← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ثانياً: أهمية الدعوة إلى على بصيرة . فلو أن البصيرة موجودة، لحصلت النتائج الحسنة بإذن الله، أو قامت الحجة على من يريد الله أن يقيمها عليه من المعاندين والمستكبرين. لكن بعض الناس إن دعا إلى طلب العلم، فقد يدعو إليه على غير بصيرة، وإن أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فقد يفعل ذلك على غير بصيرة، وقد يدعو إلى الجهاد في سبيل الله؛ ولكن على غير بصيرة، (إما إلى غير راية أو إلى راية عمِّية)، والمقصود: أنها على غير بصيرة. وحتى التوحيد فقد يدعو إلى توحيد الله، وإلى المنهج الصحيح الذي بعث الله به رسله، ولكن على غير بصيرة. إذاً: البصيرة أمرها عظيم، وأسأل الله أن يجعلنا وإخواننا المسلمين ممن آتاهم الله البصيرة والحكمة في الدعوة إليه، إنه على كل شيء قدير. فلابد إذاً من الأسلوب الحسن ومن العلم، ولابد من معرفة المصلحة من المفسدة؛ ولهذا يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀: "ليس الفقيه أو المتبحر الذي يقول هذا حلال وهذا حرام! -ومعرفة الحلال والحرام فقه عظيم ولا يستهان به- ولكن أفقه من ذلك والفقيه الكامل هو الذي يعرف أرجح المصلحتين وأقل المفسدتين. وكما نلاحظ في عصرنا الحاضر، فنحن اليوم في عصر غربة، انتشر فيه الفساد، وأهدرت المصالح. فلا بد من بصيرة في أي أمر من الأمور؛ لنعرف ما هو أرجح المصلحتين، وأقل المفسدتين، فإن كان أمامك مفسدتان، ولا بد أن تقع إحداهما، فتتجاوز الكبرى وترتكب الأخف، فهذه هي البصيرة، وهذا هو الفقه الذي نريد أن يكون عليه الدعاة إلى الله وطلاب العلم جميعاً. وهذا المنهج ليس خاصاً بالنبي ﷺ فقد قال الله في الآية: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] أو معناها على الوجه الآخر: أنا ومن اتبعني ندعو إلى الله على بصيرة. فهذا أمر الله، ونحن أتباع رسول الله ﷺ ، فلا بد أن ندعو إلى الله على بصيرة؛ فإذا دعا داعٍ إلى غير الله أو على غير بصيرة من الله، فهذا ليس متبعاً لرسول الله ﷺ ، وهذا كلام الله: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] فإن كنت من أتباعه، فلا بد أن تقتفي أثره في الدعوة إلى الله، بأن تكون دعوتنا على بصيرة، وأن نكون على بصيرة من أمرنا في تعلم كتاب ربنا وسنة رسولنا ﷺ ، والتفقه في الدين والصبر واليقين.

стр. 247

ثالثاً: الصفات التي يجب أن تتحقق في أتباع الأنبياء حتى تكون لهم الإمامة في الدين إن الله سبحانه جعل في أتباع الأنبياء الذين يدعون إلى الله صفتين؛ إذا تحققتا كان لهم الإمامة في الدين، يقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] فبالصبر واليقين؛ تتحقق الإمامة في الدين، ويتحقق اتباع المرسلين صلوات الله وسلامة عليهم أجمعين؛ فهم كانوا الغاية في الصبر، وكانوا الغاية في اليقين، وحسبكم أن تعلموا أنه ﷺ لم يفارقه الصبر واليقين في كل المواقف الصعبة التي مرت به (وهو طريد في الغار يطمئن صاحبه -وأثناء الهجرة يبشر سراقة بن مالك بسواري كسرى- وهو يحفر الخندق والخوف يحيط به من كل ناحية، فيضرب بالفأس ويقول: الله أكبر! الله أكبر! ويبشر أصحابه بملك كسرى وقيصر) فلم يفارقه اليقين والصبر ﷺ أبداً، وكان أصحابه مثلاً في الصبر واليقين، يقتدى بهم ويسترشد بطريقتهم، وكانوا خير حواريين لخير نبي. فباليقين وبالصبر وبالاتباع تتحق البصيرة، ونكون على المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله ﵎.

стр. 248

أهمية تنزيه الله في منهج الدعوة ثم يقول الله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] وكلنا نقول: سبحان الله؛ إما بعد الصلاة وإما نافلة؛ فهي من أفضل الذكر ومن الكلمات التي هي خير الكلمات وأفضلها بعد القرآن، نقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) ولكن أين حقيقة هذه الكلمة من قلوبنا؟! وأين تحقيق كلمة سبحان الله في حياتنا؟! فليست هي كلمة تقال باللسان فقط، فالله لم يذكرها في آية الدعوة وفي منهج الدعوة لمجرد أنها قول باللسان؛ بل هي كلمة لها مدلولها العظيم والعميق، وخاصة عندما تأتي في منهج الدعوة إلى الله. فإن معنى الدعوة إلى الله، كما قال النبي ﷺ : ﴿حتى يعبد الله وحده لا شريك له﴾، فكل نبي جاء ليقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] وكل الأنبياء جاءوا يدعون إلى التوحيد، والتوحيد هو تنزيه الله عن أن يكون له ند أو يعدل به أحد أو يسوى به أحد، في المحبة والإجلال والخوف والرغبة والرجاء والطاعة والإنابة والخشية وجميع أنواع العبادة. فسبحانه أن يكون له شريك، وسبحانه أن يكون له ولد، أو أن تكون له صاحبة، أو أن يكون له نظير، أو مثيل . فهذه هي غاية الدعوة إلى الله! أن ننزه الله سبحانه عن الشريك والنظير والند والمثيل. فمعنى سبحان الله أي: أنزه الله عما لا يليق به. فذكر التسبيح في مقام الدعوة وفي آية الدعوة أدل وأوقع ما يكون على أن الغرض من الدعوة هو أن ينزه الله عما لا يليق به. فلو عرفنا الله حق معرفته ما عصاه منا أحد أبداً؛ ولكن لما لم نقدر الله حق قدره، ولم نعرف الله حق معرفته؛ وقعت هذه المعاصي والذنوب وهذه المخالفات التي ضجَّت منها الأرض والسماوات، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. حقيقة التنزية: فأين تنزيه الله؟! كم من الناس من يشرك بالله ويدعو غير الله! وكم من الناس من ينبذ كتاب الله وراء ظهره، ويتحاكم إلى القوانين البشرية وإلى الطواغيت التي وضعها طواغيت البشر! وكم من الناس رفضوا سنة محمد ﷺ واتبعوا آراء الرجال! وكم من الناس يعصون الله جهاراً نهاراً على علم ومعرفة بأن هذا حرام! فكل هؤلاء لم ينزهوا الله ولم يسبحوه، حتى لو كانوا ممن يقولون: (سبحان الله) ألف مرة في اليوم؛ لكنهم في الحقيقة لم ينزهوا الله . وكذلك المعترضون على أقدار الله لم ينزهوا الله؛ إن وقع القدر وكان فيه خير لأحد من المسلمين؛ اعترض بعضهم على قدر الله لأنه لم يقع له، سبحان الله! فهذا الذي يعترض على قدر الله لا ينزه الله، فيقع الخلل في القدر كما وقع الخلل في التوحيد. وإن كان له الخير قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص:٧٨] أي: باجتهادي وجهدي -كما قال قارون وأمثاله- فأين تنزيه الله سبحانه؟! فهذا ملكه وهذا خلقه! وهذا المعترض ليس له من الأمر شيء، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] فليس لأحد الحق في أن يعترض على الله؛ ولهذا يقول الله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٥٩ - ١٦٠] فعباد الله المخلصون والمصطفون الأخيار، هم الذين ينزهون الله، فهم الذين يرتضون حكمه الشرعي ولا يخالفونه، ويرتضون حكمه القدري، ويصبرون عليه إن كان شراً، وإن كان خيراً حمدوا الله وأثنوا عليه، وردوا الأمر والفضل كله إلى الله، وأما ما يصفه به غيرهم فليس فيه تنزيه لله. فالدعوة التي لا يكون هدفها أن ينزه الله وأن يعرف الله وأن يقدر الله حق قدره ليست دعوة صحيحة سليمة، ولا خير فيها ولن تنتج مهما كثر الأتباع وتجمع الرعاع؛ فإن هذا ليس هو الأسلوب الصحيح ولا هو ما أمر الله به من المنهج الذي يرتضيه.

стр. 249

البراءة من المشركين أصل في منهج الدعوة وأما قوله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، فهنا أيضاً قاعدة عظيمة في هذه الآية يجب على كل مؤمن وبالأحرى على كل داعية أن يقف عندها: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] فالمنهج الصحيح والمنهج النبوي في الدعوة إلى الله من ضرورياته وأصوله، البراءة من المشركين، فالمشركون لسنا منهم في شيء، حتى إن النبي ﷺ قال: ﴿لا تتراءى نارهما﴾ فلا يرى المؤمن نار المشرك، ولا يرى المشرك نار المؤمن. فإذا كان هذا في جبل وهذا في جبل، ورأى أحدهما نار الآخر، فعلى المؤمن أن يذهب بناره بعيداً في جبل آخر؛ حتى لا يرى نار المشرك ولا يرى المشرك ناره، (فهذه المجانبة الحسية والمعنوية). ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] أي: في عبادتهم لغير الله، وفي تعظيمهم لغير الله، وفي اتباعهم لغير شرع الله، وفي استهزائهم بدين الله، وفي استهانتهم بأوامر الله. فلا أقول: إنني أدعو إلى الله؛ ثم أقف في صف أعداء الله! فهذا هو التناقض الذي ليس بعده تناقض؛ ولهذا فكل داعية يداهن المجرمين والملحدين والمشركين فقد أخرج نفسه من صفوف الدعاة الذين يدعون إلى الله على منهج أنبياء الله؛ وليسمِ نفسه بعد ذلك ما شاء. فالبراءة من المشركين حتى في أحوالهم الظاهرة، أو حتى في لباسهم المختص بهم، أو في مظهرهم المختص بهم، أو حتى في السفر إلى بلادهم، فلا يذهب المسلم إلى بلاد المشركين إلا لضرورة؛ لقوله ﷺ : ﴿لا تتراءى نارهما﴾ إلا لضرورة لا يمكن العدول عنها أبداً. فأهل التوحيد وأهل الشرك صنفان متمايزان وعدوان متحاربان، ولا يمكن أن يلتقيا. فالدعوة إلى التقريب بين الأديان وإلى الحوار بين الأديان، ليست من الدعوة إلى الله في شيء. فهؤلاء الذين يدعون إلى التقارب يريدون أن نتقارب مع من؟! مع عبدة الأبقار؟ أم مع عبدة العجل (اليهود)؟ أم مع عبدة عيسى وعبدة الصليب (النصارى)! مع من يكون التقارب؟! إن المنهج الرباني: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] فهي البراءة الكاملة، التي لا التقاء معها. فالدعوة إلى الله لا تؤمن بهذه القضية أبداً، بل إن دعوتنا إلى التوحيد، وأعدى عدوٍ لنا هو: الشرك والمشركين. فالروافض وأصحاب الشرك وأصحاب الأضرحة والقبور من الصوفيين، وكل من خرج عن التوحيد وعبد غير الله، ودعا غير الله، وألحد وأشرك بالله؛ أنحن وإياهم نتقارب ونكون يداً واحدة ونتعاون؟! فعلى ماذا؟! ولماذا؟! وأين المنهج الرباني والنبوي: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]؟! فلا بد فيه من البراءة من الشرك وأهله كما فعل إبراهيم ﵇ مع أبيه وقومه؛ وإلا فلسنا دعاة إلى الله، ولا يتقارب ويواد المشركين إلا أحد رجلين، إما رجل لا يبالي بمنهج الدعوة إلى الله، سواء اتبع فيه رسول الله ﷺ أو اتبع شيخه أو قائده أو رأياً فكرياً. وإما: رجل جاهل لا يعرف أعداء الله، ويظن أنه إذا مد اليد لأعداء الله ووالاهم وتقارب معهم أنه لم يأتِ بشيء، ولم يخرج عن الملة القويمة، وينسى أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يقول حال الدعوة إليه: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] فليتبرأ من الشرك كما تبرأ الخليل ﵇، وكما أمر الله نبيه محمداً ﷺ فقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] أي: فتبرأ من المشركين ولو لم يتبعك أحد. فلا مناصفة ولا التقاء في وسط الطريق بين المؤمن الموحد وبين المشرك المعاند، ولا يكون ذلك أبداً. فالله لما قال لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨] قد بين (في هذه الآية) منهج الدعوة إلى الله، والأصول التي يجب أن تراعى، والأركان التي يجب أن تتحقق، لكي تكون الدعوة حقيقة، ولكي يكون المسلم من بعده ﷺ على منهجه في ذلك.

