← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

الأدلة الواقعية على بطلان مذهب الشيوعية أول ما حدث الخلل في هذه الحتميات أن كارل ماركس وهيجل توقعا أن الشيوعية تنجح، وأول ما تنجح في بريطانيا لأنها أكبر دولة صناعية رأسمالية في القرن التاسع عشر، لأنهما كما تعلمون كانا في القرن التاسع عشر، أي قبل مائة سنة أو أكثر فكانت هذه النظريات، وكانت أحوال العمال في بريطانيا تدعوا إلى الرثاء فعلاً، كان النساء والرجال يعملون لمدة ثمانية عشر ساعة تحت الأرض في أنفاق مظلمة ويجرون عربات معبأة بالفحم، من أجل استخراج الفحم لأنه كان الوقود الرئيسي في ذلك الزمن، وكثير منهم يموتون ويدفنون في هذه الأنفاق ليس لهم أي حقوق ولا يؤبه لهم، فقال ماركس: لابد أن العمال سيثورون، فتكون الشيوعية في بريطانيا، لأن حتمية التاريخ هكذا. فأول ما أكذبه الله وأبطل قوله للعالم كله، أن الدولة البريطانية حتى اليوم لم تصبح دولة شيوعية، وإنما نجحت الشيوعية وقامت في دولة زراعية وهي روسيا القيصرية وكانت دولة زراعية، فانتقلت من مرحلة الزراعة إلى مرحلة الشيوعية دون أن تمر حقيقة بمرحلة الرأسمالية. فهذا أول تكذيب للنظرية، نحن نعلم كذبها من كتاب الله وسنة رسوله، ولا يحتاج هذا عند المسلمين إلى نقاش، لكن نتكلم من خلال منطقهم ومنظورهم هم، لأننا وللأسف الشديد ابتلينا بهذه النظريات في بلاد المسلمين، وسوف نعرض له -إن شاء الله- ولا يزال كثير من المسلمين أو من أدعياء الإسلام المعتنقين لهذه النظرية في عمىً وغفلة عن هذه الحقائق الواضحة، إذاً كان هذا أول ما أفسد الحتمية. الأمر الثاني: أن في عام (١٩١٧م) قامت الثورة الشيوعية وحكمت روسيا، فجاء التكذيب الثاني من عند الله لما قرره هذا اليهودي وأتباعه، وهو أن المفروض أن تكون الحكومة حكومة عُمالية، فالذي يحكمها المفروض أن يكون العمال، ومع الزمن تتلاشى الدولة نهائياً. والمفروض في الشيوعية الأخيرة ألا يكون هناك دولة على الإطلاق إنما الناس هكذا يعيشون، وكل يعمل حسب طاقته وله حسب حاجته فقط، وليس هناك دولة ولا ضابط ولا نظام، والذي حصل أنه لما حكم لينين ثم استالين شهدت روسيا دكتاتورية فظيعة تسلطية، لم يكن لها نظير إلا ما يذكره الغرب عن هتلر وعن موسليني وعن أشباههما، واستالين أشد منهما ومن غيرهما، فلم تكن هناك أي حكومة للطبقة الكادحة -كما تسمى- بل كانت الحكومة للحزب الشيوعي، بل كان الثراء الفاحش والاستبداد الفظيع والاستئثار الكامل للسلطة وللثروة؛ وكل شيء لأعضاء الحزب، وأما البقية فبقوا في حالة يرثى لهم. ثم جاء الانهيار وجاء التكذيب الثالث من الله في واقع الشيوعية، عندما كان من المفروض أن تشمل الشيوعية العالم كله، كان التخطيط أن الشيوعية هي دين المستقبل وهي عقيدة المستقبل، وأنه لن يبقى على وجه الأرض أي دولة إلا وتكون فيها الشيوعية. فمن النكت الظريفة التي في هذا الباب -والتي تعد من نكت التاريخ وهي حقيقة- أنه لما قامت دعوة الإخوة في الهجر التي انطلقت أساساً في هذه البلاد، ثم كانوا هم الجيش الذي كان هو جيش التوحيد؛ وفتح الله على أيديهم هذه البلاد، فلما قامت هذه الحركة تجمع الناس حولها وفي الهجر كانوا يعلمون الناس الأصول الثلاثة والتوحيد والعقيدة ثم ينطلقون للدعوة، ثم كان الجهاد كما تعلمون جميعاً، وقد علقت جريدة البرافدا في روسيا بأن تأثير الثورة الشيوعية وصل إلى وسط صحراء الجزيرة العربية، وها نحن نجد الهجر ونجد الدعاة فيها يترسمون خطى الثورة الشيوعية البلشفية، ولا يمكن للعقل أن يصدقه! ولكن هكذا كل شيء في التاريخ أن الأصل والقاعدة والقانون فيه: هو القانون الذي وضعه ماركس وإنجلز.

стр. 2207

ظهور الاشتراكية العلمية ولو دخلنا إلى جانب آخر من جوانب النقض لوجدنا الشيء العجيب من الناحية الحتمية البحتة، فقد بنت الشيوعية نظريتها على نظرية داروين، وبنتها على أساس أن المادة هي الحقيقة. ولا بأس أن نستطرد في هذا الأمر قليلاً لأن الإخوة على مستوى جيد من فهم هذا الكلام، وكان ماركس يقول: ليس هناك وجود للغيب -عياذاً بالله- أنكر الغيب كله، الوجود الحقيقي هو وجود المادة، والمادة هي الشيء الموضوعي الوحيد، فما هي المادة؟ قال: المادة لا تحتاج إلى تفسير ولا إلى بيان، فالجدار مادة، والحديد مادة، والجسم مادة، وشيء أمامك تؤمن به وانتهى الأمر، لكن الغيب لا تؤمن به ولا تصدقه، وكان هذا الكلام هو القول السائد والمنتشر، بعد ذلك جاءت نظرية إنشتاين على سبيل المثال، ونظريات علمية أخرى فأصبح تفسير المادة أشبه ما يكون بعلم الغيب؛ لأنك الآن تقول هذا الشيء الذي أمامي مادة. وحقيقة لو أن لدى أحدنا منظاراً يكبر الأشياء بشكل كبير جداً، لا ستطاع أن يرى المادة بشكل آخر، فسيرى الذرة، ويرى النواة، ويرى الإلكترونات وهي تدور حولها -مثلاً- فلا يرى إلا مجموعة من الأشياء تدور حول بعض، فوجدوا بعد أن مات ماركس أن حركة الإلكترونات حول النواة في أي شيء من المادة؛ أنه يشبه حركة المجموعة الشمسية في الفضاء، بشكل مذهل، فما هي الذرة؟ وما هي النواة؟ وجدوا بالعملية الحسابية التي اكتشفها إنشتاين أن الانشطار الذي يحدث بين الإلكترونات وبين النواة هذا يؤدي إلى القنبلة الذرية التي هي مبنية على هذا الاكتشاف. إذاً: كل ما قيل في القرن التاسع عشر كله كلام غير عملي، وكله أشبه -كما يقال- بكلام العجائز أمام العقل الإلكتروني، فليس هناك أي نسبة، ومع ذلك يسمونها الاشتراكية العلمية، وإلى الآن الأحزاب الشيوعية في العالم الإسلامي يسمون الشيوعية الاشتراكية العلمية؛ لأنها قائمة على العلم، أما غيرها فهي اشتراكيات غير علمية.

стр. 2208

مناطق النفوذ الاشتراكي وليس ذلك هو المقصود وإنما نقول بعد ذلك: بعد أن كان مخططاً أن تسود الشيوعية العالم كله، وإذا بـ خريتشوف يضع تطويراً جديداً أو إعادة بناء، وهي التعايش السلمي عندما اتفق واصطلح مع الرئيس جون كندي -الذي كان رئيس أمريكا في ذلك الوقت- على مبدأ التعايش السلمي، والحرب الباردة بدلاً من الحرب الساخنة، فبدلاً من الصواريخ تبقى الإذاعات والصحف، كل من المعسكرين يطعن في الآخر. ثم تلا بعد ذلك اقتسام مناطق النفوذ، وقنعت الشيوعية أنها لن تسيطر على العالم، وأكبر المفكرين والمحللين الإسلاميين في موضوع الشيوعية في تلك الفترة هو الأستاذ/ سيد قطب ﵀، كان يتوقع أن تسيطر الشيوعية على معظم العالم، وكان هذا هو المتوقع لدى عامة الناس. وتعلمون أنها بالفعل حاولت أن تسيطر على أكثر العالم، وقد حكمت أوروبا الشرقية جميعاً كما تعلمون، وكانت الأحزاب الشيوعية في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأسبانيا من أقوى الأحزاب جميعاً، ويمكن أن تصل إلى الحكم. ثم في العالم الإسلامي وهو أخطر وأهم منطقة يكون الصراع عليها نجد أن الاشتراكية أعلنت عندما أعلن الزعيم الهالك جمال عبد الناصر الاشتراكية مبدأً عاماً، وكانت الدعايات الضخمة ليل نهار، والمليارات تنفق على الدعايات الاشتراكية ومبادئها، فكانت أيضاً مرحلة تطبيقية واضحة وواقعة. وحزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان أصله حزباً قومياً، والذي حكم بلاد الشام والعراق، أعلن وأدخل الاشتراكية البلاد فأصبح شعاره ثالوثياً: وحدة، حرية، اشتراكية، وأيضاً دول المغرب العربي: الجزائر -مثلاً- ثم تلتها بعد ذلك مصر، ثم جاءت ليبيا فكانت أيضاً أن أعلنت الاشتراكية، على اختلاف في المناهج. وفي السودان الحزب الشيوعي كان من أقوى الأحزاب، حتى إنه حكم السودان وقام بثورة في السودان، وكاد أن يحكمها، لكن النميري رجع مرة أخرى وعادت السلطة له. وفي جنوب الجزيرة العربية الشيوعية حكمت وما زالت إلى الآن، وفي إندونيسيا قامت ثورة كبيرة جداً وكادت أن تحكم هذا البلد المسلم، ولكن الله دمرهم وثار عليهم الشعب، وقضي عليهم والحمد لله، ولكن بقي الشيوعيون لهم قوة لا يستهان بها. وفي باكستان -كان رئيسها ذو الفقار علي بوتو - كان أيضاً اشتراكياً وينادي بـ الاشتراكية، وكانت الأحزاب الشيوعية مثل الحزب الشيوعي البلوتوستاني كانت قوية، وكانت تحاول وتجتهد أن تكون باكستان دولة شيوعية، وكذلك في بلاد الهند. والصين وهي أكبر دولة آسيوية أصبحت دولة شيوعية بالكامل، وما بقي إذاً إلا مثل اليابان، وفيتنام الجنوبية، وكذلك المناطق التي تسيطر عليها أمريكا سيطرة قوية تماماً. إذاً: كادت الشيوعية تماماً أن تجتاح العالم، وحتى في أمريكا الوسطى والجنوبية! كانت الشيوعية موجودة، إما أنها تحكم أو أن لها أحزاباً قوية، وهكذا كادت الشيوعية أن تطبق على العالم.

стр. 2209

العبرة مما سبق ومن العبر التي يجب أن نأخذها هنا، أن الغرب لا يملك عقيدة تواجه العقيدة الشيوعية، ولذلك لجأت أمريكا وحلفاؤها إلى اختلاق أحزاب اشتراكية وأحياناً الشيوعية لكنها أمريكية، لما رأوا أن الشيوعية تكاد أن تنتشر وتكتسح العالم، أصبحت أمريكا بنفسها ترعى أحزاباً الشيوعية وتربيها، ثم تحكم المنطقة فتكون قد استهلكت الشعارات، فأخذت الشعار، لكن الحكام الماركسيون الاشتراكيون هم في الحقيقة أمريكيون، يتوجهون أيضاً بتوجه أمريكا، وذلك أيضاً بسبب طغيان هذا المبدأ. الحيلة الأخرى التي لجأ إليها الغرب أنه لجأ إلى إشاعة الإباحية والانحلال في الشعوب التي يخشى عليها من الشيوعية، لأن الانحلال يضعف أصحابه عن اعتقاد أي عقيدة -أياً كانت- وكما هو معلوم أن الشيوعية عقيدة ومبدأ وثورة، ولهذا حرصت أمريكا أن تكون الدول التي تدور في فلكها أو مواليةً لها أن تكون دولاً منحلة مترفة، بعيدة كل البعد عن كل منهج يمكن أن تحمله، ولا يمكن أن تتحمل أي عقيدة، فهذا يعطي نوعاً من الحصانة ضد تغلغل الفكر الشيوعي، لأن الناس ليس عندهم أي استعداد لقبول أي مبدأ، وإنما يعيشون لشهواتهم ويفكرون في شهواتهم، ويمضون أي شيء من أجل هذه الشهوات، ثم بعد ذلك الله لهم بالمرصاد.

стр. 2210

محاولة إعادة البناء كانت مرحلة الثمانينات الهجرية أو الستينات الميلادية هي أشد مرحلة، وكانت الدولة التي لا تطبق الاشتراكية تكاد تطرق رأسها من الحياء والخجل أمام العالم، كأنها دولة رجعية متخلفة؛ وهكذا توصم في جميع المحافل الدولية التي تسيطر عليها الشيوعية، ثم شاء الله وانقلبت المعايير والموازين وجاء برجنيف، وللعلم فقد كان ماركس يهودياً، ولينين يهودياً، واستالين يهودياً، وخريتشوف يهودياً، وبرجنيف يهودياً، وجورباتشوف ليس عندي علم به لكن سيكشفه الزمن، لكن علي أي حال كلهم يهود، فجاء برجنيف وهنا نأتي إلى نقطة مهمة جداً، فوجدت الشيوعية نفسها أنها ستنهار فعلاً من الداخل بسبب الإلحاد، وهذا من أعظم عوامل انهيارها، أنها لا تؤمن بالله، ولأنها لا تعبد الله، ولأنها تعلم الناس الإلحاد وتربيهم عليه، ولذلك تُبُنيَّ ميخائيل جورباتشوف من قبله برجنيف وأتباعه ليقود المرحلة الجديدة للشيوعية.

