Полный текст (2 843 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
قصة عبد الرحمن القارئ
ومثال آخر: رجل من شيوخ القراء، كان اسمه عبد الرحمن، وكان يلقب بالقس أو القسيس، أو العابد، فكان عبد الرحمن القارئ عند أهل مكة من أفضلهم عبادة، وأظهرهم تبتلاً، فمر يوماً بـ سلامة - وهي جارية كانت لرجل من قريش، فسمع غناءها، فأطل مولاها وعبد الرحمن عند الباب، فقال له: هل لك أن تدخل فتسمع، فأبى عليه، فألح عليه الرجل، فلم يزل به حتى وافق ودخل، فقال: أقعدني في موضع لا أراها ولا تراني -وذلك خشية أن يفتتن بها- قال: فدخل، فتغنت فأعجبته، فقال مولاها: هل لك أن أحولها إليك، فأبى وامتنع، فلم يزل به أيضاً حتى وافق، فجاءت فجلست أمامه، فلم يزل يسمع غناءها حتى شُغف بها وشُغفت به، وعلم ذلك أهل مكة وانتشر الخبر بأن العابد الراهب تعلق بهذه المغنية، حتى إنها ذات مرة قالت: أنا والله أحبك! فقال: وأنا والله أحبك! قالت فما يمنعك من الوصال! فوالله إن الموضع لخال، فقال: إني سمعت الله تعالى يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] وأنا أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك تؤول بنا إلى عداوة يوم القيامة، قالت: يا هذا! أتحسب أن ربي وربك لا يقبلنا إذا تبنا إليه، قال: بلى، يتوب علينا لو تبنا، ولكني لا آمن أن أفاجأ بالموت، ثم نهض وعيناه تذرفان، فلم يرجع بعد.
стр. 2137
قصة وهيب بن الورد
ويذكر ابن قدامة -رحمه الله تعالى- مثالاً آخر، وهو قصير لكنه عظيم جداً، قال وهيب بن الورد أحد العباد المشهورين المعروفين، بينما امرأة في الطواف ذات يوم وهي تقول: 'يا رب! ذهبت اللذات، وبقيت التبعات' والتبعة هي المسئولية، فتبعات اللذات مكتوبة، والإنسان يلقى الله يوم القيامة وقد انقضت اللذات ولكن بقيت عليه التبعات، قالت: 'يا رب ذهبت اللذات وبقيت التبعات، يا رب سبحانك وعزتك إنك أرحم الراحمين، يا رب مالك عقوبة إلا النار؟ '.
لأنها تذكرت أنه ليس بعد هذه الدار من دار إلا الجنة أو النار.
وكان معها امرأة أخرى صالحة تمشي معها قالت: 'يا أُخية! دخلت بيت ربك اليوم؟ -تقصد الكعبة- قالت: والله ما أرى هاتين القدمين أهلاً للطواف حول بيت ربي، فكيف أراهما أهلاً أطأ بهما بيت ربي وقد علمت حيث مشتا وأين مشتا' سبحان الله العظيم! تذكرت أن هاتين القدمين مشتا إلى فجور وإلى معاصٍ، والآن جاءها الندم، فكان تذكرها لتلك المعاصي والذنوب، أعظم دافع لتوفيق الله لها أن تستقيم وأن تستشعر، وفي هذا الكتاب فوائد قيمة ولو علق عليه لاكتمل جماله.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتوب علينا وعليكم، وعلى جميع المسلمين، وأن يبصرنا ويفقهنا في الدين، إنه سميع مجيب.
стр. 2138
الأسئلة
стр. 2139
معنى قول أهل السنة: الإيمان قول وعمل
السؤال
ينقل الأخ كلاماً للإمام الحافظ الذهبي ﵀ من سير أعلام النبلاء (٢/ ١٥) في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي الذي قصته معلومة مع هرقل، لما قبل رأسه، يقول الإمام الذهبي: ' ولعل هذا الملك قد أسلم سراً، ويدل على ذلك مبالغته في إكرام ابن حذافة.
وكذا القول في هرقل إذ عرض على قومه الدخول في الدين، فلما خافهم قال: إنما كنتُ أختبر شدتكم في دينكم.
فمن أسلم في باطنه هكذا، فيرجى له الخلاص من خلود النار، إذ قد حصَّل في باطنه إيماناً ما، وإنما يُخاف أن يكون قد خضع للإسلام وللرسول، وأعتقد أنهما حق، مع كون أنه على دين صحيح، فتراه يعظم الدينين.
يقول السائل: كيف توفق بين قول الذهبي ﵀ في هرقل وما هو مدون في عقيدة أهل السنة والجماعة بأن الإيمان قول وعمل؟
الجواب
أول ما يجاب به: أن الحالات الفردية الخاصة لا ترد القاعدة العامة، والقاعدة العامة معروفة وأوضحها لكم بمثال: القاعدة العامة في الصلاة، قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، هو أن نصلي قياماً؛ لكن العاجز عن القيام يصلي قاعداً، أو على جنبه، فهذه حالة عارضة، وهكذا في جميع الأمور الشيء العارض فيها غير الأصل.
فالأصل العام هو أن الإيمان قول وعمل، وأن ندعو الناس إلى أن يقولوا ويعتقدوا ويعملوا، لكن قد يأتي حالة عارضة كحالة هرقل هذه، وكأن الإمام الذهبي يقول: خاف هرقل على ذهاب ملكه عندما ثارت عشيرته، فقال: إنما أردت أن أختبر قوة إيمانكم وإلا فإن دينكم هو الحق، والله ﵎ لا يضيع عمل عامل كائناً من كان.
يقول: لعل هذا حصل له إيمان ما، وبهذا الإيمان يمكن أن ينجو من الخلود في النار؛ لأن حديث الجهنميين: ﴿أخرجوا من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان﴾ وهو شيء لا يرى، فيقول: ربما يكون لـ هرقل هذه الذرة التي نحن لا نراها ولا نعدها، فلا يُعد مؤمناً في أحكام الدنيا، والذهبي لم يعتبره مؤمناً أو مسلماً في أحكام الدنيا، وكذلك لم يعتبره ناجياً من النار مطلقاً، إنما تكلم عن الخلود بسبب هذه الحالة.
فهي حالة خاصة كما ظن ﵀ وقد لا تتحقق، ولا تعارض بين هذا وبين الأصل الكلي المعلوم عند أهل السنة والجماعة.
والجواب الآخر: أن الذهبي ﵀ اجتهد، ولا يعول على الرأي والاجتهاد الفردي في مثل هذه المواضع، ولا حرج في ذلك، ومسألة الإيمان أخطأ فيها بعض التابعين، فلا غرابة أن يخطأ في شيء منها إمام أو عالم من المتأخرين.
стр. 2140
القصص وما في نسبتها من أخطاء
السؤال
إن بعض الخطباء ذكر عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الأعراف:٢٠١] إن شاباً في عهد عمر ﵁ فعل الفاحشة ثم مات عند ذكر هذه الآية، فما صحة ذلك؟
الجواب
يبدو لي أن هذه القصة لم يصح وقوعها في عهد عمر ﵁، وهذا لا يمنع أنها قد وقعت في عهد غيره، كما قد وقعت أشياء للعباد وللتوابين، لكن نسبتها إلى عهد النبي ﷺ أو إلى عهد الصحابة يكون فيه الخطأ، وكثيراً ما نجد في حلية الأولياء وفي غيرها من الكتب، نجد كلاماً لا يمكن أن يقع في زمن النبوة، لكن قد يمكن أن يكون هذا فيما بعد والله أعلم.
стр. 2141
ليالي العشاق
السؤال
لقد رأيت العشاق في أحد الليالي بعد نهاية مباراة قدم، حيث خرج بشر لا يحصيهم إلا الله، والأمر المبكي أن بعض الرجال خرجوا ومعهم نساؤهم وسط زحمة الرجال، وبعضهم ترى على مظهره ملامح الصلاة، ولكنهم عشاق من نوع آخر، وهم يُطبِّلون ويرقصون، فما رأيكم في هذا؟
الجواب
ليالي العشق حالة عجيبة جداً لا نستطيع أن نأتي عليها في ليلة ولا في ليالي نسأل الله أن يحفظني وإياكم:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
وأساس العشق هو: خلو القلب من الإيمان بالله، وخلو القلب من الهم الذي يشغله بما ينفعه ويهمه في دنياه أو في أُخراه عن هذه السفاسف والأمور التافهات.
أما هؤلاء العشاق فهم ليسوا بعشاق ولكنهم دياييث، فالاسم الشرعي للرجل الذي يخرج وتتبرج زوجته، ويراها الناس من أجل مباراة أو غيرها هذا اسمه ديوث، والدياثة درجات -نسأل الله أن يحفظ المسلمين منها جميعاً- أسوؤها أن يعلم الفاحشة في أهله ويسكت عنها، فهؤلاء لا يُعدون من أهل الغيرة في شيء، وليسوا من الإيمان في شيء.
أما الإسلام -كما هو معروف- فلا نخرجهم منه، لكن لا يمكن أن يكون إنسان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، وهو يرضى بفاحشة في أهله ويسكت عنها، أو فيمن تحت ولايته نسأل الله العفو والعافية.
أما من يرضى بالتبرج، ويرضى بالنظرة فهذا له من الدياثة بقدر ما يرضى، ويكون فقد الغيرة بقدره وكلٌّ بحسبه.
وبعض الناس وصلت به هذه الدياثة وفقد الغيرة إلى أنه يجمل ابنته بنفسه، ويراها تتزين لتقدم برنامج الأطفال أو برنامج كذا وكذا، وربما افتخر بذلك، فهذا ممسوخ! وليس فيه من الغيرة شيء، فهو يرى الناس يتلذذون بالفتاة المسكينة، وربما لا يدري ولا يعلم.
وبعض الناس يقول: صغيرة، فهذه الآن بنت ثمان سنوات، ثم عشر سنوات ولا زالت صغيرة، ثم ثلاث عشرة سنة وهو يقول: صغيرة، وتبلغ وهي ما زالت في برنامج الأطفال، حتى إذا افتتن بها أحد وسأل بنت من هذه؟ وأين تدرس؟ قالوا: في مدرسة كذا، فيعاكسها، وأكثر المصائب سببها الدياثة، وهو أنه أخرجها أمام الناس، في برامج الأطفال، وكأن الأطفال لا يحتاجون إلا للطبل والرقص واللهو واللعب.
إن أطفال علماء السلف الصالح، وخيار هذه الأمة كانوا شباباً في مثل هذا العمر يقودون الجيوش:
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة يا قرب ذلك سؤدداً من مولد
قاد الجيوش وهو ابن سبع عشرة سنة، واليوم يقال: ما زال طفلاً صغيراً اتركه يلعب، الرجال في مثل هذا السن قادوا الجيوش من عهد ابن قاسم الثقفي إلى محمد الفاتح الذي فتح القسطنطينية وهو في الرابعة والعشرين من عمره، أي: بعمر ضابط تخرج من الكلية، وهذا يقود أمة، ويفتح البلد التي عجز عنها الملوك والخلفاء قبله، وغير هذا كثير في تاريخنا.
стр. 2142
كيفية التخلص من الذنوب
السؤال
إنه واقع في ذنب كلما تاب منه عاد إليه، ويقول: إنه بعد أن يعمل المعصية يندم، ثم يزداد الندم عندما يقوم إلى الصلاة، ويعزم على عدم العودة ولكنه يعود، وعندما يصلي يعاوده الندم ويصمم على عدم العودة، ثم يعود إلى توبة وذنب، فأرشدوني فإن الندم يقطَّع قلبي؟
الجواب
هذا دليل الخير -إن شاء الله- عندما يقف بين يدي الله يستشعر كيف يقف وهو ذلك المذنب، كما قالت هذه المرأة: كيف أقوم في البيت بأقدامي وقد فعلت ما فعلت، وفي الحديث: ﴿ما يزال العبد يذنب فيستغفر، فيذنب فيستغفر، والله يغفر له، ويقول: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب، قد غفرت له﴾ وهذا إن كان صادقاً ونادماً.
أما إن كان نوعاً من الحيل الشيطانية فليتق الله، وليتب من هذا الذنب، ويبدو لي أن هذا الذنب من ذنوب الشهوات؛ لأن ذنوب الشبهات لا تصل إلى هذا الحد، ولكن هذا من ذنوب الشهوات وخاصة من الشباب، والشهوة لها علاج كما أن الشبهة لها علاج.
ومن علاج الشهوة: تذكر عظمة الله، وتذكر عذاب الله ، وتذكر ضرر المعصية والذنب في الدنيا والآخرة -وكما أحلنا مراراً على كتاب الداء والدواء فقد تكلم عن آثار الذنوب وخطرها وضررها على القلب وعلى البدن، وعلى حياة الإنسان، حتى فيما بينه وبين الله.
وبعض العقوبات لا يفطن لها كثير من الناس وهذه من المصائب التي حلت في الذين لم يفقهوا الفقه الرباني الإيماني، أنه يظن أنه ما لم يقم عليه الحد -لا جلد ولا رجم- فلا شيء عليه، والنار لها وقت آخر ويمكن أن يتوب.
وعقوبات الذنوب أعظم، ومنها: أن يسلب الإنسان لذة قراءة القرآن، وكم من الناس لا يُفكِّر في هذه العقوبة! فعلى كل شخص أن يختبر قلبه، لماذا يسمع القرآن ولا يتلذذ لسماعه، ولا يأنس به؟! إذاً أنت معاقب يا مسكين عقوبة عظيمة جداً جداً! ومنها: أن يبغض الصالحين والأخيار ويحب الفجار والأشرار، فإذا كان في مجلس فيه أخيار لم يحب أن يجلس معهم، وهو لا يدري أنه معاقب، فانظر إلى قلبك: لِم ألف قلبك الذي يعملون بعمل أهل النار ونفر من الذين يعملون عمل أهل الجنة؟ مقامك في الآخرة أنت تحدده في هذه الدنيا، فإن كنت تريد طريق الجنة فاسلك، وإن كنت تريد طريق النار فهو واضح: ﴿الحلال بيِّن والحرام بين﴾ فالقلب الذي لا يأنس بأهل الخير ويأنس بأهل الفجور والمعاصي فليعلم صاحبه أنه معاقب.
وقد يُعاقب الإنسان على الذنب بأن لا يتفكر في ملكوت السماوات والأرض، فهو متبلد يرى الليل والنهار ولا يتفكر، يرى النجوم ويرى الكواكب ويرى خلق الله ﵎ في البر والبحر ولا يتذكر، بل ربما غفل عن هذه الأمور.
