقيدتنا، وإيمانهم غير إيماننا، فهم من منطلق آخر من منطلق إيمانهم بالماديات وبالأسباب يتحركون، ونحن من منطلق آخر ويجب علينا أن نتحرك ونعمل.
стр. 1697
أهمية التركيز على الغرب في الخطط المستقبلية
أقول: ما دمنا نحن الأمة الوحيدة التي تمتلك هذا الميراث العظيم ومصدر اليقين ومصدر الحق في أحداث المستقبل؛ فعلينا أن نجتهد لذلك بالدعوة إلى الله، وأن نقيم الدراسات لغزو أوروبا وأمريكا بالإسلام.
فلو قال قائل: لماذا لا نغزوا كوريا واليابان، ولدينا طاقات بشرية للدعوة؟ قال الآخر: لا! يجب أن نوجهها إلى أوروبا وأمريكا! فمن الذي يُقَدَّم رأيه؟ الذي يقول: يجب مواجهة الغرب، لأنه هو العدو الذي نحتاج أن ندخل في أعماقه، فهو أكثر عداوة، وأولئك أعداء كفار مشركون لنا، لكن العدو الذي سوف يهاجمنا ويكون أخطر علينا هو هذا.
وكذلك تخطيطنا الدعوي وتخطيطنا العسكري يكون ضد الغرب، وتخطيطنا الاقتصادي والعلمي يكون ضد الغرب بالدرجة الأولى والكفار عموماً؛ لأن عندنا يقين أنه سيكون هو العدو كما هم الآن يفعلون.
نحن نقابل الضد بالضد، وعندنا يقين، وعندهم خرافات وأساطير باطلة، ثم إن هذا التخطيط هو مقتضى العقول السليمة، فالعاقل يفكر عندما يريد أن يفتح أي محل أو عمل تجاري أو عندما يريد أن يبني بيتاً، وكل هذا قائم على التخطيط ودراسة المستقبل، صحيح أن المستقبل محدود في سنتين أو ثلاث أو عشر مثلاً أو أكثر، وإذا اشترى رجل عمارة هذه الأيام بمليونين لأنه فكر أنه يستطيع تأجيرها خلال (١٠ سنوات) فيما يعادل مليون ونصف أو مليونين، إذاً هكذا البشر يخططون بمقتضى العقول.
فالأمة يجب أن تخطط بالقرون وليس بالعقود -بالعشرات-، ونحن حتى بالعشرات لا نخطط! كانت أمريكا تقول: -وهذا الكلام قبل أكثر من عشر سنوات- مما سوف يعجل بانهيار الإتحاد السوفيتي، أن طاقم الحزب الشيوعي كلهم فوق الستين سنة، ومعنى ذلك -كما قالوا وهذا صحيح وما هو علم غيب- أنه بعد عشر سنوات سيموتون كلهم، أو أكثرهم، والآن، ماتوا -فعلاً- ولم يبق منهم حيّ إلا جورباتشوف؛ لأنه بعد السبعين يبدأ الموت في الناس وهكذا، إذاً هناك أشياء مثل هذه الأمور نحتاج أن نحييها في الأمة عامة وفي أنفسنا، ويكون لدينا نظرة بعيدة لمستقبل الإسلام ومستقبل الدعوة، ونبني عليه خططنا لهذه الحياة، وإلا فلا مكان في هذه الحياة لفوضوي أو عابث أو متخاذل أو متكاسل، وعلينا أن نبدأ، والله هو الذي يحقق المساعي بإذنه .
وأنتقل الآن إلى هذا المثال وهو أن جريدة الحياة قد جاءت بعنوان: "مذنَّب ضخم مندفع نحو الأرض سيدمر كل أشكال الحياة عام (٢١١٦) " والخبر يقول: "يندفع مذنب كبير نحو الأرض وسيصل إليها في (١٤ آب أغسطس عام ٢١١٦)، ويُحدث انفجاراً أقوى من واحد ونصف مليون قنبلة نووية ينهي جميع أشكال الحياة" وهذا مثال لما يتنبئون به -كما ذكرنا- وهو من الرجم بالغيب، فالمهم أن نعلم كيف يتنبئون ويتوقعون واليقين إنما هو عندنا وليس عندهم.
стр. 1698
الأسئلة
стр. 1699
الغرب بين القوة والضعف
السؤال
كأنك مرة تصوَّر الغرب أنه هالك ومرة أنه جاد ومحطِّم لغيره؛ فما عملنا؟
الجواب
كيفية الجمع بين أنه هالك، أو أنه قوي وجاد، من خلال أن عوامل الانهيار فيه موجودة وعوامل البقاء فيه موجودة، فنحن إن نازعنا القدر بالقدر وعرفنا سنن الله، قويَ عاملُ الانهيار لديه وانهار، وإن تركناه قويَ وحطَّم غيره، وظل قوياً، فانهياره أو ضعفه بمقدار خلوه من الإيمان الذي عندنا، والحمد لله فإنا نملك الشريعة والعدل والحق ولا يملكونه، وقوته بمقدار ما لديه من قوة مادية وتخطيط نحن لا نملكه، فإذا اجتمع لدينا قوة الإيمان والعقيدة مع التخطيط الصحيح السليم الذي هو قوته المادية -أيضاً- فإننا سوف نهزمه -بإذن الله- والمعركة طويلة، وحتى كلامي هذا هو من باب أن نحث الهمم لمنازعة القدر بالقدر، وإلا فالمعركة طويلة، ولن تنتهي إلى قيام الساعة، ولكن المصيبة هي أن نركن ونتخاذل وأن ندع الغرب يتحكم في مصائرنا، ثم يخرجنا من ديينا أو يُنصِّرنا كما يريد أن يخطط، وللتنصير باب طويل لا نريد أن نتحدث فيه الآن.