стр. 2211

البناء الديني من أهم غرائب الدنيا التي سجلها التاريخ: أن زعيم أكبر دولة شيوعية في العالم، يحتفل بمرور ألف عام على إنشاء الكنيسة الكاثوليكية فاحتفل الاتحاد السوفيتي بمناسبة مرور ألف سنة على إنشاء الكنيسة الكاثوليكية، ثم أعقب ذلك قبل شهرين أن جورباتشوف بنفسه وهو صنيعة برجنيف ومن بعده، وذهب وزار البابا في الفاتيكان وقابله، وهذا أيضاً من الغرائب والعجائب إذ كيف يحصل هذا؟! وهم الذين يعتبرون أن مجرد كلمة دين رجعية. فالدين كما قال كارل ماركس: أفيون الشعوب الذي يخدرها، يقولون قبحهم الله -وهذا القول يتردد في العالم الإسلامي ولكن بلهجات أخف- يقولون: إن الدين شيء اصطنعه الإقطاعيون والملاك وأصحاب السلطة والاستبداد ليخدروا به الشعوب، وليأكلوا دنياهم، ويعدونهم بالعوض في الدار الآخرة. وهذا كان واقع رجال الدين من النصارى، كما أخبر الله في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٤] فهذا حال النصارى، لكنهم يعممون الكلام على الدين كله، فيقولون هذا هو الدين. لكن الآن انقلب الحال هذا إلى الاعتراف بالدين وكما في كتاب جورباتشوف " إعادة البناء البروستريكا " يقول: 'إن القيم الروحية ضرورية ولابد منها' سبحان الله!

стр. 2212

البناء الأسري ومن العجائب التي لن تصدقونها وقد قرأتها في الكتاب بنفسي أن جورباتشوف ينتقد أو يريد إعادة الحساب في موضوع المرأة، كيف؟! الشيوعية التي تقول: إن العالم بدأ بـ الشيوعية البدائية التي لا يملك المرء فيها زوجة أبداً، والمرأة كانت كالرجل تعمل، وتنتهي بـ الشيوعية الأخيرة التي تحكم العالم وتسيطر عليه، والتي تقول: إن المرأة كالرجل في كل شيء، الشيوعية التي تفتخر بأنها أخرجت النساء إلى المعسكرات العمالية والمصانع، وأنتجت وبلغت الذروة -كما يقولون- في كل شيء. غورباتشوف يقول: لا، كنا مخطئين، وكانت ظروف الحرب من جهة، وكان واقعنا ونحن نريد أن ننشئ البلد اقتصادياً من جهة أخرى، جعلنا نستعجل ونخرج المرأة؛ ونعطي قومية المرأة شكلاً أكبر مما تستحق، أما الآن ونحن نعيد البناء فلابد أن نفكر في وظيفة الأمومة وبوضع المرأة في البيت. نعم، يا دعاة تحرير المرأة في كل بلد وفي كل مكان! هذا جورباتشوف بنفسه يقول: نعم، نحن أخطأنا، ولم ندرك حقيقة وظيفة المرأة، ولهذا فإن من ضرورات إعادة البناء: إعادة بناء الأسرة سبحان الله! ماذا كان الشيوعيون يقولون عن موضوع الأسرة؟! الأسرة تقليد برجوازي، تقليد إقطاعي، وعبارات سخيفة لا أريد أن أثقل بها عليكم، حتى لو فتحت إذاعة من إذاعات الدول التي ما زالت حتى الآن شيوعية، وتدندن للشيوعية البرجوازية من بين كل عشر كلمات تجد كلمة برجوازي، والمهم أي كلام، فيقول: الأسرة تقليد برجوازي. وكان ماركس يقول: أصل الأسرة ليست شيئاً حقيقياً، أي: أن الأسرة خلقها وأوجدها العامل الزراعي فقط، أي: عندما كان في العصر الزراعي كان الرجل يزرع والمرأة تزرع معه، وهو يجني الثمار وهي تطبخ، فمن هنا وجد ما يسمى الأسرة فقط، لكن في عصر الصناعات والآلات فالرجل يصنع قطعة والمرأة تصنع قطعة ويضعونها في الجهاز ويشتغل، هذا يعمل من ناحية وهذه تعمل من ناحية أخرى، ما الضرورة الآن لوجود أسرة! فألغى ماركس الأسرة تماماً! ولما جاء استالين قال: لا يمكن للناس أن يعيشوا هكذا، فقال: الأسرة البرجوازية هي الأسرة التي تعيش بأخلاق العصر الزراعي أو بالدين، لكن نحن نستطيع أن نوجد أسرة تقدمية وعلمية، كيف؟ قال: أن تغير المرأة النية، فقد كان الشخص يتزوج لكي ينجب أطفالاً ويعيش معهم في عصر الانحطاط والتأخر والرجعية أيام الأديان، أما الآن فلا بد أن تغيروا النية، وانووا عندما تتزوجون أن تنجبوا أبناءً عماليين، يصبحون عمالاً في المصانع وأعضاء في السوفيتيات حتى ينهض البلد ويتقدم ويحقق الشيوعية في العالم، فأعاد تكوين الأسرة لكن بشكل آخر وباسم آخر. الآن غورباتشوف يقول: حتى الكلام هذا لا فائدة منه، بل الحقيقة التي لابد أن نعترف بها أن الأسرة لابد أن تقوم، وأن المرأة لابد أن تعرف دورها المهم وهو أنها أم، وتكون في البيت. والمجال لا يتسع لكي أذكر لكم كلامه بالنص، المهم أنه قال: من أهم الأشياء أن ترجع الأسرة، هذا الكلام سيترتب عيه أن البناء الشيوعي بأكمله سينهار، والحقيقة أنه على اختلاف المحللين في مسألة إعادة البناء، ليس المهم عندنا السبب بالضبط أو النتيجة أياً كانت، بل يهمنا أن إعادة البناء منطقياً تبتدأ من هدم الموجود، فلابد أن يهدم الموجود أولاً. ففي العالم الإسلامي هل تعيش الأحزاب الشيوعية أو الاشتراكية هذه المرحلة؟ هل نحن الذين واقعنا كما قال النبي ﷺ : ﴿لتتبعن سنن من قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه﴾ وفي رواية: ﴿ولو أن أحدهم أتى امرأته على قارعة الطريق لفعلتموه﴾ والعياذ بالله! عندما غزيت الأمة الإسلامية بهذه الفكرة وبهذا المذهب واعتنقته، وأصبح يحكم أكثر العالم الإسلامي، كيف نظر العالم الإسلامي إلى عملية البناء؟ اختصاراً للوقت ولكي آتيكم بمثال حي حاضر، أقول لكم ماذا حدث في الجزائر منذ أسابيع الحزب الشيوعي الجزائري جمع نساء عدة، وأخرج ثلاثة آلاف امرأة متظاهرة من الرفيقات، لأن العضو في الحزب الشيوعي يسمى رفيقاً، فأخذوا ثلاثة آلاف رفيقة أو رقيقة، وقالوا لهن: اخرجن وطالبن بإلغاء قانون الأسرة، أي عكس ما يجري في الاتحاد السوفيتي تماماً، إلغاء قانون الأسرة لأنه مشتق من الشريعة الإسلامية أو لأن فقرات منه مأخوذة منها، فخرج الثلاثة آلاف واتجهن إلى مبنى البرلمان، ورفعن الشعارات الشيوعية وطلبن بإلغاء قانون الأسرة، فماذا كانت النتيجة؟ تداعى أهل الغيرة والحمية والإيمان، وهبوا من كل جهة، فخرج مليونان ونصف المليون من المتظاهرين من بينهم مليون ونصف امرأة خرجن في العاصمة وبعض الولايات يطالبن بالحجاب، ونشرت الصحف صورهن والتلفزيونات الغربية ذهلت من هذا المنظر، وكن يلبسن الحجاب، كما ترون النساء المغربيات في الحج والعمرة لا يبدو منهن إلا العينين، ويرفعن اللافتات العريضة: احكمونا بالإسلام، شعب الجزائر مسلم، فصعقوا وذهلوا. ولكن هل قالوا: يحق للأمة الإسلامية إعادة البناء؟ لا، بالنسبة للاتحاد السوفيتي بحق له إعادة البناء وإعادة النظر فيما هو سائر فيه، أما المسلمون فلا يحق لهم إلا أن يعيشوا تبعاً وأذلاء وموالين ورقيقاً للشرق أو الغرب، ولا يحق لهم إلا ذلك. والصحف الفرنسية بالذات صعقت وذهلت وعلقت تعليقات كبيرة، وبعد أن تأكد رئيس فرنسا من حقيقة الموضوع؛ قال: هذا أمر لا يمكن السكوت عليه، ولو أن هؤلاء الأصوليون وصلوا إلى السلطة لتدخلت عسكرياً كما تدخل بوش في بنما، فهذا لا يمكن! لكن أن تغير روسيا أو تغير بريطانيا من رأسمالية إلى شيوعية أو من شيوعية إلى رأسمالية هذا ممكن، لكن الأمة الإسلامية تقلب من أمة اشتراكية إلى إسلام فهذا لا يمكن أبداً!

стр. 2213

من نتائج إعادة البناء وهنا نقف على عبر عظيمة يجب أن نستنتجها، ومن أهم ما يجب أن نعلمه من الأحداث الكبيرة؛ ومن القضايا الرئيسية في مشروع البناء الذي نادى به غورباتشوف قال: يجب أن يقدم مؤتمر الأمن الأوروبي من السنة القادمة إلى هذه السنة، ويكون توحد أوروبا -الذي سيكون بعد سنتين- يبتدأ من هذه السنة ويشارك فيه الاتحاد السوفيتي، بمعنى أن أوروبا سوف تكون بعد سنتين دولة واحدة تتكون من عدة ولايات، مجموع سكانها ثلاثمائة وخمسة وعشرين مليوناً، ثم ينضم إليها الاتحاد السوفيتي وسكانه قرابة ثلاثمائة مليون، فيصبح المجموع ستمائة وخمسة وعشرون مليوناً ويصبح لها برلمان موحد وكأنها دولة واحدة، وداخل هذا البرلمان الكبير الأحزاب الاشتراكية هي المسيطرة. ومن العجائب أنه رغم كل هذه الانهيارات المتتالية في الدول الشيوعية للأحزاب التقليدية إلا أن رؤساء الأحزاب هم في الأصل شيوعيون، والتغيير هذا له ما بعده، ووراءه مؤامرة كبرى، فإذا صار ستمائة وخمسة وعشرون مليوناً تقريباً؛ فإن أمريكا والغرب سيصيرون شيئاً واحداً. وأعلن الاتحاد السوفيتي قبل شهرين أو ثلاثة شهور -تقريباً- أنه سيسحب جميع قواته من داخل الاتحاد السوفيتي، وعددها أكثر من ستمائة وسبعين ألف، وأعلنت أمريكا أنها سوف تسحب قواتها من أوروبا الغربية وعددها ستمائة ألف، سبحان الله! وماذا يبقى؟ إذا كانت أوروبا والاتحاد السوفيتي تعدادهما ستمائة وخمسة وعشرون مليوناً، وانضم إليها الثلاثمائة مليون أيضاً في أمريكا وكندا، يصبح تعدادهم ألف مليون، أي أن هذه القوة البشرية ستكون أقوى قوة في العالم بشرياً، وأقوى قوة في العالم اقتصادياً، وأقوى قوة في العالم عسكرياً، فهذه لما تصبح قوة واحدة وتتوجه بتوجه واحد، فمن الضحية؟! ولابد أنكم قرأتم أنه من أهم خطوات غورباتشوف في إعادة البناء السماح لليهود السوفييت بالهجرة إلى إسرائيل، وهذا مؤشر وله ما بعده، أيضاً الدول الشرقية الأخرى طولبت جميعاً بنفس العمل -وقد بدأت بعضها- بعمل لجنة تقوم بإعداد هذه العملية، وبدءوا بالسماح لليهود الشرقيين بالهجرة إلى إسرائيل. يقابل ذلك أن الجهاد الإسلامي في فلسطين المسمى (الانتفاضة) يخسر كل يوم ثلاثمائة ألف حالة إجهاض، والقتلى، والجرحى بالآلاف، وكل يوم يسقط عدد من القتلى، ويعوض إسرائيل أن يتدفق عليها كل يوم مجموعة كبيرة من الروس وغيرهم. آخر إحصائية نشرت قبل أسابيع تقول: إن عدد اليهود الروس الذين وصلوا في العام الماضي أكثر من ثلاثة وسبعين ألف يهودي، أي أكثر مما يفقده المسلمون في هذا الجهاد، وسيزيد العدد أكثر إذا تحسنت الأحوال أكثر. ومن أهم شروط أمريكا لإعادة البناء المطالبة بالسماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، ويعقب ذلك بلا شك -وهذا أمر متوقع بإذن الله- انهيار للأحزاب الشيوعية في العالم الإسلامي، لكن ماذا ستكون النتيجة إذا انهارت الأوضاع والنظم الموالية للغرب في العالم الإسلامي؟