يقول أهل الفجور: الليلة قمر، فلنخرج لنلعب، فهم في لهو ومعاصٍ بدل التفكر والتدبر، بل وبعض ما خلق الله من الطيور ومن الحيوان أصبحت لهواً، يقولون: تعال! نذهب إلى حديقة الحيوان، لنلهو ونلعب، ولو نظر لها من جانب الإيمان لرأى العجب العجاب في خلق الله، لكن الحس -كما يقول ابن القيم ﵀: الحس بهيمي، حتى لو رأى هذا الطائر الجميل أو الشجرة الجميلة فإنه يفكر بكم القيمة لو باعه، ويسأل هل هذا الطائر يؤكل لحمه أو لا يؤكل؟! وهذا فيه شيء أبعد من أنك تأكله، هذا فيه جمال، والله جعل في الجمال آية: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل:٦] فانظر كيف أن الله جعل هذا الريش، وركب هذه العيون، وجعل هذا المنقار، أشياء عجيبة من خلق الله.
حتى في جانب البحر ترى الألوان العجيبة في الأسماك، وليست القضية قضية حيوان يأكل في الماء ويمشي، لو كانت القضية هكذا لكان أي لون يصلح؛ لكن عشرة ألوان في بعضها طراز خاص، وشكل جميل، فتجد الشخص يُفكِّر كيف يصطادها ويأكلها، فهذا حس بهيمي، لكن الحس الإيماني هو أن تفكر وتقول: سبحان الخلاق الذي أبدع وخلق هذا الشيء!! وأقول: من العقوبات: ألَّا يتفكر الإنسان في ملكوت السماوات والأرض، فهو معاقب بضيق القلب، ولا يوجد عقوبة أسوء من هذه -والعياذ بالله- وهي أن يموت القلب، فهذا ميت القلب؛ لأنه ألف هذا الشيء المحرم، أما إن كنت تغار على حدود الله، وعلى محارم الله، وتتمنى كما قال بعض السلف لما رأى رجلاً يعصي الله، قال: ' وددت لو أن جسدي قُرِّض بالمقاريض وأنه لم يعص الله ' إن كان هذا شعورك فأنت مؤمن.
أما إذا كنت ترى المعاصي والمنكرات ولا يهمك هذا، فهذا هو موت القلب، فحقيقة الإيمان: أن تغار على محارم الله، وعلى دين الله، وأن تنكر المنكر ما استطعت، وأقل شيء هو أن تغضب وأن تحزن.
стр. 2143
شهادات تقديرية للممتنعين عن بيع السجائر
السؤال
وزارة الصحة توزع للمحلات التي تمتنع عن بيع السجائر شهادات تقدير بتوقيع مدير الصحة، فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
هذا شيء طيب، إن كانوا يعملون ذلك لوجه الله، ويا حبذا أن يصحبها قرار بمنع استيراد السجائر، على الأقل يكون هذا أنفع للأمة.
стр. 2144
سوء الظن وأحاديث المجالس
السؤال
بمناسبة الذنوب وخطرها قدمت من خارج هذه البلاد، وكانت فكرتي عنها طيبة جداً، ولكنني عندما أتيت وقعت في وسط مجموعة، لا يجتمع عندها إلا الأخبار السيئة، أي: الزنا والفواحش، وأخذوا يقصون علي، وأنا أدافع عن نفسي، ولكن النتيجة أنني مرضت بسوء الظن، وأصبحت كلما أنظر إلى شخص أظنه كما قالوا لي، وكأنها صدمة لي، خصوصاً أني شاب، فماذا أعمل خصوصاً وقد بلغ بي ذلك المرض أن ألحظ وأكاد أقع في التجسس، وكل ذلك غيرة ونار في قلبي على المسلمين، فأوصني رحمك الله؟
الجواب
أولاً: نوصي الإخوان كلهم بحفظ المجالس، احفظوا المجالس من هذه الأمور، وانصحوا الناس في خطبكم ومواعظكم ألا يتعرضوا لهذه الأمور، وهذا يدخل في قول الله ﵎: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:١٩]، قوله: ﴿تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور:١٥] فمسألة أن فلاناً يزني، وفلانة تزني، هذا الرجل ما مرض إلا من شيء، وحتى الملتزمين عندهم كذا!! وحتى التي تراهن محجبات يفعلن كذا، حتى حتى!! فالرجل هذا قلبه -فعلاً- لو رأى امرأة متحجبة متسترة تطوف بالبيت، يقول: حتى هذه، والذي علمه هو مجالس السوء، خاصة بعض دوائر الموظفين الذين ليس عندهم عمل في كثير من الإدارات -مع الأسف- بيروقراطية، وهذه دخلت علينا في الإدارة، كل اليوم كلام فارغ، كما يعبر عنه العامة: (من السرة وتحت)، كل الكلام فلان وفلان وفلان! وهذا فيه تزيين للشهوات وتحبيب بها، فمجرد أن يُقال: إن الزنا يقع ويقع ويقع من غير دعوة ونصح وإنكار وإرشاد، مجرد ذلك تذكر الناس فيه وتثيرهم لهذا الشيء، وخاصة إذا اقترن بفلان وفلان، والأشخاص والبيت الفلاني، والقرية الفلانية، والحي الفلاني فربما بعض الناس لا يعلم أن هناك مناطق وأحياء، الزنا فيها أسهل من غيرها، فبعضهم يتحدث فيروج لهذه الأماكن، وكذلك الكلام عن مجلات خليعة إن هذا يروج لها عند الآخرين، مجلة اسمها كذا، ومجلة اسمها كذا فتشترى، فما لم يكن الكلام موزوناً وفي محله، ومع من ينكر ويغير فلا داعي لمثل هذه الأمور.
ثانياً: أنصح هذا الأخ وأقول له: لِمَ الغيرة؟ ولماذا التجسس؟ وهلاَّ اشتغلت بعيوبك! والحمد لله رب العالمين.
стр. 2145
آفة الاستعجال
في هذه المادة تحدث الشيخ عن آفة عظيمة وصارف خطير عن العمل، وهذه الآفة هي آفة (الاستعجال)، مبيناً أن الله جل وعلا قد فطر الإنسان على استعجال النتائج؛ لذلك يجب على الدعاة مراعاة حال المدعوين، وعدم استعجال الثمرة قبل أوانها، ثم سرد شيئاً من الآيات التي حكت استعجال الأمم الكافرة بالعذاب تكذيباً للرسل، وذكر استبطاء المؤمنين لنصر الله، مبيناً أنه ينبغي على الدعاة إلى الله أن يعلموا أن هذا من طبيعة البشر، فيجب أن يتحمل بعضهم بعضاً، وأن يعالجوا هذه المشكلة بصبر وسعة صدر، ثم بين أن الجيل المهزوم في داخله لن ينتصر، ولكن عسى أن يكون أرضاً يخرج منها جيل النصر القادم.
стр. 2146
خلق الإنسان من عجل
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد: فنحمد الله الذي وفقنا للإيمان به، والتمسك بكتابه، واتباع سنة نبيه ﷺ ، كما نحمده حيث يسَّر المراكز التي احتضنت الشباب فربتهم وغذتهم، ووسعت مداركهم، وفقهتهم في دينهم، وحفَّظهم من كتاب الله ، ونمّت عقولهم وأجسامهم، فشكر الله تعالى للقائمين عليها، وأجزل مثوبتهم عنده، ووفق جميع الآباء والطلاب للالتحاق بها وبأمثالها إنه سميع مجيب.
ثم إن من الموضوعات المهمة: منهج الدعوة، والأسلوب الصحيح في إنكار المنكر، وفي فقه الدعوة إلى الله وفي طلب العلم، وكل ما من شأنه أن يكون منهجاً مسدداً صائباً وفق منهج رسول الله ﷺ .
من الموضوعات المهمة في فقه الدعوة: ما يتعلق بالاستعجال، فهذا أمر جدير بالبحث والمطارحة والمناقشة من الجميع، وسوف أذكر إن شاء الله ما يسر الله لي ولو بإشارات إلى رءوس الموضوعات.
أول ما نقوله في هذا الشأن: أن الله قال: ﴿خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧]، وقال : ﴿وَكَانَ الْأِنْسَانُ عَجُولاً﴾ [الإسراء:١١] فالإنسان بطبيعته عجول، والنفس الإنسانية بطبيعتها عجلة، وهذا أمر جعله الله فيها لحكمة عظيمة، لا نستطيع الآن أن نستعرضها، ولكن حكمة الله أن يكون في الإنسان هذا الطبع وهذه الصفة وهذه الغريزة.
ولو أن الناس لم يمنحهم الله ﵎ العقل والأناة، لأكلوا الثمار قبل أن تنضج، ولربما أكلوا الطعام قبل أن ينضج، إذ في الإنسان هذا الطبع، فإذا كان في طبع الإنسان باعتباره إنساناً أياً كان مؤمناً أو كافراً أن يستعجل، وخلق من عجل، فهذا يوضع في الاعتبار بالنسبة للإخوة الدعاة وبالنسبة للناس المدعوين.
أما بالنسبة للدعاة فيجب أن يحمل بعضنا بعضاً على المحمل الحسن، وإذا رأينا هذا الاستعجال من أنفسنا أو من إخواننا الدعاة، فلنعلم أن الطبيعة البشرية قد غلبت جانباً آخر، فلنذكِّر أنفسنا به، وهو "الحكمة والأناة"، حتى لا تغلبنا هذه النزعة وهذه العاطفة.
وبالنسبة للمدعوين نحتاج إلى أناة، إننا نريد أن نقول الكلمة اليوم فنرى أثرها عاجلاً الآن أو غداً، نريد أن نقول للناس: هذا حرام، فينتهي الجميع عنه، أو نقول لهم: هذا واجب، فسرعان ما نجدهم قد فعلوه، وامتثلوا أمر الله فيه.
والأمر ليس كذلك أبداً، فلِكَوْنِ الاستعجال من طبيعة البشر، ذكر الله في القرآن بياناً شافياً كافياً له حتى يغير به الأمور والأحوال.
стр. 2147
استعجال العذاب
ومن ذلك ما ذكره الله في آيٍ كثيرة أن الرسل الكرام عندما يدعون أقوامهم إلى الله وتوحيده يخوفونهم من عذاب الله، وينذرونهم عاقبة المعاصي، والظلم، والجور، والفساد، فإن الجواب عند كثير من الأمم هو استعجال العذاب ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].
انظر حلم الله وسنن الله! يستعجلون أن تحل بهم العقوبة، ولهذا جاء الرد عليهم في آيٍ كثيرة، قال الله ﵎: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٤ - ٢٠٧].
سبحان الله! يستعجلون بالعذاب اليوم، لو فكروا كم سيعيشون، أرأيت إن أمهلهم الله وجعلهم يتقلبون في البلاد؟! أهذا يعني أنه لن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر؟! سبحان الله! ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ [الشعراء:٢٠٥] هب أن الأمر كان كذلك ﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:٢٠٦ - ٢٠٧] هنا المحك، وهنا المعيار.
سل من تمتع وتقلب في أنواع الملذات العمر كله، لحظة أخذ الله له أخذ عزيز مقتدر، هل أغنى عنه ذلك المتاع شيئاً؟! ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتاً أَوْ نَهَاراً مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:٥٠]، فإذا أتاه العذاب تذهب تلك النعمة، وتلك اللذات والشهوات، ولهذا في الحديث الصحيح: ﴿أنه يؤتى يوم القيامة بأنعم أهل الأرض من أهل الدنيا، وهو من أهل النار، فيغمس في النار غمسة واحدة، فيقال له: هل رأيت نعيماً قط؟ هل ذقت نعيماً قط؟ فيقول: لا والله، ما ذقت نعيماً قط والعكس، يؤتى بأشد الناس بؤساً في الدنيا من أهل الجنة، فيغمس في الجنة غمسة واحدة، يقال له: هل رأيت بؤساً قط؟ هل مرَّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله! ما ذقت بؤساً قط﴾.
إذاً العبرة بالنتائج، فلماذا نستعجل؟ فالمشركون يستعجلون العذاب في معرض التحدي للرسل، وأن الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- غير صادقين فيما يعدون به من العذاب، والرسل الكرام يحذرونهم ويبينون لهم أن هذا الإمهال ليس إهمالاً، وأن التأخير ليس إغفالاً، ولكن الله يمهلهم، ويملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته؛ ولذلك يضرب المثل بالأمم التي سبقت من قبلنا تنعمت وعصت ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٤]، فلم الاستعجال إذاً؟! ألا ترون ما فعل الله بحضارة عاد؟! وهي من الحضارات المندثرة، التي يحكى عنها الغرائب، كما قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه لما دخل مدينة دمشق ورأى ما فيها من النعمة والترف بالنسبة إلى ما كان يراه في المدينة، [[يا أهل دمشق، ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون؟! إن الأمم قبلكم قد بنوا فشادوا، وجمعوا فأوعوا، وإنه قد بلغنا عن عاد أنهم بنوا لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، فمن منكم يشتري تركة آل عاد بدرهمين؟]] لا أحد، لأنه لا وجود لها، فقد محيت، وذهب بها الله.
والحضارة الفرعونية إلى الآن، لم يصل العلم الحديث إلى كثير مما كانوا يتعاملون به مع التقنية واستخدام العلم، مثل تحنيط الموتى، ومثل تفريغ الهواء.
فإلى الآن يعجب العلم الحديث كيف وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وهم الآن قد ذهبوا، وقد كانوا يستعجلون العذاب! كما أن الكفار في كل زمان ومكان يستعجلون العذاب، ويرون أنه تأخر.
وإذا طال عليهم الأمد وقست قلوبهم ونسوا وعد الله ووعيده، ركنوا إلى الدنيا وإلى الملذات والشهوات، وغفلوا عن كل ما جاء من عند الله ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤] تأتيهم الخيرات -وهذا الواقع الآن- الحضارة الغربية اليوم عندما نقول للناس: إن الغرب سيسقط، إن الغرب ليس بدائم؛ لأنه يعصي الله، ولأن عذاب الله تعالى الذي دمر الحضارات جميعاً سيدمره، يرى بعض المتفرنجين أو المتربين على آرائهم وأفكارهم، أن هذه الحضارة تملك مقومات الأبدية أو شبه الأبدية، نعم فيها مقومات لأن تستمر إلى ما شاء الله، لكن لا بد من يوم يأخذهم الله ﵎ فيه إلا أن يؤمنوا بالله وحده ، وهكذا كل حضارة وكل أمة.
