Полный текст (2 843 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ضياع الأوقات
السؤال
تواجهنا صعوبات في استغلال وقتنا عند الاجتماع بالأهل والإخوان وفي الحفلات والعزائم، ويكثر في ذلك الكلام غير المفيد فما هو الحل؟
الجواب
أولاً: لا أرى الحل في أن الإنسان دائمًا يأخذ معه كتاباً، ويقول ما دمنا نذهب إلى الوليمة وعند الأهل والأقارب فنأخذ معنا كتاباً! وهذا واقع فإننا نرى بعض الإخوان يسلم على أمه وأبيه، ثم تذهب أمه لتأتي بالشاي وهو يفتح الكتاب ويبدأ يكتب ويحلل، يا ولدي لماذا هذا؟ يقول: لكي أحافظ على وقتي! نقول: نعم أن الإنسان لا يضيع وقته لكن ليس من إضاعة الوقت أن تجلس مع أمك أو أبيك وتؤنسهما في الحديث، وتشرح لهما بعض الأمور حتى لو كلموك، وأنت قد ترى أنه كلام عادي لكن لابد أن تطيل النفس معهم وكذلك الأهل والأبناء وكذلك الجيران، بل احتسب أنت هذا الوقت وحاول أن توظف هذا الكلام ولو كان عادياً جداً لتأليفهم على الخير ولتحبيبه إليهم ولإفادتهم ولتستفيد أنت -أيضاً- فهذا مكسب لك وأجر إن شاء الله، ولا يجوز أن نفهم أن الجد في طلب العلم وفي الدعوة والعبادة معناه أن كل الوقت خشوع وقراءة وبكاء، بل نكون كما كان النبي ﷺ فقد قام بأعظم فأعظم الواجبات وهو واجب الدعوة والنذارة للعالمين، ومع ذلك كيف كانت حياته وعشرته ومباسطته لأهله ولضيفه ﷺ وللوفود كان ﷺ أنموذجاً فريد جداً والحمد لله الذي حفظ لنا سيرته، وإلا كنا نتخبط ونجتهد، قد نقول: إنه ما كان ينام أو ما أشبه ذلك فلا داعي لهذه الافتراضات، فالسيرة الصحيحة موجودة نقرؤها ونعمل كما عمل ﷺ ، ومن ذلك في حفلات الزواج أنا لا أرى أنه كلما تجمع الناس تكلمت مدة طويلة ثلاث ساعات حتى يأتي العشاء! هذا غير صحيح، لكن لا بأس بأن يتكلم شخص كلمة خفيفة وذاك يأتي بشيء آخر وهكذا حتى تكون الجلسة متنوعة، فلا نجعلها على شكل واحد معين فنتْعب ونتعِب، ونمَل ونُمِل.
стр. 212
علاج النسيان وتفاوت القدرات
السؤال
أنا طالب في أحد المدارس الشرعية أشتكي من النسيان، فقد نسيت دروس الترم الأول مع بعض الأجزاء من القرآن، حيث إن ما أحفظه بالأمس أنساه اليوم، وجاءت الإجازة وعلي ست مواد شرعية أريد مراجعتها ولكني أؤجل إلى غد حتى هذا اليوم، وأنا لم أنته من كتاب، فما سبب النسيان للمواد الشرعية والقرآن، وبماذا تنصحني في استغلال وقتي؟
الجواب
إما أن يكون النسيان هذا لأسباب تتعلق بتفريط من الأخ، أو أنه من الله وكل شيء من الله.
لكن هناك سبب مباشر منه، وهو أن بعض الناس لا يذاكر ولا يهتم ولا يقرأ ويضيع وقته ويلعب، وإذا حفظ السورة من القرآن فلا يراجعها، ثم يقول نسيت! حتى لو درست وفهمت، فكل شيء له طريقته، وفرق بين الحافظة وبين الذاكرة، فأنت قد تحفظ الدرس أول ما يشرحه المدرس، لكن إذا لم تراجعه فلا تذكره، فأناس عندهم حافظة وليس عندهم ذاكرة، وأناس عندهم ذاكرة وما عندهم حافظة، يعني يحفظ ببطء شديد لكنه إذا حفظ رسخ الحفظ، لأن الذاكرة قوية، وهناك من لديه ذاكرة وحافظة، وأناس لا يوجد عنده شيء، لكن نقول: إن الله سبحانه جعل الناس مواهب، فإن كان لديك موهبة لكنك لا تذاكر ثم تقول: أنا فهمته لكن نسيته، فمرِّن الذاكرة بدوام الاستذكار، وحياة العلم مراجعته ومذاكرته، أما من يقول: أنا أقرأ وأراجع ولكن إذا ذهبت إلى البيت لا أفهم شيئاً، فنقول لك كما قال الأصمعي: 'أتى رجل إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي، وقال: أريد أن أتعلم العروض، فلم يفهمه، ومر عليه أول يوم وثاني يوم ثم قال له الخليل: قطع هذا البيت:
إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
' فقطع الدرس ولم يعد، وعلم أنه لا يمكن أن يتعلم هذا العلم، فإذا لم يوفق الله العبد على طلب العلم فلا يتعب نفسه فيه ويذهب ليتعلم شيئاً آخر، فقد يكون عاملاً نشيطاً أو مهندساً أو ميكانيكياً أو أي شيء آخر من الأشياء التي لا يراد لها جهد وكدٌّ كبير، ولا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها، أما إرغام النفس على ما تأباه فهذا لا يكون ومما لا يؤدي إلى نتيجة.
стр. 213
محافظة الطالب على وقته
السؤال
كيف يستطيع طالب المدرسة المحافظة على وقته، وأنت تعلم ما يتخلل الفترة الدراسية من الوقت الذي قد يقول قائل: لا أستطيع أن أستفيد من وقتي لأعمال الآخرة؟
الجواب
على كل حال هناك أمور نحن لا نريدها، لكن إذا فرضت علينا مثل النظام المطور، ونحن في الجامعة نشتكي ونصيح ومع ذلك يدرس، وإذا به يعمم على الثانويات، وقالوا: إنه من الممكن أن يطبق في ثانويات البنات، الشاهد فرضاً أنه وقع، كما في الثانويات المطورة، فالمؤمن يحاول أن يكون مرناً مع أي حادث، ومع أي ظرف فيوظفه ويسخره لما ينفعه، فخذ كتابك معك، أو خذ أي شيء من وسائل الفائدة معك، واجلس أنت وزملاءك في ساعات الفراغ هذه إن كانت موجودة لتستفيد من الوقت، وحاول أن تكيف واقعك لتستفيد من الوقت بقدر ما تستطيع، ما دام أنه أمر واقع لا مفر منه.
لو استطعنا أن نغير وأن نقضي على هذا بأن تتبنى المدرسة شيئاً مفيداً كأن يكون هناك حلقات تحفيظ قرآن أو نشاط في الدعوة الإسلامية لكان هذا شيئاً جيداً، وهذا الواجب وهذا هو المفروض، لكن إذا لم يوجد أي شيء فلا تعذر بل لا بد أن تجتهد، فتسبح الله وتذكره وحدك، وتقرأ القرآن وحدك، أو تخاطب أحد الطلاب وتدعوه إلى الخير في هذا الوقت فهذا أيضاً فرصة، حتى لو أن الإنسان ينشط جسمه ويمرنه بأي شكل ويستفيد من وقته، هذا أيضاً شيء مفيد، والمهم أن لا تضيِّع هذا الوقت في خسارة.
стр. 214
تذكر الموت باعث للنشاط
السؤال
أنا شاب هداني الله بعد الضلال وأعاني من مشكلة وهي أنني أذكر الموت كثيراً، وعند ذكري له فإني أبقى في الفراش وأشعر بتكاسل وخوف شديد، ولا أستطيع عمل أي شيء وأخاف الانتكاس؟
الجواب
هذا عكس المفروض، فإن المفروض أن يعطيك ذلك قوة في الإثارة والطاقة، وهذا عجيب -يا أخي- هداني الله وإياك، هل من يذكر الموت يتكاسل؟! قد يكون الأخ عنده ظرف آخر، لكن أقول: الصحابة لما كانوا يتذكرون الموت كانوا يهبون ويعملون ويجتهدون لله .
إذا تذكرت الموت، فتذكر أن الله سيسألك عن الصلاة فقم إليها ولا تتكاسل عنها، وتذكر أنه يجب قبل أن يدركني الموت أن أستفيد من هذا الوقت في طاعة الله، فاجتهد في طاعة الله وفي طلب علم أو دعوة أو أمر بالمعروف ونهي عن المنكر.
إن تذكر الموت قوة إيجابية للمؤمن وهو كما أشرنا من أعظم ما يثير همة المؤمن ويجعل طاقته تزداد يوماً بعد يوم، فيتذكر أنه سيموت فيجتهد أن يلقى الله سبحانه بأوفر وأوفى نصيب من العمل الصالح.
стр. 215
ضبط الأوقات نابع من صدق القلب
السؤال
نرى الغرب الكافر يحرص على وقته ولا يفرط فيه، ونحن المسلمين نضيع أوقاتنا سدى، هل لليهود دور في ذلك؟
الجواب
الدور للقلوب الضعيفة، واليهود ما غصبونا ولا ضيعوا أوقاتنا، لكن اليهود يستغلون الأحداث ولا يصنعونها، لأن اليهود وجدوا أمة لاهية تحب اللهو، أما لو كانت أمة لا تقبل اللهو فكيف يلهيها اليهود؟! ولنفرض أنهم عملوا أفلامًا ومجلات ولم يشتريها أحد، وأحياناً يوزعونها مجاناً -وهذا يحصل- لكن لم يهتم بها أحد فإنها تموت، لكن لما كانت الأمة تحب اللهو واللعب والمباريات حدث كل هذا، ولهذا كتبوا في البروتوكولات؛ أنه لابد من تشجيع المباريات والفنون إلى آخره لأنها تلهي الأميين وتشغلهم، ويخطط اليهود في غفلة هؤلاء الأميين عما يراد بهم، فالمشكلة أننا نحن نضيع أوقاتنا والغرب الكافر لا يضبط أوقاته، وبعض الناس يظن أن الإنسان الغربي يضبط وقته ليؤدي العمل، وهو يضبط وقته ليذهب إلى الملهى أو المرقص أو الخمارة، فلابد من أوقات معينة يعربد فيها وأوقات أخرى لكي ينام، فالعبرة ليست بضبط الوقت، ولكن ما الدافع وراء ضبط الوقت.
ولهذا هم استفادوا من هذا الجانب في دنياهم لأن المحافظة على الوقت تفيد في الدنيا ولا ريب، وخسروا أوقاتهم وخسروا آخرتهم بلا ريب، لكن في الدنيا خسروا الأمن والراحة والطمأنينة لأن هذا الضبط لغير الله ولغير الخير، أما نحن المسلمين فنضيع الأوقات ولا نضبطها، لكن مهما كان فالمسلم -وعلى الأقل المصلي- هو أضبط من الغربيين إن شاء الله، وأحرص منهم على الوقت.
وأذكر مرة أنه زارنا ضيف في الجامعة الإسلامية -لكن أنسى اسمه الآن- وهو شاعر أمريكي من شعراء الهيبيز فجاء وأسلم وقابلناه في الجامعة الإسلامية فقلنا له: ما هو سبب إسلامك؟ فقال: ذهبت مع شركة إلى اليمن، واخترت اليمن لما بلغني أنه ليس فيها أي أثر للحضارة الغربية خاصة ذاك اليوم، في أوائل (١٣٩٠ أو ١٣٩٢هـ) الله أعلم، فقلت أعيش بعيدًا عن الحضارة، لأنهم يكرهون الحضارة، قال: ذهبت إلى هناك وتعبت مع العمال، وجربت معهم كل وسيلة من صياح وشجار ولكن لا فائدة فهم فوضويون في كل شيء، في أكلهم وشربهم ونومهم، وفي إحدى المرات كنت أراقبهم فإذا أذن المؤذن قام واحد منهم وتقدم للصلاة وهم يصفون خلفه، فإذا ركع ركعوا، وإذا سجد سجدوا، وإذا سلم سلموا، وهكذا في اليوم الثاني والثالث، فقلت للمترجم: قل لهم أنتم أمة غريبة جدًا! عملكم فوضى إلا هذه الحالة فما هو السر في هذا؟ فقال: إنها الصلاة وهذا هو دين الإسلام، فقلت: إن كان الإسلام يضبطكم وأنتم همج بهذا الشكل فأنا مسلم.
فنحن أمة همج لم يضبطنا إلا الإسلام، حتى المعربدين منا تجده يعربد بهمجية مما يجعله محل انتقاد من المعربدين الآخرين، لأننا -فعلاً- قوم لم نتأدب إلا بالإسلام ولا ننضبط ولا نستقيم إلا به، ولا ننتصر إلا به، وما زلت أذكر أننا لو أقمنا الصلاة لحاربنا بها المخدرات وضياع الأوقات، ومن فضل الله علينا أننا كلنا متفقون عليها ولا يشك فيها أحد، فوالله لو أقمناها حق الإقامة لما احتجنا إلى ما نحارب به هذه الأمم ولما خسرنا هذه الخسارة، فلو أقمناها لضبطت أوقاتنا وأعمالنا وأعمارنا، فكل شيء يضبط بإذن الله لو أقمنا الصلاة حق الإقامة، لكن الله المستعان!
стр. 216
معارضة أوقات العمل لأوقات العبادة
السؤال
لماذا لم يستغل الدارسون الواضعون لأنظمة العمال توقيت العبادات في توقيت أوقات العمل، -فمثلاً- لماذا لا تكون أوقات العمل والدراسة بين الفجر والظهر؟
الجواب
هذا هو المفروض، وأذكر عندما كنا في الجامعة الإسلامية وكان الشيخ ابن باز ﵀ رئيساً للجامعة في رمضان قالوا: هل يعقل أن تكون مثل الدوائر الأخرى، نداوم من الساعة العاشرة إلى الثالثة؟! فقالوا: نبدأ الدوام بعد الفجر بنصف ساعة وما يأتي الظهر إلا وقد انتهى الدوام، وسبحان الله شيء عجيب من الهدوء! ومحافظة على الوقت.