стр. 2214

عبر ودروس من الواقع حادثة الجزائر هذه نأخذ منها العبرة، فما دام أنهم استطاعوا أن يحركوا هذه الملايين فممكن أن يصلوا، ولو انهارت النظم الموالية للغرب وجاءت نظم إسلامية كما يسمونها أصولية، ماذا ستكون النتيجة؟! لم يبق هناك أي حل إلا حل واحد فقط وهو المواجهة العسكرية، والتدخل العسكري المماثل. لأن الأحزاب العلمانية والاشتراكية والشيوعية والنظم الموالية لهم ضاغطة وقائمة وتحمي إسرائيل وتدعم وجودها، والطوائف الباطنية التي تشقق العالم الإسلامي والطوائف الصوفية، وغير ذلك قائمة بجهود، فإذا سقط القناع وسقطت هذه الجهود والنظم، فماذا يبقى أمام الشرق والغرب وهم أقوى وأكثر العالم عدداً إذا توحدوا؟ إذاً: لا يوجد حل إلا التدخل العسكري المباشر. إذاً: ممكن أن تتكرر حملة صليبية جديدة على العالم الإسلامي، ونحن نعطي هذا كمثال؛ لأن هذا المثال قد ورد وعرفه العالم وسمعه، فمثلاً فرنسا ستضطر أن تنزل إنزالاً عسكرياً في الجزائر لو أن المسلمين هناك وصلوا إلى أن يحكموا البلد، وقس على ذلك بقية البلدان، فماذا ستكون الحالة؟! وخاصة أن المصالح الغربية ستتضرر، بل قد تنعدم إذا وعى المسلمون دينهم ورجعوا إلى عقيدتهم وأصبحوا يحكمون أنفسهم بأنفسهم، فهنا ستكون الملاحم العظيمة. ونحن نقول: لعل في ذلك خيراً، وهذه مجرد توقعات، والله أعلم كيف ستكون النتيجة، لكن نقول: إذا حصل ذلك فلا نتيجة لذلك إلا الملاحم التي ستكون بيننا وبين أولئك القوم، ونقول هذا الآن ولا نستعجل الأحداث ولا نستبقها، ولكن نقول: لنأخذ العبرة والعظة، أين نحن؟ هل واقع الأمة الإسلامية -الآن- يهيئها لمقاومة ومواجهة هذا الزحف الهائل بهذه القوة الرهيبة؟! وإذا كانت حرب النجوم أو أشباهها بعد عقد أو عقدين، ولو بعد مائة سنة، إذا أصبحت مسخرة فقط لحرب المسلمين، وتعاونت القوتان مع بعضهما؛ وأصبح العدو المشترك هو هذا العالم الإسلامي! فهل الأمة الآن تربي أبناءها ذكوراً وإناثاً، وتوجه وسائل إعلامها وشعوبها لهذا الخطر الداهم ولمقاومته، وهنا سؤال يطرج نفسه وهذا السؤال الكبير يفرض نفسه ونحن في غمرة العاطفة والابتهاج بسقوط هذا النظام الخبيث. أقول: نحن المسلمين دائماً ندغدغ بالعواطف، مع أننا نحمد الله ونشكره على انهيار هذه النظم، وسوف ينهار الكفر كله، وسوف يبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار -بإذن الله- وسوف نغلبهم، وسوف ندخل روما بإذن الله، وهذا لا شك فيه، لكن ماذا أعددنا؟! ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨] الدين منصور، ولكن على يد من؟ إن لم يقم به من سمع ووعى وعقل؛ فالله سوف يذل هؤلاء بأولئك الكفار، ثم يستخلف من بعد ذلك قوماً يحبهم الله ويحبونه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] هؤلاء الذين سينصرهم الله . أما من يواليهم، ومن يأخذ أنظمتهم، ومن يتبع طرقهم في الأحوال الاقتصادية أو الاجتماعية، أو يعتبرهم قدوة له، وأساتذة وقواداً ورواداً فهؤلاء جديرون بأن يسقطوا في أحضانه، وجديرون بأن يلفظوا من الشرق ومن الغرب، أي أن الأمة الإسلامية ستلفظهم، والغرب سيلفظهم -أيضاً- إذا لم يقوموا بالدور المطلوب، فإذا رأى الغرب أنه فشل في تحقيق المهمات التي يريدها فمهما قدم لهم من تضحيات، فإنه يركلهم كما تركل الحذاء ويأتي بغيرهم. ولهذا نقول: اتقوا الله يا أولياء المسلمين، اتقوا الله يا من تنادون بـ الاشتراكية وما تزالون تنعقون بها في بلاد الإسلام، واتقوا الله يا دعاة العلمانية، واتقوا الله يا دعاة الربا، واتقوا الله يا دعاة التحررية والديمقراطية، وأشباهها مما أوجعتم به قلوب المؤمنين وأفئدتهم، اتقوا الله في هذه الأمة، وثقوا بأن هذا الدين باق منصور، وصدق ﷺ حينما قال: ﴿لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله﴾ فنحن ننتظر ذلك بإذن الله تعالى. وأسأل الله ﵎ أن يرزقنا وإياكم العظة والعبرة مما نسمع ومما نرى، وأن يجعلنا له جنوداً مخلصين صادقين، وأن يعز بنا هذا الدين، وأن نكون وسيلة لإيقاظ هذه الأمة اللاهية في شهواتها، العابثة في ملذاتها لتعرف عدوها، وتعرف ما قيمة دينها، وتجاهد في سبيل الله ، وتعرف أنها خلقت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولتأمرهم بالمعروف وتنهاهم عن المنكر، ولم تخلق لتقلدهم في ملاهيهم وألاعيبهم ومسارحهم ومراقصهم، وتعيش كما يعيشون حياة البهيمية والانحطاط، نسأل الله أن يحقق ذلك، إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2215

الأسئلة

стр. 2216

نصيب الماركسية من الحداثة السؤال قال الدكتور محمد مصطفى هداره في محاضرته القيمة في مؤسسة الملك فيصل الخيرية بـ الرياض عن الحداثة، والمحاضرة هذه أعيدت مرة أخرى ثم طبعت في كتاب نحو أدب إسلامي، طبعته ووزعته أم القرى، ولعلكم قرأتموه إن شاء الله. يقول الدكتور محمد مصطفى هداره: والحقيقة هي أن الحداثة أخطر من ذلك بكثير، فهي اتجاه فكري أشد خطورة من اللبرالية ومن العلمانية ومن الماركسية وكل ما عرفته البشرية من اتجاهات ومذاهب هدامة، ذلك أنها تتضمن كل هذه المذاهب والاتجاهات، وهي لا تخص مجالات الإبداع الفني أو النقد الأدبي، ولكنها تعم الحياة الإنسانية في كل مجالاتها المادية والفكرية على السواء. السؤال: ما هو نصيب الماركسية من الحداثة، وما هو موقف الحداثيين بعد انهيار الشيوعية؟ الجواب هذا سؤال مهم جداً، وكنت أريد أن أتعرض له في أثناء حديثي، لكن ما قضيناه هو ساعة لا يمكن أن تستوعب الكلام عن الحداثة وإعادة البناء. فـ الحداثة هي جزء من إعادة البناء وتعني الحداثة بالنسبة لـ غورباتشوف التغلغل الأدبي داخل الغرب، أي: لا نستطيع أن نقوم بثورة حمراء، عندما كانوا يقولون: يا عمال العالم اتحدوا، لم يكن هناك عمال لكي يتحدوا، لكن الآن يتغلغل داخل أوروبا الغربية وداخل العالم عن طريق الحداثة. وهناك مفكر شيوعي حداثي فرنسي اسمه هنري لوفيفر له كتاب " ما الحداثة " ويقول في كتابه هذا: إن الحداثة هي ظل الثورة الغائبة هنا والناقصة هناك - ويقصد بـ (ظل الثورة الغائبة هنا) أي في باريس و (الناقصة هناك) أي في موسكو - الحداثة تريد الوصول إلى الشيوعية النهائية بأسرع مما تريده الثورة الحمراء الدموية. ولذلك فـ الحداثة تعتمد على شيء مهم جداً -كما تعلمون- وهو العاطفة لا العقل، اقرأ أي قصيدة حداثية، وحاول أن تحللها بعقلك، إذا قلت: أن هذا مشبه وهذا مشبه به، وهذا مجاز فإنه سوف يسخر منك ويقول لك: هذا كلام سخيف، وهذا كلام غريب، وهذه كلاسيكية وهذا تقليد، لكن القصيدة الحداثية تقرؤها ولا تفهم منها شيئاً، والقصة الحداثية تقرؤها ولا تفهم منها شيئاً. يقول: لأننا لم نعد نخاطب القوالب العقلية الجامدة، وهذا ما يقوله الشيوعيون: إن كلام كارل ماركس ولينين كانت قواعد علمية، قواعد مقننة مقرة ذهنياً، والآن العالم لا يحتمل الفكر المقنن، العالم الآن يجري ويبحث ويلهث ووراء عاطفة، وراء خيال بعيد عن إطار العقل. ولهذا يقولون: إن غاية الإنسان وحقيقة الإنسان في شيئين، الأول: الحلم، والثاني: الجنون، وفرويد عبر عن ذلك بالعقل الباطن، والحداثيون يقولون: الجنون، ولهذا زعماء السيريالية في العالم والدادية والتكعيبية وكل المدارس الحداثية كلهم من مدمني المخدرات، لماذا؟ لأن المخدرات تجعل الإنسان يفقد العقل وتجعله يعيش في أوهام الخيال. وهذا هو الشعر الذي كان يأتي به شعراء الحداثة كـ برايكون وأمثاله، ويأتي بشعر غامض وذلك بعد أن يحشش، وهذا الشعر غير مفهوم وتنطبق عليه صفات السريالية والحداثة. لكن الشعر الذي يمليه العقل يكون فيه علاقات عقلية أو ربط عقلي بين أجزائه وهذا لا يريدونه، فإذاً عملية البناء تشمل التغلغل داخل المجتمعات الغربية بهدم القوالب العقلية، سواء ما كان منها في الاتحاد السوفيتي أو في خارج الاتحاد السوفيتي، فـ الحداثة موظفة توظيفاً خاصاً لأغراض البروستريكا أو إعادة البناء.

стр. 2217

البديل الذي ينادي به من يثور على الشيوعية السؤال لا شك أن من أسباب قيام الشيوعية ردة الفعل عند الرأسمالية، شأنها في ذلك شأن جميع المذاهب الفكرية، إلى أن يقول: فما هو البديل الذي ينادي به الآن من يثور على الشيوعية، لا سيما أن جميع الفلسفات والنظريات قد أفلست؟ الجواب البديل الآن الذي ينادى به أن وظيفة الدولة ليست العقيدة، يقولون: الدولة ليست وظيفتها العقيدة -وهذا كلام مخالف لكلام كارل ماركس ولينين، الذين يقولون: وظيفة الدولة هي العقيدة- الآن وظيفة الدولة هي الرفاهية، فكل العالم الآن الشرق والغرب يبحثون عن الرفاهية، وعلماء السياسة -وبعض الإخوة في كلية الآداب يدرسون هذه النظريات- يقولون: إن الدولة الحديثة وظيفتها الأساسية تحقيق الرفاهية لشعبها، أما التركيزعلى العقيدة والتأكيد على العقيدة فهذا كلام مضى. فحدثت عدة حوادث أرغمت غورباتشوف على ذلك، نذكر منها حادثتين. الحادثة الأولى: حادثة الإشعاعات النووية التي تسربت من تشر نوبل هذه الحادثة جعلت الاتحاد السوفيتي يقف عاجزاً لا يستطيع أن يعمل مضاداً للإشعاعات؛ فاستعان بالتكنولوجيا الغربية. الحادثة الثانية: الزلازل التي حدثت في أرمينيا، وكان الاتحاد السوفيتي الذي ينافس أمريكا على غزو الفضاء، لم يستطع أن يأتي بحراثات لنشل الجثث ونشل الضحايا، فاستعان بالأجهزة الغربية. هاتان الحادثتان جعلتا غورباتشوف يعلن أننا مفلسون في التكنولوجيا، وكذلك انهيار البلد اقتصادياً واحتياجه إلى القمح واحتياجه إلى السكر. أحد الصحفيين العرب ذهب إلى موسكو لكي ينظر إلى ما حدث من تغيير وما هي أسبابه، فقال: لا يوجد سكر ولا قمح، ولذلك يرفع غورباتشوف شعار الرفاهية كما يرفعها بوش أو غيره. والبديل الآن ليس بديلاً عقائدياً وإنما هو بديل اقتصادي بحت، فالدولة التي تحقق أكبر قدر من الترفيه لشعبها هي الدولة النموذجية المثالية، هذا بالنسبة لشعبها، أما خارج شعبها فالقوة العسكرية هي الأساس، ولهذا روسيا رغم انحطاطها في كل شيء إلا أنها متفوقة جداً في مجال واحد وهو المجال العسكري.

стр. 2218

السر في انهيار الشيوعية السؤال ما هو السر في انهيار الشيوعية في هذا الوقت بالذات، وفي جميع البلاد الشيوعية وكأن الأمر يسير حسب خطة مسبقة؟ الجواب أنا ضربت للإخوة فيما سبق، مثل تمثيلية تعرض لمدة ثلاث ساعات، فانتهى الوقت وبقي من المسرحية فصلين أو ثلاثة، فقاموا بعرض الباقي باللقطات السريعة، أي فعلاً لينين غير، وبرجنيف غير، ثم قالوا: غورباتشوف يمكن ألا يثبت، ويمكن ألا يأتي زعيم آخر تتوفر فيه جميع الصفات، فبدأت الحركة سريعة جداً، وبولندا وتشيكوسلوفاكيا وأطول شيء رومانيا بقيت حوالي شهر وانتهت، فهي حركات مسرحية درامية كما يعبر المسرحيون. فلا شك أن ذلك يسير على خطة محكمة مبيتة، فمن غير المعقول أن تكون صدفة، قالوا: الظلم، والظلم موجود من البداية، ثم يقول: اهترأت الأحزاب وتآكلت الثورة، التآكل موجود، ولكن أن تتآكل وتسقط في ظرف أسابيع متتالية فهذا مستحيل؛ إلا أن يكون بخطة محكمة مدبرة.

стр. 2219

موقف اليهود من انهيار الشيوعية السؤال يقول الأخ: ذكرتم في كتابكم العلمانية أن اليهود يستغلون الأحداث ولا يصنعونها، فما هو موقف اليهود من انهيار الشيوعية كما ترون؟ الجواب اليهود قد يصنعون بعض الأحداث، لكن من الخطأ أن نقول: إن اليهود يصنعون كل الأحداث ويسيرون كل التاريخ كما في كتاب " أحجار على رقعة الشطرنج "، لا ليس كذلك، لكن نقول: إن اليهود يستغلون أي حدث وهذا هو الواقع، فاستغل اليهود هذه الثورة وإعادة البناء بلا ريب. وذكرنا لكم مثالاً على ذلك وهو هجرة اليهود الروس إلى إسرائيل، وهذا بعض النماذج، وسوف تسمعون بعد ذلك الشيء الكثير، لأن الاتحاد السوفيتي كما ذكر غورباتشوف في إعادة البناء: الغرب يتهموننا بأنا متحيزون مع العرب ضد إسرائيل، ونحن أول دولة اعترفت بإسرائيل. وهذا في نفس كتاب إعادة البناء، فهو صادق وهو الكذوب فعلاً، أول دولة اعترفت بإسرائيل هي الاتحاد السوفيتي وهي معها، لكن اللعبة كانت أن يكون أحد الطرفين هنا والآخر هناك في التعامل مع العرب وإسرائيل، واتفقنا أن نغير اللعبة وأن نغير اللاعبين، وأحياناً لابد من تغيير اللاعبين.

