Полный текст (2 843 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
معنى قول عمر من لم يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام
السؤال
شيخنا الكريم! نرجو توضيح قول عمر ﵁: [[من لم يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام]]، وهل هذا شرط في الدعوة؟
الجواب
هذه كلمة عظيمة وحكمة جليلة، ولها دلالات كثيرة: منها: أن الإنسان الذي عرف الجاهلية ثم هداه الله بالتوحيد فضلاً من الله ونعمة، حتى تصححت عقيدته ونظراته وموازينه، فاستقام منهجه، فهو لذلك يعرفه حق المعرفة، لأنه عرف الجاهلية وعرف حقارتها، ورذالتها، وانحطاط موازينها وقيمها، وانعكاس تصوراتها فلا شك أن من عرف ذلك فإنه يعرف الإسلام أكثر، ولذلك تجدون الشاب الذي كان منحرفاً عاصياً أو كان كافراً ثم أسلم معتزاً بالإسلام وبالطاعة، ويجد من المحبة له في الغالب أكثر من ذلك الذي أخذه بالوراثة ولم يعرف قيمته؛ لأن ذاك ذاق مرارة الشرك وعرف الظلم وعرف الظلمة التي تحيط بالقلب في حال الشرك والبدعة، تجد الإنسان -أيضاً- الذي عاش في البدعة ثم عرف السنة، تجده من أشد الناس تمسكاً بالسنة، فهذا نعيم بن حماد ﵁ -شيخ البخاري - كانوا يقولون له: إنك شديد على الجهمية، قال: لأني كنت منهم! كان منهم، فلما عرف الحق وعرف السنة، تمسك بالسنة أشدّ التمسك، فالإنسان بلا شك تزداد عنده قيمة الحق متى عرف الباطل، والشباب المسلم هنا إذا سمع عن أمريكا، وعن التكنولوجيا، والكمبيوتر، وغزو الفضاء، وحرب النجوم، وأشياء مذهلة، فإنه يذهل، فإذا ذهب إلى هناك، ورأى المآسي، ورأى الظلم والانحلال والفساد، فإنه يعتز بواقعنا الحاضر على مافيه من بعد عن الإسلام، ويؤمن بأن واقعنا هذا أفضل من أمريكا مليون مرة، فهذه في الحقيقة من الحكم الصادقة التي يدل عليها الواقع.
стр. 2312
الاختلاف بين الدعاة
السؤال
شيخنا الفاضل! هناك بعض الدعاة يحذرون من بعضهم، لأنهم خالفوهم في شيء معين، ويقولون فيهم ما ليس فيهم، فما رأيكم في هذا؟
الجواب
هذه الأمة كما قال النبي ﷺ عنها: ﴿فتنتها المال وعذابها الفرقة﴾ ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بعض﴾ [الأنعام:٦٥] فأما الأولى والثانية فقال النبي ﷺ : ﴿أعوذ بوجهك! أعوذ بوجهك! -وأما الثالثة فقال-: هذه أيسر -أو أهون-﴾ فالفرقة واقعة في هذه الأمة منذ أن وضع فيها السيف، وذلك عندما قتل عثمان ﵁، وهذا من الواقع الذي لا نريده، ولا يرضاه الله ، ولا يريده لنا إرادة شرعية، لكنه واقع على أية حال، فإذا وضع السيف في الأمة فإنه لا يرفع إلى يوم القيامة، فما دام واقعاً ونحن لا نريده ولا نرضاه، فيكون واجبنا على نوعين: أولاً: أن نعرف -في زحمة هذا الاختلاف- الحق وأن نتبعه، فإن الحق واحد لا يتعدد، والجماعة هي الحق وإن كنت وحدك، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: [[فإن كان سائر الناس أو معظم الناس قد خالفوا الجماعة، فالجماعة ما وافق الحق]] هذا أمر.
الأمر الآخر: أن تكون علاقتي بالآخر -المخالف- مضبوطةً بما شرع الله ، فقد أرى مخالفاً لي وهو في الحقيقة غير مخالف، وإنما هذا من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وهناك فرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد.
ونحن قلنا: إن اختلاف التنوع كمثل من اشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذاك اشتغل بالعلم -مثلاً-، توسع هذا في هذا، وتوسع هذا في هذا، فهذا تنوع وليس تضاد، فيجب أن نعرف أن هذا ليس خلافاً، ومن ثم فلا يترتب عليه أيُّ نوع من أنواع العداوة، فعرضه حرام علي، ولا يجوز أن أطعن فيه، وإن رأيت منه أخطاء، فهذا أصلاً يجب التناصح معه في ذلك، وهذا وارد في حق أيّ مسلم، فكيف للداعية؟! فيجب علي أن أنصح له، وأن أبين له الحق، وأن أرشده.
ومن الناس من إذا عرفته وعرفت حقيقة خلافه، وجدت أنه خلاف ناشىء عن جهله ببعض الحق الذي عندي، فهذا واجب أن أبين له ما عندي من الحق، ويجب عليه أن يتسع صدره ليسمع ما عندي، ومن الناس من خلافه خلاف عناد وابتداع -نسأل الله السلامة والعافية- فهذا إذا ثبت أنه يعاند عن علم ويكابر عن الحق، فننظر بحسب المصلحة، قد تكون هناك مصلحة في أن نغض الطرف عنه، وألا نكلمه أصلاً، ولا نتحدث معه بالمرة، وقد تكون المصلحة في أن أهجره، أو أزجره، أو أعاديه، بحسب الحالة، حتى من كان رافضياً، أو خارجياً، أو معتزلياً، أو مؤولاً، أومعطلاً، فحتى هؤلاء كان للسلف الصالح فقه للتعامل معهم، فليسوا على حالة واحدة، وعلى وتيرة واحدة، مع أن الأصل أن يهجروا، ويعزروا، ويؤدبوا إلى آخره، وإن ذلك يختلف بحسب الحال والظروف، وبحسب ما يحيط بالدعوة عموماً، فلا بد أن تكون الأمور منضبطة، وأنا بهذه المناسبة أقول: إن الأمة التي كتابها واحد، ورسولها واحد، وقبلتها واحدة، ومنهجها واحد، وهو منهج أهل السنة والجماعة، فكيف تختلف؟! وكيف تنشأ الاختلافات بينها؟! فيجب أن نتجرد عن الهوى، وإذا تجردنا عن الهوى، وعن حب النفس، وعن الحسد، وعن الغل الذي قد يلقيه الشيطان بين الشباب لبعضهم، فإننا سنجد أنفسنا إخوةً متحابين، كما قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
إذا نظرت إلى أخيك نظرة المحبة -مهما كان فيه من أخطاء- فإنك تتسامح معه فيها، وإذا نظرت إليه نظرة العداوة فإنك لا تقبل محاسنه، بل تصبح محاسنه مساوئ، فيجب علينا أن نصحح هذه النظرة، فالأصل هو الاجتماع لا الافتراق، والأصل هو التعاون لا التنافر والاختلاف، والأصل هو المحبة لا البغضاء.
ولقد ضرب الله مثلاً عظيماً في سورة يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧].
سبحان الله! آذوه ولم يؤمنوا بما قال بعد أن كذبوا بالأنبياء قبله، ومع ذلك لما دخل الجنة، قال: ياليت قومي يعلمون، أي: لو علموا ما أنا فيه من النعيم لآمنوا مثلي، فهو يحب الخير لهم، مع أنهم مخالفون له؛ فكيف بإخوانك المسلمين؟! وأنا أقول هنا: إن المهمة تقع على عاتق المربين والموجهين للشباب، فيجب عليهم أن يوجهوا الشباب جميعاً إلى المحبة والائتلاف، وخاصة -كما ذكرت- ما يتعلق باختلاف التنوع الذي لا بد أن يقع؛ لأنه سنة هذه الحياة فيجب أن تتسع له أذهاننا وآفاقنا، وأوسع وأشمل منهج هو منهج أهل السنة والجماعة؛ لأنه هو منهج الإسلام، وهو حقيقة الإسلام الفطري الشامل الذي يتسع لكل النفوس، ولكل الإمكانيات، ولكل التطلعات، فيشبعها جميعاً بلا تنافر وبلا تناقض أو تضاد فيما بينها.