إن المشهود والمعروف في الدواوين الإسلامية والعمال المسلمين والقضاة والولاة قديماً كانت أعمالهم تبدأ من بعد صلاة الفجر فيبدءون الحياة إلى صلاة الظهر، وهو وقت طويل ومبارك، ويكفي لإنجاز معظم الأمور، لكن هذه الأيام وفي أثناء العمل تذهب ساعة بحجة الصلاة، والله أعلم من يصلي ومن لا يصلي، والمهم هو ضياع الوقت، أما الصلاة فهي حياة، وبعد هذا نرجع قريب العصر وخاصة في الأوقات التي يقصر فيها النهار، فيضطر كثير من الناس أن يتغدى وقت صلاة العصر ولا يصلي جماعة، وهذا أمر مشهود كما تلاحظون في نقصان الناس في صلاة العصر وكثرتهم في صلاة المغرب، ثم ينام إلى المغرب وربما لا يصلي المغرب، وإذا سألته؟ قال: الدوام! فهل أنت خلقت للعبادة أم للدوام؟! فمن المفروض أن يكون الدوام في أوقات مناسبة، لكن نحن يجب أن نعرف حق الله وطاعة الله ومراعاة الوقت في هذا، وعموماً- أنظمة العمل والعمال في الوطن الإسلامي مشتقة أو منقولة من النظام الذي وضعه مكتب العمل الدولي في جنيف التابع للأمم المتحدة، والذين وضعوه كفار لا يعرفون الآخرة ولا يعرفون صلاة ولا شيئاً، فلذلك نجد أن من وفقه الله -كما في بعض الدول وبعض الإدارات- يضع وقتاً للصلاة من عنده هو، وإلا فالنظام العالمي ليس فيه وقت صلاة، وإنما وقت يسمونه وقت غداء، لهذا في بعض الشركات -سبحان الله! - لا تستطيع أن تصلي إلا في وقت الغداء، فالصلاة ليست محسوبة نسأل الله العافية.
فهذا جزء من التفكير العلماني: أناس يخططون ولا يضعون في حسابهم الآخرة أو الإسلام، وإن كانوا غربيين فهل نتبعهم ونقلدهم ونقتبس منهم بغير وعي؟!
стр. 217
العلمانية في طورها الجديد
في هذه المادة تحدث الشيخ حفظه الله عن العلمانية بوجهها الجديد، مبيناً الأسباب التي جعلت العلمانية فرضاً علينا، وموضحاً الفكرة التي خرج بها العلمانيون أخيراً، ثم ذكر الخطة التي اتفق عليها العلمانيون مع الشيوعية ضد الإسلام، والمذاهب الجديدة التي أتى بها العلمانيون باسم الإسلام، مستعرضاً أهداف العلمانية، ومحذراً من هجمتها الشرسة على مصادرنا الإسلامية وتمييعها لثوابت ومسلَّمات الأمة,
стр. 218
مفاسد العلمانية
الحمد لله القائل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيرا ً) [الفرقان:٣١] وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد القائل: ﴿تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك﴾ وصلى الله وسلم وبارك على آله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين وبعد: فلا شك -أيها الإخوة- في الله أن العلمانية بتلك المنزلة من الخطورة، وأنكم جميعاً -والحمد لله- على علم بها، فالعلمانية هي أكثر المذاهب الفكرية وضوحاً وجلاءًَ في الواقع المشاهد المحسوس، وإن كانت ربما تبدو غامضة في الذهن، فهي منهج واقعي ضخم، تعيش الأرض جميعاً -إلا ما رحم ربك- هذا المبدأ، وهذا المنهج القائم على الشرك بالله وهو أعظم وأكبر ذنب عصي الله به، القائم على أن الدين الذي أنزله الله ﵎ والكتاب والحق الذي شرعه لا شأن له في حياة الناس، بل ذلك الشأن للأرباب والمتفرقين والمتألهين من العباد والأنظمة والمناهج، وليس لله -في نظر أولئك المجرمين- من نصيب، إلا ما يُؤدَّى من شعائر تعبدية، أو ما يسمى بالصلة الروحية به ، هذه قضية معروفة عن هذا المنهج في كل مكان وجد فيه؛ ولا سيما حيث نبتت بذوره الخبيثة في أوروبا المجرمة الشاردة عن دين الله شرقها وغربها، الشيوعي منها والرأسمالي.
ولا يهمنا الآن أن نتحدث عن العلمانية، بقدر ما يهمنا الحديث عن الطور الجديد الذي تعيشه، فإن الأفكار تنمو كما تنمو الأمم، وتتطور كما يتطور الأفراد أو الكائنات الحية، وإنه لا يليق بالأمة الإسلامية أن تقف عند تصور محدد لمجابهة فكرة خطيرة، بينما تلك الفكرة قد انتقلت إلى مرحلة أعلى من المجابهة، وإلى درجة أكثر من التنظير، فيجب علينا أن نعيش كل مرحلة وأن نجتهد في مواجهة كل مستوى من مستويات الانحراف، بحسب مقتضى الأحوال.
стр. 219
أهداف العلمانية
العلمانية - أيها الإخوة الكرام- فرضت على العالم الإسلامي -وهي غريبة عنه- لأسبابٍ كثيرة لا مجال لذكرها الآن، ولكننا نجملها في سببين.
السبب الأول هو: أن الأمة الإسلامية قد تركت كتاب الله وراء ظهورها، وتركت سنة رسوله ﷺ ، وحكَّمت آراء الرجال، واتبعت الفرق والطرق البدعية والضلالات التي عشعشت وفرخت في الأمة، وبذلك كانت أهلاً لأن تتقبل العبودية الفكرية لأية أمة قوية غازية، ثم جاءت هذه الأمة القوية ممثلة في أوروبا الصليبية التي كانت وما تزال أخطر عدو للإسلام والمسلمين، إذ يجتمع فيها اليهود والنصارى، وهما العدو اللدود لهذا الدين، منذ أن أظهر الله ﵎ محمداً ﷺ وبعثه، وهم يكيدون له ذلك الكيد العظيم ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] هذا شأنهم دائماً وذاك ديدنهم.
والسبب الآخر هو: أن هذه العلمانية فرضت في حالة تناسب حال الأمة، يومئذ تلك الأمة المنحرفة الضالة عن الكتاب والسنة، والبعيدة عن منهج الله وعن العلم الشرعي الصحيح، وعن دعوة التوحيد الحقيقية وقد كانت الدعوة موجودة -والحمد لله- وقد دعا إليها المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، ولكن الأقطار الأخرى التي لم تشملها الدعوة ظهرت فيها العلمانية وطبقها المستعمر، ثم طبقها خلفاؤه من بعده، ولا يخفى عليكم الرموز، أو الأصنام الكبرى للعلمانية، ابتداء من أتاتورك وانتهاء بأبي رقيبة وأمثاله.
فهذه مرحلة من مراحل العلمانية، العداء فيها سافراً، واضحاً والتحدي لله ولرسوله ﷺ صارخاً، ويكون الإنكار والمكابرة لحقائق هذا الدين، وتكون الشعارات والرايات المرفوعة: اشتراكية قومية، بعثية تحررية وحدوية، إلى آخر الشعارات الزائفة الباطلة.
أما المسلم أياً كان اسمه، وأياً كان انتماءه وثناؤه فهو رجعي متأخر، يجب إبادته، وسوف تسحقه حتمية التاريخ، وسوف تسحقه الجماهير والشعوب -كما يقال- المتحررة من نيران التخلف والجمود.
هذه مرحلة، ولكنها انتهت، وابتدأت صفحة جديدة، هي التي يجب أن نهتم بها الآن، وأن نعي خطرها، وما مقتضى هذا التغير؟
стр. 220
مقتضيات التغيير في العلمانية
لهذا التغيير المنشود في العلمانية مقتضيات عدة منها: أولاً: أن الهجوم المباشر على الإسلام لم يؤدِّ النتيجة المطلوبة.
أن يقف الزعيم، أو الحزب، أو الصحفي، أو الكاتب، فيسب الله تعالى، ويسب رسوله ﷺ ، ويسب الحجاب، ويسب تحريم الربا، أو ينكر ذلك، وأشباهه؛ هذه مرحلة عفا عليها الزمن، ولم تؤد الدور المطلوب، وقد فشلت وأخفقت إخفاقاً ذريعاً واضحاً للأسياد في الشرق والغرب.
ثانياً: أنه قد ظهرت -والحمد لله- هذه الصحوة الطيبة المباركة في كل مكان، وهذه الدعوات التجديدية على تفاوت فيما بينها تطالب بالعودة إلى الكتاب والسنة.
وهنا وجد الأعداء أنفسهم أمام أمرين: مواجهة بين صحوة ناشئة تطالب بالإسلام عقيدة ومنهجاً للحياة، وبين شعارات وأفكار مهترئة متلاشية، لا قيمة لها في واقع الحياة، ذاقت الأمة مراراتها، وتحاول التخلص منها، ولم يبق لها من سبب للوجود، إلا السيطرة والسلطان والقوة التي يفرضها الغرب من جهة، وأتباعه من عملائه وأوليائه من جهة أخرى، فكان لا بد من التغيير، ومن وضع خطط جديدة.
وهذه الدلالة على التغيير كثيرة جداً، ونكتفي بسرد أمثلة محدودة من ذلك؛ لأن ما يهمنا هو أن ننبه بهذا الخطر الجديد الوافد، وهو: أنه في الولايات المتحدة الأمريكية -زعيمة الصليبية العالمية، وأعدى عدو للإسلام في هذا العصر، ولكنه عدوٌ ماكرٌ خبيث- دُرِسَ الموضوع، ومن التقارير التي ظهرت واشتهرت.
التقرير الذي نُشِر في أيام الرئيس جونسون، ونشره الأستاذ سعد جمعة والشيخ محمد محمود الصواف في معركة الإسلام، وغيرهما، مِمن اطلع على التقرير ونشره.
وكذلك تتابعت الدراسات فيها، وأنشئت أقسام في وزارة الخارجية، وفي وكالة الاستخبارات الأمريكية، كما أنشئت أقسام أكاديمية بحتة، وتوسع في الدراسات الاستشراقية، وعقد فيها عدة مؤتمرات للمستشرقين، وتبنت خطة جديدة، ومرحلة جديدة، كان قد نظر لها تقريباً المستشرق الإنجليزي جيف، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى نجد الشيوعية -التي نرى في هذه الأيام، أنها أصبحت حديث العالم في كل مكان- أنها قد خططت لذلك، في وثيقة مشابهة، بل نقول: إنها أفادت من التجربة الأمريكية أيضاً -وثائقياً- كما أفادت من تجاربها الخاصة، إذ كانت تطمع أن تكون هي العقيدة المسيطرة على العالم الإسلامي في الثمانينات الهجرية، والستينات الميلادية، ولا بأس أن نقرأ عليكم نتفاً من هذه الوثيقة الشيوعية، التي لا نزال نرى آثارها في واقع الحياة، والتي -كما قلت- تعطينا صورة عن الفكر الصليبي في جملته، ثم نشرع في الحديث عن تطبيق هذه الخطة سواء من الشرق أو الغرب لوضع مرحلة جديدة للعلمانية.
стр. 221
فضح بعض الخطط العلمانية
بعد تبين إخفاق المرحلة الأولى، جاءت هذه الوثيقة، وقد نشرت من ضمن ما نشرت في كتاب الشيوعية والأديان للأستاذ طارق الحجي ونشرتها مجلة كلمة الحق أيضاً، ونتجاوز المقدمة على أهميتها: أولاً: 'مهادنة الإسلام لتتم الغلبة عليه، والمهادنة لأجل، حتى نضمن أيضاً السيطرة، ونجتنب الشعوب العربية بالاشتراكية ' ثانياً: تشويه سمعة رجال الدين -هم ليسوا رجال دين، وإنما علماء، ولكن على تعبيرهم النصراني الكنسي- والحكام المتدينين واتهامهم بالعمالة للاستعمار والصهيونية من الفقرة السادسة: 'الحيلولة دون قيام حركات دينية في البلاد، مهما كان شأنها ضعيفاً، والعمل الدائم يقظة لمحو أي انبعاث ديني، والضرب بعنف لا رحمة فيه لكل من يدعو إلى الدين، ولو أدى إلى الموت وهذا بالذات داخل الاتحاد السوفيتي ' من الفقرة السابعة: ومع هذا لا يغيب عنا أن للدين دوره الخطير في بناء المجتمعات، ولهذا وجب أن نحاصره من كل الجهات وفي كل مكان وإلصاق التهم به، وتنفير الناس منه بالأسلوب -انظروا هذا الشرط- الذي لا ينم عن معاداة الإسلام.
من الفقرة العاشرة: ' إن فصم روابط الدين ومحو الدين لا يتمان بهدم المساجد، لأن الدين يكمن في الضمير' استفادوا من تجربتهم أيام لينين واستالين، حينما هدموا المساجد، والكنائس أيضاً والمعابد عموماً فقالوا: إن القضاء على الدين لا يمكن أن يتم بهدم المساجد، لماذا ' لأن الدين يكمن في الضمير، والمطلوب هو هدم الضمير الديني' وإشغال الناس بكل ما يبعدهم عن الإيمان بالله .
ومن الفقرة الثانية عشر: ' خداع الجماهير ومن ذلك أن نقول عن محمد ﷺ : إنه إمام اشتراكي، فهو فقير وتبعه فقراء، وحارب الأغنياء المحتكرين، والإقطاعيين، والرأسماليين، والمرابين، وثار عليهم، وعلى هذا النحو يجب أن نصور الأنبياء والرسل، ونبعد القداسات الروحية والوحي والمعجزات عنهم بقدر الإمكان فهم عباقرة عظماء فقط؛ لنجعلهم بشراً عاديين حتى يسهل علينا القضاء على الهالة التي أوجدوها لأنفسهم، وأوجدها لهم أتباعهم المهوسون '.
من الفقرة الثامنة عشرة: ' نشر الأفكار الإلحادية، بل نشر كل فكرة تضعف الشعور الديني، والعقيدة الدينية، وزعزعة الثقة في رجال الدين، في كل قطر إسلامي ' انتبهوا كم يكررون الفصل بين الشعوب، والعلماء، والطعن في العلماء، واتهام العلماء والدعاة.
