Полный текст (2 843 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
مسيرة إفساد المرأة في المملكة العربية السعودية
بعد هذا العرض، ننتقل إلى هذه البلاد الطاهرة، وكيف بدأت المسيرة فيها، ولا بد أن نوجز إيجازاً وقد يكون مخلاً أيضاً.
стр. 2242
التعليم
الحركة عندنا هنا، كما كتب عنها من الكُّتاب الرسميين كما في كتاب معجزة فوق الرمال، أرادوا أن يبدءوا من باب آخر، ويعتبروا بما جرى في مصر وغيرها قالوا: تبدأ الحركة بالتعليم، والإسلام دين العلم، والمطالبة بالعلم لن يرفضها المجتمع، وليكن المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه، هو المسئول على التعليم.
ولم يكونوا في المرحلة الأولى يريدون إلا مجرد التعليم، فلو أن الشيخ محمداً ﵀ جعل التعليم كله قرآناً وفقهاً وتوحيداً لقبلوا، ولو جعله بدون شهادة لقبلوا.
المرحلة الأولى كانوا يريدون فقط تعليماً -أي تعليم- لأنهم يخططون على الأمد البعيد، ونحن -مع الأسف وهذه مشكلة نعاني منها- أننا لا نخطط ولا نفكر على المدى البعيد، إذا ارتبط الأمر برجل فالرجل يموت، وكل الرجال يموتون ولكن من سيخلفه؟ كيف يكون الحال من بعده؟ ففات الإسلاميين أو فات حملة العقيدة أن يضعوا نظاماً للتعليم مختلفاً اختلافاً كلياً عن نظام الأولاد.
ومع الأسف بُدِئ به كتعليم الأولاد: ست سنوات ابتدائي، وثلاثة متوسط، وثلاثة ثانوي، والجامعة على نفس النمط، بل وضعت مناهج هي نفس مناهج الأولاد، حتى الجبر والإنجليزي، والكيمياء، والفيزياء، عجيب جداً! كيف مضى هذا الأمر، وكيف لم نتنبه لهذه الخدعة؟! وقد فرح وابتهج العلمانيون بهذه الخطوة العظيمة التي -أحسب وكما قرأت من كلامهم- ما كانوا يتوقعونها بهذه السرعة، لقد كانوا يظنون أنها تبدأ بكتاتيب القرآن، ثم توحيد وفقه، ثم كذا، وفي الأخير سوف يصل الأمر.
المهم أنشئ التعليم، ويا للأسف أنه أُنشئ كما أنشأه إسماعيل باشا، على نمط تعليم البنين.
стр. 2243
الجمعيات
أنشئت بعد ذلك الجمعيات النسائية، وأشير إلى جمعية النهضة النسائية هي أول جمعية أنشئت في المملكة، وأعطيت ترخيصاً خاصاً، كانت مُنشئتها هي سميرة خاشقشي، وهي ليست مجهولة، ولا يمكن لأحدٍ أن يتهمها بأنها امرأة صالحة أو ذات دين، أو ذات خلق لأن مؤلفاتها ورواياتها وقصصها تملأ الأسواق، وسيرتها معروفة، وتعليمها وحياتها في الخارج معروفة ومكشوفة للجميع، ثم تُعطى ترخيصاً بإقامة هذه الجمعية.
ورحمة الله على المنتبهين والناصحين، كم ينصحون ولكننا لا نحب الناصحين، ورحمة الله على الشيخ عبد الرحمن الدوسري فقد نبهنا والله وكأنَّ صوته يرن في أذني الآن، وهو ينبه إلى خطر هذه الجمعيات، وإلى الأيادي الماسونية من ورائها، ولكن من ينتبه، إنما نخدر بكلمة واحدة وبمقولة: إن هذه ضمن تعاليم ديننا، وفي إطار شريعتنا وتقاليدنا، فما دام قالوا هذه الكلمة، إذاً فليفعلوا ما يشاءون.
أرادات الجمعية أن تبدأ من هنا، وأخذوا يكتبون أعمدة نسائية في الصحافة، وبدأوا يظهرون صوت المرأة في الإذاعة، أحد وزراء الإعلام السابقين يقول: إنني لما لم أجد أحداً، وجدت فلانة بنت فلان، وزوجته، وبدأ صوت المرأة يظهر في الإذاعة السعودية، ولكن الاعتراض والاستنكار ما يزال قوياً، فما الحل؟ فكروا في الوسيلة الخبيثة الماكرة التي فتحت لهم باباً عظيماً في الفساد، قالوا: إن أظهرت لهن مجلة هنا في المملكة سيثور عليها الناس، وسوف تقفل وتمنع، فما الحل؟ الحل: أن تنشأ صحافة في بلد غربي، ثم تصدر إلى البلاد، فأنشأت سميرة خاشقشي مجلة الشرقية، وفي عاصمة الظلام -أو عاصمة النور كما يسمونها- في باريس وهي تخاطب المرأة السعودية، والمجتمع السعودي، فإذا جاءت هنا، وقيل: الرقابة، قالوا: هذه صحافة أجنبية، وإن قيل: أفسدت بناتنا، قالوا: لا، لا بأس، فمع الزمن يعترض المعترضون كالعادة، نعترض ثم نهدأ ثم نسكت ثم نستسلم، أما هم فيتقدمون خطوات، وإذا بـ الشرقية تستمر وتنطلق.
استنكرتها بعض الأصوات كـ مجلة الدعوة السعودية، وقد كانت قوية في عصرٍ مضى، ولكن مضى الأمر وهكذا.
وانتشرت الجمعيات النسائية، وإذا بالجمعيات تقيم الحفلات للأزياء، وتقيم الحفلات للتمثيل، والمسرحيات، تقيم ما تقيم من الأمور التي لا تخفى عليكم جميعاً، ولا نريد أن نستطرد فيها، فالمقصود: أن إنشاء الجمعيات النسائية هو نمط مبدل للأحزاب النسائية في البلاد الأخرى.
وهنا لا بد أن نقول كلمة: إذا كان إنشاء جمعية خيرية نسائية -مثلاًَ- على سبيل أن النساء ينفصلن عن الرجال ويعملن أي عمل من أعمال الخير، فهذا يبحث وينظر في ضوابطه وقيوده، ولكن لم يكن هذا هو الهدف، الهدف هو إيجاد صراع بين الذكر والأنثى في المجتمع، فتقوم الجمعيات لتطالب بحقوق المرأة، ويرد بعض الناس -وقد يكونون مفتعلين- على مطالبها، فتنشأ المعركة.
كالحال في المجتمع الغربي الذي لا يحكمه شرع الله، فالعمال في صراع مع أرباب العمل، والطلاب في صراع مع مديري ومسئولي الجامعة -مثلاً- والشعب في صراع مع الحكومة، والمعارضة في صراع مع الحكومة الدستورية، والمرأة في صراع مع الرجل، وأحياناً تكون -أيضاً- النوعية فالشباب في صراع مع الكبار، أو المحافظين في صراع مع أصحاب التحرر؛ فكل الغرب يعيش في صراع وفي تناحر، فتقول المرأة: إنما أريد أن أكون مطالبة بحقنا، إلى متى نظل مهضومات؟ إلى متى نظل كذا؟ فكان هذا هو الغرض الذي امتد وانتشر في أمور أخرى غير الجمعيات.
стр. 2244
التلفاز
جاء التلفاز بعد ذلك وفي أول الأمر وأذكر -كنت حينها في المرحلة الابتدائية في الرياض - أن أحد العلماء خطب، وقال: "لقد وعدنا وعوداً قاطعة جازمة، ألاَّ يكون هناك امرأة تظهر فيه، ونعوذ بالله، وهل يعقل أن نظهر النساء في دولة الإسلام" كلمات قوية لا زلت أحفظ بعضها إلى الآن، فكانت هناك وعود من المسئولين ألاَّ تظهر المرأة في التلفاز، وأنه لن يكون فيه موسيقى، وأنه لن يكون إلا وسيلة للخير، وهو سلاح ذو حدين، قلنا: مادام ذو حدين الحمد لله، لو كان حداً واحداً لغضبنا، وسكت الناس وخدعوا.
وبعد فترة قالوا: لا بد للمرأة أن يكون لها دور، قالوا: الطبخ كيف تتعلمه؟ فكانت تظهر حلقات وبرامج صغيرة عن الطبخ، تظهر فيها الكفان فقط وهي تقطع البصل.
بعد مدة ظهر الذراع، ثم ظهر الوجه، ولكن كانت متسترة وكبيرة في السن، قلنا: هذه من القواعد، فلا مشكلة، نعم دائماً يضحكون علينا لأننا نحن الذين نقبل هذا، ولا أحد يستنكر.
واحد يسكت، وواحد يقول: أنا أصلاً ما أدخلت التلفاز بيتي، فليذهب الناس إلى الجحيم أو الجنة، فالطريق واضح؛ وكل ذلك في ذمة الذي أتو به -المهم أن لكل إنسان أعذار- وبدأت المرأة.
وبدأ بعد ذلك -وكما رأيتم- الانفتاح قالوا: نأتي بمسلسلات ونراقبها، بدأت المسلسلات ثلاثة أنواع أو أربعة؛ مسلسلات أجنبية أمريكية وغربية وغيرها، مسلسلات مصرية ومصر كانت قد قطعت شوطاً في التغريب- والأخرى المسلسلات البدوية، وكل نوع من الشعب يُفسد بوسيلته التي يعجب بها، أهل البادية يحبون المسلسلات البدوية، تجعلها بعد المغرب أو في وقت مبكر قبل أن يناموا، أما الأفلام الأمريكية آخر الليل وهكذا، والمصرية بعد العشاء -مثلاً- المهم كل واحد على منزلته، فلا تظل فئة من فئات المجتمع إلا ودخلها الفساد.
اعمل إحصائية لهذه المسلسلات وقسها وانظر، فإن لم نقل (١٠٠%)، فـ (٩٠%) منها عشق وغدر، وزنا، وفساد، وخلاعة، وفي النهاية إن كان الزواج آخر شيء، حفل الزواج آخر مقطع في المسلسل بعد ثلاثين أو أربعين حلقة، أما ما قبل ذلك من الصحبة والذهاب والرجوع والمرأة تقود السيارة، وتذهب وتواعد حبيبها وتركب معه السيارة، كل هذا قبل الزواج بمراحل، في أول الفيلم وأول المسلسل هكذا كانت الخطة.
وسكت الناس وما كان يدور في عقولهم أن ما نراه في الشاشة، سيأتي من يطالب به في الواقع، وهذا من استحكام الغفلة على قلوبنا-نسأل الله العفو والعافية-.
стр. 2245
الصحافة
نأتي -أيضاً- إلى ملحظ آخر وهو الصحافة: كانت الصحافة تطالب من بعيد، وأحياناً تتقدم خطوتين وتتأخر خطوة، وفي تلك الأيام أو البدايات الأولى ظهرت دعوى قوية -والحمد لله- مضادة لهذه الحركة، ونذكر منها الأستاذين الفاضلين الكاتبين، الأستاذ أحمد محمد باشميل، والأستاذ أحمد محمد جمال، اللذان ألفا: لا يا فتاة الحجاز، ومكانك تحمدي، فمن قرأ الكتابين وجد أنهما رد على دعوة كانت قائمة في البلاد، والمملكة كانت فيها مجلات كثيرة، كان أي أحد يستطيع أن يفتح مؤسسة ويعمل مجلة، فكانت كثيرة حتى كان هناك مجلة اسمها البعث، وصدر منها عدة أعداد، وكانت مفتوحة حتى نزلت المؤسسات الصحفية.
المهم أن الصحافة أخذت بنصيبها وأخذت على عاتقها نفس الدعوة وسايرت الجمعيات، وسايرت التلفاز، وظهرت الدعوة بوضوح بعد مقتل الملك فيصل وظهور الصحافة الأمريكية، وتعليق الصحافة الأمريكية بأن موت الملك فيصل هو بداية عصر جديد في السعودية للتحرر، وإذا بالجرائد ومنها جريدة الرياض تقول نفس العبارات: إن المرأة السعودية ستشهد عصر النور والانفتاح، وقد مضى عصر الظلام! بهذا النص.
وكتبت جريدة الرياض في أحد الأعداد، تقول: إنه قد يأتي اليوم الذي تكون هناك المقاهي المختلطة في الرياض لا في باريس بل في الرياض، ويجلس الرجل والمرأة في المقهى ويستمتعون ويشربون الشاي، ويكون -أيضاً- هناك ممثلون وممثلات، ودور السينما، وأخذ المقال يفيض بهذا الكلام، وإذا كان ذلك سيتحقق فلم لا نتعجل به، إذا كانت الدعوة تريد ذلك.
في أثناء ذلك -أيضاً- ظهرت ضمن الصحافة جريدة اليوم التي تصدر في المنطقة الشرقية وظهر أحد الشعراء وقال القصيدة المعروفة:
مزقيه مزقيه ذلك البرقع مزقيه أي ذل أنت فيه أي شؤم أنت فيه أي ليل أنت فيه أي قبر أنت فيه مزقيه مزقيه واسألي يا بنت رب العالمين واسألي من أنزل الآيات والسور هل يخفى القمر
أعوذ بالله، يريد أن تكفر بالله، وأن تسأل الذي أنزل الآيات والسور لماذا ينزل الحجاب؟ نسأل الله العفو والعافية.