فالكفار يستعجلون العذاب، وهو واقع بهم لا محالة، ويرون ما أعده الله من العذاب بعيداً، سواءً عذاب الدنيا أم عذاب الآخرة، وهو أشد قال تعالى: ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر:٤٦]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٦ - ٧] هذا شأنهم وهذا حالهم.
стр. 2148
استعجال عباد الله المؤمنين
وأما ما يتعلق بالمؤمنين فإن استعجالهم من نوع آخر، وهو استبطاء النصر من الله ، قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]، فهو قريب لكنهم يستعجلون.
﴿ولهذا جاءوا إلى النبي ﷺ وهو متوسد في ظل الكعبة، فقالوا: يا رسول الله! ادع الله على قريش! وشكوا إليه ما وجدوا، فقال ﷺ : والله ليتمن الله هذا الأمر حتى تسير الظعينة أو الراحلة من صنعاء إلى حضرموت، ولكنكم قوم تستعجلون﴾، لا تستعجلوا، وقد أتم الله تعالى هذا الدين.
﴿جاء سراقة بن مالك وقد منَّى نفسه بالمائة ناقة، وتبع رسول الله ﷺ ، وبعد أن حدثت الآية العظيمة، وساخت قوائم فرسه، يقول له رسول الله ﷺ : أبشر بسواري كسرى، يا سراقة أمن أجل الدنيا تأتي﴾.
فوعده رسول الله ﷺ بسواري كسرى، خيال!!! سواري كسرى! من يحلم أن يرى كسرى؟! من كان يطمع من العرب أن يذكر كلمة كسرى؟! وكسرى أين هو؟! شيء فوق الخيال! وهذا الأعرابي يُوعَد به.
وممن يُوعَد به؟!! يوعد به من رجل خرج خائفاً لينجو بنفسه صلوات الله وسلامه عليه، ومعه الصديق، خرجوا خشية أن يقتلهم الذين كفروا أو يثبتوهم، سبحان الله! في هذه الحالة! وهل أمنت على نفسك؟! هذا هو المنطق البشري، منطق الذين يقولون دائماً: الأمر حسابات، واعتبارات وخطط.
أنت الآن تريدني أن أرجع، حتى لا أقبض عليك، وحتى لا أدل قريشاً عليك، وتعدني مع ذلك بسواري كسرى! ولم يقل بعد جيل أو جيلين، انظروا إلى أين يؤدي ضعف الإيمان دائماً والاتكال على الأسباب المادية، وعلى النظرة المادية مهما كان عمق التخطيط، كما يظن، فلله تعالى حكم وسنن أعظم من ذلك كله، وفعلاً: لبس سراقة سواري كسرى.
الله أكبر! وعندما كان ﷺ يحفر الخندق هو وأصحابه، بشرهم أيضاً بفتح كسرى، وإيوانه.
قال المنافقون: هذا محمد وأصحابه يعجز أحدهم أن يقضي حاجته، ويعدهم بقصور كسرى! انظروا ضعف الإيمان، وضعف الثقة بالله، والنفاق!! ومع ذلك حقق الله ذلك، كما تعلمون -والحمد لله- وصدق فيهم قوله ﷺ وبشارته: ﴿إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ﴾.
لا تستعجلوا! الكنوز والحضارات التي تبنى، والمليارات التي يملكها الكفار، والذي نفسي بيده إن صدقنا مع الله لتنفقن في سبيل الله! هذه التي جمعت من حرام، أو ربما جمعها الكفار من أموال المسلمين، لا نستعجل: ﴿والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ﴾، فيكون الأمر عكس ما أملوا، جمعوها ليقاوموا بها الدين والإسلام، فالله يجعلها غنيمة للإسلام والمسلمين.
يستعينون بها على الجهاد في سبيل الله.
لو خرج المسلمون يريدون أن يأكلوها أو يتمتعوا بها ما أُورثوها، ولذلك في هذا الحديث تنبيه للمؤمنين، ﴿لتنفقن كنوزهما في سبيل الله﴾ فإن قاتلنا فلله، وإن غضبنا فلله، وإن دعونا فلله، وإن رضينا فلله، الكل في سبيل الله، لو خرجوا يطلبون الغنائم، والمتاع الدنيوي ما أُعطوا شيئاً، أو لو كانوا عند أول غنيمة، اقتسموها واختصموا فيها، وما الذي وقع في بلاط الشهداء؟ أثقلوا بالغنائم حتى عجزوا عن حملها! وأقول: استعجال المؤمنين أو استبطاؤهم لنصر الله هذا -أيضاً- مما يجب أن يبين بالأدلة وفقه الدعوة الصحيح أنه مخالف لسنة الله ، وإن كان هو حق قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف:١١٠]، نعم يأتي اليأس، ويأتي الشعور بأن الأمر قد فرغ، وأنه لا حيلة بعد ذلك، وربما وقع في القلوب أن النصر قد تأخر ولكن نقول: لا يجوز للإنسان أن يفقد أمله في الله، وأن يستبطئ نصر الله ووعد الله .
стр. 2149
معالجة آفة الاستعجال
على الإخوة الدعاة -وفقنا الله وإياهم- أن يعالجوا هذا الأمر مع الأحداث النازلة هذه، وفي كل حدث وفي كل موقف، ومع كل إنسان يدعوه، وأن يعالجوا هذه الغريزة وهذه العاطفة بعدم الاستعجال في أي شيء في تكوينك الشخصي والعلمي وغيره.
بعض الإخوان يقول: أريد أن أحفظ القرآن كله، وأن أكون في العلم إلى حد كذا وكذا، يستعجل ليصل إلى مستوى معين من العلم، فإذا لم يتسن له ذلك -ولن يتسنى طبعاً إلا وفق سنة ربانية معينة- ما جعله الله فيه من مواهب ومن طاقات، وما أعطاه من وقت وإمكانيات، فإذا لم يأته لِمَا أراد واستعجل، فربما قنط، وربما ترك ذلك ولم يكمله ففي معالجتك لأي حدث من الأحداث لا تستعجل! لِمَ الاستعجال، قبل أن ترى الحدث كله وأبعاده وما وراءه، قبل أن تلقى أو تسأل من هو أعرف منك، وأبصر منك بهذا الأمر؟! لا تستعجل في الحكم، ولا تتسرع.
هناك خصلتان يحبهما الله كما ذكر النبي ﷺ في حديث أشج عبد القيس الحلم والأناة، فقال: ﴿إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة﴾، الأناة: الروية، لا يندم الإنسان عليها أبداً، فإذا دعوت إلى الله فكن حليماً ولا تستعجل.
رُبَّ مجرم ينقلب خيراً للدعوة -وهذا ما وقع والله- وينقلب سيفاً بتاراً على أعداء الله ، وعلى دعاة الشر والفساد، لكن بعد صبر من الدعاة عليه، حتى يفقه الحق، وحتى يستجيب له، وحتى يعرف أنه لم يُدع إلا إلى خير الدنيا والآخرة، فلا بد من الأناة.
أما الاستعجال في القرارات الفردية الشخصية، بأن يستعجل الإنسان في قرار ما، ثم يندم عليه، وكذلك الاستعجال في قرارات الدعوة، فيريد أن يرى الإجابة فوراً، ويريد الاستقامة حالاً، أو الاستعجال في سنن الله التي لم تتغير أبداً.
لقد وعد الله المؤمنين بالنصر ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] لكن الإنسان يقول: لماذا لم يأتٍ النصر؟!! يريده الآن! فهذا الاستعجال آفة يبتلى بها الناس ولا ينبغي للدعاة بالذات، ولكل من يقرأ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن يقع فيها، وإنما الواجب من الجميع أن يتأملوا سنن الله في تغيير الأنفس وفي تغيير المجتمعات.
إننا نحن اليوم والأمة الإسلامية تواجه أعداءها من الشرق والغرب أنستعجل النصر، ونستعجل ما عند الله، وما وعد الله به المؤمنين، ونستعجل كيف نعمل وماذا نعمل؟! مع أن الواجب أن نأخذ الأمور بحكمة وبهدوء وبروية، ونقرأ التاريخ، فنأخذ منه العبرة والعظة، كيف غيَّر الله الأحوال؟! عندما كانت حملات التتار، أو الحروب الصليبية، أو ما كان قبلها من المعارك أو ما بعدها، لقد جعل الله سنناً للتغيير، وقد ألمحت إلى هذا في محاضرة عن الحروب الصليبية.
стр. 2150
انبثاق النصر من جيل الهزيمة
مما رأيته من سنن الله تعالى أن جيل الهزيمة لا ينتصر هو لكن ينبثق النصر منه.
فهو أول من يشعر بمرارة الهزيمة ومرارة الذل، وهذه من نعم الله.
وربما صحت الأجساد بالعلل
فتأتي مصيبة، وتأتي نكبة، وتأتي مشكلة، فيبدأ الشعور بالتقصير، والشعور بوجوب الأخذ بما أمر الله ، فتبدأ الانطلاقة من هنا، ولكي يكون النصر نهائياً يحتاج إلى أمد بعيد وإلى زمن طويل، لا نحدده ولا نقيده بسنوات معينة، لكن هو على أية حال يحتاج إلى صبر وإلى أناة.
ومن هنا كان الواجب أنه في كل حدث، وفي كل مرحلة، وفي كل وقت، ألاَّ ننسى دائماً القواعد الأساسية التي عليها يبنى أي عمل مهما كان.
ومن أعظم القواعد في ذلك، أن توحيد الله هو الأساس الذي يكون منه الانطلاق في الدعوة، والجهاد، وأن التوبة، والإنابة، والضراعة، والاستغفار، وترك الذنوب والمعاصي، والإقلاع عما حرم الله ومحاسبة النفس، كل هذا لا بد أن نستصحبه في كل حال.
إذا اراد الفرد في ذاته أن يطلب العلم، فالاستعجال بالتوحيد أول واجب.
إذا أراد أن يجاهد فالتوحيد أول واجب.
إذا أراد أن يدعو فالتوحيد أول واجب.
إذا أراد أي أمر من أمور دنياه فأول شيء لا بد أن يبدأ بالتوحيد، ثم بعده يأخذ بسنن الله في التغيير، ولله تعالى سنن في ذلك.
فالجيل الأول جيل الهزيمة أو جيل السقوط لا يفعل شيئاً، ولهذا رأينا الهزيمة المدمرة التي مرت بالعالم الإسلامي، كما حدث عام (٦٧) الأيام الستة وما تسمى نكبة وهزيمة ونكسة، إلى آخر ما قيل، فابتداءً منها ولدت الصحوة الإسلامية والعودة إلى الله.
انهارت النظم القومية والاشتراكية، والدعاوى الباطلة، الوافدة المستوردة، وبدأ الناس يفيقون، ويفكرون بالعودة إلى الله.
ولننظر كم نحتاج؟ فإلى الآن لم نصل إلى حد أن نكون أهلاً للنصر؛ لأن المسألة تحتاج إلى طول وقت، ولذلك لما أُخذت القدس في الحروب الصليبية الأولى، وقبل أن يأخذوا القدس أخذوا مناطق أنطاكية، وأجزاء الشام العليا.
ومرت سنوات حتى ظهر نور الدين، ثم جاء بعد نور الدين، صلاح الدين.
ثم كانت حطين في النهاية، ثم بعد حطين كان دخول بيت المقدس.
إنها سنن وإعداد مادي، وإعداد علمي، وإعداد أدبي، فعند قدوم الصليبيين كانت هناك مدرسة واحدة في دمشق تعادل كلية كما نسميها اليوم، ودمشق عاصمة الشام، ولم يكن فيها إلا مدرسة واحدة للعلم وللحديث.
فلما كانت أيام صلاح الدين، كانت المدارس تقارب مائة مدرسة، فلماذا نغفل عن هذا الجانب؟! ننظر دائماً أن صلاح الدين جمع الجيوش وانتصر، هذا حق وهذا جانب لا يمكن أن يغفل، لكن هل يمكن أن يكون هذا النصر وهذا الجيش لولا أن هناك أمراً آخر حدث في الأمة؟! لقد حدث تغيير أساسي في الأمة، وهو رجوعها إلى العلم وإلى طلب العلم، وإلى الدعوة وإلى الخير.
وهؤلاء العلماء وهؤلاء الدعاة هم الذين حرَّكوا الأمة، فهم العصب الذي يحرك هذه الأمة ويجمعها، ويوحدها على الخير بإذن الله ، وقد كان ابن قدامة ﵀ صاحب المغني في ميمنة صلاح الدين فاجتمع العلماء على الكتاب والسنة، واجتمع حولهم طلبة العلم على ما اجتمعوا عليه من الحق، فاجتمعت القيادة المؤمنة، مع الدعاة الصادقين، مع طلبة العلم، فكان النصر بإذن الله .
وهذا الذي يجب أن نفكر فيه دائماً، وأن نسعى إليه دائماً، وألاَّ نتيح لأنفسنا ولعواطفنا مجالاً للاستعجال، وقطف الثمرة قبل أن تنضج، مهما كان الأمر، ومهما كانت رغبتنا في تحقيقها وفي قطفها، فهذه سنن ربانية، ولا بد أن تتحقق بالنسبة للفرد وبالنسبة للمجتمع، وكل العالم يدرك هذه السنن نوعاً من الإدراك.
فعندما بدأت اليابان تخطو خطواتها في ملاحقة الغرب، بدأت -وهي تدرك هذا الشيء- وصبرت على الابتعاث وعلى التبعية للغرب، حتى أصبحت منافساً له.
بدأت كوريا من نفس النقطة، وبدأت غيرها من الدول، وهي دول لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر، لكن أدركت السنن، وأنه لابد من إعداد خطة أو منهج، ثم الصبر عليه حتى يؤتي ثماره، دون استعجال تكون فيه النهاية، وتكون فيه الانتكاسة والبدء من جديد.
أقول: إن الاستعجال يحتاج إلى حديث طويل، فنحتاج إلى أن نتحدث عن الاستعجال في أمورنا الخاصة، كالاستعجال في الزواج أحياناً، والاستعجال في قرار دخول الكلية، الاستعجال في قرار يتعلق بحياتك الشخصية، أو بإقامتك لمشروع ما، أو بأي عمل من الأعمال، لكن هذا مجاله طويل.
وقد حاولت أن أركز الحديث في القضية الأساسية التي يجب أن تكون دائماً محور حديثنا وموضوعنا.