стр. 2313
التعامل مع العصاة
السؤال
شيخنا الفاضل، قابلت اليوم شاباً، يقول: إنه قد تاب، ويعاتبني بعد مقابلتي كثيراً لعدم نصحي، ومن أخباره السابقة أنه كان يرتكب الفواحش ويتعاطى المخدرات؛ فما رأيكم بمجالسة هؤلاء؟
الجواب
هذا الموقف يعطينا عبرة عن تقصيرنا في الدعوة إلى الله، فهذا اهتدى وأتى يعاتب أخاه، ويقول: أين كنت؟ وأنا قد كنت أفعل وأفعل، والآن اهتديت، والحمد لله، كثير -والله- أمثال هذا الشاب في المجتمع، وبعضهم -والله- ليس بينه وبين الخير إلا خطوة، ولا حركة ولا خير يُبذلان له، فكيف نتغافل عنهم؟! كيف ننسى هؤلاء؟! وهم أمانة في أعناقنا، صحيح أن الوقت يضيق ومجالات الدعوة واسعة، ولكن يجب أن نتقي الله بحسب الاستطاعة في هؤلاء، بالذات من كان له زميل في السكن أو في الدراسة، أو له جار في الحي، أو كل من كان بالإمكان أن يهدي له الحق أو الخير دون أن يكلفه ذلك شيئاً فنسأل الله لهذا الأخ الثبات، إنه سميع مجيب كما نسأل الله لنا جميعاً أن يبصرنا بالحق، وأن يفقهنا في الدين، وأن يجعلنا هداة مهتدين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2314
المناهج
تحدث الشيخ حفظه الله في هذا الدرس عن عدة مواضيع بيَّن فيها حكم أعمال الباطن، والفرق بين كفر العمل وكفر الاعتقاد، والفرق بين الإسلام والإيمان، ثم انتقل إلى الحديث عن الخطة اليهودية النصرانية الهادفة إلى تغيير المناهج في أنظمتنا التعليمية بغرض حذف العلوم الإسلامية والمواد الدينية، ثم تحدث عن البيان الذي أصدره الاتحاد الإسلامي الصومالي عن خبر التدخل العسكري الأمريكي في الصومال.
стр. 2315
أعمال القلوب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
السؤال
يقول أحد الإخوة: قوله ﷺ للصحابي الذي قتل الرجل بعد قوله الشهادة: ﴿أشققت عن قلبه﴾ الحديث, هل هذا إقرار بالإسلام بدليل الكلمة؟ أم أنه كان يجب على الصحابي التيقن؟
الجواب
قوله ﷺ : ﴿أشققت عن قلبه﴾ وأمثاله كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ [النساء:٩٤] يدل على وجوب التثبت أو التبين، وقد قرأ بالوجهين فتبينوا أو فتثبتوا، لأن إجراء الحكم هو على الظاهر لا على الباطن, فكون الإنسان يقتل رجلاً كما وقع في حديث أسامة , فكأنه علم أنه لم يقل الشهادة إلاّ لينجو بها وليتعوذ بها من السيف, وهذا حكم بالباطن، ولا يجوز الحكم على الباطن لأنه من علم الغيب, وفي الظاهر أن من قال الكلمة أُلزم بالشرائع الظاهرة, ونَكِلُ أمره إلى الله، وهذا في الحكم الظاهر, كما قال رسول الله ﷺ : ﴿أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة, فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم, إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله﴾ أي: في البواطن, فقد يقولون ذلك ويفعلونه, وهم في الباطن منافقون في الدرك الأسفل من النار, فحسابهم على الله في بواطنهم, وفي هذا حكمة عظيمة لكل من يريد إجراء الأحكام، أو يصدر أحكاماً، فلك أن تحكم على الأقوال، ولك أن تحكم على الأعمال, أما البواطن فلا يحكم عليها إلا الله الذي يطلع عليها.
стр. 2316
الفرق بين كفر العمل وكفر الاعتقاد
السؤال
هل هناك فرق بين كفر العمل وكفر الردة؟
الجواب
ليسا متجانسين, ولا وجه لاقترانهما، لأن كفر العمل ليس بكفر ردة، وإذا كان المقصود بكفر العمل ارتكاب عمل من الأعمال التي بها يكفر صاحبها ويخرج من الملة, فهو ردة بالأعمال, فكما أن الردة تكون بالأقوال, فكذلك تكون بالأعمال, كمن يسب الله ورسوله ﷺ وما أشبه ذلك.
والردة بالأعمال كمن يدوس المصحف أو يهينه، أو يفعل أي عمل من الأعمال؛ كأن يسجد للأصنام ويعبدها، أو يتحاكم للطواغيت، فهذه ردة بالأعمال.
فالردة تكون بالأقوال وتكون بالأعمال, إلا أننا نطلق كفر العمل في مقابل كفر الاعتقاد, فيكون المقصود الكفر الأصغر, أي: الذي لا يخرج صاحبه من الملة, ولكنه بأي حال من الأحوال هو أكبر من الكبائر الأخرى, وما سماه الله ورسوله ﷺ كفراً -وإن لم يكن الكفر الأكبر- فهو أعظم وأشد مما لم يسمه الله ﵎ كذلك من الذنوب والمعاصي.
فمثلاً: يقول رسول الله ﷺ : ﴿سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر﴾، فنعلم بهذا أن قتال المسلم مع أنه لا يخرج من الملة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] إلا أنه من حيث الجرم أكبر وأعظم من أي ذنب آخر كسرقة المسلم أو سبابه، أو غير ذلك مما لم يسمه الشارع كفراً.
стр. 2317
معنى انتفاء الإيمان عن أصحاب الكبائر
السؤال
هل الزاني وشارب الخمر وما شابهما في المعصية سواء؟ وما معنى انتفاء الإيمان عنه؟ وهل المقصود به مطلق الإيمان؟ وإذا بقي مسلماً؛ فما الذي ينتفي عنه؟
الجواب
معنى النفي هنا أنه ترك الكمال الواجب من الإيمان، ولا ننفي عنه مطلق الإيمان, بمعنى أنه غير مسلم، وإنما ننفي عنه الإيمان المطلق ونقيده.
أي: ننفي المطلق ونثبت المقيد, فنقول: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته, حتى نخرج عن مذهب الخوارج الذي يقول: إنه كافر, وعن مذهب الإرجاء الذي يقول: إنه كامل الإيمان, ويبقى مسلماً ما لم يستحل ذلك، فإن فعل الزنا أو الخمر أو الربا أو أية كبيرة من الكبائر مستحلاً لها, معتقداً أن هذا جائز , معرضاً عن كل ما جاء في ذلك من آيٍ أو أحاديث, فهذا يكون كافراً , وهذا يُسمَّى كفر استحلال، وهو نوع آخر من أنواع الكفر والردة.
стр. 2318
الفرق بين الإسلام والإيمان
السؤال
هل يمكن أن يكون في شخص إسلام ولا يكون فيه إيمان؟ إذا كان ممكناً فكيف يكون ذلك؟
الجواب
هذا ظاهر حديث سعد الذي قال فيه الإمام أحمد: 'حديث سعد أحب إليّ'؛ لأنه أوضح عندما قال له رسول الله ﷺ : (أو مسلماً؟) فهو يقول: ﴿يا رسول الله! إني لأراه مؤمناً, فيقول النبي الله ﷺ : أو مسلماً؟﴾، فالفرق بينهما واضح, وقد يكون الرجل مسلماً, ولكن لا يكون مؤمناً؛ لأنه لم يأتِ بمرتبة الإيمان ولم يحققها، وهي فعل الواجبات وترك المحرمات.