فتحرك بعض أهل الخير وكانت تلك الأيام -مع الأسف- سنوات الطفرة، فالناس مشغولون بالسهرات وبالعمارات، لا يوجد متفرغ للثاني، لكن تنبه من تنبه، وعوقبت الجريدة بعقوبة صارمة للغاية! فأغلقت ثلاثة أيام!! وكان من المفروض أن يقام حد الردة، وهنا نقف وقفة.
حد الردة ما من حدٍ يسقط فلا يقام، إلا وتظهر عقوبة ذلك في المجتمع، متى أقيم حد الردة على أي ملحد؟ أيعقل أننا مع هذا الفساد العظيم ما ظهر فينا ملحد من سبعين سنة؟! معقول! ما وجد فينا مرتد من سبعين سنة! لو أقيم حد الردة على واحد والله لزجرت أمم وألوف من الناس، ولذلك طوي ملف الحداثة وحفظ، وإلا فالردة الصريحة موجودة فيه، لو حوكم أصحابه على الردة وقتل منهم اثنان، أو ثلاثة، أو أربعة، ومن قبل الحداثيون الأوائل، الذين ركبوا الموج أخيراً وغيروا، وإلا فدواوينهم معروفة، ونساؤهم معروفات، كن يخرجن في الرياض، وهم الآن يتمسحون باسم الدين، ويقولون: إن الفتوى ستتغير بتغير الأزمان والأحوال، هؤلاء أنفسهم هم أول من تبرجت زوجاتهم، وأول من طالبن قبل الحداثيين بالإلحاد والكفر، والفجور.
فالمهم أنه لما لم يقم على هؤلاء ولا على هؤلاء حد الردة، حتى تجرأ من تجرأ والله المستعان.
وفي هذه الفترة -أيضاً- ظهرت الدعوة عبر الصحافة إلى دور السينما، وقالوا: لا بد من وجود سينما في المملكة تراقب، كما ظهرت الدعوة في مصر، وقالوا: من اللازم أن توجد بيوت للبغاء وللدعارة، وتراقب صحياً واجتماعياً خير من أن البلد يكتسب الزنا ويصاب بالمرض، قالوا: تراقب؛ فظهرت، وتبنت جريدة عكاظ الخطة بعد أن تركها الأستاذ أحمد غفور عطار، وقد أعلن براءته منها بعد أن تبنت هذا الخط، ودعمتها جريدة الرياض، والجزيرة واليمامة وغيرها، وقامت بقوة، وانفردت جريدة المدينة بالوقوف ضد الدعوة إلى دور السينما، حتى أن واحداً من المعلقين الكبار، قال: دور السينما لا بد أن يوجد، وأيضاً نشكر الأستاذ أحمد محمد جمال، والأستاذ صالح جمال أخوه، ووقفتهما التي وقفوها ضد هذا التيار.
وأذكر أننا كنا في السنة المنهجية هنا في الجامعة، وأعددنا تحليلاً لتلك الأيام، فاشترك بعض الإخوة بمقالات صغيرة أرسلت إلى الجريدة؛ ويشهد الأستاذ أحمد محمد جمال ومن فرحته ومن غربة من يتكلم في هذا الموضوع، كتب عنواناً بخط كبير: لست في الميدان وحدي، وقال: "الحمد لله جاءني تشجيع، جاءتني رسالة من طالب جامعي يكتب في الموضوع، ولا زلت أذكر العناوين التي كان يكتب بها بعنوان: (لا تهدموا هذا الكيان الكبير) يقول: هذه الدعوة هدم لهذه المملكة الكيان الكبير، هذه الدعوة إلى الإباحية وإلى ظهور المرأة في المسرح، هذه دعوة لهدم هذا البلد وهدم الجيل، وكان هذا ما كتب، وجزاه الله خيراً، وهناك من كتبن ضد هذا الموضوع من أسرة الأستاذ صالح بالذات.
стр. 2246
تطوير الجيش
النساء في تلك الفترة -أيضاً- ابتلين بتطوير الجيش، الذي خسرنا عليه مليارات -والله يعوض خيراً- فتطوير الجيش وتحديثه قامت به عدة شركات أمريكية، وكان في كل القواعد الجوية الأمريكية نساء أمريكيات يعملن في القواعد وغير ذلك، ومن هذه الشركات (لوترب) وشركة (ماكدونلد) وشركات كثيرة في كل القواعد.
أما المستشفيات والخطوط السعودية فحدث ولا حرج -هذا أمر معروف وظاهر للجميع- فكانت المرأة تعمل في عدة قطاعات من المجتمع مع الرجل، وإن كان الغالب أنهن كافرات، لكن -أيضاً- وجدت بعض التعقيدات؛ فظهرت الدعوة التي تقول: لماذا لا تكون العاملات من أبناء الوطن وفي حدود شريعتنا وتقاليدنا؟ لماذا تظل هذه الوظائف حكراً على النساء الوافدات كالمذيعات في التلفزيون -مثلاً- أو الممرضات، أو المضيفات، أو العاملات في القطاعات الأخرى والشركات؟ وظهرت هذه الدعوة ووصل الحال إلى أن وزارة التخطيط تبنَّت بنفسها توظيف النساء، وخصصت لهن مكاتب كثيرة وتوظف النساء؛ وكما قال وزير التخطيط في الندوة التي عقدت في جدة: إن الوزارة تهدف إلى تهيئة الكوادر، ثم تصديرهن فيما بعد إلى الوزارات الأخرى، فبالطريقة هذه تصبح الوزارات جميعاً مختلطة، وما المانع أن يكون هناك موظف إلى جانبه زميلته موظفة في إطار وحدود شريعتنا وتقاليدنا.
في هذه الفترة ظهرت المطالبة بجامعة للبنات، ولكن كلما ظهرت فكرة جامعة البنات توأد ولا نسمع لها أثراً، فجامعة البنات قالوا في أول الأمر: إن التعليم سيكون إسلامياً؛ وأن المفتي هو المسئول عنه، وقالوا: لا، مع أن بعض الوزارات شققت في تلك الأيام إلى أربع وزارات، فوزارة المواصلات كم شقوا منها وزارة؟ ووزارة الداخلية كم شقوا منها وزارة؟ أموال كثيرة والحمد لله، ووظائف تراد أن تُفتح، فكثروا الوزارات إلا هذه، قالوا: الأحسن لو دمجت وزارة المعارف مع الرئاسة العامة، لأنه لو وضعنا جامعة للبنات ربما يختل عندهم هذا الشرط الذي يسعون إليه.
ثم قالوا: نريد أن يدرس الأبناء معلمات في المرحلة الابتدائية، وكتبوا ذلك، وكان لسماحة الشيخ عبد العزيز فتوى في الرد عليهم في ذلك، وأن هذا لا يجوز؛ لأنه يفتح باب الفتنة، فقالوا: تنازل يا سماحة الشيخ يدرسن إلى ثالث ابتدائي فقط، بعد ذلك تدخل من باب المدرسة لكن لا تدخل فصل سنة سادسة أي من ثالثة وتحت، تتقابل مع المدير والوكيل والفراشين والمراقبين، لكن سنة رابعة، وخامسة، وسادسة ما تقابلهم، فأرادوا أن يستغفلونا ويضحكوا علينا؛ ولكن قامت الدعوة -والحمد لله- ورفضتها الرئاسة؛ أما جامعة البنات فإنها لم تر النور بعد والله المستعان.
стр. 2247
ابتعاث النساء إلى الخارج
في نفس الوقت ظهرت مصيبة الابتعاث مع سنوات الطفرة والنعمة، ونعوذ بالله من أن نكون من الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار.
والله لما سمعت ما فعله هؤلاء الفاجرات الفاسقات في الرياض، قلت: يا سبحان الله! لو أنَّ كل واحدةً منهن سألت أباها أو جدها، كيف كنت تعيش؟! ونظرت إلى ما أنعم الله تعالى به عليها، لشكرت الله وحمدته، وما فعلت هذا الفعل، فوصل الحال في مجتمعنا إلى هذا الحال، أن الناس يأكلون الجيف.
والله لقد حدثنا ثقات أنه خرج ثلاثة من شدة الجوع قبل حوالي سبعين سنة أو ستين سنة، فلم يجدوا ما يأكلون، واستمروا في الصحراء، فما وجدوا شيئاً يأكلونه، فناموا، واتفق اثنان على أن يقتلا الثالث ويأكلاه -والله من الثقات- ولكن في أثناء التشاور كيف يقتلونه وهو نائم وإذا بكلب يمر، فأيقظوه وحاصروا الكلب وذبحوه وأكلوا لحمه.
أقول وأمثله كثيرة وآباءنا يعرفونها، جوع شديد جداً، بل إلى قريب بعد أن تأسس الجيش، كان الجنود يمضون أحياناً سبعة أشهر لا يأخذون الراتب.
أقول: أنعم الله علينا -والحمد لله- بالمال وهذا البترول، فهل شكرناه أم كفرناه؟ قلنا: نبتعث البنات للخارج، هل هذا جزاء النعمة وشكر المنعم ويرسلن إلى الخارج، هذه في كولورادو، والأخرى في مسلدن، والثالثة في كاليفورنيا.
وهنالك لا أقول: تعلمن قيادة السيارة، ليست القضية قيادة السيارة، بل تعلمن كل أنواع الفساد والانحلال والإباحية، ثم جئن هنا ليربين الأجيال! ابتعثن من غير محارم وما يزلن يبتعثن من غير محارم، ويفعلن ما شئن، فهل نتوقع أنها هناك مجرمة وفاسقة ومتهتكة، ومتخلعة؛ فإذا عادت هنا تتحول إلى ملاك؟ لا يمكن.
وصحب ذلك حملة خبيثة مسمومة من هؤلاء المبتعثين وقد يأتي لنا وقفه مع هؤلاء، لأن الذين يقفون وراء هذه الحركة الخبيثة رجال معرفون بأسمائهم ولو شئنا لسميناهم تستروا حتى تعرفوا أنها حركة مدبرة، بأسماء نساء، وأخذوا يكتبون في الجرائد في جريدة الرياض، وفي الجزيرة، وفي اليمامة، وفي عكاظ، وفي المدينة، كلام كثير جداً، فقام المعارضون ومنهن فتيات -والحمد لله- وتعرفون بعض أسمائهن، واعترضن وطال النقاش.
ومن أطرف ما نشر -والحمد لله أننا تنبهنا بعد فوات الأوان- طالبت بعض الفتيات المؤمنات اللاَّتي كن يحاربن هذا الفكر الخبيث، ونريد أن نتصل بكن يا فلانة، وفلانة، وفلانة، (ونجمة الحمود، وطفول عبد العزيز) وغيرهن، فتكتب تلك وتقول: إني موجودة ومعروفة، فتكتب تلك وتقول: أعطني هاتفك أتصل بك، أو مكان كليتك أريدك، وإذا بالأمر أنه ليس هناك نساء بهذه الأسماء، إنما هم رجال مجرمون ومعروفون بأسمائهم، يكتبون بأسماء نسائية، يقول أحدهم: أنا امرأة محطمة، وأنا متأخرة! وهو رجل يكتب ليفسد المرأة المسلمة، ويضحك علينا ونحن مع الأسف في غفلة عن هذه الأحداث التي تجري من حولنا، والطيّب فينا ربما لا تتجاوز قراءته أو فهمه حدود مسجده أو الحي الذي هو فيه، والدنيا الأخرى لا شأن له بها، والله المستعان!
стр. 2248
نوادٍ رياضية للنساء
ثم نشأت بعد ذلك دعوة غريبة جداً، تطالب بنوادي نسائية للرياضة، فيصبح هناك منتخب الرياض للفتيات، ومنتخب جدة، وبعد ذلك تعقد مباراة، وتنقل في التلفزيون، فيحضرها الرجال، وقالوا: لا بد من نوادي، وحكومتنا الرشيدة قد هيأت كل شيء، وتدفع آلاف المليارات على الرياضة، لا يمكن أن تحرم الفتاة التي تخدم الوطن والتي كذا وكذا، وطالبوا معها بمكتبات، والمكتبات أمرها أخف! لكن المقصود أنهم يريدوا أن يجعلوها صراعاً وخروجاً عن الدين، ولو كان الغرض مكتبة ليقرأن، لطالبنا نحن بذلك، لكن لهم أهداف خبيثة من وراء ذلك، وظهرت هذه الدعوات المحمومة -وربما لا تزال- وظهرت معها الدعوة إلى المهن المختلطة، وحتى فتحت معاهد التمريض في أكثر المدن -مع الأسف الشديد- ثم أخذت المقابلات تُجرى عن أول فتاة في دولة كذا تقود الطائرة، وأول عسكرية في دولة كذا، وأول شرطية في دولة كذا، من أجل أن يقولوا: أين المرأة السعودية وما دورها؟ هنا -أيضاً- نشيد بالأخت سهيلة زين العابدين فإنها ممن قاوم هذا الفكر المنحرف، ولها ردود في هذا المجال وغيرها من الأخوات التي -مع الأسف- اختفت ولا أدري لماذا اختفت.