стр. 2151
الأسئلة
стр. 2152
المواطن المحمودة للاستعجال
السؤال
هل توجد مَوَاطن محمودة للاستعجال؟
الجواب
الاستعجال الذي تكلمنا عنه، غير المبادرة إلى اتخاذ العمل الصائب والقرار الصائب في وقته المناسب، فلا يفهم أننا كنا نتكلم عن ذلك، فمثلاً من أكثر الناس حلماً الأحنف بن قيس ﵁، كان مشهوراً بالحلم في الجاهلية والإسلام، حتى ذكر في سيرته أنه كان يوماً محتبياً، فجيء له بابنه وقد قتله ابن أخيه، فلم يفك حبوته.
وقال يا بني، قتلت أخوك! ثم قال: اذهبوا إلى أم فلان، فإن رضيت، وإلا فأعطوها الدية، ولم يحل حبوته.
وقيل له: نراك حليماً! قال: "نعم إلا في ثلاث": وهذه الأشياء لا بد فيها من المبادرة وغيرها كثير، لكن هذه يذكرها على سبيل المثال: - الضيف إذا قدم: فهل تقعد وتتكئ والرجل واقف عند الباب؟! هذا ليس بحلم! ولاتقل: هذا من الاستعجال، بل قم وانهض، ورحب.
- وعند الجنازة: وهذه هي السنة، الاستعجال في الدفن، وألاَّ تتأخر.
- والبنت إذا أدركت: البنت إذا أدركت تُزوج، وهذه مفقودة الآن، إذا جاءها الخطيب، قال وليها: لا، حتى تكمل الكلية، بينما هي أدركت في المتوسطة.
وهذا في التعامل الشخصي، وكل إنسان منا يمكن أن تحصل له مثل هذه الأمور.
فالحلم والأناة لهما موضعهما، وأما المبادرة فأحياناً يحتاج الأمر إلى مبادرة، ويحتاج إلى عجلة لئلا يفوت؛ لأن هناك أموراً حاسمة، لو فاتت وذهب وقتها، لم تعد تجدي شيئاً.
ومن ذلك: أمور مجابهة أعداء الله تعالى في الحرب، وقد ضرب النبي ﷺ وأصحابه أروع المثل في ذلك.
والنبي ﷺ جاء في يوم بدر، ونزل إلى الماء، وجعل الماء من ورائه، وسبق قريشاً إليه.
وهناك أمور وخطط، فيجب أن نواجه أعداء الله ونبادر إلى ذلك، ونحث الهمة ونرفعها، ونجتهد في أن نحقق أكبر قدر، وأكبر نصيب من الخير قبل أن يسبقنا عليه الآخرون، فلا تعارض بين هذا وهذا، بل الحكمة المطلوبة دائماً أن تكون الأناة في موضعها، وأن يكون الاستعجال في موضعه.
ولكن لما كان الاستعجال من حيث هو طبع غالب، فهو الذي يحتاج الحديث عنه لتقف النفوس عند مواقف معينة، فلا تغلبها هذه الطبيعة وهذا الدافع، فتنسى ما ينبغي أن تكون عليه، إذ الأصل أن يكون الإنسان حليماً، وكما نرى أي إنسان منا يذهب إلى آخر، ويراه يتعامل مع قضية بهدوء وبأناة، ثم ينتجها ويحكمها، يُسَرُّ منه، أكثر مما لو رآى أحداً استعجل ثم لم تثمر عجلته شيئاًًً.
стр. 2153
سبل معالجة الاستعجال
السؤال
ما هي السبل أو الأسس التي يستطيع بها الإنسان أن يعالج الاستعجال؟
الجواب
هذا يحتاج إلى التربية والتكوين، فالفرد منا -وكذلك الأمة- يحتاج إلى تربية، وإلى تكوين يستطيع به أن يميز بين مواضع العجلة ومواضع الأناة ومواضع المبادرة، بحيث يستطيع أن يضع الشيء في موضعه، فلذلك لا بد من هذا التكوين للفرد، ولا بد منه للأمة.
ومن ذلك أن ندرس ونقرأ ونتأمل سيرة النبي ﷺ وحياة الأنبياء وجهادهم -صلوات الله وسلامه عليهم- وجهاد الصحابة والتابعين وصبرهم، وسير العلماء.
فالإنسان منا عندما يقرأ في صفة الصفوة، أو طبقات ابن سعد، ويرى هذه السير، يجد العجب العجاب، ويجد أمثلة حية.
أولئك الرجال الذين وهبهم الله هذه القلوب الكبيرة، وهذه النفوس العالية، وهذه الهمم العظيمة، مع الأناة والهدوء وعدم الاستعجال، حققوا ما لم تحققه أجيال ولا أعمار! فلو أعطي أمثالنا أو من المتأخرين أضعاف أعمار أولئك، ما حققوا مثلما حققوا، فسبحان الله العظيم! كيف كان هؤلاء الناس؟! أقول: هذه النماذج مما يكوّن لدينا ذلك التكوين والتربية عليه، وكما قال ﷺ : ﴿إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الصبر بالتصبر﴾.
كل إنسان يحاول أن يطبع نفسه، إذا كان يعرف أنه عجل -وكل إنسان عجول- ولكن بعض الناس يعرف أن عجلته زائدة عن القدر اللازم، فإنما الحلم بالتحلم، فيعود نفسه أن يكون حليماً، ويصبر نفسه أن يتحمل، وإن كان الموقف لا يطاق، وإن كان لا يستطيع أن يتحمل، لكنه يُعود نفسه على ذلك، وقد يكون الإنسان حليماً عن صفة طبعه الله عليها، وقد يكون حليماً عن صفة هو تخلق بها وتعودها، حتى صارت صفة فيه.
ومن أعطاه الله الحلم والأناة من عنده فتلك سجية عظيمة، ومنة كبيرة، لكن لا يعني ذلك أن من لم يؤتها لا يصبر نفسه حتى يكون ممن يتحلى بها، بل يجتهد الإنسان في ذلك، والله تعالى سيوفقه، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، فمجاهدة النفس في الله ، لتكون مستقيمة على أمر الله هذه عبادة، وتأذن الله لمن فعلها، واتخذ هذا السبب أن يحقق له النتيجة بإذن الله.
стр. 2154
المبادرة مع الخشية من الوقوع في الزلات
السؤال
أحياناً تكون المبادرة في بعض الأعمال مما يحقق مكاسب للدعوة إلى الله ، ولكن الإنسان يخشى أحياناً أن يبادر فيقع في بعض الزلات أو الأخطاء، كأن مثلاً يُدعى إلى جهاد أو إلى عمل في منطقة ما، فيخشى إذا تأخر أن تفوته فرصة العمل لهذا الدين ونشر منهجه الصحيح، وإذا بادر فإنه أيضاً يخشى أن يقع في زلات أو أخطاء، فكيف الحل في مثل هذا؟
الجواب
الحل سهل والحمد لله، فنحن لا نعني بالمبادرة أن يتخذ قراراً اللحظة أو الآن، كما لا نعني بالأناة أن يؤجل الأمر سنة، فهو يستطيع في أيام أو في أسابيع أن يستشير وأن يفكر وأن يخطط، ثم يمشي على بينة.
كثير من الشباب الذين يدفعهم الاستعجال في مواقف معينة، كإنكار منكر قد يؤدي إلى منكر أعظم منه، وفي أمور قد يظن أن فيها خيراً للدعوة وتكون شراً، فالمراد هو الاستعجال الآني: أن تكون الفكرة وليدة اللحظة.
أما إذا كان هناك أمر أنت مهيأ له، ثم جاءتك فرصته، فقمت، فليس هذا من باب الاستعجال، بل هذا الذي نسميه (المبادرة).
مثلاً: هناك إنسان مقبل على الله، وأنت تريد أن تهديه وأن تدعوه، ولكنك تتمهل، وتقول: حتى تأتي فرصة مناسبة! يقول أحدهم: اليوم أريد أن أعتمر، فلا تقل: دعها إلى الأسبوع الآتي ونفكر، وننظر، أو نكون مع بعض، فهذه مشكلة.
لكن إذا كان القرار موجوداً والمبادرة هذا وقتها، فانطلق أنت وإياه في أقرب وقت ممكن.
وشخص آخر يريد أن يتوب، وقال: أنا عندي بنك ربوي، وأفكر أن أتخلص منه، فلا تقل: انتظر حتى نعمل لك دراسة، ونعطي لك خبراً بعد شهرين! هذا لا ينبغي يصلح، بل نقول: ابدأ واستغفر الله، واعمل كذا، والآن آتيك وأتصل ببعض العلماء، لتعرف ماذا تعمل، وكيف، هذه هي المبادرة.
فالمبادرة تكون في الشيء الواضح، أما الشيء الذي يحتاج إلى روية، فلا بد من الروية والتفكير والاستشارة، لكن كم مدة الاستشارة؟! أيضاً قد جعل الله لكل شيء قدراً، بالمعروف والحكمة، فتكون فترة محددة، ثم بعد ذلك يكون القرار الصائب بإذن الله.
стр. 2155
الفرق بين الحكمة والتساهل في الدعوة إلى الله
السؤال
قد يختلط على الإنسان أحياناً التفريق بين الحكمة والتساهل في الدعوة إلى الله، فربما يتخذ مسألة الحكمة وعدم الاستعجال سبيلاً إلى التهاون والتساهل، فهل من توضيح لهذا؟
الجواب
هذه مع الأسف حقيقةً! وأصبح ذلك ذريعة للتهاون، فإذا نصحت إنساناً، فإنه يقول: يا أخي! الدعوة تكون بالحكمة.
بعض الذين يقولون هذا الكلام، لا نراه يدعو أبداً، فإذا وجد داعية يدعو، قال: لا بد من الحكمة، إلى متى الحكمة؟! وما معنى الحكمة؟! ثم هو لا يقول الحق، ولا يأمر بالحق ولا يظهره، فإذا تكلم إنسان، وقال كلمة الحق، قال: يا أخي! لا بد أن يكون بالحكمة! وهذا مما يعانيه الشباب ويعانيه الدعاة، أن هناك من يعكس الأمر.
الحكمة لا يجوز أن تكون سلاحاً في وجه من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله؛ لأن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دائماً معارضة لرغبات الناس ولشهواتهم؛ فالجنة حفت بالمكاره، وأما النار فحفت بالشهوات، فالإنسان إذا دعا إلى الله، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، فلابد أن يصادم رغبات الناس، فالناس يريدون أن يناموا إلى ما شاءوا، لا يريدون القيام لصلاة الفجر، فإذا قلت له: يا أخي! جزاك الله خيراً، قم صلِّ الفجر، جاءك شخص، وقال: يا أخي بالحكمة، فهل قصده ألا تكلمه البتة؟! وإذا نصحت إنساناً -زوجته متبرجة- بالأسلوب الحسن، وهو عكس رغبتها؛ لأنها تريد أن تخرج، تريد أن تذهب إلى السوق، لا نتوقع أن الأسلوب ما دام حسناً وما دام حكيماً أن الزوج يقول: جزاك الله خيراً، والمرأة تتحجب! بل ربما ينكرون ويصيحون! ويأتيك أحدهم يعاتبك، وما سمع بالقصة، ويقول: يا أخي، لو دعوت بالحكمة! وأي منكر أنكرته، أو كلمة حق أظهرتها وقلتها، فإنهم يأتونك ويقولون: لو كانت بالحكمة! لكن ما هي الحكمة؟ الإنسان قد يستنفد كل أسباب الحكمة، ومع ذلك لا يُقبل، ويكون مخالفاً لرغبات الناس، فالناس دائماً تريد المدح، وتحب الثناء، قال تعالى: ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران:١٨٨].
فإذا قلت له: أنت على خير، وأنت طيب، سُر من ذلك وهو يعرف أن هذا غير صحيح.
لكن لو قلت: يا أخي! أنت وأنت، ومدحته، ثم قلت له: هناك أمر أريد أن أنبهك عليه، وأتيته بأسلوب كأنك تحدثه عن شخص غيره وقال: يا شيخ لو كلمته بحكمة! وهذه مشكلة! فيجب علينا نحن أن نضبط عواطفنا ونفسياتنا، ولا نترك الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر ولا كلمة الحق، وأي شيء نرى فعلاً أنه بحكمة، نجتهد في ذلك، ونتوكل على الله، وعليه التكلان دائماً قبل العمل وبعده، فنتوكل عليه ونجتهد في الحكمة.
فإذا جاء إنسان وقال: هذا خلاف الحكمة.
نقول له: بَصِّرْنا كيف نعمل! فإن كان عنده بصيرة، أو رأي جزاه الله خيراً، وإن كان كما نلاحظ هذه الأيام، يريدون ألا نقول ولا نعمل ولا ندعو؛ باسم الحكمة! فهذه ليست حكمة، بل هذا خذلان وتثبيط، وترك لما أوجب الله ، ولا يجوز أن نقر الناس على هذا.
حقاً إن الحكمة أصبحت سلاحاً يشهر به في وجه من يدعو إلى الله، ويقول كلمة الحق، وإن كانت بأحكم ما يمكن أن تكون من الحكمة، والله المستعان! والنفوس لا تقبل الحق، وهكذا جبلت، وهكذا طبعت، لكن لا بد من الصبر عليها، ولله عاقبة الأمور.
стр. 2156
الاستعجال في تطبيق الفتوى مما يسبب الإرباك
السؤال
بعض الإخوة يقرأ فتوى أو حديثاً، فيتعجل ويعمل بها، وربما يلزم الناس بها، مما يسبب إرباكاً له ولغيره، فما نصيحتكم لمثل هذا؟
الجواب
نعم هذا من الاستعجال، أن الإنسان يقرأ شيئاً من العلم أو من كلام النبي ﷺ أو من كتاب الله، أو من كلام أهل العلم، فيستعجل في فهمه، ويستعجل أيضاً في تطبيقه وفي العمل به، فلا يتأنى ليتبين له ما معناه، وما ملحظه.
النصوص قد تعب فيها العلماء الجهابذة الكبار، في تخريجها، وفي بيان ألفاظها ومعانيها، وفي تنزيلها على مواقعها.
العلماء يقولون: لا بد من تحقيق المناط، ومن تنقيح المناط، ومن تخريج المناط، في أي نص من النصوص، لكننا الآن نقرأ النص رأساً، ولا شك أن من الخير والفضل أن يبادر الإنسان بالعمل، لكن لا بد أن تفهمه وتفهم موضعه، وأين دلالته، وما مقتضى دلالته، فكونك تستعجل وتنفذ فوراً، هو لا شك مطلوب، لكن بعد أن تفهم ما المقصود منه، وماذا يراد به، ولهذا يقول تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣].