стр. 2319
خطة تغيير المناهج وفق النظام الدولي
وهناك موضوع مؤلم جداً, كتب عنه الكاتبون في عكاظ وغيرها, وتحدث عنه بعض الإخوة، ورَدَّ بعض الإخوة على من كتبوا عن هذا الموضوع, وهو موضوع المناهج, وهو موضوع مؤلم جداً , وأوسع وأكبر مما نظن أو نتخيل, إنه موضوع توجه، وإن لم يكن كلياً -وقد يصبح كلياً- فهو بداية خطيرة لتغيير كبير في عقيدة الأمة وولائها وبرائها وانتمائها.
فالمسألة ليست كما نظن أنها مجرد تعديلات خفيفة أو تخفيفات وضعت بغرض التعديل والتغيير، وإنما وضعت بغرض حذف العلوم الإسلامية والمواد الدينية بالدرجة الأولى، وبالذات على الموضوعات المتعلقة بحقيقة التوحيد في هذا العصر، في ضوء الواقع المعاصر الذي نعيشه, وبما يتعلق بالولاء والبراء لليهود والنصارى, فبعض الأحكام الفقهية المهمة في حياتنا، والتي لا بد أن يتعلمها المسلمون، ولا ينبغي أن تخفى عليهم حذفت.
فالحقيقة هذا موضوع جلل يجب علينا أن نتنبه له؛ لأننا إما أن نكون مُعلمين نُعلم الخير ودعاةً إلى الله ﵎, وإما أن نكون معلمين في المدارس، وهم -أيضاً- معلمون للخير يجب أن يتنبهوا إلى هذا وينكروا ويستنكروا ذلك.
وكذلك المسئولون عن التعليم في كل مكان، وكذلك نحن آباء, وإن لم نكن آباء فهؤلاء هم من أبنائنا، ولم يتعلموا الحقائق العلمية، وإذا لم يتعلموا الولاء والبراء، وإذا مسخوا وأصبحوا لا يشعرون بأي انتماء لهذه الأمة؛ فماذا نريد منهم أن يكونوا؟! فإن ما يحدث من تغيير في المناهج مرتبط ارتباطاً واضحاً بما يُسمى: عملية السلام، والتطبيع بين المسلمين وبين اليهود والنصارى, وإن شئت تعبيراً أعم, فقل: هو يتعلق بالنظام الدولي الجديد الذي يريد أن يُفرض هيمنته على العالم, ويدعو إلى وحدة إنسانية مشتركة كما يزعمون!! يريدون عالماً يكون فيه الأوائل هم اليهود ثم النصارى , والمسلمون تحت الأقدام, هذا الجديد في النظام الدولي الجديد باختصار.
ما الذي حدث في مناهج أبنائنا؟! أكثرنا لا يدري! ولم يسأل أبناءه عن مناهجهم.
كتاب التوحيد للسنة الثالثة الابتدائية, نسبة الحذف فيه تصل إلى (٦٠%)! يا أهل التوحيد في بلاد التوحيد, (٦٠%) من مقرر التوحيد يحذف! ويبرر الحاذفون -كما ذكر في عكاظ - بأن هذا صعب! سبحان الله! نترك الرياضيات ويراد أن يقرر الإنجليزي والتربية الوطنية والموسيقى والكمبيوتر وما إلى ذلك, والصعب فقط والذي يحذف هو التوحيد, والذي لا يريدونه هو التوحيد, ولا يبقى منه إلا معانٍ عامة.
حذفت منه فوائد كثيرة متنوعة دون بديل لها , وحُذِفَ منه موضوع الشرك الخفي -وهو من أنواع الشرك- مع أنه سهل مفهوم للطلاب, ويقع فيه كثير من الناس.
حذفت أنواع الكفر الأكبر الخمسة.
حذفت القواعد الأربع.
وحذفت نواقض الإسلام العشرة كلها.
فما المقصود من حذف هذه المسائل؟ المقصود هو أن يبقى الإنسان مؤمناً بالله واليوم الآخر إيماناً سطحياً, وإذا سألته قال: أنا أومن بالله واليوم الآخر، وليس لديه إلا مفاهيم عامة لدينه، أما نواقض الإسلام، وأنواع الكفر, وأنواع الشرك، فلا يدري عنها شيئاً، وربما يقع فيها ولا يشعر.
إن الغلو أو ما يسمونه بالتطرف ينتشر في بعض البلدان؛ لأن العقيدة لم تدرس في المناهج, فيأتي شباب لم يدرسوا العقائد، أو درسوا في معاهد قديمة أو جامعات نحت منحىً إرجائياً، فيدرسون الإسلام من زاوية معينة , فيأتي الآخرون ويدرسون الإسلام من زاوية أخرى، فيقع هؤلاء في الغلو وهؤلاء في الغلو.
لكن إذا درَّسنا أبناءنا من الابتدائي أن الكفر درجات وأنواع, فإن الشاب منهم يتخرج وقد صحت نظرته واستقامت، فلا يذهب إلى غلو هؤلاء المرجئة، ولا إلى غلو هؤلاء الخوارج.
فهذا الذي حُذف من المناهج هو الذي يميز بين أهل السنة والجماعة وبين غيرهم، فكيف يحذف ما يتعلق بأنواع الكفر؟ كيف تحذف القواعد الأربع المهمة التي تعتبر من أهم مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، وهي أساس عظيم لا بد منه للعامة وللخاصة؟ ثم تحذف نواقض الإسلام العشرة حتى يرى الإنسان أنه ما زال مسلماً مهما فعل ومهما ارتكب! الفقه نسبة الحذف فيه (٣٠%) تقريباً.
أولاً: حذف باب الجنائز كله, حتى لا يدرس موضوع يُحدث الطلبة عن الموت ويذكرهم بالله، فمتى يسمع أطفالنا المساكين -الذين لا يتربون إلا على أفلام الكرتون وعلى المجلات الفاسدة، وعلى المجالس مع الأمهات والآباء التي لا خير فيها- عن الموت؟ متى يتذكرون الموت؟ متى يعرفون أحكامه؟ ثانياً: حذف اشتراط وجوب المحرم للمرأة في الحج, لأننا في عصر النظام الدولي والتقارب والخادمات، وهذا الموضوع يسبب إشكالاً عند الطالب, فهو يرى الخادمة في البيت ليس معها محرم وتحج مع أمه وأبيه, ولا يمكن أن نطرد الخادمات من البيوت، والأسهل أن تغير المناهج لذلك! ثالثاً: حُذِفت المواقيت، والأنساك الثلاثة، وصفتي الحج والعمرة, أي: حذف الحج كله؛ لأن معرفة الحج تتطلب أن توضح للطالب المواقيت، وتبين له الأنساك الثلاثة، وتبين له صفتي الحج والعمرة، أي: أننا نلغي ركن الحج مرة واحدة.
والأمر هو كما ذكر الإخوة الذين يقومون بتدريس هذه المواد أن كتاب العلوم الدينية لا يعادل كتاب الرياضيات, فهو صغير بالنسبة لحجم كتاب الرياضيات، ثم يحذف منه (٣٠%) وتقطع أوصاله, وهم يقولون: هذه علوم مهمة وعلوم العصر.
الإنسان الآن يعيش في عصر الكمبيوتر, والحاسب والرياضيات وما إلى ذلك! إن الإنسان في كل العصور وفي كل الأحوال أحوج إلى أن يعرف الله، ويعرف الإيمان الصحيح، والتوحيد والشرك والعبادة الصحيحة، وأن يتفقه في الدين, فهو أحوج إليها من حاجته إلى الغذاء والماء والطعام والشراب والهواء -التي قد يعيش ببعضها- إلا الإيمان بالله ﵎ فهو بغيره حيوان، بل أضل من الأنعام, ولا قيمة له أبداً، وإن كان يشاهد البث المباشر ويأتي الكمبيوتر ويفعل كل شيء ويتحضر، كما يقولون.
فمهما عمل وهو مجرد عن الإيمان بالله فلا خير فيه ولا في أعماله في أي حال من الأحوال, بل حتى حياته لا تكون إلا نكداً وضيقاً، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤]، نسأل الله العفو والعافية.