стр. 2249
دخول القوات الغربية
وعندما جاءت هذه الحشود والقوات الغربية، الفتنة الكبرى التي ما أظن مر على تاريخ الإسلام وتاريخ جزيرة العرب كارثة أعظم ولا أكبر منها، وجاء معهم النسوة التي لا يخفى على أحد أعمالهن ولا تحركاتهن، وقد حُذر مع الأسف، ولكن قد كان الواقع الذي ترونه، والذي يراه كل أحد يزور المناطق التي يتواجدون فيها وهم ليسوا ببعيد، المهم لما جاءوا كان طبيعيٌ جداً أن تتكرر الدعوة القديمة دعوة تغيير المجتمع.
الذي نعرفه أنكم جئتم لإعادة الشرعية، وللدفاع عن البلاد، أمّا أنكم تقولون: تغيير المجتمع، التغيير الاجتماعي، والديمقراطية، وتغيير التركيبة، وتغيير البنية الاجتماعية، ما علاقة هذا بهذا.
ولكي أختصر عليكم الإحالات -وهذا شيء أنا أرجو أنه لا يفوت ذلك الكثير منكم حتى تعرفوا ماذا يراد لنا- كل يوم في الصباح وأيضاً تأتي في الليل أحياناً لكن أنا لا أسمعها إلا في الصباح أقوال الصحف الأمريكية تأتيكم في صوت أمريكا باللغة العربية نسمع ماذا تقول، والعاقل يفكر، المسألة ليست مسألة شرعية.
ويتكلمون عن غياب العدل لدينا، وأي عدل أقامه الغرب في حياتهم، أي شرع فَكَّرَ الغرب أن يقيمه في حياته كلها، إنها مآرب أصبحت غير خافيه على أحد -والحمد لله- ولهذا لا نفيض في الحديث عنها؛ فإن الواقع أكبر من أن يتكلم عنه، لكن المقصود أن ارتباط وجود هذه القوات مع المطالبة بالتغيير الاجتماعي، والتغيير في سياسة أو طريقة الحكم، وفتح المجال للشورى وللمقاطعات إلخ، هو نفس المشهد الذي رأيناه في أيام نابليون ثم في أيام إسماعيل، ثم في أيام سعد زغلول، ثم فيما بعد تكرر.
وإذا بالمنتمين إلى الفكر الغربي، الذين قبلتهم ليست مكة إنما واشنطن، ولم يتلقوا العلم الشرعي من سنة محمد ﷺ وميراثه الذي ورثه لنا، وإنما تلقوا تعليمهم الإلحادي في تلك البلاد الكافرة، وإذا بهم يطالبون نفس الشيء، ويدعون إلى التحرر والإلحاد والخروج فكانت المسيرة.
فاجتماع هذه الأمور من وجود القوات ووجود هؤلاء السافرات الفاجرات ومعهن الكافرات، ووجود التوجيه من الخارج بالتغيير الاجتماعي -الذي لا بد أن يطرأ على دول المنطقة بعد قدوم هذه القوات- هذا هيأ الفرصة لخروج ما سمي بالمظاهرة، فخرجت وقد ظنوا -وخيَّب الله ظنهم- أننا قد متنا وأنه (ما لجرح بميت إيلام)، فظنوا أن الإيمان قد فُقِِدَ، أو ذُبح، وأن حب الدنيا، وغلبة الشهوات، والتربية الإعلامية الطويلة على الانحلال، والسفر إلى الخارج المفتوح على أبوابه، وأكل الربا، والانغماس في الشهوات، وإبعاد الشباب عن حياة الجد، وغيرها من العوامل، أن ذلك كله قد قضى على شخصيتنا الإيمانية.
وتوقعوا أنه سيعترض بعض من سموهم أصحاب المكانس، ولكن سنغلبهم وسيعترف المسئولون بالأمر الواقع، وسيكون لنا كيان ووجود، ويكتب التاريخ أننا الزعيمات الرائدات لهذه الحركة، وكانت -والحمد لله- غلطةً كبرى، ووهماً عظيماً وقع فيه المخططون، ولا نعني المنفذات الغبيات، وإن كان فيهن من هي على علم، ولكن وقع في الوهم الكبير المخططون، ومن يقف وراء المخططين، وأخطئوا التوقيت، وعبارة (وأخطئوا التوقيت) كثيراً ما سمعناها، لكن نحن نريد بها معنى آخر، نقول: إنهم أخطئوا التوقيت بأن قدموا الأمر في وقت ظنوا فيه أننا قد متنا، ولكننا -والحمد لله- ما زلنا أحياء، وظنوا أنهم سيضحكون على علمائنا، ولكنهم والحمد لله تنبهوا، بعد أن كاد الأمر أن يفلت بتعهد، لكن الاستنكار الذي قوبلن به قضى على الأمر.
стр. 2250
الصبر والمجاهدة تجاه الفساد
لقد كشفت المؤامرة، وعرف من وراءها، وعرف المخرجون والمنفذون، ولم يسكت المؤمنون الغيورون على هذا الأمر أبداً، ولن نسكت أبداً، والقضية ليست قضية قيادة المرأة للسيارة، إنَّ القضية قيادة الأمة إلى الهاوية، وعندما أفتى العلماء بتحريم قيادة المرأة للسيارة، وصدر بها بيان من وزارة الداخلية، وعقب على ذلك أيضاً وزير الداخلية في مكة -كما سمعتم- ظهر العلمانيون المجرمون لمصادرة هذه الفتوى، وكتبوا وقالوا: إن هذا الأمر قابل للنقاش، وللحوار، وأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والأحوال.
عجيب ما المقصود؟ ولماذا يكتب في جريدة مشهورة، ثم يقرأ عقب الأخبار في التلفزيون، وكأنه تعليق رسمي من الحكومة؟ وكأنه يقول: انتظروا قليلاً، نحن الآن مجبورون أمام هؤلاء، لكن سيموتون هؤلاء الأربعة أو الثلاثة، ويأتي الجيل المرن فيما بعد، وتتغير الفتوى ويكون حلالاً.
وضربوا أمثلة، قالوا: تعليم المرأة كان مرفوضاً ثم أبيح، وظهور المرأة في التلفزيون كذلك وذكروا كثيراً من المنكرات، التي تغيرت الفتوى فيها، أو الزمن غيرها ثم أُقرت.
نقول: خاب ظنكم! وخاب شأنكم! ووالله لا يكون إن شاء الله، ونحن الشباب المسلم -والحمد لله- كثير وكثير جداً، بل نحن الأمة كلها قد عاهدنا الله ألا يتم ذلك، بل المرأة المسلمة الغيورة استنكرت، وكثيرٌ منهنَّ لم تستنكر لعفافها ولكن لا يخرج عنها علم أو خبر.
وإلا لو كانت المسألة كما في المجتمعات الأخرى مظاهرة ويرد عليها بمظاهرة، لكان بإمكان العلماء والدعاة أن يخرجوا مقابل أربعين، أو بضع وأربعين عاهرة أو فاسقة، أو فاجرة -أياً كانت- أن يخرجوا ثمانية ملايين امرأة، إن كان عدد النساء عندنا ثمانية ملايين، لكن نحن لا نرى أسلوب المظاهرات أصلاً.
وهم يقولون: إن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، نقول: نعم! لن تعود أبداً بل بدأت -والحمد لله- تدور إلى الأمام في مصر، والجزائر، والمغرب، وتركيا، وأفغانستان وفي كل مكان، بدأت المرأة المسلمة تعود إلى حجابها وتعرف دينها، حتى في الأرض المحتلة في فلسطين المحتلة، وحتى في غيرها من البلاد -والحمد لله- بل حتى الفتيات المؤمنات داخل المجتمع الغربي الكافر نفسه، بدأت المرأة المؤمنة تعرف أنها مؤمنة، وتتمسك بحجابها في تلك الدول، هنالك في تلك المجتمعات؛ والطفلة فاطمة التي هزت فرنسا وغيرها من الأمثلة على ذلك -والحمد لله- فنعم، عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، وقد بدأت مسيرة الإيمان إلى الأمام، والمسألة ليست عقارب ساعة، لكن المسألة هي مسألة غفلة وران تجتاح القلوب بالمعاصي والذنوب، وبحب الشهوات، وبأكل الربا، وبالانحراف عن شرع الله، وبعدم تحكيم شرع الله وإقامة دينه.
ولكن هذه الأمة تفيق وسرعان ما تفيق، وإذا أفاقت؛ فإنها تُحِكِّمُ كل القيود، وتفجر كل السدود بإذن الله ، وهذا ما نص عليه الرسول ﷺ : ﴿ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين﴾، وفي رواية ﴿يقاتلون على أمر الله، لا يضرهم من خالفهم﴾ لا يضرهم من خالفهم كائناً من كان، الشرق أو الغرب، حتى يأتي أمر الله، فيستمرون والغلبة لهم، وما مر بهذه الأمة مرحلة ضعف وخذلان، إلا وعقبها يقظة ونهضة قوية، وأعقبها غسل للعار، وأخذ بالثأر من كل مجرم جعل عرضها أو دينها أو شرعها مهزلة أو سخرية.
هذه حقائق يجب أن يعلمها أولئك، ويجب أن يعلمها الشباب وبالذات في هذا البلد الحرام.
أقول: إن ما بلغني وما سمعته من استنكار شديد في أوساط الشباب، والمشايخ وعلى رأسهم العلماء والحمد لله، العلماء في محكمة التمييز، وفي شئون الحرمين، وفي الجامعة وفي كل مكان من هذا البلد، الدعاة والطالبات والمدرسات في الكليات، أقول: هو خير كبير ومع ذلك لا يكفي بالنسبة إلى إنكار غيرها من المدن، يجب أن يكون هذا البلد الحرام هو المتصدر الأول للإنكار على هذا المنكر.
هذا البلد الذي انطلقت منه دعوة الخير والنور، والهدى يجب أن يكون أكثر المدن إنكاراً لهذا الفساد العظيم، وأكثر مطالبة لحكم الله، لا نطالب إلا بحكم الله في كل قضية، حكم الله ، أما تعهد فهذا لا ينفع نحن نريد حكم الله وشرعة، وما يحكم به القضاة في كل المسائل التي تعرض عليهم من شرع الله نرضى به ولا بد أن نرضى به في هذه المسألة، ولا يمكن، ولا ينبغي، ولا يحق لأي مؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن طالب بحكم الله فما ظلم ولا تجنى على أحد.
نطالب وبكل شدة وإلحاح، وسنستمر في المطالبة بأن يعرضن على شرع الله، وإن لم يحاكمن، وإن لم تقم تحتسب الجهات المسئولة بإقامة دعوى عليهن، فلا يجوز لنا أن نسكت، وسنأثم -جميعاً- إن لم يكن منا من يحتسب عند الله ، ويقيم الدعوى لوجه الله.
وعلى النائب أو المدعي العام أن يستمع الدعوى، وأن يرفعها ويوصلها إلى القضاء، وتكون محاكمة بين هذا المحتسب أو المحتسبين، وليكونوا من علمائنا الأجلاء والحمد لله، فليحتسبوا هم بإقامة هذه الدعوى، ليرفعهم الله بها في الدنيا والآخرة، ثم حكم الله يمضي، ولا نعيد الكرة، لا نعيد ما حدث في ملف الحداثة، وماقبله مما نشر من إلحاد وكفر وضلال، فهذا البلد -والحمد لله- ما قام إلا على التوحيد والسنة، وسيستمر على التوحيد والسنة، رغم أنوف الكائدين والحاسدين من المنافقين هنا، ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ [الأحزاب:٦١]، ومن الأعداء هنالك الذين يحركونهم ويشجعونهم، وسيرغم الله ﵎ أنوفهم بنصرة دينه وإقامته.
стр. 2251
واجبنا تجاه هذه القضية
لا نعني حل هذه المشكلة في ذاتها فهو ما أشرنا إليه حل سهل وواضح، وعادي، ومطلب مشروع جداً، وليس في إمكان أحد كائناً من كان، أن يلومنا عليه وهو المطالبة بحكم الله فيهن، هذا واضح، لكن ليست هذه هي القضية، فالقضية أنه يجب علينا أن نطالب، وأن نسعى إلى استئصال هذا الشر من جذوره، وتجفيف كل منابعه، وتطهير وسائل الإعلام من تلفاز وإذاعة، وصحافة، تطهيراً كاملاً من كل ما حرم الله.
ومن ذلك -أيضاً- تطهير الأسواق، والنوادي، ومراكز التجمع النسائية، وغير النسائية كائنة من كانت، من كل ما حرمه الله، من كل ما يغضب الله، وتطهير المناهج من كل دخن، وتطهير القلوب من أمراض الاعتقاد أو الشبهات، وأمراض الشهوات، والإذعان والانقياد والاستكانه لله .