يقول في الفقرة التاسعة عشرة: ' لا بأس من استخدام الدين، لهدم الدين، ولا بأس من أداء الزعماء الاشتراكيين بعض الفرائض الدينية الجماعية كصلاة الجمعة وصلاة التراويح وأحياناً العيدين للتضليل والخداع، على أن لا يطول زمن ذلك ' ولا يستمر ولا ينظر إليه على أنه شيء أبدي لكن فقط لمخادعة الجماهير.
ومن الفقرة العشرين: ' إلصاق كل عيوب الدراويش، وخطايا رجال الدين بالدين نفسه ' كل الدراويش كالصوفية ونحوهم كل خطيئة يرتكبونها، وفساد، ونهم وجشع للدنيا وانحراف سلوكي، أو أخلاقي، أو أي عمل يلصق بالدين، فيشوه بالدين من خلال المشوهين ممن ينتسبون إليه.
من الفقرة الحادية والعشرين: ' تسمية الإسلام الذي تؤيده الاشتراكية لبلوغ مآربها، وتحقيق غايتها بالدين الصحيح -هذا هو الإسلام الصحيح- والدين الثوري، والدين المتطور، ودين المستقبل ' هذه الأوصاف كلها للإسلام الذي يضعونه، لا الإسلام الذي أنزله الله ﵎ على عبده ورسوله محمد ﷺ ' حتى يتم تجريد الإسلام، الذي جاء به محمد ﷺ من خصائصه ومعالمه، والاحتفاظ منه بالاسم فقط، لأن العرب إلا القليل مسلمون بطبيعتهم، فليكونوا الآن مسلمين اسماً، اشتراكيين فعلاً، حتى يذوب الاسم كما ذاب معنى ' اشتركيين أو ديمقراطيين فأي تسمية لا تهم.
من الفقرة الثالثة والعشرين: ' وإذا وجدنا من الضروري مهادنة الدين وتأييده، وجب أن تكون المهادنة لأجل ' لاحظوا كم كرروا هذا التنبيه (المهادنة لأجل) فيفتحون الأبواب لما يسمى الانفتاحات أو الحريات حتى تنخدع الشعوب الإسلامية الواقعة تحت سلطتهم، وتبدأ في إظهار أنفسها والدعوة، ثم يكون بعد ذلك الانقضاض والتخطيط.
من الفقرة الخامسة والعشرين: ' الاهتمام بالإسلام مقصود منه: أولاً: استخدام الإسلام في تحطيم الإسلام ' وسنرى عند الحديث عن التطبيق إن شاء الله.
' وثانياً: استخدام الإسلام للدخول إلى شعوب العالم الإسلامي ' للتغلغل ونشر المبادئ الغربية، في شعوب العالم الإسلامي.
السادس والعشرين: ' وباسم تصحيح المفاهيم الإسلامية ' انظروا شيوعيون، يصححون دين الإسلام وينقونه، سبحان الله! قال: ' وباسم تصحيح المفاهيم الإسلامية، وتنقيته من الشوائب، وتحت ستار الإسلام، يتم القضاء عليه بأن يستبدل به الاشتراكية ' أو أي منهج على أية حال.
وهذا إشارة إلى الوثيقة الأمريكية، وقراءة موجزه لبعض ما جاء في الوثيقة السوفيتية، وهناك وثائق أخرى مهمة منها ما ينشر في مجلة المجتمع عن محاضر الكونجرس الأمريكي، وكذلك نشرت في مجلة الوطن العربي محاضر أخرى وجلسات تتعلق بالصحوة الإسلامية، وهناك أيضاً الكتب التي كتبها نيتشل -وأمثاله- عن الصحوة الإسلامية، وهذه منشورة وموجودة، كما نشرت مجلة المستقبل العربي، ونقلتها عنها بعض الكتب الإسلامية الأخرى، وفحواها أن المخابرات الأمريكية عقدت في عام ١٩٨٣م -في تلك السنة فقط- ١٢٠ ندوة لدراسة الصحوة الإسلامية.
ونحن نعلم مقدماً أن هذا لا يخيفنا -والحمد لله- مهما خططوا، لكن يجب علينا أن نعرف واجبنا ونعرف العدو، ونعرف كيف نقاومه، أما أن تخيفنا هذه الأرقام وهذه الخطط فلا تخيفنا إذا اتقينا وصبرنا، ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] كما أخبر إنما نذكر هذا ليحفزنا إلى مزيد من الصبر، ومزيد من التقوى ومعرفة حال هؤلاء وكيفية مقاومتهم.
стр. 222
التسميات التي أطلقها العلمانيون على الإسلام
بعد ذلك ننتقل إلى التطبيق الذي حصل.
فقد ظهرت في السنوات الأخيرة أسماء منها ما يسمى "اليسار الإسلامي"، ونحن نعرف أن الإسلام ليس به يسار ويمين ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] لا يسار إسلامي، ولا يمين إسلامي.
كما ظهرت ما تسمى بالحركات التجديدية، وهي تجدد كل شيء ولا تقف، ولا تلتزم بالتجديد الذي أمرنا به، ويجب علينا جميعاً أن نجدده وهو: العودة بالناس للكتاب والسنة، ولكنها تجدد ما سنذكره.
ظهرت باسم النقد الذاتي: مؤلفات أو اتجاهات باسم النقد الذاتي، وتقصد بذلك:- نقد الحركات الإسلامية والدعوات الإسلامية.
أولاً: أكثر ما ينقدون وينتقدون أو يتغافلون ويتجاهلون، هو دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمة الله عليه- هذه لا قيمة لها عندهم، ولا تحسب على أنها دعوة تجديديه، وإنما ينظر إليها على أنها شكلية، قشور، تقليدية، إلى آخر ما يلصقونه بها من معايب ومن تهم، إن لم يتجاهلونها بالكلية، ولا ينظرون إليها، ولا إلى آثارها الضخمة -والحمد لله- التي لا تزال حية في الواقع على مستوى الأمة الإسلامية جميعاً.
ثم ينقدون الدعوات الإسلامية الأخرى، من باب الدخول إلى الشباب في الحركات والدعوات والجماعات الإسلامية الذين رأوا انحرافات، وتململوا، وكاد اليأس أن يستولي على قلوبهم مما يرون من الأخطاء، فدخلوا إليهم عن طريق هدم الأصول التي من الممكن أن تحيي الأمل في نفوسهم، وجرفهم إلى ما يريدون باسم النقد الذاتي، وإلى نشر الأفكار التي يدعون إليها.
يظهرون تارة باسم الإنسانية والدعوة إلى التعاون العالمي، ضمن مواثيق الأمم المتحدة، وهكذا تتعدد الأسماء، ولكن المقصود من ذلك واحد.
بالطبع لن نستطيع أن نأتي بالنماذج من كلامهم، وحتى الأسماء أو المؤلفات، ولكن سأحاول -إن شاء الله- أن أوجز المجالات التي أوجدوا بالفعل فيها مبادئ محددة لهم، وقضايا رئيسية؛ ويندرج تحتها فرعيات كثيرة.
стр. 223
مستهدفات العلمانية
أولاً: مسألة العقيدة: هؤلاء الذين يسمون تجديديين، أو مصلحين، أو عصريين، أو تطويريين أو يساريين إسلاميين، إلى آخر هذه الأسماء المختلفة، عندهم توحيد الأسماء والصفات لا يذكر ولا يهتمون به، ويعتبرون الحديث فيه من اللغو الباطل، الذي لا يجوز أن يدخل فيه.
توحيد الألوهية عندهم، والحديث عن الشرك، وأشباهه لا يمثل عندهم شيئاً، فهم قوم يرون أن كل من انتسب إلى الإسلام فهو مسلم، حتى أصحاب الضلالات، كالماركسيين، فالذي اسمه محمد أو عبد الله أو إلى آخره من أسماء المسلمين، فهم يعتبرونه مسلماً، وكذلك الاشتراكيون البعثييون وغيرهم، يعتبرون هؤلاء مسلمين، فليس عندهم توحيد ألوهية، ولا توحيد في الأسماء والصفات مطلقاً، فالقاعدة عندهم أن كل من انتسب للإسلام وآمن بأن الله موجود فهو مسلم، ولا يفكرون في ما بعد ذلك.
بل بعضهم جاهر وقال: إن البهائية والقاديانية والرافضة وأشباههم لا مانع أن يسموا مسلمين، ولا فرق بيننا وبينهم، وبعضهم يقول: لا، إن الاثنتين والسبعين فرقة، التي أخبر عنها النبي ﷺ ، لا يخرج من ذلك إلا البهائية والقاديانية فقط، أما البقية كلهم من أهل السنة، فـ الخوارج والمعتزلة والشيعة كلها فرق إسلامية، ولا حرج.
ثانياً: ما موقفهم من الشريعة، ومن تطبيق شريعة الله، ومن الأحكام، ومن إقامة الحدود.
لهم موقف عجيب جداً، يقولون: أولاً: لا مانع من وجود أحزاب لا تطالب بإقامة شريعة الله، وصرح بعضهم -وربما قرأتم لبعض المغفلين الذين انساقوا وراءهم- أنه لا مانع من قيام أحزاب شيوعية في ظل الحكومة الإسلامية، أو في المجتمع الإسلامي، المهم أن تلتزم بالإسلام كحل - سبحان الله -كيف تلتزم؟! أما الديمقراطية فالكل يسعى إليها، وينعق بها، وأذكر لكم -مثالاً فقط- ما يدور في صفحات جريدة الشرق الأوسط، فهم بين الحين والحين يأتون بشيخ جديد ليبث أن الديمقراطية هي الإسلام، وأن الإسلام هو الديمقراطية، وعليه فلا يمكن إقامة شريعة الله، ولا إقامة حكم الله، ولا إقامة الحدود، إذاً على من يقام حد الردة! إذا كنا نسمح بوجود أحزاب شيوعية، فعلى من يقام حد الردة؟ إذا كنا نقول: إن حرية الرأي يجب أن تستمر، حتى يقول كل إنسان ما شاء؟! يظهر في هذا الأثر الواضح في حياة أولئك الناس في الغرب، ولتعمدهم السير في ركاب العلمانية الجديدة التي يقودها الاستعمار الغربي ويخطط لها، لإحلالها محل العلمانية الملفوظة المرفوضة التي بدأت -والحمد لله- الآن تنهار في العالم الإسلامي.
طبعاً لديهم مصادر، والتاريخ مملوء بالاننحرافات، فقد رجعوا إلى مثل الطوفي الذي يقول: [[إن المصلحة تقدم على النص]] وأخذوا منه، وأخذوا من شذوذات داوود بن علي الظاهري وأخذوا من شذوذات ابن حزم وأخذوا من شذوذات بعض المؤلفين للقواعد الفقهية، واستنتجوا من ذلك أن الإسلام لا يمكن أن يطبق نصاً وحرفاً، الإسلام عندهم مباديء عامة، وليس أحكاماً تفصيلية مقررة، يضربون كتاب الله بعضه ببعض.
يقولون مثلاً: قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] يضربون بها قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨].
يقولون: الآن المجتمعات في هذا العصر، تعيش في حالة من الإنهاك الاقتصادي، ومن السيطرة الغربية، وكذا وكذا، فلا يمكن إقامة السرقة، وحد الزنا، لأنه أقيم في أول الإسلام لأمر مصلحي، والآن لا يمكن أن تقام الحدود، فيبقى الإسلام دعوة عامة للعدل، لكن يمكن أن يطبق العدل، عن طريق الأنظمة والقوانين الوضعية.
فلا يرضون بأخذ أحكام شرعية من قول الله وقول رسوله ﷺ ، ويعتبرونها حرفية مرفوضة تماماً.
يقولون: وجد منافقون في عهد النبي ﷺ وكان لهم رأس كما ورد في السيرة أن عبد الله بن أبي رأس النفاق، فيستدلون بهذا على جواز وجود أحزاب معارضة شيوعية أو يمينية أو يسارية كما قلنا.
وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:١٣] يقولون: إذاً: كيف نقسم العالم إلى دار كفر، ودار إسلام، وكيف نجعل دية المسلم، غير دية الكافر، وكيف لا نقتص للكافر من المسلم إذا قتله، والله تعالى يقول هذه الآيات؟ وهكذا يضربون الأحكام الشرعية فيلغون الأحكام التفصيلية باستنباطات جديدة مباشرة من النصوص الشرعية، بمنهج انتقائي غريب.
стр. 224
مهاجمة العلمانية للمنابع الإسلامية
بعد ذلك يأتون إلى الأصول التي يجتمع عليها الناس ويفهمون منها، ويأخذون منها أحكامهم ودينهم، فيضربونها ضربة قاضية.
فمثلاً: نحن عندنا علوم معيارية، وعلم أصول الفقه، وهذا يضبط كيف نستنبط الأحكام؟ وما هي مصادر الاستنباط؟ إلى آخر ذلك، فيضربون أصول الفقه ويقولون: لا بد من أصول فقه جديد، وكذلك القياس؛ يقولون: لا بد من القياس الواسع، بمعنى: قس أي شيء على أي شيء كما يحلو لك، وكذلك المصلحة الواسعة، ليست المصلحة الشرعية، بل المصلحة الواسعة التي يمكن أن تلغي النصوص، وكذلك الإجماع المقيد، يقولون: أنتم تقولون: إن الإجماع إجماع مجتهدي الأمة! وهذا غير ما عندنا من الإجماع المقيد قال بعضهم: إذا أجمع طلاب مدرسة ثانوية على شيء، فهذا إجماع، ولو أجمعت جمعية على شيء فهذا إجماع.
فيقولون: لماذا نقيد الإجماع بإجماع المجتهدين؟ ولم هذه الشروط الصعبة؟ وهذا مؤداه هدم هذه الأصول؛ لأنها إذا هدمت يبقى القرآن، والسنة ألفاظاً عائمة لا تستفاد منها أحكام، وتقرأ للتبرك، أو في الصلاة، أما في الواقع، فلا يمكن لأحد أن يطبقها أو أن يقيمها.
قالوا أيضاً فيما ما يتعلق بأصول الحديث: أصول الحديث هذه يجب إعادة النظر فيها، وقد تجرأ بعضهم -عياذاً بالله- فصرح وقال: من القواعد التي يجب إعادة النظر فيها أن علماء الجرح والتعديل قرروا أن الصحابة كلهم عدول.