علينا أن نسأل وأن نتبين ما المقصود بهذه الآية وهذا الحديث وهذا النص، فيما يشكل علينا معناه؟ وليس هذا في أمور عباداتنا بالذات، فالأمور واضحة ومدروسة، ولكن أقول أيضاً: إن هناك أموراً خاصة في الوقائع والنوازل لا بد أن نتأنى فيها، وأن نسأل العلماء، وأن نأخذ كلامهم، وأن نستفهم ماذا أردت بهذا الدليل؟ ماذا أردت بهذه العبارة؟ ثم بعد ذلك يكون عملنا على بصيرة، والإنسان لا بأس أن يسأل عالماً أو عالمين، ويسأل من يطمئن إلى من يتحقق فيه أمران، وهما: معرفة الدليل الشرعي من جهة، ومعرفة الواقع المسئول عنه من جهة أخرى.
فإذا سألتُ إنساناً عن طبيعة عملي، -فمثلاً- أنا أعمل في بنك، فعليّ أن اسأل يعرف طبيعة البنوك، بالإضافة إلى أنه يعرف أحكام الربا، فلا بد من الشرط الثاني، كما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ، عندما سئل عن قتال التتار، قال: إن الأمر يتعلق بأمرين: الأول: معرفة حالهم، والآخر: معرفة حكم الله في مثلهم، فننزل الحكم على محله، فيكون الحكم صحيحاً.
стр. 2157
حال من يشكو من صراع نفسي
السؤال
يقول السائل: إن هناك صراعاً نفسياً يصاحبه -وعبَّر أنه يصاحب كل ملتزم بهذا الدين- فهل هذا الصراع من الابتلاء الذي ابتلاه الله به؟ ويقول: إنه ساءت نفسيته بشكل شديد جداً، حتى أصبح يطلب النصر من الله ، لشدة ما يعانيه هذا المبتلى، فبماذا تنصحون هذا الأخ؟
الجواب
ليس كل تائب، وكل مقبل، وكل منيب إلى الله، يعاني من ذلك، ولكن عموماً كل من دعا إلى الله أو أقبل على الله وتاب، لا بد أن يجد ما يشق على النفس، أو ما يجهدها، من داخل النفس أو خارجها، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:٣١]، وللنفس دائماً ثلاث حالات لا تخلو عنها: إما النفس الأمارة بالسوء، أو النفس اللوامة، أو النفس المطمئنة، فالأمارة بالسوء -وهذه عند أكثر الناس إلا من رحم الله- دائماً أنفسهم تأمرهم بالسوء.
والمؤمن نفسه لوامة، تأمره بالسوء أول الأمر فيفعله، ثم تلومه عليه: لماذا ذهبت إلى السوق من غير غرض شرعي؟ لماذا نظرت النظرة المحرمة؟ لماذا قلت الكلمة الآثمة؟ فتلومه -كما فسرها السلف - على ما فرط وما بدر منه.
الثالثة هي: النفس المطمئنة وهذه هي الدرجة العالية.
والنفوس المطمئنة: هي التي يصبح الخير والحق هو همها، وهو ديدنها وهو حياتها، وهذه من نعم الله إذا منَّ الله تعالى على الإنسان، بأن تصبح نفسه مطمئنة.
فالأخ المهتدي والمستقيم في مرحلة النفس اللوامة، يجد ربما ما يسميه بعض الإخوة الصراع النفسي، وأنه متردد، تأتيه دوافع للقنوط، ودوافع للرجاء والأمل، الخوف والرجاء دائماً يتصارعان في نفسه.
ويأتيه حب الخير والإقدام عليه من جهة، ومثبطات ومخذلات من جهة تكبله.
يريد أن يحفظ القرآن وأن يتعلم العلم، ولكن يأتيه ما يعيقه.
فتجده يعاني ما يعاني من الصراع.
فالأب والأم والأهل والزوجة، والأقارب والزملاء في العمل يريدهم أن يهتدوا، هذا من جهة، ومن جهة قد لا يمتلك أسباباً تعينه في الدعوة، فيعاني هذا الصراع.
وكل إنسان يعانيه، لكن علينا أن نأخذ بالأسباب وبما أمر الله ونجتهد، ونصبر حتى نستكمل ما أراد الله ، فإن لم يصل الإنسان إلى مرحلة النفس المطمئنة، فعلى الأقل يلقى الله، وهو يجاهد نفسه لكي تكون مطمئنة.
وما ذكره الأخ من الضراعة في الدعاء لطلب النصر، هذه نعمة، فشعورك بأن الله ابتلاك بهذه البلوى، وتضرُّعك ولجوءك إليه نعمة، كما قال ابن القيم ﵀: 'إن الإنسان يلجأ إلى الله ويتضرع إليه، فيجد من حلاوة مناجاة الله ومن لذة الدعاء، والتذلل، والتضرع إلى الله، والانكسار بين يديه، نعمة تنسيه النقمة التي يدعو الله أن تزول عنه، أو تنسيه النعمة التي يطلبها من المنعم'.
التضرع والدعاء نعمة، والذكر نعمة، ولهذا قال شَيْخ الإِسْلامِ: 'إنه ليأتي عليَّ أحوال، فأقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي نعيم' ويشعر الإنسان أنه مع الله، وأن عمله مع الله، وأنه مستمسك بحبل الله وبالعروة الوثقى من عند الله، ويصل إليها الإنسان المؤمن بإذن الله بمثل هذه الحالات، بمرض، وبمحن، وبالآلام.
وكل رسول، وكل داعية يبتلى ويمتحن ويفتن ويُؤْذى، فيجد مثل هذه النعمة في طريقه إلى الله .
стр. 2158
حال الشباب المذبذبين
السؤال
بعض الشباب هداهم الله تتذبذب آراؤهم في كل حين، فتراه في الليل له رأي، وفي النهار له رأي، وينتقلون أحياناً من النقيض إلى النقيض الآخر، فما نصيحتكم لهؤلاء الشباب؟
الجواب
هذه علامة من علامات الاستعجال: عدم الانضباط، التذبذب، وهو مرض في بعض الناس حتى إنه في قراراته الشخصية اليومية يتعب، وبعض الناس يمهد لنفسه أن يصاب بهذا المرض، وذلك لأنه لا يحسن الأمر، ولا يأخذه من أبوابه، بل عجلته في اتخاذ قرار معين هي التي تجعله يندم، ثم تجعله يستعجل في القرار المضاد، ثم يستعجل بضده وهكذا.
من أعظم صفات المؤمنين الاطمئنان والسكينة، ولذلك فإن الله لما امتن على النبي ﷺ وأنزل عليه سورة الفتح قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:٤].
وقد كانت النفوس جياشة، كيف يكون هذا الصلح؟! أنرضى بالدنية في ديننا؟! وكانت القلوب تغلي من الحدث، فلما أنزل الله السكينة في قلوبهم، واطمأنوا وتأملوا، وأيقنوا أن ما وعد الله هو الخير، وأن ما فعله النبي ﷺ هو الخير.
ثم ثبت ذلك في العام الذي بعده، فما بعده، وإذا به فعلاً يكون الخير ويكون الفتح المبين كما قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ [الفتح:١]، فهذا فضل عظيم، وفرح النبي ﷺ جداً لما نزلت عليه هذه السورة.
الطمأنينة والسكينة من صفات النفوس المؤمنة، ويجب أن نسعى إلى أن تكون نفوسنا إن شاء الله كذلك، فنطمئن دائماً بذكر الله ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
تطمئن أيضاً القلوب وتسكن بالتفكر في وعد الله، وفي أنَّ الله ، وإن أملى وإن أمهل فإنه لا يهمل أبداً، وأن الله لن يخلف وعده، وأن نصره متحقق، وأن عافيته ستأتي وإن كنا في حال البلاء، وأن نصره سيأتي وإن كنا في حال الهزيمة، وأن عزه سيأتي وإن كنا في حالة ضعف، وهذا مما يطمئن الإنسان به نفسه، ويجتهد في ذلك حتى يأتي الفرج بإذن الله .
أما أن تكون صفة الشباب هي التذبذب، فهذا دليل على أنه ليس لديه ثبات علمي، ولا ثبات في الرأي، ولا استشارة ممن يملكون الرأي، وأحياناً قد يشار عليه ولكنه لا يفعل، ولا يريد أن يفعل، فينقلب ويتخبط، وهذه آفة نسأل الله ﵎ أن يرفعها عن الشباب وأن يبعدها عنهم.
стр. 2159
الكلام حول التنظيم الأصولي والإرهاب
السؤال
في جريدة الحياة كتب أحدهم موضوعاً عن فشل التنظيم الأصولي -كما يسميه- ثم بعد أن تكلم عن هذا قال: إنه سيتكلم في عدد لاحق عن كيفية مواجهة الإرهاب، يقول السائل: من المقصودون بهذا؟
الجواب
الأصوليون أنتم وأنتم المقصودون، كان الغرب يتكلم عن الأصولية الإيرانية كما تسمى أيام الخميني، ثم عرفها وعرف حقيقتها، وعرف ما قدمت له من رصيد لمحاربة الإسلام من أفعالها ومن تصرفاتها.
والآن إذاعة لندن تسمعونها قبل أحداث الخليج ومن سنوات تتكلم بذلك، وكذلك مونتكارلو، وصوت أمريكا.
الكلمة البديلة، والتي يخشون من ظلالها، والأصولية الحقيقية التي يخافونها هي ما يسمونها بـ الوهابية.
يقولون: الجهاد الإسلامي في أفغانستان نوعان، التنظيمات الوهابية، وهذه التي لا تقبل مساومة.
وأما التنظيمات الأخرى فهي التنظيمات المعتدلة، بمعنى أنها تقبل الحكم الديمقراطي والنيابي، وهذا هو المعتدل عندهم.
الأصولي: من يرجع إلى الأصول، أي: إلى قال الله وقال رسول الله ﷺ ، وهم لا يريدون إلا المعتدل في نظرهم، والوسط على مزاجهم، أما الذي يريد الحق كما أمر الله، وكما أنزل الله، فلتأته التهم، ومنها أنه أصولي، ويربطون بين الإرهاب والأصولية.
باول شميدس في كتابه الإسلام قوة الغد العالمية، يقول عبارة خطيرة جداً لكنها حقيقة، يقول: 'إنه قد تبين من التاريخ أو من استقرائه أنه أينما وجدت الحركة الوهابية، فإنه يوجد معها مقاومة الغرب ومقاومة الاستعمار'.
لأن منهجهم قال الله، قال الرسول ﷺ ومنهج الغرب وحضارة الغرب وإلحاده وكفره شيء آخر، فلا يجتمعان، وقد وجدوها هم في جزيرة العرب وهي منبع ومهبط الدعوة.
في الهند عندما كان عباد الأبقار قد استسلموا للإنجليز حتى كان الإنجليزي -خاصة من أهل اسكتلندا - من شحه لا يركب قطاراً ولا يركب حماراً بل يركب على ظهر الهندي، ويمشي به مسافة بعيدة.
وأما المسلمون فكثير منهم من تخاذل وركن إلى الدنيا، ومن جاهد وقاوم الاستعمار الإنجليزي وجدوا أنه متأثر بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، أو على منهجه.
وجدوهم في نيجيريا: عثمان بن فودي ومن معه.
وجدوهم في الصومال وجاهدوهم.
حتى مهدي السودان أصل دعوته كانت على منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب من التوحيد وهدم القبور، ثم دخله الفساد -والعياذ بالله-، لكن أول دعوته كانت محاربة الشرك والبدع.
وكذلك عمر المختار في ليبيا.
والأصولية الوهابية التي ترجع إلى الكتاب والسنة، أو الحنبلية كما تسمى أحياناً، وهي ألقاب ينبزون بها من يدعو إلى الله .
الأحداث الأخيرة غطت على ما حدث في الجزائر، بغض النظر عن رأينا الكلي فيها حدث.
وهناك عبرة معينة أريد أن أسلط الضوء عليها الآن: لقد انزعجت الصحافة الفرنسية وانزعج الغرب انزعجوا جداً من انتشار الأصولية في الجزائر؛ لأنهم عرفوا دعوة الشيخ عبد الحميد بن باديس ﵀، وأنه أقام الدعوة على أساس التوحيد، ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ كما جاء بها، وكتب عن الشرك والبدع والخرافات.
وكان من منهج الشيخ عبد الحميد أن أول ما يبدأ به هو محاربة البدع والخرافات عند الشعب، حتى ينتشر العلم الشرعي، ثم الولاء والبراء، ثم الجهاد، وهي مرحلية لم يفطن لها الاستعمار، ولهذا تركوه أول الأمر يدعو، وتركوه يفتح الصحف، وما فطنوا إلى أنه لا يرضى بالوجود الفرنسي.
لكنه ﵀ يريد أن يبدأ بالأساسيات، مرحلة الدعوة أولاً.
نقول: تحليلات خطيرة جداً غطت عليها الأحداث الأخيرة، وكانت دائماً ترددالأصولية في الجزائر، الأصولية هنا، والحادث الذي جرى في جزر ترينداد، ربطوه بالأصولية وبـ الجزائر، وقالوا: الأصولية خطر يهدد العالم، لكن جاءت أحداث أخيرة وطغت على ذلك، والله المستعان!
стр. 2160
المستعجلون من الشباب في طلب العلم
السؤال
بعض الشباب يستعجل في الوصول إلى أعلى درجات العلم والعلماء، حتى إنهم يقولون على الله بغير علم، ويفتون بغير علم، وبعضهم يقرأ كتباً أعلى من مستواه، ومن مستوى إدراكه، فما نصيحتكم لهؤلاء؟
الجواب
هذا من أنواع الاستعجال: الاستعجال في طلب العلم، وقد قال عبد الله بن عباس ﵁ لما فسر الربانيين ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران:٧٩] قال: [[ومن يربي الناس بصغار العلم قبل كباره]].
ولا يعني بالصغر والكبر أن الصغيرة النوافل والكبيرة التوحيد.
إنما يعني بالصغار: البديهيات والمسلمَّات الواضحة، والكبار: هي الأمور المعقدة والصعبة، ودائماً أقول للإخوة الكرام: ابدءوا العلوم بدراسة متون معينة، مبسطة، ثم خذ شرحاً مبسطاً عليها، ثم توسع فيما بعد ذلك وهكذا.
لكن عندما يأتي بعض الإخوان يريد أن يبدأ في طلب العلم، فيبدأ في الكتب الكبيرة، فبعضهم قال: بدأنا بـ فتح الباري، والأخ الثاني يقول: بدأنا بـ مجموع الفتاوى.