стр. 2220

انتهاء الشيوعية السؤال هل تعتقد أن انهيار الشيوعية عالمياً في أوروبا الشرقية وروسيا يدعو إلى انهيار الشيوعية في العالم العربي، رغم اتهامهم للشيوعيين في روسيا وفي شرق أوروبا بالرجعية؟ الجواب في فرنسا كان يقال: (لا تكونوا ملكيين أكثر من الملك) أيام لويس الرابع عشر، فعندنا الآن شيوعيون أكثر من الروس، فلا يزال هناك في العالم الإسلامي من يقول: هذا غورباتشوف عميل للغرب، أو هدم الشيوعية وهي في أوج قوتها ويمكن أن تستمر، أي: يرى أن إعادة البناء ليس لها أي داعٍ، نعم يوجد هذا الشيء لكن في النهاية سوف تسقط بلا ريب جميع الأحزاب إن شاء الله.

стр. 2221

دور الجهاد الأفغاني في سقوط الشيوعية السؤال ما هو دور الجهاد الأفغاني في انهيار الشيوعية؟ الجواب ليس هناك شك في أن الجهاد الأفغاني كان له تأثيره المباشر في عملية إعادة البناء، ولا أقول انهيار الشيوعية بإطلاق فيفهم أنها انهارت بسببه؛ لأنني قلت: إن المسألة فيها نوع من التغيير ونوع من المكر الجديد، لكن لا يوجد شك في أن الجهاد الأفغاني الإسلامي كان له أثر واضح، وكان له من الآثار ما أقر به الجميع ومنهم الروس ومنهم الغرب، لكن لا يصح لنا أن نقول: إنه مجرد أن انسحبت روسيا من أفغانستان تغيرت الشيوعية فهذا ليس صحيحاً، لكن انسحابها من أفغانستان هو جزء من إعادة البناء، فالجهاد الإسلامي عجل فيه وأثر فيه بلا شك، وكان من الأسباب التي جعلتهم يدرسون الموضوع بدقة أكثر. وأنا بهذه المناسبة أذكر شيئاً عن اللعبة الدولية وهو: أنها إذا أريد لها أن فإنها تتم، تتم بأساليب ذكية وخفية، وقد كان غورباتشوف يريد أن يغير كل الجهاز العسكري الأعلى في الدولة، حتى يستطيع أن يسيطر ولا يبقى له منافس، فماذا عمل؟ دبرت له حادثة سمعناها جميعاً وضحكنا لها وفوتناها جميعاً، ولم نحللها لأنها لا تحلل. شاب ألماني ركب طائرة هوائية صغيرة، وأخذ عشيقته في الطائرة، وأقلعوا من ألمانيا ومشوا على مسافة قريبة من الأرض، واخترقوا الاتحاد السوفيتي ونزلوا في الساحة الحمراء في موسكو -سبحان الله- اندهش العالم كله حتى أمريكا، كيف هذا الشاب يعمل هذا الشيء وبطائرة شراعية، وعشيقته معه، حتى يقولوا في العالم الإسلامي: أكيد أن هذا صاحب حب، وليس برجل مخابرات مدرب، ولا هي امرأة استخبارات مدربة، إنما هي حكاية عشق وحب هكذا، ويخترق الحدود جميعاً والرادارات الضخمة، وأين ينزل؟ في الساحة الحمراء! أي: أن جورباتشوف ينظر من الشباك فيرى الطائرة في الأسفل، ما هذه السخافات. ثم يحصل التمثيل الواضح وهو: أن ينفعل غورباتشوف ويصدر قرار إقالة وزير الدفاع، وإقالة القائد العام للطيران، وإقالة القائد العام للدفاع الجوي، فهل تستحقون أن تكونوا وزراء وهذه الطائرة الشراعية قد فعلت كل هذا! فقضى عليهم وتفرد بالسلطة. فنقول: إن هناك أحداثاً تكون كالقشة ولكنها تقسم ظهر البعير -كما يقال- أي: إن الأمر مبيت من قبل، ولكن تأتي أحداث تدفعه أكثر وتؤثر فيه وتوجهه، أو تُستغل وتوضع كأنها السبب الأساسي، والسبب ليس هذا. ومع ذلك فالحمد لله أن الجهاد الأفغاني -بغض النظر عن الروس- أثر في الأمة الإسلامية الخاملة المريضة التي ما كانت تعرفه تقريباً؛ وقد عرفته ولكن بشكل مغمور. وكان عندنا أحمد الشفيري يلبس البدلة الشيوعية وهي نفس بدلة ماو بالضبط، كان يراد ألا تكون هناك أي حركة جهادية في العالم الإسلامي إلا أن تكون حركة شيوعية اشتراكية، ولكن الحمد لله أثبت المسلمون بالجهاد الأفغاني والأرتيري والفليبيني أنه يمكن أن يوجد جهاد حقيقي، ويقاوم أقوى وأعتى الدول، وأن الحل هو الجهاد وليس هذه الأحداث الثورية.

стр. 2222

مقولة: (المادة لا تفنى ولا تستحدث) السؤال هل هذا القول صحيح 'المادة لا تفنى ولا تستحدث' مع العلم أن هذا هو الذي ندرسه في مادة الكيمياء، يقول: هل هذه القاعدة هي من أسباب انهيار الشيوعية في المجال الفكري وفي المجال الفلسفي؟ الجواب نحن المسلمون نعرف أن هذا خطأ، أي أن هذا الكلام خطأ إن كان يقصد به أن هذا الكون قديم لا أول له، وباق لا آخر له من غير رب، أما لو فسرت العبارة بأن الله خلق الكون وجعل المادة تتغير من حال إلى حال ولا تنتهي، ولكن هو الخالق وهو الذي يقلبها ويسيرها، لو فسرت على هذا القول يكون الخلاف فقط في الأولية. أما النهاية فنحن نعلم أن أهل الجنة خالدون فيها أبداً لا نهاية لوجودهم، فالجنة لا تفنى، والله لا يفنى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص:٨٨] فمع ذلك نقول: بقاء الله ليس كبقاء الجنة، أي أن بقاء الجنة ليس كبقاء الله، لأن بقاء الله ذاتي منه ، أما بقاء الجنة فهو بإبقاء الله لها. ونحن نعتقد - أهل السنة والجماعة - أن السماوات والأرض هذه لن تعدم عدماً كاملاً مطلقاً ثم تخلق من جديد، وقد أوضحنا هذا من قبل، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة أنها تبدل، والإنسان يفنى ويبقى منه عجب الذنب، ثم يركب منه خلق آخر، كذلك السماوات والأرض لا تفنى بالكلية وإنما تبدل: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨]. فهم يقولون: إنها لا تفنى، ولكنها تتحول من نسب كمية إلى نسب كيفية أو العكس، فهو كلام قد يكون فيه شيء من الصحة، لكن إذا فسر بمعنى يخالف الكتاب والسنة فهو مرفوض مرجوع، أما من الناحية العلمية البحتة فلا شك أن مثل هذه النظرية كانت من أسباب هدم المبدأ الشيوعي من الناحية الفلسفية.

стр. 2223

القراءة في كتب الشيوعية السؤال يقول الأخ: ماذا تقولون لمن يقرأ عن الشيوعية وليس لديه ركيزة إيمانية في التوحيد؟ الجواب الأصل أنه لا يوجد خوف، ومع ذلك نقول: لا يقرأ عن الشيوعية إلا من هو مؤهل في القراءة عنها، لكن نخاف على أحد أن يلحد إذا قرأ كتاباً شيوعياً، فهذا غريب وإن كان قد يقع، ونحن إذا قرأنا أو سمعنا أن الرجل زار الفاتيكان واحتفل بمرور ألف عام على الكنيسة، فهل يترك المسلم دينه لهذا الخبر؟! وإذا عادوا هم للثالوثية الصليبية التي وضعها لهم بولس وزورها عليهم، فهل نترك نحن ديننا دين إبراهيم ودين الحنيفية لأجل ذلك؟ هذا لا يمكن أن يقع من مسلم، لكن يفضل ألا يقرأ أحد هذه الكتب إلا من كان أهلاً لذلك.

стр. 2224

بشائر هذا الدين السؤال الأخ يقول: أخفتني يا شيخ، فهل من بشائر لهذا الدين؟ الجواب بالعكس أنا قلت: سنفتح روما كما قال النبي ﷺ -بإذن الله- ففي الحديث أن أحد التابعين سأل عبد الله بن عمرو أي المدينين تفتح أولاً؟ قال عبد الله بن عمرو مدينة هرقل تفتح أولاً، فـ مدينة هرقل فتحت وبقيت مدينة روميا وستفتح -بإذن الله- وسيبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولا شك أن المستقبل للإسلام بإذن الله. ولو لم يكن فيها إلا الملحمة الأخيرة، وقد أثبت فيها النبي ﷺ أننا سوف نغلب الروم وسوف نهزمهم، عندما ينقسم المسلمون ثلاثة أقسام: ثلث ينهزمون فهم من شر خلق الله حينئذ، وثلث يقتلون فهم من خير الشهداء عند الله، وثلث ينتصرون، فهذا أيضاً موجود في آخر الزمان. وإذا جاء عيسى ﵇ فإنه يضع الجزية، أي: ينسخ حكم الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا الإسلام أو السيف، فسوف يدين العالم بأكمله بدين الإسلام -بإذن الله- والبشائر كثيرة، فلا نخاف. فهناك فرق بين أن نخاف فلا نأمل، وبين أن يوجد عدو قائم ولا أحد يحذرنا منه، كما قلت: من أين نجد التحليل الحقيقي لما يدور في الغرب، لا نجده، بل يتكلم عن العملية هذه وغيرها من الأحداث على أنها تغييرات وعبور وأشياء شخصية، ويُعلق عليها تعليقاً عادياً مثل أي كلام، لكن لو وعت الأمة الإسلامية خطورة الوضع وعرفت حقيقته، فهذا لا يميتها ولكن هذا يستنهض الهمم، حتى لا نتولى فيستبدل قوماً غيرنا، فنكون كما قال تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، وبإذن الله سننتصر وقد مرت الأحاديث في نصرة الطائفة المنصورة.

стр. 2225

مضمون كتاب المستقبل لهذا الدين السؤال عن كتاب المستقبل لهذا الدين لـ سيد قطب ﵀؟ الجواب بالنسبة للشيخ سيد قطب ﵀، فإنه نقد كلام " رسل " في أن المستقبل للشيوعية، وذكر في كتابه المستقبل لهذا الدين، أن الشيوعية هي المؤهل لأن تسيطر كفكرة بشرية مادية غربية، وبعد أن تسيطر يأتي الإسلام ويتفوق عليها ويلغيها فتكون العاقبة للإسلام، لكن رسل يرى أن الغرب هو المواجه، والإسلام غير وارد في ذهنه أصلاً، ويرى أن الذي سيسيطر في النهاية هي الشيوعية أو أي مبدأ آخر كما يراه.

стр. 2226

المقصود بالصراع بين الطبقات عند الشيوعية السؤال ما المقصود بالصراع بين الطبقات عند الشيوعية؟ الجواب كلمة (الطبقة) عند الشيوعيين اختلفوا فيها، وإلى الآن لم يتفق الشيوعيون على معنى محدد لكلمة "طبقة" لكن نحن نستطيع تقريباً أن نقول: أصحاب المصانع طبقة، العمال طبقة، فهذا أوضح شيء، فالصراع بينهما حتمي، فـ الشيوعية لا تقول: الصراع ممكن، بل تجعله حتمياً، ومن الصراع بينهما تنشأ القوة الثالثة، تطبيقاً للنظرية الجدلية التي هي الديالكتيك أو الجدلية، ويمكن الآن ألا تجد جريدة يومية إلا وتقول من منظور جدلي، ومن مفهوم جدلي، هذه هي نظرية هيجل التي أخذها كارل ماركس أن الأشياء تحمل نقيضها في ذاتها. إذاً نبسط المسألة فنقول: عندنا عمال في بريطانيا ً -مثلاً- وعندنا أصحاب العمل -مثلاً- فلابد أن يتصارع العمال وأصحاب العمل ويثوروا، النهاية تخرج قوة البروليتاريا أو الحكومة العمالية حيث تكون الملكية مشاعة للجميع، لا العمال يملكون ولا الشركة تملك، وإنما لكل حسب جهده وحسب طاقته وحاجته، فهذه الشيوعية خيالية. والواقع: أنه في بريطانيا -كما قلنا- لم تنجح فيها الشيوعية فأصحاب العمل تنبهوا إلى خطر ثورة العمال فقاموا وقالوا: لكل عامل من العمال الحق في أن يكون له أسهم في الشركة. على سبيل المثال: يوجد بنك رأس ماله عشرة ملايين دولار يعمل فيه عدد كبير من العمال، وأيضاً هناك عمال يشتغلون في السيارات في الورش، لكن لو نجحت الاشتراكية فيهم لثاروا على البنك، خاصة إذا قال لهم الشيوعيين: خذوا مليوناً، أو كل واحد يؤمل أن تكون العشرة مليون دولار في جيبه، كما أخبر النبي ﷺ : ﴿يحسر الفرات عن جبل من ذهب في آخر الزمان، فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون كل يظن أن الجبل له﴾. فكيف يتخلص البنك من هذه العملية؟ قام بوضع حوالي (٥٠%) مثلاً أسهم، فيشترك الناس كلهم العمال والموظفون وغيرهم ويكون لهم أسهم في البنك، فلن يأتوا بعد ذلك إلى البنك، فقد أصبح البنك كله للناس، ولو كان ما تملكه عشرة ريال، فإنك تقول: دع البنك يبقى من أجل العشرة التي لي، فانتبه الاشتراكيون لمثل هذا الشيء، وشركات السيارات الضخمة انتبهت لهذه النقطة أيضاً، وعمال السيارات يقولون: من حقك أن توظف دخلك ليكون لك أسهماً في الشركة، فساهم في الشركة واتفق مع صاحب العمل، أو يأتي صاحب العمل ويقول للعمال: كل عشرين عامل ينتخبوا عاملاً، ونعقد مجلس شورى يتكون من رؤساء العمال، وهذا العامل هو في الأصل مندس بينهم، فيصير مجلس الإدارة مرتب على هوى رئيس الشركة، والعمال يقولون هذا جيد! فإذا أتى الشيوعي وقال: يا رجعيين، يا إمبرياليين، يا برجوازيين، ثوروا، فسيقولون: على من؟! هذا لي وأنا مرتاح له! أيضاً الشركات أصبحت تعطي سكناً صحياً، تعطي تأميناً اجتماعياً للإصابات، وللأضرار، فيقول لك الناس: لماذا تريد أن نكون شيوعيين؟! فنظرية ماركس لم تعد حتمية، لأن الواحد بعقله على الأقل في ظاهر الأمر أنه لا يوجد داعٍ لأن يثور، ولا حتمية، وهذا كله كلام لا فائدة منه.

