← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

أعزة على الكافرين إذا كان الإنسان ذليلاً للمومنين، وفي المقابل مع الكافرين عزيزاً غليظاً عليهم، فقد حقق الشرطين، وهذا لا يتعارض مع العدل، ولا يعني الغلظة على الكافر أنه ظالم للكافر بل هو العدل، ولذلك نحن عندما نجاهدهم فإننا نجاهدهم لأن الجهاد عدل، ونجاهدهم ونغلظ عليهم كما أمر الله تعالى رسوله ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم:٩]، وقال: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]. فهذه الغلظة من العدل، وليس فيها اعتداء، بل هي حق لا تعني الظلم، ولا تعني البغي، حتى ونحن نجاهدهم فإننا لا نقتل إلا من أمرنا الله بقتله، ولا نقتل من نهانا النبي ﷺ عن قتله، ففي كل أمورنا نحن مقيدون بالعدل وبالقسط وبالحق. إذاً: هذا لا يتعارض مع العدل، والغلظة أن يرى عدو الله تعالى منك ما يغيظه ويكدر أمره، إما بكلمة غليظة، ولا نعني بكلمة غليظة أن الإنسان يسب أو يشتم وإنما بالقوة في الحق والموقف، وإما عملاً يسيء إليه، كأن تهدم ما يبني هذا الكافر، وتحبط عمله، وتجتهد في رد كيده، وإفشال سعيه. وأما إن كان أعلى من ذلك كمن يريد بالإسلام والمسلمين حرباً، فتحاربه وتقاتله، وتقتله إذا لم يكف شره إلا بذلك، وإذا لم يخضع لحكم الله، ويدفع الجزية؛ فإنه يقاتل حتى يقتل.

стр. 1717

الخلل في تحقيق هاتين الصفتين هاتان الصفتان لا بد أن تكونا مقترنتان، ولذلك كان أكبر خطأ يخطئ فيه كثير من الناس أنهم يغلظون على المؤمنين، من أغلظ على المؤمنين؛ فإنه يؤدي به الأمر إلى أن يتساهل مع الكافرين، وهذا أمر يجده كل إنسان من نفسه، فالله جعل في نفس الإنسان هذان العاملان: أحدهما: الحب ومقتضاه: اللين، والرأفه، والرحمة، والذلة. والآخر: البغض ومقتضاه: العنف، والقسوة، والشدة، والمقاتلة إلخ. فلو أن الإنسان أخطأ في أحدهما، فإنه يخطئ في الآخر لا محالة، فتجد بعض من يلين القول مع الكفار يغلظ على المسلم، فإذا تعامل مع الكفار، ووادهم، وأحبهم، وخالطهم بحيث إذا جاء إنسان وتكلم في الكفار، وحذَّر منهم، وبيَّن أنهم أعداء الله؛ أغلظ وأنكر عليه. وكذلك لو أنه أغلظ على إخوانه المؤمنين وكان شديداً عليهم، فإن هذا قسط من عداوته للكافرين صرفه وحوله إلى إخوانه المؤمنين. فتجد من شغله الله بالطعن والعيب والعداوة للمؤمنين لا يجد وقتاً ولا تجده يفرغ للطعن والحرب والعداوة لأعداء الله الكافرين، ولذلك يجب على المؤمن أن يحفظ هذا الميزان الدقيق وأن يجعل نفسه كما أمر الله تعالى. فقوله تعالى ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] يجب أن نأخذ هذه الكلمة بكل ما تحمله من معنى، وليس في ذلك غضاضة، فإن ذل المسلم لأخيه المسلم عزٌ له عند الله ، وهذا يورثه الدرجة العليا، وهي: أن يكون ممن يصطفيهم الله ، فأنت لا تنظر إلى أن أخاك المسلم أخطأ عليك، أو أخطأ في اجتهاد ترى أنه خالفك فيه، بل انظر إليه هل هو ممن يحب الله ورسوله فتجتمعان في محبة الله أم لا؟ ومن عادة الناس في أمور دنياهم أنهم إذا كان أحد منهم يحب أحداً فإنه يستشفع إليه بمن يحب، حتى ولو كان بينه وبين الرجل أي مشكلة فيعفو عنه لأنه تشفع له من يحبه ذلك الرجل.

стр. 1718

محبة الله ورسوله فوق كل محبة وهل هناك من يُحَب أعظم من الله ، فكل محبوب في هذه الدنيا تحبه فيجب أن يكون الله أحب إليك منه، لماذا؟ لأنك إن أحببت الوالد، فمن الذي خلق الوالد والوالدة؟ ومن الذي سخرهما لك؟ ومن الذي حفظهما لك حتى ربياك؟ ومن الذي أودع في قلبيهما الرأفة والحنان والشفقة بك؟ إنه الله. لو أحببت الزوجة، فمن الذي خلقها؟ ومن الذي أعطاها الصفات التي أحببتها من أجلها في خَلْقِها أو في خُلُقِها؟ ومن الذي سخرها لك؟ إنه الله. وقد تحب شيخك، أو معلمك، أو أستاذك، فمن الذي أعطاه العلم؟ ومن الذي سخره ليعلمك؟ ومن الذي عقد بينك وبينه هذه المحبة؟ إنه الله. إذاً: كل من تحبه في هذه الدنيا، وتقدِّره، وتعظمه، فالفضل أولاً وآخراً لله تعالى، فوجب أن تحب الله أكثر من محبتك لهؤلاء جميعاً، ولهذا أشد محبة يجب أن يحبها الإنسان هي محبة الله ورسوله ﷺ . ولما قال عمر ﵁ للنبي ﷺ : ﴿والله يا رسول الله! إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي -هل أقره النبي ﷺ ؟ لا- قال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من كل شيء حتى من نفسك، قال: الآن يا رسول الله! أنت أحب إلي من كل شيء حتى من نفسي﴾ وهذه حقيقة الإيمان، لأن من كان يريد أن يكون في مثل درجة عمر، فلا بد أن يصل به الحال إلى هذا المستوى، ألَّا يحب وألَّا يؤثر على محبة الله ورسوله ﷺ أي شيء؛ حتى نفسه التي بين جنبيه، لأن هذه النفس إنما جاءها الخير والصلاح والهدى من غيرها، وإلا فمن أين جاءنا الخير والصلاح والهدى؟ من أين الوسيلة التي نصل بها إلى النعيم الأبدي الخالد عند الله ؟ إن ذلك كان من طريق رسول الله ﷺ .

стр. 1719

من لوازم محبة الله يجب أن يكون الله أحب إلينا من أنفسنا؛ إن أردنا أن نكون من أهل الدرجة العليا، وهكذا هي محبة الله تعالى، والذلة للمؤمنين والغلظة على الكافرين شرط في حصول ذلك، كما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى، ولذلك عقب على الغلظة بالجهاد كما قال تعالى: ((يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)) [المائدة:٥٤]. يقول: ' فإن من تمام المحبة مجاهدة أعداء المحبوب '. إذا كنا نحب الله، فكيف نرضى ونسكت عمن يقول: إن لله ﵎ ولد؟ كما قال ذلك اليهود والنصارى، وكيف نرضى عن قول اليهود كما حكى الله عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤] وعندما يقول اليهود: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] وعندما يكذِّبون رسل الله، وعندما يدعي النصارى أن لله ولداً، تعالى الله وتنزه عن هذا القول المنكر المفترى العظيم، الذي تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدَّا، فهكذا يقول النصارى واليهود. والمشركون يعبدون مع الله حجارة وأصناماً، ويظنون أنها تقربهم من الله، وأنها واسطة بينهم وبين الله، فحق الله الذي خلقهم ورزقهم يصرفونه إلىهذه الحجارة وهذه الأوثان والأشجار والقبور، وغير ذلك، وهذا أمر عظيم، فمن عرف الله، وأحب الله، فإنه يجب عليه أن يتقرب إلى الله بقتال هؤلاء -أعداء الله- الذين تركوا عبادته والإخلاص له الذي أمرهم به، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] فتركوا ذلك وذهبوا إلى عبادة غير الله، والافتراء على الله، وادَّعوا لله تعالى ما ليس له. وأقول: -ولله المثل الأعلى- هل يعقل أن تحب أحداً من الناس وتقول: أنا أحبه غاية المحبة، ولا تعادي من يفتري عليه أعظم الافتراء، ويبهته أعظم البهتان؟ مستحيل، حتى إن الواحد من الناس يقال له: ألم يكن فلاناً حبيبك، فيقول: نعم، هو حبيبي وأخي، لكن لما رأيته أبغض فلاناً، وافترى عليه، وكذا وكذا كرهته، فلسان حاله يقول: ليس بيني وبينه أي شيء، لكنه أبغض من أُحب، وكَذَب على من أحب، واتهم من أحب، وأبطل حق من أحبه محبة عظيمة؛ فكانت العاقبة أن أقطع ما بيني وبينه. إذاً: هكذا المؤمنون لو أحبوا الله تعالى حق المحبة؛ لعادوا الكافرين أشد العداوة، وأحبوا المؤمنين أشد المحبة، ومنتهى العداوة أن يجاهدوا باليد بعد المجاهدة بالبيان، يجاهدون بالسنان مع إقامة الحجة عليهم بالدعوة والبرهان، وينتقلون معهم من حال المجادلة إلى حال المجالدة، وهذا لا بد منه، ولذلك تأتي هذه الصفة كأنها صفة لازمة. فإنك لو تأملت السياق: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] فهل المحبة صفة لازمة أو عارضة للمؤمن؟ لا شك أنها لازمة، وكذلك قوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] هل هي لازمة أم عارضة؟ أيضاً لازمة وثابتة، إذاً يجاهدون في سبيل الله لازمة، لماذا؟ لأنه من المستحيل أن تكون بهذه الدرجة، وأن تدعو إلى الله، ولا تجاهد في سبيل الله؛ فلابد من المجاهدة. هذه الأمة في مجموعها لا بد لها أن تجاهد؛ لأن من سنة الله تعالى أنه ما قام أحد بأمر هذا الدين إلا عودي، وهذا ما علمه النبي ﷺ من ورقة بن نوفل، فأول ما نزل عليه ﷺ الوحي، لم يكن قد قرأ عن أخبار الأنبياء من قبل، ولا علم ولا عرف ما ابتلوا به، فأتت به خديجة ﵂ إلى ورقة بن نوفل، وكان رجلاً كبيراً قد أسنَّ، فذكرت له ذلك، فقال للنبي ﷺ : يا ليتني أكون فيها جذعاً إذ يخرجك قومك فأنصرك نصراً مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي ومات، فتعجب النبي ﷺ عندما سمع ذلك فقال: ﴿أو مخرجي هم﴾ لماذا يخرجونني؟ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] هل فيها شيء يتطلب الإخراج أو الأذى؟ فقال له ورقة ﴿ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عودي﴾ وهو لا يعلم الغيب، ولكنه يعلم أنها قاعدة وسنة ماضية للرسل من قبل؛ لأنه يقرأ لأهل الكتاب أنه ما جاء نبي من الأنبياء ودعا إلى الله إلا عودي وحورب وأوذي؛ فمنهم من قتل، ومنهم من طرد، أو أوذي، أو حبس، أو إلى آخره. فلابد من نوع من الأذى والابتلاء يصيب الداعية إلى الله، ولهذا يقول الله تعالى لعبده ورسوله ﷺ : ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣] فليس فيه جديد ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:٥٢] نفس العبارة ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات:٥٣] هل كتب قوم نوح وثيقة وقالوا: يا عاد. إن بعث إليكم رسول يقول لكم اعبدوا الله فقولوا له كما قلنا؟ وهل كتبت عاد إلى ثمود إذا جاءكم وبعث فيكم رجل ودعاكم إلى مثل ما دعانا إليه هود فقولوا له كما قلنا؟ أبداً. لم يتواصوا به، إنما هي سنة واحدة، الطغيان واحد، والإعراض واحد، والرد واحد؛ لأنه كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيرا﴾ [الفرقان:٣١]، إذاً: ما دام الأمر كذلك فكل من تصدَّى لهذا الدين لا بد أن يجاهد.