قال: وهذا ليس صحيحاً! فليس بمجرد أنه رأى النبي ﷺ ، وآمن به يكون عدلاً! فجاء باجتهاد لم يسبق إليه وقال: نضع شروطاً لقبول رواية الصحابي، نقول منها: أن لا يروي الصحابي حديثاً فيه مصلحة له أو لمن يواليه حتى نضمن أنه لم يبتدع من عنده.
أي أنه يتهم الصحابة بالكذب على رسول الله ﷺ لمصالح شخصية والعياذ بالله.
ثم يأتي إلى الصحيحين ويقول: لا نسلم بأن كل ما في الصحيحين صحيح، بل لا بد أن نعرض ما فيهما على القرائن والنظر العقلي، والتاريخ، والتحليل النفسي، والتحليل الاجتماعي، ويهذون بعبارات إذا رآها الإنسان يقول: صحيح! إذن لا بد أن نعيد النظر، فيشككون الناس في قيمة السنة النبوية.
أما الفقه فهجومهم عليه عجيب: فهم يدخلون من مدخل سلفي، فيقولون أول شيء: الحجة هو الكتاب والسنة، وآراء الرجال لا حجة فيها، فنقول: ما شاء الله، كلام طيب! لكن ماذا يريدون؟ يريدون فصل كلام السلف وفصل تطبيق السلف وكلامهم وتفسيرهم وفهمهم للكتاب والسنة فصلاً كاملاً، فيأخذون هم مباشرة من القرآن والسنة؛ وأنت تأخذ مباشرة، فيقلبون الآيات كما ذكرنا، ويضربون كتاب الله بعضه ببعض، ويضربون الحديث بعضه ببعض كما يشاءون، ويصححون ويضعفون كما يشاءون، أما كلام الأئمة العلماء وفهمهم وعملهم وتطبيقهم ومؤلفاتهم فهذا كلام بشر، ويقولون: فرق بين الدين وبين فهم الدين وصورة التدين، ففهم الدين يختلف بحسب العصور، وصورة التدين تختلف بحسب العصور، أما الدين فهو النص فقط، ثم كل يفهمه كما يشاء.
وهجموا هجوماً آخر فقالوا: كتب الفقه المطولات المعقدات تستطرد وتطيل النفس في أبواب الحيض والنفاس، والصلاة، والصيام والزكاة، ولكنها لا تتعرض لأبواب الإمامة والخلافة ونظام الحكم والشورى لماذا؟ قالوا: لأنها كتبت في أيام سيطرة الحكام الاستبداديين، والعلماء كانوا يسيرون في ركاب السلطة، فهو فقه مرحلي، مؤقت، فقه كان يتكلم باسم الطبقة المسيطرة، وباسم الحكام وأولياء الأمور في تلك المرحلة.
طبعاً معروف أننا لم نجد في كتب الفقه، أو قد لا نجد على العموم ما يتعلق بالإمامة والخلافة؟ لأن باب الإمامة أرفع عندنا من أن يذكر في أبواب الفقه، فهو موجود في كتب العقيدة كما تعلمون، الإمامة من مسائل العقيدة.
ونظراً لما جرى من الخوارج وغيرهم، فهم يأتون إلى هذا الشيء.
يقولون: الفقه الإسلامي فقه عنصري! كيف هذا؟ قالوا: انظر كيف أن الفقهاء يقسمون الدور إلى دار حرب ودار إسلام، وهذه مرحلة نتيجة الحروب الصليبية التي كانت دائرة، ونتيجة أن الناس في العصور الوسطى كان النصراني يكفر المسلم، والمسلم يكفر النصراني، أما الآن فلا، العالم انفتح الآن، وصارت هناك حقوق للإنسان، ولا يصلح بعد الآن، أن نقول: فقه للمسلمين وفقه لغير المسلمين، دار إسلام ودار حرب، هذا كله كلام لا قيمة له الآن.
بعد ذلك إذا جئنا للاقتصاد يأتونك بالعجب العجاب، البنوك لا بد منها، الفوائد الربوية ضرورية، ومن الذي يقول: إن الفوائد ليست حلالاً؟! ويدافعون عنها أشد الدفاع، المؤسسات الرأسمالية تقوم كما هو الحال في الدول الغربية، وكذلك الشركات تقوم على النمط الغربي، وهذا من الإسلام ومن الديمقراطية ومن حرية المال، أو من الاشتراكية، كما في الوثيقة الاشتراكية، واليسار الإسلامي يقول: الماء والنار والكلأ مباحة للجميع، ويقاس على ذلك كل وسائل الإنتاج، ويقاس على ذلك المصانع والتأمين إلخ.
فتكون الأحكام كلها نسخة من الغرب، ولا تؤخذ من الفقه الإسلامي، ولا من كتاب الله وبالذات في هذا الجانب.
стр. 225
المرأة والحجاب
موضوع المرأة والحجاب، ماذا يقول فيه العلمانيون الجدد؟ الذين يلبسون ثوب الإسلام المزعوم، فضفاضاً واسعاً، ويقولون: المجتمع الإسلامي، ليس مجتمعاً منفصلاً، المرأة فيه لا تختلط بالرجال؛ بل هو مجتمع مختلط، ولكنه فقط محتشم لا منفصل، هذا شعارهم! وما هو تفصيل هذه الحشمة؟ تغطية الوجه ينكرونها تماماً، الحجاب الحقيقي الذي هو أن تكون المرأة في بيتها، فإن خرجت فهي مغطية لوجهها وسائر جسمها ينكرونه، ويقولون: يجب أن تخرج المرأة، والمرأة مظلومة، والفقه الأعوج، أو الفقه الميت إلى آخره، هو الذي يحبس المرأة في البيت، أو يأمرها بأن تغطي وجهها، وأننا نخجل ونستحيي أن يرانا الغربيون ونساؤنا يغطين وجوههن، والغربيات يحكمن الدول، جاء هذا على ألسنة كثيرين وليس رجلاً واحداً فقط، إنما هذا كاتجاه ومنهج لإفساد المرأة المسلمة.
والفن ماذا يقولون؟ لهم رسائل في ذلك، ولهم كتب منها كتاب الدين والفن، منها كتاب آراء تقدمية في الفكر الإسلامي يقولون: يوجد في الفقه الإسلامي آراء تقدمية سبقت عصرها.
إذن عندنا كنوز خفية ما نعلمها، انظروا إلى ابن حزم كيف أباح الغناء، هذا فكر تقدمي، والآن القرن العشرين بدأ الإنسان المعاصر يحس بأهمية الغناء وضرورته، لكن المتزمتين والمتشددين يقولون: البخاري روى وفلان قال، وابن القيم ذكر خمسين وجهاً في تحريمه، كله كلام لا قيمة له في نظرهم.
ومن الآراء التقدمية أو التحررية والتجديدية قول بعضهم: الرقص إن كان المقصود منه إثارة الشهوات فلا ينبغي، وأما إن كان المقصود منه بعض الشعور، والإحساس بالجمال، وتنمية الشعور بالجمال، وتنبيه الناس إلى بديع خلق الله، فهو قد يخدم أغراضاً إسلامية، وكذلك الموسيقى، ولهذا فهم من أشد الناس تضجراً بتوبة المغنين والممثلين والمطربين، يتضجرون في الصحف علانية ولا يستحيون وهم يرفعون أسماء إسلامية ويدعون ذلك، ويرون أن المرأة يمكن أن تقوم بأي عمل حتى بالتوسع في مسألة الغناء والسينما.
وكل منهم يجتهد، ويفصل كما شاء، حتى إن أحدهم دخل كلية وفيها جدار يفصل الطلبة عن الطالبات؛ قال: لو كان الأمر بيدي لهدمت هذا الجدار، وبعضهم ينادي ويجاهر بأنه يجب أن يتخلص الناس من مسألة تدريس البنات عن طريق الشبكة التلفزيونية، كما هو موجود مثلاً عندنا هنا في مكة والحمد لله.
بل بعضهم يتندر حين سئل عن قيادة النساء للسيارات.
فقال: إن كنتم في الدول التي تحرم ذلك - يسخر من مجتمعنا هنا - هذا لا يجوز، والعلماء سوف يفتونكم أنكم انحرفتم، أما إن كنتم تؤمنون أن المرأة بشر، وأنها إنسان مثل أي إنسان فما المانع أنها تقود السيارة، وأنها تعمل كل شيء؟ فيلجئون إلى أساليب شتى لنشر هذه الضلالات.
ومما سبق يتبين أن هذه هجمة جديدة يهاجم بها هذا الدين، وعلمانية جديدة تلبس ثوباً فضفاضاً واسعاً، تحت شعاراتٍ ونداءات إسلامية مختلفة هي العدو الذي سيواجه الدعوة الإسلامية الآن، وفي المستقبل القريب، أما من ينادون علانية بإنكار وجود الله أو تكذيب كتاب الله جهاراً نهاراً، أو الطعن في سنة النبي ﷺ جهاراً نهاراً، فهؤلاء أصبحوا يتلاشون ويتساقطون.
وهذه المرحلة الجديدة لها رموزها، ولها كتابها، ومعاهدها، ومؤسساتها، وصحافتها، وهذه لا أقولها إلا لأذكركم بها، وستعرفون الكثير منها -إن شاء الله- أينما وجدتم مثل هذه الأفكار، فستجدون وراء ذلك المكر الخبيث.
فأنبهكم جميعاً إلى خطر هذه المرحلة، وأن نكون متيقظين لمقاومة هذه الهجمة الجديدة، التي تهدم الإسلام باسم الإسلام- كما سمعنا في وثائقهم هذه.
هذا واسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتقبل مني ومنكم، وأن أكون قد وفقت على هذا الإيجاز المخل لأنبه -إخوتي الكرام- إلى خطر هذه المرحلة الجديدة التي تعيشها الصحوة الإسلامية.
стр. 226
الأسئلة
стр. 227
أهداف العلمانية في المرأة المسلمة
السؤال
فضيلة الشيخ ما هي أهداف العلمانية التي تحققت خاصة فيما يتعلق بالمرأة المسلمة؟
الجواب
العلمانية في المرحلة السابقة حققت إخراج المرأة المسلمة من بيتها، تحدياً لقول الله ﵎: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فأخرجتها من البيت وزجت بها في متاهات الانحراف والضلالات والفجور والفسق والعهر، المرأة المسلمة التي كانت قبل ثمانين سنة لا يرى منها شيء في أكثر أنحاء العالم الإسلامي، أصبحت اليوم -إلاّ ما قلَّ- تبدو وتبدي مفاتنها للناس جميعاً وفي كل مكان، بحجة التحرر، وبحجة التطور والتنمية والإسهام في ترقية الوطن إلى آخر، ونجحوا في ذلك.
والعلمانية الجديدة الخبيثة هذه التي أشرت إليها فعلت ما هو أنكى من ذلك، حتى أنه بلغني عن بعضهم ومعهم مراكز في الولايات المتحدة الأمريكية خاصة -هناك يربون ويغذون- وصلوا إلى حد أن يعقدوا لرجل كافر على امرأة مسلمة -عياذاً بالله- وبعضهم جاهر وطالب بذلك، وبعضهم كتب أن اليهود والنصارى مسلمون مؤمنون مثلنا، ولا يجوز أن ننظر إليهم نظرة عنصرية -نسأل الله العفو والعافية- وبعضهم قال: إنما قوله تعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠] هذه الآية في سورة الممتحنة هي في ظروف صلح الحديبية، وهي مرحلة وقتية وظروف وقتية، يعني: يريدون أن يهدموا أساسيات في مسألة العلاقة بين المسلمة وغيرها، ومن ذلك ما يتعلق بقضية الميراث، بعضهم يقول: كيف -وهم يدعون الإسلام- لا نعطي المرأة إلا نصف ميراث الرجل مع أنها الآن تخرج وتعمل وتتوظف وتنفق؟ يقول: المرأة إذا كانت موظفة وإذا كانت البنت موظفة وتأخذ راتباً، والولد ليس عنده راتب ومات الأب، وبالعكس، إذن: لا بد أن نراعي وظيفة أو حالة الأسرة ولا ننظر إلى مجرد أن (للذكر مثل حظ الأنثيين) إلى آخر ما يرددون -نسأل الله العفو والعافية- من هذا الكفر الصريح.
ولكن المشكلة أن الذين يرددون هذه العبارات الآن أناس يصلون -أو يتظاهرون بذلك- ويتكلمون عن الإسلام، ويرفعون الرايات والشعارات الإسلامية، وهذا هو الخطر المحدق بالمرأة المسلمة في هذه المرحلة، لا يأتون ويقولون: اخرجي سافرة، بل يقولون: الحجاب ليس من الإسلام، والمرأة تكون محتشمة وتخرج وتفعل ما تشاء، وهم يضمنون -والأعداء من ورائهم ضامنون- أنها إذا خرجت فستكشف أول الأمر الوجه -كما يزعمون- ثم تكشف الساقين والنحر والشعر، ثم تقع بعد ذلك المصيبة.
стр. 228
نصيحة للشباب
السؤال
فضيلة الشيخ ما نصيحتكم لهؤلاء الشباب في هذه الصحوة الطاهرة المباركة، خصوصاً أننا نعيش بين فكي الشيوعية والعلمانية والمذاهب الأخرى؟
الجواب
أول شيء أوصي وأنصح به إخواني هو تقوى الله هذه وصية الله إلى الأولين والآخرين ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١].
وأن نخلص أعمالنا جميعاً لله؛ لأن العلمانية شرك، ونحن ندعو إلى التوحيد وإلى الإخلاص ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢] هذه دعوتنا، وأن نصبر ونعلم أمتنا الصبر ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] لا بد من الصبر ولا بد من التقوى لندفع كيد الأعداء وأن نتعلم العلم الشرعي ونصبر على ذلك.
إن مما يؤلمنا في هذه الصحوة هو أن الشباب يرضون بالثقافة السطحية أو العابرة، نحن لا نقلل -والحمد لله- من شأن المحاضرات ولا الندوات ولا أي شيء، ولكن نقول: هذه خطوط عامة، وهذه نقاط على الطريق فقط، ومعالم تعطيكم إنارات فكرية عامة، أما ما يجب عليكم فردياً فهو العلم والمركز والدروس العلمية المركزة المستديمة طويلة المدى، التي تعطيك معرفة تفصيلية بالأحكام الشرعية وبالعقيدة قبل ذلك، وتعطيك التفصيل لسبيل المجرمين أيضاً ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٥].