стр. 250

أساليب الدعوة إلى الله وأما الآية الأخرى التي تبين منهج الدعوة؛ لكن فيما يتعلق بالأسلوب المتخذ في الدعوة، فهي قوله ﵎ في آخر سورة النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، فالله أمره هناك أن يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] وأن يبين للناس ما هي سبيله، وما هي طريقته، وما سبب خصومته مع أولئك البشر. وهنا يأمره الله أن يدعو إليه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [يوسف:١٠٨] نلاحظ أنه عند ذكر المنهج وذكر الأسلوب لا يتغير الهدف وهو الإخلاص، وأن يكون الأمر لله، ولكن لأن الكلام هنا عن الأسلوب فجاء السبيل أو الطريقة التي يسلكها الداعية، الذي نعبر عنه بكلمة الأسلوب، فنقول: أسلوب الدعوة، فأمر الله نبيه ﷺ أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة. والناس بالنسبة إلى الحق وإلى اتباعه على ثلاثة أصناف:

стр. 251

الدعوة إلى الله بالحكمة الصنف الأول: صنف مؤمن راغب في الحق، يريده ويحبه ويضحي من أجله ويجاهد في سبيله؛ فهؤلاء الذين أمر الله رسوله ﷺ أن يصبر نفسه معهم، فقال سبحانه: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨] وهؤلاء هم الذين كان منهم الصحابة الكرام، وكان منهم أيضاً من كان في زمن نوح ﵇ وهم من آمن به، فجاءه قومه، وقالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧] وأصروا عليه أن يطردهم، فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [هود:٢٩]. فهؤلاء أمر الله وأرشد إلى أن نتخذ معهم في الدعوة (الحكمة) فهذا الإنسان هو في يدك تربيه وتدعوه وهو مستسلم مذعن للحق؛ فالحكمة تكون في تربيته ليأخذ الحق، كما قال عبد الله بن عباس ﵁ وغيره من السلف في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩]، قال: [[الرباني هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره]] فأي شخص تراه مقبلاً على الخير ومحباً له وراغباً فيه؛ فهذا لا بد أن تدعوه بالحكمة، وتكون بالرفق، والقوة معاً، والترغيب والترهيب. وكلمة الحكمة أعظم وأشمل من أن تحصى؛ ولهذا كما يقول الإمام ابن القيم ﵀: الحكمة لم توصف بأنها حسنة؛ لأنها لا تكون إلا حسنة، فلو لم تكن حسنة ما سميت حكمة، حتى في كلام العرب إذا قيل هذا الشيء محكم أي: لا عيب فيه، وأحكمت الشيء: أي وضعته في الوضع الصحيح بلا عيب كما قال الله في حق القرآن العظيم: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] وحتى أن العرب تسمي الشيء الذي تجعله في اللجام لتضبط به الدابة بالحَكَمَة. فالأتباع الراغبون في الخير، المحبون للحق، تكون دعوتنا لهم بالحكمة، أي: بصغار العلم قبل كباره، وبالقدوة التي يرونها، كما كان النبي ﷺ ؛ فقد سئلت أم المؤمنين عن خلقه فقالت: ﴿كان خلقه القرآن﴾. فأتباعه وأحبابه المؤمنون به يرون القرآن متمثلاً في خلقه ﷺ ؛ فيحبونه ﷺ وكان ﷺ يزكيهم ويربيهم ويسوسهم بأفضل وأرقى أنواع التعليم والتربية والتزكية والسياسة حتى يستقيموا على أمر الله وعلى دين الله. فلا تقل هذا راغب وهذا محب للحق؛ فتأمره وتنهاه وتشدد عليه بدون أي اهتمام ومراعاةٍ لأساليب التربية النبوية؛ فهذا قد يسبب له تخبطاً وإرباكاً؛ فهذا الأسلوب ليس من الحكمة. وإن كان راغباً، وإن كان محباً، وإن كان طالباً للحق، فلا بد معه من الحكمة.

стр. 252

الدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة ثم الصنف الثاني: وهو من وقع في الغفلة؛ إما غفلة أصلية لازمة كغفلة المنافقين، فيكون غافلاً عن ذكر الله لا يريد الله ولا رسوله ولا الدار الآخرة؛ وإما غفلة تعرض للمؤمنين بسبب الشهوات، ونتيجة لحب الدنيا، ونتيجة لإغواء الشيطان. فعلاج هذا النوع الذي تعتريه الغفلة هو: الموعظة الحسنة، قال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، فمثلاً رجل فاتح دكانه والصلاة تقام؛ فتقول له: يا أخي جزاك الله خيراً الصلاة! فهو يسمع جزاك الله خيراً ويتذكر، كما قال تعالى: ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] فهو إنسان يحب الخير ويحب الحق ويرغب فيه؛ لكنه في غفلة عنه؛ فليس هو جاهلاً لكنه غافل. ونلاحظ أن الموعظة قيدت بالحسنة، أما الحكمة فلم تقيد؛ لأنه إذا كان التصرف غير سليم فليس من الحكمة أصلاً. لكن المواعظ نوعان: موعظة حسنة، وموعظة غير حسنة؛ فقد تقف وتقول: قال الله وقال رسول الله ﷺ ؛ ولكن هذا الكلام في غير موضعه الصحيح، فتكون موعظة ولكنها ليست حسنة، وليست هي المنهج أو الأسلوب الذي أمر الله ﵎ به. إذاً: لا بد من الحكمة مع من يستحق الحكمة، ولا بد للغافل من الموعظة، حتى أن الله قال في حق المنافقين: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ [النساء:٦٣] وهذا من الموعظة التي يكون لها وقع وتأثير في النفوس، حتى تنزجر، لأنها نفوس مريضة أو ضعيفة الإيمان، وكما هو معلوم كان المنافقون منهم من هو صريح في الكفر المحض، ومنهم من كان مريضاً يتردد بين الكفر والإيمان، ومنهم من كان غافلاً أو ضعيف الإيمان؛ فهؤلاء تجدي وتنفع معهم الموعظة الحسنة والأسلوب الحسن، وهنا لا بد أن نقف عند قضية الحكمة والموعظة الحسنة. فكثيراً ما يساء فهم معنى الحكمة في الدعوة إلى الله؛ ولهذا تخبط الناس فأخذ بعض الناس بشق، وأخذ آخرون بشق آخر، فتفرقوا وفرقوا أمر الدعوة، وكانوا شيعاً. فالحكمة لا بد فيها من تحقق المصلحة وانتفاء المفسدة، والمصلحة قد تتحقق بالرفق واللين، فقد كان النبي ﷺ غايةً في الرفق والرحمة واللين؛ حتى إنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وكان يأمر أصحابه بذلك ويقول: ﴿يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا﴾. ولكن هنالك في الجانب الآخر مصلحة لا تتحقق إلا بالحزم والقوة والشدة، ومن أجل ذلك جعل ﷺ من أساليب الدعوة إلى الله الضرب، فقال: ﴿مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر﴾. وبعض الناس يقول: (يا أخي الدعوة بالحكمة، والحكمة ألَّا تضربه). فإلى متى اللين؟ لا يمكن أن تُرَّبيه ثلاث سنوات بالدعوة وجانب اللين، ثم لا يصلي!! فهذا يكون ممن يستحق الضرب، ثلاث سنوات وهو لا يسمع الكلام، ثم لا يستحق الضرب بعدها! وخاصة أنها سن التوجيه لدى الطفل؛ فإذا لم يتوجه في ثلاث سنوات، إذاً فنفسه عاتية، ولا بد أن تزجر وأن يستأصل دافع الشر منها. ولا ينسى الإنسان جانب اللين والرفق والموعظة نهائياً، حتى يكبر الابن، ثم يأتي يضربه مباشرةً؛ فهنا يكون الخطأ، وليس الخطأ أنه استخدم الضرب، فالضرب أسلوب أقره النبي ﷺ وأمر به؛ ولكن الخطأ أنه استخدم جانباً فقط من جوانب الأسلوب الحسن، ومن جوانب الحكمة، فبعض الناس إذا ضُرب يصلي، وبعض الناس إذا أُمر وذُكِّر صلَّى؛ لأن بعض الناس يكفيه جانب من الحق؛ ولكن ليس كل الناس هكذا؛ فبعض الناس لا بد له من الأمرين معاً (الموعظة والتوجيه)، فإذا لم ينزجر (فالضرب). فإنسان تقول له: الصلاة! فقد أذن المؤذن، فتعال إلى الصلاة، فيستجيب لك، فهذا ينبغي أن تكون معه رفيقاً رقيقاً. أما الذي تكون المرة الثانية، والثالثة، والعاشرة، وأنت تدعوه وتنصحه، والرجل لا يبالي لا بأذان ولا بإقامة، ولا بصلاة حينئذٍ: إذا اتخذت معه الشدة، فمن الخطأ أن يقال عنك: هذا ليس عنده حكمة. فكل إنسان يعرف أن الصلاة واجبة، وهذا الرجل يسمع المؤذن يؤذن، والمسجد يمتلئ، وجيرانه يغلقون محلاتهم، فإذا جاء أحدٌ لينصحه قيل له: أين الرفق؟ وأين أسلوب الدعوة الصحيح؟. لا. هذا خطأ، فالدعوة الصحيحة والحكمة أن هذا لا بد أن يردع، وليس فقط مجرد التعهد، هذا أضعف مما شرعه الله فليس هناك (بعد التوحيد) أعظم من الصلاة؛ فإذا استهين بها بهذا الشكل المجاهر؛ فأسلوب الدعوة والحكمة في الدعوة هو أن يردع ردعاً زاجراً يرتدع به كل من سمع ذلك. فكل إنسان مثل هذا، إذا أراد أن تشرح له وتبين له، فالعشرات من الناس سيكونون هكذا. فلو أن كل واحد يفتح محله يريدك أن تلقي له محاضرة عن أهمية الصلاة؛ فليس هذا من الحكمة. وكذلك الزوجة، قال تعالى: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء:٣٤] فإن هذا من الحكمة وهو مما أنزل الله. إذاً لابد أن نعرف أن الحكمة هي تحقيق المصلحة والتزكية والتربية بغاية القوة مع غاية الرحمة. وهذه هي ميزتنا، فالجهاد في سبيل الله في غاية القوة، وقوة الأمة في الجهاد، وأشجع من حارب هو رسول الله ﷺ وأصحابه؛ لكنهم كانوا أرحم الناس. فكان يعلمهم ويقول: ﴿لا تقتلوا المرأة، ولا الرجل الكبير، ولا الصغير، ولا أصحاب الصوامع ولا تحرقوا نخلاً، ولا تمثلوا﴾ فكانوا في غاية القوة مع غاية الرحمة، إذاً فليست الدعوة مجرد جانب واحد؛ بل لا بد من الجانبين، وإن أنتجت الدعوة نتيجة استخدام جانب واحد؛ فهو لأنه جانب من الحق، وليس لأنه الحق كله، فبعضهم يقول: أنا جرَّبت فوجدت أن أسلوب اللين ممتاز؛ فقد استجاب لي عدد كبير فنقول له: هذا لأنك على جانب من الحق. والثاني يقول: لا أريد إلا القوة، فإذا قلت لأحدهم: هذا حرام وهذا شرك، خاف واتبع الحق فنقول له أيضاً: لأن هذا جانب من الحق، فأصبت أنت في هذا الجانب، وذاك في ذاك الجانب، لكن لو جمعتما الجانبين، لكانت النتائج أكبر وأعظم. ولهذا إذا نظرت إلى من خالفك، وإلى من نفر بسبب أسلوبك، أو نظرت إلى من لم يأت ويتبعك، لأنك لم تنتهج المنهج الذي أمر الله به، والذي كان عليه رسول الله ﷺ ؛ فسترى أن الفارق كبير بين استخدام جانب واحد من الحكمة، وبين استخدام الجانبين.