стр. 1720

الطائفة المنصورة الطائفة المنصورة الموعودة بنصر الله تعالى من صفاتها أنهم يجاهدون ويقاتلون في سبيل الله، كما في الروايات الصحيحة ﴿لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم﴾.

стр. 1721

أقسام الناس تجاه الطائفة المنصورة والناس تجاه الطائفة المنصورة على قسمين: الأول: أعداء؛ فهؤلاء يقاتلون. الثاني: طائفة أخرى يقرون ويوافقون الطائفة المنصورة، لكنهم يخذلونهم ولا يعاونونهم، فهاتان ليستا من الطائفة المنصورة.

стр. 1722

الدعوة والجهاد من صفات الطائفة المنصورة الطائفة المنصورة: تدعو، وتأمر، وتنهى، وتجاهد، فمن خذلهم فليس منهم، ومن قاتلهم فهذا عدوهم، ومن المستحيل أن يكون منهم. ومن العقبات السبع التي ذكرها ابن القيم ﵀ العقبة السابعة: عقبة المراغمة، والمراغمة هي الجهاد فلا بد منه، فعندما ذكر العقبات مثل: عقبة الشرك، وعقبة الكبائر فإنه يوجد لله عباد لا يرتكبون الكبائر، لكن العقبة التي لا يستطيع أحد أن يتداركها أو يتجاوزها هي المراغمة، لا بد أن يسلط الله تعالى عليه عدواً أو يسخر من يعاديه ومن يؤذيه. ولهذا ذكر ابن القيم ﵀ عن نفسه في الفوائد قصة سلمان الفارسي عندما قال له أبوه: إما أن تعود إلى ديننا أو القيد، فقال: [[هذا هو الخطاب الذي قالته الأمم لأنبيائهم من قديم]] قال الإمام: 'وهو الخطاب الذي خوطب به الإمام أحمد عندما رفض القول بأن القرآن مخلوق، وهو الخطاب الذي قيل لـ ابن تيمية شيخنا شَيْخ الإِسْلامِ ﵀، وهو الخطاب الذي قيل لنا'. فهذا لابد منه، وهذا هو الجواب الأخير: إما أن يعود في ملتهم وإما يناله من الأذى ما يستطيعون: رجماً، أو طرداً، أو إخراجاً، أو أذى، وربما وصل الحال كما فُعِل بأصحاب الأخدود، هذا شيء عجيب، وحالة نادرة أن يصل الأمر إلى أن يُحرق المؤمنون، ويرجع الملك إلى ملكه، وتبقى الأمور مستمرة، ولكن حكمة الله تعالى اقتضت أنه لابد من هذا، كما قال: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].

стр. 1723

لا يخافون لومة لائم قوله: ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] فيه معاني حكيمة وعجيبة، وكل القرآن فيه ذلك لمن تدبره وتأمله، لكن قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ووصفهم بأنهم أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، كلها صفات نستطيع أن نقول: إنها معروفة، لكن لا بد منها وهي ضرورية للإنسان المستخلف الذي يريد أن يمكنه الله تعالى وأن ينصر به دينه.

стр. 1724

الخوف من قول الحق لكن قوله: ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] كثير من الناس لا يمنعه من قول الحق، أو السير في طريق الدعوة والاستمرار فيه؛ إلا لوم اللائمين، فإن كان قريباً أو صديقاً أو محباً قال: يا فلان أنا أحبك، وأعزك، وأشفق عليك، ولا أريد أن تؤذى، ولا أريدك أن تهان ولا أريدك أن تُخذل، أريدك أن تقعد محترماً، وفعلاً قد يكون يحبه، ولكن هذا من لوم اللائمين. وآخر قد يقول له أبوه أو أمه: تريد الجهاد، أخاف عليك أن تموت فمن يبقى لنا؟ أين نذهب من بعدك إلخ. وهذه حرب أخرى تسمى في مصطلحات الناس اليوم: الحرب النفسية وحرب الأعصاب، والمهم أن هذا اللوم من المهم جداً أن يتجنب، وقد يقال لك: ألا يوجد إلا أنت حتى تقاتل الكفار وتجاهد، وأنت تريد الجنة، كلنا نريد الجنة، ونقاتل، وندعو، ونأمر، وننهى، ولو أوذيت أو عذبت لصبرت لكن المشكلة هي في أن يأتيك اللوم. واللوم ليس شرطاً أن يكون من العدو؛ لأنه لو كان من العدو فلن يؤثر، لكن المشكلة إذا جاءك من المحب، ومن الموافق، وفي صورة الناصح المشفق الحنون الدءوب على مصلحتك، لكنك لو أطعته لتركت أمر الله تعالى، وتركت الجهاد في سبيل الله، ونزلت عن الدرجة التي يريدها الله تعالى لك؛ فالله تعالى يصطفى هؤلاء الأصناف بدرجة عالية عظيمة المقام، كمقام الأنبياء، بحيث يقفون ويقومون مقام الأنبياء، ويرثون ميراث النبوة، ويدعون إلى الله، هذه الدرجة العظيمة ينزلك عنها، نعم هو لا يريد أن يخرجك من الدين، ولا يريدك أن تترك الحق والخير، لكن ينزلك عن هذا المقام إلى مقام بعيد بالنسبة لهذا وإن كنت من المؤمنين، ومن الأخيار، ومن الصالحين الذين هم على خير ويدخلون الجنة، لكن ليس هذا هو الغرض الذي أنت تريده، ولا هو الشرط أو الصفة التي يريدها الله فيمن يريد أن يمكنه وأن يستخلفه وأن ينصر به دينه ويظهره.

стр. 1725

لماذا لا يخاف الإنسان في الله لومة لائم ؟ لا بد أن يهتم الإنسان دائماً بهذا الجانب: ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] ولا يخاف أبداً ما دامت أعماله حقاً، وبميزان الكتاب والسنة. فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا دائماً يتحرون الحق حتى في الأمور المندوبة، وفي السنن المستحبة، ويعلل أحدهم ذلك بأني لا أخاف في الله لومة لائم. أقول: هذه الجملة من الآية من المهم جداً لطلبة العلم أن يتدبروها، يقول ابن رجب ﵀: ' فإن من تمام المحبة مجاهدة أعداء المحبوب، وأيضاً فالجهاد في سبيل الله دعوة للمعرضين عن الله إلى الرجوع إليه بالسيف والسنان، بعد الدعاء إليه بالحجة والبرهان، فالمحب لله يحب اجتلاب الخلق كلهم إلى بابه' كما قال بعضهم: وددت لو أن لحمي قرض بالمقاريض، وأن أحداً لم يعص الله . وهذا من غيرته على دين الله، وغيرته أن تنتهك حرمات الله، ومن تعظيمه لله، ومن محبته لله لا يريد أن أحداً يغضب الله أو يتعدى حدود الله، فيؤثر أن يقرض بالمقاريض ولا يعصى الله . فالمحب لله يحب أن يكون الخلق كلهم عبيداً لله طائعين له، ولا يرضى أن أحداً منهم يعصي الله أويتجاوز حدوده، قال: 'فمن لم يجب الدعوة إليه باللين والرفق احتاج إلى الدعوة بالشدة والعنف: ﴿عجب ربك من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل﴾ ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] لا همَّ للمحب غير ما يرضي حبيبه، رضي من رضي، وسخط من سخط'. وابن رجب عادته كعادة ابن القيم يتكلم بروحانية وبشفافية، فيأتي بأساليب وعبارات أدبية، ثم يستشهد بالشعر، وكأنه لا يتكلم بكلام الفقيه أو المؤصل لأنها لا تكفي، فينتقل إلى واحة الشعر والأدب، ويبدأ يعبر هذه التعبيرات الأدبية الجميلة، ويقول: ' لا همَّ للمحب غير ما يرضي حبيبه رضي من رضي، وسخط من سخط، فمن خاف الملامة في هوى من يحبه فليس بصادق في المحبة ثم أتى بهذه الأبيات:- وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنكم ولا متقدم أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمني اللوم ' وهذه الأبيات يقول فيها بعض الناس: إنها أبلغ أبيات قالتها العرب في الحب، وهذه الأمور ذوقية، وقد ترى أنت أن غير هذا أبلغ، لكن يقال في حق هذه الأبيات أو هذه القصيدة: إنها أبلغ ما قيل في المحبة وفي الحب: ثم قال في البيت الآخر: وأهنتني فأهنت نفسي جاهداً أين المهان لديك ممن يكرم أي: من أجلك أهنت نفسي، ثم قال: أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمني اللوم كل من يلوموني أفرح؛ لأنه يلوموني في حبك، فهم يذكرونني بك، كما يقول: لقد نقل الواشون عنك فقد سرني أني خطرت ببالك وهذه قالها أحد شعراء الهوى، يقول: كلما يقولون عنك أنك لا تحبني، أنا أفرح به لأن المهم عندي أني خطرت ببالك، فانظر إلى هذا الحب العظيم العميق، سبحان الله! لكن كيف يكون شعور المؤمن إذا ذكر الله فإنه يستشعر أن الله يذكره، كما يقول الله في الحديث القدسي: ﴿أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي﴾ الله أكبر! جبار السماوات والأرض سبحانه الغني الحميد الذي يقول: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم:٨]، ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] يقول: ﴿إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي﴾ أي حبيب في الدنيا كهذا، وبدون واسطة يعلم أن هذا ذكره، ثم قال: ﴿وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه﴾ فمهما تخيلت من ملأ في الدنيا، فالملأ الأعلى -المقربون عند الله تعالى- هم خير من هذا، ولهذا لما قال النبي ﷺ للصحابي أبي بن كعب: ﴿إن الله أمرني أن أقرأ عليك، قال: أو قد سماني الله وذكرني باسمي، قال: فبكى﴾. هكذا يكون المحبُ المحبةَ الحقيقية، أما أهل الهوى فيقولها في حق المحبوب. فالعملية واحدة، والتضحية واحدة، والتعلق والتعب والمشقة لا بد منها، ولذلك لا تجد أحداً حتى من أكثر الناس تطفلاً على الحب -كما يسمونه- وعلى الغزل، إلا ويكتب: الحب عذاب على سيارته، وعلى أوراقه، وعلى كتاباته، فما دام عذاباً فلا تتعذب من أجل أي شيء، بل ينبغي إذا أحببت شيئاً وتعبت من أجله، فليكن مِنْ مَنْ يستحق ذلك الحب، ولا شيء يستحق أن يُحب على الحقيقة إلا الله ، ومن والاه ، فلهذا يقول العلماء الربانيون، ومن يعرفون الله : إن مثل هذه الأبيات التي تقال في حق المحبوبين -لغير الله- لا يليق أن تقال لغير الله . مثلاً: أبو فراس له أبيات عظيمة جداً في الحب، يقول: فليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خراب إذا صح منك الود فالكل هين وكل الذي فوق التراب تراب فهذا كلام عظيم جداً، لكن لمن تقول هذا يا أبا فراس؟ كتب الرسالة إلى سيف الدولة، وسيف الدولة ابن عمه وكان يحبه؛ لكن لما اختلفا على الملك تقاتلا فكتب له هذه الرسالة، وكم تقاتل من إخوة وآباء وأبناء على الملك والدنيا، إذاً لا يستحق أحد أن يكون الذي بينك وبينه عامر ولو خرب ما بينك وبين العالمين، وأن تراقب وتراعي رضاه، ومحبته، ورغبته، وما عدا ذلك فكل ما فوق التراب تراب إلا الله فقط، أما ما عداه فلا، ولو دققت النظر فإنك تجد أن هذا الكلام يقال على سبيل المبالغة التي لا تصل إلى درجة الحقيقة. لكن بالنسبة لله يمكن أن يكون وأن يوجد على الحقيقة.