стр. 1700
الطريقة المثلى لتجاوب الدعاة مع دراسة المستقبل
السؤال
كيف يتجاوب الدعاة وطلاب العلم مع دراسة المستقبل بما ينعكس إيجابياً على واقعهم، خصوصاً والألم يعتصر القلب عندما يسمع المسلم عن دقة تخطيطهم وعشوائية أعمالنا؟
الجواب
نحن مهما بلغنا من الضعف والعشوائية ومن تسلط الغرب المجرمين والطواغيت، ومن انتشار الأفكار الإلحادية والبدع والخرافات، فنحن مهما كان حالنا، فإن لدينا اليقين الذي لا يتزعزع في أن العاقبة للمتقين، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وأن الله قد كتب في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، وأن المستقبل للإسلام.
يجب أن نؤمن بهذا وأن نعتقده، فلا يهزنا ما لديهم لحظة واحدة، فنعتقد أن المستقبل للإسلام، وإذا كان واقعنا بهذه العشوائية، وبهذه التفرقة، وبهذا الاضمحلال، فعلينا أن ننطلق ونعمل ولا نقول: إن هذا الواقع يدعو لليأس وإلى ترك المعركة؛ لأنك في معركة شئت أم أبيت، فما دمت واثقاً من أن لك النصر في النهاية، فلا تغرك مظاهر الهزيمة لديك ومظاهر القوة لدى عدوك، ولهذا أساس الانتصار على أنفسنا، وعلى أعدائنا، وعلى الشرق والغرب، وعلى كل خطر أن نعود إلى الله ﵎ عودة صادقة إيمانية، فإذا آمنا بالله وآمنا بوعد الله أيقنا بما أخبر رسول الله ﷺ ، فإننا حينئذٍ سوف نحطم كل ما يواجهنا بإذن الله مهما طالت الطريق ومهما نالنا من تعب، فهذا دافع إيجابي، لأن تكون حركتنا إيجابية لا سلبية فيها بأي حال من الأحوال، فنكون إيجابيين في تعاملنا مع كل الأحداث ومتفائلين بأن النصر لهذا الدين، وأن ما نراه من هذا الواقع المؤلم هو نفسه بإذن الله سيكون فيه العبرة لهم إذا استطعنا أن ننهض من هذه الكبوة العجيبة ونهزمهم، فإن هذه آية من آيات الله التي نؤمن بها في الدلالة على أن هذا الدين هو الحق، وإلا لو كانت هذه الآلام والمحن والحروب والفتن والتخطيط يواجه أمةً غير المسلمين وديناً غير دين محمد ﷺ ، لكان قد اضمحل من فوق ظهر الأرض، فعندما قدم التتار اتحدت الرافضة والفرق الباطنية الحشاشون- مع المغول التتار ومع الحملات الصليبية كلها، وشكلت قوة واحدة، ولولا أن هذا الدين من عند الله لكان في القرن الثامن أو السابع لا وجود له على الإطلاق، ومع ذلك فنيت تلك القوى وظل هذا الدين والحمد لله.
стр. 1701
نتائج الانتخابات الامريكية وأثرها على المنطقة العربية
السؤال
هل من نتائج فوز كلنتون على بوش في الانتخابات السماح للصليب بالعبث في المنطقة العربية، لأن أصله يهودي، ولأنه من الحزب الديمقراطي؟
الجواب
هما وجهان لعملة واحدة، واليهود الآن في الحملة الانتخابية تقريباً كلهم مع كلنتون لأن عندهم في التلمود أن الأميين لنا كالحمار إذا نفق منهم حمار ركبنا حماراً آخر، ركبوا بوش واستخدموه ويريدون أن ينتهوا منه ويركبوا الآخر لو فاز بوش فالعملية سوف تستمر والخدمة ستستمر في الأصل، لكن سوف يكون أكثر حرية؛ لأنه لا يطمع في ترشيح ثالث، فلا يريد الفوز بأصواتهم، ولا يريد أن يكسبهم هم ولا غيرهم، فيكون لديه نوع من المرونة والحرية وهم لا يريدون هذا، يريدون المرشح الديمقراطي؛ لأنه أحمق، ولأن لديه جذور يهودية توراتية، ولأنه يمكن أن يحقق لهم أهدافاً أكثر باعتبار أن الفضل لهم في الوقوف معه في الانتخابات، ونحن مثل الأسير المكتف المقيد المغلوب الذي يرى وحشين يتصارعان، ويتمنى أن يكون هذا أرحم أو هذا أرحم!! أياً كان منهما فأنت مأكول إلا أن تطلق قيدك وتتوكل على الله تعالى، وتعتمد بعد الله على نفسك وعلى ما لديك، أما هم فلن يفرق الأمر كثيراً، ولا أتوقع أكثر من عشرين في المائة من تغيير في سياستهم الخارجية؛ لأنها تحكمها معايير ثابتة، وليس مجرد آراء الرئيس، وربما عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم، بمعنى أننا نكره أن يفوز كلينتون، وما يدرينا أنه إذا فاز بحماقته هذه وتأييده لليهود وسبه للعرب، يكون هذا الذي يوقظنا ويكون هذا الذي يعرفنا قدرنا وقيمتنا، ويكون هذا الذي يحركنا، أما ذاك فإنه يدللنا بالكلام والأخوة والعدالة والشرعية، فننام ونتخدر أكثر، فالله أعلم، ونسأله أن يختار الخير لهذه الأمة.