على أية حال نقول: لا بد من عودة صادقة كاملة إلى الله، نزيل كل ما حرَّم الله، فمحلات الفيديو لابد أن تقفل -جميعاً- إلا ما كان منها منضبطاً بشرع الله، وكذلك التسجيلات التي تبيع الغناء المحرم وكل التسجيلات غير الإسلامية لابد أن تقفل جميعاً، وكل شيء خالف شرع الله في حياتنا العامة، وإن لم يكن يتعلق بالنساء خاصة، كالبنوك الربوية تقفل جميعاً، وبدون تردد ولا استثناء.
فكل شيء عصينا الله فيه، فنرجو الله بأن نقفله أو نمنعه، فإن قيل: هذا شيء كبير، وتحول خطير، ونحن لسنا على استعداد أن نغيرها، وأن نتوب هذه التوبة.
فلنقل إذاً: أنكون على استعداد لغضب الله، ومقته وعذابه وتسليط الله ﵎ العذاب علينا، يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون:٧٦] إن لم نستكن ونتوب ونتضرع؛ فإذاً لا بد أن تنزل العقوبة كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:٢٥].
بل يجب أن نحمد الله أن فينا من أنكر، وأنَّ هذا الإنكار الذي يدل على وجود مُصلحين هو الذي يدفع الله تعالى به العذاب، لأنه تعالى ما كان ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون، ولم يقل: صالحون، فوجود المصلحين والمنكرين نعمة عظمى من الله، وقد كنت والله أخاف أن يباغتنا عذابٌ من الله ﵎ فيسلط علينا هؤلاء الأعداء أو غيرهم، جزاء بما اقترفنا وعصينا، ولأننا لم نظهر توبة صادقة حتى الآن، فلما جاء هذا الإنكار اطمأن قلبي نوعاً ما، وفرحت وقلت: الحمد لله، إن الله لن يهلكنا وفينا هؤلاء المصلحون، هذه نعمة من الله، فالحمد لله.
إذاً سيدفع الله تعالى عنا العذاب، وسيصد الله تعالى أعداءنا من عنده وبأيدينا -أيضاً- بإذن الله، هذه نعمة، فكلما ضاعفنا الإنكار، واستئصلنا شأفة الذنوب والمعاصي، وكلما صدقنا مع الله إنابة وتوبة، وإخلاصاً، وصدقاً، وتضرعاً، فذلك -والله- هو الخير والنجاة والفلاح والسعادة.
وأما غيره فهو الخسارة، والهزيمة، والنكال، والعذاب، والهوان، ولا سيما لهؤلاء الذين توعدهم الله ﵎ بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور:١٩] انظروا! ليس فقط في الآخرة بل في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون.
لا تقولوا: كيف تأتيهم العقوبة، إن لم نعاقبهم نحن، فإن هناك أبواباً من العقوبات لا نعلمها، سوف يسلطها الله ﵎ على هؤلاء، فنحن -والحمد لله- مهيئون للتوبة وللإنابة، وإن لم يكن هذا البلد هو المهيأ، وإن لم يكن حملة الإيمان فيه هم الدعاة إلى هذه التهيئة فمن إذاً يكون؟ والحمد لله رب العالمين.
стр. 2252
الأسئلة
стр. 2253
انتشار ظاهرة تدليك النساء
السؤال
انتشرت محلات التدليك النسائي بكثرة حتى في هذا البلد مكة، وهناك سهولة في الحصول على الترخيص؟
الجواب
وذلك لأنه لو أراد ترخيص لتسجيلات إسلامية فسيتأخر سنتين، لأنها لا تناسب ولا تعجب هؤلاء العلمانيين، ولهم أيادي وسلطة في بعض القطاعات لا تخفى عليكم، ولذلك يمنعونهم، لكن أماكن التدليك جزء من الظاهرة الكبيرة، وهي الانحراف والبعد عن دين الله -كما قلنا- وهذا هو إشارة إلى مرض من الأمراض.
стр. 2254
حكم قيادة المرأة للسيارة
السؤال
حكم كبار العلماء في قيادة السيارات شيء جيد، لكن أود منهم أن يفتوا، وأن يقوموا بالدعوة إلى إقفال تلفاز القناة الثانية وغيره؟
الجواب
موضوع قيادة السيارة للمرأة لا يحتاج فيه إلى كلام، وليست القضية قيادة المرأة للسيارة أبداً، ولا نعالج الخطأ بالخطأ، ولا نعالج المرض بالمرض، أصل قضية المرأة الله سبحانه قد حسمه وقد حله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] وقرن هذا الأصل ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٣] هذا كلام رب العالمين، فالأصل هو أن تقر المرأة المسلمة في بيتها، ولا تخرج إلا لحاجة أو ضرورة، هذا أمر آخر وشيء يبحث، وفي حياة النبي ﷺ والصحابة والتابعين كان هذا واقعاً فلا جديد في الأمر، أما أن نخرج على شرع الله في أمر من الأمور، ثم نريد أن نرقع، فنحل المشكلة بخطأ أو مصيبة أخرى؛ فلا يُضحك علينا بذلك.
الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهموا أول الأمر من نزول الحجاب أن ذلك حتى لا تُعرف المرأة أصلاً، والحديث الصحيح الذي رواه البخاري في عدة مواضع ورواه غيره من حديث سودة رضي الله تعالى عنها لما خرجت أم المؤمنين من عند النبي ﷺ وهو يتعشى وفي يده عرق اللحم، خرجت فرآها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الليل، وكانت محجبة، لكن كما قالت عائشة رضي الله تعالى عنها في الحديث: ﴿وكانت امرأة بدينة لا تخفى على من يراها، قال عمر: قد عرفانك يا سودة فانظري كيف تخرجين، فانكفأت رضي الله تعالى عنها راجعة﴾.
انظروا إلى أخلاق وآداب الإسلام، انكفأت راجعة إلى رسول الله ﷺ فقالت له ما قد جرى، فتغشى النبي ﷺ ما كان يتغشاه إذ نزل الوحي وما يزال اللحم بيده حتى أفاق، ثم قال: ﴿إن الله قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن﴾.
أي: ليس الشرط أن لا تعرف المرأة، حتى لو عُرِفَت أنها فلانة، ما لها ذنب، ما دامت متسترة ومتحجبة، لا يُرى منها شيء.
انظروا! كيف فهم الصحابة من الحجاب أنه لا تعرف أصلاً، لا يرى إلا السواد، ولا يدرى سواد من هذه.
فكيف الآن يقال: تقود أو لا تقود، لا ينقلونا نقلةً بعيدة، فالمسألة مسألة التزام بأمر الله ولا بد أن نلتزم به، وقيادة السيارة يرجع الأمر فيه إلى أصل الخروج وإلى حاجته، وإلى ضرورته، وإلى تحريم الخلوة بالسائق الأجنبي، وإلى غيره من الأمور المحكمة في هذا الشأن والتي تكلم فيها علماؤنا والحمد لله.
стр. 2255
التحسن الطفيف في برامج التلفاز
السؤال
في بداية هذه الأحداث المؤسفة لاحظنا تحسناً طفيفاً على برامج التلفزيون فاستبشرنا خيراً، ولكن بعد أسبوع أو أسبوعين عاد الحال إلى ما هو عليه؟
الجواب
الله أكبر! يقول تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٣ - ٤٥] سُنة الله! نعوذ بالله أن تكرر فينا، نسينا ما ذُكِّرنا به؛ فلما فتح الله علينا الخير؛ حتى الأمن فتح، فتح عندنا الأمل في الأمن وأن صدام لن يفعل شيئاً، كنا خائفين، فذهب الخوف، والآن محميين ومنا من ترضى عن بوش ودعا له، فانتهى الأمر ونسينا ما ذكرنا به، ورجعنا إلى معاصينا نسأل الله العفو والعافية.
стр. 2256
مخططات تدمير أخلاق المرأة المسلمة
السؤال
ما هي توقعاتكم لمخططات أعداء المرأة المسلمة في هذا البلد؟ وهل سيحدث أو سينجحون في تدمير أخلاق المرأة؟
الجواب
هم أحقر وأذل وأقل من أن ينجحوا بإذن الله.
стр. 2257
الأسواق والصحف الداعية للسفور والرذيلة
السؤال
إنَّ الأسواق لا زالت تعج بالصحف والمجلات الداعية للسفور والرذيلة ومحاربة كل ما هو إسلامي؛ فما السبيل للحد من هذه المجلات؟ وهل من كلمة إلى طلبة العلم تبين خطرها؟
الجواب
الكلمة موجهة ومعروفة، ومن ذلك فتوى فضيلة الشيخ محمد بن صالح عثيمين جزاه الله خيراً، مطبوعة وما أظن يخلو منها أي بيت، والقضية هي قضية الإنكار.
إذا أنكرنا فأولاً لا نشتريها.
ثانياً: ننكر على أقربائنا وإخواننا، وزملائنا ونحذرهم.
ثالثاً: نكتب ونحذر أيضاً ونبين لوزارة الإعلام خطر وفساد هذه الجرائد، وأرجو إن شاء الله أن نجد التجاوب منها إذا رأوا الإنكار شاملاً كما حدث في الإنكار على هذه المصيبة.
стр. 2258
تطوع المرأة في الحرب
السؤال
يقول بعضهم: إن تطوع المرأة جائز، بحجة أن المرأة شاركت رسول الله ﷺ في حروبه، وفي إسعاف الجرحى، ما هو تعليقك؟
الجواب
نخشى -والعياذ بالله- أن يتحقق فينا قول الله ﵎ في المنافقين إذا دعوا إلى ورسوله أعرضوا، قال: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور:٤٩] إذا كان لنا شهوة ورغبة في أمر من الأمور قلنا الفتوى صدرت وجائز وفي عهد الرسول ﷺ ، وفتاوى العلماء في الربا أليست في القرآن وفي السنة وفي جميع كتب الفقه؟ أليس العلماء ليل نهار يفتون؟ أعجبتنا هذه وهذه ما أعجبتنا! نتخير في دين الله كما نشاء!
نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
إن المفروض بعد هذه الأحداث ألاَّ يبقى شاب إلا وأصبح متدرباً ومتطوعاً وجندياً للجهاد في سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله في كل مكان، وفي كل بلد وفي كل قرية، حتى لو عطلنا الدراسة، المهم كلنا نتحول إلى جيش، ونقول: أربعة أشهر فقط، ويكون عندنا مليون جندي، ولا نستعين بكافر ولا مسلم، نحن في غنى عنهم، عندنا الحمد لله المال، وبلدنا أغنى بلد في العالم، وثرواتنا مكدسة في بنوك الغرب، وعندنا الإمكانيات، وعندنا الشجاعة بل نحن معدن الشجاعة في الدنيا كلها، نحن أحفاد الصحابة.
فلنتدرب ولنستعن بالله ولنقاتل كل من يحاول أن يهاجم بلادنا، بل نجاهد الكفار والمنافقين في عقر دارهم، والله نستطيع ذلك لو أردنا، ولوكانت لنا قلوب حية وصادقة مع الله لكن المصيبة أن الأحداث تمخضت عن فتح باب التطوع للنساء.
أنا أضرب مثلاً في مكة هنا، ليس فيها مركز تطوع للرجال، أما النساء أكثر من ثمانمائة امرأة في الدفعة الأولى، وما أدري كم الثانية وكم الثالثة؟! أعوذ بالله! أليست هذه انتكاسة ومصيبة وكارثة؟ ومع ذلك أيضاً استغلوا هذا الموضوع وأخذوا يشقشقون منه دورة بسيطة تأتي بتوقيع الوزير، ثم يقال: دورات للمتفوقات، ثم ربما يأتي دبلوم، وماجستير، ودكتوراه، يراد أن تمطط، وأن تعمم، وأن تنتشر؛ لأن الله تعالى قال وهو أصدق القائلين: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٢٧ - ٢٨].
فهذا حال المتبعين للشهوات، يريدون ذلك، ففتح الباب، ثم أخذ القوم، وقالوا: المرأة ساهمت في خدمة الوطن، وتطوعت من أجل الوطن، ومع ذلك ماذا قدمنا لها؟ إذا قلنا: ماذا نقدم لها؟ الدعاء! ما يريدون الدعاء إذاً ماذا نقدم هل نقدم المال؟ كل واحد منا يُعطي زوجته إذا تطوعت خمسمائة ريال أو نحوها، مكافأة لها تقود السيارة وتحمل السلاح، وبعد ذلك تذهب إلى الجبهة، وتسير بين الأمريكيين والأمريكيات، هل هذا هو المطلوب؟! انظروا يا إخوان قبل يومين في أحد وكالات التلفزيون أو قنوات الإذاعة الأمريكية -والخبر أنا أخذته من الإذاعة- نقل مقابلة مع جنديتين في الفرقة (٢٥١) الأمريكية التي جاءت إلى المملكة، جنديتين بين ألف رجل، انظروا الحرية والديمقراطية والحياة التي يطالب بها هؤلاء الفاجرات ومن ورائهن، تقول الجنديتان: لقد شعرنا بالألم وبالقرف، وبعبارات كثيرة مترادفة.