стр. 1726

الانحراف في مفهوم قوله تعالى: (وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) وهنا مدخل للصوفية الذين يكثرون من هذه الأشعار، ومن هذه الدعاوى، فإن الصحابة ﵃ والتابعون ومن بعدهم من الصالحين حققوا هذه المحبة على الحقيقة عملاً في قلوبهم وأحوالهم، أما الصوفية فادعوها دعوى -فقط- بغض النظر عن الزندقة، والكذب، ودعوى المحبة التي ليست إيمانية، ولو نظرنا إلى من يتكلم بهذه المحبة والوجد والهيام والشوق لوجدناها كلها دعاوى، وأشعار تقرأ وتنشد ويبكى عند سماعها، أما حقيقة هذه الأشعار والأذواق والأوجاد فقد عاشها الصحابة رضوان الله عليهم حقيقة، والتابعون، وأولياء الله العباد الصالحون، وإن لم يتمثلوا بها شعراً. فهؤلاء الصوفية مثل الذي يتكلم ويتغزل بمحبوبته، والآخر مثل الذي حصل على ما يحب، وبذل، وأعطى، وأنفق، وأكرم حبيبه، وضحى من أجله بالفعل، هكذا الفرق بين هذا المتمني من بعيد، وبين الذي يحب ويدفع ويبذل ويضحي وإن لم يقل بيتاً من الشعر في هذا المحبوب. فهذه الأبيات إنما تليق بالله تعالى، على تعديل بعض العبارات أحياناً، فقوله: وقف الهوى بي حيث أنت يجب أن تقف رغبتك ومحبتك وميولك حيثما كان أمر الله ورسوله ﷺ ، فلا تكون متقدماً عنه ولا متأخراً، هذا الذي يليق بك أن تكون، لا تغلو فتزيد من عندك في الدين ما ليس منه ولا تقصر؛ لأن السنة كما قال الحسن: [[وسط بين الجافي عنها والغالي فيها]] فلا تتقدم ولا تتأخر عن ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ثم قوله: أجد الملامة في هواك لذيذة نقول: يجب على الإنسان المؤمن أن يجد الملامة في محبة الله، وفي طاعة الله لذيذة. وقوله: حباً لذكرك فليلمني اللوم فليلم اللوم، وليقولوا ما شاءوا، لماذا؟ لأن غاية ما يقولونه، هو نفس ما ذكره شعراء الغزل: وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا إنني لك عاشق أي أنه يقول: دعهم يسبوني وليقولوا: إنني عاشق، فهذا شيء أنا أفتخر به، وهذا المعنى أولى أن يحققه المؤمن؛ لأنه ماذا عسى أن يقول الناس فيك، إلا أنك محب لله، تجاهد في سبيل الله، وتدعو إلى الله؟ فليكن ذلك، وهل هناك شرف أفضل أو أعظم من هذا؟ هذا هو التعرض للوم الحقيقي. وتعلمون أن طائفة من الصوفية سمت نفسها الملامتية، وألف فيهم أبو عبد الرحمن السلمي الصوفي المعروف كتاباً مطبوعاً -وإن كان قليل التداول- سماه الملامتية، وهؤلاء الملامتية لماذا سموا بذلك؟ لأنهم يقولون: افعل أي شيء تلام عليه، واحرص واجتهد؛ لكي يلومك الناس من أجل العبادة، وكما يقول بعضهم: اذكر الله حتى يقال: إنك مجنون، اتركهم يلومون ويقولون مجنون، وقد ووصل الحال ببعضهم إلى أن يشبه المجانين، حتى إن بعضهم -نسأل الله العفو والعافية- غلا في ذلك فأصبح يرتكب بعض المحرمات وهو يعلم أنها محرمة؛ حتى يلومه الناس وحتى يسقط من أعينهم. فهذا فهم ضال في اجتناب الرياء، واجتناب الغرور، أو الاغترار وتعظيم الناس، فانظروا كيف الأدواء النفسية صعبة جداً، والواحد لا يستطيع أن يعرفها، حتى قيل: إن أولياء الله وعباد الله من الصوفية إنما هربوا وفروا عن القضاء، وعن العلم، وعن مجالس الفتيا، وعن التبحر في المسائل، وعن التقرب إلى السلاطين، حتى يجتنبوا الناس، ويجتنبوا الدنيا، ويجتنبوا الاغترار والعجب؛ فلبسوا الثياب المرقعة؛ وأخذوا يأكلون مما يعطيهم الناس من أبسط العيش، وعاشوا بعيدين عن الناس، فسلموا من هذا. ولكن تدرج الحال فأصبح الناس لا يعظمون القاضي لكونه قاضياً، أو الفقيه لكونه فقيهاً، إنما يعظمون من يسمونهم أولياء لله، فإذا وجدوا إنساناً في زاوية من زوايا المسجد يذكر الله، ويسبح، ويقرأ القرآن، وثيابه رثة عظموه وأكرموه وأجلوه، وقالوا: ادع الله لنا، وتمسحوا به، وتبركوا به، وأينما ذهب يتبعونه، فقالوا: إذا كان أن الأمر كذلك فالحل أننا نخالف مراد الناس، فنفعل أفعالاً يحتقرها الناس، ويتركونا من أجلها، حتى إن بعضهم كان يمشي في السوق فما وجد وسيلة ليصرف الناس عنه -لأنهم كانوا يمشون وراءه ويعظمونه- إلا أن سرق جوزاً من السوق وأخذ يأكلها فكرهه الناس، وقالوا: هذا ليس ولي، فتركوه وتفرقوا عنه. فيقول أصحاب الملامتية، أصحاب المنهج الضال، الذين يعالجون الضلال بالضلال والخطأ بالخطأ: يجب على الإنسان أن يتعرض لما يلام عليه، وأن يعمل أعمالاً يلام عليها، فيسلم من العجب والرياء والغرور وما إلى ذلك.

стр. 1727

المفهوم الصحيح لقوله تعالى: (وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ وهو من أعطاه الله من الفقه والحكمة-: 'عجباً لهؤلاء، أطع الله تجد من يلومك' أي: لا تحتاج أنك تعصي الله حتى يلومك الناس، أطع الله، واتق الله، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر؛ تجتمع الدنيا كلها عليك لوماً. فقد ليم الإمام أحمد، وتعرض للوم أيضاً شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، فأوذي وعذب وسُجِن وشُهِّر به، وكُفِّر وضُلِّل وبُدِّع، كل هذا تعرض له؛ لأنه استقام. فيقول: ليس هذا حقاً، بل استقم على دين الله، ومن غير أن تطلب اللوم فسوف تلام، وعندها يجب عليك أن تصبر، أما أن تخالف شرع الله من أجل أن تلام فتحتسب هذا اللوم، أو تخالف حتى يدفع عنك الغرور والعجب، فهذا مخالف لمنهج النبي ﷺ وأصحابه، فإنهمُ استقاموا على دين الله ولامهم الخلق وعُذِّبوا، وأوذوا، واضطُهِدوا، حتى أقرب الناس إليهم لامهم، فهذا أبو طالب يقول للنبي ﷺ : يا محمد إن قومك فعلوا كذا، وعرضوا كذا، وقالوا كذا، فلم يأبه بذلك النبي ﷺ . إذاً: أنت استقم على الدين، وافعل الخير، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر وسيأتيك اللوم، وحينئذٍ لا تأخذك في الله لومة لائم، لأن هذه الصفة، هي كما قال الله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].

стр. 1728

حقيقة الولاية وبعد أن ذكر هذه الصفات، قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤] أي: هذه الصفات لا يمنُّ الله تعالى بها إلا على من يصطفيهم ويختارهم. إذاً: حري وجدير بكل مسلم أن ينافس وأن يسابق؛ ليكون منهم، والذي لا يريد أن يقدم هذه التضحيات، فلن ينال هذه الدرجة وهذا الاصطفاء وهذا الكرم وهذا الفضل، لأن هذا فضل الله يختص برحمته من يشاء ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]. فعليك أن تجتهد لتكون ممن يختارهم الله ويصطفيهم، ولذلك يقول الشيخ 'وقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤] يعني: درجة الذين يحبهم ويحبونه بأوصافهم المذكورة، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤] واسع العطاء، عليم بمن يستحق الفضل فيمنحه، ومن لا يستحقه فيمنعه قال: ويروى أن داود ﵇ كان يقول: اللهم اجعلني من أحبابك، فإنك إذا أحببت عبداً غفرت ذنبه وإن كان عظيماً، وقبلت عمله وإن كان يسيراً، وكان داود ﵇ يقول في دعائه: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومالي ومن الماء البارد. وقال النبي ﷺ : ﴿أتاني ربي -يعني في المنام- فقال لي: يا محمد، قل: اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب العمل الذي يبلغني حبك﴾ وكان من دعائه ﵊: ﴿اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب﴾ وروي عنه ﷺ أنه كان يدعو: ﴿اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلي، وخشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر عيني بعبادتك﴾ فأهل هذه الدرجة من المقربين ليس لهم هَمٌ، إلا فيما يقربهم ممن يحبهم ويحبونه -أي: أهل هذه الدرجة همهم في الدنيا هو الحصول على مرضاة الله، ومحبة الله تعالى- قال: قال بعض السلف: العمل على المخافة قد يغيره الرجاء، والعمل على المحبة لا يدخله الفتور' وقد تقدم الكلام في هذا عند الكلام على الحب والخوف والرجاء، ولكن أجمع ما يقال فيها: إن الخوف والرجاء كالجناحين، والمحبة هي الرأس، فليكن عملك كالطائر، الرأس هو الموجه وهو الأساس، والخوف والرجاء جناحان لا يميل أحدهما عن الآخر، ولو طار الطائر بجناح واحد لسقط. إذاً: فتغييب جانب الخوف قد يغير الرجاء، وقد يضعف الرجاء، وإضعاف الرجاء لا ينبغي؛ وكما قال النبي ﷺ : ﴿لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه، ويرجو رحمة الله﴾. قال: 'والعمل على المحبة لا يدخله الفتور' وهذا حق، فأي شيء تعمله وأنت تحبه لا يدخله الفتور، ولو كنت في آخر الليل وتريد أن تنام لأنك مرهق، فجاءك إنسان بعمل تحبه، وتشتاق إليه؛ فإنك تقوم وتنشط وتنسى النوم وتنشغل وتسهر، واليوم الثاني إذا كنت مريضاً فزارك إنسان تحبه، فإنك تقوم وتنسى المرض وهكذا، فالعمل على المحبة لا يلحقه الفتور، ولا يلحقه الممل ولا السأم، ولهذا كان العمل عملاً خالصاً لله تعالى؛ لأن العبد يعمله من محبة، وشوق، ويعمله بهذه الرغبة؛ فيكون ذلك من العمل الصالح الخالص عند الله تعالى. قال: 'ومن كلام بعضهم: إذا سئم البطَّالون من بطالتهم، فلن يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك. قال فرقد السبخي: قرأت في بعض الكتب: من أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من هواه، ومن أحب الدنيا لم يكن عنده شيء آثر من هوى نفسه، والمحب لله تعالى أمير مؤمَّر على الأمراء -الله تعالى يجعله أميراً مؤمراً على الأمراء- زمرته أول الزمر يوم القيامة، ومجلسه أقرب المجالس فيما هنالك. والمحبة منتهى القربة والاجتهاد، ولن يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله تعالى، يحبونه ويحبون ذكره ويحببونه إلى خلقه' لاحظ كيف أنه يحبهم ويحبونه!