وبالمناسبة فإن النتيجة غداً، وهذه من فوائد البث المباشر!
стр. 1702
إطلاق الروم وبني الأصفر على الأوروبيين
السؤال
يقول الأخ ما وجه الجمع بين حديث: ﴿لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا بني الأصفر﴾، وحديث: ﴿لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا الروم﴾؟ وهل فيهما إشارة إلى تدمير أمريكا وبعد أن تدمر أمريكا يكون الروم هم أوروبا بعد أن يتحدوا؟
الجواب
معنى الحديثين واحد وبني الأصفر هم الروم، ولا ندخل في التفاصيل، ولكن الروم يشمل الغرب كله بما في ذلك أمريكا، وسيسلم الروم بإذن الله، وهذا الذي يشجعنا للدعوة؛ لأنه في نفس الحديث: ﴿يقول الروم للمسلمين في الملحمة الكبرى: أخرجوا لنا إخواننا فيقول المسلمون: والله لا نعطيكم إياهم﴾ لأنهم آمنوا بمعنى أنه يوجد روم مسلمون لهم نكاية في روم الكفار وهم مع المسلمين، ففي هذا دليل على أن من الروم من يسلم بإذن الله تعالى.
стр. 1703
توقعات من أزمة الخليج في كتاب المسيح الدجال
السؤال
ما رأيكم في كتاب المسيح الدجال الذي ظهر قبل أزمة الخليج؟
الجواب
في الكتاب حقائق كثيرة، لكن ليس بالدقة والحرفية، إنما يعطيك إشارة إلى نوع من تفكير هؤلاء، والذي سميناه نحن نبوءاتهم وما يفسرون به كتبهم، وهذا الكتاب مثال على هذا النوع الذي لديهم، وقد كان قبل الأزمة، ومع ذلك فيه بعض التوقعات التي حدثت فعلاً في الأزمة.
стр. 1704
تبعية الصين للغرب
السؤال
فضيلة الشيخ! بعد ذكر أن اليهود يمكن أن يركبوا أمة أخرى غير الأمريكان مثل الصين، فهل هناك علاقة بين ضعف أمريكا اقتصادياً ومحاولة تجديد الرؤساء إلخ؟
الجواب
أنا أقول: إن الظاهر لنا أن اليهود ليسوا هم الذين يركبون الصين، بل إن الصين سيظل تابعاً للغرب، وبهذه المناسبة فإن الغرب أراد وخطط لأن تتحول أوروبا الشرقية كلها عن الشيوعية، أما الصين فقد أراد الغرب أن تظل شيوعية؛ لأن الشيوعية دمار وخراب، فلما ضمن الغرب تكوين جبهة غربية واحدة، أخذ هذا الدمار وأزاله عن أوروبا الشرقية، أما الصين فلأنها أمة شرقية، ولم تخضع له في النهاية؛ فقد جعل هذا الدمار باقياً لديها، وربما يدعمون وجود هذا الدمار!
стр. 1705
خطر الرافضة
السؤال
فضيلة الشيخ! لماذا لا تنبه على خطر الرافضة وغيرهم؟
الجواب
نحن نتكلم عن خطر واحد، والأخطار كثيرة، ولا نستطيع أن نتحدث في كل مرة عن جميع الأخطار.
стр. 1706
من المشاريع ضد التنصير
السؤال
ماذا عن مشروعكم ضد التنصير؟
الجواب
هذا مشروع بسيط جداً! ونسأل الله أن يكون كبيراً عنده، وإلا فهو بالنسبة لنا ليس كبيراً؛ للواجب الذي يجب أن تقوم به لهذه الأمة، وسوف نحدثكم عنه -إن شاء الله- في مثل هذا اليوم من الأسبوع القادم في جدة، وقد سبق الحديث عنه في القصيم بعنوان: "الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح".
стр. 1707
التفسير الإشاري من سمات الصوفية
السؤال
التفسير الإشاري هل هو من باب ادعاء الغيب أم هو من باب اجتهادات ابن خلدون؟
الجواب
التفسير الإشاري ليس من باب اجتهادات ابن خلدون، إنما هو من سمات الصوفية، ويمكن أن تفسر النصوص أو حتى الأشعار تفسيراً إشارياً أو رمزياً، ولا يختص هذا بأحاديث الفتن، وليس خاصاً بطائفة دون طائفة من المسلمين.
