← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

الصلاة خلف المستور والمقصود بقوله: ' فإن كان الإمام مستوراً لم يظهر منه بدعة، ولا فجور، صُلِّي خلفه باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين'. ثم أوضح ذلك فقال: 'ولم يقل أحدٌ من الأئمة إنه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره' أما الخوارج فإنهم كانوا يمتحنون الناس حتى إنهم يتلقونهم في الطرقات، فإذا لقوا أحداً امتحنوه: ما تقول في كذا؟ ما تقول في كذا؟ فإن أعلن الولاء والبراء على حسب عقيدتهم وإلا قتل أو عوقب بأي عقاب. ولما سيطرت المعتزلة أيضاً في دولة المأمون كانوا يمتحنون الناس؛ فامتحنوا العلماء والقضاة بل والعامة، حتى كانوا لا يعقدون لرجل على امرأة، إلا إذا أقر بأن القرآن مخلوق!! وهذا امتحان. فهذا ليس من أصول أهل السنة والجماعة على الإطلاق، وكما قال ﵀: أنه لم يقل أحد من الأئمة إنه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره بحيث إنك تعلم أنه من أهل السنة في الباطن، بل هذا خلاف القاعدة، والأصل هو أن من كان من أهل السنة في الظاهر فهو منهم في الباطن، ولم نؤمر بأن نشق عن قلوب الناس.

стр. 2102

الصلاة خلف المبتدع يقول: 'بل ما زال المسلمون من بعد نبيهم ﷺ يصلون خلف المسلم المستور، ولكن إذا ظهر من المصلي -الإمام- بدعة أو فجور، وأمكن الصلاة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره' هنا العبارة مرتبكة، والمقصود منها أنه إذا كان هناك إمام يظهر منه بدعة وفجور، وأمكن للمأموم أن يؤدي الصلاة خلف غيره: ' فأكثر أهل العلم يصححون صلاة المأموم' أي: إذا كان الإمام مبتدعاً أو فاسقاً أو ظهر منه فجور، وأنت في بلد السنة فيه ظاهرة فتستطيع أن تدع هذا المبتدع وتصلي خلف السني، أو تدع هذا الفاجر وتصلي خلف التقي -وكل ذلك بالظاهر، والسرائر توكل وترجع إلى الله- فحكم الإنسان الذي يتهاون في هذا الأمر ويصلي خلف هذا المبتدع أو خلف هذا الفاجر أن صلاته صحيحة عند أكثر أهل العلم. وكلامنا هنا هو في صحة الصلاة أو بطلانها، وليس في مسألة الوقوع في الإثم، فإن الذي يترك الصلاة خلف التقي أو السني مع إمكانها فإنه آثم، ولم يذكره لأنه معلوم، ولذا نقول له: لا تصل خلف المبتدع، أما ما وقع فهو صحيح مع إثمه، لتفريطه في ترك الصلاة خلف من يمكن أن يصلي خلفه ممن هو بريء من هذا. ثم يقول: 'هذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وأما -وهذه الحالة الأخرى- إذا لم يمكن الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى' هذا لو كان في بلد وليس فيه إلا جمعة واحدة والإمام فاجر أو مبتدع، قال: 'فهذه تصلى خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة ' فلا يتركها، بل يصلي خلفه، ولا تعني الصلاة خلفه الثناء عليه، بل لا تعني إقراره، بل لا تعني عدم المطالبة بتغييره، لكن المقصود الآن هو: هل يترك الجمعة والجماعة أم يصلي خلفه؟ ومع ذلك فيجب على أهل السنة أن يغيروا هذه البدعة، وأن يغيروا هذا المنكر، وأن يتعاونوا على إزالته ما أمكن، وسوف نفصل -إن شاء الله- أنواع البلاد عندما نتحدث بعد قليل. ثم يقول: 'وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد ومالك وغيرهم من أئمة أهل السنة بلا خلاف عندهم، وكان بعض الناس إذا كثرت الأهواء يحب ألا يصلي إلا خلف من يعرفه على سبيل الاستحباب، كما نقل ذلك عن أحمد أنه ذكر ذلك لمن سأله، ولم يقل أحمد إنه لا تصح الصلاة إلا خلف من أعرف حاله'. فمثلاً: هناك إنسان تعرفه أنه من أهل السنة، وآخر تعرف حاله أنه من أهل البدعة، وهناك إنسان مستور لا تعرف حاله، لا من أهل السنة ولا من أهل البدعة. فهذا المستور قلنا: بالاتفاق تصح الصلاة خلفه، وأيضاً من يعلم أنه من أهل السنة فبالاتفاق تصح الصلاة خلفه، بل على استحباب أو وجوب ذلك، بحسب الظروف والأحوال، أما هذا الذي يعرف أنه مبتدع، فهذا الذي فيه التفصيل: فالإمام أحمد ﵀ استحب لمن سأله ألا يصلي إلا خلف من يعرف حاله، ولكن هذا في حالة كثرة الأهواء والضلالات، فهو يحثه على أن يتحرى في ذلك، وهذه المسألة منقولة عن الإمام أحمد ﵀ على سبيل الاستحباب، ومعنى ذلك أن الصلاة لا تبطل.

стр. 2103

مذهب المرازقة وهنا نأتي إلى قضية تاريخية، وهو أن بعض الناس كانوا يرون أن الصلاة لا تصح، وهي الطائفة المسماة بـ المرازقة، وهي في الحقيقة فرقة صوفية، لكن كانت قريبة إلى السنة، وهم أتباع أبي عمرو بن مرزوق، وهذه الطائفة لها ذكر في التأريخ، حيث كان أبو عمرو عثمان بن مرزوق من الدعاة، ومربٍ من المربين، جمع حوله أتباعاً كثيرين، وكان يعيش في ظل الدولة الباطنية التي تسمى الفاطمية -على كفرها وضلالها- فكان لا بد للدعاة والعلماء أن يجمعوا الناس حولهم، ليبقى لـ أهل السنة وجود وشوكة وقوة، فوجد مثل هؤلاء الدعاة الذي جمعوا حولهم بعض الأتباع، ومنهم أبو عمرو عثمان بن مرزوق وكان مشهوراً بالصلاح والعبادة عند الناس، فاجتمع حوله كثير من الناس، على ما في منهجه من خلل وتصوف. والمهم أنهم اجتمعوا فكأن أبا عمرو بن مرزوق استند إلى ما نقل عن الإمام أحمد في هذا الشأن، وهو التحري خلف من يصلى خلفه، فرأى أنهم يعيشون في ظل دولة باطنية زنادقة ملاحدة، فماذا حصل؟ يقول: 'ولما قدم أبو عمرو عثمان بن مرزوق إلى ديار مصر، وكان ملوكها في ذلك الزمان مظهرين للتشيع؛ وكانوا باطنية ملاحدة، وكان بسبب ذلك قد كثرت البدع، وظهرت في الديار المصرية، أمر أصحابه ألا يصلوا إلا خلف من يعرفونه'. فقال لهم: انتبهوا، هؤلاء باطنية، وأئمتهم باطنية. وكانوا -عياذاً بالله- يقولون: من لعن وسب؛ فله كيلة وإردب، أي أنهم كانوا يتعبدون بشتم ولعن الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، وكانوا من فوق المنابر يلعنون، فقالوا: كيف نصلي خلف إمام يلعن أبا بكر وعمر؟! مع أنه قد لا يلعنهم أو قد يلعنهم تقية لأن الدولة فرضت ذلك عليهم، وهذه من الفتن -نعوذ بالله- كما يقولون: فتنة عمياء، فقال لهم: لا تصلوا إلا خلف من تعرفون عقيدته، وأنه بريء من هذه البدعة، ومن هذه الضلالات. يقول: شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: 'ثم بعد موته فتحها ملوك السنة مثل صلاح الدين، وظهرت فيها كلمة السنة المخالفة للرافضة، ثم صار العلم والسنة يكثر بها ويظهر'. لكن مع ذلك بقيت طائفة المرازقة على القاعدة أيام الشيخ. وهذه مشكلة كثير من الدعوات الإسلامية مع الأسف الشديد، فما يؤصله الشيخ يبقون عليه، مع أنه قد تغيرت الأحوال وتطورت من خير إلى شر، أو من شر إلى خير، فـ المرازقة بقوا على كلام الشيخ أنهم لا يصلون حتى يعرفوا عقيدة من يصلون خلفه، بل قد يمتحنونه: ما رأيك في الصفات؟ وما رأيك في القدر؟ وما رأيك في الشيخ أبي عمرو بن مرزوق؟ وما رأيك في كذا؟ حتى يتأكدوا أن عقيدته موافقة لعقيدتهم، وسلوكه موافق لسلوكهم؛ فيصلون خلفه، فصارت بدعة منسوبة إلى السنة وإلى الإمام أحمد. فـ شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ يقول: الحال اختلف، فقد كان الشيخ أبو عمرو عثمان بن مرزوق أيام غلبة الباطنية الملاحدة، فلما ذهبت دولتهم وجاءت دولة السنة أيام صلاح الدين وألغى لعن الشيخين وسبهما، وظهرت شعائر السنة، انتفى ذلك الأمر، فلم يعد لهم مبرر.

стр. 2104

أقسام المدن والأمصار بدعةً وسنةً وهنا نقول: من هذا الكلام ومما بعده نستنتج أن المدائن أو الأمصار على ثلاثة أصناف:

стр. 2105

المدن والأمصار التي يغلب عليها الشرك الأكبر الصنف الأول: المدن والأمصار التي يغلب عليها الشرك الأكبر والبدع المكفرة، كبدعة هؤلاء الباطنيين وأمثالهم، فإذا غلبت على بلد من البلدان وظهرت وانتشرت، وكان أئمته منهم، فإن حكم الصلاة حينئذٍ أنها لا تصح، فلا يجب على أهل السنة أن يصلوا خلفهم؛ لأن الأصل هو الوجوب، بل أقول: لا تصح الصلاة خلف المعين المعلوم أنه من هذه الفرقة الكافرة المرتدة وإن كانوا ينتحلون الإسلام ويدعونه، وعلى أهل السنة في هذه الحالة أن يصلوا وحدهم إن استطاعوا، فإن لم يستطيعوا كأن تكون الغلبة لأهل الشر، فيصلون من غير جمعة ولا جماعة، فلو كان واحداً فإنه يصلي وحده، أو متفرقين صلوا فرادى فإنه لا يجب عليهم في هذه الحالة أن يصلوا خلفهم؛ لأن صلاتهم باطلة. والقاعدة تقول: من كانت صلاته باطلة في ذاتها فصلاة المأموم خلفه باطلة، فلا يجوز له أن يصلي خلفه، وبطلانها؛ لأن البدعة مكفرة حيث أن هذا باطني أو مشرك مظهر للشرك الأكبر علانية، فهؤلاء لا يجوز الصلاة خلفهم، ولا تصح.