стр. 1729

ضرورة تحبيب الله إلى الخلق وقد أضاف الشيخ هناك عبارة عظيمة جداً، وهي: 'ويحببونه إلى خلقه' وكثير من الدعاة وطلاب العلم ينسى هذا المعنى، يقول: أنا أحب الله ويكتفي، لكن لا تبغض الله تعالى إلى الخلق، وحبب الله تعالى إلى الخلق، كيف يحببون الله إلى الخلق؟ بالرفق، واللين والنصح، وبحسن المعاملة مع الخلق، وإذا أحب الناس هذا المخلوق ورأوه يدعو إلى الله، أو أنه عالم، أو مفتي، أو أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فاعلم أن فيه صفة من صفات أولياء الله لأنه عمل الأعمال التي تقرب إلى الله، وعاملهم بالمعاملة اللينة الحسنة التي يحبونها، من غير تنازل أو تهاون أو مداهنة في الدين، فيحبب الله إليهم فأحبوا الله وأحبوا ذلك المخلوق. ولهذا نوصي إخواننا في خطب الجمعة وفي المواعظ: أن تكون من موضوعاتها أو مما تستفتح به موعظتك هو تحبيب الخلق إلى الله، وبيان نعم الله، وتذكيرهم بنعم الله عليهم، فإذا ذكرتهم بنعم الله عليهم؛ أحبوا الله، واستشعروا التقصير والتفريط، وأنه لا يليق بالإنسان أن يقابل هذه النعم بتلك المعاصي والذنوب، وهذا من الحكمة في الخطابة، مع التخويف أيضاً والوعيد، لكن هذا جانب قد يُغفل عنه؛ لأن كثيراً من الوعاظ يقول: عندما تقول هذا حرام، والله تعالى توعد عليه بكذا، ومن فعله فقد تُوعِد بكذا، فإن الناس ينتهون، وهذا حق لكن لا ينسى الجانب الآخر، وهو أن تذكر الناس بالنعم، وكما قال النبي ﷺ : ﴿جبلت النفوس على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها﴾. إذاً: علينا أن نعلم الناس أن الله تعالى أحسن إلينا بنعم عظيمة جداً، فإذا عرف ذلك أحب الله، ولذلك يجب أن نكون جميعاً ممن بِخُلُقِه وبتعامله يحبب الله إلى الخلق.

стр. 1730

حقيقة عمل الدعاة يقول: 'يمشون بين عباده بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم -يوم القيامة- يوم تبدو الفضائح' فعمل الدعاة في هذه الأمة هو النصح، كما قال تعالى حاكياً عن رسله: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف:٦٨] وفي الآية الأخرى: ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ [الأعراف:٦٢]، وفي الآية الأخرى عن أحد الدعاة: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠]، ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُون﴾ [يس:٢١]. فهم لا يريدون شيئاً كما حكى ربهم عنهم: ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [ص:٨٦] وفي الآية الأخرى ﴿مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:٤٧] وفي سورة هود: ﴿لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً﴾ [هود:٢٩]. هكذا قال رسل الله الكرام: أنهم هم ومن يتبعهم لا يريدون من الخلق مالاًً، ولا دنيا، ولا منصباً، ولا جاهاً، إنما نصحاً لهم، وإشفاق، ومحبة وحرص أن يكون هؤلاء الناس على طريق الخير، الذي يؤدي بهم إلى سعادة الدارين، والفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.

стр. 1731

راحة المؤمن يقول: 'أولئك أولياء الله وأحباؤه وأهل صفوته، وأولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه' كما قال الإمام أحمد ﵀: 'لا يجد المؤمن راحة دون لقاء ربه'. فترتاح من أي شيء قبل أن تلقى الله، نعم. ما أمرك الله تعالى به فهو شاق، فقد أمرك بقول الحق، وقد يكون هذا مراً وصعباً وعظيماً على النفس، وأمرك بالجهاد، وهذا شاق عليك ومجهد لك، وأمرك بالصلاة، تقوم لصلاة الفجر، وإن كنت تؤثر النوم والفراش والدفء، فتقوم إلى الصلاة لتلبي داعي الله تعالى، وإن كان فيها مشقة عليك، وتنفق من مالك الزكاة الواجبة، أو الواجبات غير الزكاة كالصدقات، والمال أحب إليك، وتقاطع ابنك أو أخاك أو قريبك؛ لأنه أعرض عن طاعة الله، وهكذا فلا راحة في الدنيا. ثم إن أعداء الله لا يتركونك ما دمت حياً. متى ترتاح؟ لا يجد المؤمن الراحة الحقيقية إلا إذا تنزلت عليه الملائكة، كما قال تعالى: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] فدون لقاء الله لا يستطيع الإنسان أن يرتاح، حتى لو سلم من كل شيء فرضاً، فإنه لا يضمن لنفسه حسن الخاتمة، فيخاف والعياذ بالله أن يختم له بخاتمة السوء، فهو دائم الخوف من الله، والخوف مما أمامه. فإذا بشر بهذه البشرى، ولقي الله عليها اطمئن، ولهذا كانوا كما حكى الله عنهم: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] كانوا مشفقين، فأصبحوا بعد ذلك آمنين مطمئنين، بدَّل الله تعالى عنهم هذا بهذا والنتيجة هي: ﴿لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٥]: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر:٣٤] إذاً: كانوا في الدنيا حزينين مشفقين، وكانوا وجلين وخائفين، فجاءت الجنة لا حزن فيها ولا خوف ولا وجل، وإنما الطمأنينة، يلقون فيها تحية وسلاماً، ويبشرون بنعم الله تعالى، ويتمتعون بالنظر إلى وجه الله، وإلى لقاء أو مجالسة أحباب الله، الذين كانوا يحبونهم في الدنيا ولم يروهم، والآن يرونهم. لأنك أنت في الدنيا تحب كثيرين، ولا تستطيع أن تراهم لأسباب كثيرة جداً، أما من مات ممن تحب فهذا أمر قد سبق. فهل نستطيع أن نرى النبي ﷺ والصحابة؟ لا نستطيع ذلك في الدنيا، لكنك تحب هذا، وأيضاًً يأتي أقوام من بعدك تحبهم لكنك ما رأيتهم، ولا تستطيع أن تعيش حتى تراهم، ففي الدنيا لا تستطيع أن تحصل فيها على كل شيء تريده، فهي ضيقة دائماً. لكن في الآخرة من نعيمها: أن الله يجمع لك بين هؤلاء وبين هؤلاء، فتجد وتلتقي بمن تحب، وأعظم محبوب هو الله ، فالمؤمنون يرون ربهم في الجنة، وهو أعظم نعيم على الإطلاق. وترى من تحب من الماضين وإن كانوا قبلك بقرون، فلو أحببت أن ترى آدم ﵇، أو نوحاً ﵇، أو المؤمنين ممن نجوا مع نوح في السفينة، أو الصحابة، أو الأئمة كالإمام أحمد -مثلاً- وأئمة الإسلام وكل من تحب أن تراه وكذلك الذين لم يأتون بعد، فإنك تراهم هناك. فإن النبي ﷺ يقول: ﴿وددت لو أنا رأينا إخواننا -كان يتمناها النبي ﷺ قالوا: يا رسول الله! ألسنا إخوانك، قال: لا، أنتم أصحابي، لكن إخواني قوم لم يأتوا﴾ هم الذين نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، هم الذين وجدوا الكتاب والسنة فاتبعوهما ولم يروا النبي ﷺ . فهذا يحصل في الجنة بإذن الله تعالى، والشاهد: أن المؤمن لا يجد راحة دون لقاء ربه. قال: 'قال فتح الموصلي: المحب لا يجد مع حب الله للدنيا لذة، ولا يغفل عن ذكر الله طرفة عين' وبعض هذه الأقوال والآثار المنهج فيها معروف، فهي تحكى ولا يعني أن تلتزم بالدقة. 'وقال محمد بن النظر الحارثي: ما يكاد يمل القربة إلى الله تعالى محب لله، وما يكاد يسأم من ذلك' ولا شك أن من أحب الله تعالى حق المحبة، فإنه لا يمل القرب إلى الله ولا يسأم، ولا يكاد يسأم، لكن النفس البشرية بطبيعتها أنها تمل وتسأم، ولهذا ينبغي للمؤمن أن ينوع في العبادة، فهذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، ألَّا يتكلف في العبادة ما لا يطيق: ﴿فإن الله لا يمل حتى تملوا﴾ فإذا سئمت أو مللت، أو كدت تسأم وتمل من قراءة القرآن أو صلاة أو أي عمل فكف عنه، فإن الله لا يمل حتى تملوا. قال: 'وقال بعضهم: المحب لله طائر القلب، كثير الذكر، متسبب إلى رضوانه بكل سبيل يقدر عليها من الوسائل والنوافل، دأباً وشوقاً'. ولذلك قال الله في الحديث القدسي: ﴿ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه﴾ فهكذا المحب لله لا يزال يتقرب إلى الله بكل شيء، قال: 'وأنشد بعضهم: وكن لربك ذا حب لتخدمه إن المحبين للأحباب خدام ' وهذا أيضاً مما ينبه عليه وهو: إطلاق الخدمة على العبادة، وقد تجدون أحياناً في كلام بعض العلماء ذلك، وأكثر من يستخدم ذلك الصوفية، والصحيح أن العبادة أجل من الخدمة. والأفضل في حق الله تعالىألا نستخدم إلا الألفاظ الشرعية، فنقول: عبادته، ولا نقول: خدمته. قال: وأنشد آخر: ما للمحب سوى إرادة حبه إن المحب بكل برٍّ يضرع وهذا أيضاً يؤكد ذلك، فهذا كله في محبة الله تعالى.