стр. 1708
خطر الفرقة على مستقبل المسلمين
السؤال
إن مما يؤثر في مستقبل المسلمين الفرقة التي يعيشونها، ومن ذلك ما يحصل بين أهل السنة والجماعة وغيرهم من الجماعات عموماً؛ علماً بأنهم يلتقون في مبدأ واحد يتسع للخلاف إلخ؟
الجواب
لا شك أن الفرقة عامل ضعف، والله ذكر ذلك فقال: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:٤٦]، ويقول: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، فمن أسباب قوة الغرب أنهم يتوحدون، ومن نظر إلى أوروبا الشرقية والغربية يجد أن فيهم العرق الآري، وفيهم الأعراق الأخرى، وفيهم الأرثودكس وفيهم الكاثوليك، وفيهم الأحزاب الشيوعية، والأحزاب اليمينية، والأحزاب اليسارية، والأحزاب الوسط، وفيهم من يتقاتلون مع بعض، وكل هؤلاء مع كل الاختلافات يريدون أن يتوحدوا، ونحن لدينا كل أسباب الاجتماع حتى اللغة؛ فلغتنا واحدة، المسلمون في كل مكان يحبون اللغة العربية، ويتعلمون القرآن أما هم فإن اللغة الألمانية لا يمكن أن يتكلمها الفرنسي، والفرنسية لا يتكلمها الألماني، ومع ذلك يريدون أن يتوحدوا، وأن يكون جيشهم واحداً، ونحن لدينا كل عوامل الوحدة، ولكننا لا نريد ذلك؛ لأن النفوس مرضى؛ ولأن الاقتناع بضرورة ذلك غير موجود، ولن يوجد إلا بالرجوع إلى العقيدة الصحيحة، وبالذات ما يتعلق بالولاء والبراء.
стр. 1709
غفلة المسلمين عن المخططات الغربية
السؤال
ذكرت مكائد الغرب وسلطته وأن المسلمين في غفلة
ويُقضى الأمر حين تغيب تيمٌ ولا يُستأمرون وهم شهودُ
وكأننا نرى أن الغرب ملك كل شيء، وما بيدنا شيء؟
الجواب
لا! لم نقل هذا، ولا نريد أن يفهم هذا، لكن نريد أن نقول: إن الغرب يعمل ويخطط ونحن نتثاقل ونتخاذل.
стр. 1710
تحضير الأرواح
السؤال
هل يعتبر تحضير الأرواح الموجودة اليوم -وخاصة عند النصارى- من ضمن الطلاسم؟
الجواب
هو نفس الكهانة لكنها تطورت، بمعنى أن تحضير الأرواح هو نوع من الكهانة واستخدام القرين، وذلك أن لكل إنسان قرينه: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت:٢٥] كما ذكر الله ﵎ فكل إنسان له قرين وله شيطان، كما أخبر بذلك النبي ﷺ إلا أن الله أعانه ﷺ على قرينه فأسلم، فكل إنسان له قرين، فهذا القرينُ يأتي الخبيثَ من أولياء الشياطين من الإنس، يستعين بطواغيت الجن وملوكهم ويقدم لهم عبادات وخدمات معينة، ومنها إهانة المصحف -والعياذ بالله- وغير ذلك، فيسألون قرينه عن أحوال ذلك الميت، فإذا اجتمعوا في مكان، فربما نطق القرين، وقال: أنا ربما كنت كذا وكنت كذا، ويتكلم عن قرينه الذي مات فيقسم أهله الأيمان أن هذا الكلام حقيقي وأنه خاص ما اطلع عليه أحد، لكن القرين الذين معه يسارحه روحةً وغدواً وعشياً ويرى أفعاله، فهو يخبر بما شاهده، وليس من الغيب؛ لأن الغيب ما خفي، أما ذاك فقد اطلع فيه الجني على وليه من الإنس، مثلما لو أن عند أي شخص مجهر تلفزيوني، أو عين تلفزيونية يرى فيها شخصاً جالساً في مكتبه، وهو في الدور الرابع، فهذا ليس غيباً، وإنما اطلع عليه بوسيلة لا يراها الناس، فظنوا أنه يعلم الغيب، فهذا هو كل ما يقوم به من تحضير الأرواح، إنما هو تسخير للشياطين، كما ذكر الله ﵎ عنهم يوم القيامة: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨].
أسأل الله أن ينفعنا وإياكم جميعاً بما نسمع ونقول، وأن يكون فيما قلناه عبرة وإثارة لهذه القضية المهمة.
والحمد لله وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.
стр. 1711
وقفات مع آية الولاية
في هذه المادة تكلم الشيخ عن مفهوم الولاية، وبين صفات أولياء الله الذين اصطفاهم لولايته، ثم ذكر بعض خرافات الصوفية المتعلقة بالولاية.
стр. 1712
الخسارة الحقيقية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على رسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:- فبفضل الله تعالى وتوفيقه، نكمل شرح الحديث العظيم الذي ذكره الإمام الشارح ابن رجب ضمن حديثه عن الولاية، وهو حديث الولي الذي ذكرنا طرفاً منه والحِكم فيه، وقرأنا طائفة من شرح الإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى، وكان آخر ما وقفنا عنده، هو ما كان يتحدث عنه الحافظ ابن رجب ﵀ من أوصاف الذين يحبهم الله ويحبونه، بعد أن تحدث عن الفرائض التي تقرب إلى الله تعالى، وذكر الآية وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].