стр. 253

الدعوة إلى الله بالمجادلة ثم الفقرة الثالثة من موضوعات الدعوة، ومن طرق الدعوة، وهي قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. فقد تقدم أن الأصناف ثلاثة. الأول: المقبل المؤمن الراغب المقتنع بالحق. والثاني: الغافل الذي يذكر بالحق. والثالث: وهو المعاند المحاجج المعرض، فالأسلوب الأمثل مع مثل هذا في الدعوة هو قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. فلم يقل بالجدل الحسن ولا بالمجادلة الحسنة؛ بل قال: (بالتي هي أحسن)، فالحكمة جاءت مجردة من أي وصف، وأما الموعظة فقد جاءت موصوفة بأنها حسنه، والجدال جاء موصوفاً بالتي هي أحسن. إذاً: هناك عبر ودقائق في كلام الله؛ فلا بد أن نتدبر كلام الله، وأن نتفطن له؛ فليس منه لفظة ولا كلمة إلا ولها مدلول. فقوله: ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] لأن الجدال: الأصل فيه أنه لا يؤدي إلى ثمرة في الدعوة، لأنه لا يكون إلا بين متخاصمين متنافرين لا يقبل أحدهما من الآخر؛ ولهذا يكون بالتي هي أحسن، (ليس بالحسنة)؛ بل بالتي هي أحسن، أي: اختر أيسر الطرق وأفضل الطرق في البداية، وليس الطريق الحسن، وليس الطريق الصواب فقط، بل ما هو أفضل أنواع الصواب، وأفضل أنواع الحق. إن الله قال: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥] والتي هي أحسن: درجة أعلى من مجرد أن تكون حسنة، وهي إشارة إلى الجدال الأمثل؛ فعندما نكون في حالة جدال، يكون الاحتياط أكثر، والتدقيق في العبارات وفي المواقف وفي كل شيء يكون أكثر وأشد؛ لأنك مع خصم، ومع معارض ومخالف؛ فإن جئت بلفظة أو كلمة أو تصرف قد لا تكون قصدته ولا أردته فإنه يحسبه عليك ويعرض، ويكون في ذلك فتنة وصدُّ عن سبيل الله دون أن تشعر؛ وهذا يقع كثيراً. فلا بد في منهج الدعوة من أن يكون الجدال بالتي هي أحسن، وهكذا فعل النبي ﷺ ؛ بل هكذا فعل كل الدعاة إلى الله. والقرآن كله في الحقيقة من أوله إلى آخره، عندما يقص شأن المشركين ودعوتهم ويرد شبهاتهم؛ فهو من المجادلة بالتي هي أحسن. فتجد أنه يجادلهم ويبين لهم حقارة آلهتهم، وأنها لا تنفع ولا تضر ولا تغني، وأنها لا تقربهم إلى الله، وأنهم إن فعلوا ذلك فإن مصيرهم إلى النار؛ يذكرهم بما جرى للأمم قبلهم لما كفرت ولما عصت الله وما سلط الله ﵎ عليها من العذاب، ويذكرهم بنصره لعباده ولأنبيائه ولأوليائه الماضين؛ ليعتبر هؤلاء المخاطبون، فكل ذلك من نوع المجادلة بالتي هي أحسن وكما قال حبر الأمة عبد الله بن عباس: [[ما من شبهة يأتي بها مبتدع أو داعية أو ذو شبهة -إلى أن تقوم الساعة- إلا وجوابها في القرآن، علمه من علمه، وجهله من جهله]] ولهذا فأفضل أنواع المجادلة: هو أن تستخدم الأسلوب القرآني في الدعوة إلى الله. والجدال في أصله ليس المقصود به أن تجذب الناس إلى الحق وإلى الخير؛ بل هو لإقامة الحجة على المعاند؛ ولهذا صاحب المرحلة الثالثة، لو كان ممن نريد أن نجذبه إلى الحق والخير لكان حالنا معه هو الوعظ، أي: الموعظة الحسنة، لكن هذا المعارض المخالف المصر الجاحد، حالنا معه أن نقيم عليه الحجة، ولا نيأس من أن الله قد يهديه فيستجيب؛ ولهذا يكون بالتي هي أحسن طمعاً لعل الله أن يهديه؛ ولكن مع ذلك لا يجوز أن يغلب علينا الطمع، فنجعله منهجاً للدعوة. فإذا قابلت إنساناً وجادلته وحاججته؛ فاعرف أنك قد هدمت ما بينك وبينه من جسور، وغاية ما في الأمر -إن كنت موفقاً في الدعوة- أنك أقمت عليه الحجة فقط، وإن حصل غير ذلك فاحمد الله؛ لأن هذا من فضل الله، فهو بخلاف الأصل، وإلا فالرجل كان ممن يستحق الموعظة، وأنت أخطأت وجئته بالجدال ولكن الله فتح عليه، فاهتدى ورجع. أما لو كان فعلاً وحقاً لا ينفع معه الوعظ؛ ففي هذه الحالة لا يكون الجدال إلا إقامةً للحجة؛ ولهذا فالنبي ﷺ لم يبعث أصحابه الدعاة إلى ملوك الأرض ليجادلوهم، وهذه قاعدة كثير من الناس يخالفها، فتجدهم يقرءون في الكتب، ويتفقهون في بعض الأمور، وينتهجون مناهج في الدعوة؛ فإذا قلت لأحدهم: لماذا؟ قال لك: حتى نجادل أولئك الناس، وحتى نجادل الملحدين واليهود، النصارى. وهذا ليس هو المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله. فالمنهج الصحيح في الدعوة: أن نعرض الحق؛ فالنبي ﷺ كتب إلى ملوك الأرض بآيات بينات، وأرسل رسله مبلغين عنه ﷺ بأن الله قد بعث رسولاً يدعو إلى الله وحده لا شريك له، فكان يبعث بالرسالة إلى أحد الملوك، فإن قرأها وآمن فالحمد لله، كما كتب ﷺ لـ هرقل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] فهذه آية كتبها النبي ﷺ أي: فإن أردت الإسلام فأسلم، وإن لم ترد الإسلام فاشهد بأنا مسلمون، والأمر بيننا وبينك هو ما شرعه الله من الجهاد أو الجزية، فليست مناظرات أو مجادلات قلتم وقلنا فهذا ليس من منهج الدعوة، وإنما يكون ذلك إذا احتجنا إلى إقامة الحجة. حتى مع المشركين، فالله يطْمئن نبيه ﷺ بأن الأمر ليس نقصاً في البينات، ولا خللاً في الدعوة، ولا قصوراً في الحجة؛ وإنما الأمر عناد واستكبار، فقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور:٤٤] أي: فلا يقولوا: هذا عذاب جاء من عند الله، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا﴾ [الأنعام:٢٥]. فالمسألة ليست قضية آيات ولا حجج كما بين سبحانه في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١]. فلو أرسل الله لهم رسولاً وأيدَّه بجميع المعجزات، لقالوا كما في الآية: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر:١٤ - ١٥]. إذاً: فالذي ليس عنده استعداد لأن يؤمن؛ لن يؤمن مهما عرضت عليه من الحجة إلا أن يشاء الله؛ لأن مشيئة الله فوق كل شيء؛ لكن منهج الدعوة في هذه الحالة هو إقامة الحجة كما أقامها النبي ﷺ على مشركي قريش والعرب، وكما أقام نبي الله موسى الحجة على فرعون، فجادله ثم أراه الآيات التي أعطاه الله إياها آية بعد آيه، وهو يؤمن إذا اشتد عليه الوباء من الجراد والضفادع، والطوفان ثم إذا ذهب ذلك رجع وقومه إلى ما كانوا عليه من الكفر. فإذاً: يجب علينا أن نعرف أن المنهج الذي أمر به الله، والذي انتهجه رسول الله ﷺ ، ورسل الله صلوات الله وسلامه عليهم هو ما بيناه في الآيتين، سواءٌ ما تعلق بالأسلوب أو الغاية. فيجب علينا أن تكون حياتنا كلها دعوة، وأن تكون دعوتنا إلى الله وحده لا شريك له، وأن تكون على بصيرة وعلم وفقه وحكمة وتحقيق للمصلحة، وأن ننزه الله؛ فنجعل هدف الدعوة هو تنزيهه عن الند والنظير والشريك والمثيل، وأن نتبرأ من المشركين فلا نوادّهم أبداً. وأما في الأسلوب: فيجب أن ندعو بالحكمة مع ذلك الذي يحب الحق ويرغبه؛ لنربيه ونزكيه عليه؛ ومع الغافل ندعوه إلى الله بالموعظة الحسنة؛ فنذكره بربه فيعود ويؤوب إليه، ومع المعاند بالمجادلة بالتي هي أحسن؛ حتى تقام الحجة عليه؛ فنكون شهداء عليه بما أنزل الله، ويكون الرسول ﷺ شهيداً على هذه الأمة؛ لأنه قد بلَّغها. وبهذا نكون بإذن الله ﵎ قد دعونا إلى الله، وقد سلكنا المنهج الأمثل في الدعوة. نسأل الله أن يرزقنا وإياكم ذلك، وأن يجعلنا من المقتدين بنبيه ﷺ ، والمقتفين لنهجه ونهج أصحابه الكرام في دعوتنا وأمرنا ونهينا وعلمنا وجميع شئوننا، وأن يوفق الله ﵎ دعاة الإسلام جميعاً إلى أن يتوحدوا على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ويذروا التفرق والابتداع؛ وأخذ بعض الدين أو جانب منه وترك الجانب الآخر، إنه سميع مجيب الدعاء. والحمد لله رب العالمين.

стр. 254

الأسئلة

стр. 255

أساليب الدعوة بين الاجتهاد والتوقيف السؤال هل الدعوة إلى الله مقتصرة على هدي النبي ﷺ ، وأصحابه والسلف الصالح، أم كل أسلوب محبب إلى الناس ندعو عن طريقه إلى الله؟ الجواب لا بد أن يكون كل أسلوب في الدعوة إلى الله موافقاً لما كان عليه النبي ﷺ وما كان عليه السلف الصالح، أو ما أرشد إليه ﷺ أو أقره ولا تعارض بين أن يكون هنالك أساليب جديدة أو محببة ندعو بها إلى الله وبين أن يكون على ما كان عليه النبي ﷺ ؛ لأن اتباع منهج النبي ﷺ في الدعوة إلى الله ليس مجرد أن نقول نفس الألفاظ التي قالها، أو نتصرف نفس التصرفات التي فعلها؛ وإنما نقتفي منهجه. فمن أمور الدعوة ما هو موسع فيه؛ فنحن أُمرنا بالبصيرة، وأُمرنا بالحكمة، وأُمرنا بالمجادلة، وهذه أمور موسعة؛ لأن الوقائع لا تنتهي، والزمان يتغير، والأحوال تختلف؛ ولكن في حدود ذلك المنهج المرسوم، فلا نتعداه ولا نخرج عنه؛ فنجدد ولكن في حدوده، ونغير ولكن في إطاره، ولا نخرج عن ذلك أبداً. فإذا جاء إنسان بمنهج فيه بدعة، قلنا له: هذا المنهج مخالف لمنهج النبي ﷺ ، لما فيه من البدعة، لا لأن فيه أسلوباً ما دعا به النبي ﷺ ، كأن يكون هناك وسائل إعلام تختلف عما كانت عليه في زمن النبي ﷺ ، من صحافة أو إذاعة مثلاً، أو كأن يكون هناك نوع من تجمع الناس يختلف عما كان في عهد النبي ﷺ . فهذه الأمور التي هي تبع للأزمان ولاختلافها تدور مع المصالح؛ ولهذا يسميها العلماء المصالح المرسلة؛ أما الصميم والهدف، حتى في الأسلوب أي: في الأساسيات، فلا خروج عما جاء به النبي ﷺ بحال من الأحوال، وليس تحبيب الناس هو الهدف؛ ولكن الهدف هو أن يقبلوا على الحق؛ سواء كان هذا بطريق يحبها الناس أم فيها بعض المشقة. فما دمنا منتهجين منهج الحكمة؛ فهذا -إن شاء الله- سيؤدي إلى ما نريد؛ أما منهج التحبيب أو التحبب؛ فكلمة عامة؛ فقد يتحبب بعض الناس إلى الناس بالتساهل بأمرٍ من الأمور، أو بالتظاهر بأنه لا يتمسك بالسنة كاملة ولا يطبقها؛ حتى يقول هؤلاء الناس: هذا يألف ويؤلف، وأمثال ذلك مما قد يكون فيه شيء من التنازل عن الحق.

стр. 256

ارتباط الجهاد بالدعوة السؤال هل الجهاد في سبيل الله مرتبط بالدعوة إلى الله؟ أم أن هذين العملين الصالحين منفصلان؟ الجواب إن الجهاد إنما يكون لأجل الدعوة، وهو أحد وسائل الدعوة، فإذا تجرد الجهاد عن ذلك، كأن كان الجهاد من أجل الأرض -عياذاً بالله- أو من أجل التسلط والحكم والتحكم، أو من أجل أي غرض آخر؛ فإنه يخرج عن صفة الجهاد الشرعية بمقدار ما يخرج عن المنهج الصحيح؛ وهو أن يكون لإعلاء كلمة الله، ولا يكون فيه غرض لذوات المجاهدين؛ فإذا كان الغرض لذات المجاهد، كأن يجاهد ليحكم -مثلاً- أو ليصبح زعيماً أو يجاهد ليحوز مالاً؛ فهذا الذي ذكر النبي ﷺ أنه المجاهد المرائي، الذي يؤتى به يوم القيامة فيقال له: لم جاهدت؟ فيقول: فيك يا رب، فيقال: كذبت؛ إنما فعلت ليقال كذا وقد قيل، ويؤمر به فيسحب إلى النار. وكما قال ﷺ في الحديث القدسي عن ربه : ﴿أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي غيري تركته وشركه﴾ فحتى الجهاد -مع أنه تضحية بالنفس وتقديم لها- لا بد أن يكون خالصاً لوجه الله، ومن أجل توحيد الله، وإقامة دين الله ولا حظ للنفس فيه؛ وإلا فإن الشيوعيين والملحدين والقوميين وكل أنواع المجرمين في الأرض، يقاتلون ويقتلون من أجل المبادئ التي يدعون إليها، وكل أنواع المحتلين يقاتلون ليرفعوا الاحتلال عن بلادهم فإذاً: لا بد من الإخلاص لله . وهدف الجهاد هو هدف الدعوة، فهو كما قال النبي ﷺ : ﴿بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له﴾ فهو يدعو إلى أن يعبد الله وحده لا شريك له، ويجاهد من أجل أن يعبد الله وحده لا شريك له، ولهذا لا يرتبط الجهاد الذي هو جهاد الطلب وجهاد الدعوة، بأرض معينة، ويجب أن نفرق بين جهاد الدعوة والطلب، وجهاد الدفع. أما جهاد الطلب والدعوة فهو كما قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١] فالمؤمن يجاهد في سبيل الله كما جاهد الصحابة الكرام في أي مكان؛ لإقامة دين الله ومن أجل الدعوة إلى الله. فلما ضاقت الحيلة بالنبي ﷺ وأصحابه في مكة، هاجروا إلى المدينة؛ ففي أي بلد يمكن أن تقيم فيه دين الله، فلتكن دعوتك وليكن جهادك، ولا يرتبط بجهة معينة. أما جهاد الدفع: فهو إذا احتل الكفار بلداً من بلاد المسلمين وسيطروا عليه؛ فإنه يجب على أهل ذلك البلد أن ينفروا لدفعهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وهذا جهاد آخر غير جهاد الدعوة والطلب.