стр. 2106

المدن والأمصار التي يغلب عليها أهل السنة الصنف الثاني: وهي مدن أهل السنة، أي: المدن أو الأمصار التي يغلب عليها أهل السنة وتظهر السنة فيها، وهذه هي التي فصّل القول فيها ها هنا، وسيتعرض لها -وقد ذكرنا بعضاً منها- وهو أنك تصلي خلف الأئمة جميعاً، ولا تقول: هذا لا أعرفه حتى تتيقن أنه من غير أهل السنة، بل لا بد أن يكون لك يقين أن هذا الإمام فيه بدعة مكفرة تنقله عن الدين، أما غير ذلك فالأصل هو صحة الصلاة خلفه، وإن كان فاجراً، وإن كان صاحب بدعة -كما ذكرنا من قبل- ولم يمكن الصلاة خلف غيره، ولو كان صاحب بدعة وأمكن الصلاة خلف غيره فهذا يترك.

стр. 2107

المدن والأمصار التي اجتمع فيها أهل السنة وأهل البدعة أما الحالة الثالثة: إذا كان البلد أو المصر مختلطاً من أهل سنة ومن غيره من البدع، ففي هذه الحالة يكون الأصل هو التحري، كما لو كان بلداً نصف سكانه من الروافض أو الخوارج، والنصف الآخر من أهل السنة، فيجب على أهل السنة أن يتحروا ولا يصلوا إلا خلف من كان إماماً مثلهم من أهل السنة.

стр. 2108

حكم الصلاة في تلك الأمصار خلف المرء أو عليه ثم يقول ﵀: 'فالصلاة خلف المستور جائزة باتفاق علماء المسلمين، ومن قال: إن الصلاة محرمة أو باطلة خلف من لا يعرف حاله، فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة ' وهنا ننبه إلى مسألة هامة: وهي أن حكم الصلاة خلفه مثلها -أيضاً- حكم الصلاة عليه، فأي جنازة تقدم في مصر من أمصار المسلمين فالأصل أنه يصلى عليه، إذا كان في مصر غلبت السنة عليه، أو لم يعلم يقيناً أن هذا الرجل من الفرق -أو من الناس- المرتدين، فإن علمت حاله يقيناً أنه مرتد؛ فلا يجوز أن تصلي عليه. وهذه ينشأ عنها قضية أخرى، وهي: إذا علمت أنه مرتد ولا يجوز لي أن أصلي عليه، فهل يجب عليَّ أن أقول للناس: لا تصلوا عليه؟ الأولى أن نقول: هذه مسألة أخرى، وهذه تتعلق بالمصالح والمفاسد وما يترتب على ذلك؛ لأن الأصل أن الحكم مناط بالمصلحة أو المفسدة، كما فصل ﵀ في هذه الرسالة، وهناك أدلة كثيرة، لكن نكتفي بذكر واحد منها -فقط- وهو القصة المشهورة الصحيحة: قصة عمر مع حذيفة رضي الله تعالى عنهما. حيث كان عمر ﵁ ينظر إلى حذيفة فإن صلّى على الجنازة صلّى، وإن لم يفعل لم يفعل؛ لأن حذيفة رضي الله تعالى عنه يعلم المنافقين بأعيانهم، وقد أطلعه النبي ﷺ على أعيانهم، لكن مع ذلك لم يقل حذيفة: يا أصحاب رسول الله! هؤلاء المنافقون لا تصلوا عليه، وكذا عمر وهو أمير المؤمنين لم يأمر الناس بذلك، وإنما هو بنفسه لم يفعل. والحقيقة أن الرسالة عظيمة وقيمة، لكن أقول: هناك قضايا لا بأس أن نبسطها، وهي قضايا مهمة جداً، تدل على حكمة الدعوة وحكمة المعاملة، وشَيْخ الإِسْلامِ في رسالة الحسبة ورسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفي رسائل كثيرة بسط هذه المسألة، بل هي ظاهرة في السنة كظهور الشمس لمن أراد الحق وتبينه. فـ عمر أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، ومع قوته في الحق التي لا تخفى، وهو الذي لم يرفع المبتدعة رأساً في زمنه، ولم يستطع الخوارج ولا الشيعة ولا غيرهم أن يرفع رأسه في زمنه، لقوته في الحق رضي الله تعالى عنه كان يستطيع أن يقول للناس: لا تصلوا، فكيف يقتصر على نفسه هو ولم ينه غيره؟ وذلك لأن هذا الأمر فيه سعة، فصلاتك عليه أنت تؤجر عليها لأنك صليت وامتثلت أمر النبي ﷺ ، ولا تعني صلاتك عليه: شهادتك له بالإيمان. وحتى لو شهدت له وقلت: هذا رجل مؤمن -مثلاً- مع أنه رجل باطني مرتد، أو رافضي وأنت شهدت أنه مؤمن على ما ظهر لك فإن الله لا يؤاخذك على ذلك! وسيأتي المصنف بالشواهد الكثيرة. والشاهد أن الصلاة صحيحة خلف مستور الحال، وكذا الصلاة عليه. بل ذهب الأئمة في كتب الفقه إلى أبعد من ذلك، كما في المغني والمجموع للنووي أنه لو قتل في المعركة واختلط أموات الكفار بشهداء المسلمين، قال بعض العلماء: يغسل الجميع ويكفن الجميع، ويصلى على الجميع، وقيل: يصلى عليهم واحداً واحداً، قالوا: وذلك تغليباً لجانب الإسلام. والكلام معروف في أن الشهداء لا يصلى عليهم، لكن قد يكون قتال فتنة، وقد يكون دماراً أو زلزالاً. المهم إذا قتل مجموعة، واختلطت جثث الكفار بجثث المسلمين في غرق أو حريق أو أي شيء آخر. والمقصود أن الأئمة نظرتهم كلهم نظرة تغليب الإيمان، ولم يقل أحد أن الجميع يدفنون بلا صلاة ولا كفن لوجود كفار بين هؤلاء المسلمين. مع أنه قد يكون في المسلمين -والله أعلم- من نعلم حقيقته في الباطن أنه مرتد، لكن يجب علينا أن نعامله بالظاهر، ولم يكلفنا الله تعالى بغير ذلك، ولا يحاسبنا على غير ذلك، وإن أخطأ أحد فنسب مؤمناً إلى النفاق أو الردة، أو أخطأ فنسب مرتداً إلى الإسلام مجتهداً مخطئاً؛ فهذا لا مؤاخذة عليه، والأدلة الصحيحة على ذلك كثيرة، وسيأتي بعض منها -إن شاء الله- هنا.

стр. 2109

صلاة الصحابة خلف الفجرة والظلمة ثم يقول: 'وقد كان الصحابة رضي الله تعالى عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره' أي ليس فقط من لا يعرفون حاله، بل صلوا خلف من يعرفون فجوره كما صلى عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط وكان قد شرب الخمر، وصلى الصبح أربعاً وجلده عثمان بن عفان على ذلك، وقصة الوليد بن عقبة مشهورة في التاريخ، وجَلْدُ عثمان بن عفان ﵁ له مشهور في التواريخ، وبعض الناس يطعن في صحتها على أساس أنه كيف يصلي الصحابة أربع ركعات خلف إنسان سكران، وكيف يصلون الفجر أربع ركعات؟! فأقول: لا يلزم من يصححها أن الصحابة صلوا الفجر أربع ركعات، لأن الإمام إذا قام خطأ، فإنه لا يتابع في ذلك، بل ينتظرونه حتى يكمل الركعة، ولهذا قال لهم: أزيدكم! حتى قال عبد الله بن مسعود: ما زلنا في زيادة منذ اليوم. فلا يلزم بطلان القصة من جهة متنها، وإنما من جهة السند، وهذا شيء آخر راجع إلى اختلاف العلماء في هذه الأمور من الناحية الحكمية، لكن شَيْخ الإِسْلامِ كرر الاستدلال بها أكثر من مرة بناءً على أن كثيراً من الفقهاء استدلوا بها كدليل معتمد أو كدليل استئناس، والمهم أن فقهاء المذاهب الأربعة لا يعتمدون على هذا الدليل وحده، لكن مذهبهم من مجموع الأدلة هو: صحة الصلاة خلف الفاسق. قال: 'وكان عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة يصلون خلف الحجاج بن يوسف -وهذه الواقعة متفق على صحتها لا ينازع في ذلك أحد- وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف ابن أبي عبيد - المختار ابن أبي عبيد كذاب ثقيف- وكان متهماً بالإلحاد وداعياً إلى الضلال'. ولعل قائلاً يقول: كيف يصلون وهم أصحاب النبي ﷺ كـ عبد الله بن عمر وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود وأمثالهم خلف هؤلاء؟ فنقول: هؤلاء مع ظهور بدعتهم أو ضلالتهم أو فجورهم ليسوا مجرد أئمة صلاة، وإنما كانوا أئمة حكم أو نواب عن أئمة الحكم، فهنا لو لم يصلوا خلفهم لحدثت فتنة عظيمة. والمختار بن أبي عبيد الكذاب الذي من ضلالته قيل: إنه ادعى النبوة وما أشبه ذلك، ونقل تكفيره عن كثير ممن عاصره، هذا المختار ما كان ينتحل ويدعي الكفر ويظهره، إنما كان يقول: إنه داعية إلى أهل البيت، وأن الإمام الحقيقي هو محمد بن الحنفية - محمد بن علي بن أبي طالب، لكن يقال له: ابن الحنفية لأن أمه ليست فاطمة رضي الله تعالى عنها، وإنما أمه امرأة من بني حنيفة- فـ محمد بن الحنفية كان المختار يدعي أنه هو الإمام. وكثير من الأمة يقولون: إن محمد بن الحنفية أفضل من بني أمية، ومن المؤلم جداً أنه في سنة (٦٠ أو٦١) هـ حج الناس تحت ألوية ثلاثة أمراء في وقت واحد، فوقفوا بعرفات ثلاثة ألوية، لواء لـ ابن الزبير، ولواء لبني أمية، ولواء لـ محمد بن الحنفية، وكانت الفُرقة عظيمة، فلم يشأ الصحابة أن تزداد فرأوا أن يصلوا خلف هؤلاء حتى يفرج الله عن الأمة، ويأتي بإمام يجمع شملها، وقد اجتمع شملها بعد ذلك، والمقصود هو المصلحة، فحيث كانت المصلحة راجحة وترك الفتنة هو الأرجح وهو الأولى دائماً أخذ بها.