سبحان الله! إنني عندما أقرأ في فتح الباري، أجد أنني أحتاج في صفحة واحدة إلى أن أراجع عدة كتب، وأن أنقب، وأن أفتش، وأن أكلم المشايخ بالتلفون، فالمسألة ليست سهلة، ويمكن أن يكون هناك من فتح الله عليه، لكن أنا أقول فيما نرى وما نعلم من تكويننا وتربيتنا جميعاً؛ لأن دراستنا دراسة نظامية، وهي لا تعطينا الزاد الكافي لمثل هذه الأمور.
كذلك مجموع الفتاوى لشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، بعض الكلمات مع الأسف مطبوعة خطأ، ويأتي من يشرحها، وقد تمرس على كلام شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، فيشرحها خطأ.
وأحياناً تكون غير مشروحة في الهامش، أو غير واضحة، أو واضحة، لكن لم يفهمها؛ لأنه رجل عميق، يكتب في بحور من العلم عميقة وغزيرة، يحتاج كلامه إلى أن يفهم على مستوى معين، فلا نستعجل فنطمر الأمور طمراً.
إذا بدأنا بـ فتح الباري، ومجموع الفتاوى ننتهي بـ عمدة الفقه، أو بـ الأربعين النووية بدأنا السنة من أعلاها، ولم نأخذ الأمور من أولها.
بعض الإخوة يبدأ بالقراءات، ولا أعترض على من لديه دراسة منهجية يمكن أن يحفظ القرآن بالقراءات، لكن بالنسبة للحالات العادية، وهي من كان مثل حالة معظم الإخوة، الذين يعيشون طبيعة دراسية نظامية مع عمل وأسرة، فهذا أقول له: ابدأ بما أمكن أن تبدأ به وأتقنه، ثم انتقل إلى ما بعده.
والسلف الصالح ﵃ ضربوا لنا المثل في عدم العجلة فقد كانوا يطلبون العلم ويرحلون في طلبه، ثم يحدثون، لا تجد أحداً من العلماء ابتدأ يحدث، بل تعلم وحفظ وطلب العلم، ثم حدث.
стр. 2161
السيرة النبوية ومراحل الدعوة
السؤال
لا شك أن قراءة سيرة النبي ﷺ ودراستها مما يقي الإنسان من الوقوع في العجلة وفي الاستعجال، ولكن هل يلزم الداعية إلى الله أن يدعو سنين دعوة سرية كما فعل ﵊، ثم ينتقل إلى الأقربين وهكذا، أي ثلاث عشرة سنة مثلاً بحال معين، وأخرى بحال أخرى، أم أن الاستفادة تكون عامة؟
الجواب
لا شك أن دراسة سيرة النبي ﷺ ضرورية، وهي الأساس الذي يجب على كل داعية أن يتخذه منهجاً في دعوته، فهو الأسوة الحسنة لنا، لكن فرق بين التقيد الحرفي بوقت الدعوة، بمددها ومراحلها، كما فعله النبي ﷺ ، وبين أن ننظر إلى ثمرة المرحلة، ونهاية المرحلة، وغاية المرحلة، فالوضع غير الوضع.
فقد بعث النبي ﷺ في قوم كفار، كما هو معلوم، ولكن نحن الآن في أمة مسلمة، ولكنها تحتاج إلى تصحيح، هذا أحد الفوارق وأهمها، وهناك فوارق أخرى.
فننظر إلى الثمرة، فما هي ثمرة المرحلة الأولى؟ وما غايتها؟ غاية المرحلة الأولى السرية هي إيجاد أناس إذا ظهروا فيما بعد يكون لديهم قوة، لا يستطيع الأعداء أن يستأصلوهم، وإن كانوا سيؤذون، وقد أوذوا، فإذا وجدت الدعوة في بيئة لا تحتاج إلى هذه المرحلة؛ لأن الفئة المؤمنة يمكن أن تظهر أو هي ظاهرة، بمعنى أنها واضحة، ومع ذلك لم تستأصل، فهذا خير.
إذاً: لا نحتاج إلى المرحلة الأولى لأن ثمرتها موجودة والهدف منها موجود.
مرحلة الجهاد: نقول أيضاً: لو وجدت أمة تعيش في مرحلة يمكن أن ننقلها رأساً إلى مرحلة الجهاد، نقول: على هذه الأمة أن تجاهد، وننقلها إلى الجهاد، ونستكمل بعض أمور التربية في الجهاد، وهذا صحيح.
لكن إذا وجد أن الأمة تحتاج أولاً إلى الدعوة والعلم والإعداد للجهاد، والجهاد لا نقصد به جهاداً معيناً في بلد معين، بل الجهاد باعتباره حالة دائمة، فالأمة الإسلامية في جميع عصورها في حالة استنفار دائم، ويجب أن تكون مناهجها مناهج جهادية، وحياتها حياة جهادية، فجهاد الطلب عندنا هو الأساس.
ومفروض أننا نصلح أوضاع الأمة هذه، ثم نقوم بجهاد الطلب، ونقاتل.
وجهاد الطلب غير جهاد الدفع، فجهاد الطلب: أن نذهب إلى الصين، إلى الروم، نغزوهم في بلادهم، لندخلهم في دين الله ، وهكذا يجب أن تكون حياة المسلمين جميعاً، فنعد العدة لهذا الجهاد.
نعد الأمة في مرحلة الدعوة لهذه المرحلة التي هي آخر المراحل وهي مرحلة الجهاد، فيبسط الله سلطان هذا الدين في الأرض، ويُمكّن له، ويورث الأرض عباده الصالحين كما وعد الله ، ويمكّن لهم، ويورثهم الأرض بهذا الأمر.
إذاً: يكون الأمر بحسب البيئات وبحسب أحوال الناس، وبحسب المقصود بتلك المرحلة، أما التقيد الحرفي فليس صحيحاً كما يظن بعض الإخوة.
بعض الجماعات أو الدعوات فهمت تكفير المجتمع بناء على المرحلة المكية، وأسقطت كثيراً من التكاليف، وقالوا: نحن في المرحلة المكية، وهذا من أكبر الأخطاء الدعوية.
ومن جملة ما فيه من أخطاء: أنه نسخ أحكاماً ثابتة قطعية، بدعوى أو بزعم الرجوع إلى مرحلة قد نسخت وانتهت.
فلا بد من إدراك متأنٍ ومتفقه، في مسألة الفرق بين هذه المراحل، وبين ضرورة الإفادة من سيرة النبي ﷺ ، ولا شك أنها الأساس، والصحابة الكرام -رضوان الله تعالى عليهم- كانوا ينظرون إلى واقع الأمة، فيبنون على الواقع الموجود، فعندما وصلت الأمة إلى مرحلة الصفر، كما كان النبي ﷺ عندما بدأ دعوته من مرحلة الصفر، ومثل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، حيث جاء والأمة قد نزلت إلى الصفر إلى الشرك، فما بعد الشرك شيء، وابتدأ يدعو كما دعا النبي ﷺ إلى التوحيد، وابتدأ قليلاً قليلاً ثم قامت من جديد ولله الحمد! لكن في عهد الإمام أحمد كان الانحراف في مسائل معينة كلامية مثل خلق القرآن وما أشبهه، فقاومها، وقضى عليها، والحمد لله! الأمة صالحة وهكذا، فالمرحلية يجب أن تفهم فهماً صحيحاً.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2162
قيمة العمر
تحدث الشيخ حفظه الله عن موضوع مهم قد غفل عنه الكثير منا ألا وهو قيمة عمر الإنسان، وما الذي يجب أن يمثله هذا العمر بالنسبة للمسلم، وضرب أمثلة لذلك من واقع السلف وحرصهم على أعمارهم، كما أورد نقيض ذلك من الأمثلة التي تصور تفريطنا في أعمارنا رغم أنها أغلى ما نملك، ثم ختم حديثه بالحث على استغلال الأعمار في طاعة الله.
стр. 2163
خلفة لمن أراد أن يذكر
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، الحمد لله الذي هدانا للإيمان، أما بعد: فإن الموضوع الذي نريد أن نتحدث عنه موضوع عظيم -وإن كان ليس جديداً- ولكن يجب أن نذكره، ألا نغفل نغفل عنه، فإن الله ﵎ خلقنا في هذه الحياة الدنيا لحكمة عظيمة وغاية جليلة، وجعل الليل والنهار وهذه الأعمار مطايا وأوعية لهذه الغاية وتلك هي الحكمة ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون:١١٥].
إن الله لم يخلقنا عبثاً، ولم يتركنا هملاً، وإنما جعل لنا هذا الدين، وبعث إلينا هذا الرسول ﷺ ، وأنزل إلينا الكتاب، وعمَّرنا ما يتذكر فيه من تذكر، ولهذا يقول ﵎ لأهل النار: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧] فقد عمر الله تعالى هؤلاء القوم ما يتذكر فيه من تذكر وأعطاهم من العمر مهلة وفسحة تكفي بأن يعتبر من يعتبر، وأن يتفكر من يتفكر، وأن يتذكر من يتذكر، وأن يتأمل كل أحد، لماذا جئت؟ ومتى سأرحل؟ وبأي وجه ألاقي الله ﵎؟ فمن آياته أنه ﴿َهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً﴾ [الفرقان:٦٢] فجعل الليل والنهار خلفة أي متواليين يخلف أحدهما الآخر ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً اً﴾ [الفرقان:٦٢] فمن أراد أن يتذكر أو يعتبر فلينظر إلى هاتين الآيتين العجيبتين الليل والنهار، فلو أن الله ﵎ جعل النهار علينا سرمداً إلى يوم القيامة، أو جعل الليل كذلك وكانت الحياة لا تتغير ولا تتبدل لغفلة كثير من الخلق عما يعد لهم، وكان ذلك أدعى أن ينسوا الموت ولا يتفكروا في النهاية والعاقبة، فيظلون يعملون ويكدحون حتى يأتيهم الأجل، لكن من حكمة الله ﵎ أن جعل هذين يتداولان ويخلف أحدهما الآخر.
فأنت في نهار يعقبه ليل، وفي ليل يعقبه نهار، فتعلم أن انقضاء النهار ومجيء الليل هو انقضاء لعمرك وانقضاء لجزء منك، كما قال الحسن البصري ﵀: [[إنما أنت هذه الأيام فإذا مضى منك يوم فقد مضى بعضك]] وذلك إلى أين؟ إلى الدار الآخرة كما قال علي رضي الله تعالى عنه: [[ألا وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، وإن الدنيا قد ولت مدبرة، وإن لكلٍ منهما بنين فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا ومن أبناء الدنيا]] فكل يوم يقربك ويدنيك من القبر ومن الآخرة، ويبعدك عن الدنيا ومتاعها وعن لحظة الميلاد، والعمر إنما هو بين الميلاد إلى الوفاة.
стр. 2164
حقيقة العمر
ولو تأمل العاقل وفكر لوجد عجباً مما يغري الناس ويلهيهم ويطول أملهم، يجد أن ما مضى من العمر أحلام، وما بقي منه أمانٍ كما قال بعض السلف: ما مضى أحلام، كالنائم إذا نام ورأى في المنام ما يعذبه ويؤذيه، ثم أفاق وقد ذهب ذلك الألم، أو رأى في نومه ما يسره ويفرحه ويبهجه، ثم أفاق وقد ذهبت تلك البهجة وتلك الفرحة.
فانظروا بارك الله فيكم فيما مضى من أعماركم أهو حلم قد انتهى؟ ما كان فيه من راحة أو متعة أو فرحة أو لذة أو بهجة -فالعمر هو كما ما ترى في المنام- وما كان غير ذلك وخاصة إذا كان من معصية الله ﵎ فقد وقع، كما قال أحد التائبين رضي الله تعالى عنهم قال: ﴿﴿ذهبت اللذات وبقيت التبعات﴾﴾ وأما ما بقي من عمرك فهو آمال، ولا تدري هل تتحقق أم لا تتحقق، فلهذا يقول الله تعالى في حق الكفار: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر:٣]، وكما في الآيات العظيمة ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢].
هذا المستقبل آمال قد تموت الليلة أو غداً أو بعد غد، وقد لا تدرك مما تؤمل شيئاً، ولهذا قال النبي ﷺ : ﴿عش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل﴾ وهذا حال المؤمن، ولذلك قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه لما روى الحديث قال: ﴿إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء﴾ وهو يفسر كلام رسول الله ﷺ ومعناه، هذه حقيقة المؤمن أنه في الدنيا كالغريب أو عابر السبيل الذي لا ينوي الاستقرار، وإنما يتأهب ويتهيأ ويستعد للرحيل، فما لديه من ساعات أو أيام في سفره فهي استعداد وتهيئة لكي يصل المقر الذي يكون فيه.
ولهذا يقول النبي ﷺ في الحديث الآخر: ﴿مالي وللدنيا! ما أنا فيها إلا كراكب قال تحت شجرة ثم قام وتركها﴾ أي: أنه ارتاح وقت القيلولة تحت شجرة ثم قام وتركها، هذا هو حال الدنيا، والعمر هو فترة القيلولة هذه، تبقى ثم ترتحل وتترك هذه الشجرة، فما حال الذي يعلم أنه إنما يعيش مثل هذه القيلولة؟ هل رأيتم مسافراً ذهب إلى صحراء في وسط الطريق بين البلد الذي خرج منه، والبلد الذي يريد الوصول إليه فأقام هناك، ووسع الفراش ووطَّأه، وأتى بكل أدوات الاستقرار، وأقام هناك وقال: هذا مكاني؟! لا يفعل ذلك عاقل أبداً، لأنك راحل، وليست هذه دار مقام.
ولهذا ذكَّر الله تبارك تعالى، وذكَّر الرسل الكرام، وذكَّر عباد الله الصالحون بهذه الحقيقة قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة:٣٨]، قليل: زينة وتفاخر وتكاثر، ولكن تذهب كما يمضي الليل أو كما يمضي النهار، ويقول بعض السلف في هذا: [عجبت لمن كان يومه يأكل شهره، وشهره يأكل سنته، وسنته تأكل عمره وهو في غفلة] اليوم الذي يمر ينقص من الشهر يوماً، والشهر الذي يمر ينقص من السنة شهراً، وكلما مرت عليك سنة فقد قلَّ من عمرك.
فقال العلماء في قول الله ﵎: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر:٣٧] بعضهم قال: إنه أربعون سنة، لأن الله ﵎ يقول: ﴿إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف:١٥] فالأربعين كافية بأن يتذكر الإنسان، وقال بعضهم: لا.
بل نستند إلى قول النبي ﷺ : ﴿أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة﴾ فبعدها يتوقع الموت أو القبر.