وقالت إحداهن: وجدت أني امرأة واحدة أنام على سرير وحولي ألف رجل، وفي جو صحراوي موحش، هذه تقاتل بالله عليك، هذه تخاف من ألف وحش وهي كالدجاجة بينهم، وأبناءها وأطفالها هنالك، لا تستطيع أن تفعل شيئاً، ولكن لا بد أن تثبت جدارتها، حتى قال رئيس هيئة الأركان الأمريكية: إن دخول المرأة الأمريكية في الجيش هو أقوى أو أعظم من دخول القنبلة النووية، يعني: في عظمته وفي هزته.
فهذه الأمريكية، تصرخ وتجأر، تقول: تمنيت وندمت أنني انخرطت في السلك العسكري، وتمنيت أني لم أنخرط فيه، ولم آت إلى هذه البلاد، فالمرأة بفطرتها ما تريد هذا الشيء، ومع ذلك يقال: إن هناك من طالبن بذلك وتم نشر صورهن في الشرق الأوسط، وفي جريدة الرياض، وفي الظهيرة، وفي المجلة الخبيثة التي يسموها سيدتهم، وفي أمثالها، ويطالبن بكثرة التدرب على السلاح وبالمشاركة بالجبهة، إن كنا نطمع أنهن يدافعن عن البلاد، الله المستعان! مثلما قال الشاعر النبطي:
لبس الرجال العبي وأعطوهن البنادق واللحى
стр. 2259
فهم خاطئ
السؤال
ذكرتم في محاضرة سابقة، أنكم سوف تمرون على المراكز المعدة لتدريب الفتيات وتعليمهم التمرين؟
الجواب
لا.
أنا ما قلت هكذا، وكثيراً ما أُفهم خطأ، الإخوان سألوني وقلت لهم: إلى الآن لا أعرف طبيعة التطور، كنت ذلك الوقت لا أعرف حقيقتها، وقلت: ربما تكون بعض التدريبات -مثلاً- وفي أوقات معينة، وبضوابط معينة مع المحارم، أو يقوم بها النساء للنساء، وقلت: ممكن أن نقترح إذا جعلوها في التلفزيون -مثلاً- وتراها المرأة وتطبقها، للاحتياجات المنزلية، أنا ما أجبت جواباً قاطعاً، وقلت: سأستفهم من المسئولين في إدارة الشئون الصحية، ما قلت: سوف أمر على المراكز.
وعلى كل حال: لسنا بحاجة إلى أن نمر على المراكز، قد علم الأمر ونشرت الصور في الصحف، وأجريت المقابلات معهن، وقرأتم جميعاً ماذا يردن، وماذا يطالبن، فلم يعد الأمر يحتاج أن أمر وأخبركم ماذا رأيت؟
стр. 2260
الوجود الصليبي وإفساد المرأة
السؤال
ألا توجد صلة وثيقة بين الوجود الصليبي في المنطقة وبين ما حدث؟
الجواب
أنا ذكرت أن الصلة موجودة بين الوجود الغربي الصليبي وبين هذه الحركة منذ الحملة الفرنسية ثم إسماعيل باشا، ثم الحرب العالمية الأولى، ثم ما بعد، فالصلة قائمة في كل الأوقات، وفي كل مكان.
стр. 2261
حكم احتفال النصارى بأعيادهم في بلاد الإسلام
السؤال
ما حكم احتفال النصارى بأعيادهم في معقل الإسلام وبين المسلمين، مثل: عيد الشكر، وعيد الكريسمس وغيره؟ وما حكم الرضا بذلك؟ وما العمل تجاه ذلك؟
الجواب
حكم أعياد الكفار أو المشاركة في أعياد الكفار معروف، وهو من مشاركتهم في دينهم، لأنها من شعائر دينهم، كما ذكر ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية في " اقتضاء الصراط المستقيم " وابن القيم في " أحكام أهل الذمة " وكذلك أفتى به -والحمد لله- سماحة الشيخ عبد العزيز وفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين، والفتاوى معروفة بل ومعلقة في بعض المساجد.
وبهذه المناسبة نقول للإخوة الذين سألوا عن عيد الشكر الذي قد يُقام بعد يومين: عيد الشكر هذا -أيضاً- من الأعياد الدينية للنصارى، وهو عيدٌ تقيمه الكنيسة البروتستانتية شكراً لله بزعمهم بعد أن نزلوا الأرض الجديدة، وتيسر لهم فيها هناك رخاء بعد جهد وبلاء وقحط نالهم فيها، بعض الناس يقولون: إنها كانت جدب ثم جاءت نعمة، وفيه الديك الرومي الطعام الطيب، فلذلك يحتفلون في هذا العيد بأكل هذا الديك الرومي.
المهم أنها شعيرة دينية وعيد ديني للنصارى، ولا يجوز أن يقام في أرض الإسلام، الذي قال فيها رسول الله ﷺ : ﴿لا يجتمع في جزيرة العرب دينان﴾ ويجب أن ننكر ذلك، ومن أنكر باللسان نرجو أن يكون قد برئ إن شاء الله تعالى.
أما عيد الميلاد فمشهور ومعروف، وتألمت عندما نشرت بعض الجرائد تقول: إنه ليس عيداً دينياً، فإذا لم يكن دينياً فما معناه، وكان من خصائص أو من شعائر الكفار اليومان اللذان كانا للعرب في الجاهلية قبل الإسلام، هل نستطيع أن نقول: إنهما كانا دينيين؟ وفيها شعائر دينيه كانا جاهليين.
المهم أن أي عيد غير اليومين الذين شرعهما الله لنا وهما الفطر والأضحى؛ فإنه لا يقر أياً كان، فإن كان الأمريكان يقيمونه على أنهم نصارى؛ فلا خلاف بأنه حرام، وحتى قيل: إنهم يقيمونه على أنهم لا دينيون؛ فلا نقول: الذي يقيم عيداً إلحادياً يقر، والذي يقيم عيداً دينياً يمنع! فكلها كفر وكلها سواء.
فعلى أية حال هذه الدعوى التي نشرتها بعض الجرائد لا تنفع قائلها، وتذكرون هذه عادة عند النصارى قديمة، ومن ذلك لما انتصر هرقل عظيم الروم على الفرس، نذر أن يحج إلى القدس ماشياً، وأن يبيت عشرة أيام على الصيام شكراً، هذا العشرة الأيام أيام شكر، يصومونها زيادة على ما فرض الله أيام الشكر، أي: أن النصارى يشرعون في دينهم شكراً لنعمة من النعم؛ هذا قديم وما فعله الأمريكان هو امتداد لما فعله هرقل من قبل والحكم واحد للجميع.
стр. 2262
الغزو الفكري عبر المجلات النسائية
السؤال
بعض الإخوان يستنكرون المحلات النسائية التي تحمل غزواً فكرياً خطيراً للمرأة؟
الجواب
نعم، ولا بد من تعاون الجميع على إنكار ذلك وفيما تقدم ما يكفي عنه.
стр. 2263
أنصار الباطل
السؤال
أدلى أحد المسئولين في إحدى الإذاعات الخارجية عن رأيه فيما حدث من مظاهرة النساء في قيادة السيارات، فقال: إن هؤلاء المعارضين -ويقصد الملتزمين- هم الذين عارضوا من قديم، عند الاستماع ومشاهدة الراديو والتلفزيون، وقال: إنه إذا لم تقد المرأة السيارة اليوم فسوف تقودها غداً؟
الجواب
كما إن للحق أنصار فإن للباطل أنصار، مهما كانت درجته ومهما كانت أسماءهم، ومثل هذا القول من الفضيحة والخزي الذي يريد الله أن يذلهم بها، وهي من عذاب الدنيا الذي ذكره ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ [النور:١٩] أن الإنسان يفضح نفسه فيقوم ضد حكم الله وضد مجتمعه، وضد بلاده، وضد ما أعلنته رسمياً وما أعلنه العلماء؛ فيقول: أنا أؤيد أو أنا أتوقع، فيكفي ما حصل له أياً كان.
стр. 2264
عمل المرأة في المستشفيات كممرضة
السؤال
يدَّعي كثير من الناس أن المرأة يجوز لها أن تعمل كممرضة في المسشفيات، وذلك وفق التقاليد الإسلامية، ثم نراهن وقد تبرجن وكشفن عن وجوههن، وسيقانهن، ونحورهن، وتزين وتسكعن في المستشفيات، أليس هذا الواقع حجر نلقمه هؤلاء الأدعياء، الذين اتخذوا عبارة (وفق التقاليد الإسلامية) رماداً يذرونه في العيون، وأمثال هذه القضية كثير؟
الجواب
بلى، ولتعرفوا أثر الدعاية والتضليل، نضع هذا المثال: لو أنَّ رجلاً من الناس له نعمة، صاحب مال، فتح الله عليه، وعنده أب كبير، أو أم كبيرة، وكلاهما عاجز وهو بارٌ لوالديه، اتصل بأحد الناس، السلام عليكم يا فلان، أنا فلان ابن فلان التاجر المعروف، حياك الله، ماذا تريد؟ سمعت أن عندك بنتاً معها الثانوية، أو أخذت المتوسطة، لو تعطيني إياها أجعلها تخدم والدي عندي وأعطيها خمسة الآف ريال، ماذا يقول له بالله عليك؟ يمكن أن يتقاتل معه ويسبه ويشتمه، إن كان فيه مواجهة ويمكن ألا تفصل بينهما إلا الشرطة، يقول مستنكراً: أنا بنتي خدامة عندك يا فلان، ويقوم الدنيا ويقعدها.
هذا لأنه بطريقة مباشرة وهو واضح، وهذه طريقتنا نحن في الإنكار، أو طريقتنا حتى في عرض القضايا نحن الإسلاميين، نعرضها بوضوح فقد يفاجئون الناس بها، أو ممكن بوضوح، قالوا: هؤلاء مثيرين، ومفتنين، ومفسدين، أولئك يعرفون كيف يعرضون، وكيف يستغلون وسائل التغرير والتضليل الفاسدة.
يقول لك: خدمة الوطن، وخدمة البلاد، وتعمل في المستشفى، ويأتي لك صورة السابقات الأوليات، وكذا وكذا، وهي في الحقيقة خادمة هناك لكل مريض، وتحمل الدواء والآنية لكل طبيب، ولكل رئيس ممرضين، وتناوب في الليل وفي النهار، ومختلطة بالرجال.
فلا فرق بين أن تخدم عجوزاً في بيت منعزل، محافظ، وبين أن تخدم في مستشفى.
لو يوجد عاقل يقول: والله أجعل ابنتي عند هذا الرجل ولا أجعلها عند أولئك، ولكن مع ذلك نستنكر هذه لأنها واضحة ومباشرة، والتغرير والتضليل جعلنا الآن نقبل تلك بل نعدها وطنية، والله المستعان!
стр. 2265
الرقابة الإسلامية على الصحف
السؤال
أين الرقابة الإسلامية على الصحف، حيث نشرت إحدى الجرائد قصيدة لإحدى الفتيات وهي كما هو مكتوب (فتاة الحريبي) تقول في بعض أبياتها:
ألا يا هلي ليتني ما لبست خماراً وليت البراقع ما ربطن عراويها
أنا أستغفر الله معقل الحكمة الجبار ولكن بلادي غالية كيف نفديها
الجواب
في الحقيقة القصيدة جاءتني، وقرأتها ولا أرى فيها اعتراضاً على الحجاب، بل يمكن أن يكون شعوراً طيباً لو وُجِّه وجهة صحيحة، أن المرأة المسلمة لما رأت الرجال ما صنعوا شيئاً، فهي تتمنى أن تكون رجلاً، لا اعتراضاً على حكمة الله في أن جعلها امرأة، لكن تقول: مصيبة الرجال لم تفعلوا شيئاً، ولذلك ذكرت صاحب البسطار، وصاحب الخوذة، وصاحب الرادار في آخر القصيدة وهي موجودة عندي تقول: ما عملوا شيئاً، نحن نصرف عليهم الملايين من سنين، وجاء وقت الحاجة وما رأينا شيئاً، فياليتني أستطيع أن أخدم، دون اعتراض على حكمة الله.
أتوقع أن هذا نوع من التعبير، والشعر باب واسع يحتمله، فأرجو أن نغتفر، وأن يغفر الله لها، إن كانت إن شاء الله صادقة، وما مرادها إلا التعبير عن الألم والخيبة، والمرارة التي أحس بها الإناث، عندما رأوا أننا لاشيء، بعد ذلك الوهم الكبير الذي كنا نعيشه، أظن هذا خير، والله تعالى قد أمرنا بالعدل والإنصاف، وماوجدنا للقوم محملاً أو مخرجاًَ إلا أخذنا به.
стр. 2266
التشهير بأسماء كبار المفسدين
السؤال
لماذا لا يتم التشهير بأسماء المفسدين الكبار وفضح مخططاتهم وأهدافهم، وتحذير الناس منهم؟
الجواب
ليست القضية قضية أسماء، وإلا فهم معروفون، حتى بعضهم كانوا في الجامعة عندنا، نعرفهم بأعيانهم ولو شئنا لسمينا، لكن القضية ليست هي قضية فلان وعلان، لكن القضية شر سيمثله فلان أياً كان، وخير يجب أن نكون نحن الممثلين له إن شاء الله الداعين إليه.