стр. 1732

كيف تنال ولاية الله ؟ ثم قال الشيخ: 'ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله من النوافل: كثرة تلاوة كتابه، وسماعه بتدبر وتفكر وتفهم' إذاً: هذا أمر عظيم جداً؛ لأن الكلام عن كيف تنال ولاية الله، وكيف تنال محبته ، وكيف نتقرب إلى الله. فالتقرب إلى الله بالصلاة، وهذا قد سبق في قوله ﵀: 'وأعظم فرائض البدن التي تقرب إليه الصلاة'. فأعظم الفرائض البدنية للتقرب إلى الله هي الصلاة، وأعظم النوافل قراءة القرآن، وهذا من فقه الإمام ابن رجب ﵀ أنه جعل أعظم الفرائض الصلاة، وأعظم النوافل قراءة القرآن. يقول: 'قال خباب بن الأرت لرجل: [[تقرب إلى الله تعالى ما استطعت، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحب إليه من كلامه]]. وفي الترمذي عن أبي أمامة مرفوعاً قال: ﴿ما تقرب العبد إلى الله تعالى بمثل ما خرج منه﴾ يعني: القرآن، لا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم' وإذا رجعنا للقاعدة -قاعدة المحبة الدنيوية- فكل من تحب، تحب كلامه، وتحب أن تقرأ له، وتحب رسائله، وتحب أن يخاطبك، أو تقرأ كلامه مكتوباً، وهذه حقيقة نفسية. فالواجب أن يكون أحب شيء إلى العبد هو القرآن، يشغل وقته به، بل يتغنى، ومعنى يتغنى: يغتني به عما سواه، أو يتغنى به: كما أن أهل الدنيا تعجبهم الأشعار فيتغنون بها، ويترنمون بها، ويتذكرونها فيكون هو كذلك، بحيث يكون على لسانه، يقرأه، ويتلوه، ويتلذذ به. قوله: 'لا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم، فهو لذة قلوبهم، وغاية مطلوبهم، قال عثمان رضي الله تعالى عنه [[لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم]] ' وهذا معيار عجيب اختبر به قلبك، وقلوب الناس. ويوجد كثير من الناس لا يستطيع أن يستمع إلى صفحة مثلاً أو عشر آيات، ولو قلت له: اجلس نقرأ عشر آيات أو استمع لهذا الشريط، فإنه لا يطيق أبداً، إما أن يقفله، وإما أن يقول لك: أنا مشغول -والعياذ بالله- لأن قلبه مطموس كما قال الله عنه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤]. ومعنى: (ران) أي: مطبوع مختوم عليه، وأُغلق بحيث لا ينفذ إليه شيء من الحق فنعوذ بالله. ومن أعظم مايجعل العبد كذلك، أن يدمن على سماع الأغاني، والأشعار الخالية عن ذكر الله، التي كما جاء في الحديث: ﴿لأن يمتلأ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه، خيراً له من أن يمتلأ شعراً﴾ فلو أن مدمناً على سماع الأغاني، أو هذه الأشعار الخالية من ذكر الله، قلت له استمع هذه الآيات؛ لا يستطيع ذلك، وإن كانت ذنوبه أقل فإنه يتحمل بقدر أقل وهكذا. فعباد الله الصالحون يقول لهم: [[لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم]] لماذا الإنسان يقرأ ويقرأ، ثم يتعب ويمل أو يضعف؟ لشيءٍ في قلبه، فهذا هو المعيار، فانظر لنفسك فإذا وجدتها لا تطيق القرآن أو لا تستمع إليه، فاعلم أن داءً ومرضاً خبيثاً يداخلك فاجتنبه، وسارع إلى العلاج. وبادر إليه. وبهذه المناسبة أذكر أن أحد الشباب أرسل إلي رسالة يشكو ويقول فيها: إنني كنت أحب طلبة العلم، وأطلب العلم، وأحب المساجد، وقراءة القرآن، والآن لا أستطيع، حتى أصبحت أتخلف عن الجماعة، وأصبحت كذا؟ نسأل الله أن يرده إلى الحق والصواب. فأقول: علينا جميعاً أن نبادر إلى العلاج قبل أن يستفحل الداء، انظر كم من مريض يذهب إلى الطبيب فإذا به بعد فترة قد مات، لماذا؟ لأن المرض قد انتشر واستشرى في جسده. ومرض الأرواح والقلوب ليس مثل المرض البدني، ومن فضل الله أن جعل الإنسان حتى لو كان منغمساً منهمكاً إلى أقصى شيء، يمكن أن ينتشل نفسه بتوبة صادقة إلى الله، فالمهم أن تتدارك نفسك قبل أن تحاول أن تتوب فلا يقبل منك عياذاً بالله. قال: 'وقال ابن مسعود: [[من أحب القرآن أحب الله ورسوله]] '. قال: 'وقال بعض العارفين لأحد طلابه: أتحفظ القرآن؟ قال: لا، قال: واغوثاه با لله! مريد لا يحفظ القرآن، فبم يتنعم؟! فبم يترنم؟! فبم يناجي ربه تعالى؟! '. وهذا وإن كان من كلام الصوفية، ولكن هذا القول صحيح، فالذي يريد أن يسلك طريق الله، وأن يتعلم ويتأدب وهو لا يحفظ القرآن فبم يتنعم! وبم يترنم! وبم يناجي الله!

стр. 1733

انحرافات في الولاية من أكبر الأخطاء التي ارتكبها الصوفية وغيرهم ممن لا يدري: أنهم وضعوا أدعية، وأوراداً وأذكاراً في كتيبات، أو في أوراق، ونشروها بين الناس، ويقال: من قرأها فإن له كذا وكذا، مما لا أصل له في الدين، فيشتغل الناس بها عن القرآن، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى الكفر والعياذ بالله. فـ التيجانية يقولون مثلاً: من قرأ صلاة الفاتح خيراً له من أن يقرأ القرآن ستة آلاف مرة، وهذا كفر لا شك فيه، وكلما وجدوا شيئاً غير القرآن يجعلون قراءتها خير منه؟ مادام هو مذنب قولوا فرضاً: من قرأها خير له من أن يتصدق بألف دينار -مثلاً- لكن تقول: خير من أن يقرأ القرآن، هل يعقل هذا؟!!! إنك مهما ابتدعت أو اخترعت أو اختلقت من أذكار، فلا يمكن أن تكون أفضل من القرآن، ولا يمكن أن تأتي بشيء أفضل من القرآن أبداً. وأقول: كثير منهم لا يصل إلى هذه الدرجة من الكفر -والعياذ بالله- لكن واقع الحال عندهم أنهم يأتون بأدعية وأوراداً يقرءونها في الصباح والمساء، ومن هذه الأحراز الجوشن الكبير، والجوشن الصغير، والحصن الحصين، والحصون المنيعة، والعهود السبعة، وأشياء كثيرة منها ما لا أصل له، ومنها ما له أصل، لكن ليس بهذه الكيفية وبهذه الهيئة، ومنها ما يكون جملة من الآيات اختارها صاحب الحرز، لكن لم يرد الشرع بتحديد هذه الآيات، فيشتغل بهذه الآيات عن بقية القرآن أو عما فضله الله، نعم هو من القرآن، لكن هل يستطيع أحد أن يفضل شيئاً من القرآن على شيء من غير أن يبينه الله. فمثلاً: الله هو الذي أخبرنا أن آية الكرسي أفضل الآيات، وأن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن، وأن الفاتحة أفضل السور، فنحن حتى في هذه نتبع ولا نبتدع، ولكن نقرأ القرآن، ونتلذذ به كله. وإن من أكثر ما يحول بين الناس وبين الخير إما صاحب فجور وشهوة، فيحول بين الناس وبين القرآن، بالغناء، والمزامير، والموسيقى، والأشعار، والقصص وما لا خير فيه، كما تشاهدون الإذاعات في آخر الليل، إذا قرب الثلث الأخير، تجد فيها الغزل والأشعار والهوى والحب سبحان الله العظيم؛ لأن قلوب الناس، ترق في تلك الساعات، فهم جاءوا إليها يرققوها بشيء رقيق، لكنه شهوة وفتنة، هذا هو الجانب الأول. أما الجانب الثاني: الذي يأتي ليسد الحاجة لكن بغير الحق، كالذي يطعم الجائع نشارة الخشب، أو يطعمه ما لا يغني ولا يشبع. فهؤلاء الذين وجدوا الناس محتاجين إلى الذكر ويريدون المناجاة، أعطوهم هذه الأوراد البدعية، والأذكار غير المشروعة، وقالوا لهم: اقرءوها في الصباح، واقرءوها في المساء، واقرءوها إذا قمتم في الليل، واقرءوها قبل أن تناموا إلخ، فأطعموهم مالا يغذي. والحق: أن القلوب إنما يكون غذاؤها وترنمها، وحياتها، وروحها، وريحانها، وشفاؤها بقراءة كلام الله . حتى وإن قل التعبد بشيء من الحق ومن الخير فلو لم يقم العبد إلا بعشر آيات، ولو لم يقرأ إلا قل هو الله أحد، ولو لم يقرأ إلا آية الكرسي فهذا خير، لكن كلما زاد فهو خير له، ولهذا جعل الشيخ رأس النوافل قراءة القرآن. نسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يتلونه حق تلاوته ويتلذذون بذكر الله تعالى به، وبمناجاته بقراءته إنه سميع مجيب.

стр. 1734

حقيقة لا إله إلا الله اشتملت هذه المحاضرة على نواح تتعلق بالتوحيد، تحدث الشيخ حفظه الله خلالها عن التوبة المطلوبة من العبد، وفتح الله باب التوبة أمام العبد، وبيَّن أن العبد فقير إلى ربه محتاج إليه، ثم تحدث عن حقيقة التوحيد، وضرب مثالاً لذلك بصدق إيمان سحرة فرعون، وما كان عليه الصحابة وسلف الأمة رضوان الله عليهم من تحقيق التوحيد وإخلاصه لله تعالى.

стр. 1735

إفتقار العبد إلى التوبة

стр. 1736

افتقار العبد إلى ربه أيها الإخوة الكرام إن الله ﵎ يقول في محكم كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥ - ١٧]. والافتقار إلى الله شأن كل مخلوق في هذه الحياة، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاء﴾ [فاطر:١٥] فخاطب بها الناس جميعاً، فالملوك فقراء إلى الله تعالى، وأصحاب الأموال الطائلة فقراء إلى الله تعالى، والشباب والكبار، والعبيد والصغار فقراء إلى الله، وكل من على هذه الأرض فهو فقير بالذات إلى الله تعالى، والله هو المتفرد بالغنى المطلق، وهو الذي يقول: ﴿يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم﴾. ومع حاجتنا جميعاً إلى أن يطعمنا ربنا، ويكسونا، وأن يهدينا الصراط المستقيم، ثم بعد ذلك بيَّن غناه المطلق عنا جميعاً فقال: ﴿يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً -ثم بين سبحانه كمال غناه في الرفق وفي الخير والعطاء فقال:- يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المِخْيَطْ إذا أدخل البحر﴾. فانظروا إلى كمال غناه غنىً مطلقاً من جميع الوجوه، وانظروا إلى شدة افتقارنا إليه ، فهو فقر من جميع الوجوه، فنحن مفتقرون إليه في غذائنا، وفي لباسنا، وفي هدايتنا، وفي كل شيء، فما هي حياتك يا بن آدم؟ ما هي أنفاس تدخل وتخرج! إن توقفت لم يعد هذا النفس، وقالوا: رحم الله فلاناً، أصابته سكتة قلبية فمات، فإما أن يصعد الهواء فلا يدخل، وإما أن يدخل فلا يخرج، فهذا هو حال الذي يسير وكأنه يخرق الأرض، أو يبلغ الجبال طولاً، فهذه هي حالنا وهذا هو فقرنا وحاجتنا إليه ، وهذا هو غناه المطلق عنا .