стр. 2320
الحذف في المستوى الرابع الابتدائي
حذف من التوحيد الأمثلة على أنواع العبادة كالدعاء, والذبح، والنذر, مع أنها أمثلة مهمة توضح سعة مفهوم العبادة وحقيقة العبادة, وتعين الطالب على معرفة ما يقبح فعله من العبادة لغير الله، فإذا حذفت هذه فماذا بقي؟ وقد يقال: إن هذه حذفت لأنها سوف تتكرر في سنوات قادمة, ونقول: إنها تتكرر لأننا بحاجة لتأصيل حقيقة الشرك والتوحيد والمواضيع الفقهية، فنحن بحاجة لتكرارها في كل سنة, بل في كل يوم, وهذا كتاب الله بين أيدينا, ألم يتكرر فيه الإيمان بالله واليوم الآخر, والدلائل على نبوة رسول الله، والدلائل على البعث، والدلائل على ما وقع وما حلّ على الأمم السابقة، وتكررت قصصهم وتحدث عنها مراراً كثيرة؟ وليس هذا عبثاً -تعالى الله وتقدس- وكتابه أجل من ذلك, وإنما لأنه لا بد من التكرار, لأن الناس يحتاجون إلى التذكير الدائم المستمر بهذا, ثم ليس هذا التكرار فقط في علم التوحيد، فكل العلوم فيها تكرار, فالرياضيات والكيمياء والجغرافيا كلها فيها تكرار, الكل إذاً قائم على تكرار, إما إعادة الشيء لغرض وإما تفصيل بعد إجمال, وإما شرح بعد تبسيط وهكذا.
حذف أيضاً من الفقه (٣٠%) للسنة الرابعة, والتفسير حذف أيضاً وبُتر, وتفسير سورة الفاتحة حُذف منه وصف اليهود بأن الله غضب عليهم ولعنهم, وحذف وصف النصارى بأنهم افتروا على مريم بهتاناً عظيماً, وإذا كانت هذه الأوصاف في القرآن وسهلة وقصيرة، فلماذا تحذف؟ وما الذي يضر هذا الطفل أن يدرس ألفاظاً سهلة وواضحة؟ لكن لأنها تربي الطفل على أن اليهود أعداء الله, والنصارى أعداء الله، وهم يريدون أن يكون أبناؤنا مثل الدواجن, التي تتربى في محاضن وتفرخ وتسمن، لا توالي ولا تعادي, همُّ أحدهم الطعام والشراب, ينسى الموت ويحاول لمدة طويلة أن يشتري سيارة, وبعد مدة طويلة -ربما عندما يبلغ الستين- أن يحصل على بيت, وهو طوال عمره يفكر كيف يحصل على بيت، ويقول: الليلة أشاهد التلفاز أو الفيديو عند فلان، فهذا ليس إنساناً, لأن الإنسان بعقيدته وبإيمانه, وبمقدار ولائه وبرائه وبحقيقة انتمائه لدينه, فحقيقة الإنسان هي في انتمائه.
ولهذا تسأل أي إنسان تقابله عن بلده وعن دينه حتى تعرف انتماءه إن كان يهودياً أو نصرانياً أو بوذياً، ولا تحكم عليه رأساً، لأن الإنسان إنما يعرف بانتمائه لا بمظهره الخارجي، فهناك أناس هم أحقر خلق الله ديناً وخلقاً ولديهم الأموال الطائلة, وهناك دول كذلك.
ويوجد من أفضل خلق الله ديناً وخلقاً مثل الأنبياء صلوات الله عليهم، وهم من أفقر الناس وأزهدهم في حياتهم الدنيا, ومنهم رسول الله ﷺ الذي خير بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وكان ﷺ ينام على الحصير حتى أثر في جنبه الشريف ﷺ .
فلا تقدم تكنولوجي ولا رفاهية ولا تنمية ولا شيء من هذا , ومع ذلك كان هو سيد ولد آدم ﷺ , ولم ينزل هذا من قدره شيئاً؛ لأن الله يعطي الدنيا من أحب ومن لم يحب كما قال: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء:٢٠].
فتقليص المناهج الدينية الشرعية بحجة أننا حريصون على التنمية وعلى التطور من أجل أن يحل محلها علوم أخرى يقتضيها التطور أمر باطل، مع أن المقصود ليس هو التطور ولا التنمية, إنما المقصود هدم عقيدة الولاء والبراء بالدرجة الأولى.
стр. 2321
الحذف في المستوى الخامس الابتدائي
التوحيد حذف منه (٣٠%) حذفت المسائل الأربع المهمة الواردة في سورة العصر، والتي هي: العلم والإيمان والعمل والدعوة إليه والتواصي بالصبر عليه، فلماذا حذفت هذه؟ وما الذي يخسره الطالب إذا قرأها وحفظها؟ حذفت أيضاً المسائل الثلاث المهمة في التوحيد: وهي الغاية من الخلق وأن الله لم يخلقنا هملاً، ولم يخلقنا عبثاً، والنهي عن الشرك, وحذفوا وجوب المعاداة في الله والبراء من الشرك وأهله , ولم يستبدل بها أي شيء أيضاً, فلماذا تحذف الآيات والمقررات والأحاديث التي تتحدث عن الولاء والبراء، ونحن نرى المسلمين يذبحون في كل مكان؟! فتارة يقتلهم النصارى في البوسنة والهرسك , وهناك في إفريقيا أكثر من دولة يباد فيها المسلمون كما في بعض دول غرب إفريقيا , وتارة يبيدهم الهندوس إبادة كاملة كما في كشمير , وكذلك في بورما وفي غيرها, وتارة تبيدهم الشيوعية، كما في طاجكستان وفي أماكن أخرى، وأينما اتجهت تجد أتباع الديانات المحرفة يبيدون المسلمين في كل مكان, ونحن نحذف ما يتعلق بالولاء والبراء ومعاداة الشرك وأهله! الفقه حذف منه (٥٠%)؛ فقد حُذِفَ المسح على الجورب، وهذا مهم, والناس مقبلون على الشتاء, صحيح أن بعض المناطق مثل: مكة وجدة لا يحتاجون الجوارب؛ لأنه لا يوجد برد عندهم، لكن الناس يحتاجون مثل هذه الأحكام حتى الصغار منهم, وقد حذف حتى مدة المسح وبدايتها ونهايتها, وهو حكم ليس بصعب, وحذفت آداب المشي إلى الصلاة جميعاً, وحذفت صفة الصلاة كلها, ويستصعبون على الطالب في الصف الخامس أن يقرأها كلها، ولو قرروا ذلك في الخامسة ثم أعادوه في السادسة وأول متوسطة, ولكن بتفصيل أكثر, أما أن تحذف حذفاً كلياً فلا يدرس الطالب كيفية الصلاة, فماذا يدرس إذن؟! وماذا يهمه إذن من الفقه ومن حياته؟! وقد حُذِفَ حكم صلاة الجماعة, وهو الوجوب، وبقي ما يدل أنها سنة فقط؟ وهم يريدون -حسب ظنهم- ألَّا يكون الطالب متطرفاً، لا يقول لأبيه: المؤذن يؤذن وأنت تصلي في البيت؟ فلذلك حذفوا ما يدل على أن صلاة الجماعة واجبة، بل ينقدح في ذهنه أنها سنة ومستحبة, فيكون طالباً معتدلاً، قد ربي على الاعتدال مع اليهود والنصارى ومع تاركي الصلاة, ومع المتخلفين عن الجماعة, ويكون شجاعاً على الدعاة فقط؛ لأن هؤلاء هم المتطرفون وهم الأعداء, أما بقية الناس فهم يعاملون بالحكمة والنصيحة.