لتعرف سبيله بالتفصيل، وتدرس الفرق والمذاهب الفكرية بالتفصيل، وأما ما نراه الآن فهذه هي ظاهرة طيبة من جهة العامة، لكن من جهة الإخوة المثقفين وطلاب العلم لا، وهو الإقبال على ما سهل، والشباب مع الأسف إذا أعطيته كتاباً أربعين صفحة يقول: هذا طويل، يريد عشر صفحات فقط، وإذا أعطيته شريطاً ثلاث ساعات، يقول: يا ليته ساعة-مثلاً- فهو يريد أي شيء خفيف، هذه حقيقة، أمةٌ تواجه هذه العداوات الشرسة وهذه المؤامرات الحاقدة على طول التاريخ لا بد أن تكون على مستوى المواجهة، ولا بد من رجال يقودون هذه المواجهة، ولا بد من أناس لا تأخذهم في الحق لومة لائم، ولكن يقولون الحق بالحجة العلمية والبرهان الذي أنزله الله ، ويزنون الأمور بالميزان الحق الذي شرعه الله وأنزله.
هذا هو المفقود الآن؛ والناس كلهم يعرفون أن الزنا حرام، وكلهم يعرفون أن الاختلاط حرام، لكن لماذا لا تأثير لمعرفة الكثير من الناس؟ لأنه لا يأتون بهذا التأثير في مقام الحجة العلمية الشرعية المقنعة المؤثرة، ولهذا -والحمد لله- إذا رأينا سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله أو أمثاله من العلماء كتب فتوى عن التبرج أو عن السائقين أو عن الخدم، ما عليك إلا أن تصورها وتطبعها وتضعها على مسجد أو تعطيها أي واحد بيده، فتكون حجة كافية، لأنها صدرت من عالم.
بينما الخطيب قد يخطب ويكتب أضعاف أضعاف ما في هذه الفتوى وهذا شيء معروف، لكن هل لها نفس قيمة فتوى الشيخ؟ لا، إذن: العلم ضروري، ولا بد أن نقيم حجة الله على العالمين، وعلى المسلمين، وعلى أنفسنا لنعبد الله، لا بد من علم، ولا بد من صبر على ذلك، هذه بعض الوصايا التي تشير إلى ما بعدها إن شاء الله.
стр. 229
التعريف ببعض رموز العلمانية الجديدة
السؤال
نرجو من فضيلتكم ذكر بعض زعماء العلمانية الموجودين في الوقت الحاضر؟
الجواب
ما كنت أحب ذكر الأسماء؛ لأن الأسماء يثار حولها الإشكالات؛ لكن لعلي أذكر على سبيل براءة الذمة بعض من تعرضنا لأفكارهم، ونادوا بشيء مما قلته أو بكله، وكتبهم موجودة ومقالاتهم الصحفية موجودة، منهم: الدكتور حسن الترابي، ومنهم فهمي هويدي ومنهم كمال أبو المجد ومنهم محمد عمارة ومنهم حسن حنفي، ومنهم بعض المنتمين إلى بعض الدعوات الإسلامية وهؤلاء معروفون ومشهورون ولا داعي للتنصيص على أسمائهم.
ومنهم: خالص جلبي ومنهم أيضاً أسماء أخرى بعضها مشهورة وبعضها أقل شهرة.
стр. 230
حكم قراءة كتب الشيوعية والعلمانية
السؤال
هل تنصحون طالب العلم أن يقرأ كتب الشيوعية والعلمانية للتعرف على مذاهبهم وأهدافها؟
الجواب
بالنسبة لأي طالب علم وأي كتاب عن الشيوعية لا، لكن يجب أن يكون في الأمة من يقرأ ومن يتصدر لهدم وتخريب هذه الأفكار، ومما يوجب ذلك ويجعلنا نوسع الدائرة في ذلك أن هذه الأفكار تطرح يومياً، الآن لم يعد غريباً، هذا السؤال لو سألناه قبل عشرين أو ثلاثين سنة -كما كنا نسأل علماءنا تلك الأيام أو يسألهم الناس- يقولون: لا حاجة لكم -مثلاً- لكن الآن أي جريدة ليس فيها ذكر للشيوعية؟ وأي جريدة ليس فيها دعوة علمانية؟ وأي مجلة وأي مسلسل وأي مقالة إلا ما كان إسلامياً صرفاً، ما دمنا نعيشها واقعاً فلا بد أن نعرفها، ولكن يتفاوت الأمر بحسب الحاجة، وبحسب المؤهل الذي أهل الله به الإنسان، وما أوتي من القدرة على الاستيعاب، وأقل ما يجب تحقيقه أن تبين وتفضح حقيقة هذين المذهبين للناس.
стр. 231
كيف نتعرف على العلماني
السؤال
فضيلة الشيخ: كيف نتعرف على شخصية العلماني، وكيف نحاربه ونرده إلى الله ؟
الجواب
يعرف بظاهر القول، ويعرف بلحن القول كما أخبر الله تعالى عن المنافقين، فمنهم من يجاهر ويظهر القول بأن الإسلام لا علاقة له بالحياة، وكما يقولون: كلما أردنا تطويراً أو ترفيهاً أو تقدماً صاحوا في وجوهنا، وقالوا: حرام! بعضهم يجاهر بذلك، وبعضهم يخفي، ويقول: الإسلام لا يتنافى مع التطور، والإسلام دين التقدم، والإسلام دين الحرية ودين الكرامة الإنسانية، هذا شيء طيب، لكن ماذا يقصد به؟ يقصدون بذلك تذويب الإسلام وتمييعه، وبهذه الكلمات الفضفاضة يدخلون ما يشاءون من الانحرافات والضلالات والبدع.
وبحسب -أيضاً- نوع العلماني ودرجته في الانتماء إلى العلمانية، أو حسب المجال الذي يتحدث فيه إن كان أديباً، إن كان سياسياً، إن كان اقتصادياً، إن كان باحثاً إلخ، لابد أن يظهر ذلك، والمهم أن المسلم واضح، وهو من يحتكم في كل أمر من أموره إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وينطلق في تصوراته جميعاً منهما ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] هذا هو المنهاج الإسلامي في العلم والبحث والنظرة إلى الحياة جميعاً.
стр. 232
أهم الكتب التي تتحدث عن الصوفية والعلمانية
السؤال
فضيلة الشيخ من هو أفضل من كتب عن الطرق الصوفية والعلمانية وما هي الكتب الجديدة في هذا الباب وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
الصوفية الكلام عنها كثير جداً نظراً لتشعبها وتعدد ما كتب عنها، وكتب عنها شَيْخ الإِسْلامِ رحمة الله عليه، وكتب عنها ابن القيم ضمن ما كتب وتعرض له، وكتب عنها كثير من الباحثين في القديم والحديث، وهي أكثر مما تحصى، وكذلك العلمانية كتب عنها كتابات كثيرة إما في العموم وإما كتابات مختصة بجوانب منها مثل: القومية وعلاقتها بالعلمانية، مثل: الاشتراكية وأمثالها، وأتصور أن المراجع -إن شاء الله- موجودة ولا تخفى على أحد.
стр. 233
علاقة الفرق الإسلامية القديمة بالحديثة منها
السؤال
فضيلة الشيخ هل هناك علاقة بين الفرق السابقة الضالة التي وجدت مثل المعتزلة والمرجئة وبين الماسونية والاشتراكية والعلمانية؟
الجواب
العلمانية الحديثة هذه التي تسمى العصرية والعقلانية وبعضهم يصرح: بأننا على منهج المعتزلة، وبعضهم يقول: نحن المعتزلة الجدد، ولماذا يحبون الرافضة ويميلون إليهم وعلاقتهم بهم قوية؟ لأن الروافض -كما تعلمون هؤلاء الشيعة - هم في الأسماء والصفات والقدر معتزلة، ويضيفون إلى ذلك ما يختص بهم مما يتعلق بالخلافة، والإمامة، وتحريف القرآن، وتكفير الصحابة إلى آخر العقائد الكفرية المعروفة، لكن هم في الحقيقة معتزلة، فمن هنا يتبنون مذاهب المعتزلة، وبعضهم يتبنى الباطنية، وبعضهم يعتبر أن الحركات الباطنية تجربة اشتراكية، وكل من انتسب إلى الإسلام عندهم مسلم، فيعتبرونها كلها تجارب وكلها صور مرحلية لتطبيق الإسلام، ونحن في هذا العصر نطبق صورة تلائم القرن العشرين أو الحادي والعشرين.
стр. 234
تسرب الوثائق الأمريكية والشيوعية
السؤال
كيف تسربت الوثائق الأمريكية والشيوعية إلى وسائل الإعلام، ألا ترى أنه يحتمل أن يكون ذلك أمراً مدبراً من هاتين الدولتين؟
الجواب
لا يستبعد، وعلى أية حال لا يهمنا كيف؟ فالله ما جعل هؤلاء الناس -كما يظن بعض الإخوة- لا يمكن أن يخترقوا ولا يعرفوا، وأذكر لكم قصة وقعت وأثارت الرأي العام الأمريكي، حتى تعرفوا حكم الله: طالب تقدم إلى معهد أمريكي مشهور -معهد للتكنولوجيا التطبيقية مشهور عالمياً- يريد الالتحاق بالمعهد، ورُفض لأنه صغير السن ولأنه لم تتوافر الشروط فيه، فذهب واجتهد في البيت، واستخدم كمبيوتراً، واستطاع بأساليب معينة أن يدخل على كمبيوتر البنتاغون (وزارة الدفاع الأمريكية) وهي الأخطر في العالم، واستطاع أن يسحب أسرار ومعلومات، فشعرت الوزارة بأن الكمبيوتر مدخول عليه، وهناك شيء يجذب المعلومات، تعبوا، وفكروا، وتحروا، وعندهم وسائل رهيبة في التحري، واكتشفوا أن هذا الشاب جالس في غرفته، وكل معلومة هناك تدخل في الكمبيوتر يحصل عليها هذا الشاب الطفل، فذهلوا كيف لو أنه عميل للمخابرات الروسية -مثلاً-؟ واشتهرت القصة وفضحت، فنحن لا نستغرب، بل الحقيقة أنه من استهتارهم بنا، وقد قالها المجرم، قال: إن العرب لا يقرءون، أنا أقول بصراحة: ما الذي يمنعهم من أن ينشروا مخططات، ونحن -لو نشروها- هل سنقرأ، وإن قرأناها هل سنعمل؟ وإن عملنا كم العامل؟ وكم سيقف ضد هذه المخططات؟ لو قام واحد يفضح المخططات سيقف ألف عميل من المغفلين أو من المأجورين من المسلمين، قبل أن يحصل أي تحرك هناك من الغرب، ولا يحتاج أن يقف الغرب؛ لأن دعاة الضلالة الذين حذر منهم النبي ﷺ موجودون هنا، فلذلك لا يهمهم، وحتى لو تسربت بإرادتهم.
стр. 235
حكم دراسة علم الاجتماع
السؤال
بما أن تعلم علم الاجتماع كما ذكرت في كتابك العلمانية كان على أيدي الكفار وأعداء الدين، وأرادوا به هدم الدين والأخلاق، واعتبارها مرحلة من المراحل وليست أمراً فطرياً، فما حكم دراستها؟
الجواب
علم الاجتماع يمكن أن يكون على نوعين: علم اجتماع إسلامي، وعلم اجتماع لاديني أو علماني، وهذا الذي وجد في أوروبا، ولا يوجد ولا يمكن أن يوجد تصور أعظم ولا أبين من كتاب الله في بيان كيف تقوم المجتمعات، وكيف تسقط؟ منهج واضح يحدثنا الله عن أخبار القرون الأولى ويأمرنا بأن نعتبر ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف:١١١] ويأمرنا أن نتعظ كيف قامت المجتمعات، وكيف سقطت؟ وما هو أثر الترف؟ وما هو أثر الأكابر إذا طغوا واستبدوا في الأرض -كفرعون وأمثاله-؟ وما أثر الجشع وحب الدنيا -كقارون وأمثاله-؟ وكيف تقوم المجتمعات على العدل وكيف تسقط بالبغي؟ كل ذلك موضح في كتاب الله كقواعد وأصول عظيمة، لا يمكن أن يوجد لها نظير، وفسرها النبي ﷺ أيضاً في حديث من السنة فهي واضحة جداً.
ويوجد هناك -والحمد لله- دراسات اجتماعية إسلامية متحررة تماماً من النظرة العلمانية، وهذه يجب أن تدرس سميناها علم الاجتماع أو لم نسمها، أما أن تدرس العلوم الاجتماعية بالمنظور الغربي، فالحكم عليها كشأنها وغيرها من العلوم التي يحرم قراءتها، أو تدريسها على المسلمين، وإنما يجب أحياناً الاطلاع عليها لبيان زيفها وضلالها وخطرها.
стр. 236
معنى لفظ العلمانية
السؤال
ما معنى لفظ علمانية؟
الجواب
لفظة علمانية ترجمت على أساس أنها ترجمة لكلمة العلم، وكأن الدين مقابل العلم، لأنه في أوروبا وجد الصراع بين الدين والعلم، لكن في الحقيقة الكلمة في الأصل الأوروبي لا تعني العلم ولا علاقة لها بالعلم، وإنما تعني كلمتين هما: الدنيوية أو اللادينية، لكن ترجمت باسم العلم تمويهاً، فإذا قال أحد: أنا أقيم دولة لا دينية، فهذه قضية، لكن: دولة علمانية، هذه ليس فيها حرج، فإقامة دولة علمانية، أو إقامة مجتمع علماني، ليس فيه حرج؛ لأن الإسلام دين العلم، فيمهون علينا.