قال الشارح ﵀: 'من فاته الله، فلو حصلت له الجنة بحذافيرها، لكان مغبوناً ' وهذا كلام عظيم لا يقدر قدره إلا من عرف الله وعرف قدر الله، وعظَّم الله حق تعظيمه وقدره حق قدره.
يقول: ' من فاته الله، فلو حصلت له الجنة بحذافيرها، لكان مغبوناً -على فرض أنها الجنة- فكيف إذا لم يحصل له إلا نزر حقير يسير من دار كلها لا تعدل جناح بعوضة'.
هذه الدار التي قال فيها النبي ﷺ : ﴿لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء﴾ فكلها لا تعدل جناح بعوضة، ويستمتع فيها الكفار من قديم الزمان إلى نهاية هذه الدنيا، فكم نصيب الكافر الواحد من هذه الدنيا كلها التي لا تعادل جناح بعوضة؟ نسبة عجيبة جداً لو تأملها الإنسان بذهنه وخياله، فهذا آثرها على الله والدار الآخرة، وباع حظه من الآخرة، وحظه من محبة الله، ومعرفته بهذه الفانية العاجلة الحقيرة التافهة.
стр. 1713
صفات أولياء الله
ثم قال: ' ثم ذكر وصف الذين يحبهم الله ويحبونه ' قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] فذكر الله صفات هؤلاء وهي: أولاً: أنهم يحبهم الله ويحبون الله.
ثم أتى بالوصف الثاني لهؤلاء المحبين 'فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] يعني: أنهم يعاملون المؤمنين بالذلة واللين وخفض الجناح (أعزة على الكافرين) يعني: أنهم يعاملون الكافرين بالعزة والشدة والغلظة، فلما أحبوا الله أحبوا أولياءه الذين يحبونه، فعاملوهم بالمحبة والرأفة والرحمة، وأبغضوا أعداءه الذين يعادونه؛ فعاملوهم بالشدة والغلظة كما قال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] ' والوصف الآخر هو أنهم يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون في الله لومة لائم.
ولو تأملنا هذه الآية لوجدنا أنها بينت آيات الولاية، فإنه أول ما ابتدأ هذا المقطع والموضوع من الآيات، ابتدأ بقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] ثم جاءت آية، ثم هذه الآية، ثم بعد أن أكمل هذه الآيات ذكر آية الولاية، وذكر أولياء الله، وأنهم حزب الله فقال: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦].
ثم حذر بعدها فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة:٥٧] إذاً: قبلها آية التحذير، وبعدها آية التحذير من اتخاذ الكفار أولياء، فبين التحذيرين من موالاة الكفار.
تأتي صفة المؤمنين الذين يستبدل بهم الله تعالى من يترك دينه، ويعرض عنه، ويرتد، ويتخلى عن القيام بحمل هذه الدعوة، والوفاء بعهد الله، وميثاقه في نصرة هذا الدين، وحمل ميراث النبوة، ورفع لواء سنة رسوله ﷺ ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذروة ذلك الجهاد في سبيل الله .
стр. 1714
عاقبة الأمة التي تختلف فيها هذه الصفات
فإما أن تكون الأمة المؤمنة التي أمر الله بها في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤] ترفع لواء الجهاد في سبيل الله وتنصر الحق موجودة أو لا توجد، أو ترتد كما ارتدت طائفة كانت تدعي ذلك، فإن الله تعالى لن يضيع دينه، وسوف يأتي بقوم آخرين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] فيأتي الله ﵎ بقوم هذه صفاتهم.
وهذا دليل على أن الأمة التي تتخلف فيها هذه الصفات، هي أمة متروكة مخذولة ليست من أولياء الله، بل يتخلى الله عنها ويعاقبها بما يشاء، ويسلط عليها أعداءها، ويسلط عليها الفرقة فيما بينها فيشتت جمعها، ويذلها بمن يشاء من عباده المؤمنين أو الكافرين، فيبتليهم بالخوف، ويبتليهم بالجوع، وبما ذكر من المصائب والعذاب الذي حلَّ بالأمم السابقة، أو كما يشاء، ويأتي بالبديل وهم القوم الذين هذه صفاتهم.
стр. 1715
أذلة على المؤمنين
لما كان هذا الموضوع -موضوع الولاية- بهذه الأهمية، والتحذير عن موالاة الكفار بهذه المثابة وبهذه المنزلة، ذكر من صفات المؤمنين الذين يأتي بهم الله تعالى عوضاً عمن ارتد عن دينه، فذكر من صفاتهم أنهم أذلة على المؤمنين، كما علل الشيخ ﵀ بأن هؤلاء يحبون الله، ويحبون رسول الله ﷺ ، ويحبون الدين، فمن كان من أهل الدين والإيمان، من أهل محبة الله، من عباد الله الصالحين، ومن أهل اتباع رسول الله ﷺ ؛ فإنهم أذلة معه يعاملونه باللين والرحمة والشفقة وخفض الجناح؛ لأنهم ينظرون إلى دينه، وإلى محبوبه، وإلى غايته وهمه ومراده وهو الله واتباع رسول الله ﷺ ؛ فيعاملونه بمقتضى ذلك، فهو أخوهم وحبيبهم وخليلهم وقريبهم، حتى لو أخطأ عليهم فإنهم يعفون عنه ويتجاوزن، ولا يغلظون عليه لقوة صلته بالله ومحبته له، ومن أحب الله حقاً فإنه لا بد أن يحب كل من أحب الله من الأحياء أو من الأموات.