стр. 2227

نصيحة للدعاة إلى الشيوعية السؤال أرجو أن توجه كلمة إلى أناس من بني جلدتنا يتكلمون بلغتنا ولا يزالون يتبنون الشيوعية ويتمسكون بها، ويصفون من حاد عنها بالمرتدين؟ الجواب نحن قرأنا جرائدهم، وبعضها قرأناها سوية في أحد الأيام، يقولون: كيف تخرج طالبات الثانويات يطالبن بالحجاب؟! وكيف وكيف؟! والأحزاب المنشقة يقولون: مرتدة مرتدة، مرتدة على ماذا؟! مرتدة على الشيوعية الحرفية اللينية الماركسية، هذه ردة عندهم! فكيف نوجه لهم: لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي لا نوجه لهم إلا أن نقول لهم: اتقوا الله وعودوا إلى الله، لكن الذي يهمنا حقيقة هو أن نوجه الكلام لكم أنتم يا جنود الله الذين سيرغمون هؤلاء على الحق، أما الأذناب فيظلون أذناباً، وأضعف الإيمان أن يهتدي أولئك الأذناب، فإن الأسياد تركوا وهم ما تركوا، فليس لنا إلا أن نقول لهم: اتقوا الله، وتوبوا إلى الله، هذا كلام نقوله لأن الله ﵎ أمرنا به، فقط إقامة للحجة، ومعذرة إلى الله، وإلا فهم من أبعد الناس عياذاً بالله عن الرجوع إلى الله ، فهم كأفراد قد يهتدي بعضهم، أما ككيان لا يرجع إلا إذا أرغمهم الأسياد، ونحن لا نريدهم أن يفعلوا ذلك، بل نريد أن نكون نحن الذين نرغمهم -بإذن الله- بالعقيدة الصحيحة، وبالعلم الصحيح وبالجهاد الإسلامي الحق المستجمع لجميع شروط الجهاد، والذي يسير وفق المنهجية المرحلية التي تسير بها الدعوة الإسلامية بلا ارتجال ولا عشوائية.

стр. 2228

خطر الطلبة المبتعثين السؤال هل يشكل الطلبة المبتعثون إلى الغرب خطراً على بلادهم عند رجوعهم إليها؟ الجواب الاشتراكية والفكر الشيوعي دخلت كل بلد، والطلبة المبتعثون في الغرب من جميع البلاد يوجد بينهم أحزاب أو منظمات متأثرة بـ الشيوعية، لكن ليس لهم أي قيمة، ولا يشكلون أي خطر -بإذن الله- .

стр. 2229

البديل للشيوعية ومقاومتها السؤال بعد انهيار الشيوعية والنظام الاقتصادي القائم، فماذا تتوقعون البديل، كما أنه ظهرت مدارس فكرية وأدبية منحوتة شقيت بها الإنسانية كـ الوجودية وغيرها، فماذا تتنبئون لهذه المدارس، وما هي توقعاتكم للـ رأسمالية؟ الجواب الله هو العالم، لكن نحن نرى في الجملة أن الوجودية سقطت كما أن الاشتراكية سقطت، والأفكار الشرقية والغربية لم تعد تكفِ الإنسان أبداً، فيظل الغرب يتميز ويتفوق علينا بشيء واحد وهو القوة العسكرية، لأننا كما هو الظاهر الآن والعلم عند الله كم من القرون ستمضي حتى نستطيع أن نكون مثلهم؟ مع العلم أن لدينا القوة العظمى التي يفتقدونها، لا شك في ذلك. لكن نقول: إن تفوق الغرب ينحصر في قوته العسكرية وقوته المالية والاقتصادية، أما النواحي الفكرية فقد أفلست تماماً، حتى الوجودية أفلست وغيرها ولم يبق إلا فتات وهراء، وهذه فرصة عظمى لنشر الإسلام، لكن لا يعني ذلك أن نشتت جهودنا لهداية أفراد أو آحاد من الغرب، ليس هذا هو المقصود. لكن نقول: إن الغرب إذا أفلس مهما كان قوياً عسكرياً، إذا كنا على عقيدة صحيحة على الكتاب والسنة، وعلى الدين الذي لا يقبل الله تعالى سواه، وعلى مذهب أهل السنة والجماعة، ومنهاج الفرقة الناجية، وأقمنا الإسلام هنا في بلاد الإسلام، فعند المواجهة مع الغرب -بإذن الله- سوف يذعن الغرب ويركع ويخر للحق -بإذن الله- وسيدخل منهم من يدخل في الإسلام. كما تعلمون في معركة اليرموك أن العدو هو العدو، والروم هم الروم، جورجيف الذي كان من قواد الروم أسلم وبين للمسلمين عورات الصليبيين وانتصروا -بإذن الله- وهكذا عندما يصبح المسلمون قوة سوف يسلم الغرب جماعياً، ومنهم من يكون طوعياً ومنهم من يكون مكرهاً، والمشكلة -والله أعلم- في تحليلي أنها ستبقى مشكلة التفوق في النظام، التفوق في القوة، والتفوق في الاقتصاد، ونحن مازلنا كما ترون عالة عليه، والأدهى أن الإعالة قد تكون في الحالة الفكرية، يعني أننا لم نتحرر فكرياً بعد. وبهذه المناسبة نقول: إن التحرر من الغرب ليس صعباً، لكن لا يطيقه إلا أصحاب العقائد القوية، كانت المعركة بين فيتنام الشمالية، وفيتنام الجنوبية، وكما تعلمون أن الأمريكيين كانوا يحكمون فيتنام الجنوبية وكانت أقوى الطائرات وأحدث الطائرات الأمريكية تضرب الفيتناميين الشماليين، فماذا حصل؟ كان الشيوعيون الفيتناميون الشماليون يتحدون الغرب وعندهم مبدأ وعقيدة، فأنشئوا الجامعات تحت الأشجار، وأنشئوا الورش تحت الأرض، وطوروا أنفسهم واستمروا يقاومون الأمريكان ويعملون، وفي النهاية يحتلون فيتنام الجنوبية. وغيرهم كثير مثل الصين الوطنية، وكوريا الشمالية والآن أمريكا منزعجة جداً من قوة كوريا الشمالية لأنها مقبلة على التصنيع، أي أن التحرر من الغرب ممكن، ولكن المهم وجود الإرادة، وهل هناك إرادة أقوى من إرادة المسلم صاحب العقيدة الصحيحة، لا يوجد أبداً، الذي يعرف أن هؤلاء كفار وأنه لا يجوز موالاتهم، وأنه يجب جهادهم، وأنه يجب الاستغناء عنهم، فهذه تعطي المسلم إرادة، ولو عصبنا الحجارة على بطوننا على ألا نشتري منهم شيئاً حتى ننتج بأنفسنا لفعلنا ذلك، ونحتسب ذلك عند الله ، وإن كنا نألم فإنهم يألمون كما نألم كما ذكر الله ؛ ونرجو من الله ما لا يرجون.

стр. 2230

أصل جورباتشوف السؤال ذكر الشيخ أبو بكر الجزائري في إحدى محاضراته أن غورباتشوف مسلم وأمه مسلمة وهو من أصل تركي؟ الجواب لا أدري والله، إذا كان قال الشيخ ذلك فلابد أنه استند على شيء، لكن أنا ما عندي علم في ذلك، لكن على أي حال لا يهمنا، أما أن كل مولود يولد على الفطرة فهذا صحيح، لكن غورباتشوف الآن سيكشفه الزمن.

стр. 2231

ماذا عن الترف السؤال يقول الأخ: موضوع الترفيه؟ الجواب نسأل الله ﵎ أن يصرف عنا وعنكم موجبات غضبه وانتقامه، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦] كنا في الماضي ننتظر متى يأتي موسم الحج ونفرح بقدوم الحجاج، هذا يخدمهم، وهذا يحمل لهم المتاع، وهذا يعمل عندهم، وهذا يطبخ لهم، المهم كان دخلنا هو هذا الشيء، أن نخدم عباد الله لنقتات، وكنا محافظين على أصالتنا وعلى عقيدتنا وعلى الكثير من الخلال الحميدة التي كانت فينا وهذا حق. فلما أغنانا الله ووسع علينا وبنينا البنيان العالية وجاءت الطفرة وإذا بنا نرى الألعاب في مدن الكفر ونريد أن نقيم مثلها هنا، هذا -والله- إنه نذير شر وشؤم، هذا هو الترف، وهذا هو داء الأمم، ليس هذا ترفيهاً والله، نحن ما عدنا من جبهات القتال حتى نقول: نتنزه على البحر يوماً أو يومين، بل على العكس نأتي من سهرات على التلفزيون أو الفيديو أو في الليل نسهر على البحر، ما الفرق، هنا سهرة وهنا سهرة! وأعمالنا الإدارية! نحن نعرف ماذا نعمل في الإدارات، نقرأ الجرائد ونشرب الشاي، إلا من رحم ربك، وأعمالنا الدراسية معروف الآن ماذا نَدرس وماذا نُدرس، فلابد أن ننظر فنحن أمامنا أهوالاً عظيمة. ووالله لو أن الإنسان تفكر في مصيره ومآله واعتبر فيما يرى، واعتبر حتى بهذا البحر الذي أمامنا، فالله أغرق به أمماً أعظم منا. أغرق الله ﵎ قوم نوح وهم أعظم منا. وأغرق الله فيه قوم فرعون الذي حضارتهم أعظم من الحضارة الحالية الآن في كثير من الأمور لم يصلوا إلى مثل ما أنتج فرعون، وذكر الله ﵎ ذلك لنا في القرآن. كل ذلك بسبب الفساد يقول الله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٤] وقال: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣]. نعوذ بالله من غضب الله، عذاب الله ما هو ببعيد أبداً إذا أراده، فإنه إذا أراد شيئاً فإنما يقول له: كن فيكون، فكيف ندفع عذاب الله ؟ ندفعه بتقوى الله، وندفع الأعداء بالتقوى والصبر، وندفع عذاب الله القدري الكوني بالتقوى والإيمان، وبالدعوة والضراعة إلى الله، وبالإنابة، أما الطغيان والترف واللهو واللعب فهذا شيء ما خلقنا له: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢]. يا سبحان الله! نحن الذين أورثنا الله الكتاب واصطفانا، ونريد أن نكون كالذين أوتوا الكتاب، يكون في بلادنا تعرٍ، وانحلال، وتفسخ، وترفيه -كما يسمى- ألهذا خلقنا؟! أهذه رسالتنا إلى العالم؟! يأتينا هذا الغربي الكافر الذي لا يجوز أن يطأ بلاد الإسلام والطهارة، فبدل أن نقول: قد جاء فلابد أن ندعوه ونهديه، إلى الإسلام فيأتي ويجد البلاد مثل بلادهم، والتعري مثل التعري عندهم، ولا يشعر بالغربة أو يحس بأنه فقد شيئاً! والله اليوم وأنا آت من مكة قابلني إنسان -عامل بسيط كنت أريد أن يصلح لي شيئاً في البيت- فقال لي: أنا اشتغلت في الدمام وفي جدة، فقال: ما هذا الذي في جدة، شيء عجيب! ذهبنا إلى البحر في يوم الجمعة، وكله فساد، كله مثل الهنود ومثل عباد البقر، أين الدين أين الإيمان؟!! والله لقد وعظني موعظة عظيمة تحز في نفسي، وهو ما يعرف شيئاً ولا يعرف أن يقرأ الفاتحة! نحن بهذا نرضي الكفار ونغضب الله أولاً، ونغضب المؤمنين الذين يرون هذه المناظر، نحن تبلدت قلوبنا ومشاعرنا وأحاسيسنا، ونعوذ بالله أن يعمنا الله بعقاب من عنده، ونبرأ إلى الله من كل معصية له، حتى إن متنا فيبعثنا الله ونحن على هذه النية، وإن قدر الله لهم السلامة ولنا فنكون قد عملنا الواجب علينا، ونسأل الله ﵎ أن يعافينا دائماً، فنحن والله ننكر هذا كل الإنكار، ولا يجوز لواحد منا وأنتم والحمد لله فيكم المسئولون ومن له شأن ودور وتوجيه، لا يجوز لأحد منا يستطيع أن ينكر هذا الأمر إلا وينكره بما يستطيع في أسرته، وفي عمله، وفي مدرسته، وبيده إن كان من أهل الولاية، ونتعاون على البر والتقوى كما أمر الله ﵎. وختاماً: أسأل الله ﵎ لي ولكم التوفيق والسداد، وأن ينفعنا بما نسمع وبما نقول، وأن يحيينا على هذا الدين القويم ويبعثنا عليه، إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين.

стр. 2232

رسالة إلى فتاة الإسلام ألقى الشيخ هذه المحاضرة في الفترة التي تلت -مباشرة- المظاهرة النسائية المشبوهة التي خرجت في الرياض داعية إلى السماح للمرأة بقيادة السيارة، فاستعرض الشيخ هنا التاريخ الذي مرت به دعوات تحرير المرأة في بداية تغلغلها في البلاد العربية، ونفاذها إلى مصر بداية، ثم استعرض الدور التاريخي الذي نمت فيه هذه الدعوة في السعودية، ومظاهر الفساد التي تم تسربها شيئاً فشيئاً، مستعرضاً بدايات ذلك في التلفزيون، والصحافة، والكلام فيها عن المسائل الشائكة حول تحرير المرأة، والجمعيات والنوادي النسائية، والنساء الغربيات في السعودية، وغيرها من الأحداث الهامة التي تبين تطور هذه الظاهرة في بلاد الحرمين.