لو فرض أن عاقلاً يريد أن يسافر إلى مكان أو أنه مشى في طريق طوله ستون ميلاً، فوصل إلى لوحة مكتوب عليها الباقي ثلاثون ميلاً فإنه سيقول في نفسه: لقد اقتربت لأنني الآن في النصف، وكل شيء مضى منه نصفه فهو قريب الانتهاء، وإذا كنت مسافراً إلى المدينة -مثلاً- والمسافة هي حوالي ٤٠٠كم من مكة أو جدة فوجدت لوحة أمامك ٢٠٠ كم تقول: الحمد لله، اقتربنا من المدينة وهكذا حياتنا.
وهكذا في كل شيء من حياتنا إلا في الموت والعمر، لهذا يقول الحسن البصري ﵀: [[ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت]] الموت هو الشيء الوحيد الذي نخل فيه بهذه القاعدة -قاعدة رياضية بسيطة سهلة نستخدمها في حياتنا كلها- إلا في العمر والموت، فلا تجد ابن الثلاثين منا يقول: أنا عمري ثلاثين إذن أنا اقتربت من الموت، وكل من رآه قال: تبارك الله! ما زلت في عز الشباب وبدايته، مع أن كثيراً من الناس لا يبلغون الستين، ولهذا قال بعض الحكماء: ' أكثر الناس يموتون وهم شباب' وإذا أردت أن تتأمل ذلك فلاحظ أن أكثر الناس يموتون وهم شباب أي لا يبلغون إلى الستين، بل يموتون بعد الأربعين أو ما حولها، وانظر إلى قلة الشيوخ في القرية أو في الحي، وهذا دليل على أن أكثرهم ماتوا وهم شباب.
стр. 2165
الإنسان بين الغبن والنذير
فإذا كان هذا الحال فتأمل قوله ﷺ : ﴿نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ﴾ ولهذا قال بعض السلف (إن المغبون من غبن الليل والنهار) ليس المغبون هو الذي اشترك في بضاعة فذهبت أو أكثرها، أو اجتهد لينجح في دراسة ففشل، فأكبر مغبون في هذه الدنيا هو المغبون في عمره، فيذهب الليل في المرح والسهر والنوم، ويذهب النهار في اللهو واللعب وفي أعمال لا تنفعه، فغبن عمره، وفي النهاية يجد نفسه نادماً حاسراً يتمنى الرجعة قال تعالى عنهم: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠].
فيقول: كلا.
فقد عَمَّرك الله ما يتذكر فيه من تذكر، وجاءك النذير، والأولى بتفسير الآية أن أي وقت أمكن لأحد فيه أن يلقى الله ويتذكر الآخرة فقد عمَّره الله، وأبلغه الله ما يتذكر فيه من تذكر.
أما النذير فقد قال بعض العلماء: (النذير هو النبي ﷺ ولا شك أنه نذير وبشير ومنذر كما جاء في الذكر الحكيم، لكن بالنسبة لكل واحد منا فقد جاءه نذير أكثر من ذلك، النذير: اسم لكل ما ينذرك بدنو أجلك وقرب ارتحالك، فالنذير هو القرآن وهذا حق، والنذير محمد ﷺ وقد جاءنا وعلمنا وهذا حق، والنذير هو: الشيب كما فسر ذلك أيضاً بعض السلف، فالشيب إذا ظهر فهو نذير، وإن لم تره فيك ورأيته في غيرك فاعلم أن غيرك أيضاً سيرحل، والنذير أيضاً: الموت، إذا رأيت الموت قد حل بمن تعرف، فاعلم أنه إن أخطأك اليوم وتعداك إلى غيرك فإنه نازل وواقع بك غداً، إذاً جاءك النذير مما تراه في مخلوقات الله تعالى.
جاءك النذير من أحوال الغابرين من أهل الحضارات القديمة، أين الذين أخبر الله تعالى عنهم ممن بنوا وشادوا، أثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمرها من كان قبلهم وقال الله ﵎ عنهم: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سبأ:٤٥] أين هم؟ أين الذين قال الله ﵎ عنهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣٠] أين عاد؟ أين ثمود؟ أين قوم نوح؟ أين فرعون ذو الأوتاد؟ أين وأين كل هؤلاء قد ذهبوا، إذاً جاءكم النذير.
مَن مِنا يستطيع أن يقول: ما جاءني نذير، أو ما علمت وأتاني الموت فجأة، أو أتاني أمر الله غفلة، لا أحد له عذر.
стр. 2166
الغافل من فرط في عمره
يقول النبي ﷺ : ﴿لا أحد أحب إليه العذر من الله﴾ ولذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب، وأقام الحجة على الخلق فلله الحجة البالغة على الخلق جميعاً، وإنما هي الغفلة وإنما هي الغباوة، كما جاء في الحديث عن رسول الله ﷺ : ﴿ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وكل شيء يذكر الله ﵎﴾ فالسماوات والأرض والجبال والطير والأنهار، وكل ما في الوجود يذكر الله وأعظمهم ذكراً الملائكة، وما استثنى النبي ﷺ إلا طائفتين لا تذكران الله ﵎ قال: ﴿إلا المردة من الشياطين والأغبياء من بني آدم﴾ فالمردة هم شياطين الجن، وهم شر محض لا إيمان ولا خير فيهم، وهؤلاء لا يذكرون الله ﵎.
وكل يوم تطلع فيه الشمس عليك صدقة -كما قال النبي ﷺ وكل يوم محسوب عليك، وأقرب مثال نراه نحن -الآن- في حياتنا هو هذا التقويم الذي يعلق في البيوت وفي المساجد، إذا أخذت كل يوم منه ورقة تفاجأ وإذا به قد انتهى وهكذا العمر كل يوم تأخذ منه ورقة، وإذا بالعمر فجأة ينتهي، فهذا فيه عبرة لمن اعتبر.
ومن العجب أن بني آدم أحرص شيء على هذه الدنيا، ولو تفكر ابن آدم لوجد أنه من أقل مخلوقات الله عمراً، سبحان الله! فبعض الطيور يعيش ٣٠٠ سنة أو ٤٠٠ سنة، والأشجار تجد الشجرة عند البيت من عهد جدك ومن قبله ولا تزال موجودة، ويموت الابن وابن الابن والشجرة موجودة، أما الجبال والبحار فهي أكثر بكثير، ولكن الإنسان يظن أنه الوحيد المخلد الذي يمتلك هذه الدنيا، ولذلك لو تأمل العقلاء ما اختلفوا وما اقتتلوا، وما بغى بعضهم على بعض من أجل قطعة أرض، أو من أجل بئر، هذه الدنيا طوت قبلنا أمماً عظيمة وقروناً طويلة، وسوف نطوينا بعد كذلك.
стр. 2167
الغفلة عن الآخرة
إن كل ما نرى في هذه الحياة الدنيا مما يتقاتل عليه الناس، ويبغي بعضهم على بعض بسببه، وما يشغلهم عن ذكر الله من أراضٍ أو دور أو عقار ما هو إلا عارية عندهم ينتقل من بعضهم إلى بعض، وكلما انتقل إلى شخص قال: هذا بيتي هذه أرضي هذا ملكي، ولو تأمل في حاله فسيرى أنه ما وجد إلا أياماً قليلة بالنسبة لعمر هذه القصور التي كانت قبل ثلاثين أو أربعين سنة تعد أفخم وأعظم وأفخر القصور، والتي لو تهدى إلى بعض الناس اليوم هدية والله ما يقبلها، وإنما يقال: انتبه لا تذهب إليه هذا خرابة، وفيه جن -مثلاً- أو كذا -سبحان الله! - أليس هذا من الدلائل الواضحات؛ على أن هذه الدنيا لا تستحق أن نتنافس من أجلها، ولا أن نتدابر أو نتقاطع أو نتهاجر ونتحاسد من أجلها.
وإنما الواجب أن نعمر أوقاتنا ونستغل حياتنا في ذكر الله، وفي عبادته، وفي طاعته، وفي العمل بما يرضيه، ولا يعني ذلك أن نتركها، وألا نقتني البيت الحسن، أو المرأة الصالحة، أو المركب المهيأ، ما قال أحد بذلك لا في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولكن المشكلة هي الغفلة عن الآخرة بالكلية وأن نتعلق بهذه الدنيا، ورحم الله من قال:
والله لو كانت الدنيا بأجمعها تُبقي علينا ويأتي رزقها رغدا
ما كان من حق حرٍ أن يذل لها فكيف وهي متاع يضمحل غدا
يقول: لو كانت الدنيا هذه باقية، وأننا مخلدون فيها ومتاعها يأتينا رغداً، ونحن إن شئنا بقينا فيها، وإن شئنا قلنا يا رب نعمل صالحاً وتنقلنا إلى الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وفكروا في هذه المعادلة لو قيل لك كذلك: أنت مخير بين هذه الدنيا فتدوم دواماً أبدياً لا نهاية له ولا موت فيه، ونعيمها دائم وهو نعيم دنيوي، أو أن تعمل فيها وتجتهد لطاعة الله وتقول: يا رب انقلني إلى الجنة التي فيها هذا النعيم الذي ليس في الدنيا منه إلا الأسماء، ماذا يختار العاقل؟ العاقل يقول: لا أختار الدنيا على الآخرة، فهو متاع قليل زهيد لا يساوي شيئاً، بل أختار أن أجتهد، وأن أعبد الله وأقول: يا رب اجعلني من أهل الآخرة، وانقلني إليها حتى أنال هذا النعيم، فهذا لو كانت الدنيا دائمة، ونعيمها يأتي رغداً، فكيف وهي مضمحلة زائلة، وتخرج منها مضطراً من غير خيار؟!
стр. 2168
نماذج للقدوة في شغل العمر بالطاعة
قال بعض السلف عندما زاره أخٌ له في الله فرأى بيته، ورثة حاله، وقلة متاعه، فقال له: إن هذا حال من يتهيأ للرحيل، قال: أهو ارتحال؟! إنما أطرد طرداً، أي ما هو بارتحال على هوانا، بل نُخرج وننُتزع ونُطرد من هذه الدنيا، إذاً هل يختار العاقل متاعاً قليلاً وضئيلاً ونكداً ومنغصاً لا تدوم نعمته ولا لذته ويطرد منه وينزع منه بلا مقدمات فجأة؟ كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٦ - ١٧] لا يفعل عاقل ذلك أبداً؛ لكن هذا حالنا قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ [الإنسان:٢٧].
والواجب على المؤمنين المتذكرين المعتبرين الذين أعطاهم الله العقول والألباب ألا يكونوا كذلك، بل لابد أن يعلموا أن أعظم نعمة أعطوها في هذه الحياة الدنيا أن يعطى من العمر ومن الصحة والفراغ ما يعبد الله ﵎ فيه ويتقرب إليه، ولا يخسر من وقته شيئاً ولا كلمة ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
بعض السلف جاءته ابنة له وهو بين إخوانه في الله قالت: يا أبت أريد أن ألعب فأعرض عنها، فقال الآخر: قل لها تلعب، قال: لا أريد أن أجد في صحيفتي لعباً، وهذا جائز وليس فيه شيء أن يقال ذلك؛ لكن من شدة تحريهم -رضي الله تعالى عنهم- يعلمون أن كل كلمة وكل دقيقة محسوبة عليهم، وكل لحظة في الحياة يجب أن تستثمر في طاعة الله .
ولهذا كان رسول الله ﷺ وكان أصحابه من بعده والسلف الصالح كانت حياتهم كلها ما بين جهاد وعبادة، ما بين قراءة قرآن وأداء حقوق للعباد، فأعطوا كل ذي حق حقه، وجاهدوا في الله حق جهاده، حتى حصل لهم قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] هذا من باب الصدقة، وهذا من باب الجهاد، وهذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من باب الصيام، وهكذا كل منهم اجتهد في طريق أو أكثر من طرق الخير، فهو يذكر الله ويجاهد في سبيل الله.
وكان بعض السلف في المعركة يجاهد ويقرأ القرآن أو يذكر الله حتى لا يضيع الوقت، فله أجر الجهاد وله أجر الذكر، أناس عرفوا قيمة العمر، وعرفوا قيمة الحياة، وعرفوا أن الجنة سلعة الله، وعلموا أن سلعة الله غالية.
مر بعضهم بأناس في مقهى -وما أكثر من في المقاهي أو في الملاهي أو ما يسمونها: شاليهات أو منتزهات- وهم جالسون يضيعون الأوقات في الحديث واللعب واللهو، فتندم وتحسر، قالوا: مالك؟ قال: تمنيت والله أن الأوقات تشترى! فقد تحسر أن لو كانت الأوقات تشترى لاشترى من هذا يوماً، ومن هذا يومين، ومن هذا ساعة، ومن هذا شهراً، ويعمل فيها ويجتهد فيها لطاعة الله، لكن الأوقات لا تشترى.
فمن لديه غفلة فإن أوقاته ضائعة، وتراه يقول: احترت اليوم ولم أدر أين أذهب، أي: لا يدري كيف يضيع الوقت، والمؤمنون الذاكرون لا يستطيع الواحد منهم أن يفي بالواجبات الملقاة عليه، ويتمنى أن يزيد اليوم ساعة أو نصف ساعة أو دقائق ليغنمها في أداء واجب، أو في عمل طاعة تقربه من الله ﵎؛ أو في علم يستفيده ويعمله فيكون من ورثة الأنبياء، أو في ذكر لله أن يقول: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) أو في آية يتلوها من كتاب الله وهو يعلم أن الحرف الواحد بعشر حسنات ﴿لا أقول الم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف﴾ فهل يضيع هذا ممن يعرف قيمة ذلك؟.
وبعض الناس يضيعون أوقاتهم في متابعة المسلسلات التلفزيونية، أو قراءة مجلات لا فائدة من قراءتها وكم من كتاب لا خير فيه فإما مجون، وإما عبث، وإما عقائد باطلة أو فلسفات يظل الإنسان يقرأ فيه ويحقق ويلخص بل يحصل شهادة الدكتوراه، أو الماجستير قد يُمضي فيها الإنسان سنوات طويلة حتى يتخرج وينال الشهادة فيها وهي كلام تافه لا قيمة له ولا منفعة منها، فهذا أفنى زهرة عمره وريعان شبابه فيما لا خير فيه، والبعض يعشق فتاة فيظل يلاحقها، وينتظر تخرجها، وبعد التخرج يتهيأ لزواجها ويبذل ما يبذل، فأضاع العمر كله من أجلها، ولسنا نقول لأحد: لا تأخذ الشهادة، أو لا تتزوج، ولكن أن يضيع العمر في هذا، فهذا لا يليق بالمؤمن.