стр. 257

اختلاف أسلوب الدعوة بسبب اختلاف الأحوال السؤال كيف يدعو الإنسان في بيته، وبين والديه، وبين أقربائه، وفي مدرسته؟ الجواب الدعوة لا تختلف في مكان عن مكان إلا بحسب اختلاف البيئة؛ فالهدف لا يختلف، والأسلوب لا يختلف؛ لكن من شخص إلى شخص ومن مكان إلى مكان تختلف الدعوة بحسب ذلك الإنسان؛ فدعوتك مع الوالدين، تختلف عن دعوتك مع غيرهما؛ لأن الوالدين لهما حق علينا؛ كما بين سبحانه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فلا يجوز الإعراض الكامل عنهما. فلو أن شاباً من الشباب أبوه من أهل الشرك والضلال والدعوة إلى البدع والشر والإجرام؛ فعلى هذا الشاب أن يدعوه وأن ينصحه، لكن مع ذلك لا بد أن يعاشره بالمعروف، كما قال سبحانه: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فلا جفوة كاملة؛ بل يظل يتودد ويتقرب إليه ويحسن عشرته ويعامله بالحسنى، ويدعو الله له، ويبذل كل وسيلة، حتى يهديه الله كما حرص إبراهيم الخليل -إمام الموحدين- على أن يهدي الله أباه، وكيف كان يدعو له كما بين القرآن الكريم. والزميل أو الجار يختلف عن أي إنسان عادي تقابله في مكان ما؛ فهذا الجار أو الزميل لا بد أن يكون هنالك من الحكمة ومن المداراة ومن سياسة الدعوة معه ما يختلف عن ذلك الذي التقيت به لقاءً عابراً قد يكفي فيه أن تبين له الحق بالهدوء والأسلوب الطيب، ثم تدعه يذهب كما يشاء. فالتفرقة في الدعوة لا تكون إلا بحسب الأحوال.

стр. 258

توجيه في أسلوب دعوة أهل البدع والضلال السؤال لدي قريب يتعامل مع المشعوذين، فنصحته ولكن دون جدوى، فتركته ولم أزره ولم أدخل بيته. فما رأيك في ذلك؟ الجواب إن التعامل مع الدجالين والمشعوذين من الظواهر السيئة، ومع الأسف فقد بدأت تنتشر؛ وليس ذلك إلا نتيجة لغياب الدعوة إلى العقيدة الصحيحة من وسائل الإعلام والمنابر الخاصة والعامة. فإذا قصرنا نحن الدعاة في دعوة الناس إلى العقيدة الصحيحة وبيان التوحيد وبيان الشرك وخطر الخرافات والبدع؛ فلا نستغرب أن يقع في الناس ما يقع. ولهذا كَثُرَ الذهاب إلى المشعوذين والدجالين مع أن النبي ﷺ قد حسم هذا الأمر، فقال: ﴿من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد﴾ لأن مما أنزل على محمد ﷺ : ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام:٥٩] فلا يعلم الغيب إلا الله، أو من أطلعه الله -من رسله- على شيء من الغيب. فأمَّا الذي يذهب لا بقصد أنه يصدق الكاهن؛ لكن كما يفعل بعض الناس، يذهب إلى بلد من البلدان للسياحة؛ فيجد أُناساً يقرؤون الفنجان أويجد سحرة؛ ومن جملة السياحة في تلك البلاد، أنه يذهب إليهم، ويعرض لهم مشكلته، ويعطيهم مبلغاً من المال على سبيل الاستهزاء ولا يبالي بأي جواب يقولونه فهذا يقول النبي ﷺ فيه: ﴿من أتى عرافاً أو كاهناً لم تقبل له صلاة أربعين يوماً﴾ فأعظم الأعمال وأزكاها عند الله -إذا حسنت وصلحت- هي الصلة بين العبد وبين الله، تنقطع أربعين يوماً إذا ذهبت إلى أي كاهن وما صدقته ولا اعتقدت صدقه، إنما من أجل الفرجة أو السياحة أو لتنظر ماذا يقول؛ فيأتي إلى الكاهن إنسانٌ جاهل ويصدقه؛ فإذا قلت له: لماذا ذهبت إلى الكاهن وصدقته؟ قال لك: رأيت فلاناً يذهب إليه. فنيتك أنت لا يدري بها الناس وهكذا؛ فتكون أنت ممن كَثَّرَ سواد أهل الشر. وأقول لصاحب السؤال: لا تهجره، وزره وانصحه ونوّع في النصيحة؛ وإن رأيت أنها لا تجدي معه نصيحتك؛ فأرسل إليه من ينفعه الله بنصيحته كأي إنسان مستقيم أو صاحب خير، كقريبٍ لك يعرفه ويثق فيه. المهم أن تبذل الوسيلة؛ فإن بذلت وعجزت فإن ابن نوح ﵇ كفر، وامرأة لوط ﵇ كفرت، وأبا إبراهيم ﵇ كفر، وعم النبي ﷺ كفر؛ وقال تعالى: ﴿ِإنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. فتجتهد في الدعوة وتصبر، والعاقبة للمتقين، والهداية من الله رب العالمين.

стр. 259

علاقة الدعوة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال هل الدعوة والتبليغ هي نفسها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمعنى "هل هما أمران متلازمان لا يفترقان" أم أن هناك فرق بينهما؟ الجواب هما متلازمان، أو نقول: بينهما عموم وخصوص، فالدعوة إلى الله، كما قال الله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] فكل عمل عمله النبي ﷺ دعوة إلى الله، فإن أمر بالمعروف فقد دعا إلى الله، وإن نهى عن المنكر فقد دعا إلى الله، وإن جاهد فقد دعا إلى الله، وإن علم الناس العلم فقد دعا إلى الله، وهكذا كل ذلك دعوة إلى الله . فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سهم عظيمٌ من سهام الإسلام، وهو شعار هذه الأمة كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] فأية دعوة لا تأمر بالمعروف ولا تنهى عن المنكر، فقد أخرجت نفسها عن الخيرية التي جعلها الله في هذه الأمة واختصها بها، ولهذا قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩] فلما لم يتناهوا عن المنكر لعنوا، وهذا الأمة لما كانت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كانت خير أمة أخرجت للناس. فلا بد في الدعوة إلى الله من ذلك، فالمنكر الأكبر هو الشرك، والأنبياء جميعاً إنما جاءوا يدعون إلى التوحيد، ونبذ الشرك، فالمعروف الأكبر هو: التوحيد، والمنكر الأكبر هو: الشرك؛ فالذي يدعو إلى الله، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ ثم بعد ذلك تأتى الكبائر من زنا وربا وتبرج وفواحش، ما ظهر منها وما بطن، والفواحش الباطنة مثل: الغفلة والقسوة وعدم الإيمان الصادق بالله والغش للمسلمين والحقد عليهم والأعمال القلبية الباطنية التي هي من الكبائر كالحسد والشح، فكل هذه الأعمال القلبية من الكبائر وإن كانت قلبية؛ ولكن لا بد أن يظهر أثرها على صاحبها عافنا الله وإياكم منها.

стр. 260

المعيار الذي تقاس به الجماعات الإسلامية السؤال بعض الجماعات في الدعوة، هل هي على منهج الأنبياء أم على غير ذلك؟ الجواب نحن لا نريد أن نقول فلان وفلان؛ بل نبين منهج النبي ﷺ في الدعوة، والمخالفون لا يتناهى عددهم في كل زمان ومكان، ولكن الحق واحد؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣] فالسبل كثيرة لا نهاية لها، لكن الحق واحد وواضح؛ فاحرص على أن تعرف الحق، فإذا عرفته فاجعله معياراً تقيس به جميع الناس وجميع الأحوال.

стр. 261

حكم الرغبة في كثرة المستجيبين للدعوة السؤال إذا كان الأخ له جماعة في المسجد، أو في البيت يذكرهم بالله، ويتذاكرون في كتاب الله والدعوة إلى الله ويحب أن يكثروا، فهل هذا يدخل في قولكم لا يحرص الداعي على كثرة الأتباع؟ الجواب حتى لا يُفهم الكلام خطأً، أقول: إننا نحب أن كل المسلمين يأتون إلى الصلاة في المسجد، وإذا قام واعظ يعظ فإنه يحب أن كل الناس يجلسون ويستمعون إليه. إذاً فالداعية إلى الله سواءٌ كان مدرساً في مدرسته، أو إماماً في مسجد، أو داعية في جماعته أو في قبيلته، كل من يدعو إلى الله على بصيرة وبالأسلوب الأمثل؛ هذا لا شك أنه يحرص على أن يستجيب له أكبر عدد، وهذا يحمد عليه؛ ولكن الذي تحدثنا عنه بأنه مذموم هو أنه من أجل الكثرة يراعي جانب الناس وجانب الاستكثار منهم؛ فيتهاون ويداهن ويجامل في شيء مما شرعه الله. فالمذموم هو المداهنة والمجاملة في أمر من أمور الدين؛ أما أن الإنسان يريد الخير لكل الناس، فنحن نطمع ونرجو ونتمنى أن يدخل اليهود في الإسلام، وأن يدخل عُبَّاد الأبقار في الإسلام، بل ونحرص على ذلك، ويجب أن نبذل الجهود لذلك، لكن لا نتنازل عن ديننا، ولا نلتقي معهم في منتصف الطريق، فنقرهم على كفرهم وعلى إلحادهم وعلى ضلالهم؛ فهذه مسألة، وتلك مسألة أخرى.

стр. 262

حكم التحذير من كتب أهل البدع السؤال بعض الناس يقولون لا تحذروا الناس من المبتدعين ومن كتب المبتدعة، وأن هذا ليس بأسلوب دعوة، فما قولكم في ذلك؟ الجواب أما أسلوب الدعوة فقد جعل الله من أساسياته: تنزيه الله والبراءة من المشركين وكل الأنبياء ما أتوا إلى أممهم إلا ليقولوا: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]. فالتحذير من كتب البدع والضلالة هو أوجب من التحذير من الزنا والربا وشرب الخمر والمخدرات وأمثالها من الجرائم؛ لأن المعاصي درجات، وأعظم المعاصي وأعلاها وأشدها هو الشرك والكفر بالله ؛ ثم يلي ذلك الابتداع في الدين؛ ثم يلي ذلك الكبائر. ولهذا فأصحاب النبي ﷺ قاتلوا الخوارج؛ بل هو ﷺ الذي أمر بقتالهم وأخبر عن ذلك؛ ففرح الصحابة ﵃ لما كان ذلك على أيديهم لما سمعوا من بشرى النبي ﷺ حتى قال: ﴿خير قتيل من قتلوه﴾ وحين قال عنهم: ﴿هم شر قتلى تحت أديم السماء﴾ وغير ذلك مما وردت فيه أخبار الخوارج، وهي ثابتة عن النبي ﷺ وعن الصحابة الكرام، ولم يقل الصحابة شيئاً من ذلك إلا عن علم من النبي ﷺ ؛ لأنه من أمر الغيب. فالصحابة الكرام قاتلوا الخوارج لأنهم ابتدعوا في الدين، فكيف نتهاون مع أهل البدع ومع كتب البدع؟! والصحابة ﵃ توعدوا القدرية الذين ابتدعوا في القدر فقط، وهو جانب واحد من جوانب العقيدة، وليس هو جانب الشرك، بل إن البدعة في القدر قصد أصحابها هو المحافظة على التوحيد. فأنكروا القدر حتى لا يحتج العصاة به، فيقولون: قدر الله، ويفعلون المعاصي. فكان قصدهم زيادة تمسك الناس بالأمر والنهي، ومع ذلك يقول عبد الله بن عباس ﵁: [[لو أمكنني الله من أحدهم لدققت عنقه]] وكان قد كبر سنه وعمي، وعبد الله بن عمر ﵁ لما بلّغة بعض التابعين عن القدرية الذين ظهروا في البصرة، قال: [[أبلغوهم أنني منهم براء وأنهم مني براء]] فتبرأ منهم ﵀، ثم بيَّن أنه لا يقبل لهم عمل؛ ولو أنَّ أحدهم أنفق مثل أُحدٍ ذهباً لم يُقبل منه حتى يُؤمن بالقدر، ثم ذكر لهم حديث جبريل الذي رواه عن أبيه عن النبي ﷺ . فانظروا كيف وقف الصحابة الكرام من أهل البدع ومن أهل الضلال! وانظروا إلى تهاوننا معهم الذي أدَّى إلى أن تُباع كتب الدجالين وتوزع والله المستعان، وهذا من أسباب تفرق المسلمين، ومن أسباب تقهقرهم!! لأن المؤمنين وخاصة من الشباب المقبلين على الدين؛ لو لم يروا إلا طريقاً واحداً لاتبعوه. فعندما يترك أحدهم المخدرات والخمر والزنا، ويحافظ على الصلاة؛ ويريد الهداية، فيجد طرقاً كثيرة؛ فإنه يحتار أيها يتبع؛ فقد يقع في أحد سبل الضلال، فيخرج إلى الشر؛ بل قد يكون قد خرج من كبائر وجرائم وفواحش، فيقع في البدع ثم في الشرك عياذاً بالله؛ فيكون حاله قبل أن يعرف هؤلاء القوم ويقرأ كتبهم أهون وأخف من حاله بعد ذلك. نسأل الله أن يعافي هذه الأمة وأن يقيها شر هؤلاء المبتدعة.