وبعد هذا -كما ذكر الأخ الذي كتب هذا وهو متخصص- يقول: الذي تولى الحذف والتعديل شخص واحد غير متخصص، لكنه أجاد دوره, فهو يعرف ماذا يحذف، الانتقاء واضح فليس خبطاً عشوائياً!! يقول: رغم أن العلوم الدينية الأربعة: التوحيد، والحديث، والفقه، والتجويد، مجموعة في كتاب واحد, يقل حجمه عن كتاب الرياضيات أو العلوم، إلا أن الحاذف قد أثخن فيه حذفاً وشطباً وإلغاءً, حتى أنه ألغى من كتاب سنة رابعة (٣٠ %) من الفقه, و (٧٥%) تقريباً من التجويد, حتى القرآن لماذا؟ لأن العصر عصر كمبيوتر, وهو عصر التغيير! وهي نفس الحجة التي قالها مشعل السديري أو غيره ممن يكتبون في عكاظ , ممن يُسر ويعلن أنها مناهج ثقيلة, وللعلم أنهم بعد تخفيض المنهج بدءوا يقولون: المنهج صغير.
إذاً فهو لا يحتاج إلى كل هذه الحصص، لا بد أيضاً من تخفيض الحصص، فالغرض هو التخفيض المستمر.
ومن أعجب التخفيضات أنك تجد الطالب في الفصل الدراسي كله يحفظ سورة واحدة, كالغاشية أو عبس أو الانشقاق أو غير ذلك, في فصل دراسي كامل.
حتى أن بعض مدرسي التربية الإسلامية يقول: والله لا أعرف ماذا أُسَمِّعُ في الحصة؟ آية أو نصف آية؟! كيف أوزعها؟! الطلاب في هذه المرحلة يستطيعون أن يحفظوا كل شيء, لأن عقولهم مهيأة، وهم أذكياء؛ لأنهم من أبناء هذه البلاد الأصيلة التي هي معروفة بالحفظ، وهم يقولون: الحفظ يشتت الذهن, ولكنهم لا يقبلون هذا الكلام في الرياضيات ولا في الكيمياء, فترى الطالب يحفظ المعادلات التي لا يحتاج إليها في حياته أبداً, وبمجرد أن يتخرج ينساها, والكثير ممن تخصص في الرياضيات أو في غيرها ثم تخرج، فتسأله عن بعض المعادلات، فيقول لك: درسناها قبل ثلاث سنوات, ولا يتذكر منها شيئاً، كما أنه لا يستفيد منها شيئاً ولا يطبقها في حياته, ولن يستخدمها طوال عمره لا في بيته ولا مع الناس.
وهناك أحكام علمية شرعية يحتاجها في عباداته لا يدري عنها شيئاً، وكتاب الله أجل من ذلك وهو أعظم لا يُحفَظُ منه في الفصل الدراسي إلا سورة واحدة! فأصبحنا ننظر إلى الدنيا على أنها هي الأساس ونعظمها، وبعضنا يقول: نحن والحمد لله مجتمع التوحيد وبلد التوحيد, حتى إذا لم ندرس الدين فليس هناك مشكلة! سبحان الله! إنها أماني، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء:١٢٣].
إن الإنسان الذي لا يعرف التوحيد ولا مقررات التوحيد, ثم يقول: "الحمد لله! نحن من بلاد المسلمين" هو إنسان خدعته الأماني.
وإذا ألغينا مقررات الفقه بحجة أن بلادنا بلاد الإسلام، ولم نعمل بالشريعة لأننا بلاد الشريعة؟ وإذا ألغيناها وعملنا على هوانا فلن تنفعنا الشعارات، ولا يريد الله منا هذه الشعارات، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:١٢٣] المسألة مسألة حساب بين يدي الله.
وإن اليهود هم الذين قالوا: "نحن شعب الله المختار, كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] والصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- ما قالوا هذا, وفي جيل الصحابة في عهد عمر بن الخطاب ﵁ لم يقل الناس: نحن أصحاب الإسلام وأهل الدين وأهل التوحيد, فكل عمل نرتكبه فلا حرج.
والآن إذا قلت لأحدهم: اتق الله! لِمَ تفعل هذا؟! أو قلت: هذه المصائب زادت عندنا، قال: نحن أحسن من غيرنا! لا تنظروا إلا إلى هذا الجانب, ذهبت أمور كثيرة وضاعت أصول عظيمة, والكذب والتحريف وصل إلى مقررات التوحيد في مناهجنا, وما زلنا نقول: أهل التوحيد , بلاد التوحيد, عقيدة التوحيد إلى آخر هذه الشعارات التي لا تنفع إلا بالعلم والعمل والدعوة والصبر على العداء في سبيل هذه الدعوة.
أما ما يقال من أن هدف التعديل هو التيسير على الطلاب -وهذا ما يُذكر في الصحف- فهذا كلام غير صحيح، فإن التيسير لا يكون بحذف الموضوع بأكمله، وإلا فلماذا لا يستخدمون هذه الطريقة في الجبر والكيمياء؟ بل إنهم في هذه المواد يريدون أن يضيفوا بعض الإضافات.
стр. 2322
ما حذف من النصوص والمطالعة
أقرأ عليكم الموضوعات التي حذفت من اللغة العربية, والنصوص, والمطالعة: أولاً: موضوع حديث الجهاد.
ثانياً: فلسطين.
ثالثاً: أول شهيدة في الإسلام.
رابعاًً: محمد ﷺ .
خامساً: الهجرة.
سادساً: أبو عبيدة ﵁ أمين هذه الأمة، لأنه ذهب مع وفد نجران بعد أن قال فيه النبي ﷺ : ﴿هذا أمين هذه الأمة﴾ وذلك أن وفد نجران طلبوا من رسول الله ﷺ رجلاً أميناً، والذي يقرأ القصة يتعجب من حذفها.
سابعاً: "كيف ضاعت الأندلس؟ " أُلغي هذا الموضوع، لأنهم يريدون القضاء على الأمة كلها, ولا يتفق هذا مع تذكير الناس بضياع الأندلس , وهم يريدون إلغاء قضية البوسنة وكشمير والفلبين وإرتيريا , والصومال إلخ، يريدون إلغاء هذه القضايا من أذهان الناس.
ثامناً: معركة القادسية: هذه المعركة ألغيت، لأننا نريد تحسين العلاقة مع الروافض.
تاسعاً: ﴿فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الكهف:١٣]، التي هي صور من غزوة بدر: حذفت لأن لها علاقة بالجهاد والشرك والمشركين.
عاشراً: معركة اليرموك: حذفت أيضاً، لكيلا يغضب الروم والنظام الدولي الجديد، وهم أحبابنا وأسيادنا، فلا داعي لذكر اليرموك، ﵏ ورحم الله من قادها! الحادي عشر: أحمد بن حنبل: حذفت سيرته لما فيها من ذكر السنة والبدعة وخلق القرآن، ومقاومة الظلم، والصبر على أذى السلاطين, ولا داعي له , فيحذف حتى لا يفسد عقول الشباب.
الثاني عشر: إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب حذفت سيرته إرضاءً لمن يقول: إن الوهابية يكفرون المسلمين، وإرضاءً للشيعة والصوفية وكثير من الطوائف التي لا يعجبها ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
كما أن الروافض قبحهم الله يقولون: إن أولادنا لا يستطيعون دراسة مقرر الثانوية لوجود الصحابة, فحتى لا يتخلف أبناؤهم عن المدارس، أُلغي ذكر الصحابة وعلماء أهل السنة.
الثالث عشر: الكتاب الذي كتبه الشيخ صالح الفوزان , أُلغي كاملاً لأن الرافضة لا يريدون ذلك, والصوفية تريد الموالد وما يتعلق بها, وهكذا نقطع ديننا, حتى تبقى مقررات المواد الدينية مجرد توجيهات وآداب عامة, ليرضى بها الدرزي والنصيري والرافضي والصوفي والبدعي, ولو أن أهل السنة تخلف أبناؤهم لقالوا: هذا إضراب، وطبق عليهم خمسة عشر سنة سجن، فالكيل بمكيالين ليس فقط عند النظام الدولي الجديد, وإنما أيضاً في التعامل مع أهل السنة , وأهل البدع, والخارجين عن عقيدة أهل السنة والجماعة.
الرابع عشر: حطين: أيضاً حذفت, فلا داعي لـ صلاح الدين ولا لـ حطين , ولا لتذكير الناس بأن فلسطين أرض إسلامية, وأنا ضحيّنا مراراً من أجلها.