أما إن أضاع وقته في الحرام فهو عليه عقاب، وهو عليه حساب وحسرته مضاعفة، لأن النبي ﷺ يقول: ﴿ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله تعالى فيه ولم يصلوا على رسول الله ﷺ إلا كان عليهم ترة يوم القيامة﴾ أي: حسرة وندامة ونقصاًُ هذا إذا كان مباحاً، لكن لو كان مجلس غيبة أو لهو فهذا لا شك أنه إثم وندم، فكيف إذا لم يكن الندم على مجلس واحد بل على عمر، وعلى الشباب الذي يقضيه كثير من الناس، هذا في تشجيع الكرة، وهذا في اللهو واللعب والفنون الشعبية، وهذا في متابعة الأفلام والسهرات، وهذا في ضياع الأوقات في التمشيات، وهذا في كذا من العلاقات.
فتضيع الأعمار ويذهب الشباب ولا حصيلة من ذلك إلا الخسارة والإثم الذي يلاقي به الله ﵎ يوم القيامة، ثم يستحي أن يعرض عليه هذه الأعمال وهو قد عملها، إن كل عاقل في هذه الدنيا ليستحي أن يراه بعض الخلق على ما لا يرضيه، فكيف بالوقوف بين يدي الله ﵎ وفي ذنوب مجتمعة، وهو الذي يعلم السر وأخفى، وهو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ ورحم الله من قال:
هبه تجاوز لي عما أسأت به واحسرتى من حياء يوم ألقاه
стр. 2169
من العاقل ؟
فالعاقل هو من يأخذ من دنياه لآخرته، من يأخذ من صحته لمرضه، من يأخذ من فراغه لشغله، من يأخذ من غناه لفقره، وقد أرشدنا النبي ﷺ لهذا، وهكذا كان السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، فهذا العمر أمانة، وهو نصيبك من الدنيا الذي قال الله ﵎ فيه: ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] نعم لا تنس رزقك الذي كتب الله تعالى لك أن تأخذ منها في الحل، وأن تنفق في حقه، وأيضاً لا تنس نصيبك من الدنيا ومن هذه الأيام، فلا تضيعها فيما لا خير فيه.
فالواجب علينا أن نتقي الله ﵎، وأن نعظ أنفسنا، ونعظ إخواننا هؤلاء -وما أكثرهم! - يأتون ويقولون: هذه عطلة وهذه إجازة، وكأنها عطلة من كل واجب أوجبه الله تعالى، وكأنها إجازة من كل ما افترضه الله تعالى، وكأنه يباح فيها ما كان حراماً قبلها.
وهذه العطل لو كنا أمة فاتحة، لو كانت جيوشنا قد عادت بعد أن فتحت روما وقهرت أوروبا وحررت الهند، والصين وفتحت العالم لما كان هذا العبث لائقاً بنا، فكيف ونحن بهذه الحالة من المآسي والفجائع والنكبات في كل بلد من بلاد المسلمين؟! كيف ونحن في هذه المهانة والضعف والذلة من بين العالم؟! كيف ونحن مسئولون بين يدي الله ﵎؟! العاقل منا والعالم سيقف بين يدي الله ويسأله عن الغافلين، كيف يليق بنا أن نلهو ونعبث، وأن نظن أن هذه العطل أو الإجازات أو أي لحظة من هذا العمر أننا فيها أحرار نمضيها كيفما نشاء، نترك الجمعة والجماعات، ونتخلف عن أوامر وواجبات كثيرة، وننظر إلى ما حرم الله تعالى؟! فعلينا أن نتقي الله ﵎، وأن نعمل بوصية الله التي أوصانا بها فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ونعلم أن كل آت قريب، وأن أجل الله ﵎ آت، وأننا موقوفون بين يديه، فلنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب، ولنجعل عمرنا وأوقاتنا هذه ساعات: ساعة كما جاء في بعض الآثار [[ساعة تناجي فيها ربك، وساعة تحاسب فيها نفسك، وساعة تتفكر فيها بخلق الله، وساعة تعمل فيها لمعيشتك]] نجعل أوقاتنا هكذا، ولا تعارض بين هذا أبداً ولله الحمد.
فلنحفظ الله ﵎ في أوقاتنا، ولنحفظه في جوارحنا، ولنحفظ في أعمارنا، ولنتق الله حيثما كنا كما أوصى أيضاً ﷺ حيث قال: ﴿اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن﴾.
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يَمنَّ علينا بتقواه وطاعته ورضاه، وأن يرزقنا البصيرة والتذكر، وأن يجنبنا الغفلة والسهو واللهو عما افترضه ﵎ علينا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يتقبل منا طاعتنا، وأن يجعل خير أعمارنا أواخرها وخير أعمالنا خواتمها، إنه سميع مجيب.
стр. 2170
الأسئلة
стр. 2171
استغلال الوقت في طلب العلم
السؤال
أنا شاب -ولله الحمد- أحب الله ولقاءه, ولا أخاف الموت بل بالعكس أتمناه, وذلك ليس بسبب فقر أو مشاكل ولكن لحبي للقاء الله, ولكن هناك عيب فيَّ وهو عدم استغلال الوقت في طلب العلم, ولكن لا أستغله إلا في الخير, فأريد نصيحة لاستغلال الوقت في طلب العلم.
الجواب
ما شاء الله! نسأل الله أن يجعلنا جميعاً كذلك, هذا عبد نور الله قلبه بالإيمان, يحب لقاء الله, والنبي ﷺ يقول: ﴿من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه﴾ , فالحمد لله أن في الأمة من امتلأ قلبه بحب الله, ولذلك يقول: أحب الله ولقاءه.
فعلى كل حال أولاً: لا يجوز للمؤمن أن يتمنى الموت, وإنما عليه أن يستعيذ بالله تعالى من البلاء, وعليه أن يستفيد من عمره وأن يستغله في طاعة الله, فأنت يا أخي! ما دمت تحب لقاء الله فلا بأس أن تحب الحياة, لماذا تحب الحياة؟! حتى تجتهد فيها وتكثر فيها من الطاعات, فإذا لقيت الله في الوقت الذي قدره الله ﵎ -لا تستقدم عنه ساعة ولا تستأخر- لقيته بأعمال صالحة كثيرة, فكان لقاؤك إياه بها أفضل مما لو لقيته الآن بأعمال أقل, فعليك -بارك الله فيك- وعلينا جميعاً أن نتنبه لهذا, ولهذا لما جاء بعض السلف الموت, فأخذه نوع من البكاء, قالوا: أتبكي خوفاً من الموت يا فلان؟! قال: والله ما أبكي فرقاً من الموت ولا حرصاً على زرع الأشجار ولا جري الأنهار, ولكن لما سأفقده من قيام الليلة الباردة وظمأ الهواجر, يبكي خوفاً من أن تفوته هذه الأعمال وتنقطع عنه, يريد أن يطول به العمر ليجتهد أكثر, لأنه كان يتمتع بها ويرتاح, فكان يريد أن تطول هذه الراحة ويلقى الله ﵎ وقد عمل من الصالحات ما هو أكثر, وهذا أصل ثابت في أحاديث كثيرة.
فكون الأخ لا يطلب العلم, فكل ميسر لما خلق له, إذا كان الله تعالى لم يهيئك للعلم فلا يقدح هذا في إيمانك، وليس شرطاً أن يكون كل واحد منا عالماً, فكن ذاكراً كن مجاهداً كن آمراً بالمعروف كن ناهياً عن المنكر كن زاهداً في الدنيا كن محباً لأهل الخير كن عطوفاً شفيقاً على المسلمين تقول الكلمة الطيبة تعين هذا على دابته تحسن إلى هذا تتصدق على هذا, كل هذه من طرق الخير والحمد لله.
стр. 2172
شهوة الشباب وكيفية ترشيدها
السؤال
أنا شاب صغير في المرحلة المتوسطة أحضر حلقات العلماء، وأحفظ القرآن، ولكن يدور في ذهني أفكار وصور كنت شاهدتها قبل هدايتي، والآن لا أستطيع الصبر عن هذه الشهوة التي ما تكاد تذهب عني، فاضطر إلى فعل العادة السرية، وأنا حائر في أمري لا أجد حلاً طبياً لهذه العادة، فما الوسيلة للانقطاع عن هذا العمل؟
الجواب
الكلام في هذه القضية يطول؛ لأنه لا يتعلق بهذا الأخ وحده، ولا يتعلق أيضاً بالشباب وحدهم، ولا بالآباء وحدهم، هذه القضية قضية المجتمع كله، قضية الأمة التي تدفع بالشهوات، وسائل إعلام تدفع بالشهوات وتبهرجها وتزينها في الإعلانات، وفي المسلسلات، وفي الأحاديث، وفي اللقاءات، وفي الكتب، والأحاديث بين الناس، والهواتف والمعاكسات، والأسواق وما فيها من مثيرات، والتبرج وغيره، كل هذه المظاهر من دواعي الشهوة التي تجتذب الشباب.
والشاب حائر إما أن يقع فيها فيضل ويتوه، أو أن يريد أن يعف نفسه فلا يستطيع، حتى هذا الأخ في المتوسطة لا يمكن أن يتزوج لأننا قد اختلقنا أوضاعاً غير عادية، فأصبح المتمسك المهتدي يعيش حالة غير عادية فيضطر أن يقع في الحرام -والعياذ بالله- أو أن يفعل هذه الفعلة وهي من الحرام؛ لأن الله ﵎ يقول: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون:٥ - ٧] فأي شيء وراء ذلك فإنه تعدٍ لحدود الله ﵎.
فأوصي هذا الأخ بتقوى الله، وأوصي إخواني جميعاً بغض النظر وترك هذه الشهوات، والمغريات، والمثيرات، وأن نتعاون جميعاً على تقوى الله ﵎ وإعفاف وإحصان الشباب ذكوراً وإناثاً.
وبهذه المناسبة أمامنا دعوة للمشروع الخيري للزواج، وهو مشروع عظيم النفع -نسأل الله تعالى أن يثيب المحتسبين القائمين عليه بخير الثواب- وهم يدعونكم إلى التبرع وإلى دفع ما تجود به أنفسكم، ونبشركم -والحمد لله- أنه قد استفاد منه حتى الآن ٣٧٠٠ شاب وشابة، وصرف لهم مبلغ (٢٤.
٠٠٠.
٠٠٠) ريال، وبلغ عدد المواليد الأوائل لهؤلاء الشباب حتى الآن ٥٣١ مولوداً ولله الحمد، هذه نعمة فكيف لو كان في كل حي، وفي كل قرية، وفي كل قبيلة مثل هذا التعاون على الخير، ومع ذلك فإن هذا لا يغني عن وجوب الدعوة إلى ترك المثيرات فإنه واجب على الجميع كما في مثل هذه الحالة التي يعاني منها هذا الأخ.
стр. 2173
إيثار الدنيا على الآخرة
السؤال
ما حكم من يتخذ الأسباب ليستيقظ للعمل ولا يتخذها لصلاة الفجر، نرجو التنبيه على ذلك؟
الجواب
هذا هو الذي ينطبق عليه القول المأثور: دينار أحب إلى أحدهم من صلاته -والعياذ بالله- دنياه أحب إليه من صلاته، وظيفته أو عمله أحب إليه من دينه، إذاً هذا دنياه مؤثرة على آخرته، فهذا هو الخاسر الذي باع العظيم الباقي الذي فيه ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر بالحقير التافه الزائل الذي كله نكد وآلام، فنسأل الله أن يوقظ قلوبنا جميعاً لذكره وتقواه، ويجعلنا ممن يؤثر الآخرة على الدنيا.
стр. 2174
دور الشباب في الدعوة إلى الله
السؤال
نرى هذه الأعداد الكبيرة من الشباب المهتدين, ولكن أين هؤلاء الشباب من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أين هؤلاء الشباب من الإنكار في الأسواق وغيرها؟ فنرجو توجيه الشباب إلى هذا الأمر العظيم.
الجواب
أظن فيما قاله الأخ كفاية, وكل منكم يعلم قيمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فيا إخوان! والله أن المرء يفرح فرحاً عظيماً حين يرى مثل هذا العمل والحمد لله, لكن تخيلوا لو أن كل واحد منا في حيِّه وفي عمله الذي يعمل فيه قام بالدعوة كما ينبغي, والله ليكونن الخير أضعاف أضعاف ما هو موجود الآن؛ لأن هذا الجمع الكبير الآن -والحمد لله- خير كثير, وما كان الهداة ولا الدعاة إلا الفئة القليلة في جميع العصور, فالواجب أن يقوم كل منا بجهده, وبما يستطيع في الدعوة إلى الله, ويبارك الله في هذه الجهود بإذن الله.
стр. 2175
وساوس الشيطان
السؤال
إنه يعتلي قلبي خواطر وأفكار - لا يريد ذكرها- وبعد ذلك يقول: وأشعر بضيق في قلبي، وألم وحرقة، فما هو الحل والعلاج؟
الجواب
دائماً يأتي مثل هذا السؤال ويتكرر، وهذا دليل على الهداية -والحمد لله- لأنه عندما تكثر مثل هذه الأسئلة فإنه دليل على أن المهتدين كثير، وأبشركم أن هذا دليل خير، لأن النبي ﷺ بشر أصحابه بذلك، بل قال: ﴿أو قد وجدتموه، ذاك صريح الإيمان﴾ النبي ﷺ لما قال: ﴿أو قد وجدتموه﴾ كأنه شيء ينتظره، وكأنه لا بد منه، وهذا شيءٍ ملاحظ أن كل من يتوب ويهتدي لا بد أن يجد هذا، فبعد فترة من هدايته يجد شكوكاً وخطراتٍ ووساوس وأموراً غريبة، ويتألم ويكون كما قال الصحابة: ﴿إن أحدنا يجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به﴾ لا يريد أن يقوله لأحد، لأنها لم تكن تأتيه في حال الغفلة، واللهو واللعب، والآن بعد الهداية والالتزام والتمسك تأتيه فيتعجب من هذا، ولكن أبشروا فإن هذا محض الإيمان ولهذا قال في رواية أخرى: ﴿الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة﴾ أي أنه ما بقي للشيطان في قلبك إلا هذه الوساوس، فاصبر عليها، وهي تذهب من البعض بعد شهر أو شهرين أو أقل أو أكثر، فنرجو لك يا أخي الشفاء، ونسأل الله أن يشفي قلوبنا جميعاًُ إنه سميعٌ مجيب.
следующие страницы →