стр. 263

حكم مخالطة أهل المعاصي السؤال إذا جلست عند جماعة ودعوتهم إلى صلاة الجماعة، ولكنهم رفضوا الذهاب إلى المسجد؛ لأنهم مشغولون بلهو كالنظر في مباراة كرة القدم في تلفاز أو ورقة لعب، ثم صلوا جماعة في مجلسهم؛ فهل يجوز أن أرجع إليهم وأجالسهم وأتحدث معهم، أم أعتزلهم نهائياً؟ الجواب كِلا طرفي قصد الأمور ذميم، فلا تكون الجفوة النهائية ولا ينبغي هذا، وخاصة إذا كانوا زملاء أو أقرباء، والاحتكاك بينك وبينهم وارد، ولا ينبغي أيضاً أن ترجع إليهم -وكأنهم لم يفعلوا أي شيء- فتجلس معهم؛ بل لا بد أن تنكر عليهم وأن تحثهم على الذهاب إلى المسجد؛ ثم تعيد لهم الكَّرة بعد رجوعك إليهم؛ ثم تبين لهم الخسارة التي لحقت بهم؛ لأنهم صلوا هنا ولم يصلوا في المسجد، وتبين لهم حكم صلاة الجماعة، وتذكر لهم أحاديث النبي ﷺ التي توعد فيها المتخلفين عن صلاة الجماعة. فصلاة الجماعة أمرها خطير لا كما يقول بعض الناس: صلاة الجماعة سنة، أو فرض كفاية، وأضرب لكم مثالاً من الواقع؛ حتى تعرفوا أهمية صلاة الجماعة: في بعض الدول التي ينتشر فيها مذهب من المذاهب التي تقول: إن صلاة الجماعة سنة، تهاون الناس بالأذان وصلاة الجماعة، وحتى المساجد لم يعد لها ذلك الوقع والاهتمام -كما حصل في تركستان والأندلس وغيرها- فجاء أعداء الله إلى هذا البلد، فهدموا المساجد، ومزقو المصاحف، -وأكثر الناس لا يعلم ذلك فانقطع الأذان في المسجد، وأكثر الناس لا يهتم لذلك؛ لأن الأصل عندهم أن صلاة الجماعة سنة. لكن الأمة التي تعرف أهمية صلاة الجماعة وأهمية المسجد، لو جاءت في يوم من الأيام والمؤذن قد أضاع المفتاح؛ تجدها تتعجب لماذا المسجد مغلق؟! ولماذا لم نُصلِّ اليوم؟! فهذه أحست أن هناك شيئاً فُقد، وهو أنهم لم يصلوا في المسجد. فتجد أنهم يبذلون كل جهدهم ليبنوا مسجداً أو ليوسعوا مسجداً، ويهتمون به وبنظافته وبإمامته وبكل شيء؛ وذلك لأنهم يقدرون أهمية المسجد وأهمية صلاة الجماعة؛ ولهذا اقتطعت أطراف بلاد الإسلام التي تهاونت بصلاة الجماعة وبسهولة؛ لأن الناس لا يجمعهم جامع ولا تربطهم رابطة؛ ولأن شعائر الإسلام الظاهرة محيت رويداً رويداً حتى اضمحلت نسأل الله العفو والعافية.

стр. 264

من أسباب ضعف الإيمان وعلاجه السؤال عندما أكون في حلقة ذكر أو خطبة، أحس بعلو الإيمان، وبالحماس للدعوة، وعندما أخرج من مكان الذكر، أحس بنقص كبير وكسل. فما الدواء؟ الجواب هذا ما شكاه أصحاب النبي ﷺ بعضهم لبعض، ثم شكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ . فنحن نحتاج دائماً إلى التذكير والمناصحة، فالقلوب لا تثبت على حال ولو أنها تثبت على حال واحد؛ لاجتهد الإنسان يوماً من الدهر أو أسبوعاً أو شهراً وعبأ هذا القلب إيماناً ويقيناً؛ ثم انطلق وهو آمن مطمئن. ولكن الحقيقة أنك ما بين لحظة ولحظة، ويوم ويوم، وفريضة وفريضة؛ ترى التغير وتحس النقص في قلبك؛ ولهذا لا بد من التعاهد، ولا نيأس ولا نقنط إذا حصل لنا هذا -كما أوصى النبي ﷺ أصحابه ألا ييأسوا ولا يقنطوا- فهذا أمر نسبي؛ لكن لا بد من التذاكر والتناصح، واتخاذ كل الوسائل لتقوية الإيمان من ذكرٍ لله وقراءةٍ للقرآن وزيارةٍ للمقابر وتذكر لأحوال الناس الذين مضوا إلى ربهم ، وكل ما من شأنه أن يجعل هذا القلب ليناً مطمئناً بذكر الله نسأل الله أن يجعل قلوبنا جميعاً كذلك!

стр. 265

حكم الإنكار على أهل البدع السؤال أليس من الدعوة أن ننكر على أهل البدع بدعهم، إذا كانت الاستطاعة موجودة؟ وهذه البدع منها الاجتماع على قراءة القرآن في بيت الجنازة، وكذلك ما يقومون به قبل الدفن من السير به خطوات معدودة وهم يحملون الجنازة على أكتافهم، ويزعمون أن السير بها هكذا وعلى ثلاث منازل فيها أجر عظيم، وأيضاً وضع ورق شجر سدر تحت العيون أثناء إجراء الكفن، ووضع أشجار حشيش أو برسيم عند وضعه في القبر، فما حكم الشرع في كل ذلك؟ الجواب بلى! هذا من الدعوة وهذا مما يجب علينا، ولا يجوز أن نسكت على ذلك، إنما نحاول بما نستطيع وبالأسلوب الأمثل أن ننكر. فما يقع عند الموت من هذه التختيمات وبدع الجنائز، مثله مثل كثير من البدع، وهو مما لا يجوز أن يقرَّ في المجتمع، وإن لم يمكن إلا الأخذ على أيديهم بالقوة، فلا بد أن تبلغ الجهات المختصة بذلك، ثم تتخذ منهم الموقف الصحيح بالقوة أيضاً، وإذا كان الإنسان له ولاية على شيء من هذه الأمور؛ فلا بد أن يغيرها باليد، كما لو كانت الجنازة لابنه أو لزوجته أو لمن يستطيع أن ينكر عليهم، أو كان الاجتماع في بيت أحد ممن يستطيع أن ينكر عليهم ويغير باليد، فلا يجوز له أن ينتقل إلى التغيير باللسان، إلا بعد أن يبذل جهده للإنكار والتغيير باليد.

стр. 266

كيفية دعوة أصحاب المناصب والعوام السؤال كيف ندعو أصحاب المناصب، أو المتكبرين إلى الله؟ وكيف ندعو العوام إلى الله؟ الجواب لا يوجد فرق من حيث أهداف الدعوة؛ وإنما الفرق أن صاحب الموكب الكبير أو صاحب الشأن أو صاحب المال، ينبغي أن يُدعى بما لا يشعر أن فيه احتقاراً له؛ لأن غرور الدنيا والمنصب والمال، وكثرة النفاق والمنافقين يجعله دائماً يشعر أنه فوق الناس. فإذا جاءه داعية ودعاه إلى الله وخاطبه بأي خطاب؛ فإنه ينفر؛ فالإنسان المؤمن المسلم الذي فيه معاصي وفيه تقصير، ينبغي أن يخاطب بالحسنى وبما يليق بمثله، ويذكر بالله، ويؤتى له من الباب الذي يقتنع به؛ فإن كان صاحب منصب فيذكر بنعمة الله عليه بهذا المنصب، وأنه إذا اتقى الله فسيهتدي من تحت إدارته أو سلطته؛ وإن كان صاحب مال يذكر بنعمة الله عليه بهذا المال، وأنه لو أنفقه في سبيل الله فسوف يحصل له الخير، وهكذا أما العوام فلهم أسلوبهم وهو: الرفق بهم، وأن نأخذهم بالأسلوب الحسن؛ لأنهم أشبه بالقطيع من الدواب -وأكثر الناس هذا حاله- ولهذا فأهل البدع يحتوشونهم ويجتالونهم بمثل هذا الأسلوب. فلا بد أن نخاطب كل واحد منهم بما يناسبه مع أننا في الحالين نخاطبهم من منطلق أصول الدعوة وأساسياتها، والأهم فالأهم، فلا نتساهل ولا نتهاون ولا نقدم غير الأهم على الأهم.

стр. 267

حيلة شيطانية لصرف الدعاة عن الدعوة إلى الله السؤال أريد أن أكون داعية إلى الله، وأن أكون خطيباً وواعظاً في المساجد، ولكن يوسوس الشيطان لي، وأحس ضعفاً من ناحية الإخلاص، فما الحل؟ الجواب توكل على الله، فالشيطان يقول: لو دعوت إلى الله فربما لا تخلص؛ فهذا مثلما لو جاءك الشيطان وقال: إن صليت فقد ترائي في الصلاة، إذاً: لا تصلِّ فهل تطيعه؟ قطعاً لن تطيعه، وهذه هي نفس تلك، والشيطان له أساليب. فهذا الخبيث والعدو اللدود -من عهد آدم إلى اليوم- عنده هذه الخبرة الطويلة، وعنده هذا التمكين الذي أعطاه الله إياه؛ فهو يجري من ابن آدم مجرى الدم، ويوسوس له، وكل هذا التمكين يسخره من أجل الإغواء. فيأتي إلى أحدنا فيقول له: أنت افعل الفواحش والموبقات، ولا تُصلِّ ولا تصم، ويطمئن إلى جانبه، ويأتي إلى الآخر ويقول له: اجتهد في الإخلاص وفي ترك الرياء، واجتهد في كذا؛ لأنك مراءٍ، فلا تحبط عملك؛ فإذا أقره واستيقن بذلك، قال لك: لا تقم وتدعو إلى الله؛ لأنك لو دعوت فسيكون ذلك من الرياء، ولا تظهر طاعة من الطاعات أمام الناس -وهي من الطاعات التي أمر الله أن تظهر- لأن هذا قد يكون فيه الرياء! فيمنعه من الدعوة إلى الله؛ بل ويخرجه عن الصراط المستقيم الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه. فإياك وهذا العدو، وتوكل على الله، وجاهد نفسك على الدعوة، وجاهدها أيضاً على الإخلاص في الدعوة، فحياتنا كلها جهاد.

стр. 268

حكم الدعوة إلى الله بالأحاديث الضعيفة والموضوعة السؤال هل الذين يدعون إلى الله سبحانه بالأحاديث الضعيفة والموضوعة، موافقون لمنهج النبي ﷺ ؟ الجواب كيف يكونون موافقين، وقد قال الله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]؟! فليس من البصيرة الدعوة إلى الله بالجهل، أو بالأحاديث الموضوعة والضعيفة، والنبي ﷺ يقول: ﴿من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار﴾، وفي رواية: ﴿من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار﴾ وقال: ﴿ومن حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَين أو الكاذبِين﴾. فلا يجوز أن تدعو إلى الله بأحاديث لا تعرف صحتها، أو قصص وحكايات مما هب ودب؛ ففي كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ من العبر والمواعظ والقصص ما يغنينا. فالصحابة الكرام اتعظوا موعظة كبرى -كما في الحديث الصحيح- لما أنزل الله عليهم: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:١ - ٨] وما أعظمها من موعظة؛ فنحن نسمعها ونقرأها؛ ولكن أين هذه القلوب من تلك القلوب؟ وكم في القرآن والأحاديث الصحيحة من مواعظ عظيمة! أفنترك هذا ونأتي بأحاديث مختلفة أو واهية وقصص وحكايات لا أصل لها؟! فهذا لا يجوز، وليس من منهج النبي ﷺ في الدعوة إلى الله.

стр. 269

العلاقة بين صحة المقصد وصحة الأسلوب السؤال كيف تكون الدعوة إلى التوحيد -في بعض الأحيان- على غير بصيرة؟ الجواب هذا قد يكون؛ لأن صحة المقصد لا تعني صحة الأسلوب. فقد يكون هناك إنسان يدعو إلى توحيد الألوهية والعبادة، وإلى توحيد الأسماء والصفات؛ لكنه على غير بصيرة، ولا يدري ما الفرق -مثلاً- بين ما يخرج من الملة وما لا يخرج من الملة، ولا يدري ما هو الأسلوب الأمثل في الدعوة إلى الله، وأين يضع الحكمة، وأين يضع الموعظة الحسنة، وأين يضع المجادلة بالتي هي أحسن، وقد يكون جاهلاً بحال المدعو، فيكلمه عن التوحيد من أحد جوانبه، وهذا المدعو واقع في شرك آخر؛ فحتى الدعوة إلى التوحيد لا بد أن تكون على بصيرة، والله ﵎ قال: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨] وهذا هو توحيد الله، وقال أيضاً: ﴿عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] مع أنها إلى الله، فلا بد أن تكون على بصيرة.