стр. 2110

العذر بالخطأ يقول: 'ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم' قال النبي ﷺ : ﴿قال الله تعالى: قد فعلت﴾ فغفر الله ﵎ لهذه الأمة الخطأ والنسيان، فهي غير مؤاخذة به.

стр. 2111

التكفير في المسائل الخلافية ولذلك لا يجوز تكفير المسلم بما فعله من الذنوب التي هي دون الشرك أو الكفر، ولا يجوز تكفيره بخطأٍ أخطأ فيه وإن كان في المسائل العلمية؛ حتى مما له علاقة في أمور الاعتقاد، وهذا فيما تنازع فيه أهل القبلة فمن نازع في المرتبة الأولى من مراتب القدر -وهي مرتبة العلم- فهو كافر بالاتفاق. إذاً هذه مسألة لا تحتاج إلى اجتهاد؛ لكن من نازع في مسألة خلق أفعال العباد فقال: إن العباد هم الذين يخلقون أفعالهم فقد يكون مبتدعاً ضالاً، وقد يكون مخطئاً؛ إذا ظن أن النصوص تدل على ذلك، فلا يخرج عن أهل السنة والجماعة إذا لم يتبع غيرها لا فلسفةً أو منطقاً، أو كلام يونان، أو كلام واصل بن عطاء، أو عمرو بن عبيد، لكن اجتهد وظن أن المسألة موضع اجتهاد، وفهم بعض الأحاديث على غير ظاهرها ووجهها، فقال قولاً في هذه المسألة وما أشبهها، وإذا بهذا القول موافق لما تقوله المعتزلة، أو لما يقوله نفاة الصفات أو غيرهم. فنقول: هذا السني الذي هو من أهل السنة في منهجه وفي دعوته، ولكن أخطأ فوافق أهل البدعة لا يخرج من أهل السنة، ولا يؤاخذ، وهو الذي جاءت الآية والأحاديث فيه أنه لا يؤاخذ، لكن لا يتابع ولا يقر على ذلك. وهذه مسألة أخرى، فهو لا يقر على خطئه، ولا يقال: لا أحد يرد عليه، أو يبين خطأه، ومن ذلك أن أهل السنة والجماعة مجمعون على أن الإيمان قول وعمل، ومرجئة الفقهاء قالوا: إن الإيمان هو التصديق والإقرار باللسان، وأن الأعمال لوازم وثمرات ولا تدخل في حقيقته، فلا يخرجهم ذلك من الملة، ولا يجوز أن يكفروا به وهكذا. وقد يخطئ مخطئ من أهل السنة فيجتهد فيقرّب بين وجهتي النظر، أو يرجح مذهب الفقهاء ويكون مخطئاً، ولا يقال عنه إلا أنه مخطئ، ويرد عليه، ويرد إلى الحق حسب الحكمة، ومراعاة الضوابط.

стр. 2112

معاملة الصحابة للخوارج ثم يقول: ' والخوارج المارقون الذين أمر النبي ﷺ بقتالهم، قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم'. وهؤلاء الذين ورد النص صريحاً في قتالهم، فـ علي ﵁ يأمره أصحابه ويقول: ابحثوا عن ذي الثدية، فيقولوا: ما وجدناه، قال: والله ما كذبت ولا كُذبت، ويأمرهم بالبحث عنه، وهو رجل -كما في الحديث- له مثل الثدي في يده، فبحثوا حتى وجدوه تحت الجثث فجاءوا به. فالمقصود أنه مع وضوح قتالهم كالشمس في رابعة النهار، ومع ورود أنهم يمرقون من الدين، وأن صلاتهم وصيامهم لا تنفعهم، وأنهم كلاب أهل النار، وهذه أوصاف نصية قطعية، مع ذلك عوملوا معاملة المسلمين في أحكام القتال، فلم يقاتلوا حتى اجتمعوا وأمرُّوا أميراً فخرجوا عن الجماعة، ثم سفكوا الدم الحرام، ثم لما قوتلوا لم تُسبَ نساؤهم وذراريهم، ولم تُغنم أموالهم، ولم تبطل عقودهم في النكاح وما أشبه ذلك من المعاملات. يقول: 'وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يُكفَّروا مع أمر الله ورسوله ﷺ بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم' أي: إذا كان اشتبه الحق على بعض العلماء، واستبان البعض لغيرهم، فلا يجوز لهم أن يكفر بعضهم بعضاً، ولا أن يضلل بعضهم بعضاً، والمسألة التي أسوأ من هذا أنه قد يكون البعض ممن ليس من العلماء، ولكنه يضلل العلماء -وهذه أشد- لكن الكلام هنا عن العلماء أنفسهم إذا اختلفوا في مسائل؛ فإنه لا يجوز أن يبغي بعضهم على بعض، ولا أن يضلل بعضهم بعضاً. والقاعدة في هذه الأمور جميعاً هي: العدل والقسط، وقد أُمرنا أن نكون شهداء لله قوامين بالقسط، وقوامين لله شهداء بالقسط -كما في الآية الأخرى- وهذا هو الميزان الذي يجب أن يكون عند أهل السنة وعند شبابهم جميعاً.

стр. 2113

ميزان التعامل مع المخالف ثم يقول: 'فكيف إذا كان المكفرة لها مبتدعة أيضاً؟ ' أي: أن هذا الميزان لما فقد، وقال الله تعالى: ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٨ - ٩]. فقد حصل الضلال عند المسلمين من جهتين -كما ذكر ﵀ طائفة من جهة الإفراط، وطائفة من جهة التفريط. أما التي من جهة التفريط وهي أكثر المسلمين -مع الأسف- فإنهم يزكون ويشهدون للإنسان بالخير أياً كان، حتى وإن لم يصل، بل يقال: ﴿ما أظرفه، ما أجلده، ما أعقله، وليس في قلبه مثقال حبة من إيمان!﴾ وتهاونوا في هذا الأمر، حتى إنهم قد يعدّون بعض المرتدين والمجرمين من المؤمنين المتقين، وهذا الحال الذي غلب على أكثر الناس -نسأل الله العفو والعافية- وهذا لا يجوز؛ لأن الميزان يجب أن يكون بما شرع الله . والطائفة الأخرى: التي أخذت بجهة الإفراط والغلو، وهؤلاء يأتي منهم البغي، ويأتي منهم العدوان والظلم. وأهل السنة والجماعة بريئون من هذا وهذا، ومنهجهم ومذهبهم وتعاملهم دائماً هو بالقسط، فلهذا لو آذاهم من آذاهم، وبما يؤاذيهم به، ولو وصل الأمر إلى أن يقتلهم فإنهم لا يظلمونه، ولا ينكرون حقاً أو فضلاً له، ولا يغمطونه خيراً عنده، ومثال ذلك الحجاج حيث كان نائباً لبني أمية، وقد قتل من أهل السنة سعيد بن جبير، وقتل من القرّاء من قتل، فهل أنكر وجحد أهل السنة له أنه أرسل الجيوش وفتح البلاد، وأدخل في دين الله أمماً كثيرة؟ وهل أنكروا له أنه لما مات لم يخلف إلا مصحفاً وبضعة دراهم، وأنه لم يكن يأخذ من بيت المال شيئاً؟ فلم ينكروا أي فضيلة من فضائله ولم تغمط، بل تذكر هذه، وتذكر هذه. وهذه كتب السنة، وكتب الرجال، وكتب التاريخ التي كتبها أهل السنة -والحمد لله- ميزان صحيح لا يحيف ولا يجور أبداً، وبالعكس لو أن منافقاً داهن أهل السنة وولاهم ومكنهم، فسيعلنون أنه منافق، أو أنه مظهر للفجور أو البدعة، فهم يقولون ما فيه. فالشاهد أن تعامل أهل السنة يكون بحسب النص، وكما أمر الله ورسوله ﷺ ، ولولا أن الله أمر أهل السنة بالصلاة خلف البر والفاجر، أو على البر والفاجر، والغزو والجهاد مع البر والفاجر لفعلوا كما فعلت المعتزلة والخوارج فتركوا من أجرم وهكذا. سواء في ذلك أئمة الحكم، أو أئمة الصلاة وغير ذلك، ولو أنه يجوز لهم أن يداهنوا مع ظهور الكفر والردة والانحراف لكان الله تعالى أجاز لهم ذلك، فهو أرحم بهم من أنفسهم ولداهنوا كما يداهن غيرهم، لكنهم إنما يزنون الأمور بميزان الشرع. ولهذا لما أوذوا في أيام المأمون لم يداهنوا، بل أوذوا وسجنوا وعذبوا لأن المخالفة للسنة واضحة، ولم يرضوا أن تنتهك هذه العقيدة بذلك الشكل، ومع ذلك مواقفهم في الصبر على الأذى مشهودة ومعلومة -والحمد لله- ولم تخرجهم عن منهجهم في التمسك بالنص، والحكم بالميزان والقسط.