стр. 2267
دور حزب البعث في تحرير المرأة
السؤال
ما هو دور حزب البعث في تحرير المرأة؟
الجواب
معلوم أن بعضهن لهن صلات عن طريق إخوانهن وأقاربهن بـ حزب البعث من جهة، ومن جهة أخرى المتزعمات بعضهن حداثيات، والحداثة لا يشك أحد بصلتها بـ البعث من الناحية القومية، ولو راجعتم صحفنا وجرائدنا وقرأتم للسياب، وما أدراك ما السياب، وعبد الوهاب البياسي الذي جيء به إلى هنا وكان ما كان من الاعتراض، وقدم إلى هذه البلاد رغم إلحاده، وغيرهم من الشيوعيين، أو البعثيين، أو القوميين، وكل المهرجانات التي أقيمت في العراق وغيره، وحضرها بعضهم، بل بعضهن -أيضا- حضرن المهرجانات تلك، كلهم تغنوا بقداسية صدام وأثنوا عليه، ولو تراجعوا المجلات فهي شاهدة بذلك، فصلتهم بـ البعث واضحة، ولا استغراب.
بعض الإخوان يقولون: كيف لهم صلة بـ البعث وفي نفس الوقت لهم صلة بالغرب، هي واضحة جداً ولا تحتاج إلى دليل، نقول حزب البعث نفسه حزب صليبي غربي، ولهذا في مقابلة لـ مجلة المجلة مع حسن العلوي، -المستشار الإعلامي لـ صدام وحزبه- فقيل له: ما رأيك في دعوى صدام للجهاد؟ قال: حزب البعث حزب علماني خرج من رحم التغريب، ولا يمكن أن يكون إسلامياً أبداً، وكلام طويل مشهور منشور في مجلة المجلة.
стр. 2268
نداء من فتاة
تقول: من الفتاة السعودية إلى دعاة العلمانية، أيها العلماني! لا مكان لك بيننا، اذهب بعيداً عنا، فنحن حفيدات خديجة، وعائشة، وأم سلمة، ونسيبة، وأم عمارة، فنحن في بلاد الحرمين ويحكمنا القرآن، لماذا تريدون المرأة أن تخرج من بيتها وتخلع حجابها وتقود السيارة، لماذا؟ أتريدون منا ذلك؟ أما رأيتم المرأة في الغرب وما وصلت إليه الآن، وما أصبحت تنادي به إلى الرجوع إلى البيت، هيهات لكم يا دعاة العلمانية، فنحن سنخرجكم بإذن الله من بلادنا، وسنتمسك بحجابنا أكثر، فالحمد لله فما ازددنا إلا إيمانا وتمسكاً بديننا.
المقصود أننا نشكر الأخوات على هذه المشاعر الطيبة، وحقاً قلن عندما قالوا: سنخرجكم من بلاد الإسلام والسنة، من لم يكن على منهج القرآن وعلى الإسلام، يريد علمانية أو ديمقراطية أو شيوعية أو أي شيء غير الإسلام، ومن لم يكن على السنة، بل يريد أي مذهب من المذاهب المارقة الخارجة فلا مكان له في هذه البلاد، لا بد إما أن يخرج وإما أن يُخرج.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2269
الممتاز في شرح بيان ابن باز
بدأ الشيخ ببيان الفرق بين الكفر والشرك، ثم انتقل إلى شرح البيان الذي أصدره سماحة الشيخ ابن باز مبتدئاً بتوضيح جهود الشيخ ابن باز العلمية والدعوية، وأوضح في شرح البيان بعض أوصاف الخوارج التي اتصف بها من تهجم على مشايخ أهل العلم، مبيناً أنهم اتهموا مشايخ العلم في قضايا خلافية لا تقبل القدح في دين المخالف، داعياً إياهم إلى إعلان التوبة بإصدارات جديدة تبرئ ساحة مشايخ العلم، ثم عرج على التطورات الحاصلة في انتخابات الجزائر والتي دخلت فيها جبهة الإنقاذ الجزائرية، وبين أنها اختارت خيار دخول الانتخابات وحصدت أصواتاً كبيرة، مما جعل الأعداء يهددون بتدخل الجيش خوفاً من قيام دولة إسلامية على أرض الجزائر.
стр. 2270
الفرق بين الكفر والشرك
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
السؤال
ما هو الفرق بين الكفر والشرك؟
الجواب
الأصل أن المعنى واحد، فكل كافر مشرك، وكل مشرك كافر، لكن يختص كل واحد منهما بمعنى غير الذي يختص به الآخر، وذلك أن الكفر في اللغة هو الجحد، والستر، والتغطية، ومن هنا سمي الفلاحون أو الزُراع كفاراً؛ لأن الفلاح يستر ويغطي البذرة بالتربة.
فالكافر يستر الإيمان والفطرة التي فطره الله عليها، ويستر الدين ويجحده ويغطيه، ويكفر بآيات الله ﵎، فهناك مناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.
أما الشرك فإنه كما يدل عليه لفظه: هو جعل ند مع الله، أي: اتخاذ إله مع الله، فهذا هو الشرك، وهذه حقيقته.
فإذا ذُكِرَا معاً فلكل منهما دلالته، كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١] فهاهنا أهل الكتاب المقصود بهم: اليهود والنصارى، والمشركون المقصود بهم: الأميون من العرب وأشباههم.
وإذا أُفرد ذكر الشرك أو الكفر مطلقاً، فإنه يعم اليهود والنصارى ومشركي الأمم والعرب، فكلهم يشملهم هذا التعبير، فالكفار هم كفار، وهم مشركون، فمن شركهم: أنهم قالوا: إن عيسى ابن الله، وإنه إله، كما ذكر الله ، فهم مشركون وهم كفار، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:٧٢] وإذا أُطلق الشرك، فإنه يشمل أولئك أيضاً، فبهذا يكون المعنى قد اتضح.
стр. 2271
بيان للشيخ عبد العزيز بن باز
وندخل الآن في موضوع كثر عنه السؤال والكلام في هذه الأيام، والذي طلب فيه الكثير من الإخوة إيضاح حقيقته أو المراد به، أو كما يعبرون: وضع النقاط على الحروف فيه، وهو البيان الذي أصدره سماحة الوالد الشيخ: عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين وعن الدعاة وطلبة العلم خير الجزاء، فهو أب كريم وموجه ومربٍ حكيم، وهو ناصحٌ مشفق، وهو الذي رتب هذه البرامج الدعوية، وتخرجت هذه الأجيال على يديه وبأثر علمه، وهو الذي ذب عن أعراضهم لما رأى النيل والقدح والطعن فيهم، فهو جدير أن يشكر بعد شكر الله ﵎ منا جميعاً، من الذين دافع عن أعراضهم، ومن كل المسلمين الذين من حقهم أن يشكروا سماحته على هذا الجهد، ونسأل الله تعالى أن يذب النار عنه يوم القيامة، فإن الرسول ﷺ قد أخبر عن ذلك بقوله: ﴿من ذب عن عرض أخيه المسلم ذب الله عنه النار يوم القيامة﴾.
стр. 2272
الدفاع عن النفس والدفاع عن الدعوة
وهذا البيان ما كنت أريد أن أتحدث عنه، ولا أن أبينه بنفسي لما في ذلك من دفاع عن النفس، وإنني -كما تعلمون والحمد لله- لم أكن في أي يوم من الأيام لأجعل من نفسي أو شخصي قضية لأحد؛ لأن أمر الدعوة أهم، نحن نجعل أنفسنا ودماءنا وأرواحنا وأموالنا وأعراضنا فداءً لدين الله، ونسخرها لخدمة كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ونحن نحتسب كل ما يصيبنا من أذىً في سبيل الله، ونعلم أن الله قد قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١].
فلا بد من العداوات والأذى والحسد، ولا بد أن يقع الدعاة فيما وقع فيه الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأقوامهم من قبل، وهذا أمر نعلمه، فمنذ أن بدأنا طريق الدعوة، ونحن موقنون به، وكل ما يقع لا نجد فيه جديداً أبداً.
لكن الموجب لهذا الإيضاح الموجز هو سوء الفهم والتفسير والتدليس الذي حصل نتيجة هذا البيان الذي أراد به سماحته أن يكون كالماء يطفئ النار -وهو كذلك والحمد لله- فإن كلَّ طُلاَّب العلم قد عرفوا ما يريد ويقصد الشيخ، وقد أطفأ الفتنة والحمد لله، وأظهر الحق وأبانه، ودافع عن المظلومين والمهضومين، ونصح المعتدين والباغين، بأجلى وأوضح بيان وعبارة، وإن كان قد ترك الأسماء فلمصلحة ولحكمة.
стр. 2273
بيان المقصود من بيان ابن باز
وليس مقصود البيان ذكر الأسماء، بقدر ما هو بيان الحقيقة لمن يعلمها ومن لا يعلمها، فهي بالنسبة له موعظة عامة، ونصيحة عامة، يجب أن تؤخذ كما يؤخذ غيرها من النصائح، لكن لوجود بعض محامل السوء والتدليس، سواء ما ظهر من عناوين بعض الجرائد مع الأسف، أو من بعض الناس الذين افتروا افتراءات عجيبة، وإن كانت نادرة وقليلة ولا يقبلها عاقل، كقولهم: إن الشيخ أراد بها الرد على الدعاة والانتصار للعلمانيين -والعياذ بالله- فهل هذا يعقل؟! ولوجود هذا الاشتباه، ولأن المسألة تحتاج إلى تجلية، ليؤدي هذا البيان القيم العظيم حقه ودوره كاملاً كما أراد منه كاتبه حفظه الله فنقول: إن المقصود هم فئة محدودة معدودة قليلة جداً؛ لأنه قال: 'إن كثيراً من المنتسبين إلى العلم والدعوة' إذاً هي قضية دعاة وطلاب علم 'وهم فئة قليلة جداً، يقعون في أعراض كثير من إخوانهم الدعاة المشهورين' فالقضية قضية دعاة لا دخل فيها للعلمانيين ولا للخرافيين ولا للمشركين ولا لدعاة الشرك؛ لأنهم ليسوا من الدعاة، ولا من إخوان الدعاة، وإنما هم أعداء الدعوة.
إذاً ما الذي فعل هؤلاء؟ لقد وقعوا في أعراض إخوانهم الدعاة المشهورين، ولا بأس أن نسمي؛ لأنه إن لم نسمِّ لن تتضح الحقيقة، فالدعاة المشهورون الذين تكلم في حقهم هم: فضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة حفظه الله، وفضيلة الشيخ: عائض القرني حفظه الله، وفضيلة الشيخ: ناصر العمر حفظه الله، وفي أخيكم العبد الفقير إلى الله، وكذلك تُكِّلم في أعراض كثير من الدعاة، حتى لم يكد يسلم أحد من هؤلاء الناس، والأدلة موجودة.
وكما ذكر الشيخ حفظه الله قال: 'يفعلون ذلك سراً في مجالسهم' فيأتي أحدهم من المدينة ويعقد جلسة في جدة مع بعض الخاصة ثم يذهب بعضهم إلى الطائف، وبعضهم إلى الشرقية، وبعضهم إلى حائل، فيقطعون هذه المفاوز ليجمعون من يجتمع لهم من طلاب العلم، ويحرصون دائماً على الصغار أو المبتدئين، أو حديثي عهد بالدعوة، ويجلسون ويذكرون لهم أشخاصاً، ويلصقون بهم التهم، ويأتون بألوان من التهم والظلم والبهتان والافتراء، وقد علم الله وعلم خلقه الذين يسمعون، أن هذا كذب وزور وافتراء واختلاق ليس له أي أساس من الصحة، فهم يفعلون هذا سراً في مجالسهم.
стр. 2274
أثر الطعن في العلماء على طلاب العلم
ثم وجدوا أن هذا لا يكفي، فأصبحوا يسجلون ما في الجلسة وينشرونه على الناس، ويأتي شاب قد يكون حديث عهد بالاهتداء يريد أن يعرف الحقيقة، وأن يعرف طريق الجنة والنار، فيقال له: خذ هذا الشريط واسمع، فيذهب ويسمع، فماذا تكون النتيجة؟ إذا سمع الطعن في فلان وفلان وفلان وفلان، فهل سيهتدي؟! هل سيحب الدعاة؟! هل سيخلص لله؟! هل سيقنت في طاعة الله؟! هل سيشعر بالخشوع في صلاته؟! هل سيقبل على قراءة القرآن برغبة؟! عندما يسمع هذه الطعون في العلماء والدعاة والمشايخ، الذين كل الناس من حوله يتحدثون عنهم ويسمعون لهم، فيزدادون إيماناً إذا سمعوا كلامهم، فسيتبلبل ذهنه لا شك بسبب هذا الكلام، لما فيه من بهتان وظلم يمرض قلوب الخاصة، وقد شكا من هذا بعض العلماء الكبار، وقال: عندما سمعت هذا تأثرت وتألمت وتكدرت! وهو من العلماء الذين هم في درجة عالية من العلم، فكيف بطالب علم مبتدئ؟! ماذا تتوقعون أثر مثل هذا الكلام على هذا المسكين في عبادته وإيمانه؟ قد ينتكس.