الخامس عشر: موضوع القدس عاصمة فلسطين: حذف أيضاً لأنها يمكن أن تصير عاصمة لإسرائيل, والسفارة الأمريكية تنتقل إليها, لا حرج في أن تبقى القدس عاصمة لإسرائيل.
في كتاب النصوص, أيضاً أربعة نصوص عن فلسطين , هي (من -أمين- لاجئ)، و (صرخة في أرض المسجد الأقصى) , و (الشهيد) , وهكذا نرى أنه حتى الأشعار التي تتعلق بالمسجد الأقصى, وبـ القدس وصلتها هذه الأيادي, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 2323
مقرر التوحيد للسنة الثالثة المتوسط
حذف من المنهج من (٩٥ - ١١٠) وحذف "موقف العقيدة الإسلامية من التيارات والمذاهب الفكرية الحديثة" لأن هذا الكلام يغضب البعثيين والقوميين والاشتراكيين والعلمانيين والحداثيين, فهم لا يريدون هذا الكلام, أيكون الأب حداثياً، وولده يدرس موقف العقيدة الإسلامية من التيارات الفكرية الحديثة؟! فحتى يوفقوا بين ما يهوونه وما يدرسونه قاموا بإلغائها.
كما ألغي موضوع "نظرة الإسلام إلى الوجود" و"ثروة الشريعة الإسلامية" و"ضرورة تحكيم الشريعة الإسلامية في جميع شئون الحياة".
فكأنهم يقولون: يكفي بعض الجوانب, أما كلها فهذا تطرف.
وحذفت "أساليب الدعوة الحديثة" وموضوع "إعداد الطالب روحياً وفكرياً واجتماعياً ليكون قدوة حسنة".
وحذف موضوع "سماحة الإسلام" ويُسر تعاليمه وأسئلة على الموضوعات, "ونبذة عن العقيدة الإسلامية" كل هذه الموضوعات حذفت, في مقرر التوحيد للسنة الثالثة المتوسط, ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأنا -أيها الإخوة- لم أذكر إلا جزءاً، ولذلك فإن علينا مسئولية كبيرة لا نعفى عنها, لا في الدنيا, ولا بين يدي الله , بل ربما يحاسبنا عليها أبناؤنا أنفسهم في هذه الدنيا، ويسألوننا: لماذا لم ننكر هذا؟ فعلى كل واحد منا أن يكتب ويقدم، وتصوروا لو أن كل أب غيور, سأل أبناءه وتأكد ولاحظ ما قلته، وقارن بين منهج هذه السنة ومنهج السنة الماضي وكتب , فلا شك أن يتغير المنهج ويعود إلى الأصل الصحيح, بل يزاد فيه, فإذا كان الروافض طالبوا واستجيب لهم بالباطل, فيجب أن تطالبوا أنتم ويستجاب لكم بالحق, فهذه أمانة عظيمة أنا ألقيها في أعناقكم, وأنتم آباء وأنتم مدرسون، وأن كل واحد منا يتنبه لأبنائه, وهذه أمانة عظيمة, وليس هذا المنكر مثل أي منكر أو مثل أية حادثة عابرة، ليس كحفلة فيها اختلاط, ولا كصورة عليها صليب, بل إنها أكبر من ذلك بكثير.
إنها أجيال كاملة تتربى على غير وضوح في العقيدة, وعلى غير فهم للتوحيد, وعلى غير معرفة لأحكام دينها الأساسية.
إن ذلك تقليص لدينها وإضافة لمواد أخرى لا تنفعها جيل بأكمله, قد ينصر فيما بعد, قد يُرفَّض قد يصوّف! وهذه قضية خطيرة, أخطر من أية قضية أخرى قد تتصورونها, لعلاقتها الأساسية والمباشرة بتوحيد الله وهو أساس كل شيء، وبالعقيدة وبالأحكام الأساسية في حياة الإنسان المسلم.
فلا بد من الإنكار من الجميع كلُّ بحسبه, وبالأسلوب الذي يستطيع, وليكن الإنكار في الصحف, وأنا أشكر الإخوة الذين كتبوا وأعطوني صوراً من مقالات ذكرت في الصحف سواءً نشرتها الصحف أم لم تنشرها, لكن اكتبوا وأكثروا على الصحف, وسوف ترون أثر ذلك -إن شاء الله- بل إن بعضها قد نشر.
وحتى لو قالوا: نحذف بعض المنهج فلماذا الحذف؟ ولماذا يعاد كل سنة طبعات جديدة بملايين الريالات؟ لماذا يريدون هذا التخفيف على الطلاب؟ حتى يتفرغوا لمتابعة الكرة والبث المباشر واللهو! أو أننا نريد أمة عالمة بدينها, غير جاهلة ولا مجهلة.
ولم نستوعب كل التعديلات.
فهذا أحد المعلمين يقول: إن هناك حذفاً في التاريخ، وهذا يدل على أن الإخوة المعلمين لديهم شعور بأن هذا الموضوع في غاية الحساسية والخطورة والأهمية, ويقول: لا يكفيني مجرد كلام عابر، بل لا بد من رصد لهذه الحركات, ووضع البرامج اللازمة لمقاومة ذلك.
والمعلم يستطيع أن يُدرك أكثر من غيره الفروق بين المنهج القديم الذي لم يُلغَ والذي ألغي, ويستطيع أن يبرئ ذمته بأن يعطي كل طالب من طلابه بياناً بذلك، ويوضح لهم حتى يستنكر آباؤهم, ولا يكن همَّ المعلمين أن يأخذ الراتب، فلن تنفعنا هذه الرواتب وهذه المناصب وهذه الدنيا إن كنا نضحي بديننا.
يا أخي! أخبر كل طالب بأن عليه أن يحدث أباه أن المناهج قد حذفت وقد غيرت, لعل أباه يتصرف.
يجب علينا جميعاًَ أن نتعاون في هذا وأن نطالب، والحمد لله أن الموضوع سبق فيه مطالبة, ونحن إن طالبنا نحركها, وتقدم بعض الغيورين إلى سماحة الشيخ عبد العزيز وإلى هيئة كبار العلماء, وطالبوا بأن تبقى المناهج، بل أن تزاد وتقوى من الناحية الإسلامية, فمطالبتنا تزيد الموضوع قوة وتحريكاً , أي: أن الموضوع من قبل قد طولب به, ومن المنطقة الغربية لا أظن أن أحداً سبق أن تحرك وتكلم, فلذلك نستعرض لكم هذا لنقوم بواجبنا أسوة بإخواننا في المناطق الأخرى, جزاهم الله خيراًَ.
стр. 2324
بيان الاتحاد الإسلامي الصومالي
هذا بيان إخوانكم في الاتحاد الإسلامي الصومالي، مكتب العلاقات الخارجية والإعلام أرسلوه إلى بعض الصحف، وأكثرها لم يستجب لهم, وكذلك بعض الإذاعات العالمية المشبوهة, مثل: لندن، ومونتكارلو، وأشباهها, لم تستجب لهم ومن واجبنا جميعاً أن نبلغه للأمة يقول الإخوة: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وبعد البيان رقم (١٣) بتاريخ: ٧/ ٦/ ١٤١٣ هـ , ١/ ١٢/ ١٩٩٢م وبعد: فقد تناقلت وكالات الأنباء خبر التدخل العسكري الأمريكي في الصومال بقوات قوامها (٣٠.