стр. 270

كيفية تجديد العزيمة والإيمان السؤال في بداية الهداية كنت أدعو إلى الله بقوة، ولا أخاف أحداً، وبعد سنة أو أقل قل عزمي؛ حتى أني لم أعد أقوم لصلاة الفجر في بعض الأحيان، فماذا أفعل حتى أستعيد القوة في ديني؟ الجواب هذا الحال كحالنا جميعاً، تعترينا القوة ويعترينا الضعف والمرض، ولا بد أن نقوي إيماننا. فعليك بتلاوة كتاب الله ، وأن تجلس مع أهل الخير الذين يقربونك من الله، وأن تحرص على أن يوجهوك، وأن يدعوك، وأن يوقظوك، واحرص على مجاورتهم، أو السكن معهم؛ لأن هؤلاء هم خير عون لك على هذا الشأن، ولا تيأس أيضاً، فقد يكون في بعض التراخي خير من جهة أن الإنسان يجدد العزم والهمة مرة ثانية، ويراجع تلك الهمة وتلك العزيمة وتلك القوة؛ فربما أنها لم تكن على بصيرة؛ لأن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فبعض الناس في بداية الدعوة، وأول ما يهتدي يندفع اندفاعاً شديداً، وبعد ذلك تكون له فترة، وهنا يكون الافتراق، إما أن تكون الفترة إلى السنة، فيرجع من الاندفاع إلى الاقتصار والاعتدال كما هي السنة؛ وإما أن يرجع إلى المروق -والعياذ بالله- أو إلى بدعة من البدع؛ وهذا يخرج عن الطريق المستقيم، وهذا ما قاله النبي ﷺ في هذا المقام.

стр. 271

حكم قول المدعو: التقوى هاهنا السؤال كيف أفعل إذا أردت أن أدعو؟ فبعض الناس يقول: التقوى في القلب، التقوى هاهنا؟ الجواب صحيح أن التقوى في القلب، وهذا ما قاله النبي ﷺ ، كما في الحديث الصحيح: ﴿وأشار إلى صدره ثلاثاً﴾ ولكن ما معنى ذلك؟ كثيراً ما انعكست المفاهيم في حياة الأمة؛ حتى أصبحوا يضعون الشيء في غير موضعه. ففي الحديث ينبهنا النبي ﷺ إلى عدم الاكتفاء بالموافقة الظاهرة، وأنه لا بد من الخشوع الباطن، ولا بد من الانقياد الباطن؛ فأصل كل انقياد وإذعان وإنابة وإخبات ويقين وتوكل وصبر هو القلب؛ لأنه الذي يرشدنا إلى ذلك، وأما نحن فنعكس ذلك ونجعل ظاهرنا فاسداً؛ لأن النبي ﷺ يقول التقوى في القلب، وهذا عكس ما أمر الرسول ﷺ ، وهو من التلاعب ومن التحريف. وقد يدخل فيما أخبر عن اليهود بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه؛ بل أمرنا النبي ﷺ أن نصلح ظاهرنا وباطننا، وأن نهتم بالباطن؛ فقد يقف الإنسان في الصلاة وقفة الخاشع المنيب والقلب لا خشوع فيه؛ فيقال له: إنما الخشوع خشوع القلب. لكن كإنسان معرض لا يريد أن يصلي أو أن يعبد الله، ويقول: التقوى هاهنا ويذهب فنقول له: أين أثرها؟ وأين حقيقتها؟ نعم! التقوى هاهنا! ولهذا نقول لك: أنر قلبك بذكر الله، ولو اتقيت الله في قلبك ولان وخشع لذكر الله؛ لجعل الجوارح تنقاد، وتأتي بك إلى بيت الله، وتأتي بك إلى حيث أمر الله، وتبعدك عن كل ما نهى الله ، فهذه هي الحقيقة التي لا بد أن نعرفها.

стр. 272

حكم الدعوة إلى عدم نشر العقيدة الصحيحة السؤال كثيراً من الناس بل من الدعاة، يدَّعون أن الحكمة هي ترك الأمور المختلف فيها، ويعنون بذلك الأمور العقدية سواءً في توحيد الألوهية، أو ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات، فما رأيكم في ذلك؟ الجواب إذا أخذنا بهذه القاعدة -كما ذكرها السائل- فإنه لن يبقى من ديننا شيء؛ لأن بعض الناس يقول: ادع إلى كل شيء لكن لا تتعرض للشرك، وآخر يقول: ادع إلى كل شيء ولكن لا تتعرض للبدعة، والآخر يقول: ادع إلى كل شيء إلا الربا والرابع يقول: إلا الزنا، وآخر يقول: يا أخي! نحن وإياك نتفق على أن ندعو هذا الإنسان إلى الصلاة ونترك عقيدته أياً كانت؛ فدعوناه فجاء يصلي، وجاء واحد من أهل البدع فأدخله في صلاة بدعية، ثم صلوات بدعية، لا أول لها ولا آخر، وقال: نلين قلبه -فقط- لله، فإذا لان قلبه لله؛ فليفعل ما يشاء. فلان قلبه للدين والإيمان والآخرة، وإذا به لا يتورع عن أي بدعة، إما عن جهل، وإما عن تبعية لأصحاب الضلال، فما الفائدة؟! فإذا كان الله قد أقام الخلاف بين أهل التوحيد والإيمان -كما في الآية: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]- وجعله أساساً من أساسيات الدعوة، وهو البراءة من المشركين؛ أفنأتي نحن ونقول: نريد دعوة من غير خلاف؟! والله تعالى يقول: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام:١١٢]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١]؟! فالدعوة لا بد لها من عدو. هل قرأتم أن نبياً دعا إلى الله ولم يعارضه أحد؟ وهل سمعتم أن رجلاً دعا إلى السنة ولم يخالفه أهل البدع؟! فلو تركنا الناس وأهواءهم لما استقامت لنا دعوة ولا دين. وأما بعض الأمور الخلافية الفرعية التي اختلف فيها الصحابة الكرام؛ فإنها لا تفرق عن الصراط المستقيم، ولا ينبغي أن نتفرق فيها وأن نختلف عليها؛ وهذا حق. أما التوحيد فهو الأساس، فإذا ضيعناه وقبلنا الخلاف فيه؛ فلا خير في دعوتنا على الإطلاق! وإلام سوف ندعو الناس إذا تركوا توحيد الله وأقررناهم عليه؟! فهذا غاية الجهل بحقيقة الدعوة إلى الله . والحمد لله رب العالمين.

стр. 273

غاية الدعوة تحدث الشيخ حفظه الله عن الغاية من مشروعية الدعوة وأمر الله بها، لتوحيد الله ، وهو الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، ثم تحدث عن الشرك، وكيف حذر الله خير خلقه محمداً ﷺ منه وكيف حذر منه إمام الموحدين إبراهيم ﵇. وقد بين أن الشرك هو أعظم خطر على أعمال القلوب التي هي مناط صلاح الأعمال، ثم ختم حديثه بالكلام عن التوحيد وكيفية تحقيقه تحقيقاً كاملاً في واقع حياتنا.

стр. 274

أهمية موضوع غاية الدعوة إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له, وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن أمر الدعوة إلى الله، ومنهجها أمر مهم, والحاجة إليه ملحة، لأن المسلمين اليوم بعد أن انتبهوا وأفاقوا ووجدوا حالهم بعيداً عما شرع الله, وعما كان عليه الجيل الأول المبارك, ووجدوا أن الكفار سيطروا عليهم وغزوهم ودخلوا عليهم من كل منفذ, فعندما أفاقت هذه الأمة وجدت أنه لا حياة لها ولا قيام ولا خير فيها إلا بإحياء الدعوة إلى الله. ولكن كيف تكون الدعوة إليه ﵎؟ وما السبيل القويم الذي تتحقق به الدعوة التي يرضاها الله, ويرضى عنها, ويقبلها ويبارك فيها, وتعيد لهذه الأمة مكانتها في العالمين, واستخلافها في الأرض؟ إن المسلمين قد دب بينهم داء الأمم التي من قبلنا, بل هي أدواء وعلل, منها: أنهم ابتعدوا عن المنهج الصحيح في عبادة الله تعالى, ومِنْ ثم انحرفوا في منهج الدعوة إلى الله ﵎, إلا من وفقه الله في الدعوة إليه , كما أمر ﵎ نبيه محمداً ﷺ حين قال له: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. فهذه الآية العظيمة الجامعة, فيها منهج الدعوة إلى الله ﵎ كاملاً لمن تدبره وفطن إليه.

стр. 275

دعوة التوحيد نحب أن نوضح أول قضية من قضايا الدعوة, بل من قضايا الإيمان جميعاً التي لا يمكن ولا يصح أن نتجاوزها أبداً, وهي التي ذكرها الله ﵎ في هذه الآية في قوله: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨]. فهذه الكلمة ليست كلمة عابرة، وليست جملة عادية، كما نتحدث ونقول في بعض العبارات والجمل التي لا مكان لها، بل إنها هي الأساس, وهي: نقطة البداية في هذا الأمر العظيم, وهي أن تكون الدعوة إلى الله ، وهاهنا مفترق الطرق بين من يدعو إلى الله, وبين من يدعو إلى غير الله, وإن ظن أو زعم أنه يدعو إلى الله . والدعوة إلى الله معناها: الدعوة إلى توحيد الله ﵎ الذي أرسل الله به جميع الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، وإذا قرأنا في كتاب الله نجد أن كل نبي بعث إلى قومه، قال لهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فهذه هي القضية التي تتكرر دائماً, وبعدها تأتي كل قضية أخرى، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] هذه هي القضية الأساس. فإذاً أول ما ندعو إليه, وأول ما نعبد الله تعالى به: هو توحيد الله . والنبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن , ماذا قال له؟ قال: ﴿إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله﴾، وفي رواية ﴿عبادة الله﴾ وفي رواية: ﴿إلى أن يوحدوا الله﴾ وكلها روايات صحيحة, ومعناها حق وصحيح, فعبادة الله هي: شهادة أن لا إله إلا الله, وهي توحيد الله.

стр. 276

حقيقة التوحيد أول ما يبدأ به الداعية هو توحيد الله ﵎, ولا يقل قائل: إن التوحيد متحقق وموجود, لأن الذي يقول ذلك, لا يفهم من توحيد الله وعبادته، إلا أنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله, ولو أن الله ﵎ بعث الرسل ليقولوا للناس: قولوا: لا إله إلا الله, مجرد قول باللسان بلا حقيقة ولا معنى, ولا شروط, ولا اجتناب نواقض, لقالتها الأمم, وما كانت هذه المعارك مستمرة التي ترتب عليها -كما تقرءون في كتاب الله- الهلاك والدمار لكل من خالف ذلك, والفوز والنجاة لمن وحِّد الله, وأطاع الرسل واتبعهم. فهذه قضية عظيمة, ولو أن الأمر أمر نطق فقط لما كان هذا الجهد العظيم, ولما كانت هذه التضحيات الكبيرة, النهايات العظيمة المفزعة المروعة، ولكنه لتحقيق أن يوحدوا الله, وأن يعبدوا الله, وأن يشهدوا أن لا إله إلا الله. ومعنى ذلك: أن يُطيعوه , وأن يقفوا عند حدوده, ويتبعوا أوامره, ويجتنبوا نواهيه, ويتقربوا له بكل عمل من أعمال القلوب, بالصدق والإنابة والرغبة والرهبة والرجاء والاستعانة والاستعاذة, ولا يتبعون غير نبيه، ولا يتحاكمون إلى غير شرعه, ولا يتبعون عادات ولا تقاليد, ولا ما كان عليه الآباء والأجداد, ولا قوانين, ولا بدع, ولا مناهج, إلا ما شرع الله, وما أنزله الله ﵎. ففي كل أمر مما يقربهم من الله يسألون: ماذا قال الله فيه؟ وما أنزل الله فيه من الوحي قرآناً أو سنة.

стр. 277

التوحيد هو أول الأمر وآخره أول شيءٍ في الدعوة إلى الله وفي عبادة الله, هو توحيد الله ﵎، فبالنسبة لك يا أخي المسلم الشهادة هي أول شيء وآخره، فالمحتضر -مثلاً- الذي جاءته الوفاة, وهو على فراش الموت نلقنه شهادة أن لا إله إلا الله, فهل المقصود فيها اللفظ فقط؟ لا, المقصود أن يموت وهو موحد لله ﵎, فأول ما يدخل العبد به الإسلام هو شهادة أن لا إله إلا الله, وآخر ما يقوله وما يلقنونه هو: شهادة أن لا إله إلا الله. إذاً أعظم شيء هو التوحيد, وهو أول شيء وآخره.