وقد كُتِبَ إليَّ أن بعض حالات الانتكاس حدثت! ويقولون: قد كنا نثق في هؤلاء! إذاً لا خير فيهم جميعاً، وخاصة أن الطاعنين متهورون؛ فمن أول مرة تجلس معه يطعن في المعروف الموثوق، والنتيجة أنك تخسر هذا وهذا قطعاً، فأنت عادة إذا سمعت أن إنساناً يشكو ويخاصم إنساناً، تتحفظ عما يقول عنه، لأنك تعلم أن هذا من منطلق عداوة وخصومة، والله أمرنا أن يكون حالنا عند الخصومة: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] حتى لو عاداك ولو ظلمك، فكيف بإخوانٍ لكم لم يظلموكم، ولم يمسوكم، أو يتكلموا عنكم بسوء، ولم يقعوا في أعراضكم؟! أقول عن نفسي وإخواني هؤلاء: ما عملنا شيئاً من هذا بعد أن افتروا وظلموا وبهتوا، فكيف نفعله قبل ذلك؟! لا نستحله ولا نستزيده، ونحن نترفع عن هذه الأمور عملاً بقول الله ﵎: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص:٥٥] وقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] وهذه آداب تأدبنا بها والحمد لله، لكنهم لم يكونوا كذلك! أما أسماء الأشرطة فمتعددة، فواحد "الجماعات" وواحد باسم "السرورية" وواحد باسم "البراءة إلى الله" إلخ.
فالأسماء مختلفة، والمضمون واحد، وهو مثل هذا البهتان والإفك المبين.
стр. 2275
بعض أوصاف الخوارج
وهنا تجدون أن النبي ﷺ قد وصف الخوارج وهم أهل البدع، الموصوفون والمسمون بأسمائهم، الذين تواتر الحديث عن رسول الله ﷺ في بيان حالهم ووصفهم فقال: ﴿يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان﴾.
وهذا الذي عبر عنه أحد العلماء لما سمع أحد الناس يقع في أعراض العلماء، قال له: يا بني أقاتلت الروم؟ قال: لا.
قال: أقاتلت الترك؟ قال: لا.
قال: أسلم منك الروم والترك ولم يسلم منك المسلمون؟! وهؤلاء الناس هل ردوا على الرافضة ووزعوا الأشرطة عنها، فـ الرافضة يشكلون الربع أو الثلث من أهل المدينة كما هو معلوم، هل ردوا عليهم واجتهدوا سراً أو جهراً وأوصلوها إلى بيوتهم؛ ليبينوا لهم ما هم عليه من الشرك والضلال؟ لم يفعلوا ذلك!! هل ردوا على الصوفية وأشباههم؟ هل ردوا على أعداء السنة الحقيقيين الذين يسخرون بعلماء السنة؟ فيقول أحدهم: ذاك لحيته مثل التيس، وآخر يقول: كل ما عندهم: حدثنا كحكوح بن سمعان إلخ ما تسمعون.
وهذا الكلام يقال في صحف ينشر من بعضها مليون نسخة، أو مليون ونصف نسخة، فيكون فيها استهزاء بالسنة.
والآخر يدافع عن أبي رية بأنه مجتهد، وهو الذي أبطل سنة النبي ﷺ وغيره كثير.
وهم يومياً -تقريباً- يعتدون على القرآن وسنة رسول الله ﷺ ويهدمونهما هدماً صريحاً.
أتطعنون فقط في من تصدروا وتصدوا للدفاع عن هذا الدين؟! وإذا أخطئوا هم انصبت عليهم الردود من كل حدب وصوب، وكلنا نعلم أنهم ليسوا بمعصومين، فمن قال منهم: إنه معصوم؟ وصدق الشاعر:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
فإذا وجدت عيباً فابذل نصيحتك، وإن لم تُقبل فاكتبها إلى سماحة الشيخ واسمع الجواب منه، أما الاعتداء والهجوم والظلم والعدوان، بغير سبب وبغير مبرر، فهذا فعلاً هو مقاتلة لأهل الإسلام وترك لأهل الأوثان نسأل الله العفو والعافية! ثم إن من صفات الخوارج أيضاً -ونحن لا نقول: إنهم من الخوارج، كما قالوا هم في حقنا لكن نبين من أقرب الطائفتين إلى هذه الصفة- أنهم يعمدون إلى آيات نزلت في الكفار، فيجعلونها في أهل الإسلام، وهذا كما ذكر ابن عباس ﵁ وعلي وأبو سعيد الخدري ﵃ وغيرهم ممن رأى الخوارج وناظرهم، فهؤلاء يأتون إلى أبواب من أبواب العقيدة العظيمة؛ التي ذكرها العلماء في بيان أهل البدع، والتحذير منهم، وتنفير الناس عنهم، وهي أبواب عظيمة، ونحن -والحمد لله- شرحناها، ومن أطول الكتب التي ذَكَرتها فيما أعلم، هو كتاب اللالكائي، وقد بينا خطرها، وحاضرنا في هذا الموضوع -أيضاً- مستقلاً ومنفرداً لأهميته وخطره.
فهؤلاء يعمدون إلى هذه الأبواب -أحاديث أهل البدع، وآثار أهل البدع- ويجعلونها في هؤلاء الدعاة، فهؤلاء الدعاة عندهم هم أهل بدع.
إذاً: هذا وصف آخر وهو: أنهم عمدوا إلى آثار وأحاديث في أهل البدع فأنزلوها على إخوانهم المؤمنين أهل السنة، كما وصفهم الشيخ، ولا نزكي أنفسنا على الله ﵎، ولكن هذه الظواهر والله تعالى هو العليم بالبواطن، وهو من يحاسب الناس عليها.
وقد فعلوا ذلك علانية في شريط معلن موجه إليَّ بعنوان: نصيحة إلى فلان، ومنه -أيضاً- الرد على الشيخ سلمان في شريطه "جلسة على الرصيف" وغيرها، والله تعالى حسيبهم في ذلك.
стр. 2276
من صور التعدي على الدعاة
ثم يقول الشيخ ابن باز: ' وهذا المسلك مخالف لما أمر الله به ورسوله من جهات عديدة منها: ١ - أنه تَعدٍّ على حقوق الناس من المسلمين، بل من خاصة الناس من طلبة العلم ومن الدعاة، الذين بذلوا وسعهم في توعية الناس وإرشادهم وتصحيح عقائدهم ومناهجهم، واجتهدوا في تنظيم الدروس والمحاضرات، وتأليف الكتب النافعة '.
وهذا واضح، فمن جهة الاعتداء على الحق يقول ﷺ : ﴿كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه﴾ وواضح أن ﴿أربى الربا هو الاستطالة في عرض أخيك المسلم﴾، كما قال النبي ﷺ ، وأن هذا مخالف لما أمر الله ورسوله ﷺ به: ﴿لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره﴾ ﴿حق المسلم على المسلم الحديث﴾ فهذه براهين عظيمة، وهذا موضوع واسع لو استطردنا فيه لطال المقام.
وهذا يدلك على عظم حق المسلم -أي مسلم- فكيف بمن كان من الدعاة إلى الله الذين نفع الله بهم بقدر وحسب اجتهادهم، وبما بذلوا من دعوة أو محاضرة أو تأليف أو أي منفعة حصلت منهم للدعوة إلى الله ﵎.
' أنه تفريق لوحدة المسلمين، وتمزيق لصفهم ' وهذا ليس فيه شك وواضح -أيضاً- من عملهم.
يقول الشيخ: ' وهم أحوج ما يكونون إلى الوحدة، والبعد عن الشتات، والفرقة، وكثرة القيل والقال فيما بينهم ' تصور أنهم (دبلجوا) أشرطة شيخ يتكلم، وشيخ آخر يرد عليه، فهذا يقول كلمة وهذا يرد عليه.
أليس التفرق -إذاً- هو المقصود؟! وكم يحصل بهذا من الشتات ومن الفرقة والقيل والقال! ومن يسمع الشريط فإنه لا يخلو إما أن يؤيد هذا أو يؤيد ذاك، مع أن أحدهما ليس مخالفاً للآخر.
فمثلاً: محاضرة تلقى قبل أربع أو خمس سنوات، فتقتطع منها عبارة، ويلقى محاضر آخر محاضرة في مكان آخر بعد سنوات فتقتطع منها عبارة، وتضرب هذه بهذه فما النتيجة؟! ولو جلس المحاضران وتكلما وتبادلا أطراف الحديث لما اختلفا، لكن لما ضربت العبارة بالعبارة أحدثت بلبلة، فيأتي طالب علم مبتدئ، فيسمع هذا ويسمع ذلك فيستغرب، ويندهش وقد ينتكس -كما ذكرنا- ويأتي طالب علم ويقول: الحق مع هذا! فيقول له أخوه: بل الحق مع هذا! فيتناقشان ويتجادلان بالليل والنهار، وقد يتهاجران ويتدابران فمن المستفيد؟ لا أحد.
فهذه هي الفرقة والشتات، والأمة في أشد ما تكون إلى الوحدة، وإلى التعاون على الخير والبر والتقوى، والبعد عن الشتات والفرقة وكثرة القيل والقال.
стр. 2277
ثناء ثم تهم باطلة
ثم قال ﵀: 'خاصة وأن الدعاة الذين نيل منهم هم من أهل السنة والجماعة، المعروفين بمحاربة البدع والخرافات، والوقوف في وجه الداعين إليها، وكشف خططهم وألاعيبهم'.
إذاً: ليسوا كما قال أولئك: أنهم من أهل البدع، وأنهم يوالون أهل البدع ويلبسون ويدلسون على الشباب، بل قالوا كلاماً يستحي الواحد أن يذكره، قالوا: إنهم أخطر من اليهود والنصارى -أعوذ بالله- وإنهم وراء المظاهرة النسائية التي قامت في الرياض، وإن هؤلاء ليسوا على عقيدة أهل السنة والجماعة، فهم إنما يتخذون العقيدة وسيلة ومطية لما يريدون! نعوذ بالله.
والكفار لا يقولون هذا، بل يقولون: هؤلاء وهابية متعصبون، وكلنا قرأنا وسمعنا الصحافة الأمريكية، وكثرة تردادها لهذه الكلمات: وهابيون متعصبون، أي: دعاة هذا البلد، ودعوتهم هي الدعوة والعقيدة الصحيحة -والحمد لله- وإن سموهم الوهابية فهي عقيدة أهل السنة والجماعة وما جاء في الكتاب والسنة.
وبعد كل هذا، يأتي أخوك المسلم ويطعنك هذه الطعنة النجلاء، ويجعلك أخطر من اليهود والنصارى، ويقول: كل كلامهم عن العقيدة وعن الدين والدعوة ما هو إلا ستار، ومحاولة للوصول إلى مآرب أخرى، مع أن الناس وطلاب العلم يسمعون هؤلاء المشايخ والدعاة المظلومين منذ أعوام، فلو كانوا يرون شيئاً أما كانوا سيقولونه؟! أيكتمونه طوال هذه السنين؟! سبحان الله ما أكثر الظلم! وما أعظم الظلم والبهتان! وهل يريد هؤلاء الدعاة إلا أن يبينوا الحق ويوضحوه للناس، ثم إن هذا اتهام بالنفاق! فمن الذي أطلعكم على نيتهم وما في بواطنهم، فإذا قال أحد: كلامهم نافع وأشرطتهم نافعة ومحاضراتهم نافعة؟ قال: نعم.
ولكن لهم أهداف أخرى.
سبحان الله! من أين علمت هذا؟ فرسول الله ﷺ كان يعرف المنافقين، وقد أنبأه الله تعالى عنهم، وأطلعه على أحوالهم ومعرفته لهم بسيماهم، فقال له: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] وغير ذلك، ومع ذلك فعاملهم على الظاهر، عاملهم معاملة المسلمين، وقال في حديث المقاتلة: ﴿وحسابهم على الله﴾ وأنت تقول: لا.
مهما أظهروا! وقد كلمهم كثيرون، ونصحوهم وقالوا لهم: اتقوا الله! من أين لكم هذا؟ فيقولون: أنتم لا تعلمون شيئاً، فيقال لهم: هؤلاء قد زكاهم العلماء، فيقلون: لا يعلم العلماء عنهم شيئاً، وهناك أمور أخرى، سبحان الله! فكيف عرفتموها؟ ثم إن من العجب أن هؤلاء قليلو المخالطة للدعاة المظلومين المفترى عليهم، فكيف عرفتم حقيقتهم وأنتم لا تجالسونهم؟ فلو أن واحداً منهم خدمه -مثلاً- أو رافقه أو صحبه؛ لكان في كلامهم شيئاً من القبول، ولكن لم يحدث شيء من ذلك.