стр. 2114

حكم المتأول المكفِّر والمبدِّع لغيره يقول: 'وإذا كان المسلم متأولاً في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك' فإذا جاء شخص مسلم فتأول وكفّر مسلماً، أو قاتل مسلماً متأولاً، فإنه لا يكفر بذلك، فهذا عدل أهل السنة وهم ينظرون في هذا الجانب، فحتى لو أخطأ فاعتدى أو اتهم أو كفّر فلا يقابل بالظلم ولا أو البغي، وإنما يعامل أيضاً بالعدل وبالحق. الدليل؟ ويستدل على ذلك بدليلين صحيحين ثابتين، والدليل الأول: قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في حاطب بن أبي بلتعة حينما قال: ﴿يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق﴾ وهذه قصة معلومة مشهورة في الصحيحين وفي غيرهما. فحكم عمر رضي الله تعالى عنه على حاطب بأنه منافق، ورأى استحلال دمه. والقضية واضحة ليس فيها اجتهاد ولا تأويل؛ فالنبي ﷺ لم يطلع على السر -وهو غزو قريش- إلا قلة من الصحابة ومنهم حاطب، فكيف يجرؤ أن يكتب كتابه إلى الكفار، ويخبرهم أنه ﷺ قادمٌ إليهم يغزوهم؟ فليست هي خيانة لواحد أو اثنين، ولهذا يقول عمر رضي الله تعالى عنه: ﴿يا رسول الله! دعني أضرب عنقه﴾ وقال في آخر الحديث: ﴿فقد خان الله ورسوله والمؤمنين﴾ أي: فكيف نتركه يعيش وقد خان الله وسوله والمؤمنين، وصار جاسوساً للكفار الذين يعبدون الأصنام، ويحاربون رسول الله ﷺ . فقد يظهر أن القضية واضحة -وهذه هي المشكلة عند كثير من الناس- ولذلك فالنبي ﷺ رد عمر بالدليل الواضح، وهو أن حاطباً شهد بدراً، وقد قال ﷺ : ﴿لعل الله تعالى اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم﴾. الدليل الثاني: حديث الإفك الطويل حيث جمع النبي الناس وخطب فيهم: ﴿من يعذرني في رجل آذاني في أهل بيتي، ولا أعلم عن أهل بيتي إلا خيراً -يريد أن يرى رأي الأنصار والمهاجرين في هؤلاء الذين افتروا على أم المؤمنين هذا الإفك العظيم والفرية العظيمة- فقام إليه سيد الأوس سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، وقال: يا رسول الله! إن كان منا معشر الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا الخزرج فأمرني بأمرك أفعل ما تشاء﴾. فقام سيد الخزرج سعد بن عبادة وكان مؤمناً، ولكن أخذته الحمية، فهو سيد قبيلته، فقال لـ سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه ﴿كذبت، والله لا تفعل ذلك ولا أدعك تفعل﴾ واحتدم النقاش واختصموا، فقال له أسيد بن حضير رضي الله تعالى عنه وكان ابن عم سعد بن معاذ: ﴿والله ليفعلن، ولكنك منافقٌ تجادل عن المنافقين، فاختلف القوم حتى هموا أن يقتتلوا﴾ أي: كاد أن يقع القتال بين الأوس والخزرج بسبب هذا الموقف. والشاهد: أن عمر قال لـ حاطب: إنه منافق قد خان الله ورسوله والمؤمنين, وأن أُسيداً قال لـ سعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين، فلم يرتب النبي ﷺ على قوليهما حكماً؛ لأن كلاً منهما أصل كلامه وموقفه هو الغيرة على دين الله، والانتصار للحق، ولم يقصد مجرد الهوى، أو الطعن أو التكفير -مع أن النفاق هنا هو النفاق الأكبر- ولذلك ما قال النبي ﷺ لهما: ﴿فقد باء بها أحدهما﴾ ولم يقل أحد: هذا قد كفرني يا رسول الله! وإنما النبي ﷺ ومن كان يسمع قدروا الموقف، وعلموا الدافع. فالمقصود من هذا أنه حتى لو أخطأ المخطئ فكفّر أو بدّع أو ضلل وكان اجتهاداً منه، وغرضه الحق والدفاع عن الحق وإقامة الدين، فإنه يُخطئ في اجتهاده، ولا يقال: هذا صار من الخوارج ممن يكفر بالذنب، بل يُرد إلى الحق، وهذا هو الموقف العدل. قال شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: 'فهؤلاء البدريون فيهم من قال للآخر منهم إنك منافق' فـ عمر وحاطب بدويان: 'ولم يكفر النبي ﷺ لا هذا ولا هذا، بل شهد للجميع بالجنة'. يقول: 'وكذلك ثبت في الصحيحين أن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه: ﴿قتل رجلاً بعدما قال: لا إله إلا الله، وعظم النبي ﷺ ذلك لما أخبره، وقال: يا أسامة بن زيد! أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟! وأخذ يكررها، حتى قال أسامة بن زيد: حتى تمنيت أني لم أسلم إلا يومئذٍ﴾ ومع هذا لم يوجب عليه قوداً ولا ديةً ولا كفارة'. ويمكن أن يأتي شخص ويقول: الآية هكذا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:١٧٨] إذاً نقتل أسامة بن زيد بهذا الرجل، وليس الأمر كذلك لأن أسامة بن زيد فعله متأولاً مجتهداً، فقال: ﴿إنما قالها خوفاً من القتل﴾ فهو يتمنع بها من السيف، وهذا اجتهاده، ولو قال: هذا رجل مسلم معصوم الدم وبريء ولكن أنا سأقتله؛ فهنا يقع القود وتكون التهمة؛ فبالنسبة للميت يقال لمن قتله: ﴿أشققت عن قلبه؟﴾ كيف عرفت أنه إنما قالها تعوذاً أو خوفاً، فلو جاء أولياء المقتول، وقالوا: يا رسول الله! إنه قتل أبانا بعدما شهد أن لا إله إلا الله، فلن يقول: نعم هذا قتله إذن نقتله به، أو يدفع الدية، لأنه لا يعني خطؤه أن يقاد به، أو يدفع الدية، لأنه فعله مجتهداً متأولاً. يقول ﵀: 'فهكذا السلف قاتل بعضهم بعضاً من أهل الجمل وصفين ونحوهم، وكلهم مسلمون مؤمنون كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]-إلى آخر هذه الآية- فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم، وبغي بعضهم على بعض، إخوة مؤمنون، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل، ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين' وهذه هي الأخلاق العالية، فالصحابة رضي الله تعالى عنهم والسلف ليسوا هم أفضل الأمة فقط في حالة الاتفاق، بل أفضل الأمة في المواقف عند الاختلاف، فيقاتل بعضهم بعضاً لاجتهاده أنه ينصر الدين. ولكن لم يقطعوا الموالاة في الدين فيما بينهم، يقول: 'ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين، ولا يعادون كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض' لا كما قال الخبيث واصل وأمثاله: لو شهدوا على باقة بقل أو على درهم ما قبلت شهادتهم؛ يعني أهل الجمل أو صفين. قال ﵀: 'ويأخذ بعضهم العلم عن بعض' فعندما وقعت الفتنة لم يقل علي رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله ﷺ كذا، فيقوم -مثلاً- أهل الجمل أو أهل صفين فيقولون: لا تأخذوا عنه الدين، بل كانوا: يأخذون العلم بعضهم عن بعض، وبعد أن هدأت الفتنة رجعت الأمور إلى مجاريها، وكانوا يأخذون العلم عن الصحابة، وعن السلف أجمعين من غير أن يقولوا: هذا كان من أصحاب كذا، وهذا كان من أصحاب كذا، فهذه النفوس العالية التي ارتفعت وأصبحت أهلاً لأن تحمل أمانة هذا الدين، فكان يشهد بعضهم لبعض، وتقبل شهادتهم لبعض أو على بعض. قال ﵀: 'ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم بعضاً' حتى وإن كان هذا في صف، وهذا في صف، فالمعاملة واحدة على الاسلام، رغم وقوع أشد أنواع الاختلاف، وهو الاقتتال بالسيف. ثم يستدرك ﵀ ويأتي بأدلة تبين أن الفرقة واقعة، وأن الخلاف واقع، وإنما الواجب علينا أن نتقي الله إذا وقع الخلاف، ونحسن التعامل قال: 'وقد ثبت في الصحيح: ﴿أن النبي ﷺ سأل ربه، ألا يهلك أمته بسنةٍ عامة فأعطاه ذلك، وسأله ألا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فأعطاه ذلك، وسأله ألا يجعل بأسهم بينهم فلم يعط ذلك﴾ وأخبر أن الله لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم يغلبهم كلهم حتى يكون بعضهم يقتل بعضاً، وبعضهم يسبي بعضاً، وثبت في الصحيحين: ﴿لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥] قال: هاتان أهون' أو قال: هذه أيسر، وهذه أهون، وهذا الحديث مشهور. والمقصود أن الفرقة حق وواقع، وهي عذاب لم يرفع عن هذه الأمة، بل ذكر النبي ﷺ في حديث صحيح آخر: ﴿هذه الأمة عذابها الفرقة وفتنتها المال﴾ فعذاب هذه الأمة الفرقة، وأكبر ما عذبت به في تاريخها الطويل هو الفرقة وليس الصليبيين أو التتار، أو اليهود، أو النصارى، ونسأل الله أن يجمعها على الحق إنه سميع مجيب.

стр. 2115

الفرقة قَدَر الأمة الفرقة واقعة والأصل هو الاجتماع، وهو الذي يجب أن يدعى إليه دائماً، لذلك ذكر بعد ذلك، قال: 'هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن البدعة والاختلاف' أي: أمر الله الشرعي، وليس أمر الله القدري، فأمر الله الشرعي الديني، أن نكون أمةً واحدة، وأن نعتصم بحبل الله، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] فهذا أمرٌ شرعيٌ ديني، لكن الأمر الكوني الذي قضاه وقدره هو وقوع الخلاف، حتى إن رسوله ﷺ وهو أحب خلقه إليه تضرع وصلّى صلاة رغبة ورهبة، ودعا الله، ولم يعط هذه، ولكن قال: ﴿هذه أهون أو هذه أيسر﴾ أن تختلف الأمة أيسر. فمع الاختلاف هي أمة مرحومة؛ من جهة أنها لم يسلط عليها عدو يستأصلها، ولم يسلط عليها عذاب يأخذها من فوقها ولا من تحت أرجلها؛ لكن أيضاً هي أمة معذبة لأنها تذنب، ولأن الله تعالى لا يحابي أحداً، بل يؤاخذ ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] فهذه الأمة تعمل السوء فتجزى وتعاقب بالعذاب الذي هو الفرقة.