стр. 278

الجهاد لأجل التوحيد لماذا نجاهد؟ نجاهد من أجل التوحيد: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩] , إذاً الغرض من الجهاد ألَّا يكون هناك فتنة, وما هي الفتنة؟ الفتنة كما ذكرت في الحديث الصحيح: (الفتنة الشرك) فنقاتل الكفار حتى لا يكون هناك شرك, وحتى يكون الدين كله لله, فلا يعبد إلا الله, ولا يتبع إلا شرع الله, ولا يطاع إلا الله ، أو من أمر الله تعالى بطاعته تبعاً لطاعة الله كالأنبياء وولاة الأمر من علماء وأمراء, الذين يُعلمون الناس ويحكمون بينهم بما أنزل الله. ولهذا يقول ﷺ وهو يصف حاله ووضعه ونفسه بناءً على ما ذكر ربه , عندما قال له ربه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨] فكأنه ﷺ يترجم ذلك الأمر فيقول: ﴿بعثت بالسيف بين يدي الساعة﴾ فإن النبي ﷺ بعث بالسيف وبالجهاد, ولا يقوم ديننا هذا إلا على الجهاد, ولا يمكن أبداً أن يقوم إلا على الجهاد بجميع أنواع ودرجات الجهاد. فالمؤمن في جهاد مع نفسه وهواه, ومع شيطانه ومع أعدائه, وجاءت لفظة [السيف] في الحديث ليدل على المرتبة العليا للجهاد, التي لا يقوم ولا يتحقق الدين إلا بها. ولكن الجهاد والسيف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله من أجل ماذا؟ يقول الرسول ﷺ : ﴿بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له﴾ فهذا هو الغرض الوحيد، وهو أن يُعبد الله وحده لا شريك له ﴿وجعل رزقي تحت ظل رمحي﴾ فكل الأنبياء لهم مكاسب يكسبون منها, فمنهم من كان نجاراً, ومنهم من كان حداداً, ومنهم من رعى الغنم وكلهم رعوا الغنم, وكل نبي له مهنة. والله من فضله وحكمته البالغة بعث هؤلاء الأنبياء من البشر: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكاً رَسُولاً﴾ [الإسراء:٩٥] لكن نحن بشر, فبعث منا بشراً يعمل ويكدح, ويحتاج أن يأكل ويشرب وينام, ويمشي في الأسواق كما نفعل, والنبي ﷺ من أين يأتي بدخله؟ يأتي بدخله من خلال أشرف وأعظم وأعلى أنواع المكاسب, وهو: ﴿وجعل رزقي تحت ظل رمحي﴾، فلو أن الأمة الإسلامية آمنت بالله ووحدت الله حق توحيده, لأكلت من تحت ظل رمحها. فالكفار يبنون الحضارة ثم تكون للمسلمين, والفرس والروم بنوا حضارتهم في ألفين سنة، وأجروا فيها الأنهار, وسقوا الأشجار, وبنوا القصور, وفتحوا القنوات العظيمة, وبنوا الطرق الرومانية التي تمتد من شمال أوروبا إلى مصر وجزيرة العرب , كل ذلك فعلوه, فكان ماذا؟ كان غنيمة للمسلمين, غنيمة لمن وحد الله ، فخرجوا من هذه الجزيرة حفاة عراة جائعين, إلا ما كان منهم ميسور الحال وما أقلهم, فأورثهم الله ﵎ تلك الحضارات, وتلك القصور، وتلك المباني. ونحن الآن -مثلاً- نقول: العالم الغربي لديهم الحضارة والعلم والتطور والتقدم والتكنولوجيا, ولو وحدنا الله حق توحيده, وذهبنا في سبيله، ودعونا إليه ، وكان هذا هو همنا, وكان ذلك شغلنا الشاغل، كما قال في الآية : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: هذا هو فعلي, وهذه هي طريقتي, وهذا هو عملي, أدعو إلى الله . ولو فعلنا ذلك لكنا بفقرنا هذا وعلى تأخرنا هذا -ونحن لا نريد التأخر في التكنولوجيا أو التقنية, ولا نريد الفقر, ولا نريد الجوع- لكنا منتصرين عليهم ولأورثنا الله ﵎ هذه الحضارات جميعها, فمنهم من يؤمن, فيسلم هو وما لديه من حضارة, ومنهم من نجاهده فيعطينا الله ملكه وحضارته غنيمة للمسلمين, بماذا؟ بتوحيد الله , فلو وحَّدناه سبحانه لغزوناهم في عقر دارهم, ولما كانت لهم أي فرصة ليغزونا في دارنا, كما هو حال بلاد المسلمين اليوم إلا ما رحم الله. إذاً: ﴿وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وكتب الذل والصغار على من خالف أمري﴾ وهذا هو حال المسلمين اليوم، إلا من كان في عز الطاعة وفي عز الدعوة إلى الله, أما البقية فهم في ذل, وإن جمعوا من المال ما جمعوا, وإن حازوا من المناصب ما حازوا, فهم بالنسبة للكفار في ذل, لماذا؟ لأنهم خالفوا أمر النبي ﷺ , ونحن قوم أعزنا الله بالإسلام, فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله, فإذا تمسكنا بهذا الدين, وأخذنا بأسباب الدنيا وهي من الدين ومطلوبة، فإن الله تعالى يوفقنا وينصرنا على كل عدو. أما إذا تركنا ديننا وأردنا العزة والقوة في آلات نشتريها, ومعدات نستوردها, وصناعات نظن أنها تحقق لنا ما نريد, فلن يكون ذلك أبداً , إلا بدين الله . ﴿ومن تشبه بقوم فهو منهم﴾ فمن تشبه بالكرام وبالمقربين: من أنبياء أبرار ودعاة ومجاهدين وصالحين, كان منهم, وإن تشبه بالكفار كان منهم, وإن تشبه بالمنافقين أو المبتدعين أو الضالين أو الفاجرين كان كذلك منهم: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ وكأننا نلمس داخل الحديث أملاً, وهو أنكم إن كنتم تريدون العزة, وإن كنتم تريدون النجاح فهو في دعوتكم وفي جهادكم وفي عملكم أيها المسلمون: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ فتشبهوا به ﷺ , بأن تكونوا مجاهدين داعين إلى أن يُعبد الله وحده لا شريك له, وليكن رزقكم تحت ظل رماحكم, فتكونوا مثله, وتنالوا ما نال الصحابة الكرام من الفوز والغنيمة في الدنيا والآخرة. فإذاً الجهاد والأمر بالمعروف من أجل ماذا؟ من أجل توحيد الله .

стр. 279

التوحيد في سورة الفاتحة الصلاة على أهميتها التي تعلمونها جميعاً, إنما هي من أجل توحيد الله ﵎ فهي كلها توحيد: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨]؛ فمن أجل توحيد الله نقف بين يدي ربنا , ونقول: الله أكبر، وهذا من توحيد الله, ونقرأ أم الكتاب ركناً في كل ركعة من صلاتنا, وهي في توحيد الله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] نوحد الله توحيد الربوبية. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] وهذا توحيد الأسماء والصفات. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] وهذا من الأسماء والصفات ولكنه يتعلق بأمر عظيم, ولا يمكن أن يُوحد الله إلا به, وهو الإيمان باليوم الآخر وبالوقوف بين يدي الله . ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة:٥] فهذه الآية هي معنى لا إله إلا الله, ففي الشهادة: الحصر، جاء بـ (لا وإلا) , وهنا جاء الحصر بالضمير المفعول المتقدم, أي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥] وكأنك قلت: وحدك لا غيرك يا رب نعبدك. إذاً: هذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله, فهو الغاية , وهو المقصود والمعبود وحده. ومن يعيننا على ذلك؟ وما الوسيلة التي نحقق بها ذلك؟ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ [الفاتحة:٥] فأيضاً نستعين به وحده على تحقيق توحيده وحده لا شريك له، فله العبادة ومنه العون. إن أمرنا نأمر بما يرضي الله, ونستعين على ذلك به, وإن دعونا ندعو إلى الله, ونستعين على ذلك به, وإن جاهدنا نجاهد من أجل إعلاء كلمة الله, ومن أجل توحيد الله, ونستعين على ذلك بالله. إذاً لا بد منهما: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وأيضاً و ﴿َإِيَّاكَ نَسْتَعِين﴾ وهذا هو توحيد الألوهية. ثم ندعو الله ﵎ في كل ركعة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] فعندما ندعو الله بذلك, فنحن نأتي بنوع آخر من أنواع التوحيد -وإن كان هو جزءً من توحيد الألوهية- وهو أننا نوحد ربنا باتباع شرعه, وباتباع رسوله ﷺ وما جاء به من الدين, فلا نعبد الله إلا كما عبد رسول الله ﷺ , ولا ندعو إلا الله إلا كما دعى رسول الله ﷺ .

стр. 280

أقسام الناس في العبادة وديننا الإسلامي مبناه على أصلين عظيمين: الأول: ألَّا يُعبد إلا الله. والآخر: أن يعبد الله بما شرع ولا يعبد بالأهواء والبدع. ولا يكون حالنا في دعوتنا أو عبادتنا أحد الحالين اللتين خرج بهما أصحابهما عن الصراط المستقيم: الحالة الأولى: حالة من علم الحق وعرفه, ولكنه أعرض عنه واجتنبه، وهؤلاء هم اليهود المغضوب عليهم, وكل من سلك طريقهم, كما ورد عن ابن عباس وعن سفيان بن عيينة ﵄: [[من ضل من علمائنا ففيه شبه من اليهود]] ولا نعني بالعالم -فقط- ذلك الذي هو عضو في هيئة كبار العلماء بل المغضوب عليه في هذه الحالة هو: كل من علم شيئاً من دين الله ولم يعمل به ففيه شبه من اليهود, يعلم أن الزنا حرام فيزني, أو أن الخمر حرام فيشربها, أو أن النظر إلى المرأة الأجنبية حرام وكل ليلة ينظر إليها, أو أن الربا حرام ويرابي ويتعامل مع المرابين كل يوم, هذا هو المتعرض لكونه من المغضوب عليهم، سأل الله العفو والعافية. إذاً ما فائدة العلم إذا لم نعمل به؟ الحالة الثانية: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] والضالون هم الطرف الآخر: وهم الذين عبدوا الله على ضلالة, وعبدوا الله على بدعة وعلى هوى وجهل, فلم يعبدوه على علم وعلى بصيرة, وانظروا ماذا في الآية نفسها -آية الدعوة-: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف:١٠٨]. إذاً: أول شيء الدعوة إلى الله، لا إلى غيره أبداً, لا إلى النفس, ولا إلى الشيخ, أو الإمام أو من أحب أو من كره! لا أدعو إلا إلى الله وحده على بصيرة, فلا ندعو على ضلالة, ولا ندعو على بدعة, ولا ندعو على رأي يخالف ما أنزل الله, بل على بصيرة وعلى علم من الله, وعلى برهان وحجة ونور وكتاب أو سنة. ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: ليس هذا الأمر خاصاً برسول الله ﷺ ، بل أنا ومن اتبعني, فهذا هو شأن كل أتباع النبي ﷺ , أنهم يدعون أولاً وقبل كل شيء إلى توحيد الله ، وإلى أن يُعبد الله وحده لا شريك له, فلا يشرك به أبداً بأي شيء, وهذا هو شأنهم.

стр. 281

غرض الدعوة إلى الله وغرض الدعوة وهدفها هو تنزيه الله ، وكثير من الناس لا يفقه غرض الدعوة إلى الله، ألا ترون المشركين والمنحرفين عن الدعوة الصحيحة؟ لو تدبرت أحوالهم لوجدت أنهم لا يسبحون الله, ولا نقصد أنهم لا يقولون: سبحان الله؟ لا, بل هذه يقولها أكثر الناس وأكثر المصلين من أهل البدع والضلالة والشرك, بل نقصد أنهم لا ينزهون الله عما لا يليق به, وهي لا تعني كلمة أو لفظاً باللسان, بل تنزيه الله عما لا يليق به. والنصارى عندما قالوا: إن لله تعالى ولداً, هل هم مسبحون لله؟ لا أبداً: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ* إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) [المؤمنون:٩١] عباد الله المخلصين فقط، أما غيرهم فإنهم لا يسبحون الله ، بل ينسبون له الولد والصاحبة، ويزعمون أن معه شريكاً. والذين يقولون: إن الشريعة أو الدين لا يصلح للتطبيق في القرن العشرين, قرن الحضارة والعلم والتكنولوجيا, هؤلاء لا يسبحون الله ولا ينزهون الله عما لا يليق به, بل هم ينسبون إليه ما لا يليق به, وهو أنه -تعالى عن ذلك- جاهل لا يدري أن الحضارة ستأتي, أو هو يعلم أن القرن العشرين سيأتي بحضارته, لكنه لا يستطيع أن يجعل له من الشرع ما يلائمه وما يناسبه, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. إذاً لا يسبحون الله , وكل من دعا إلى اشتراكية أو ديمقراطية أو بعثية أو أي اسم مهما كان: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً* لَعَنَهُ اللَّه) [النساء:١١٧]. فكل من دعى إلى غير الله فنهايته أن يصل إلى الشيطان، لأن هؤلاء لم يسبحوا الله : مثل الذي يقول: الإسلام كله يعجبني بل وأدعو إليه, وأرجو وأحب أن تدعوني إليه -أيها الدعاة- إلا مسألة المرأة, فلا بد أن تعمل ولا بد أن تخرج وأن تتبرج وأن تشارك في وسائل الإعلام وفي كل مجال, فهل نزّه الله هذا؟! لا، لم ينزه الله أبداً، لأنه اعترض على حكم من أحكام الله, ورأى أن رأيه أفضل منه. إذاً ندعوه إلى أن يؤمن بالله, وأن يسبح الله, ويوحد الله . فغرض الدعوة هو تسبيح الله وأن ينزّه الله, فتنزيه الله ركن أساس في الدعوة إلى الله ، وقد ضربنا الأمثلة على ذلك.

стр. 282

التحذير من الشرك ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩] بعد أن ذكرنا جانب الإيمان, نأتي الآن إلى الاحتراز, فنحترز من أعظم ذنب عُصِيَ الله به، الذنب الذي لا يغفره الله أبداً إلا لمن تاب, الذنب الذي حرم الله ﵎ على فاعله أو صاحبه الجنة أبداً إلا أن يتوب, ومن لقي الله وهو مذنب بهذا الذنب فإن مصيره الخلود في النار, فما هو هذا الذنب العظيم؟ إنه الشرك: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩].