стр. 2233

إلى من هذه الرسالة ؟ الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وجزى الله خيراً القائمين على التوعية الإسلامية في هذا البلد الحرام، وجزى الله خيراً كل من أسهم في نشر الخير ونصح الأمة وبيان الحق لها، ممن لم يتركوا لنا مجالاً للحديث في هذه القضية التي نحن -ولله الحمد- في غاية الفهم وغاية العلم بها، وهي في غاية الوضوح لدينا. إن الرسالة التي كنت أريد أن أوجهها إلى الفتاة المسلمة دارت في ذاكرتي بشأنها أمور عدة: قلت: إلى من أوجهها؟ هل أوجهها إلى الفتاة المسلمة في مصر، البلد الذي كان أول من عانى من التغريب ومن خدعة ولعبة ما يسمى بتحرير المرأة وقضية المرأة، وإذا بي أنظر؛ فإذا بالفتاة المسلمة في مصر قد انتفضت على هؤلاء المجرمين، وعرفت مكرهم وغشهم وخداعهم، وإذا بالحجاب الشرعي الكامل يطرق جامعة مصر، ويطرق جامعة القاهرة التي أنشأها وأسسها دعاة التغريب الأولون لتكون جامعة علمانية، لا أثر فيها للدين، وإذا بالفتاة المسلمة هنالك تتحمل ألوان الأذى وأصناف التعذيب من أجل حجابها، ولكنها متمسكة به، ولا عبرة بالكثرة الغافلة؛ فالمهم أن العجلة قد دارت وأن الزمان قد استدار، وأن الحق قد ظهر وبان، وأن العاقبة للتقوى. قلت: فليكن الخطاب إذاً إلى الفتاة المسلمة في بلاد المغرب التي احتلها الفرنسيون، وفرضوا عليها حضارتهم وعاداتهم وتقاليدهم ودياثتهم وإباحيتهم، فنظرت وإذا بالفتاة المسلمة في الجزائر قد أعلنتها صريحةً على الملأ منذ ما يقارب السنة تقريباً، حين أخرج الشيوعيون في مظاهرة تعدادها قرابة الثلاثة الآلاف، فرد عليهم الإسلاميون -وليس كل الإسلاميين، بل البعض الذين كانوا مقتنعين بالرد وبأن يكون الرد مظاهرة- وخرجت في الجزائر مظاهرة تعدادها على أعدل الأقوال، خمسمائة ألف امرأة، رداً على أولئك الثلاثة الآلاف. وفزع الغرب فزعاً شديداً، وذهلوا ذهولاً عظيماً، -ولا سيما فرنسا - حتى صاح ميتران بملء فيه: 'إذا تولى الأصوليون الحكم في الجزائر، فسوف أتدخل عسكرياً كما تدخل بوش في بنما ' وقلت: لم لا يكون الخطاب والرسالة إلى الفتاة المسلمة في تركيا، البلد الذي كانت فيه أوضح وأعظم دعوة للانحلال من هذا الدين بقيادة اليهودي المجرم اللعين كمال أتاتورك، فقرأنا وسمعنا أن الفتاة المسلمة في تركيا قد عادت إلى إيمانها ودينها، وحجابها، رغم الكيد والأذى والتعذيب، وإذا بالعجلة قد دارت، وإذا بالمسيرة قد بدأت، فقلنا الحمد لله الذي رد كيد الخائنين، الذي لا يصلح عمل المفسدين، والذي جعل العاقبة للمتقين. قلت إذاً: لما لا نوجه الرسالة إلى الفتاة المسلمة في أفغانستان أو الباكستان أو الهند، فوجدنا أن المرأة المسلمة هنالك هي السند بعد الله ﵎ لأولئك المجاهدين جهاداً باليد أو بالدعوة والقلم، وإذا بالمرأة المسلمة هنالك -والحمد لله- تدافع عن دينها وتعيش إيمانها وتسعى وتحرص كل الحرص أن تكون كما يريد الله، وكما كان المجتمع الإسلامي من قبل، فالدعوة هنالك قد قامت؛ والمسيرة -أيضاً- قد بدأت، ولا التفات إلى الوراء، ومنذ أن ذهبت الرافضية من الحكم، فلا عودة أبداً إلى هذه القضية، بل وئدت مسألة تحرير المرأة مع وأد تلك الخبيثة الفاجرة التي ما تولت الحكم إلا بنسج من أيدي أمريكا ومن معها. إذاً من بقي؟ هل أوجه الرسالة إلى الفتاة المسلمة في بلاد الشام، التي لم يُنزع حجابها إلا قهراً؟

стр. 2234

خطاب إلى بنت الخليج ما كنت أظن أنه يأتي اليوم الذي نحتاج أن نخاطب فيه المرأة المسلمة في أرض التوحيد، وبلاد الإسلام ومهد الإيمان، في هذه الجزيرة، في بلاد الحرمين، في هذه الأرض الطيبة التي ما خرجت دعوة؛ ولا قامت نهضة إيمانية، ولا عادت المرأة المسلمة في كل مكان إلى دينها إلا لتقتدي بالمرأة المسلمة هنا، لأنها مضرب المثل في تلك الدول، وإذا بالمفاجأة تأتي، وإذا بالحدث الجلل والخطب العظيم يأتي، وإذا بتلك اللعبة والخدعة الكبرى التي مرت في بلاد الأفغان والترك ومصر وتونس والشام والجزائر إذا بها وفي آخر الزمان، وبعد أن حلّت عروش الطغيان، وبعد أن ولى جيش الظلام، وانهزم الكفر وأهله، وبعد أن قامت الصحوة الإسلامية واستوت على سوقها في كل مكان، وإذا بهؤلاء الناعقات يأتين وفي قلعة وعاصمة التوحيد، ويردن أن يكن مثل أولئك. عجباً والله! من كان يظن أن ذلك اليوم سيأتي، وأن هذا الخطاب سيكون موجهاً إلى الفتاة المسلمة في هذه البلاد، منذ ثلاث سنوات تقريباً، وفي هذا المكان الطاهر بالذات. لما كانت محاضرة بعنوان: (المؤامرة على المرأة المسلمة) كنا نتكلم عن تلك البلاد، أما هذه البلاد فنحذر، ولا نتوقع أن يقع فيها ما وقع، ولكن التذكير والتحذير واجب، وإذا بنا نفتح أعيننا على هؤلاء المستغربات. إن هذا يستدعي منا أن نعيد النظر لِمَ كان الأمر بهذه الكيفية؟! هل هذه هي النهاية؟! وهل هذه هي الغاية؟ أم أنها بداية لمرحلة جديدة، ولماذا هذا التوقيت؟ ومن وراءه؟ وماذا يريدون؟ أسئلة كثيرة هزت كل وجدانٍ وقلب حي.

стр. 2235

الصليبيون واهتمامهم بالمرأة لا بد أنكم تساءلتم: ما ارتباط الدعوة بخروج المرأة، وتمردها على ربها وعلى سنة نبيها، وشريعة دينها، وأولياء أمورها، بالصليبية الغربية، ارتباط ذلك بالحملات الصليبية التي تفد على هذه البلاد الإسلامية كل حين، وما من صفحة من صفحات تاريخنا -واقرأوه- إلا ولنا مع الغرب والصليبيين معركة، ومع كل حملة تفد، تفد معها الدياثة، والتمرد، والانحلال، والخروج، ولأولئك دور وضلع لا يمكن إنكاره في هذا الخروج وفي هذا التغرب.

стр. 2236

الحملات الصليبية الأولى القديمة إنّ الحملات الصليبية الأولى القديمة التي قدمت منذ ألف سنة، قام بها وحوش همج أوروبيون، لا يعرفون حضارة، ولا مدنية، وسخر منهم المسلمون ومن دياثتهم، ومن انحطاط خلقهم، ومن سفالتهم، بما لم يدع مجالاً لأن يُقتدى بهم.

стр. 2237

المرحلة الأولى: الحملة الصليبية الحديثة على مصر لنتجاوز ذلك إلى العصر الحديث -كما يسمى- فأول حملة صليبية قامت في العصر الحديث هي حملة نابليون بونابرت على مصر في مطلع القرن التاسع عشر وأواخر القرن الثامن عشر ميلادي، فعندما قدمت هذه الحملة، واعتبرها البعض بداية لـ حركة تحرير المرأة، ومنهم المرأة المشهورة في الحركة درية شفيق، نظيرة وزميلة هدى شعراوي المشهورة والمعروفة، اعتبرت هذه الحملة بداية لدعوى تحرير المرأة -كما يسمونها- كيف كان ذلك؟ عندما جاء الفرنسيون بعد قيام الثورة الفرنسية التي قامت عام (١٧٨٩م)، ورفعت شعار المساواة، والحرية، والإخاء -الشعارات الماسونية الكاذبة- وجاءوا بنسائهم متبرجات متهتكات. وقد وصف المؤرخ السني الجبرتي ﵀ صاحب التاريخ المشهور عجائب الآثار في التراجم والأخبار، قدوم الحملة وآثارها وكيف تأثرت بها المصريات، وكيف قلدن الفرنجيات في عاداتهن، وكيف أن الأمر تعدى مجرد اللباس إلى صحبتهن في الزوارق على النيل، والرقص معهن والتهتك والتخلع بخلاعتهن، فاعتبرت هذه هي البداية، وفعلاً قد كانت هي البداية. ومن العجيب أن نابليون عندما قدم إلى مصر، وادعى أنه حامي الإسلام، وأنه ما جاء إلا لتأييد الإسلام، بل سمى نفسه محمد نابليون ضحكاً على المسلمين، وسخرية، واستهزاءً بهم، وطالب بالحرية الاجتماعية على نمط الثورة الفرنسية، وقال: 'إن مصر مجتمع متأخر منحط وقال: لا بد من إنشاء حكم يقوم على الطريقة الغربية' مع أن الغرب في ذلك الزمان لم تكن الديمقراطية قد تبلورت عندهم، فكانت الثورة حديثة عهد في فرنسا نفسها. فأنشأ نابليون ديواناً للشورى، وقال: يشترك فيه جميع المسلمين، وانطلاقاً منه بدأت قضية المرأة، ولم لا تشترك المرأة، ولم لا يكون لها دور في هذا المجتمع؟ ولا سيما وقد قال نابليون: 'لا بد أن يكون هذا الديوان ممثلاً لجميع فئات المجتمع' فدخل النصارى -وقد كان النصارى وما يزالون دائماً عملاء للصليبيين الوافدين- ودخلت معهم أيضاً الطوائف الأخرى. فإذاً كانت القضية حملة صليبية، صحبها تهتك، ودعارة، وخلاعة في النساء، ومطالبة بحكم شوروي نيابي؛ فانفتقت الأذهان عن هذه الفكرة الخبيثة، أو هكذا -على الأقل- فهم دعاة إفساد المرأة الذين جاءوا فيما بعد في المرحلة الثانية.

стр. 2238

المرحلة الثانية: حملة صليبية أخرى في هذه المرحلة تجلت بوضوح قضية إفساد المرأة مع ظهور حملة صليبية أخرى في عهد إسماعيل باشا ابن إبراهيم باشا المشهور، كان إسماعيل باشا حاكماً على مصر في أواخر القرن الماضي الميلادي، وقد تلقى تعليمه في باريس، ثم لما تولى حكم مصر، شُقت قناة السويس؛ فكان الاحتفال التاريخي -كما يسمى- حضرته الامبراطورة يوجيني، وحضره امبراطور النمسا، وحضره كثير من زعماء أوروبا المتهتكين المتخلعين، وكان الرجل قد تربى تربية غربية؛ فقام بتطبيق الحياة الغربية بحذافيرها في مصر، أو شرع في ذلك؛ فهو أول من أدخل نظام الجمارك -مثلا- وهو الذي أدخل ديواناً أو مجلساً كما أسماه الشورى بظنه، وأنشأ جمعية عمومية، وعاش في الترف والبذخ، حتى ورط مصر في ديون بلغت مائة مليون جنية، وهي من الناحية المعنوية تعادل اليوم مائة مليار جنية. وفي عهد إسماعيل باشا افتتحت لأول مرة في العالم الإسلامي مدارس للبنات، على نمط مدارس البنين وعلى الطريقة الغربية، تحتوي على سنوات معينة ومنهج كمنهج البنين، ثم مراحل بعضها يتلو بعضاً، كانت هذه هي المرة الأولى، ونتيجة للسيطرة الإنجليزية والفرنسية التي جاءت بسبب هذه الديون بدأت في عهده دعوة الانحلال، والفسق، والفجور، وكان رئيس وزرائه نوبار باشا الأرمني، وكان في حكومته وزيران: أحدهما فرنسي والآخر انجليزي، وفي ظل حكم هذا الرجل قامت ونمت وترعرعت الدعوة إلى الإباحية وإفساد المرأة. حتى أن الإنجليز عندما جاءوا وأجهضوا ثورة أحمد عرابي وقضوا عليها، كان ممن أيد الإنجليز ودلهم وشجعهم على دخول القاهرة وحثهم على ذلك، وقاوم الشعب وقال لهم: لا تقاوموا الإنجليز، وهؤلاء إنما جاءوا لمصلحتنا، وما قدموا إلا لخير البلاد، ولدفع الظلم، ورفعه عنها، ولكي تكون حكومة شوروية انتخابية كان من جملتهم المدعو محمد سلطان باشا، وهو والد هدى شعراوي التي قد يأتي الحديث عنها -إن شاء الله- فالقضية ضالعة عميقة الجذور في العمالة أيضاً. المهم أنه لأول مرة في الشرق عرف ما يسمى "البرلمان" في أيام إسماعيل باشا عام (١٨٦٦م)، ثم خلفه الخديوي توفيق، ولأول مرة -أيضاً- في الشرق يعلن ما يسمى الدستور، فأعلن الدستور في عام (١٨٨٢م)، وفي كل مرة يراد أن توجد حياة نيابية، أو دستورية، أو شورية -إن استخدم المصطلح الإسلامي- تظهر قضية المرأة لأن الأعداء المتربصين يريدون أن يفيدوا من هذا الوضع، فيقولوا: نصف المجتمع لا بد أن يظهر، وأن يمّثل، وأن يكون له دورٌ ووجود، وفي هذه الأثناء وبعدها ظهرت الحركة، وظهر جمال الدين الأفغاني الذي تتلمذ عليه محمد عبده، والشيخ محمد عبده -كما ثبت- هو الذي وضع أكثر كتاب قاسم أمين تحرير المرأة وظهرت دعوة قاسم أمين -المتوفى عام (١٩٠٨م) - وانتشرت الحركة وكان اللورد كرومر المندوب البريطاني يرعاه.