стр. 2116

بذل الجهد في دفع الفرقة وإقامة الملة ثم ذكر ما أمر به النبي ﷺ من الاجتماع والوحدة إلى أن قال: 'فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين، أن يصلي معهم الجمعة والجماعة، ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالاً أو غالياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك إن أمكن' وهذا كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤] فنحن دعاة ندعو الضال، ونرشد الغاوي، وندعو المرتد، والفاجر، وأنفسنا إلى الخير. قال: ' فعل ذلك إن أمكن وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وإذا كان قادراً على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاَّه، وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه' فهذا واجب على الأمة. والإمامة الكبرى الأصل أن يولى فيها من اجتمعت فيه الشروط الشرعية، وإذا قدرت الأمة على ذلك تعين القيام به. والإمامة الصغرى في الصلاة يجب على الأمة أن تسعى لتعيين الأئمة الأتقياء البررة، الذين يخلون من الفجور والبدع، لكن إن لم يمكن ذلك، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، يقول: 'وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه الأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً﴾ '

стр. 2117

مسألة هجر المبتدع يقول: ' وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره' فهجر المبتدع ليس على الإطلاق -فمثلاً-: إذا كان أهل السنة في مدينة من المدن، لا تزيد نسبتهم في هذه المدينة على واحد في الألف أو (١%) وواحد منهم اجتهد فأخطأ فهجرته لأنه مبتدع، أو نهجر هؤلاء الناس لأنهم مبتدعة، فمعنى ذلك أنك هجرت نفسك لأنه لا يوجد إلا أنت، وفلان وفلان وأنتم غرباء، فموضوع الهجر مرتبط -أيضاً- بالمصلحة والمفسدة. ومن هنا لا إشكال ولا تعارض بين فعله ﷺ ، وبين ما فعله الصحابة أو التابعون في هذا الأمر، فالنبي ﷺ هجر الثلاثة الذين تخلفوا في غزوة تبوك، والجيش قوامه -على بعض الروايات- أربعون ألفاً، ولم يحدث قتال، والإسلام قد ظهر، ولا يضر الجيش أبداً أنه نقص منه ثلاثة أنفار، وبعضهم كبير طاعن في السن، فلو حضر لربما لم ينفع بشيء، ولكن هجرهم النبي ﷺ ولم يهجر من تخلفوا عن بدر، ولا من تخلفوا عن الأحزاب، وهنا الحكمة تظهر، فكان الهجر وقت القوة ووقت الظهور ووقت الغلبة؛ لأن الحكمة أنك لا تكون شاذاً إذا أجمعت الأمة؛ والدين قد ظهر، فحتى المنافقون خرجوا مع الجيش، فتتخلف أنت على فضلك. فهجره في مثل هذه الحالة يشعره بالشذوذ، حتى أقرب أقربائه لم يرد ﵇، فكان الألم شديد. والتزمت الأمة الهجر، لكن أمة لا تلتزم بالهجر، وأمة أهل الحق فيها قلة قليلة، وليس الحق فيها واضحاً ظاهراً، بحيث أن من خالفه يعد شاذاً، بل الأصل هو الشاذ إلى آخر هذه الاعتبارات، فمن يريد أن يطبق فيها حكم الهجر فقد أخطأ، وهذا الذي كان في أول الإسلام. وكذلك كان حال أئمة السنة، فأول ما ظهر أهل البدع كانوا يهجرونهم هجراً مطلقاً، أيوب وميمون بن مهران والحسن البصري ﵀. فيقول أحدهم عن مبتدع: أقسمت بالله أن لا يضمني وهو إلا سقف المسجد، والآخر يقول نفس الكلمة، فكان هجراً كاملاً، وهذا في القرن الأول أو القرن الثاني حين كانت السنة قوية وظاهرة. لكن الذي حصل في القرون المتأخرة لما أصبح الخلفاء معتزلة، والقضاة، والوزراء معتزلة، وتحولت الأمة إلى معتزلة، أو روافض، فـ أهل السنة في هذه الحالة اضطروا أن يخالطوهم، واضطروا أن يغيروا المعاملة؛ لأن الحكمة هنا غير الحكمة هناك، وإلا فـ أهل السنة هم كما كانوا، والمنهج واحد، لكن المصلحة تغيرت. يقول: 'وإن كان في هجره لإظهاره البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره، كما هجر النبي ﷺ الثلاثة الذين خلفوا حتى تاب الله عليهم، وأما إذا ولي غيره بغير إذنه، وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلاً وضلالاً، وكان قد رد بدعةً ببدعة' فالذي يفعل هذا الفعل رد بدعة ذلك المبتدع ببدعة أخرى وهي ترك الجمعة والجماعة. لكن إذا كان في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية، كما لو كان المأموم ممن له شأن أو يقتدى به، ولو صلّى خلفه لقيل: فلان صلّى خلفه، فيضلل أهل السنة ويقتدون به، فلا يصلي خلفه، وإن كان معيناً من قبل غيره ممن له الولاية؛ لأنه يقتدى به، والمصلحة هنا في أنه لا يصلي، أما من لا مصلحة من هجره كالعامي أو ما أشبه ذلك فهذا حاله يختلف.

стр. 2118

مسائل في إعادة الصلاة

стр. 2119

حكم إعادة الصلاة خلف الإمام الفاجر أو المبتدع يقول: 'حتى أن مصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة وكرهها أكثرهم، حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس من أعادها فهو مبتدع وهذا أظهر القولين'. ونقل عن الإمام أحمد في مسألة إعادة الصلاة قولان: القول الأول: الإعادة، ونقلوا أنه كان وهو في السجن يصلي خلفهم، ثم يعيد الصلاة سراً. والقول الثاني: عدم الإعادة، وقد رجح شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ في أكثر من موضع، أن الراجح عدم الإعادة. وعلى هذا فما تجدونه في كتاب الشيخ -مثلاً- سليمان بن سحمان -وهو كتاب كشف الشبهتين وبعضه مأخوذ من كتاب توحيد الخلاق وأمثاله من رسائل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مِن تعرضٍ لهذه المسألة وترجيحهم إعادة الصلاة فهم أخذوا برواية، وشَيْخ الإِسْلامِ رجح رواية أخرى. ولا إنكار في ذلك؛ لأن الكلام الذي أورد على الروافض وعلى الجهمية الذين ينكرون علو الله، وينكرون الصفات، وشَيْخ الإِسْلامِ هنا في الحقيقة تكلم عن المبتدعة الذين هم دون ذلك، وعلى هذا فلا إشكال من حيث العمل والتطبيق. يقول: 'لأن الصحابة -أي هذا هو وجه الترجيح- لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع، ولم يأمر الله تعالى قط أحداً إذا صلّى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة'.

стр. 2120

حكم إعادة الصلاة للمتيمم والمحبوس وأشباههم ويقول: 'ولهذا كان أصح قولي العلماء أن من صلّى بحسب استطاعته لا يعيد حتى المتيمم لخشية البرد، أو المصلي لعدم الماء والتراب إذا صلّى بحسب حاله، والمحبوس وذوو الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطعة، لا يجب على أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلّى الأولى بحسب استطاعته' ثم استدل على ذلك بالحديث، يقول: 'وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة صلوا بغير ماءٍ ولا تيمم لما فقدت عائشة عقدها، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة، بل أبلغ من ذلك أن من كان يترك الصلاة جهلاً بوجوبها لم يأمره بالقضاء، فـ عمر وعمار لما أجنبا فـ عمر لم يصل، وعمار تمرغ كما تتمرغ الدابة لم يأمرهما بالقضاء، وأبو ذر لما كان يجنب ولا يصلي لم يأمره بالقضاء، والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة منكرة منعتها الصلاة والصوم لم يأمرها بالقضاء، والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم يأمرهم بالقضاء، وقد كانوا غلطوا في معنى الآية، والمسيء في صلاته لم يأمره بإعادة ما تقدم من الصلوات، والذين صلوا إلى بيت المقدس بـ مكة والحبشة وغيرهما بعد أن نسخت -أي: نسخ التوجه إلى بيت المقدس - لم يأمرهم بالإعادة، فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، بل قد جعل الله لكل شيء قدراً'. وهذه الأدلة معروفة في كتب الفروع، والأحكام ثابتة أن النبي ﷺ لم يأمر أصحابها بالقضاء، لأنهم إما متأولون، وإما جهلة بالحكم، فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، وفي الجاهل متى يعذر، ومتى لا يعذر تفصيل آخر، نسأل الله أن ينفعنا جميعاً بما نسمع وما نقول، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2121

الأسئلة

стр. 2122

نصيحة حول التعامل مع بعض أئمة المساجد السؤال ما حكم الصلاة وراء إمامٍ يقول في خطبة الجمعة أحاديث ضعيفة, وإذا أخبرناه أن الحديث ضعيف، قال: أنا أعرف أحسن منكم، وصلاته سريعة جداً، وإذا نصحناه قال: هذا على قدر الفلوس التي يعطوني إياها، علماً بأن المسجد ليس تابعاً للأوقاف؟ الجواب لا بد من مراعاة المصلحة، فإن كان في وجوده مصلحة كأن لا يوجد مثل هذا الإمام فليبق، ولا تترك الجمعة والجماعة، وينبه ويرشد إلى الأحاديث الضعيفة، والمسئولية على الأمة في جملتها، وعليها الاهتمام بالمساجد والصلاة. وأيضاً فيما يتعلق بالحديث، إذا قلت له: الحديث ضعيف، فقال: بل هو صحيح، فإن ذلك لأنه قد لا يراك شيئاً، لكن لو أتيت وقلت له: يا شيخ! كأني سمعت أن هذا الحديث ضعيف، فما رأيك أن نتصل أنا وإياك بالشيخ فلان وننظر صحة الحديث، فإنه سوف يستجيب لك غالباً، لكن عندما تقول له: هذا ضعيف، فسوف يقول لك: ليس هذا من اختصاصك، أو أنا أعرف منك، وذلك لأن الأسلوب له دوره، فيجب أن تكون الأمور تابعة للمصلحة والحكمة. والله المستعان!

стр. 2123

سبب نشوء تسمية أهل السنة والجماعة السؤال يقول تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] فلماذا لا يتسمى أهل السنة والجماعة بهذا الاسم؟ الجواب ﴿ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] فالأصل أن اسمنا هو المسلمون، وهذا هو الأصل فلما افترقنا إلى فرق وطوائف، سُمي من كان على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أهل السنة وسموا الجماعة؛ لأن الباقين أهل بدعة وأهل فرقة واختلاف، تفرقوا عن الحق وتركوه، كما ذكر الإمام أحمد ﵀ في مقدمة خطبته، فهم مختلفون في الكتاب ومخالفون للكتاب. فيبقى ذلك الاسم في مقابل الكفار فنقول: المسلمون. ونقول: أهل السنة والجماعة مقابل أهل البدعة والفرقة.