حتى لو أنك فتحت كتاباً من كتب التاريخ -أي كتاب- فوجدت سيرة رجل عالم عابد داعٍ إلى الله، آمرٍ بالمعروف ناهٍ عن المنكر أحببته وليس بينك وبينه أي صلة، وقد يكون من بلاد الهند، أو الترك، أو أطراف الدنيا، لكن لما وجدت سيرته بهذه الحال، فإنك تحبه، وتترحم عليه، وتترضى عنه، وتسأل الله تعالى أن يكثر من أمثاله في هذه الأمة.
وكذلك لو لم يكن هناك أي رابطة إلا أن الإنسان المؤمن يقرأ عن الماضين أو المعاصرين في أقاصي الدنيا، أن رجلاً منهم هذا حاله وشأنه من البعد عن الله أو محادة الله ورسوله وارتكاب ما حرم الله؛ فإنه يبغضه.
إذاً: هذا أمر يكون في قلب كل مؤمن، ودرجته ومقداره تكون بمقدار إيمان الإنسان ومحبته لله، فكلما عظمت محبة الله تعالى في قلب العبد المؤمن عظمت محبة أولياء الله وأحباب الله، فيكون خافضاً للجناح ذليلاً أمامهم، ولاحظوا كلمة (ذِلة) والذل هل هو صفة محبوبة عند الإنسان أو مكروهة؟ إنها مكروهة فلا يوجد أحد يريدها، أو يتمناها، ولا يصف بها إخوانه، ولا يصف بها أحداً ممن يحب، ومع ذلك جاءت هذه الصفة في وصف هؤلاء، ولم يقل رحماء، وقد قال في الآية الأخرى عندما وصف الصحابة فيما بينهم: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩] لكن عندما ذكر شروط هؤلاء القوم، جاء بوصف أبلغ من مجرد الرحمة وهو الذلة؛ لأنك قد ترحم إنسان لكن أن تكون ذليلاً له فهذه مرحلة أعظم من ذلك، فهذا دليل على أن هذا الشرط مهم، ودقيق، وضروري، ولا بد منه لمن يريد أن يكون من هؤلاء القوم.
وعليه فإذا وجدت إنساناً غليظاً على المؤمنين، شديداً على الصالحين، عنيفاً على المتقين، بأي سبب؛ حتى لو يرى أنهم ظلموه في دنياه، أو خالفوه في رأي، أو فتيا؛ فاعلم أنه فقد صفة أساسية من هذه الصفات، ولا يمكن أن توجد الولاية أو المحبة لله إلا مع وجودها، ولا بد من ترك ما يضادها.
стр. 1716
أعزة على الكافرين
إذا كان الإنسان ذليلاً للمومنين، وفي المقابل مع الكافرين عزيزاً غليظاً عليهم، فقد حقق الشرطين، وهذا لا يتعارض مع العدل، ولا يعني الغلظة على الكافر أنه ظالم للكافر بل هو العدل، ولذلك نحن عندما نجاهدهم فإننا نجاهدهم لأن الجهاد عدل، ونجاهدهم ونغلظ عليهم كما أمر الله تعالى رسوله ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم:٩]، وقال: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣].
فهذه الغلظة من العدل، وليس فيها اعتداء، بل هي حق لا تعني الظلم، ولا تعني البغي، حتى ونحن نجاهدهم فإننا لا نقتل إلا من أمرنا الله بقتله، ولا نقتل من نهانا النبي ﷺ عن قتله، ففي كل أمورنا نحن مقيدون بالعدل وبالقسط وبالحق.
إذاً: هذا لا يتعارض مع العدل، والغلظة أن يرى عدو الله تعالى منك ما يغيظه ويكدر أمره، إما بكلمة غليظة، ولا نعني بكلمة غليظة أن الإنسان يسب أو يشتم وإنما بالقوة في الحق والموقف، وإما عملاً يسيء إليه، كأن تهدم ما يبني هذا الكافر، وتحبط عمله، وتجتهد في رد كيده، وإفشال سعيه.
وأما إن كان أعلى من ذلك كمن يريد بالإسلام والمسلمين حرباً، فتحاربه وتقاتله، وتقتله إذا لم يكف شره إلا بذلك، وإذا لم يخضع لحكم الله، ويدفع الجزية؛ فإنه يقاتل حتى يقتل.
стр. 1717
الخلل في تحقيق هاتين الصفتين
هاتان الصفتان لا بد أن تكونا مقترنتان، ولذلك كان أكبر خطأ يخطئ فيه كثير من الناس أنهم يغلظون على المؤمنين، من أغلظ على المؤمنين؛ فإنه يؤدي به الأمر إلى أن يتساهل مع الكافرين، وهذا أمر يجده كل إنسان من نفسه، فالله جعل في نفس الإنسان هذان العاملان: أحدهما: الحب ومقتضاه: اللين، والرأفه، والرحمة، والذلة.