стр. 2239

الحرب العالمية الأولى بعد الحملة السابقة جاءت الحركة الأخرى التي كثيراً ما تنسى أو لا تذكر على أنها حملة صليبية، وهي الحرب العالمية الأولى، ونجد أن التمثيلية نفسها تتكرر، قامت الحرب العالمية الأولى عندما اتفق الإنجليز والفرنسيون على تقسيم العالم الإسلامي، وإخضاعه لسيطرتهم، وبدءوا يشيرون العرب ليثوروا معهم على الترك، فأعلن الإنجليز أنه لا بد أن يكون للعرب حكم مستقل. ومن المكاتبات المشهورة التي كتبها السير هنري مكمهون إلى الشريف حسين يقول: "من السير هنري مكمهون مندوب الدولة البريطانية العلية، إلى الشريف حسين سليل الأسرة الطاهرة العترة الشريفة وكذا ويفيض عليه من المدح وأنك حفيد رسول الله ﷺ ، وكيف يصبح الحكم في أيدي الترك؟! وكيف يكون الأتراك هم الخلفاء والعرب موجودون، والسلالة الشريفة الطاهرة على قيد الحياة ويتولى الأتراك الحكم، والدولة العلية البريطانية تريد الخير والسلام، وعودة الأمور إلى شرعيتها، وتريد أن تنصبكم خليفة على العرب، وزعيماً لهما بشرط أن تقوموا معها، وتثوروا وتخرجوا على الترك، وقد عزمت على إقامة العدل والقضاء على الاستبداد التركي إلى آخر ذلك الكلام. أما لورنس -المعروف بـ لورنس العرب الخبيث والمشهور- فقد خرج وخرج معه العرب المغفلون المخدوعون لمحاربة الترك والاستبداد التركي، يقول لورنس: 'كنت أشعر بتأنيب الضمير، وأنا أرى هؤلاء الناس يخرجون معي، ويقاتلون بني دينهم -يعني الأتراك- أملاً وطمعاً في أحلام ووعود وعدناهم بها ولم تتحقق' لقد كان الضمير يؤنبه، لأنهم ضحكوا على هؤلاء المساكين، فلا شرعية، ولا استقلال، ولا عدل، ولا حق، وإنما هي أطماع صليبية سُخِّرت لهذا الهدف. ودخل اللنبي القائد الإنجليزي القدس وجيشه من الإنجليز والعرب -وفتحوا القدس - فلما وقف على جبل الزيتون، غرس رمحه بقوة وقال: 'الآن انتهت الحروب الصليبية'. وأما الجنرال الفرنسي غورو فإنه تقدم ومعه أيضاً العرب في جيشه إلى دمشق، وقال العرب: لنا حكم بلاد الشام ويكون الشريف هو الخليفة وأبناؤه هم الحكام على هذه المناطق، هذا من عدالة الغربيين، ومن حسن أخلاقهم ومن حرصهم على الشرعية. لما دخل غورو إلى دمشق قال: دلوني على قبر صلاح الدين، فدلوه عليه فأخذ يركله بقدمه، ويقول: قم يا صلاح الدين ها قد عدنا، وها قد انتصرنا، يا ثارات ريتشارد، يا ثارات بوهمند، يا ثارات فلان وفلان من قادة الحروب الصليبية الذين قتلوا أو أسروا في أيام صلاح الدين، وإذا بها حملة صليبية مكشوفة، وإذا بالعرب يخدعون وإذا بالوعود كلها تذهب هباءً. المقصود ليس هذا -فكلكم تعرفونه- لكن انبثقت من خلال هذا: الحركة النسائية أيضاً، فلما انتهت الحرب العالمية الأولى عام (١٩١٨م) وإذا بـ سعد زغلول ومن معه وهدى شعراوي، يخرجون في العام التالي (١٩١٩م) يطالبون بالحرية والاستقلال وقالوا: لا بد أن يكون للمرأة دور، رتب سعد زغلول مع هدى شعراوي -وكانت رئيسة اللجنة المركزية لـ حزب الوفد للسيدات- ومن معها المظاهرة، فخرجت مظاهرة ضد الإنجليز، وخرجت المتظاهرات ونزعن الحجاب. سبحان الله! يتظاهرن ضد العدو وينزعن الحجاب، ما هي القضية؟ وما العلاقة بين نزع الحجاب وبين المطالبة بإخراج المحتل؟! لكنها لعبة مدبرة، مزقن الحجاب وأخذن يطالبن بالحرية والاستقلال!! الحرية مِن مَن من الإنجليز أم من الحجاب الذي مزقنه ونزعنه؟! وجاء الإنجليز بتمثيلية من هنا ومن هناك فأطلقوا الرصاص، وقيل: هؤلاء البطلات الثائرات الرائدات الزعيمات، وإذا بالشعب والصحافة من كل مكان والأحزاب يقولون: المرأة تبذل نفسها من أجل الوطن، فماذا قدم لها الوطن! وإذا بالدعاة -دعاة الإفساد- يقولون: ها هي ذي المرأة تتطوع وتخرج وتقاتل وتواجه المستعمر، فماذا نقدم لها، أتظل حبيسة البيت وقد أثبتت وجودها ووطنيتها. لقد صور الشاعر حافظ إبراهيم خروج المظاهرة وكيف استقبلها الإنجليز، ثم ردت على أعقابها، وسخر من هؤلاء الهزيلات والضعيفات ذات الجنس الرقيق والناعم، حتى هو رغم هذا الموقف شارك غيره من الشعراء والكُتَّاب في الحملة والدعوة إلى مشاركة المرأة في الدفاع عن البلاد، وعن الاستقلال، ومن ذلك القصيدة المشهورة التي كانت في مناهجنا التعليمية وقرأناها وحفظناها، وهي بعنوان: فتاة اليابان، لقد كان حافظ إبراهيم يمجد فتاة اليابان التي اشتركت وتطوعت في الحرب ضد أعداء اليابان في الحرب العالمية والتي قال فيها: لا تلم سيفي السيف نبا صح مني العزم والدهر أبى أنا يا دنية لا أنثني عن مرادي أو أذوق العقبا هكذا الموساد قد علمنا أن نرى الأوطان أماً وأبا فيقول: لا بد أن تخرج وأن تتطوع المرأة، وبالفعل تطوعت المرأة وخرجت في الدفاع عن الوطن، ويا سبحان الله! تبذل نفسها وتقابل الرصاص وتتطوع من أجل الوطن، ثم لا تمنح حرية الحياة ونزع الحجاب وأن تكون كالمرأة الغربية تتحضر وتترقى، وتفوز بالبرلمان، وتدخل المجالس النيابية وتعطى الوظائف، فهي تقدم دائماً والرجل ظالم لها لا يعطيها أي شيء، هكذا قيل وهكذا كانت تلك المأساة.

стр. 2240

ظهور الحركة النسائية والاتحاد النسائي بعد ذلك ظهرت الأحزاب النسائية بالإضافة إلى أن هدى شعراوي -الزعيمة كما قلنا- وهي ليست هدى شعراوي، بل هي هدى بنت محمد سلطان، لكن انتسبت إلى علي شعراوي، وهو زوجها كما هو النظام عند الغربيين، كما انتسبت صفية زغلول إلى سعد زغلول، وهي ليست بنته، وإنما هي زوجته على عادة الغربيين، فهذا محمد سلطان -كما أشرنا- العميل الذي أُعطي أعلى الأوسمة والنياشين، والتي لا يعطاها في إنجلترا إلا من يصل إلى درجة أو مرتبة (سير) ويلقب بلقب (سير) وهو أعلى لقب هنالك بعد لقب (لورد). أسست هدى شعراوي الحزب أو الاتحاد النسائي، بدايةً للمرحلة الجديدة التي انتقلت إليها مرحلة الأحزاب النسائية، وهذا بعكس ما حصل هنا، فعندنا هنا بدأ أولاً بتأسيس الجمعيات، ثم بعد ذلك نودي بالخروج، لكن بدأ هنالك بالخروج ثم أنشئت الاتحادات. فالاتحاد أو الحزب الذي أسسته هدى شعراوي، أرسل وفوداً، ومن ذلك الوفد الذي أرسله لحضور المؤتمر النسائي العالمي في روما، وهذا مما يكشف ويفضح أن دعوات إفساد المرأة دائماً مرتبطة بالغرب، فهنالك ألقيت الكلمات، ومن الطرائف أن الوفد كان يتكون من ثلاث نسوة، منهن: اثنتان سافرتان، والأخرى الثالثة أخذها الحياء نوعاً ما؛ فكانت محجبة، فقال الإيطاليون وأعضاء المؤتمر: إن هاتين ليستا مصريتين، وإن هذه هي الوحيدة المصرية المحجبة، فقالوا: أكيد أن مصر استعارت امرأتين لتمثلها، لأنه لا يمكن أن تكون المرأة المصرية إلا محجبة. وليس معنى ذلك كما يقول البعض الآن: تكشف الوجه وتقول: محجبة، كشف الوجه ما سمي حجاباً لا في اللغة ولا في الشرع أبداً، فالحجاب تغطية الوجه في اللغة وفي الشرع، وفي مصر كانت المرأة لا تكشف شيئاً أبداً، ولما جاءت هذه وهي متحجبة، قيل: هذه فعلاً التي تمثل مصر. إن أولئك يعرفون أن المحجبة هي الأصيلة، وأن المتهتكة هي الغربية التي لا تمثل بلدها، ولم يُصدَّقوا أنهما مصريتان. قابلت هدى شعراوي الزعيم موسيليني، وافتخرت بذلك، وقالت: كانت مقابلة عظيمة ورائعة وتحدثنا إليه عن تحرير المرأة وطالبنا بكذا -وموسيليني هذا هو زعيم الفاشية وكل زعماء الغرب موسيليني وهتلر، ولكن الزمان يدور دورته، المغلوب كما يقول المثل: إذا طاح الثور كثرت السكاكين. لو أن هتلر هو الذي انتصر لكان الكلام اليوم في العالم، أنَّ هتلر هو حامل راية الحرية، وأن آيزن هاور ومن معه كانوا دعاة الطغيان والاستبداد للشعوب، لكن لأن الذي انتصر هو آيزن هاور الأمريكي، أصبحت أمريكا حاملة راية الحرية وغيرها هو العدواني وهو المتسلط. المقصود أنها قابلته، وفي الطريق قابلت أتاتورك -انظروا إلى العمالة والنذالة- وأشادت به وجلست معه جلسة طويلة؛ وقالت له: أنت لست أتاتورك -أي أبو الترك- بل أنت أتا شرق، أي: أبو الشرق كله، هذا اليهودي المجرم الخبيث تقول عنه هكذا. ومن تلك الحركات حزب فتاة النيل الذي كان وراءه وبكل وضوح زوجة الرئيس الأمريكي روزفلت، كانت تموله وكنَّ رائدات الحزب كله يذهبن إلى السفارة الأمريكية ويتلقين التشجيع والتهنئة بنجاح المؤتمر النسائي الذي عقدنه من زوجة الرئيس الأمريكي روزفلت. وأصبح الآن لا مجال للنقاش في أن الحركة النسائية في مصر إنما هي عملية للصليبيين من الإنجليز والأمريكان ومن أمثالهما وأشباههما.

стр. 2241

مسيرة إفساد المرأة في المملكة العربية السعودية بعد هذا العرض، ننتقل إلى هذه البلاد الطاهرة، وكيف بدأت المسيرة فيها، ولا بد أن نوجز إيجازاً وقد يكون مخلاً أيضاً.

стр. 2242

التعليم الحركة عندنا هنا، كما كتب عنها من الكُّتاب الرسميين كما في كتاب معجزة فوق الرمال، أرادوا أن يبدءوا من باب آخر، ويعتبروا بما جرى في مصر وغيرها قالوا: تبدأ الحركة بالتعليم، والإسلام دين العلم، والمطالبة بالعلم لن يرفضها المجتمع، وليكن المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه، هو المسئول على التعليم. ولم يكونوا في المرحلة الأولى يريدون إلا مجرد التعليم، فلو أن الشيخ محمداً ﵀ جعل التعليم كله قرآناً وفقهاً وتوحيداً لقبلوا، ولو جعله بدون شهادة لقبلوا. المرحلة الأولى كانوا يريدون فقط تعليماً -أي تعليم- لأنهم يخططون على الأمد البعيد، ونحن -مع الأسف وهذه مشكلة نعاني منها- أننا لا نخطط ولا نفكر على المدى البعيد، إذا ارتبط الأمر برجل فالرجل يموت، وكل الرجال يموتون ولكن من سيخلفه؟ كيف يكون الحال من بعده؟ ففات الإسلاميين أو فات حملة العقيدة أن يضعوا نظاماً للتعليم مختلفاً اختلافاً كلياً عن نظام الأولاد. ومع الأسف بُدِئ به كتعليم الأولاد: ست سنوات ابتدائي، وثلاثة متوسط، وثلاثة ثانوي، والجامعة على نفس النمط، بل وضعت مناهج هي نفس مناهج الأولاد، حتى الجبر والإنجليزي، والكيمياء، والفيزياء، عجيب جداً! كيف مضى هذا الأمر، وكيف لم نتنبه لهذه الخدعة؟! وقد فرح وابتهج العلمانيون بهذه الخطوة العظيمة التي -أحسب وكما قرأت من كلامهم- ما كانوا يتوقعونها بهذه السرعة، لقد كانوا يظنون أنها تبدأ بكتاتيب القرآن، ثم توحيد وفقه، ثم كذا، وفي الأخير سوف يصل الأمر. المهم أنشئ التعليم، ويا للأسف أنه أُنشئ كما أنشأه إسماعيل باشا، على نمط تعليم البنين.