стр. 237
صورة العلمانية في الصحافة العربية
السؤال
ما هي صور العلمانية في الصحافة العربية؟ وهل العلمانية منتشرة في الخليج؟
الجواب
الحداثة هي جزء من العصرية والعقلانية، لكن تدعى أن علاقتها فقط بالشعر، أو بالقصة، أو باللغة، أو بالأدب، والواقع أنه لا يمكن أن تفصل جانباً من جوانب الحياة عن الآخر، هل نستطيع أن نفصل الجانب الاجتماعي عن الجانب الاقتصادي؟ لا يمكن، هل نستطيع أن نفصل الجانب السياسي عن الجانب التربوي التعليمي؟ لا يمكن، لأنه مجتمع واحد، والفرد واحد، فهم عندما يهدمون اللغة العربية والأدب العربي، يهدمون الإسلام قطعاً وسيضغطون على الصحافة الخبيثة الوافدة الحداثة تأخذ صوراً شتى: حداثة مدروسة أو حداثة ملتزمة بالمذهبية -كما تدعى- من حيث الأدب والرواية والقصة، وهناك أيضاً حداثة على مستوى الفن عموماً، تحديث للطرائق والأساليب الفنية، تحديث حتى في الأساليب الاقتصادية وفي أساليب الغزو الفكري وغيرها.
والحداثة ككلمة عامة في أصلها الأوروبي تعني: الانقطاع والانبتات عن الماضي تماماً، يعني (مودرترم) وهذا المودرترم هو الذي يعبر عنه بالنسبة للإسلام المودرن أو الموضة، أو الإسلام الأمريكي، فالحداثة تريد أن تفصل الناس عن فهم الكتاب والسنة بإفقاد النص دلالته، كما قال أحد كبارهم مع الأسف: إن النص الواحد إذا قرأته تفهم منه شيء، وأنت أيضاً لو قرأته مرة أخرى تفهم منه شيئاً آخر، والمؤلف والكاتب لو قرأ النص يفهم منه شيئاً آخر، والمؤلف نفسه لو قرأ ما كتب يفهم منه شيئاً آخر.
إذن كيف يفهم الناس القرآن؟ ألم تقل الباطنية: إن للقرآن ظاهراً وباطناً، والباطن له باطن، والباطن له باطن، إلى سبعمائة باطن! أليس هذا هو كلام الباطنية؟ فتختلف الصور وتختلف المظاهر ولكن الحقيقة واحدة، وهي الفصل بين الناس وبين كتاب الله وبين سنة رسوله ﷺ .
ولهذا فالعلم الشرعي الصحيح هو الحل، وهو أهم شيء لمواجهة هذه الدعاوى، فالذي لا يعرف كتب الفقه ولا يعرف كتب الأصول، ولا يعرف أصول الحديث، تمشي عليه هذه الدعاوى، لكن الذي يعلم ويدرس -والحمد لله- العلم الشرعي، لا تقف هذه الدعاوى الذي ذكرناها ولا أضعافها ولا تساوي عنده مثقال ذرة، لأنه يعرف العلم الذي هو فيه.
أما ضعيف العلم فينساق وراء هذه الترهات والأراجيف، ولهذا تجدون أتباع هذا المنهج والناعقين بهذه الأفكار، غالباً -بل ربما كانوا جميعاً- من الدارسين دراسة غير شرعية، وإنما تطفلوا على الدعوة وعلى الدراسات الشرعية.
ولا نزكي الدارسين دراسات شرعية بإطلاق، ولا نقصد أن نغمط أي إنسان، فالحمد لله الدين مفتوح، ويوجد من الإخوة في مجالات أو دراسات غير شرعية من تخصص وأبدع، لكن هذا أخذ العلم من أصوله فأصبح كأنه دارسٌ له دراسة شرعية، أما أولئك فلا يأتون البيوت من أبوابها، ولا يأخذون العلم من أصوله وطرائقه.
стр. 238
فصل الدين عن الدولة
السؤال
كثير من الناس أو بعضهم يسمعون بأن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة فما معنى ذلك؟
الجواب
العلمانية هي: إقامة المجتمع أو الدولة على غير الدين، أي: أن الدين في المسجد -تصلي فقط- لكن أموالك في البنوك الربوية، زوجتك لا تتحجب، النساء يعملن مع الرجال في كل شيء، الصحافة تكتب ما تشاء، دور السينما تبث ما تشاء، التربية والتعليم المناهج فيها علمانية بحتة، لا دينية بحتة، الولاء والبراء يفقد تماماً في التعامل الدولي أو الفردي، ولا توالي الأمة لأنها مؤمنة، ولا تعادى لأنها كافرة، إنما الدين مسألة فردية روحية، تريد المسجد فهو مفتوح، تريد أن تصوم صم، لا أحد يرغمك على أن تفطر، وهذه مرحلة سيعقبها ما هو أشد من ذلك وهو محاربة الإسلام في هذه الأمور.
стр. 239
الفرق بين الماسونية والعلمانية
السؤال
هل هناك فرق بين الماسونية والعلمانية؟ وهل هنالك علاقة بين العلمانية والحداثيين؟
الجواب
الماسونية هي أفاعي الشر الخفية، التي تخطط لإعادة سيطرة اليهود وحكمهم للعالم، ومن المذاهب التي تروج لها الماسونية، الشيوعية والعلمانية عموماً، وهذه من جملة المذاهب، ومن المؤكد أن بعض من يدعون إلى هذه العلمانية الجديدة التي تسمى (العصرية أو العصرانية أو العقلانية أو الإنسانية كما ذكرنا أو التجديدية إلى آخر هذه الأسماء) من المؤكد أن بعضهم له علاقة وارتباط ما بالاستخبارات الدولية وبالماسونية دون أن نتهم أحداً بعينه، لكن نقول: هذا مؤكد، وهذا موجود، وسوف تثبته الأيام، وقد أثبتت الأيام عن السابقين ما أصبح واضحاً كالشمس في رابعة النهار.
стр. 240
حكم من جمع بين الإسلام والعلمانية
السؤال
فضيلة الشيخ إني أحبك في الله، لقد سألت أحد الشيوعيين فوجدته يصلي فقلت له: أعرف أنك شيوعي فلماذا تصلي؟! فقال: أنا إنسان مسلم وعقيدتي صحيحة، ولكنني شيوعي اقتصادياً! فماذا تقولون مثل هذا؟
الجواب
هذا هو شاهد لما قلنا، فهم مأمورون -كما قرأنا في الوثيقة- أن يظهروا الصلاة والشعائر، فالزعماء مأمورون، فكيف الأذناب! لا بد أن يظهر الصلاة ويظهر الشعائر حتى يدخل إلى قلوب الناس لئلا ينفروا منه، لكن هذه مرحلة مؤقتة، إلى أن يأتي اليوم الذي يمحون الإسلام فيه محواً.
أو يوجد نوع مما يسمونه " الإسلام يتعايش معهم" يعني: لو وجد نوع من الإسلام يرضى بوزارتين أو ثلاث وزارات، وقليل من الانتخابات، وبعض النقابات، ويسلِّم بوجود إسرائيل، ولا يعترض على الفساد من الانحلال الخلقي، والاجتماعي، ولا يعترض على وجود الربا، ولا على القوانين الوضعية، هذا لا يمنعون منه أن يبقى كطائفة أقلية، أو طائفة في المجتمع لا مانع منه، الإسلام الأمريكاني أو (المودرن إسلام) كما يسمونه الأمريكيون، وهم الذين يسعون إلى وجوده لكن الإسلام الحقيقي لا يرضون به.
فهذه مرحلة مؤقتة -كما قرأنا في الوثيقة- بدأوا بأتاتورك وأمثاله، جاهروا بإلغاء الدين، وكذلك عبد الناصر فقد ملئوا السجون، وحاربوا الإسلام بمجاهرة، فكانت النتيجة عكسية، الآن قالوا: لا، ابدءوا بملاينة الإسلام وإظهاره، ثم تستأصلونه قليلاً قليلاً، لاحظتم كيف الخطة! اختلفت في التكتيك وفي الأسلوب، لكن النتيجة والغاية ما تزال واحدة.
стр. 241
منهج الأنبياء في الدعوة
بدأ الشيخ حفظه الله ببيان أهمية الموضوع؛ ثم تكلم عن قوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي) [يوسف:١٠٨] من حيث اشتمالها على منهج الدعوة وغايتها، وبين أن وجهي القراءة في هذه الآية يؤديان إلى معنيين صحيحين، وبين أن كل أساليب الدعوة المشروعة تحقق هدفاً واحداً.
موضحاً خطر التنازل عن الحق، وأعقب ذلك ببيان أساليب الدعوة التي اشتملت عليها آية سورة النحل، وأصناف الناس من حيث استخدام الأسلوب الأمثل معهم؛ مع بيان حقائق هذه الأساليب والفهم الخاطئ لها من قبل بعض الناس.
стр. 242
اجتهاد النبي ﷺ في الدعوة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى جميع الأنبياء الذين دعوا إلى الله، وجاهدوا في الله حق جهاده، وتحملوا في سبيل ذلك كل أذى، وصبروا على كل ابتلاء، حتى قتل منهم من قتل، وأوذي منهم من أوذي، فأقام الله ﵎ بهم الدين، وأقام الحجة على العالمين, ورضي الله ﵎ عن الصحابة الكرام، الذين اقتفوا نهج نبيهم ﷺ هم ومن اتبعهم من السلف الصالح بإحسان، فكانوا خير دعاة إلى خير منهج، ونسأله ﵎ بأسمائه الحسنى أن يلحقنا بهم على طريق الدعوة الصحيح، وأن يجعلنا ممن يدعو إليه على بصيرة، فلا يدعو إلى غيره أبداً، ولا يدعو إليه على ضلالة أبداً.
أما بعد: فموضوع منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله ليس بالموضوع الهين، فإنه أمر جلل، والأمة الإسلامية اليوم، وهي تشهد صحوة وتوبة وأوبة إلى الله، وتشهد -في الوقت نفسه- مناهج وطرقاً مختلفة في الدعوة إلى الله هي أحوج ما تكون إلى معرفة منهج النبي ﷺ ، ومنهج الأنبياء الكرام في الدعوة إلى الله؛ فليس هناك منهج يقتدى به في الدعوة والعلم والعمل إلا منهج النبي ﷺ ، ومن تبعه من الصحابة الكرام والسلف الصالح.
ولا يصلح آخر هذا الأمة إلا بما صلح به أولها وبما أصلح أولها، فيجب أن نعي هذه الحقيقة وهذا البرهان الذي بينه الله في كتابه أجلى بيان، وليس في قدرة الإنسان أن يعرض عامة منهج النبي ﷺ في الدعوة إلى الله، فضلاً عن سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولكننا نأخذ من كتاب الله ما نص الله فيه نصاً على غاية الدعوة ومنهجها، وما طبقه النبي ﷺ الذي كان خلقه القرآن، والذي عمل بما أنزله الله عليه وبلغه غاية العمل والبلاغ.
أولاً:- المنهج النبوي في الدعوة إلى الله:- إن الله ﵎ في الذكر الحكيم والقرآن المبين، الذي أعجز الجن والإنس أن يأتوا بمثله؛ ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، قد ذكر منهج الدعوة وحدده في آية واحدة موجزة من كتابه كاملاً غير منقوص، ولو تأملها كل الدعاة، ولو تدبرها كل من يقرأ كتاب الله؛ لما وُجِد هذا الاختلاف والافتراق في ساحة الدعوة إلى الله.
ومن هنا نعرف قيمة القرآن، ونعرف قدر القرآن، ونعرف مدى تفريطنا في كتاب الله .
فإذا أردنا الهدى، والحق، والخير، فهو في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ ؛ فلا نذهب ونتخبط في التجارب يميناً وشمالاً، والله في آية واحدة جامعة قد بيَّن لنا كيف ندعو إليه؛ وفي آية أخرى بيَّن لنا أساليب الدعوة وطرائقها.
فكأن موضوع الدرس سيتركز على شرح هاتين الآيتين، وليتنا نستطيع أن نشرح هاتين الآيتين، فما بالكم ببقية الآيات والقصص، التي أنزلها الله وقصها علينا في الدعوة إليه ؟! أما الآية الجامعة الأولى فهي قول الله في آخر سورة يوسف ﵇: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] فهذه الآية فيها منهج الدعوة كاملاً، وفيها غاية الدعوة، وفيها إشارة إلى الأسلوب الأمثل في الدعوة، على ما سنبينه إن شاء الله.
وجوه قراءة الآية: وفي الآية وجهان، لا بد أن نبينهما قبل أن نشرع في بيان تفصيل الآية، لأن المعنى يترتب عليهما: الوجه الأول: أن تقرأ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] ثم تقول: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
والوجه الثاني في قراءتها تقرأها: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] ففي كل وجه معنى يختلف عن المعنى الآخر على ما سنورده إن شاء الله تعالى.
فالله يقول لنبيه ﷺ وهو إمام الدعاة، وهو الذي دعا إلى ربه خير دعوة، وبعث بأعم الرسالات وأكملها يقول له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: قل للناس جميعاً للمؤمنين والكافرين: ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] والإشارة هنا للتعظيم وللفت الأنظار؛ أي هذه سبيلي وطريقتي ومنهجي، وهذا شأني، وهذا حالي، وهذا عملي، وهذا ديدني، وهذا شغلي الشاغل وهو أن أدعو إلى الله.
ولو وقفنا عند كلمة أدعو، حيث كان شأنه ﷺ في حياته كلها: الدعوة إلى الله، والجهاد من أجل الدعوة إلى الله، كما قال ﷺ عن نفسه: ﴿بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له﴾.
فالجهاد إنما هو من أجل الدعوة إلى الله، ومن أجل إعلاء كلمة الله قال ﷺ : ﴿من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله﴾ وليس هنالك من هدف آخر وكل هدف مشروع فهو تبع لهذا الهدف الأسمى (وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له).
ففي أي بلد، وفي أي موضع، وفي أي وقت الجهاد إنما يكون لتحقيق هذا الهدف؛ قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] وهذه الآية بعد قوله تعالى لنبيه ﷺ وأصحابه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩] فجعل الله الإذن بالجهاد مرتبطاً بتلك الغاية، وهي: أن يقام الدين، وأن تقام الصلاة، وأن يؤمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر.