٠٠٠) جندي تحت غطاء هش باسم الأمم المتحدة بحجة حماية الإمدادات الإغاثية وترحيل أطراف صومالية, بهذا التدخل العسكري الأمريكي الواضح, بالرغم من أننا نتألم من معاناة شعبنا وبلدنا من جراء هذه الحرب المفروضة عليه من قبل أولئك الذين فقدوا كل إحساس بالمسئولية, والذين أوصلوا الشعب إلى هذه الدرجة من الإحباط واليأس, إلا أننا نرى أن هذا التدخل العسكري الأجنبي لا يحمل أي حل لمشكلة الصومال وإنما سيسبب لنا ضرراً دينياً جسيماً للأجيال الحاضرة والقادمة, تهون دونه الأنفس والأموال، والفتنة أشد من القتل, ونود أن نشير إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تتحفظ باستمرار منذ بداية الأزمة من تدخل الأمم المتحدة في القضية, كلنا كنا نسمع هذا، فقد كانت أمريكا لا تريد أن تتدخل الأمم المتحدة في قضية الصومال , عندما كان الشعب الصومالي يتعرض للإبادة والتشريد, وكانت الأوضاع أسوأ مما هي عليه الآن, ولم تتحرك إنسانية الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت, لذلك فإن التغير الأمريكي المفاجئ، وبهذا الحجم الكبير من القوة العسكرية يثير الشكوك, لا سيما أنه جاء بعد حملة إعلامية مضخمة في الإعلام الغربي حول ما سموه الأصولية المتنامية في الصومال كما في الواشنطن بوست، والهردزسرديون، والجارديان , وبعض وكالات التلفزة إلخ.
كذلك فإن المعلومات التي ذكرتها الأمم المتحدة ما بين (٧٠ - ٨٠%) من إمدادات الإغاثة تتعرض للنهب, هي معلومات مضللة, حسب تعبير منظمات إغاثية دولية -في الجارديان - وإنما جاءت هذه المعلومات المضللة وغيرها من الممهدات الإعلامية, من أجل تبرير الغزو الأمريكي المشبوه, لذلك يعلن الاتحاد الإسلامي الصومالي , رفضه القاطع لهذا التدخل الأمريكي الصارخ, ويعتبره غزواً لدولة مستقلة وانتهاكاً صريحاً لسيادة أمة, ويُحذر الإدارة الأمريكية من عواقب هذا الغزو.
وإنا ندعو الشعب الصومالي المسلم إلى اليقظة والانتباه للأضرار الدينية والاجتماعية الجسيمة التي تترتب على الاحتلال الأمريكي, وندعوه أن يفوت الفرصة على عدوه، ويدرك أن الحل الصحيح يكمن في الأخذ بأيدي السفهاء وحل مشاكلهم, وفقاً لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء:٥٩].
ونناشد إخواننا المسلمين في كل مكان, أن يقفوا مع الشعب الصومالي المسلم في محنته هذه؛ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠].
الاتحاد الإسلامي الصومالي.
مكتب العلاقات الخارجية والإعلام.
стр. 2325
التعليق على تقرير الاتحاد الإسلامي الصومالي
قضية الصومال ليست خافية عليكم, ونحتاج أن نتحدث بإيجاز عن جذورها وعن أهدافها.
أولاً: الله ﵎ له سنن: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَن﴾ [آل عمران:١٣٧]، أي: سنن ربانية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] وما ينزل بـ الصومال , وبغيرها من البلدان لا بد أن وراءه أسباباً وفقاً للسنن الربانية, فهذا المجرم الطاغية زياد بري ومن معه عاثوا في الأرض الفساد, قتَّلوا العلماء وشردوهم, كمموا أفواه الدعاة, أغلقوا المساجد, منعوا المناهج الإسلامية, والأشرطة الإسلامية, وعملوا كل جهد للقضاء على الدعوة, وكانت استخباراتهم ورجال أمنهم همّها الأكبر القضاء على الدعوة الإسلامية, وكان الشعب -إلا القليل- في غفلة عن هذا كله, ولا يبالي، ولا يهمه، ولم يثأر لدعوته، ولعقيدته ولعلمائه.
لم يناصح الظالمين المجرمين، زياد بري ومن معه، ولم يأخذوا على أيديهم، بل سكتوا, وانشغلوا باللهث وراء الطعام والشراب, حتى جاءت هذه الكارثة عقوبة للجميع, عوقبت الحكومة الكافرة التي لم تحكم بما أنزل الله, وعوقب شيوخها وعلماؤها، ومنهم وزير الأوقاف وغيره, الذين كانوا لا يصرحون إلا ضد الشباب المسلم، ولا يتكلمون عن غيرهم, ذهبوا مع تلك الدولة الظالمة, وعوقب الدعاة لأنهم لم يقوموا بالواجب الشرعي من بيان الحق والدعوة إليه, وإنما قام به بعض قليل منهم، لم يكن يكفي على مستوى الأمة, وعوقب الشعب الذي سكت, حين رأى الدعوة انتهت، ورأى العقيدة تضمحل وتدمر, وآثر الدنيا على الآخرة, عوقب بهذا التشريد وهذا الجوع.
لا يعني هذا أننا نتشفى، معاذ الله! ولكنها سنة الله لتتذكر بها الأمم جميعاً, وأن ما حل بهم يمكن أن يحل بغيرهم, فالسنة جارية على الجميع, فلما فعلوا ذلك نالهم ما نالوا من هذا العذاب, نالهم الكيد الذي لم يحل بينه وبينهم التقوى والصبر، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] فالكيد الصليبي تآمر عليهم, الحبشة من جهة, والصليبيون من كينيا وغيرها من جهة أخرى.
стр. 2326
أهداف أمريكا من هذا الغزو
أمريكا تقول: إننا ما جئنا غازين, إنما جئنا من أجل عمل إنساني, ومن أجل إمدادات الأغذية, والسؤال الواضح الذي قاله جميع الصحفيين في الشرق والغرب وكل المراقبين والمحللين، أين أنتم من إمدادات سراييفو؟ وهي عاصمة أوروبية في قلب القارة المتحضرة, التي علمت الناس -كما تزعمون- الإنسانية؟! عاصمة دولة أنتم اعترفتم بها في مجلس الأمن الأمريكي، ومع ذلك لا يصلها الطعام, وهؤلاء الوحوش يبقرون بطون الأمهات, ويشوهون الأولاد، وينتهكون الأعراض, ويقتلون الشيخ الطاعن في السن بالفأس, وبالخناجر وبأنواع الأذى, ترون هذا ولم ترسلوا جندياً واحداً, ولم توصلوا أية إمدادات إلى سراييفو , أما الصومال فليست القضية قضية إمدادات, ولا قضية حرب خارجية أو اعتداء خارجي, بل هي فتنة داخلية, والأصل في الفتن الداخلية ألِّا يقع تدخل مع أحد من الأطراف, وما دامت منظمات الإغاثة تقول: نحن نقوم بأعمالنا فمن الطبيعي في الفتنة أن يتعرضوا لشيء من الأذى, لكن أن تترك عدواً معتدياً غازياً وحشياً بمثل وحشية الصرب يعبث ويفعل ما يشاء، وتذهب إلى دولة أخرى وتنزل هذا العدد الكبير, فهذا الغطاء الإنساني كذب وافتراء, ولا ينطلي إلا على أسذج خلق الله.
أما في الحقيقة فلها عدة أهداف, هدفها الأول: تحقيق استراتيجيات وضعت من قبل للتحكم والسيطرة على منابع الثروة من النفط والغاز الطبيعي وغيره, فالعالم كله يحتاج هذه المنطقة, وأهم منطقة في العالم من ناحية الثروة بعد الخليج , هي منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بـ المحيط الهندي , لأن خطوط الملاحة العالمية المهمة والثروات جميعاً تمر بها، فهي منطقة مهمة جداً.
والثاني: وهو جزء من الأول أو تابع له: إثبات الوجود الأمريكي في ظل غياب القوة السوفييتية، فمنذُ مدة وأمريكا تتطلع إلى قاعدة لها في الصومال , وكان الروس هم الذين يمنعونها، وقد سبقوها إلى ذلك، وعندما كانت عدن موالية للشيوعيين في أيام الاتحاد السوفيتي في وقته, وكذلك الصومال، وكان هذا أحرج وضع مر بـ أمريكا من ناحية السيطرة على هذه المناطق, ثم بعد ذلك استمالوا الصومال وبقيت عدن مع الروس, وخف الأمر عليهم، ولكنهم الآن يبنون ما يشاءون ويسيطرون كما يشاءون بلا حسيب ولا رقيب؛ لأن القوة المنافسة غير موجودة, أما دول العالم الإسلامي فإنها لن تفعل شيئاً غير الاجتماعات الطويلة، والنداءات المتكررة وبعد الموت، وبعد المذابح يجتمعون، ويصدرون توصية أو قرار مطالبة للأمم المتحدة, فلا يحسب حساب لهذه القوة أصلاً.