والآخر: البغض ومقتضاه: العنف، والقسوة، والشدة، والمقاتلة إلخ.
فلو أن الإنسان أخطأ في أحدهما، فإنه يخطئ في الآخر لا محالة، فتجد بعض من يلين القول مع الكفار يغلظ على المسلم، فإذا تعامل مع الكفار، ووادهم، وأحبهم، وخالطهم بحيث إذا جاء إنسان وتكلم في الكفار، وحذَّر منهم، وبيَّن أنهم أعداء الله؛ أغلظ وأنكر عليه.
وكذلك لو أنه أغلظ على إخوانه المؤمنين وكان شديداً عليهم، فإن هذا قسط من عداوته للكافرين صرفه وحوله إلى إخوانه المؤمنين.
فتجد من شغله الله بالطعن والعيب والعداوة للمؤمنين لا يجد وقتاً ولا تجده يفرغ للطعن والحرب والعداوة لأعداء الله الكافرين، ولذلك يجب على المؤمن أن يحفظ هذا الميزان الدقيق وأن يجعل نفسه كما أمر الله تعالى.
فقوله تعالى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] يجب أن نأخذ هذه الكلمة بكل ما تحمله من معنى، وليس في ذلك غضاضة، فإن ذل المسلم لأخيه المسلم عزٌ له عند الله ، وهذا يورثه الدرجة العليا، وهي: أن يكون ممن يصطفيهم الله ، فأنت لا تنظر إلى أن أخاك المسلم أخطأ عليك، أو أخطأ في اجتهاد ترى أنه خالفك فيه، بل انظر إليه هل هو ممن يحب الله ورسوله فتجتمعان في محبة الله أم لا؟ ومن عادة الناس في أمور دنياهم أنهم إذا كان أحد منهم يحب أحداً فإنه يستشفع إليه بمن يحب، حتى ولو كان بينه وبين الرجل أي مشكلة فيعفو عنه لأنه تشفع له من يحبه ذلك الرجل.
стр. 1718
محبة الله ورسوله فوق كل محبة
وهل هناك من يُحَب أعظم من الله ، فكل محبوب في هذه الدنيا تحبه فيجب أن يكون الله أحب إليك منه، لماذا؟ لأنك إن أحببت الوالد، فمن الذي خلق الوالد والوالدة؟ ومن الذي سخرهما لك؟ ومن الذي حفظهما لك حتى ربياك؟ ومن الذي أودع في قلبيهما الرأفة والحنان والشفقة بك؟ إنه الله.
لو أحببت الزوجة، فمن الذي خلقها؟ ومن الذي أعطاها الصفات التي أحببتها من أجلها في خَلْقِها أو في خُلُقِها؟ ومن الذي سخرها لك؟ إنه الله.
وقد تحب شيخك، أو معلمك، أو أستاذك، فمن الذي أعطاه العلم؟ ومن الذي سخره ليعلمك؟ ومن الذي عقد بينك وبينه هذه المحبة؟ إنه الله.
إذاً: كل من تحبه في هذه الدنيا، وتقدِّره، وتعظمه، فالفضل أولاً وآخراً لله تعالى، فوجب أن تحب الله أكثر من محبتك لهؤلاء جميعاً، ولهذا أشد محبة يجب أن يحبها الإنسان هي محبة الله ورسوله ﷺ .
ولما قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : ﴿والله يا رسول الله! إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي -هل أقره النبي ﷺ ؟ لا- قال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من كل شيء حتى من نفسك، قال: الآن يا رسول الله! أنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي﴾ وهذه حقيقة الإيمان، لأن من كان يريد أن يكون في مثل درجة عمر، فلا بد أن يصل به الحال إلى هذا المستوى، ألَّا يحب وألَّا يؤثر على محبة الله ورسوله ﷺ أي شيء؛ حتى نفسه التي بين جنبيه، لأن هذه النفس إنما جاءها الخير والصلاح والهدى من غيرها، وإلا فمن أين جاءنا الخير والصلاح والهدى؟ من أين الوسيلة التي نصل بها إلى النعيم الأبدي الخالد عند الله ؟ إن ذلك كان من طريق رسول الله ﷺ .
стр. 1719
من لوازم محبة الله
يجب أن يكون الله أحب إلينا من أنفسنا؛ إن أردنا أن نكون من أهل الدرجة العليا، وهكذا هي محبة الله تعالى، والذلة للمؤمنين والغلظة على الكافرين شرط في حصول ذلك، كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى، ولذلك عقب على الغلظة بالجهاد كما قال تعالى: ((يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)) [المائدة:٥٤].
يقول: ' فإن من تمام المحبة مجاهدة أعداء المحبوب '.
إذا كنا نحب الله، فكيف نرضى ونسكت عمن يقول: إن لله ﵎ ولد؟ كما قال ذلك اليهود والنصارى، وكيف نرضى عن قول اليهود كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] وعندما يقول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] وعندما يكذِّبون رسل الله، وعندما يدعي النصارى أن لله ولداً، تعالى الله وتنزه عن هذا القول المنكر المفترى العظيم، الذي تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدَّا، فهكذا يقول النصارى واليهود.