стр. 2243

الجمعيات أنشئت بعد ذلك الجمعيات النسائية، وأشير إلى جمعية النهضة النسائية هي أول جمعية أنشئت في المملكة، وأعطيت ترخيصاً خاصاً، كانت مُنشئتها هي سميرة خاشقشي، وهي ليست مجهولة، ولا يمكن لأحدٍ أن يتهمها بأنها امرأة صالحة أو ذات دين، أو ذات خلق لأن مؤلفاتها ورواياتها وقصصها تملأ الأسواق، وسيرتها معروفة، وتعليمها وحياتها في الخارج معروفة ومكشوفة للجميع، ثم تُعطى ترخيصاً بإقامة هذه الجمعية. ورحمة الله على المنتبهين والناصحين، كم ينصحون ولكننا لا نحب الناصحين، ورحمة الله على الشيخ عبد الرحمن الدوسري فقد نبهنا والله وكأنَّ صوته يرن في أذني الآن، وهو ينبه إلى خطر هذه الجمعيات، وإلى الأيادي الماسونية من ورائها، ولكن من ينتبه، إنما نخدر بكلمة واحدة وبمقولة: إن هذه ضمن تعاليم ديننا، وفي إطار شريعتنا وتقاليدنا، فما دام قالوا هذه الكلمة، إذاً فليفعلوا ما يشاءون. أرادات الجمعية أن تبدأ من هنا، وأخذوا يكتبون أعمدة نسائية في الصحافة، وبدأوا يظهرون صوت المرأة في الإذاعة، أحد وزراء الإعلام السابقين يقول: إنني لما لم أجد أحداً، وجدت فلانة بنت فلان، وزوجته، وبدأ صوت المرأة يظهر في الإذاعة السعودية، ولكن الاعتراض والاستنكار ما يزال قوياً، فما الحل؟ فكروا في الوسيلة الخبيثة الماكرة التي فتحت لهم باباً عظيماً في الفساد، قالوا: إن أظهرت لهن مجلة هنا في المملكة سيثور عليها الناس، وسوف تقفل وتمنع، فما الحل؟ الحل: أن تنشأ صحافة في بلد غربي، ثم تصدر إلى البلاد، فأنشأت سميرة خاشقشي مجلة الشرقية، وفي عاصمة الظلام -أو عاصمة النور كما يسمونها- في باريس وهي تخاطب المرأة السعودية، والمجتمع السعودي، فإذا جاءت هنا، وقيل: الرقابة، قالوا: هذه صحافة أجنبية، وإن قيل: أفسدت بناتنا، قالوا: لا، لا بأس، فمع الزمن يعترض المعترضون كالعادة، نعترض ثم نهدأ ثم نسكت ثم نستسلم، أما هم فيتقدمون خطوات، وإذا بـ الشرقية تستمر وتنطلق. استنكرتها بعض الأصوات كـ مجلة الدعوة السعودية، وقد كانت قوية في عصرٍ مضى، ولكن مضى الأمر وهكذا. وانتشرت الجمعيات النسائية، وإذا بالجمعيات تقيم الحفلات للأزياء، وتقيم الحفلات للتمثيل، والمسرحيات، تقيم ما تقيم من الأمور التي لا تخفى عليكم جميعاً، ولا نريد أن نستطرد فيها، فالمقصود: أن إنشاء الجمعيات النسائية هو نمط مبدل للأحزاب النسائية في البلاد الأخرى. وهنا لا بد أن نقول كلمة: إذا كان إنشاء جمعية خيرية نسائية -مثلاًَ- على سبيل أن النساء ينفصلن عن الرجال ويعملن أي عمل من أعمال الخير، فهذا يبحث وينظر في ضوابطه وقيوده، ولكن لم يكن هذا هو الهدف، الهدف هو إيجاد صراع بين الذكر والأنثى في المجتمع، فتقوم الجمعيات لتطالب بحقوق المرأة، ويرد بعض الناس -وقد يكونون مفتعلين- على مطالبها، فتنشأ المعركة. كالحال في المجتمع الغربي الذي لا يحكمه شرع الله، فالعمال في صراع مع أرباب العمل، والطلاب في صراع مع مديري ومسئولي الجامعة -مثلاً- والشعب في صراع مع الحكومة، والمعارضة في صراع مع الحكومة الدستورية، والمرأة في صراع مع الرجل، وأحياناً تكون -أيضاً- النوعية فالشباب في صراع مع الكبار، أو المحافظين في صراع مع أصحاب التحرر؛ فكل الغرب يعيش في صراع وفي تناحر، فتقول المرأة: إنما أريد أن أكون مطالبة بحقنا، إلى متى نظل مهضومات؟ إلى متى نظل كذا؟ فكان هذا هو الغرض الذي امتد وانتشر في أمور أخرى غير الجمعيات.

стр. 2244

التلفاز جاء التلفاز بعد ذلك وفي أول الأمر وأذكر -كنت حينها في المرحلة الابتدائية في الرياض - أن أحد العلماء خطب، وقال: "لقد وعدنا وعوداً قاطعة جازمة، ألاَّ يكون هناك امرأة تظهر فيه، ونعوذ بالله، وهل يعقل أن نظهر النساء في دولة الإسلام" كلمات قوية لا زلت أحفظ بعضها إلى الآن، فكانت هناك وعود من المسئولين ألاَّ تظهر المرأة في التلفاز، وأنه لن يكون فيه موسيقى، وأنه لن يكون إلا وسيلة للخير، وهو سلاح ذو حدين، قلنا: مادام ذو حدين الحمد لله، لو كان حداً واحداً لغضبنا، وسكت الناس وخدعوا. وبعد فترة قالوا: لا بد للمرأة أن يكون لها دور، قالوا: الطبخ كيف تتعلمه؟ فكانت تظهر حلقات وبرامج صغيرة عن الطبخ، تظهر فيها الكفان فقط وهي تقطع البصل. بعد مدة ظهر الذراع، ثم ظهر الوجه، ولكن كانت متسترة وكبيرة في السن، قلنا: هذه من القواعد، فلا مشكلة، نعم دائماً يضحكون علينا لأننا نحن الذين نقبل هذا، ولا أحد يستنكر. واحد يسكت، وواحد يقول: أنا أصلاً ما أدخلت التلفاز بيتي، فليذهب الناس إلى الجحيم أو الجنة، فالطريق واضح؛ وكل ذلك في ذمة الذي أتو به -المهم أن لكل إنسان أعذار- وبدأت المرأة. وبدأ بعد ذلك -وكما رأيتم- الانفتاح قالوا: نأتي بمسلسلات ونراقبها، بدأت المسلسلات ثلاثة أنواع أو أربعة؛ مسلسلات أجنبية أمريكية وغربية وغيرها، مسلسلات مصرية ومصر كانت قد قطعت شوطاً في التغريب- والأخرى المسلسلات البدوية، وكل نوع من الشعب يُفسد بوسيلته التي يعجب بها، أهل البادية يحبون المسلسلات البدوية، تجعلها بعد المغرب أو في وقت مبكر قبل أن يناموا، أما الأفلام الأمريكية آخر الليل وهكذا، والمصرية بعد العشاء -مثلاً- المهم كل واحد على منزلته، فلا تظل فئة من فئات المجتمع إلا ودخلها الفساد. اعمل إحصائية لهذه المسلسلات وقسها وانظر، فإن لم نقل (١٠٠%)، فـ (٩٠%) منها عشق وغدر، وزنا، وفساد، وخلاعة، وفي النهاية إن كان الزواج آخر شيء، حفل الزواج آخر مقطع في المسلسل بعد ثلاثين أو أربعين حلقة، أما ما قبل ذلك من الصحبة والذهاب والرجوع والمرأة تقود السيارة، وتذهب وتواعد حبيبها وتركب معه السيارة، كل هذا قبل الزواج بمراحل، في أول الفيلم وأول المسلسل هكذا كانت الخطة. وسكت الناس وما كان يدور في عقولهم أن ما نراه في الشاشة، سيأتي من يطالب به في الواقع، وهذا من استحكام الغفلة على قلوبنا-نسأل الله العفو والعافية-.

стр. 2245

الصحافة نأتي -أيضاً- إلى ملحظ آخر وهو الصحافة: كانت الصحافة تطالب من بعيد، وأحياناً تتقدم خطوتين وتتأخر خطوة، وفي تلك الأيام أو البدايات الأولى ظهرت دعوى قوية -والحمد لله- مضادة لهذه الحركة، ونذكر منها الأستاذين الفاضلين الكاتبين، الأستاذ أحمد محمد باشميل، والأستاذ أحمد محمد جمال، اللذان ألفا: لا يا فتاة الحجاز، ومكانك تحمدي، فمن قرأ الكتابين وجد أنهما رد على دعوة كانت قائمة في البلاد، والمملكة كانت فيها مجلات كثيرة، كان أي أحد يستطيع أن يفتح مؤسسة ويعمل مجلة، فكانت كثيرة حتى كان هناك مجلة اسمها البعث، وصدر منها عدة أعداد، وكانت مفتوحة حتى نزلت المؤسسات الصحفية. المهم أن الصحافة أخذت بنصيبها وأخذت على عاتقها نفس الدعوة وسايرت الجمعيات، وسايرت التلفاز، وظهرت الدعوة بوضوح بعد مقتل الملك فيصل وظهور الصحافة الأمريكية، وتعليق الصحافة الأمريكية بأن موت الملك فيصل هو بداية عصر جديد في السعودية للتحرر، وإذا بالجرائد ومنها جريدة الرياض تقول نفس العبارات: إن المرأة السعودية ستشهد عصر النور والانفتاح، وقد مضى عصر الظلام! بهذا النص. وكتبت جريدة الرياض في أحد الأعداد، تقول: إنه قد يأتي اليوم الذي تكون هناك المقاهي المختلطة في الرياض لا في باريس بل في الرياض، ويجلس الرجل والمرأة في المقهى ويستمتعون ويشربون الشاي، ويكون -أيضاً- هناك ممثلون وممثلات، ودور السينما، وأخذ المقال يفيض بهذا الكلام، وإذا كان ذلك سيتحقق فلم لا نتعجل به، إذا كانت الدعوة تريد ذلك. في أثناء ذلك -أيضاً- ظهرت ضمن الصحافة جريدة اليوم التي تصدر في المنطقة الشرقية وظهر أحد الشعراء وقال القصيدة المعروفة: مزقيه مزقيه ذلك البرقع مزقيه أي ذل أنت فيه أي شؤم أنت فيه أي ليل أنت فيه أي قبر أنت فيه مزقيه مزقيه واسألي يا بنت رب العالمين واسألي من أنزل الآيات والسور هل يخفى القمر أعوذ بالله، يريد أن تكفر بالله، وأن تسأل الذي أنزل الآيات والسور لماذا ينزل الحجاب؟ نسأل الله العفو والعافية. فتحرك بعض أهل الخير وكانت تلك الأيام -مع الأسف- سنوات الطفرة، فالناس مشغولون بالسهرات وبالعمارات، لا يوجد متفرغ للثاني، لكن تنبه من تنبه، وعوقبت الجريدة بعقوبة صارمة للغاية! فأغلقت ثلاثة أيام!! وكان من المفروض أن يقام حد الردة، وهنا نقف وقفة. حد الردة ما من حدٍ يسقط فلا يقام، إلا وتظهر عقوبة ذلك في المجتمع، متى أقيم حد الردة على أي ملحد؟ أيعقل أننا مع هذا الفساد العظيم ما ظهر فينا ملحد من سبعين سنة؟! معقول! ما وجد فينا مرتد من سبعين سنة! لو أقيم حد الردة على واحد والله لزجرت أمم وألوف من الناس، ولذلك طوي ملف الحداثة وحفظ، وإلا فالردة الصريحة موجودة فيه، لو حوكم أصحابه على الردة وقتل منهم اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، ومن قبل الحداثيون الأوائل، الذين ركبوا الموج أخيراً وغيروا، وإلا فدواوينهم معروفة، ونساؤهم معروفات، كن يخرجن في الرياض، وهم الآن يتمسحون باسم الدين، ويقولون: إن الفتوى ستتغير بتغير الأزمان والأحوال، هؤلاء أنفسهم هم أول من تبرجت زوجاتهم، وأول من طالبن قبل الحداثيين بالإلحاد والكفر، والفجور. فالمهم أنه لما لم يقم على هؤلاء ولا على هؤلاء حد الردة، حتى تجرأ من تجرأ والله المستعان. وفي هذه الفترة -أيضاً- ظهرت الدعوة عبر الصحافة إلى دور السينما، وقالوا: لا بد من وجود سينما في المملكة تراقب، كما ظهرت الدعوة في مصر، وقالوا: من اللازم أن توجد بيوت للبغاء وللدعارة، وتراقب صحياً واجتماعياً خير من أن البلد يكتسب الزنا ويصاب بالمرض، قالوا: تراقب؛ فظهرت، وتبنت جريدة عكاظ الخطة بعد أن تركها الأستاذ أحمد غفور عطار، وقد أعلن براءته منها بعد أن تبنت هذا الخط، ودعمتها جريدة الرياض، والجزيرة واليمامة وغيرها، وقامت بقوة، وانفردت جريدة المدينة بالوقوف ضد الدعوة إلى دور السينما، حتى أن واحداً من المعلقين الكبار، قال: دور السينما لا بد أن يوجد، وأيضاً نشكر الأستاذ أحمد محمد جمال، والأستاذ صالح جمال أخوه، ووقفتهما التي وقفوها ضد هذا التيار. وأذكر أننا كنا في السنة المنهجية هنا في الجامعة، وأعددنا تحليلاً لتلك الأيام، فاشترك بعض الإخوة بمقالات صغيرة أرسلت إلى الجريدة؛ ويشهد الأستاذ أحمد محمد جمال ومن فرحته ومن غربة من يتكلم في هذا الموضوع، كتب عنواناً بخط كبير: لست في الميدان وحدي، وقال: "الحمد لله جاءني تشجيع، جاءتني رسالة من طالب جامعي يكتب في الموضوع، ولا زلت أذكر العناوين التي كان يكتب بها بعنوان: (لا تهدموا هذا الكيان الكبير) يقول: هذه الدعوة هدم لهذه المملكة الكيان الكبير، هذه الدعوة إلى الإباحية وإلى ظهور المرأة في المسرح، هذه دعوة لهدم هذا البلد وهدم الجيل، وكان هذا ما كتب، وجزاه الله خيراً، وهناك من كتبن ضد هذا الموضوع من أسرة الأستاذ صالح بالذات.
следующие страницы →