стр. 2124

ظلم العبد نفسه تحدث الشيخ حفظه الله تعالى عن موضوع عظيم وقاعدة هامة من قواعد تعامل القلوب مع رب القلوب، وتتعلق هذه القاعدة بالكبائر والصغائر، ومفادها أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغائر من قلة الحياء وعدم المبالاة والخوف ما يلحقها بالكبائر، فرُب معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خيرٌ من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.

стр. 2125

أهمية أعمال القلوب قال ابن أبي العز ﵀ في شرح الطحاوية: 'وقد اختلفت عبارات العلماء في الفرق بين الكبائر والصغائر -وستأتي الإشارة إلى ذلك عند قول الشيخ ﵀:- (وأهل الكبائر من أمة محمد في النار لا يخلدون) ولكن ثَمَّ أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره، وأيضاً: فإنه قد يعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره، فإن فاعل السيئات تسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب، عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة' أ. هـ هذا الموضوع موضوع عظيم، فإن خير الموضوعات وأنفع العلوم ما كان عِلاجاً للقلوب وأدوائها وأسقامها، وأعظم البلايا والأسقام هو الشرك، كما تحدثنا عنه سابقاً. ثم هنا نأتي إلى قاعدة عظيمة فيما دون الشرك، وهي الذنوب التي لا بد أن يصيبها العبد وأن يَلِم بها.

стр. 2126

أنواع الذنوب المصنف ﵀ بعد أن ذكر الديوان الذي لا يغفره الله تعالى أبداً، ثم ذكر الديوان الذي لا يترك الله تعالى منه شيئاً، ثم أراد أن يبين الديوان الثالث: وهو ظلم العبد لنفسه مع ربه تعالى فيما دون الشرك، الذي ينقسم إلى كبائر وصغائر، وأحال موضوع الفرق بين الصغيرة والكبيرة إلى ما بعد، وهناك سيأتي التفصيل بإذن الله تعالى ونذكر الأقوال في ذلك.

стр. 2127

قاعدة في الكبائر والصغائر وبعد أن أشار إلى ذلك، ذكر هذا الاستدراك العظيم، الذي هو قاعدة من قواعد تعامل القلوب مع رب القلوب ﵎، قال: 'ولكن ثم أمر ينبغي التفطن له'. ولا يجوز أن يُغفل عنها، وهي قاعدة عظيمة من القواعد التي استخرجها أمثال هذا العالم الفاضل، ومن نقل عنهم ﵏ أجمعين- استخرجوها من كتاب الله، ومن سنة رسول الله، ومن سير العباد من السلف الصالح، الذين قاموا لله ﵎ بواجب العبودية على نحوٍ يقتدي بهم من بعدهم. قال: وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، وإلى أي شيء يرجع الأمر في ذلك؟ قال: وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره. ثم شرع في موضوع التوبة، وأسباب سقوط العقوبة التي أولها التوبة. فالقاعدة هي أن الذنوب: إما كبائر وإما صغائر، لكن الكبيرة التي فعلها صاحبها -وصورة العمل الظاهر الخارجي أن هذا مرتكب للكبيرة- استدرك عليه بقوله: فعل الكبيرة قد يقترن به من الحياء، والخوف، والاستعظام ما يلحقها بالصغائر -وبالعكس- الصغيرة قد يقترن بها من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر. وهذا مفتاح لباب عظيم من أبواب التربية الإيمانية القلبية.

стр. 2128

أهمية القلب في أعمال العبد فالقضية قضية القلب، وإنما الجوارح تتحرك وتعمل وتتأثر لما يحصل في القلب، كما بيَّن ذلك النبي ﷺ ، ولذلك فمن الواجب إصلاح القلوب؛ لأنها محط ومحل نظر الرب من العبد. يقول بعض العلماء -وهي حكمة عظيمة مأثورة- ': رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً'. فبعض الناس قد يعصي الله، وتكون هذه المعصية سبب الخير وبداية التوبة والهداية في حياته، والبعض ربما كانت الطاعة بداية انحرافه وزيغه، ودخوله في باب الرياء والعجب، ثم خروجه نهائياً من طريق أهل الاستقامة وأهل السنة.

стр. 2129

وقائع تبين أهمية القلب في أعمال العبد يجب على المؤمن الذي يريد تنقية قلبه، ويحرص على تقوى الله أن ينتبه إلى هذه الحقيقة، والأدلة عليها كثيرة جداً، مما ثبت وصح في الوحي، وكثيرة من واقع الناس، وهو المشاهد من أحوال الناس الذين كانوا على ذنوب وفجور ثم تابوا واستقاموا، والذين كانوا على طاعة وخير وعلى طلب علم ودعوة ثم انحرفوا وحاروا، نسأل الله العفو والعافية.

стр. 2130

قصة الرجل الذي أوصى عند موته بأن يحرق كمثل حديث الرجل الذي أوصى بنيه عند موته، وقد رأى نفسه مسرفاً في المعاصي، فخاف من الله تعالى أن يلقاه بهذه الحال، فأوصى أن يحرقوه ويسحقوه، ويذروه في الريح، مع أن هذا الرجل ارتكب ذنباً أكبر ووقع في إثم عظيم، ولكن بسبب هذا الاستعظام والخوف والحياء غفر الله ذنوبه المتأخرة والمتقدمة، وهذا الذنب العظيم والخطأ الجليل هو ظنه أن الله لا يقدر عليه إذا هو مات. يقول: ﴿إذا أنا مت فاجمعوا الحطب واحرقوني، ثم ذروني في الهواء، وضعوا نصفي في البحر، والنصف الآخر في البر، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين، ثم جاءه السؤال من رب العالمين: لم فعلت ذلك؟ -ولم يكن السؤال عن الموبقات ولا عن الذنوب الأولى، إنما كان عن هذا الخطأ الكبير- فقال: خوفك يا رب، أو خشيتك يا رب، فغفر الله ﵎ له﴾. إذاً، إذا اقترن بالذنوب والمعاصي خوف وتعظيم، وهيبة لله ﵎، فإن هذه الذنوب: إما أن تمحى أو تكفر، أو تكون -كما قال الشيخ وهي كبائر- صغائر، أو كالصغائر، فتأخذ حكمها، كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] تكفر لما اقترن بها من خوف وخشية وذلة، وهذا الدليل الأول.

стр. 2131

قصة توبة الرجل الذي قتل مائة نفس والدليل الآخر هو دليل الرجل قاتل المائة نفس، وقد كان قتل في أول الأمر تسعة وتسعين، فذهب إلى العابد فلم تعجبه فتواه فقتله. وهذا الحديث -على كثرة ما فيه من الحكم والدلالات- يدل على فضل العالم على العابد، فقد قال هذا القاتل لذلك العابد: ﴿إني رجل قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟ فاستعظم الراهب ذلك، فقال: لا أجد لك توبة﴾. وهذا من قلة العلم والفطنة -كما ذكر العلماء- فإذا قلت له: لا أجد لك توبة؛ فكيف تأمنه على نفسك، وعلى غيرك من الناس؟! على أقل القليل كان من الحكمة أن تقول له ما تدفع به شره في هذه الحياة الدنيا. ﴿فلما قال له ذلك أكمل به المائة، وبعد ذلك ذهب إلى العالم، فأخبره بأن له توبة، وأرشده أن يذهب إلى القرية الصالحة ليعبد الله ﵎ فيها، ثم كان من أمره: أن قبضه الله تعالى واختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وهذا فيه دليل على أن الملائكة تجتهد في أمر الله ﵎، كما نجتهد بني آدم، فأخذوا ينفذون أمر الله تعالى، فملائكة الرحمة تقول: رجل تائب مقبل على الله، كيف ندعه لكم؟ وملائكة العذاب تقول: وأي توبة حصلت لرجل قتل مائة نفس، فحكم الله بينهم وهو الحكيم العليم أن انظروا إلى أي القريتين أقرب فألحقوه بأهلها﴾. وجاء في بعض الروايات، من رحمة الله ﴿أنه أمر هذه أن تتباعد، وأمر هذه أن تتقارب، فقاسوا فوجدوه إلى أرض التوبة أقرب فغفر الله ﵎ له، وتولته ملائكة الرحمة﴾. وعندما نستعرض موضوع التوبة -إن شاء الله- سنتعرض مسألة هل تقبل توبة القاتل أم لا؟ وهذا الرجل القاتل لما اقترن به الخوف من الله دفعه إلى أن يبحث عمن يرى له توبة، فقام بقلبه من ذلك الخوف والإنابة ما دفع تلك الكبيرة العظيمة.

стр. 2132

قصتا ماعز والغامدية ومن الأدلة على ذلك قصة ماعز والغامدية ﵄ حيث إنهما أتيا إلى النبي ﷺ يريدان أن يطهرهما وغيرها كثير. وقد أحببت بهذه المناسبة أن أدل على مرجع مفيد في هذا الباب، ومفيد في جوانب عدة، وهو كتاب التوابين للإمام ابن قدامة ﵀ بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرنؤوط، مع العلم أن المحقق لم يعلق عليه في مواضع كان ينبغي أن يعلق عليه فيها، منها أن أغلب من يتوب كما في هذا الكتاب يترك الدنيا بالكلية، ويذهب في البراري والجبال أو في المساجد، ويترك كل شيء، وليس هذا من صفة التوبة الشرعية، ولكن في الكتاب فوائد، ودرر عظيمة جداً، ولا سيما الذين يتوبون من الطرب والغناء، ومن الفسق والفجور كحال العالَم اليوم والله المستعان! ونقتصر على ذكر أو عرض بعض التوبات التي تتعلق بحال العاصي الذي من خلال معصيته اهتدى، وقد ذكر صاحب الكتاب قاتل المائة وتوبته.