والمشركون يعبدون مع الله حجارة وأصناماً، ويظنون أنها تقربهم من الله، وأنها واسطة بينهم وبين الله، فحق الله الذي خلقهم ورزقهم يصرفونه إلىهذه الحجارة وهذه الأوثان والأشجار والقبور، وغير ذلك، وهذا أمر عظيم، فمن عرف الله، وأحب الله، فإنه يجب عليه أن يتقرب إلى الله بقتال هؤلاء -أعداء الله- الذين تركوا عبادته والإخلاص له الذي أمرهم به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] فتركوا ذلك وذهبوا إلى عبادة غير الله، والافتراء على الله، وادَّعوا لله تعالى ما ليس له.
وأقول: -ولله المثل الأعلى- هل يعقل أن تحب أحداً من الناس وتقول: أنا أحبه غاية المحبة، ولا تعادي من يفتري عليه أعظم الافتراء، ويبهته أعظم البهتان؟ مستحيل، حتى إن الواحد من الناس يقال له: ألم يكن فلاناً حبيبك، فيقول: نعم، هو حبيبي وأخي، لكن لما رأيته أبغض فلاناً، وافترى عليه، وكذا وكذا كرهته، فلسان حاله يقول: ليس بيني وبينه أي شيء، لكنه أبغض من أُحب، وكَذَب على من أحب، واتهم من أحب، وأبطل حق من أحبه محبة عظيمة؛ فكانت العاقبة أن أقطع ما بيني وبينه.
إذاً: هكذا المؤمنون لو أحبوا الله تعالى حق المحبة؛ لعادوا الكافرين أشد العداوة، وأحبوا المؤمنين أشد المحبة، ومنتهى العداوة أن يجاهدوا باليد بعد المجاهدة بالبيان، يجاهدون بالسنان مع إقامة الحجة عليهم بالدعوة والبرهان، وينتقلون معهم من حال المجادلة إلى حال المجالدة، وهذا لا بد منه، ولذلك تأتي هذه الصفة كأنها صفة لازمة.
فإنك لو تأملت السياق: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] فهل المحبة صفة لازمة أو عارضة للمؤمن؟ لا شك أنها لازمة، وكذلك قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] هل هي لازمة أم عارضة؟ أيضاً لازمة وثابتة، إذاً يجاهدون في سبيل الله لازمة، لماذا؟ لأنه من المستحيل أن تكون بهذه الدرجة، وأن تدعو إلى الله، ولا تجاهد في سبيل الله؛ فلابد من المجاهدة.
هذه الأمة في مجموعها لا بد لها أن تجاهد؛ لأن من سنة الله تعالى أنه ما قام أحد بأمر هذا الدين إلا عودي، وهذا ما علمه النبي ﷺ من ورقة بن نوفل، فأول ما نزل عليه ﷺ الوحي، لم يكن قد قرأ عن أخبار الأنبياء من قبل، ولا علم ولا عرف ما ابتلوا به، فأتت به خديجة ﵂ إلى ورقة بن نوفل، وكان رجلاً كبيراً قد أسنَّ، فذكرت له ذلك، فقال للنبي ﷺ : يا ليتني أكون فيها جذعاً إذ يخرجك قومك فأنصرك نصراً مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي ومات، فتعجب النبي ﷺ عندما سمع ذلك فقال: ﴿أو مخرجي هم﴾ لماذا يخرجونني؟ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] هل فيها شيء يتطلب الإخراج أو الأذى؟ فقال له ورقة ﴿ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي﴾ وهو لا يعلم الغيب، ولكنه يعلم أنها قاعدة وسنة ماضية للرسل من قبل؛ لأنه يقرأ لأهل الكتاب أنه ما جاء نبي من الأنبياء ودعا إلى الله إلا عودي وحورب وأوذي؛ فمنهم من قتل، ومنهم من طرد، أو أوذي، أو حبس، أو إلى آخره.
فلابد من نوع من الأذى والابتلاء يصيب الداعية إلى الله، ولهذا يقول الله تعالى لعبده ورسوله ﷺ : ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣] فليس فيه جديد ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢] نفس العبارة ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات:٥٣] هل كتب قوم نوح وثيقة وقالوا: يا عاد.
إن بعث إليكم رسول يقول لكم اعبدوا الله فقولوا له كما قلنا؟ وهل كتبت عاد إلى ثمود إذا جاءكم وبعث فيكم رجل ودعاكم إلى مثل ما دعانا إليه هود فقولوا له كما قلنا؟ أبداً.
لم يتواصوا به، إنما هي سنة واحدة، الطغيان واحد، والإعراض واحد، والرد واحد؛ لأنه كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيرا﴾ [الفرقان:٣١]، إذاً: ما دام الأمر كذلك فكل من تصدَّى لهذا الدين لا بد أن يجاهد.
стр. 1720
الطائفة المنصورة
الطائفة المنصورة الموعودة بنصر الله تعالى من صفاتها أنهم يجاهدون ويقاتلون في سبيل الله، كما في الروايات الصحيحة ﴿لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم﴾.
следующие страницы →