ولهذا فالقريبون منهم يعلمون براءتهم، والبعيد يفتري عليهم، ويبهتهم بما ليس فيهم.
إذاً: هذا دليل على شحناء -والعياذ بالله- غلٍ وضغينة وحقد يترفع عنه طالب العلم.
أما الخلاف الفقهي، فلا ننكره، بل نقول: إنه إثراء للقضية، وسيأتي -إن شاء الله- عندما نشرح كلام الشيخ عن هذا الموضوع.
стр. 2278
مصلحة الأعداء من الشقاق
ثم قال: 'ولا نرى مصلحة في مثل هذا العمل إلا للأعداء المتربصين من أهل الكفر والنفاق، أو من أهل البدع والضلال' وصدق والله فالمصلحة -والله- لهؤلاء وأضرب لكم مثالاً: اتهام منهاج الجماعات الإسلامية بالابتداع، ويقولون: الإخوان والتبليغ إلخ، ويتكلمون عنهم كثيراً، فكيف سيكون حال الناس إذا ظنوا أن هؤلاء الدعاة مع هذه المناهج -خاصة بعدما استفادوا من علمهم وأشرطتهم ومحاضراتهم بالآلاف- عندما يقال لهم: إن فلاناً وفلاناً ممن يدعون إلى هذه المناهج، لاشك أن الناس سيتبعونهم؛ لأنهم قد أحبوهم وألفوهم، كما أنهم لا يلقون بالاً للتسميات، فإذا علموا أن فلاناً الذي أحبوه ووثقوا به من الجماعة الفلانية، قالوا: نحن معك، وأنا قد جاءتني رسائل تعبر عن إرادة المساعدة، وحب الخدمة، والاستعداد لذلك.
إن التسميات ليست مذمومة لذاتها، فليس في القرآن ذم لكلمة (إخوان، تبليغ) فيقول الناس إذا كان الأمر كذلك وكان القائمون عليها أمثال هؤلاء الرجال، فنحن معهم ومنهم، ولا يهمنا الاسم، وتكون النتيجة عكس ما أراد هؤلاء المصرون.
فإذا كان غرض هؤلاء محاربة الدعاة؛ ويقولون: نحن نحارب أهل البدع، وهؤلاء من أهل البدع، فسيقول الناس: هذه البدع على عيوننا ورءوسنا، وإذا كان أحد من أهل البدع فهو أنتم، وقد يردون بعض الحق الذي يقوله أولئك، وسبب هذا أن الافتراء العظيم يقابله عادةً غلو وتعصب عظيم.
ومثال آخر: تصوروا لو جاء رجل من المعتزلة، وقال: الإمام أحمد بن حنبل منا، فجاء رجل من أهل السنة، وقال: هذا صحيح، ليس الإمام أحمد منا، بل من المعتزلة، فسيقول المعتزلة: أحسنت.
أهديت لنا هدية عظيمة.
إن الروافض إلى الآن يحرصون على أن ينسبوا الصحابة من أهل بدر ونحوهم إليهم، لماذا؟ لأن كل عاقل يعلم أنك عندما تأتي إلى أناس لهم خير وفضل فتنسبهم إليك، فإن هذا أقوى وأفضل، بالنسبة إلى هؤلاء -سبحان الله- الذين انتكست عقولهم، فيأتي ويقول: هؤلاء ليسوا من أهل السنة.
ولهذا أجابهم بعض طلبة العلم وقالوا لهم: حسن، لقد عرفنا الآن من هم أهل البدع، فإذا ذهبت إلى القصيم فلن أحضر لا للشيخ سلمان بن فهد العودة أو من كان على شاكلته، وإذا ذهبت إلى جدة فلن أحضر عند سفر الحوالي ولا إلى من هو مثله، وإذا ذهبت إلى أبها فلن أحضر لا للشيخ عائض القرني ولا إلى من هو مثله، وإذا ذهبت إلى الرياض فلن أحضر لا للشيخ: ناصر العمر ولا إلى من هو مثله؛ لأنهم كلهم أهل بدع، ومجالسهم مجالس بدعية، فمن أهل السنة غير هؤلاء لنحضر لهم في هذه المدن الثلاث؟ والحمد لله، لا تجد أي داعية يحمل غلاً أو ضغينة على الآخر.
فلو ذهبت إلى أبها، فأكثر إنسان أحب أن أراه، الشيخ: عائض القرني، ولو جاء إلى جدة كان كذلك، أو مكة كلنا كذلك والحمد لله، إنها محبة إيمانية، فكل منا يريد بل ويفرح أن يسمع أن الناس يسمعون محاضرات أخيه وأشرطته وكتبه، وكأنه هو الذي كتب، لا فرق عندنا، لأن هذا هو الحق، ولو كان مكتوباً في أقاصي البلاد، لكن أولئك أفسدوا ويظنون أنهم يصلحون.
стр. 2279
أصحاب الصف الواحد
إن هذا العمل فيه مظاهرة ومعاونة للمغرضين من العلمانيين والمستغربين، وغيرهم من الملاحدة الذين اشتهر عنهم الوقيعة في الدعاة، والكذب عليهم والتحريض ضدهم فيما كتبوه وسجلوه، فعندما جاءت الفتنة أو الأزمة -والتي يسمونها "أزمة الخليج "- تكلم من تكلم منا وأبرأ ذمته، ولا أدل على أن الأمر هو براءة للذمة من اختلافنا نحن الأربعة -الذين يقال عنا ما يقال- فكل واحد منا لو سمعته تجده قد أخذ الموضوع من منحى خاص، وصحيح أن الهدف والمؤدى واحد، ولكن لكل واحد وسيلته، ليس كما ذكر هؤلاء أنها اخطبوطات في الخفاء، أو كما اتهمونا بأننا يديرنا جهات خارجية.
إننا نعتبر أن هذا البلد بلد القيادة -لا نقول هذا فخراً، لكنها الحقيقة- فهنا المنبع، فكيف ندار من الخارج؟ قد يكون لنا إخوة في الله يشاركوننا من أهل السنة في بعض آرائنا ومواقفنا، وطبيعة أهل السنة أنهم أمة واحدة، وفرقة واحدة، في كل مكان، لكنا لا ندار أو نوجه من الخارج.
فهؤلاء الذين كتبوا وطعنوا كانوا يمدحون ويثنون عليّ بما أنا أعلم أنه كان فيه نوع مبالغة، وأقول لأحدهم: لا تبالغ بارك الله فيك، وهذا حادث ويشهد به المئات، إن لم أقل الألوف من الذين يحضرون مجالسهم، حتى جاءت هذه الأزمة، وكان لنا رأي فيه مخالفة أو معارضة للموقف الرسمي للدولة؛ إبراءً للذمة، فنحن في هذا البلد ليس لدينا معارضة سياسية أو معارضة حزبية، بل عندنا كلمة حق تقال، لا خير فينا إن لم نقلها، ولا خير فيهم إن لم يسمعوها، فإن أخذوا بها فالحمد لله، وإن لم يأخذوا بها برئت ذمتنا وهم حسيبهم الله تعالى، وقد يكون اجتهادهم هو الصواب.
ونحن نقول، وما زلنا نقول: إن هذا رأي ليس فيه وحي نزل من السماء، ونحن عندما قلنا هذا الكلام انقلبت هذه المحبة والمبالغة في المدح إلى عداوة مقيتة شديدة غريبة -سبحان الله- واشترك فيها الطائفتان، حتى تعرفوا من يعاون هؤلاء، فيأتي: غازي القصيبي في كتاب حتى لا تكون فتنة فيقول: وافتتح هذه الفتنة " سفر الحوالي بشريطه (ففروا إلى الله) ثم ثنى بفلان، وخص كل واحد من الإخوة الثلاثة برد خاص مستقل، ويوزع الكتاب بالكراتين.
وفي نفس الوقت تكيل الصحافة السب والشتم الصريح لـ حسن الترابي، وراشد الغنوشي، وعباس مدني، وعلي بلحاج وأشياعهم عندنا هنا، فمن يقصدون بأشياعهم هنا -إنهم معروفون- وأتباعهم في دول الخليج؟ ومع هذا السب والشتم سكتنا، واستمرت دروسي إلى أن أوقفت، ثم عادت، وتركنا موضوع الأزمة جانباً، وانصرفنا إلى قضايا علمية بحتة، وقامت الحرب، ولم نعلق على هذه الأحداث، وواصلنا كما كنا، وهذا فيه دليل على أنه لا غرض نريده إلا بيان الحق.
لكن العلمانيين غضبوا وقالوا: ما دام هؤلاء قد خالفوا الحكومة، فإنهم يريدون الكراسي والمناصب والحكم مثل حسن الترابي وراشد الغنوشي وعباس مدني، وفي هذا الوقت بالذات كُتب غازي القصيبي توزع، وكلام الجرائد يومياً إلا ما رحم الله منها، فلا نعني الجميع طبعاً، وتأتي الأشرطة وتوزع في وقت واحد.
إذاً أليس المصدر واحد؟ أليس العقل المدبر واحداً؟ وسوف ندع ما خفي جانباً، وإن كان عندنا حقائق لا نظهرها، ولكن نتكلم عن الظاهر الآن، وهو أنك أنت والعلماني الملحد والمستغرب قد وقفتم في صف واحد ضد أخيك هذا المسكين، الذي قال كلمة وانتهت، فتأكل عرضه، وتنهش لحمه، ليل نهار من أجل ماذا! ثم إن هذه الآراء اجتهادية وقد أوضحها الشيخ ﵀ فهي مما يقبل النقاش، ولكن المسألة بدت رداً للسنة وإنكاراً لها، وأنهم أتباع فلان القبوري، وفلان الشركي، ثم إغواء الشباب أن هذا شيء لا ينصره العدل.
فإذا كان الذبح يحتاج إلى الإحسان: ﴿وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة﴾ ولو رأيت كائناً صغيراً أتطلق عليه الرشاش؟ لا.
بل كل بحسبه.
فالمسألة ولو كانت خطأ، فلا يكون الرد بهذه الصورة، لكن هؤلاء ما أحسنوا حتى القتلة والذبحة.
стр. 2280
الفتنة تفسد قلوب العامة والخاصة
ثم قال الشيخ ابن باز: 'إن في ذلك إفساداً لقلوب العامة والخاصة' وحقاً -والله- لقد وقع، فعندما امتلأت الدنيا نشراً وترويجاً للأكاذيب والإشاعات الباطلة، كثرت الغيبة والنميمة، وفتح أبواب الشر بمصاريعها لضعاف النفوس، الذين يدأبون على بث الشبه، وإثارة الفتن، وممن يحرصون على إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا.
'وقد تبلبلت الأذهان، وتفلتت الألسن، وصرف الشباب عن طلب العلم النافع، ومدارسة الكتاب والسنة، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووقع التهاجر والتباغض فيما بينهم، وراجت الإشاعات والأكاذيب والأباطيل' فراجت على مستوى العامة، وعلى مستوى الحكومة، وعند أعداء الدعوة، وراجت في كل مكان، ويقولون: إن هؤلاء لهم أهداف خبيثة، ووراءهم أشياء عظيمة، ولهم علاقة بالخارج، وهكذا دواليك حتى تشوشت أذهان كانت من أصفى ما يكون، فكيف بالذي هو حديث عهد وابتلاء؟! وقد بلغت الضغينة مبالغ عجيبة جداً، وهناك أمثلة كثيرة مشهودة على هذا الشيء.
فمثلاً: سافر الشيخ عائض القرني حفظه الله إلى المدينة ودعاه أحد المشايخ المحترمين الفضلاء، والذي يعرفه الناس، وجاء بعض أولئك من غير دعوة، ودخل الشيخ، ومعلوم أنك تفرح إذا لقيت شيخاً وسلمت عليه، وهذا أمر ملموس، ومن طباع الكرام والمؤمنين، ولكن هذا لم يقم ولم يسلم مع أنه جاء بغير دعوة وأساء الأدب، أليست هذه ضغينة وبلبلة؟! وآخر بعدما بلغه خطأ وكذباً أن الشيخ سلمان بن فهد العودة قد اعتقل، سجد سجدة شكر وهكذا تكون الضغينة!!! مع أن المخالفة هينة، أو خلاف فقهي كما يقولون، فلو بلغك أن الشافعي كلامه راجح، وكلام مالك مرجوح أتسجد؟! لكن هذا دليل على أن هناك ضغينة، ولقد بلغ التدليس والتلبيس شيئاً لا يطاق.
حتى أنهم بلغ بهم الحال أن سجلوا شريطاً في المدينة ونسبوه إلى أحد هؤلاء المشايخ الذين يطعنون فيهم، وزعموا أنه من إصدار أحد التسجيلات المشهورة في جدة، وهي تسجيلات ذات سمعة حسنة، وكل مادة الشريط كانت مملوءة بكلام غيبة ونميمة وافتراء.
فهل هذا مجرد خلاف -فعلاً- حتى يصل إلى درجة الكذب والبهتان والتزوير، وينشر هكذا ليضلل على الناس؟ هذه أمثلة على كلام الشيخ ابن باز -حفظه الله- في البيان.
следующие страницы →