стр. 1737

فتح أبواب التوبة ومع هذا الغنى المطلق، يعاملنا الله كما في الحديث: ﴿إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل﴾، وقال في الحديث السابق: ﴿يا عبادي! إنكم تذنبون في الليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم﴾ فسبحان الله! مع غناه عنا يقبل منا التوبة من الذنوب ويغفرها لنا، ومع ذلك ﴿فإن الله تعالى أشد فرحاً بتوبة العبد إذا تاب من رجل فقد دابته في الخلاء، حتى يأس منها، وقال: أنام تحت شجرة حتى يدركني الموت فاستيقظ فإذا دابته أمامه وعليها متاعه، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح﴾ أي: أنه فتح عينه وإذا بدابته وعليها غذاؤه وطعامه واقفة أمامه، فسبحان الله ما أغناه وما أحلمه وما أكرمه! انظروا إليه كيف يعامل العصاة -وكلنا عصاة إلا من عصمه الله ﵎ ثم انظروا كيف يغذو أمماً ويجود عليهم، وكيف يفتح لهم الأبواب ليتوبوا إليه ، وهم الذين عذبوا أولياءه وأحبابه، كما في قصة أصحاب الأخدود، تلك القصة التي وردت في سورة البروج، التي تحكي أن أناساً يحرقون عباد الله بالنار، ويرمونهم فيها، ويخدون الأخاديد، ويحفرون الحفر العميقة في الأرض ويقذفون عباد الله تعالى فيها لأنهم يقولون، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:٨]؛ لأنهم قالوا: آمنا بالله وكفرنا بك أيها الملك الذي تقول: أنا إله من دون الله، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:١٠] فيفتح باب التوبة لمن يحرق أولياءه الموحدين بالنار وهم أحياء، فهذه معاملته للعصاة، كما يقول جل شأنه: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُون * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥ - ٤٦]. يفتح عليهم أبواب كل شيء ليستدرجهم بها، ولو تابوا لأخذوا هذه النعم، وأخذوا نعيم الآخرة، لو تابوا حتى عند وقوع العذاب أو قرب وقوع العذاب لمتعهم في النعم ولكنهم: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام:٤٣] فهذه هي القسوة التي نشكوها إلى الله ﵎، ولا تزال تصاحب الإنسان حتى وقت حلول العذاب، ولكن لو آمن قبيل أن يأتي العذاب لكان الحال كما قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يونس لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨] فقوم يونس ﵇ آمنوا في آخر اللحظات التي انتهت فيها النذارة، وما بقي فيها إلا تحقق الوعيد، فآمنوا فأنجاهم الله من العذاب لأنهم آمنوا، فهذا على مستوى الأمم. وأما على مستوى الأفراد فيفتح الله باب التوبة والرحمة: ﴿إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر﴾ فما دامت الروح لم تبلغ الحلقوم فباب التوبة مفتوح، فتب إلى الله، تب من الربا، وتب من الزنا، وتب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وتب من الحسد، ومن الغيبة، من النميمة، وقطيعة الأرحام، ومن أذى الجار، ومن كل الذنوب التي أنت أعلم بها، فتب إلى الله تعالى فالباب مفتوح. كما أنه لا يقف الأمر عند هذا الحد، ولا يقف الأمر عند حد أن يتوب هذا العبد المذنب المخطئ المحتاج الفقير إلى الله فيعفو الله ويتجاوز عنه، بل هناك درجة أعظم من هذا ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠] فسبحان الله! سجلات الإنسان حين يتوب إلى الله -وهي سجلات ودواوين من المعاصي- يقلبها الله دواوين من الحسنات، فهذا غاية الكرم ولا يفعل هذا إلا الله؛ لأنه هو صاحب الغنى المطلق وهو الكريم واسع الكرم. فإذا تبت وصدقت مع الله وأخلصت في الإنابة إلى الله، فلا تنظر إلى الماضي، ولا تصدق الشيطان وأعوانه، الذين يقولون لك: أَبَعد أن بلغت السبعين من عمرك وفعلت كذا وكذا، تريد أن تتوب، لا تنفع توبتك، كأمثال قطاع الطريق، فهم أعداؤك وأعداء الله، فتب إلى الله في أي لحظة ما دمت لم تغرغر، وما دامت الشمس لم تطلع من مغربها، لأنك حين تتوب إلى الله تجد أن الدواوين التي يخوفونك بها تنقلب إلى دواوين من حسنات بفضل الله .

стр. 1738

أساس التوبة نعيم الله لا ينفذ وغناه مطلق، ولكن هل هناك من أساس للتوبة؟ أقول: نعم لابد من أساس لهذه التوبة، ولا بد من أساس للاستقامة، ولقبول العمل، وأعظم شيء وأساس كل شيء هو: عبادة الله وحده لا شريك له وأن يوحد الله. (أي: أن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله) ونحن صادقين في هذه الشهادة، فنحقق هذه الشهادة، فهذا الكرم الذي رأيتموه، يكون لأهل التوحيد، ولأهل النجاة، ولمن حقق الشهادة. أما من أشرك بالله -عافانا الله وإياكم- فلا ينفعهم من أعمالهم شيئاً، وإن اجتهد في الصلاة، والصيام، والإنفاق، والبر والطاعة، ما دام يشرك بالله تعالى، ويدعو ويسأل غير الله، ويستعين بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، ويطيع أمر غير الله ويعصي أمر الله، ويعلم أن هذا تشريع أو قانون مخالف لما أمر الله، فكل أنواع الشرك، هي الخطر العظيم، وهي التي تجعل كرم الجبار ونعمته وسعة جوده تنقلب غضباً ومقتاً وطرداً ولعناً عافانا الله وإياكم. فمع وجود الشرك: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار﴾ [المائدة:٧٢] فإذا سمعنا أحداً يتكلم في أنواع الشرك فليكن الواحد منا كله أذن صاغية، وإذا سمعنا أحداً يتحدث عن التوحيد فلنلقي إليه بأسماعنا وقلوبنا لنعرف معنى التوحيد ونحقق ذلك التوحيد لأن المسألة ليست هينة. فإذا كان كرم الله تعالى لا يكون إلا لهؤلاء، وكتب أنه لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، وحرَّم الجنة على المشركين، ونحن لا نريد إلا الجنة، وكل ساعٍ يسعى من عباد الله في هذه الحياة إنما يريد وجه الله ويريد الجنة، ونعوذ بالله أن تكون نهاية هذا الكدح هي النار نسأل الله أن يعافينا من سوء المصير.

стр. 1739

التوحيد أساس العمل التوحيد هو سبيل النجاة في الدنيا والآخرة، للكافر وللمؤمن، ولكن قد يقول القائل: علمنا كيف يكون التوحيد سبيل نجاة للمؤمن، لكن كيف يكون للكافر هذه الخاصية في التوحيد؟ فأقول: إن المشركين إذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين، حتى إذا جاءتهم ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان -فعندها- دعوا الله مخلصين له الدين، فينجيهم الله ، بالتوحيد الذي هو مناط النجاة، فهو المفزع الذي يفزع إليه حتى الكافر: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]. فالمضطر أيّاً كان، مسلماً كان أو يهودياً أو نصرانياً، فهو يدعو الله إذا انقطعت به كل الحيل، فيستجيب له الله : ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:٦٥] أو ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٣] لماذا؟ لأنهم نسوا الله لما نجوا إلى البر. فالتوحيد ثمرته وفائدته تتحقق حتى في الكافر إذا أخلص في هذه الحياة الدنيا، وإن كان لا يواظب عليها، فبالله كيف نتوقع أن يكون للمؤمن؟ وكيف ينبغي لنا؟! نحن الذين نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هذه الكلمة العظيمة، التي نسأل الله أن يجعلها آخر كلمات حياتنا وأن يميتنا عليها وعلى تحقيق معناها، ويحيينا عليها إنه سميع مجيب.

стр. 1740

حقيقة الشهادة إن شهادة أن لا إله إلا الله ليست مجرد كلمة أو مجرد عبارات، لكن حقائق هذه الكلمة التي بعث الله ﵎ بها أنبياءه جميعاً ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦]، ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]. فقد بعث الله الأنبياء جميعاً بشهادة أن لا إله إلا الله، ومعنى لا إله إلا الله: أن يكفر بالطاغوت ويعبد الله وحده، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦]، والعروة الوثقى هي: شهادة أن لا إله إلا الله فلا تقبل الصلاة من غير لا إله إلا الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] فلا يقبل الله العمل أبداً، بل هو كرمادٍ اشتدت به الريح في يوم عاصف؛ لأنه ليس مبنياً على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وعلى توحيد الله ﵎. والتوحيد الذي هذا ثمرته ليس أي كلام، فالإيمان والتوحيد يتفاوت وله حقائق، فالإسلام إن كان وراثياً عن آبائنا وأجدادنا فهذا شيء حسن، ولكن هذا لا يكفي لأنه يحتاج إلى الإيمان الذي إذا جاءته شدة، وإذا جاءت الشهوة من المال الحرام ومن النساء الحرام وأعرضنا عنها ابتغاء وجه الله فهناك نكون موحدين، وإذ جاء الداعي ليدعوك بتأخير الصلاة، أو إلى التهاون بأمر الله وتركته استجابة لأمر الله فهنا اختبر توحيدك، وإن سمعت آيات الله، ووجدت خشوعاً ورّقةً في قلبك فاختبر توحيدك هنا، فإن وجدتها لا تصبر على ما حرم الله من اللهو والغناء وتتلذذ به وتعرض عن سماع القرآن، فاعلم أن توحيدك ناقص أو أنه مفقود.

стр. 1741

سحرة فرعون لابد أن نعلم أن السحرة الذين وحدوا الله وآمنوا بالله ، كيف كان توحيدهم؟ وكيف كان إيمانهم؟ لما ألقوا حبالهم وعصيهم فألقى موسى ﵇ عصاه ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١١٧ - ١١٨]. فما كان منهم لما أن رأوا الآيات البينات الباهرات التي لا يمكن إلا أن يذعن لها القلب ويستسلم لها إلا أن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَموسى﴾ [طه:٧٠]، آمنوا بالله فأجابهم الطاغوت بالتهديد -فرعون-: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى﴾ [طه:٧١]. فأخذ يتوعدهم ويهددهم كما ورد في آيات كثيرة من كتاب الله ، فماذا قال السحرة؟ وانظروا إلى حقيقة التوحيد من أول لحظة: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:٧٢ - ٧٣]. فهذا هو التوحيد، وهذه هي حقيقته، فهناك القتل وهناك الصلب، من جبار طاغوت يملك ذلك، ويتوعد عليه، وأول الأمر كانوا يقولون له: ﴿أَإِنَّ لَنَا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [الشعراء:٤١ - ٤٢] إن انتصرتم على موسى فلكم الأجر ولكم الجوائز وإنكم من المقربين، ثم لحظات وإذا به يقول: أقتل وأفعل وأفعل، وهم يقولون: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه:٧٢] فهو لن يخوفنا أبداً؛ فمن عرف حقيقة الإيمان وحقيقة التوحيد، فلا يخاف إلا الله ولا يبالي في دينه ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢]. فكانت نهاية فرعون الغرق، ومنذ أن وضع رجله في البحر انتهى فرعون ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢] فإنك إن ملكت الجسد لتقطعه فممكن، لكن هل تملك القلب؟ وهل تملك الإيمان؟ وهل تملك أن تنتزع التوحيد؟ لا، فهذه قلوبنا قد وجدت الله، وآمنت، وتعلقت بالله ، والله هو الذي سوف يطهرها ويغفر لها الخطأ الذي كنت تكرهها عليه من السحر، ومما حرم الله ﵎. فخوفهم من عذاب الآخرة، جعلهم ينسون عذاب فرعون وصلبه وأمره كله ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه:٧٢].

стр. 1742

الترقي في درجات التوحيد كان النبي ﷺ وأصحابه من الذين ضربوا المثل الأعلى في تحقيق التوحيد لله ، وما جاهد النبي ﷺ قريشاً ثلاث عشرة سنة إلا ليحقق شهادة أن لا إله إلا الله، فهذا أمر ليس هيناً، فما نزلت الصلاة إلا لتكمل ولتزيد شعبة من شعب لا إله إلا الله. وأما في المدينة فنزلت الزكاة والصيام وهما شعبتان من شعب لا إله إلا الله، ومن شعب الإيمان أيضاً لتكون كل حركات، وسكناته المرء لله ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. فهكذا يجب أن يكون المؤمن، ولهذا يقول النبي ﷺ : ﴿الإيمان بضع وستون شعبة فأعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان﴾. فكل أعمال البر وكل أعمال الخير كما هو في مذهب أهل السنة والجماعة - شعب من شعب الإيمان، فإذا حققت ما أمر الله في توحيده فيما بينك وبينه، وفيما بينك وبين الناس، وفيما بينك وبين نفسك في كل أمر، فأنت في ذلك تحقق التوحيد وترتقي في درجات الإيمان والتوحيد. وهكذا أوصانا النبي ﷺ بقوله: ﴿اتق الله حيثما كنت﴾ فهذا هو جانب المعاملة مع الله ، فضع هذا في حسبانك، واتق الله حيثما كنت، وأينما كنت في سرك وعلنك في بيتك وفي المسجد أو في أي مكان ﴿اتق الله حيثما، كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها﴾. فكلما راودتك نفسك وعملت المعصية -وهي أمارة بالسوء وهي لا بد فاعلة- فأتبع السيئة حسنة تمحو لك تلك السيئة، وأما مع الناس فعاملهم بخلق حسن، فإذا أصلحت سريرتك، وإذا حققت هذا فأنت ترتقي في درجات الإيمان والتوحيد، حتى تصبح من المحسنين الذين قال فيهم النبي ﷺ ، وهو يبين درجة الإحسان حين قال له جبريل ﵇: ﴿فاخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾. أي: أن تعبد الله كأنك تراه، فحين تصلي ولا أحد من الناس يتهمك في شيء لأنك تصلي ولكن أن شيئاً من هذه الصلاة -ولو قل- لغير الله فتحاسب نفسك، لماذا كان شيء من هذه الصلاة في غير ما أمر الله ولم يكن لله؟ وأيضاً حين تنفق المال وأخرجت منه درهماً أو ديناراً لغير الله، فتذكر أن هذا لغير الله، وحين تطلب العلم تعلماً أو تعليماً فعليك أن تنظر وأن تتفكر في نفسك هل هذا الشيء لله أو لغير الله؟ نسأل الله أن يجعل أعمالنا جميعاً خالصةً لوجهه الكريم فهذا هو تحقيق التوحيد.