стр. 2133

قصة الصحابي الجليل أبي خيثمة ومن التائبين الذين كانت ذنوبهم سبباً لتوبتهم الصحابي الجليل أبو خيثمة. وقد نقل الإمام ابن قدامة توبته بالسند، وهو عالم مُحدِّث فقيه بارع كما هو معروف، ولذلك يورد القصص التي يوردها بالأسانيد إلى منتهى السند، سواء أكان إلى النبي ﷺ أم إلى أحد العلماء من المؤلفين، أو إلى كتب رواة الإسرائيليات، أو أخبار بني إسرائيل إن كان السند ينتهي إليهم. وكان ابن قدامة رحمه الله تعالى من الأئمة المجاهدين مع صلاح الدين الأيوبي في معاركه، ومع ذلك كتب المغني الذي هو من أعظم وأنفع كتب الفقه المقارن، وغير ذلك من المؤلفات النافعة، فذكر بإسناده إلى ابن إسحاق صاحب السيرة. يقول: تخلف أبو خيثمة أحد بني سالم عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، حتى إذا سار رسول الله ﷺ رجع أبو خيثمة ذات يوم إلى أهله. والتخلف عن الغزو كبيرة، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّه﴾ [التوبة:١٢٠] فاستخدم أقوى أنواع التعبير في التحذير والنهي، فلا يصح، ولا يليق أن يتخلف أحد عن رسول الله ﷺ ، ولا يرغب بنفسه عن نفس رسول الله ﷺ ، فيذهب رسول الله ﷺ أفضل الخلق وأكرمهم على الله في الحر والرمضاء والحرب وهذا في الظل الظليل مع الأهل والبنين، وهذا هو الذي وقع فيه أبو خيثمة ﵁. فعاد إلى امرأتين له في عريشين له في حائطه -أي: في مزرعته- وقد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبردت له فيه ماءً، وهيأت له طعاماً، فالزوجة، والعريش، والماء البارد والطعام، كلها في غاية المغريات المثبطات في زمانهم، فلما دخل قام على باب العريش ينظر، وهنا اشتعل حر الذنب، ثم قال: ﴿رسولُ الله ﷺ في الضحي والريح والحر -والضحي: حر الشمس قال الشاعر: ضحوت له كي أستظل بظله إذا الظل أضحى في القيامة ناقصاً - وأبو خيثمة في ظل، وماء بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، ما هذا بالنَّصَف!﴾ أي ليس هذا من العدل والإنصاف، ولا يليق ذلك أبداً، ولا يحق أن يكون الرسول ﷺ كذلك، وأن يتخلف عنه أبو خيثمة ويرغب بنفسه عن نفسه، ويتمتع ورسول الله ﷺ في تلك الحال، قال: ﴿والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ ، فهيئا لي زاداً، ففعلتا، ثم قدم ناضحه فارتحله، ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ ، فأدركه حين نزل تبوك، فلما رآه الرسول ﷺ راكباً من بعيد قال: كن أبا خيثمة، فذهبوا فإذا به هو، فقالوا يا رسول الله! هو أبو خيثمة فقال رسول الله ﷺ : أولى لك أبا خيثمة، ثم أخبره الخبر؛ فدعا له رسول الله ﷺ ﴾. ولو أن أبا خيثمة خرج أول الأمر مع رسول الله ﷺ ما كان ليقع في قلبه من الإيمان والأثر والخوف من الله ، والحرص على الجهاد، والرغبة فيه مثل ما وقع بعدما غلبه الضعف البشري، وتراخى وضعف، ثم ذهب الناس، وذهب هو وحده، وتصور راكباً يذهب وحده في هذه البراري، وهو مستشعر للذنب في شدة الحر، وكل أمله أن يلحق برسول الله ﷺ ، كيف يكون همه وحاله وشعوره في هذه الحالة؟! إذاً قام بقلبه من حقائق الإيمان، والتوبة والندم، والاستغفار، والحياء من الله ﵎، ومحبة رسول الله ﷺ ، ومحبة اللحاق به أمور عظيمة جداً، فكان في هذا الذنب، وهذا التأخر، والتخلف خير له، وفعلاً: رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.

стр. 2134

قصة الصحابي الجليل أبي لبابة ومثال آخر: مثال أبي لبابة ﵁، وهذا حال المتقين دائماً، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] وهذا ما حدث لـ أبي لبابة ﵁، فيقول عن نفسه: ﴿لما أرسلت بنو قريظة إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يرسلني إليهم حين اشتد عليهم الحصار، دعاني رسول الله ﷺ ، فقال: اذهب إلى حلفائك، فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس﴾. وقد كانوا حلفاء لهم في الجاهلية، وقاتل الله اليهود في كل زمان ومكان، فاليهود هم اليهود، فلا يصدق أن منهم متطرفون ومعتدلون، فكلهم أخباث أنجاس فأرسلوا يريدون أبا لبابة لأنه حليفهم. ﴿قال: فدخلت عليهم، وقد اشتد عليهم الحصار فهشوا إلي، ورحبوا بي، وقالوا: يا أبا لبابة! نحن مواليك دون الناس كلهم، فقام كعب بن أسد وقال: قد عرفت ما صنعنا في أمرك، وأمر قومك يوم الحدائق ويوم بعاث، وكل حرب كنتم فيها -يذكره بأيام الجاهلية- وعملنا معكم الجمائل والفعائل، وقد اشتد علينا الحصار وهلكنا، ومحمد يأبى أن يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه، فلو زال عنا للحقنا بأرض الشام أو خيبر ولم نكثر عليه جمعاً أبداً، فما ترى؟ قال: نعم فانزلوا﴾. لأنه صحابي مؤمن لا يمكن أن يشير عليهم بغير ما قال رسول الله ﷺ ، وهل يمكن أن يخالف حكم الله وحكم رسول الله ﷺ ؟! أو يطلب منهم غير ما طلب رسول الله ﷺ ! لكن في آخر لحظة أخذته وقعة -وهو الضعف البشري الذي يقع فيه حتى الصحابة الأجلاء- ﴿فقال: انزلوا على حكمه، ثم أومأ بيده هكذا﴾ أي: حكمه فيكم الذبح. وهنا علم أنه قد وقع في الذنب، وبدأ يؤنب نفسه على ما فعله مع أنه لم يره أحد من الصحابة، ورسول الله لا يعلم الغيب، فيقول ﵁: ﴿فندمت واسترجعت، فقال كعب: مالك يا أبا لبابة؟ فقلت: خنتُ الله ورسوله، فنزلت وإن لحيتي لمبتلة بالدموع من لحظتها، والناس ينتظرون رجوعي إليهم، حتى أخذت من وراء الحصن طريقاً آخر﴾ فما استطاع أن يواجه النبي ﷺ . ﴿ثم عاد حتى أتى المسجد فأخذ رباطاً من الشعر القوي وربط ذراعيه ونفسه في سارية من سواري المسجد وأحكمه قال: وبلغ رسول الله ﷺ ذهابي وما صنعت، فقال: دعوه حتى يُحدث الله فيه ما يشاء﴾؛ لأنه هو الذي ربط نفسه، أي: لو كان جاءني لاستغفرت له، فأما إذ لم يأتني وذهب، فدعوه فإنه هو الذي جنى على نفسه فأنزل الله في شأنه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ [النساء:٦٤]، وهذه قيلت فيمن هو أعظم جرماً وذنباً من أبي لبابة وهم المنافقون الذين أعرضوا عن حكم الله. قال الزهري: وارتبط أبو لبابة سبعاً في حر شديد لا يأكل ولا يشرب، وقال: لا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله عليّ. فلم يزل كذلك حتى لا يكاد يسمع صوتاً من الجهد، ورسول الله ﷺ ينظر إليه بكرة وعشياً، ثم تاب الله عليه، فنودي: إن الله قد تاب عليه، وأرسل رسول الله ﷺ إليه ليطلق عنه رباطه، فأبى أن يطلقه عنه أحد غير رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله ﷺ . قال الزهري: وحدثتني هند بنت الحارث عن أم سلمة زوج رسول الله ﷺ قالت: [[رأيت رسول الله ﷺ يحل رباطه، وإن رسول الله ﷺ ليرفع صوته يكلمه ويخبره بتوبته، وما يدري كثيراً مما يقول له من الجهد والضعف وقد كان الرباط حز في ذراعه، وكان من شعر، وكان يداويه بعد ذلك دهراً لتلوثه]]. فهذا الذنب والخطأ اقترن به من الخوف والحياء والمهابة والتعظيم، ما جعل صاحبه يفعل ذلك الفعل، فكانت التوبة من الله ﵎ عليه، وكان ذلك خيراً له فيما نرجو له عند الله ، مما لو لم يفعل شيئاً من ذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 2135