فجهاده ﷺ هو من أجل الدعوة، وحياته ﷺ مع أصحابه وهو يعلمهم ما أنزل الله عليه من الكتاب والحكمة هي دعوة إلى الله؛ وما كان ﷺ يلقي المعلومات لتحفظ أو ليصبح الناس علماء، ولا كان الصحابة الكرام يتلقونها لمجرد أن يكونوا علماء أيضاً وإنما هي دعوة إلى الله، فما يأمرهم به من أمر كانوا يمتثلونه ويتقربون به إلى الله ويبلغونه إلى من خلفهم، وهو ﷺ إذا أمرهم بأمر؛ فهو أتقاهم لله، وأول من يعمل به ﷺ ؛ فكله من أجل الله ولذات الله.
وكذلك حياته ﷺ مع زوجاته الطيبات الطاهرات كانت دعوة إلى الله؛ لتتعلم الأمة كيف تعاشر أزواجها.
ثانياً: حياته: وكذلك حياته ﷺ مع أعدائه، ومع جيرانه، ومع كل من عاشره كانت دعوة إلى الله؛ لنعرف كيف نحارب كما حارب رسول الله ﷺ ، وكيف نحب كما أحب رسول الله ﷺ ، وكيف نعامل المسلمين كما عاملهم رسول الله ﷺ .
فشأنه في كل حياته دعوة إلى الله، حتى وهو يمشي ﷺ ؛ فمشيته دعوة إلى الله، حتى كان الصحابة الكرام يعرفون أيهم أكثر شبهاً في هديه وسمته بالنبي ﷺ ، كما قال عمرو بن ميمون الأودي: "إن ابن مسعود كان كذلك، ثم كان بعده حذيفة "، فكانوا يتشبهون به ﷺ في هديه الظاهر، فما بالكم بهديه الباطن وإيمانه القلبي؟! هكذا كانت نظرتهم إليه، فقد بعثه الله لنا قدوة، وجعل لنا فيه أسوة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] وكل مؤمن من أتباعه ﷺ ؛ فهو على حظ من ذلك، فليكثر أو يقل! فإذاً: حياته ﷺ كلها دعوة.
﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] فالرسول ﷺ وأصحابه والسلف الصالح؛ كانوا يدعون إلى الله وحده لا شريك له، ورحم الله الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب حين قال تعليقاً على هذه الآية، عندما أوردها في كتاب التوحيد، في باب الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله: وفي قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾: ' التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيراً الناس لو دعا إلى الحق؛ فهو يدعو إلى نفسه ' -عافنا الله وإياكم- وهذا من أخطر الأمراض وأدقها، نسأل الله أن يعافينا وإياكم أجمعين من أمراض القلوب.
فمرض القلب: أن يدعو الإنسان إلى غير الله، ويظن أن دعوته هي إلى الله، وإن كان لا يدعو إلا بالكتاب والسنة، ولكن مرض القلب هذا يأتي، فيوهن دعوته، ويوهن إيمانه؛ حتى تصبح كلماته مثل الهواء جوفاء لا معنى لها ولا قيمة؛ لأنها ليست إلى الله وليست خالصة لوجه الله .
وأما الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً ومنهم النبي ﷺ ؛ ما دعوا إلا إلى الله؛ ولهذا نجد النبي ﷺ يكلمه عمه، ويساومه قومه فقالوا له: ﴿﴿إن كنت تريد الملك ملكناك، وإن كنت تريد الزوجة زوجناك، وإن كنت تريد المال أعطيناك﴾﴾ فعرضوا عليه كل شيء؛ حتى عرضوا عليه أن يعبدوا إلهه سنة، ويعبد هوآلهتهم سنة، وكل ذلك ليصرفوه عن هدفه، وهو ل
стр. 243
من أسس منهج الدعوة إلى الله
ومن لوازم ذلك ومما يبين ويدل على أن الدعوة إنما هي إلى الله: أولاً: أن تكون الموالاة والمعاداة في الله؛ فإذا إذا أحببت رجلاً؛ فلأنه أطاع الله، وعبد الله من أي بلد كان أو من أي لون كان أو على يد أي إنسان اهتدى؛ فإذا فعلت ذلك فأنت تدعو إلى الله بإذن الله.
وأما إذا كنت تواليه لنفسك، أو تعاديه لنفسك، أو تحب أن تكون هدايته على يدك من أجل نفسك ومن أجل طائفتك، ومن أجل منهجك الذي ارتضيته أنت في الدعوة إلى الله، أو ما أشبه ذلك، مما يصرف الدعوة عن أن تكون إلى الله؛ فهذه الدعوة ليست لله.
وعلامة ذلك: أن من يدعو إلى الله يذكر بالله، ويذكر بسنة رسول الله ﷺ ، وهذا ما تأتلف عليه القلوب وتجتمع عليه الأمة جميعاً، وأما من يدعو إلى غير الله؛ فإنه إنما يذكر بالرأي أو الإمام أو الشيخ أو المنهج الذي يرتضيه! فلهذا تجده دائماً يدعو إلى ذلك الشيء، ويثني عليه ويدندن حوله, ويتكلم به.
فهذه علامة، وكل إنسان منا عليه أن يقيس قلبه وينظر إليه؛ فإن أول ما يجب لتصحيح مسار الدعوة إلى الله في العصر الحاضر، أن نتجرد جميعاً من كل غرض، وهوى، وهدف؛ إلى أن تكون دعوتنا إلى الله وحده لا شريك له.
فالمحبة والموالاة والمعاداة لا تكون إلا في ذات الله ومن أجل الله.
ثانياً ومن لوازم ذلك ونتائجه ألا يحرص الداعية على كثرة الأتباع.
نحن نريد الهداية للناس جميعاً كما كان الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- فكانوا يدعونهم إلى الحق الجلي الصحيح؛ فيقبله من يقبله، ويأباه من يأباه؛ وبهذا كانوا دعاةً إلى الله وحده.
يقول النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح: ﴿ورأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، ورأيت النبي ومعه الرهط أو الرهيط، ورأيت النبي وليس معه أحد﴾ سبحان الله! أنبياء وليس معهم أحد! فهل الأنبياء لا يعرفون أسلوب الدعوة؟ لا.
والعياذ بالله، بل هم أعلم الناس بأسلوب الدعوة إلى الله؛ ولكنهم دعوا إلى التوحيد؛ فرفضته القلوب الغافلة، ورفضته الأهواء؛ كما قال سبحانه عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، وقال عنهم: ﴿أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٦].
فالأنبياء لم يساوموا قومهم ولم يداهنوهم ولم يتنازلوا لهم عن شيء؛ بل أعلنوها دعوة واضحة صريحة، كما أمر الله وكما يجب أن تكون.
فَمَْن منَّ الله عليه بالإيمان كما أخبرنا الله عن بعض أتباع أنبيائه؛ فهؤلاء آمنوا ودخلوا في دين الله (في التوحيد)؛ فكانوا مؤمنين حقاً، ومنهم من أعرض فلا يبالي بهم الله وإن كثروا، ومن لم يتبعه أحد فلا شيء عليه ولا حرج عليه؛ المهم أن يلقى ربه يوم القيامة وقد بلغ رسالته وهذا هو ما قاله الله لنبيه ﷺ : ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨] أي: فإذا بلغت الحق كاملاً، وجاهدت في الله حق جهاده بالحكمة وبالموعظة الحسنة وبالمجادلة -على التفصيل الذي سيأتي إن شاء الله في آية سورة النحل- ولم يستجب لك أحد؛ فلا شيء عليك ولا حرج عليك، المهم ألا تتنازل وألا تتبع الأهواء من أجل أن يكثر الأتباع، وأن يتجمع الرعاع؛ فهذا ليس من منهج الدعوة إلى الله، ولا مما سلكه أنبياء الله.
فإن رغبات الناس وشهواتهم وميولهم لا تتناهى ولا تحد.
فبعض الناس -مثلاً- يقول: ادع إلى الله ونحن معك؛ لكن لا تتعرض لموضوع النساء والتبرج فهذا شيء لا نستطيع أن نلتزمه (نحن نتبعك ونصلي ونتعلم الخير ونتبرع ونبني المساجد، وفي كل شيء؛ لكن موضوع المرأة وألا نرى النساء ولا نجلس معهن؛ فهذا شيءٌ خاص؛ فنرجوك ألا تقترب من هذا الموضوع).
والآخر يريد أن تدعو إلى الله وتتكلم عن الحجاب، وتنهى عن السفور والتبرج، وتحث على كل شيء؛ لكن لا تتعرض للربا؛ لأن الرجل صاحب بنك، فقل ما شئت إلا هذا الشيء.
فإذا اتبعنا أهواء الناس ليكثر الأتباع ويتجمع الرعاع؛ فقد تركنا ما أمر الله ؛ وللأسلوب تفاصيل ستأتي ولكن الأصل أن ندعو إلى دين الله كاملاً غير منقوص، وألا نبالي بنتيجة الدعوة، وألا نبالي بمن اتبع أو من لم يتبع.
أما في الأسلوب فهذه وسيلة سيأتي الحديث عنها إن شاء الله ﵎.
وتحقيقاً لكون دعوة الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- إلى الله، تجدون أنهم يصرحون لأقوامهم بذلك؛ فهذا نوح ﵇ يقول لقومه: ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [هود:٢٩]، ويقول هود ﵇: ﴿يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [هود:٥١] ويقول الله للنبي ﷺ : ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ:٤٧] وهكذا الأنبياء دائماً لا يبتغون مالاً، ولا أجراً، ولا يراعون مدحاً ولا ذماً؛ وإنما يريدون وجهه أن يطاع الله ويتبع أمره.
وعلى هذا المنهج سار الدعاة إلى الله بحق، فنشر الله دينه ونصره بأمثالهم ابتداءً من الصحابة الكرام، وانتهاءً بمن جدد الله به الدين من أئمة الدعوة المستقيمين؛ فليس هنالك غرض من أغراض الدنيا الفانية.
أما بعض الدعاة -مع الأسف- لو عرض عليه منصب لترك الدعوة إلى الله، ولو عرض عليه مرتب ضخم لترك الدعوة إلى الله، ولو عرضت عليه قضية من قضايا الدنيا التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة؛ لسال لعابه وترك الدعوة إلى الله.
فهذا لا يدعو إلى الله ولو كان يدعو إلى الله؛ لما رضي بدلاً عن دعوته بشيء من ذلك، وإنما هي دعوة إلى ما تحقق له، وهذا هو الذي قال النبي ﷺ فيه وفي أمثاله: ﴿فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه﴾.
وأول من يؤتى يوم القيامة -كما ثبت في الحديث الصحيح- بثلاثة: (القارئ المرائي- والمجاهد المرائي- والمنفق المرائي)، فيقال لكلٍ منهم: لم تعلمت؟ لم جاهدت؟ لم أنفقت؟ فيقول: من أجلك يا رب، فيقال له: كذبت؛ إنما فعلت ليقال: تعلمت، أو دعوت، أو قرأت، وليقال: داعية أو عالم؛ فلا يقبل منه ذلك، وكذلك المجاهد، وكذلك المنفق.
فتحقيق الإخلاص: أن تكون الدعوة إلى الله، هو أعظم أمر يجب أن نعرفه جميعاً، فندعو إلى الله، لا إلى رأي ولا منهج ولا فكرة ولا طائفة ولا فرقة ولا مذهب ولا شيخ ولا إمام ولا أي مخلوق كائناً من كان، فالله لم يرض لنا أن ننتسب إلى رسوله ﷺ حتى ننتسب إلى غيره، فقال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج:٧٨] فلو قال أحد: نحن محمديون، قلنا: لا! نحن مسلمون.
فلا ننتسب حتى إلى رسول الله ﷺ ، وإنما ننتسب كما علمنا ربنا بقوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩] فنحن نسبتنا واسمنا وانتماؤنا إنما هي إلى الإسلام كما أنزله الله، وكما أمر الله؛ وهذا مما يحقق أن تكون الدعوة إلى الله.
نعود إلى الآية فنقول: الوجه الأول: (أي: بالوقف) في قراءة الآية: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] فيكون المعنى: أنه ﷺ يدعو إلى الله، وأنه على بصيرة هو ومن اتبعه.
والوجه الثاني من قراءة الآية: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] (بالوصل) فيكون المعنى: أن دعوته ﷺ على بصيرة هو ومن تبعه، وكلا المعنيين صحيح.
стр. 244
الدعوة إلى الله على بصيرة
قوله تعالى: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي: ليست الدعوة إلى الله انفعالات ولا عواطف ولا صرخات ولا تأوهات؛ وإنما هي بصيرة؛ فيجب أن ندعو إلى الله على بصيرة.
وقوله تعالى: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] أخرج الذين يدعون إلى غير الله؛ فبقي المخلصون الذين يدعون إلى الله، وهؤلاء حالهم بين من يدعو إلى الله على بصيرة، وبين من يدعو إلى الله على غير بصيرة (وكلاهما يدعو إلى الله).
إذاً: لا بد أن نعرف هذا المعنى الثاني، الذي يخرج طائفة من طوائف الدعاة إلى الله، وهو (البصيرة في الدعوة) فما هي البصيرة؟
стр. 245
أولا: حقيقة البصيرة
أما البصيرة فهي كما قال ابن القيم ﵀: "إن البصيرة هي أن يتعلم ويتفقه في الدين؛ حتى يصبح في قلبه من النور لرؤية الحق مثلما ترى العين المرئي".
فالبصيرة أن يصبح قلبك يرى الحق مثلما ترى عينك الشيء المرئي، وهذه درجة عظيمة؛ فليس لكل إنسان أن يزعمها أو يدعيها؛ ولهذا فعند تفسير الحكمة، في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥] يتبين لنا ذلك.
فالبصيرة هذه لا تكون إلا بالعلم، وأساسها العلم، والبصيرة أيضاً تجمع صفات كثيرة، منها: الحكمة؛ فهي إن لم تكن مرادفة للحكمة؛ فهي تشمل معنى الحكمة؛ لأن الذي يدعو إلى الله إن دعا بالحكمة، أو بالموعظة، أو بالمجادلة، أو بالقتال؛ فكل ذلك -إذا كان على مثل ما دعا إليه النبي ﷺ لا بد أن يكون على بصيرة؛ فتكون على بصيرة في كيفية الدعوة، وإلى أي شيء تدعو.