стр. 1743

توحيد الرعيل الأول التوحيد من شدة صفائه ونقائه أن أدنى شيء يؤثر فيه ويخدشه، لأنه أنقى وأعظم الأشياء، والناس كثيراً ما يرتكبون المعاصي اغتراراً منهم بأنهم محققون للإيمان والتوحيد، أو أن هذه المعاصي لا يبرح منها أحد، أو لأنها قد وقعت فيمن قبلنا، وهذا من غرور الشيطان ومن تزيينه. فالصحابة رضوان الله تعالى عليهم لو وقع في زمانهم شيء من هذه المعاصي مع أن إيمانهم وتوحيدهم كان كالبحر العظيم، الذي مهما تلقي فيه بنجاسة من بول أو غائط فلا يؤثر فيه؛ لأنه بحر خضم كبير، ولديهم من قوة الإيمان ومن أعمال الخير والبر الشيء الكثير، فوقع في زمانهم أن فلاناً زنا وأن فلانة زنت، وأن فلاناً شرب الخمر، ولكن أين نحن منهم؟ إنما نحن كبركة صغيرة إن وقع فيها شيء من النجاسة تنجست. فهذه الأمور تؤثر في القلب بقدر ما في القلب من إيمان من حقائق الإيمان والتوحيد، ولذلك الزاني الذي يزني في هذا الزمان هل فيه -وهو أعلم- من الإيمان مثل المرأة التي زنت في عهد النبي ﷺ ؟ تأتي إليه فيردها وهي حامل، ثم يردها ثم تأتي إليه بالولد وبيده كسرة خبز لتُبِرهن له ﷺ على أنه يأكل وأنه مستغنٍ عنها، لأنها تريد أن يطهرها ثم يرجمها، ويقول: ﴿لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة أو أهل الأرض لوسعتهم﴾. فهذه التوبة وهذا الصدق مع الله سبحانه تعالى إذا وقع معه الزنى فعلاً، فنقول: إنما هو مثل ما لو ألقيت النجاسة في البحر فلا يضره، فهذا إيمان قوي في هذا العمق، ولم يكن حالهم كحال الذين يزنون ويعصون، ويقولون: عندنا توحيد، فأين التوحيد وأين الإيمان مع الانهماك في المعاصي، ومع مجاهرة الله تعالى؟!

стр. 1744

الحياء من الإيمان ولقد أمر الله المؤمن بالحياء كما في الحديث: ﴿والحياء شعبة من الإيمان﴾ فأين نحن من الإيمان بهذه الشعبة -شعبة الحياء- التي نص عليها النبي ﷺ ؟ فهل عندنا حياء من الله؟! الإنسان منا يأكل والمزمار يُغني أين هذا من حياة السلف الصالح؟ هذا نافع يُحدِّث عن ابن عمر أنه كان ماشياً فسمع مزماراً فوضع ابن عمر يديه على أذنيه، فقال له نافع: لم فعلت هذا؟ قال له ابن عمر: ﴿مرَّ النبي ﷺ وإذا براع وبيده قصبة فوضع النبي ﷺ يده هكذا﴾ فوضع نافع يده -وهو لا يدري بالحكم وكان صغيراً. فهذا جيل يبلغ الحياء من الله بالرجل منهم أنه لا يسمع، ويعتزل المعازف حتى المرء الصغير منهم، ونحن نسمع المعازف والأغاني ونحن نأكل نعم الله، وننام في صحة وعافية، فماذا يقول الإنسان في هذه الحالة؟! أيقرأ الأذكار الواردة؟! أيحمد الله، وينام على السرير؟! وفي السجون وغيرها، فهل يقول: الحمد لله؟ وهل يدعو بالأدعية الواردة أو بدلاً من ذلك يسمع الغناء؟ فأين إيمانه وأين حياؤه؟ ينظر الإنسان إلى امرأة لا تحل له في تلفاز أو مجلة أو في الشارع وهي تعمل وتقوم بما تقوم به من حركات، وتقول: هذا مؤمن، فأين الحياء من الله؟ هذا التعري وهذا التبرج يتنافى مع الحياء تمام المنافاة، وهو الذي حرص عليه إبليس منذ أن أخرج أبوينا من الجنة ووسوس إليهما ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف:٢٠] فهذه هي الخطة الشيطانية القديمة، فإذا نزع الحياء انتهى كل شيء ﴿إن من مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت﴾. وإذا لم يوقفنا إيماننا في هذه الشعبة، فأين حياؤنا من الله ، إذا وجدنا صاحب منكر ولم ننكر عليه، ونمر بأصحاب المنكرات كأن يكون فاتحاً للمتجر والناس يصلون ولا نقول له: صلِّ، فأين حياؤنا من الله؟ وليكن تغييره بالأسلوب الحسن، فالمهم أن تدخل الإيمان في قلبه، ولا نريد تخويفاً ولا ترهيباً، وإنما نريد أن ندخل الإيمان في قلبه، فهل فعلنا ذلك؟ بل ذهب بنا ضعف الحياء إلى أن نؤيد صاحب المنكر على منكره. فهذا غاية الجرأة على الله وغاية التجاوز لحدود الله أن نتعاون على الإثم والعدوان ولا نتعاون على البر والتقوى، فلو اختبرنا إيماننا، وتوحيدنا عند شهوة أو فتنة لسقط فيه إلا من رحم الله. فهذا كتاب الله بين أيدينا، هل فيه آية واحدة علَّق الله فيها دخول الجنة على الإسلام، أو جعل الإسلام شرطاً في دخول الجنة، أو وعد المسلمين أنهم من أهل الجنة؟ لا تجدونه يقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الشعراء:٢٢٧] إيمان وليس مجرد الإسلام، والإيمان درجة أعلى والحياء شعبة منه، فهل نحن فعلاً مؤمنون؟ هل نطمع بجنة الله ؟ وهل طَمَعُنَا ورجاؤنا فيها وهم وخيال، أم هو على شيء؟ فيجب أن نراجع أنفسنا، ويجب أن نحاسبها على كل صغيرة وكبيرة، ونحن قادمون على موسم عظيم وهو موسم الحج، وهذه العبادة كغيرها من العبادات إنما بنيت وركّبت وأسست على التوحيد، وهذا البيت أول من جدده إبراهيم ﵇، فإبراهيم إمام الموحدين، فقام هذا البيت على التوحيد. وكان هذا البيت قبلة المسلمين جميعاً للتوحد، مبدأ واحد، وغاية واحدة، ومقصد واحد إلى الله : ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] فأول شيء لا تشرك بي ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج:٢٦] ثم ابنِ البيت، فبني البيت على أساس التوحيد الخالص لله . فيجب علينا أن نكون في أعمالنا جميعاً منطلقين من منطلق تحقيق التوحيد، وتحقيق متابعة النبي ﷺ ، ولا يتحقق هذا إلا بهذا، فنصلي كما صلّى رسول الله ﷺ ، ونحج كما حج رسول الله ﷺ ، ونذكر الله كما ذكره رسول الله ﷺ ، وندعو إلى الله كما دعا إليه رسول الله ﷺ ، وفي كل أمر من الأمور نتمثل نهج رسول الله ﷺ ، هذا تحقيق التوحيد والشطر الأول أشهد أن لا إله إلا الله. والشطر الثاني من تحقيق التوحيد هو: أشهد أن محمداً رسول الله، فإذا اتخذنا غيره قدوة، فصلينا على غير طريقته ومنهجه، وذكرنا الله على غير طريقته ﷺ ومنهجه، فما حققنا شهادة أن محمداً رسول الله، وكأننا نشهد أن الشيخ فلان أو علان هو الذي يتبع، وهو الذي يُقتدى به، وهو الأسوة، وإن كنا نقول باللسان: أشهد أن محمداً رسول الله. فتحقيق التوحيد هو أعظم مطلب، وهو الذي به تنال رحمة الله، وتنال النجاة والفوز في الدنيا والآخرة، ولا يكون هذا الفوز إلا بأن يُعبد الله وحده لا شريك له، وأن يُعبد الله بما شرع، وبما عمله رسول الله ﷺ ، فهو القدوة، والأسوة، الذي نسأل الله أن يحيينا ويميتنا على سنته والاهتداء بهديه والاقتداء به، إنه سميع مجيب.

стр. 1745

الأسئلة

стр. 1746

هل الصوفية من الإسلام ؟ السؤال هل الصوفية من الإسلام؟ نرجو التحدث عن طرق الصوفية؟ الجواب أنتم جميعاً -والحمد لله- تقرءون كتاب الله، وتقرءون سنة النبي ﷺ ، فهل وجدتم في آية منه أو في أي حديث أن الصوفية من الإسلام؟ لا يوجد، ولكن هل في المسلمين صوفية؟ فنقول: نعم، لكن لا يوجد في الإسلام صوفية، أو تصوف؟! إذاً: الانحراف وقع من المسلمين، فهم الذين أدخلوا التصوف، وأما القرآن فهو بين أيدينا، ولا يوجد فيه تصوف، ولا يمكن للكتاب الذي أنزله الله ﵎ هدىً ونوراً وشفاءً ورحمةً أن يأتي بهذا المذهب الوثني القديم، الذي يسمونه تصوف، فالناس إنما يقصدون الله، فكثيراً ممن يعبدون الله كرهبان النصارى يظنون أنها لله، وأنها العبادة المقبولة، وكذلك رهبان البوذيين والهندوس يظنون أنها تقربهم إلى الله، وكل واحد يقول هذا، لكن هل هي بالتمني؟ يقول الله ﵎: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] ويقول النبي ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ فعمله مردود. وقد يقول: قصدي وجه الله، وقصدي الخير، فحين نصلي الظهر خمس ركعات فما قصدنا إلا الخير! فلا يقبله الله منهم لأنه ليس عليه أمر الله. وقد يقول: إن الصوفية فيها ذكر لله فمثلاً عندما نقول: يا لطيف! إحدى عشرة ألف مرة، وأنت تقول: سبحان الله، والحمد لله مائة مرة، فأين الأحد عشر ألف من المائة؟! فنقول: ليست العبرة بالكمية، وإنما هي بالاتباع، فهل شرع رسول الله ﷺ هذا؟ لا لم يشرعه، فإذاً نقف عنده. وفي القرآن نقول في كل ركعة: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] صراط واحد مستقيم، فهذا هو الإسلام، أما الصوفية فتنطوي تحتها مئات من الطرق، فافرض أن واحداً من الشباب اهتدى فأي الطرق يتبع؟ فهذه تجعل الذكر بهذا الشكل، وهذه عندها الرقص بهذا الشكل، إذاً فأيها دين الله ؟ وأيها يقبل الله ؟ فإذا قلت النقشبندية، فلماذا لم تكن القادرية؟ فهم محرومون ومساكين!! فكم من طريقة لديهم؟ ومع ذلك لو دققنا فإن الله لا يقبل من هذه شيئاً، فهذه هي السبل ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣]-أي: الصراط المستقيم- ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]. فهذه الطرق ماذا نقول عنها؟ لا يتسع المجال للكلام عنها، ويكفي أن نعلم أن كل ما لم يشرعه الله باطل، وهذه لا أصل لها لا من كتاب ولا من سنة، ومن تصوف من المسلمين ففيه من البدعة بحسبه، فإن تصوف تصوفاً شركيا فهو مشرك، وإن كان على بدعة أقل فهو أقل، وإن كان أخذ شيئاً بسيطاً فهو بقدر ما أخذ. فهذه حقائق الإيمان، وهذا من التنبيه، أتظنون أحداً يغش ويقول لك: أنا غشاش، وهل تتوقعون هذا الشيء؟ فلو كان أحدهم يبيع (طماطم) لا تصلح، فهل سيقول: أيها الناس! تعالوا اشتروا الطماطم الفاسدة؟ لا، وإنما يقول: النظيفة الطيبة الممتازة الرخيصة، وهل تريدهم يقولون لك: هذه هي البدعة وهذه هي الضلالة؟ لا، بل يقولون لك: هذه هي السنة، وهذا هو الحق وهذا هو الدين، فلا ننخدع وفقنا الله وإياكم للطريق المستقيم.