قصة أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان وذكر توبة قريبة من هذه، وهي توبة أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، وهذه لها قصة مشهورة في كتب الأدب، وإن كانوا يذكرونها في كتب الأدب على أنها طرفة، أو ملحة من الملح أو النوادر؛ لكنها عند أهل الإيمان واليقين تدل على ما ذكره الشيخ ﵀ راوياً بالسند. قال: دخلت عزة صاحبة كثير عزة -نسبة إلى المرأة التي عشقها، وكان هذا الرجل باطنياً خبيثاً كان على عقيدة الباطنية، وهو ممن كانوا يعتقدون أن الإمام في جبل رضوى، وأنه في أعلى الجبل، وأن عنده نمور تحرسه، وأن عنده عسل وعنده ماء، وسيخرج في آخر الزمان، وكان هذا في القرن الأول. الشاهد أن عزة دخلت على أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز وكانت تسمع من الشعراء، كأي امرأة مترفة ذات ملك وجاه ومال، فلما دخلت عزة سألتها أم البنين -لأنها تعرف خبرها مع كثير، كما يتناقل الناس الحكايات- فقالت لها أم البنين: ما معنى قول كثير: قضى كل ذي دين فوفى غريمه وعزة ممطول معنَّى غريمها -وهذا السؤال من فضول الكلام، وذلك كما دخل بعض الناس على أحد السلف فقال: إني أرى خشبة في سقف البيت تريد أن تسقط، فقال له: يا رجل! إن لي عشرين سنة في هذا البيت ما نظرت إلى السقف، وكانوا يكرهون فضول النظر، كما يكرهون فضول الكلام- فقالت لها: ما هذا الدين الذي يذكره، قالت: اعفيني. فقالت أم البنين: لا أعفيك حتى تخبريني؟ فقالت: كنت وعدته قبلة فأتاني يطلبها، فتحرجت عليه ولم أفِ له'. وعشاق العرب عندهم العشق على نوعين: نوع إباحي، ونوع عذري، أو الهوى العذري -بزعمهم- وهو فقط الحديث والمزح والكلام دون أي شيء آخر وهكذا كان كثير وعزة، وطائفة من العشاق. والنوع الآخر هو: الإباحي، وهو الذي يؤدي -والعياذ بالله- إلى ارتكاب الفاحشة، وهؤلاء كانوا من الموصوفين بالفجور، فهذه المرأة لم تعطه ما وعدته لحيائها، أو لعروبتها، أو لقبيلتها رغم أنه يخلو بها ويواعدها، ويتحدثان ويخبرها بما قال فيها من شعر، ثم يرجع كل منهما إلى مكانه، وقد قال بعضهم: 'كان العشق فيما مضى أن الرجل يلاقي المرأة فيحدثها وتحدثه، ويناشدها وتناشده، أما اليوم فلا يكاد يخلو بها حتى يفعل بها الفاحشة، وكأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة ﵁' وهذا الكلام قالوه في القرن الأول. أقول: حتى المجرمين في ذلك الزمن كانوا أخف جرماً من مجرمي زماننا، فالمهم أن الشيطان جاء أم البنين، فقالت: 'أنجزيها منه وعلي إثمها' فأوبقها الشيطان، ثم راجعت نفسها من وقتها واستغفرت الله، وأعتقت لكلمتها هذه أربعين رقبة، وكانت إذا تذكرت هذه الكلمة بكت حتى تبل خمارها، وتقول: 'يا ليتني خرس لساني عندما تكلمت بها' وتحولت أم البنين من تلك التي تستقبل الشعراء، وتسمع أخبار العشاق، إلى امرأة عابدة مجتهدة صالحة فاضلة، قال: فرفضت فراش المملكة، وقامت تحيي ليلها، وكانت كل جمعة تحمل على فرس في سبيل الله، أي: تجهز فرساً يخرج في سبيل الله . وكانت تبعث إلى نسوة عابدات يجتمعن عندها، ويتحدثن معها فتقول أم البنين: 'أحب حديثكن! فإذا قمت إلى صلاتي لهوت عنكن'. سبحان الله! كيف رسخ الإيمان في قلبها إلى هذا الحد، وكانت تقول: 'البخيل كل البخيل من بخل على نفسه بالجنة'. وكانت تقول: 'جعل لكل إنسان نهمة في شيء، وجعلت نهمتي في البذل والإعطاء، والله للعطية والصلة والمواصلة في الله؛ أحب إلي من الطعام الطيب على الجوع، والشراب البارد على الظمأ'. سبحان الله!! جعل الله نهمتها في العطاء والبذل والإحسان، وهذا خير عظيم فتح عليها، قالت: 'وهل ينال الخير إلا بالاصطناع'، وكانت على مذهب جميل حتى توفيت رحمها الله. فالشاهد أنها وقعت في ذنب، ولكن أعقب ذلك هذه التوبة، وهذه الاستقامة، وهذا الخير، وربما لم تكن لتنال ذلك الخير ولا تحصل عليه لو لم تقع في تلك الكلمة.

стр. 2136

قصة عبد الرحمن القارئ ومثال آخر: رجل من شيوخ القراء، كان اسمه عبد الرحمن، وكان يلقب بالقس أو القسيس، أو العابد، فكان عبد الرحمن القارئ عند أهل مكة من أفضلهم عبادة، وأظهرهم تبتلاً، فمر يوماً بـ سلامة - وهي جارية كانت لرجل من قريش، فسمع غناءها، فأطل مولاها وعبد الرحمن عند الباب، فقال له: هل لك أن تدخل فتسمع، فأبى عليه، فألح عليه الرجل، فلم يزل به حتى وافق ودخل، فقال: أقعدني في موضع لا أراها ولا تراني -وذلك خشية أن يفتتن بها- قال: فدخل، فتغنت فأعجبته، فقال مولاها: هل لك أن أحولها إليك، فأبى وامتنع، فلم يزل به أيضاً حتى وافق، فجاءت فجلست أمامه، فلم يزل يسمع غناءها حتى شُغف بها وشُغفت به، وعلم ذلك أهل مكة وانتشر الخبر بأن العابد الراهب تعلق بهذه المغنية، حتى إنها ذات مرة قالت: أنا والله أحبك! فقال: وأنا والله أحبك! قالت فما يمنعك من الوصال! فوالله إن الموضع لخال، فقال: إني سمعت الله تعالى يقول: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] وأنا أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك تؤول بنا إلى عداوة يوم القيامة، قالت: يا هذا! أتحسب أن ربي وربك لا يقبلنا إذا تبنا إليه، قال: بلى، يتوب علينا لو تبنا، ولكني لا آمن أن أفاجأ بالموت، ثم نهض وعيناه تذرفان، فلم يرجع بعد.

стр. 2137

قصة وهيب بن الورد ويذكر ابن قدامة -رحمه الله تعالى- مثالاً آخر، وهو قصير لكنه عظيم جداً، قال وهيب بن الورد أحد العباد المشهورين المعروفين، بينما امرأة في الطواف ذات يوم وهي تقول: 'يا رب! ذهبت اللذات، وبقيت التبعات' والتبعة هي المسئولية، فتبعات اللذات مكتوبة، والإنسان يلقى الله يوم القيامة وقد انقضت اللذات ولكن بقيت عليه التبعات، قالت: 'يا رب ذهبت اللذات وبقيت التبعات، يا رب سبحانك وعزتك إنك أرحم الراحمين، يا رب مالك عقوبة إلا النار؟ '. لأنها تذكرت أنه ليس بعد هذه الدار من دار إلا الجنة أو النار. وكان معها امرأة أخرى صالحة تمشي معها قالت: 'يا أُخية! دخلت بيت ربك اليوم؟ -تقصد الكعبة- قالت: والله ما أرى هاتين القدمين أهلاً للطواف حول بيت ربي، فكيف أراهما أهلاً أطأ بهما بيت ربي وقد علمت حيث مشتا وأين مشتا' سبحان الله العظيم! تذكرت أن هاتين القدمين مشتا إلى فجور وإلى معاصٍ، والآن جاءها الندم، فكان تذكرها لتلك المعاصي والذنوب، أعظم دافع لتوفيق الله لها أن تستقيم وأن تستشعر، وفي هذا الكتاب فوائد قيمة ولو علق عليه لاكتمل جماله. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يتوب علينا وعليكم، وعلى جميع المسلمين، وأن يبصرنا ويفقهنا في الدين، إنه سميع مجيب.

стр. 2138

الأسئلة

стр. 2139

معنى قول أهل السنة: الإيمان قول وعمل السؤال ينقل الأخ كلاماً للإمام الحافظ الذهبي ﵀ من سير أعلام النبلاء (٢/ ١٥) في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي الذي قصته معلومة مع هرقل، لما قبل رأسه، يقول الإمام الذهبي: ' ولعل هذا الملك قد أسلم سراً، ويدل على ذلك مبالغته في إكرام ابن حذافة. وكذا القول في هرقل إذ عرض على قومه الدخول في الدين، فلما خافهم قال: إنما كنتُ أختبر شدتكم في دينكم. فمن أسلم في باطنه هكذا، فيرجى له الخلاص من خلود النار، إذ قد حصَّل في باطنه إيماناً ما، وإنما يُخاف أن يكون قد خضع للإسلام وللرسول، وأعتقد أنهما حق، مع كون أنه على دين صحيح، فتراه يعظم الدينين. يقول السائل: كيف توفق بين قول الذهبي ﵀ في هرقل وما هو مدون في عقيدة أهل السنة والجماعة بأن الإيمان قول وعمل؟ الجواب أول ما يجاب به: أن الحالات الفردية الخاصة لا ترد القاعدة العامة، والقاعدة العامة معروفة وأوضحها لكم بمثال: القاعدة العامة في الصلاة، قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، هو أن نصلي قياماً؛ لكن العاجز عن القيام يصلي قاعداً، أو على جنبه، فهذه حالة عارضة، وهكذا في جميع الأمور الشيء العارض فيها غير الأصل. فالأصل العام هو أن الإيمان قول وعمل، وأن ندعو الناس إلى أن يقولوا ويعتقدوا ويعملوا، لكن قد يأتي حالة عارضة كحالة هرقل هذه، وكأن الإمام الذهبي يقول: خاف هرقل على ذهاب ملكه عندما ثارت عشيرته، فقال: إنما أردت أن أختبر قوة إيمانكم وإلا فإن دينكم هو الحق، والله ﵎ لا يضيع عمل عامل كائناً من كان. يقول: لعل هذا حصل له إيمان ما، وبهذا الإيمان يمكن أن ينجو من الخلود في النار؛ لأن حديث الجهنميين: ﴿أخرجوا من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان﴾ وهو شيء لا يرى، فيقول: ربما يكون لـ هرقل هذه الذرة التي نحن لا نراها ولا نعدها، فلا يُعد مؤمناً في أحكام الدنيا، والذهبي لم يعتبره مؤمناً أو مسلماً في أحكام الدنيا، وكذلك لم يعتبره ناجياً من النار مطلقاً، إنما تكلم عن الخلود بسبب هذه الحالة. فهي حالة خاصة كما ظن ﵀ وقد لا تتحقق، ولا تعارض بين هذا وبين الأصل الكلي المعلوم عند أهل السنة والجماعة. والجواب الآخر: أن الذهبي ﵀ اجتهد، ولا يعول على الرأي والاجتهاد الفردي في مثل هذه المواضع، ولا حرج في ذلك، ومسألة الإيمان أخطأ فيها بعض التابعين، فلا غرابة أن يخطأ في شيء منها إمام أو عالم من المتأخرين.

стр. 2140

القصص وما في نسبتها من أخطاء السؤال إن بعض الخطباء ذكر عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [الأعراف:٢٠١] إن شاباً في عهد عمر ﵁ فعل الفاحشة ثم مات عند ذكر هذه الآية، فما صحة ذلك؟ الجواب يبدو لي أن هذه القصة لم يصح وقوعها في عهد عمر ﵁، وهذا لا يمنع أنها قد وقعت في عهد غيره، كما قد وقعت أشياء للعباد وللتوابين، لكن نسبتها إلى عهد النبي ﷺ أو إلى عهد الصحابة يكون فيه الخطأ، وكثيراً ما نجد في حلية الأولياء وفي غيرها من الكتب، نجد كلاماً لا يمكن أن يقع في زمن النبوة، لكن قد يمكن أن يكون هذا فيما بعد والله أعلم.
следующие страницы →