ألا ترون أن بعض الناس قد يدعون إلى فضائل الأعمال، وينسون الدعوة إلى التوحيد، فأين البصيرة؟! ألا ترون أن بعض الناس قد يدعو رجلاً قريباً من الخير فينفره فيبتعد عن الخير بالمرة، فأين البصيرة؟! ألا ترى أن إنساناً قد يدعو شخصاً إلى ترك منكر، فينتج عن دعوته حصول منكر أكبر، فأين البصيرة؟!
стр. 246
ثانياً: أهمية الدعوة إلى على بصيرة .
فلو أن البصيرة موجودة، لحصلت النتائج الحسنة بإذن الله، أو قامت الحجة على من يريد الله أن يقيمها عليه من المعاندين والمستكبرين.
لكن بعض الناس إن دعا إلى طلب العلم، فقد يدعو إليه على غير بصيرة، وإن أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فقد يفعل ذلك على غير بصيرة، وقد يدعو إلى الجهاد في سبيل الله؛ ولكن على غير بصيرة، (إما إلى غير راية أو إلى راية عمِّية)، والمقصود: أنها على غير بصيرة.
وحتى التوحيد فقد يدعو إلى توحيد الله، وإلى المنهج الصحيح الذي بعث الله به رسله، ولكن على غير بصيرة.
إذاً: البصيرة أمرها عظيم، وأسأل الله أن يجعلنا وإخواننا المسلمين ممن آتاهم الله البصيرة والحكمة في الدعوة إليه، إنه على كل شيء قدير.
فلابد إذاً من الأسلوب الحسن ومن العلم، ولابد من معرفة المصلحة من المفسدة؛ ولهذا يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀: "ليس الفقيه أو المتبحر الذي يقول هذا حلال وهذا حرام! -ومعرفة الحلال والحرام فقه عظيم ولا يستهان به- ولكن أفقه من ذلك والفقيه الكامل هو الذي يعرف أرجح المصلحتين وأقل المفسدتين.
وكما نلاحظ في عصرنا الحاضر، فنحن اليوم في عصر غربة، انتشر فيه الفساد، وأهدرت المصالح.
فلا بد من بصيرة في أي أمر من الأمور؛ لنعرف ما هو أرجح المصلحتين، وأقل المفسدتين، فإن كان أمامك مفسدتان، ولا بد أن تقع إحداهما، فتتجاوز الكبرى وترتكب الأخف، فهذه هي البصيرة، وهذا هو الفقه الذي نريد أن يكون عليه الدعاة إلى الله وطلاب العلم جميعاً.
وهذا المنهج ليس خاصاً بالنبي ﷺ فقد قال الله في الآية: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] أو معناها على الوجه الآخر: أنا ومن اتبعني ندعو إلى الله على بصيرة.
فهذا أمر الله، ونحن أتباع رسول الله ﷺ ، فلا بد أن ندعو إلى الله على بصيرة؛ فإذا دعا داعٍ إلى غير الله أو على غير بصيرة من الله، فهذا ليس متبعاً لرسول الله ﷺ ، وهذا كلام الله: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] فإن كنت من أتباعه، فلا بد أن تقتفي أثره في الدعوة إلى الله، بأن تكون دعوتنا على بصيرة، وأن نكون على بصيرة من أمرنا في تعلم كتاب ربنا وسنة رسولنا ﷺ ، والتفقه في الدين والصبر واليقين.
стр. 247
ثالثاً: الصفات التي يجب أن تتحقق في أتباع الأنبياء حتى تكون لهم الإمامة في الدين
إن الله سبحانه جعل في أتباع الأنبياء الذين يدعون إلى الله صفتين؛ إذا تحققتا كان لهم الإمامة في الدين، يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فبالصبر واليقين؛ تتحقق الإمامة في الدين، ويتحقق اتباع المرسلين صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين؛ فهم كانوا الغاية في الصبر، وكانوا الغاية في اليقين، وحسبكم أن تعلموا أنه ﷺ لم يفارقه الصبر واليقين في كل المواقف الصعبة التي مرت به (وهو طريد في الغار يطمئن صاحبه -وأثناء الهجرة يبشر سراقة بن مالك بسواري كسرى- وهو يحفر الخندق والخوف يحيط به من كل ناحية، فيضرب بالفأس ويقول: الله أكبر! الله أكبر! ويبشر أصحابه بملك كسرى وقيصر) فلم يفارقه اليقين والصبر ﷺ أبداً، وكان أصحابه مثلاً في الصبر واليقين، يقتدى بهم ويسترشد بطريقتهم، وكانوا خير حواريين لخير نبي.
فباليقين وبالصبر وبالاتباع تتحق البصيرة، ونكون على المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله ﵎.
стр. 248
أهمية تنزيه الله في منهج الدعوة
ثم يقول الله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] وكلنا نقول: سبحان الله؛ إما بعد الصلاة وإما نافلة؛ فهي من أفضل الذكر ومن الكلمات التي هي خير الكلمات وأفضلها بعد القرآن، نقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ولكن أين حقيقة هذه الكلمة من قلوبنا؟! وأين تحقيق كلمة سبحان الله في حياتنا؟! فليست هي كلمة تقال باللسان فقط، فالله لم يذكرها في آية الدعوة وفي منهج الدعوة لمجرد أنها قول باللسان؛ بل هي كلمة لها مدلولها العظيم والعميق، وخاصة عندما تأتي في منهج الدعوة إلى الله.
فإن معنى الدعوة إلى الله، كما قال النبي ﷺ : ﴿حتى يعبد الله وحده لا شريك له﴾، فكل نبي جاء ليقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] وكل الأنبياء جاءوا يدعون إلى التوحيد، والتوحيد هو تنزيه الله عن أن يكون له ند أو يعدل به أحد أو يسوى به أحد، في المحبة والإجلال والخوف والرغبة والرجاء والطاعة والإنابة والخشية وجميع أنواع العبادة.
فسبحانه أن يكون له شريك، وسبحانه أن يكون له ولد، أو أن تكون له صاحبة، أو أن يكون له نظير، أو مثيل .
فهذه هي غاية الدعوة إلى الله! أن ننزه الله سبحانه عن الشريك والنظير والند والمثيل.
فمعنى سبحان الله أي: أنزه الله عما لا يليق به.
فذكر التسبيح في مقام الدعوة وفي آية الدعوة أدل وأوقع ما يكون على أن الغرض من الدعوة هو أن ينزه الله عما لا يليق به.
فلو عرفنا الله حق معرفته ما عصاه منا أحد أبداً؛ ولكن لما لم نقدر الله حق قدره، ولم نعرف الله حق معرفته؛ وقعت هذه المعاصي والذنوب وهذه المخالفات التي ضجَّت منها الأرض والسماوات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
حقيقة التنزية: فأين تنزيه الله؟! كم من الناس من يشرك بالله ويدعو غير الله! وكم من الناس من ينبذ كتاب الله وراء ظهره، ويتحاكم إلى القوانين البشرية وإلى الطواغيت التي وضعها طواغيت البشر! وكم من الناس رفضوا سنة محمد ﷺ واتبعوا آراء الرجال! وكم من الناس يعصون الله جهاراً نهاراً على علم ومعرفة بأن هذا حرام! فكل هؤلاء لم ينزهوا الله ولم يسبحوه، حتى لو كانوا ممن يقولون: (سبحان الله) ألف مرة في اليوم؛ لكنهم في الحقيقة لم ينزهوا الله .
وكذلك المعترضون على أقدار الله لم ينزهوا الله؛ إن وقع القدر وكان فيه خير لأحد من المسلمين؛ اعترض بعضهم على قدر الله لأنه لم يقع له، سبحان الله! فهذا الذي يعترض على قدر الله لا ينزه الله، فيقع الخلل في القدر كما وقع الخلل في التوحيد.
وإن كان له الخير قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] أي: باجتهادي وجهدي -كما قال قارون وأمثاله- فأين تنزيه الله سبحانه؟! فهذا ملكه وهذا خلقه! وهذا المعترض ليس له من الأمر شيء، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فليس لأحد الحق في أن يعترض على الله؛ ولهذا يقول الله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٥٩ - ١٦٠] فعباد الله المخلصون والمصطفون الأخيار، هم الذين ينزهون الله، فهم الذين يرتضون حكمه الشرعي ولا يخالفونه، ويرتضون حكمه القدري، ويصبرون عليه إن كان شراً، وإن كان خيراً حمدوا الله وأثنوا عليه، وردوا الأمر والفضل كله إلى الله، وأما ما يصفه به غيرهم فليس فيه تنزيه لله.
فالدعوة التي لا يكون هدفها أن ينزه الله وأن يعرف الله وأن يقدر الله حق قدره ليست دعوة صحيحة سليمة، ولا خير فيها ولن تنتج مهما كثر الأتباع وتجمع الرعاع؛ فإن هذا ليس هو الأسلوب الصحيح ولا هو ما أمر الله به من المنهج الذي يرتضيه.
стр. 249
البراءة من المشركين أصل في منهج الدعوة
وأما قوله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، فهنا أيضاً قاعدة عظيمة في هذه الآية يجب على كل مؤمن وبالأحرى على كل داعية أن يقف عندها: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] فالمنهج الصحيح والمنهج النبوي في الدعوة إلى الله من ضرورياته وأصوله، البراءة من المشركين، فالمشركون لسنا منهم في شيء، حتى إن النبي ﷺ قال: ﴿لا تتراءى نارهما﴾ فلا يرى المؤمن نار المشرك، ولا يرى المشرك نار المؤمن.
فإذا كان هذا في جبل وهذا في جبل، ورأى أحدهما نار الآخر، فعلى المؤمن أن يذهب بناره بعيداً في جبل آخر؛ حتى لا يرى نار المشرك ولا يرى المشرك ناره، (فهذه المجانبة الحسية والمعنوية).
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] أي: في عبادتهم لغير الله، وفي تعظيمهم لغير الله، وفي اتباعهم لغير شرع الله، وفي استهزائهم بدين الله، وفي استهانتهم بأوامر الله.
فلا أقول: إنني أدعو إلى الله؛ ثم أقف في صف أعداء الله! فهذا هو التناقض الذي ليس بعده تناقض؛ ولهذا فكل داعية يداهن المجرمين والملحدين والمشركين فقد أخرج نفسه من صفوف الدعاة الذين يدعون إلى الله على منهج أنبياء الله؛ وليسمِ نفسه بعد ذلك ما شاء.
فالبراءة من المشركين حتى في أحوالهم الظاهرة، أو حتى في لباسهم المختص بهم، أو في مظهرهم المختص بهم، أو حتى في السفر إلى بلادهم، فلا يذهب المسلم إلى بلاد المشركين إلا لضرورة؛ لقوله ﷺ : ﴿لا تتراءى نارهما﴾ إلا لضرورة لا يمكن العدول عنها أبداً.
فأهل التوحيد وأهل الشرك صنفان متمايزان وعدوان متحاربان، ولا يمكن أن يلتقيا.
فالدعوة إلى التقريب بين الأديان وإلى الحوار بين الأديان، ليست من الدعوة إلى الله في شيء.
فهؤلاء الذين يدعون إلى التقارب يريدون أن نتقارب مع من؟! مع عبدة الأبقار؟ أم مع عبدة العجل (اليهود)؟ أم مع عبدة عيسى وعبدة الصليب (النصارى)! مع من يكون التقارب؟! إن المنهج الرباني: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] فهي البراءة الكاملة، التي لا التقاء معها.
فالدعوة إلى الله لا تؤمن بهذه القضية أبداً، بل إن دعوتنا إلى التوحيد، وأعدى عدوٍ لنا هو: الشرك والمشركين.
فالروافض وأصحاب الشرك وأصحاب الأضرحة والقبور من الصوفيين، وكل من خرج عن التوحيد وعبد غير الله، ودعا غير الله، وألحد وأشرك بالله؛ أنحن وإياهم نتقارب ونكون يداً واحدة ونتعاون؟! فعلى ماذا؟! ولماذا؟! وأين المنهج الرباني والنبوي: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]؟! فلا بد فيه من البراءة من الشرك وأهله كما فعل إبراهيم ﵇ مع أبيه وقومه؛ وإلا فلسنا دعاة إلى الله، ولا يتقارب ويواد المشركين إلا أحد رجلين، إما رجل لا يبالي بمنهج الدعوة إلى الله، سواء اتبع فيه رسول الله ﷺ أو اتبع شيخه أو قائده أو رأياً فكرياً.
وإما: رجل جاهل لا يعرف أعداء الله، ويظن أنه إذا مد اليد لأعداء الله ووالاهم وتقارب معهم أنه لم يأتِ بشيء، ولم يخرج عن الملة القويمة، وينسى أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يقول حال الدعوة إليه: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] فليتبرأ من الشرك كما تبرأ الخليل ﵇، وكما أمر الله نبيه محمداً ﷺ فقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] أي: فتبرأ من المشركين ولو لم يتبعك أحد.
فلا مناصفة ولا التقاء في وسط الطريق بين المؤمن الموحد وبين المشرك المعاند، ولا يكون ذلك أبداً.
فالله لما قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] قد بين (في هذه الآية) منهج الدعوة إلى الله، والأصول التي يجب أن تراعى، والأركان التي يجب أن تتحقق، لكي تكون الدعوة حقيقة، ولكي يكون المسلم من بعده ﷺ على منهجه في ذلك.
стр. 250
أساليب الدعوة إلى الله
وأما الآية الأخرى التي تبين منهج الدعوة؛ لكن فيما يتعلق بالأسلوب المتخذ في الدعوة، فهي قوله ﵎ في آخر سورة النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، فالله أمره هناك أن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] وأن يبين للناس ما هي سبيله، وما هي طريقته، وما سبب خصومته مع أولئك البشر.
وهنا يأمره الله أن يدعو إليه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [يوسف:١٠٨] نلاحظ أنه عند ذكر المنهج وذكر الأسلوب لا يتغير الهدف وهو الإخلاص، وأن يكون الأمر لله، ولكن لأن الكلام هنا عن الأسلوب فجاء السبيل أو الطريقة التي يسلكها الداعية، الذي نعبر عنه بكلمة الأسلوب، فنقول: أسلوب الدعوة، فأمر الله نبيه ﷺ أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة.
والناس بالنسبة إلى الحق وإلى اتباعه على ثلاثة أصناف:
следующие страницы →