стр. 1747

العلم الروحاني السؤال هل هناك علم يسمى علم الروحانية؟ وهل هو التعامل مع ملائكة الرحمن، لأن هناك من يدَّعي هذا، نرجو التوضيح؟ الجواب يوجد كذابون ودجالون من السحرة ومن الصوفية، وهي مختلطة مع بعضها البعض، فالذين وصلوا في التصوف إلى هذه الدرجة، يقولون: نحن أناس روحانيون، ونتعامل مع العالم الروحاني، حتى إن بعضهم لا يأكل اللحم، ويقول: من أجل أن أتروح، فما يأكل إلا النباتات لكي يتروح، ويعيش مع العالم الروحاني، فمن العالم الروحاني هذا؟ فلو قلت له: اكتب لي شيئاً عن العالم الروحاني، فسيكتب لك هذه الأسماء التي لا تستطيع أن تقرأها، ويقول: هذه أسماء الملأ الروحاني. هذا هو الملأ الشيطاني، وهذه هي أرواح الشياطين التي يتعامل معها، وهذا هو ما قاله النبي ﷺ في الحديث الصحيح من حديث عياض بن حمار عن الله : ﴿وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين؛ فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت لهم﴾. فهؤلاء يحرمون ما أحل الله من الطيبات، ومن أكل ذات الروح، أسوةً بِعُبِّادِ الهنود الذين لا يأكلون أبداً أي شيء فيه روح، حتى البيض يقولون: هذا نتيجة شيء فيه روح، فلا نأكله، ولا يأكلون إلا النباتات، فهكذا عباد الهنود، وهؤلاء السحرة والدجالون يعملون مثلهم؛ لأنهم على نفس المنهج، فهذا العالم الذي يتحدثون عنه ليس عالم الروحانية، بل هو عالم الشياطين، والشياطين عالم ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُم﴾ [الأعراف:٢٧]. ويوم القيامة إذا بعثهم الله وسألهم فإنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ [الأنعام:١٢٨] وأما الملائكة الحقيقيون فإنهم يقولون كما ذكر الله ذلك عنهم: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١] فيدعون أنهم يعبدون الملائكة، وهم في الحقيقة يعبدون الجن، ويعبدون الشياطين من دون الله . فلا تصدق أن هناك عالماً بهذا الشكل، فعالم الملائكة الأطهار الأبرار لا يتعامل مع هؤلاء الأرجاس، وعباد الله من الملائكة هم في كل مكان، فيذكر فيهم الله أنهم يحضرون حلقات الذكر، لهم أعمال؛ فمنهم الكرام الكاتبون، ومنهم السائحون في الأرض، ومنهم ومنهم، فهؤلاء لا يدعون إلى شركٍ عياذاً بالله، ولا يأمرون به، فهم معصومون عن ذلك، وليس هؤلاء من الملائكة، ولا يتعامل تاركوا الدين -هؤلاء الضالون- مع الملائكة، وإنما مع الشياطين.

стр. 1748

حكم إتيان الكهنة والعرافين السؤال ما حكم الذهاب إلى العرافين والسحرة؟ الجواب النبي ﷺ بيّن ذلك فقال: ﴿من أتى عرافاً أو كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً﴾، والحديث الآخر الذي يقول: ﴿من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ ولا يوجد تعارض بين الحديثين، فإنه ذهب إليه ولم يصدقه في كلامه فلا تقبل له صلاة أربعين يوماً. لكن إن صدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ؛ لأن مما أنزل على محمد ﷺ قوله تعالى: ﴿لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل:٦٥] فهذا مما أنزل على محمد ﷺ ، فمن خالفه فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، لأنه اعتقد أن أحداً غير الله يعلم الغيب.

стр. 1749

حكم قراءة الكف السؤال قرأت في إحدى المجلات أن قراءة علم الكف ليس من علم الغيب؟ الجواب السحر أنواع، والرمل أنواع، والعرافة أنواع، فما الذي يخرج الكف عن ادعاء علم الغيب؟ بأي كتاب أم بأية سنة، ما الذي يستثنيها؟! أجاء فيها نص أم جاء فيها دليل؟ فهذه كلها أخاديع وحيل سواء قرأها في كف، أو طست كبير، أو وضعها تحت الوسادة، فأياً كان، فكل ذلك من ادعاء علم الغيب، ومن صدق أن أحداً يعلم الغيب فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٧]. أي: من أطلعه الله على شيء من الغيب من الأنبياء والرسل، وهؤلاء قد ذهبوا إلى الله، أو عبداً من عباد الله الصالحين، يرى رؤيا حق في المنام، فهذه أمور معروفة محددة، أما هذه الدعوى العريضة، فهي من الباطل، فلا يغركم الشيطان بصحة شيء مما قيل لكم، فهذه يلقيها الشيطان على لسان الكاهن، وبينها النبي ﷺ في الأحاديث الصحيحة، أن من الفتنة أن يلقي الله الشهاب على هذا الذي اقتبس أو سمع من الملأ الأعلى شيئاً من علم الغيب، فلا يصيبه الشهاب حتى يلقي إلى وليه من الإنس كلمة مما سمع، فيأخذها الإنسي، فيجعل معها مائة كذبة، ثم ينشرها بين الناس، فيأتي الشيطان وأولياؤه، فإذا قيل لهم: إن فلاناً كذاب ودجال، فيقولون: أرأيت في ذلك اليوم قبل عشر سنوات لما أخبرنا عن فلان وكان الكلام صحيحاً! فإذا كان ذاك اليوم صدق، فما بال الأيام الأخرى التي كلها كذب! فهم لا ينظرون إلى المائة، ولكن إلى الواحدة، التي جعلها الله فتنة، فما علينا إلا أن نحذر من الفتن عافانا الله وإياكم منها.

стр. 1750

القول بحلول الله في خلقه كفر السؤال هناك من المجرمين من يقولون: إن الله يحل في جسم الإنسان بذاته، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً؟ الجواب من ادَّعى ذلك فقد كفر بإجماع المسلمين، وهو كافر مرتد ويجب قتله بإجماع المسلمين، فهؤلاء الحلولية أو الاتحادية كفار بإجماع المسلمين، وهم أكفر من اليهود والنصارى، كما نص على ذلك علماء الإسلام، ودليل كفرهم قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧] فالذين قالوا: إن الله حل في المسيح كفَّرهم الله، فكيف نقول: حلَّ في فلان وفلان وفي كل شخص، فهم أكفر من النصارى، وهذا حكمهم، أنهم كفار مرتدون لا صلاة لهم، ولا ولاية ولا دين ولا إيمان، وليسوا من هذا الدين في شيء.

стр. 1751

أنواع التوحيد السؤال نرجو توضيح التوحيد بأنواعه الثلاثة؟ الجواب أنواعه هي: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، وإن شئت فقل توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الطلب والقصد والإرادة.

стр. 1752

توحيد الربوبية لا يكفي في نجاة العبد السؤال هل يكفي الإيمان بتوحيد الربوبية من دون فهم لتوحيد الألوهية والأسماء والصفات؟ وما حكم من جحد نوعاً منها؟ الجواب من جحد نوعاً منها فهو كافر، ولكن لا يكفي نوع عن نوع فهي كلها أجزاءً لشيء واحد، فلا يكفي أن تقول: إن الله هو الذي يخلق كل شيء ويدبر كل شيء، ثم يدعو الإنسان غير الله، بل هذا هو الشرك ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه﴾ [لقمان:٢٥] فهذا قول المشركين، فقد كانوا يقولون في التلبية: (لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) فلم يقبل الله منهم هذه التلبية، فهذا هو الشرك بعينه، وتقول الصوفية في الولي هو لا يملك شيئاً، فالله يملك ولكنه فقط أعطى هذا الشريك التصرف، هذا هو الذي يقوله الصوفية اليوم، يقولون: إن عبد القادر الجيلاني أو البدوي، لا يملك شيء والله هو الذي أعطاه التصرف، وهذه هي نفس الكلمة الجاهلية: (إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك) فالله يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ [الجن:٢٠] فعلينا أن نوحد الله ، ولا نشرك بربنا أحداً.

стр. 1753

ثمرات التوحيد السؤال هل للتوحيد ثمرات ظاهرة في الدنيا؟ الجواب نعم، فمنها: اليقين، والطمأنينة، والإخبات، والإنابة، وصدق الإيمان في التعامل مع الله ، والاستقامة على أمر الله، والأمر بالمعروف، وطاعة الله وتقواه في السر والعلانية، فهذه من ثمرات التوحيد، فكل خير في الدنيا فهو من ثمرات التوحيد، وكل شر أو مصيبة فهي من عاقبة الشرك والمعاصي.

стр. 1754

علاقة الإيمان بالإسلام السؤال ما معنى كون الإيمان باطناً والإسلام ظاهراً؟ الجواب هذا معنى حديث ورد عن النبي ﷺ ﴿الإيمان في القلب، والإسلام علانية﴾ وهو الذي يبينه الحديث الآخر الصحيح، وهو قول النبي ﷺ : ﴿ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب﴾ فالإيمان في القلب، والإيمان عقيدة، والإسلام هو: انقياد الجوارح هذا علانية، ولكن بينهما تلازم فإيمان الجوارح أن تطيع الله وأن تمتثل أمره، كما أن من إسلام القلب الإذعان لأمر الله والانقياد له، وإلا فما هو الطاغوت؟ الطاغوت: هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فأي إنسان تعبده أو تتبعه أو تطيعه فيغ غير ما أمر الله فقد تجاوزت به حده، وإذا تجاوزت في أي إنسان حده فقد جعلته طاغوتاً وعبدته من دون الله، فالأصنام طواغيت، والقوانين الوضعية طواغيت، لأن الله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء:٦٠] فكل من عبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة فهو طاغوت، والشيخ الذي يقول للمريدين: إذا مت فأتوني واعبدوني، طاغوت، وإذا هم عبدوه، فقد جعلوه طاغوتاً وإن لم يكن كذلك.

стр. 1755

تفضيل القوانين على الشرع السؤال ما حكم من يفضل القوانين على شرع الله؟ الجواب نسأل الله العافية ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] من فضَّل شرع البشر على شرع الله، فهو مثل من يفضل البشر على الله؛ لأن هذا شرع الله وهذا شرع البشر، فمن فضله فكأنه يقول: البشر أعلم من الله بالمصالح، وأفضل من الله، وأحكم من الله -تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا- فأياً كان شرع الله في المسائل المالية، أم في المسائل الاجتماعية، فشرع لنا الحجاب، وحرم الربا، والزنا والاختلاط، وشرع لنا كل ما تعلمونه من الأوامر والنواهي. فهذا هو وحده الحق والخير الذي يجب اتباعه، واتباع غيره وطاعته شرك وكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].
следующие страницы →