стр. 283

تحذير الأنبياء من الشرك إبراهيم ﵇ لما دعا الله ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] , قال ابن تيمية ﵀: 'ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم'. الله أكبر! إمام الموحدين الذي حطَّم الأصنام يدعو بهذا الدعاء, والذي جاهد لكي لا يعبد إلا الله, والذي ذبح ابنه امتثالاً لأمر الله, وإن لم يقع الذبح لكن قد فعله وصدق الرؤيا, وامتثل أمر الله, من أجل توحيده لله، وامتثاله لأمر الله, المر الذي هو فامتثله رؤيا رآها فتله للجبين. وهذا إبراهيم ﵇ الذي هاجر في الله، وفي ذات الله، ودعا إلى الله, وجعله الله إماماً للناس, وأوحى إلى داعية التوحيد العظيم محمد ﷺ : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] هذا نفسه يدعو الله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] يدعو الله أن يجنبه الشرك, سبحان الله! إذاً الشرك خطير, يقول ابن تيمية ﵀: 'ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم' من يأمن؟ لا تقل: إن الكلام قد كثر كل يوم عن الشرك, والناس موحدون والحمد لله وهم مسلمون, سبحان الله! هل أنت أكثر توحيداً من إبراهيم الخليل؟! لا، والله, لما أمره الله تعالى أن يبني هذا البيت العظيم, الذي هو قبلة الموحدين في جميع أنحاء العالم إلى يوم الدين, ماذا قال ﵎: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] يا إبراهيم! ابن البيت، ولا تشرك بي شيئاً, فهذا أول أمر يؤمر به إمام الموحدين: ألَّا يشرك بالله, فلم يقل: يا رب! أنا إمام الموحدين, أنا الذي وحدتك تنهاني عن الشرك؟ وإذا نهيت أحداً أو تكلمت أو حذَّرت من الشرك, قيل: ليس عند هؤلاء الناس إلا الشرك؟ ولا يتكلمون بغير الشرك؟ سبحان الله! وماذا قال لمحمد ﷺ وهو إمام الدعاة إلى الله، الذي يجب على كل داعية أن يقتدي به إذا كان من أتباعه: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]. فمحمد ﷺ يقول له ربه: قد أوحي إليك يا رسول الله, وإلى الذين من قبلك من الرسل -ومنهم إبراهيم إمام الموحدين- لئن وقع منك ذلك الشرك ليحبطن عملك. سبحان الله! العمل كله؟ نعم, الجهاد, والدعوة, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والهجرة, والصلاة, والزكاة, كل ذلك يحبط منك يا رسول الله ومن قبلك لو أشركتم بالله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] فهو خاسر, مع أنه يأتي بتجارة كبيرة جداً ولكنه خاسر في الحقيقة. فبعض الناس كالنصارى -مثلاً- ترك الزواج، وترك الدنيا، ولكنه يذكر الله ليل نهار، انقطع عن كل شيء إلا عن العبادة -كما يزعمون- لكن يوم القيامة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]. يقول: يا أخي! أنا أحمد الله، وأنا دائماً أذكر الله, وأصلي, وكل يوم أقرأ القرآن, ودائماً في جهاد, ودائماً آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر, فيقول: ما الذي تريده منا؟ نقول: هذه الثروة العظيمة من الحسنات لا تقبل ولا تتحقق إلا بتوحيد الله , اجتنب الشرك, ولا تأنف ولا تستكبر عمن يقول لك: لا تشرك بالله, لأنه قال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] فتذهب كل هذه الأعمال: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] الذين يرون هذه الأعمال العظيمة تذهب هباءً منثوراً, ولا يستفيدون منها بشيء: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ وهنا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]. هنا قدّم الضمير، وهناك قدم الاسم العلم: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٦] هكذا أمرنا ربنا , فأول الأمر وآخره هو توحيد الله .

стр. 284

الشرك في أعمال القلوب توحيد الله يقوم بتحقيق أعمال القلوب, أن تكون خالصة لله ، ومن أهم أعمال القلوب: الإخلاص ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] وبعد ذلك: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥] الإخلاص لله ، الصدق مع الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، وقد قالها بعد أن ذكر أصناف الناس السابقين من الأولين، ثم ذكر الذين مردوا على النفاق , ثم ذكر الذين هم مريدون لأمر الله, ثم ذكر الثلاثة الذين خلفوا, ثم ذكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] أي: مع الأولين والسابقين، مع الأولين لا مع المنافقين الذين ذكر الله شأنهم في هذه السورة -التوبة- وفي غيرها, فلا بد أن تصدق مع الله، ويجب على كل إنسان أن يكون صادقاً مع ربه بإيمانه به وليس نطقاً بقوله. ومن أعمال القلوب التي تحقق لنا التوحيد: الخوف من الله وحده لا شريك له, ولو فطن الدعاة إلى هذا لرأيت العجب العجاب في الدعوة إلى الله, ولو أن كل مؤمن لم يخف إلا الله, ولم يخف أحداً من البشر كائناً من كان في أمر يغضب الله لرأيت العجب العجاب من التمكين والعز والنصر. لكن الإنسان يقول: لو اتقيت الله, ولو اتبعت ما أمر الله، لفعل بي فلان الذي هو أعلى مني في الوظيفة كذا! فهو يخاف من فلان لأنه أقوى منه, ويخاف من كذا، فأخافنا الشيطان: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥]. فالله جعل ذلك الخوف منه وحده, ولو خفنا من أعداء الله ولم نخف من الله فلن ينصرنا الله ﵎ عليهم أبداً, بل جعل الله تعالى طريق النصر كما بين: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] فالأعداء يكيدون لنا، ولا توجد وسيلة مما في علمنا أو عقولنا أو خيالنا إلا وقد حاربونا بها, وهذا حق كما ترون الآن في هذا الزمن, وفي كل لحظة، وفي كل دقيقة, فنحن مستهدفون ومحاربون, بالذات في هذا البلد الآمن المطمئن, القائم على دين الله , ففي كل لحظة تجد الحرب الشرسة علينا، لكن إذا خفنا منهم إذاً أشركنا, فما الطريق؟ وما الحل لمواجهتهم؟ ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران:١٢٠]. إذا صبرنا واتقينا الله : ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] لا يضرك كيدهم أبداً. أقول: الأعداء يُخططون لنا ولكل المسلمين، وكثير من المسلمين لا يعرفون ذلك، انظروا إلى ما في التلفاز، وإلى ما فيه من المسلسلات، وإلى الفيديو، فإن هذا من تخطيط الأعداء لإفساد الأخلاق, وكثير من الناس يقولون: لا أستطيع أن أصبر على مشاهدة هذه الأشياء, ثم يسأل: لماذا الأعداء ينتصرون علينا؟ أنا أقول: إذا كنت لا تستطيع أن تصبر على هذا، فكيف ينصرنا الله ونحن بغير تقوى؟! نحن المسلمين لم ننتصر على أنفسنا وعلى شهواتنا، فكيف ينصرنا الله على الكافرين؟! نحن المسلمين إذا تمكن بعضنا من بعض, تجد أن تقوى الله لا تمنعه ولا تردعه من أن ينتقم منه أو أن يظلمه إلا من ﵀, لكن هذا هو العموم، فكيف يولي الله الظالمين؟ كيف يورث الله الأرض للظالمين؟ وانظروا كم في المحاكم، والشرط، والإمارات، والإدارات من شكاوى لا بد فيها من ظالم ومظلوم, فنحن نظلم بعضناً بعضاً بهذه الكمية الهائلة, ونريد أن يورثنا الله الأرض, ونقول: لماذا لا يُمكِّن الله لنا نحن المسلمين في الأرض؟ وكل جمعة ندعو: اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, ومجد ووحد واجمع! دعاء لا عمل معه, فكيف يولي الله الظالمين؟ لو جمع كلمتنا ونحن بغير تقوى ولا صبر لدمرنا الدين -والعياذ بالله- لكن تفرقنا في هذه الحالة أفضل وأحسن, فهذه حكمة من الله . إذاً لا ينفع إلا أن نصبر وأن نتقي الله, والشاهد أن الخوف من الله , هو أحد أهم أعمال القلب التي يجب أن يوحد الله بها. والصبر من أعمال القلب أيضاً, التي يجب أن تُفرد وأن تتحقق، فإذا كنا ندعو إلى توحيد الله وإلى العقيدة الصحيحة, فمعنى هذا أن ندعو أيضاً إلى الصبر؟ حيث نصبر على طاعة الله, ونصبر عن معصية الله, ونصبر على أحكام الله الشرعية, ونصبر على أحكام الله القدرية, وعلى المصائب التي تقع ويكون موقفنا منها الصبر, لأن الله تعالى هو الذي قدَّر ذلك وكتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وأيضاً: الرغبة, والإنابة, وكثير مما ذكر الله ﵎ في القرآن الكريم من أعمال القلوب يجب أن نحققها وأن نوحد الله فيها.

стр. 285

لكي نحقق التوحيد وإذا أردتم أن نوجز ذلك كله، فنقول: كلٌ منا يقرأ كتاب الله ، فإن هذا هو مصدرنا الأول في عقيدتنا وشريعتنا، وكل ما ينبغي علينا هو أن نقرأ هذا القرآن، وانظروا ماذا يريد منكم منزله وقائله -مثلاً-: أنا أقرأ وأنظر ماذا يريد مني ربي ، إذا ذكر لي العبر عن الأمم الماضية, ماذا يريد؟ وإذا ذكر لي طريق الجنة وطريق النار, ماذا يريد؟ فإذاً أكون كما يريد الله, وأدعو إلى هذا الذي يريده الله مني, وأمتثله بنفسي وأدعو إليه, وإذا قرأنا ذلك فإن علينا بعد ذلك أن ننظر كيف يدعو الناس؟ كيف تدعو المناهج البدعية إلى الله؟ فنعرف أنها تبتعد عن منهج الدعوة الصحيح بمقدار بعدها عن هذه الحقيقة التي نقرؤها في سورة الفاتحة, وفي الإخلاص، وفي الكافرون، وفي العصر، وفي التكاثر، وفي الفجر، وفي عمّ, ففي أي سورة هناك قضايا محددة مهمة, يتنوع الحديث عنها, ولكنها قضية واحدة, هي توحيد الله, وطاعة الله, وامتثال أمر الله, والعمل من أجل الجنة والفوز برضى الله, وترك كل ما يُؤدي إلى غضب الله وإلى عقوبته, وإلى الدخول في النار التي أعدها الله للكافرين, عافانا الله وإياكم منها. فأعظم شيء في منهج الدعوة إلى الله, هو أن تكون الدعوة إلى الله على توحيد الله . فإن قيل: هذا يحتاج إلى عمل طويل, وجهد كثير؟ نقول: نعم, هذا حق, لكن لا طريق غيره, فإن كنت تريد طريقاً آخر فلن يوصلك إلى ما تريد, واذهب إلى ما شئت من الطرق التي تراها معبدة أو سهلة, لكن لن تصل إلى الهدف, فالطريق إلى تحقيق توحيد الله والدعوة إلى الله حقاً هي هكذا, وهذا هو حالها وشأنها, ورسول الله ﷺ استمر عشر سنوات في مكة وهو يربي الناس على معنى (لا إله إلا الله) ثم نزلت الصلاة فزادت معنى (لا إله إلا الله) رسوخاً وثباتاً، ثم ذهب إلى المدينة وشرع الجهاد من أجل (لا إله إلا الله) ثم جاءت الزكاة من أجل إقامة دين الله, ومن أجل الإنفاق على المجاهدين في سبيل الله, ولإعلاء كلمة الله, ثم جاء الصوم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لماذا؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فهذه الشريعة من أجل تحقيق التقوى التي جاءت بها (لا إله إلا الله) ثم شرع الحج وهو إلى البيت الذي بناه إبراهيم: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] فتحج وأنت تقول: لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك, كل مرة وأنت تكرر معنى شهادة أن لا إله إلا الله. إذاًَ: أعظم شيءٍ يجب أن نحققه هو توحيد الله ، وأن تكون كل عباداتنا خالصة لوجه الله, موافقة لشرع الله وسنة رسول الله ﷺ . وأعظم مادة يجب أن نهتم بها في المدارس هي مادة التوحيد, وهي القرآن؛ لأن القرآن هو مصدر العقيدة الأول، والحديث -وهو المصدر الثاني للدين وللعقيدة، فلا نعطي هذه المواد إلا للمدرس الكفء، الذي يستطيع أن يُبين للطلبة هذا الدين، ويحبب إليهم هذا الدينز ويجب أن نعلم أن علوم الطبيعة والأحياء وكل ما يتعلق بالعلوم المسماة اليوم: المواد العلمية, كلها تخدم التوحيد -والحمد لله- لأنها من النظر في ملكوت السماوات والأرض, ومن التفكر في آيات الله, ومن السير في الأرض: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت:٢٠]. وعلم التاريخ -أيضاً- مما يخدم العقيدة ويجليها ويوضحها, إذا كان المنهج والمدرس صالحين، لأن الله قص علينا في القرآن الكثير منه, وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:٦ - ١٣] فكيف ندرس هذا الكلام في حصة القرآن, ثم إذا جئنا بمادة التاريخ، يقول: الفراعنة كانوا وبنوا وعملوا وشيدوا, ومع الزمن ومع الغزوات وكذا ذهبت حضارتهم, هذا غير ما قرأنا في الآيات قبل قليل، يجب أن تربط الآيات مع التاريخ. والحمد لله أننا ما زلنا على مستوى جيد -والحق يقال- ولو وجد المدرس الذي يحسن ويزيد شرحها وعرضها لكان الخير بإذن الله. والمقصود: أن كل المواد تخدم العقيدة الصحيحة, وكل ما يمكن للإنسان أن يستغله للخير يجب أن يُسخره من أجل هذه العقيدة، ومن أجل التوحيد، ومن أجل أن يعبد الله وحده لا شريك له، جعلنا الله وإياكم من الموحدين المؤمنين, إنه سميع مجيب.
следующие страницы →