وأما جامعة الدول العربية -والصومال عضو فيها- فلا أحد يحسب حسابها، لم تحل مشاكل العرب حتى تحل مشاكل الصومال , ولا يمكن أن ترسل جيشاً، ولا يمكن أن تتدخل.
فهي إذاً فرصة لهيمنة أمريكا وإثبات أنها شرطي العالم الذي يؤدب من يشاء كما يشاء، ويدع من يشاء يقتل كما يشاء, لأنه شرطي مجرم في نفس الوقت, وليس شرطياً عادياً, فهو يتحكم بإجرامه في هذا الكون ليفرض سيطرته كما يشاء.
الثالث: المحافظة على أمن إسرائيل من جميع النواحي, فإسرائيل مثل ما قال أحمد شوقي قال:
إن للظالم بطناً يشتكي من غير علة
الظالم دائماً بطنه يوجعه, مع أنه لا علة به؛ لأنه يريد أن يأكل أموال الناس, فإسرائيل تقول: باب المندب خطير, كيف لو أغلقوه؟ من أين أحصل على إمدادات من بعض الأشياء؟ والقناة مهمة لا بد أن نفتحها, وجبل طارق مهم بالنسبة لإسرائيل لا بد يكون فيه كذا, وألمانيا النازية لا بد أن نتحارب فيها, ومقابر اليهود في باريس لا أحد يتعرض لها, واليهودي الفلاني في نيويورك لا أحد يتكلم عليه، العالم كله يشتكي بطنه من مشاكل اليهود في جميع أنحاء العالم, لأنها تريد أن تلتهم المنطقة كلها كما تشاء، وأن يكون لها فيها قواعد، وتريد باسم علم الجيش أمريكي أو الأمم المتحدة الأمريكية أو الأمم المتحدة اليهودية سموها كما شئتم فلا فرق حقيقة أن تسيطر على المنطقة بأكملها, وتصبح السيدة الأولى فيها، وتتحكم في ثرواتها وفي مستقبل أجيالها كما تشاء.
الرابع: ظهرت حركات جهادية؛ ففي إرتيريا حركة جهادية, وفي أوجادين حركة جهادية, في الصومال حركة سلفية دعوية, وهي حركة سلفية إسلامية نقية أصيلة وتنتمي إليها كل القبائل, وليست حزبية طائفية, والنصارى في الحبشة محصورون, فهم أقلية في الحبشة وفي السودان , وهذا خطر كبير بالنسبة للغرب, يكاد النصارى يخرجون نهائياً من جنوب السودان , والسودان فيه نظام أصولي, كما يعبرون بالمصطلح الغربي، فهم يريدون أن يرغموا هذه القوى الجهادية وهذا النظام الأصولي, ويضربوها بجيش أمريكي مباشر, بحيث لا يستطيع أحد أن يرفع رأسه داخل الصومال.
ومع وجود السلاح في أيدي المجاهدين فيمكن أن تتحول إلى أفغانستان ثانية، خاصة أوجادين , ولو اتحد المجاهدون في الصومال وفي إرتيريا , لتقوّضت النصرانية بشرق إفريقيا بأكمله, وهذا لا يريده الغرب أبداً أن تصبح من الصومال إلى الحبشة إلى السودان إلى تشاد إلى مالي إلى المحيط الأطلسي منطقة إسلامية, لا يمكن أن يقرّ الصليبيون العالميون هذا أبداً.
فهم يخافون من هذا الخطر, ولذلك هم يريدون أن يوجدوا قوة مباشرة ترغم السودان للخضوع لهم, وتقوّي بشكل مباشر أو غير مباشر النصارى في جنوب السودان وفي كينيا، وتجهض أي محاولة جهادية إسلامية في هذه الدول, هذه كلها مصالح تريد أمريكا تحقيقها.
ولا يعني ذلك أن أمريكا تريد أن تحتل الصومال إلى الأبد, فهذا خطأ دائماً نقع فيه.
يظن الناس أن الاحتلال معناه وجود قوة مباشرة ودائمة، وهذا غير صحيح، فالقوة إذا حققت أهدافها يبقى منها ما يكفي لتحقيق باقي الهدف، وينسحب الباقي.
أي: إذا انتهت المهمة تقول أمريكا: الآن الإمدادات أصبحت تصل، والقضية الإنسانية انحلت، فنرجع أبناءنا، وانتهى الموضوع, وهو لم ينته.
هل تصدقون أن أمريكا تريق قطرة دم جندي أمريكي واحد من أجل غرض إنساني فقط, ليس لها فيه أية مصلحة؟! هذا مستحيل, المائتين وأربعين أو مائتين وخمسين في بيروت المارينز الذين قتلوا أحدثوا ضجة هائلة في أمريكا كلها, فكيف لو حدث هذا للأربعين ألف أو أكثر؟ فهم لا يعملون هذا إلا على استراتيجية بعيدة.
والغرض منه بالنسبة لنا من الناحية الإسلامية ومن الناحية العقدية، هو تقوية شوكة الصليبية في قلب العالم الإسلامي, فـ الصومال كل سكانها مسلمون، فعندما تنزل هذه الجيوش بنصرانيتها، وقد كانوا يشتكون من هيئات الإغاثة الصليبية, فكيف ستتحول إذا كان جيشاً صليبياً؟ كم سيرحل من أناس؟ وكم سَيُنصّر من أناس؟ إلى أي مدى ستتغير التركيبة الاجتماعية بالفساد والمخدرات والدعارة التي يحملها الجيش الأمريكي معه أينما نزل وحيثما ما حلّ؟ لا بد أن اختلالاً كبيراً يقع -على الأقل في أذهان الناس- وهذه منطقة مهمة جداً يمكن أن تكون رديفاً وسنداً لهذه الجزيرة - جزيرة العرب - التي هي جزيرة الإسلام.
ولا ننسى أن هذه بادرة قد يتبعها بوادر أخرى, فلو أن اليمن -وهي أقرب مثال- ساءت الأحوال فيها, والأحزاب متناحرة مثل: الصومال، وهم قبائل مثل الصومال , فما الذي سوف يحدث؟ ما دامت أمريكا ضبطت الصومال -والله يجزي المحسنين خيراً- وأحسنت إليهم واستقرت الأوضاع, ووصلت الإمدادات, فيمكن أن يتحججوا بأن اليمن فيها فتنة، فأفضل شيء أن ينتقلوا من الصومال إلى اليمن , فهي قريبة, والمبدأ قد أقر وهكذا, وهذا يمكن أن يقع، ونقول كلاماً للمسلمين عامة وفي أي مكان: الخلاف شر، والفرقة والفتنة شر, يتسبب عنه مثل هذا التدخل، والحل هو بالالتفاف حول علماء الأمة، فإنه لا يجمع الأمة إلا علماؤها.
أما إذا تحولت إلى فصائل قبلية فلن تجتمع أبداً, فها هو زياد بري يحارب عيديد، وعيديد يحارب فلاناً، وفلان يحارب فلاناً, لكن إذا التفت الأمة حول العلماء فإنهم سوف يجمعون الأمة، ولذلك قلت: إن علماء الصومال للأسف تخلوا عن دورهم وعن واجبهم, فبعضهم خرج من البلاد, وبعضهم سار في ركب السلطة, والذي على الحق وقال كلمة الحق أودع السجن, أو منعت كتبه وأشرطته من الانتشار, وسكت الناس, فكانت هذه العقوبة.
فالذي يجمع الأمة هم العلماء, ولهذا يجب أن يكون للعلماء مواقف خالصة مخلصة متجردة ناصحة, يقولون كلمة الحق ولا يخافون في الله لومة لائم, ويقفون موقفاً قوياً وسداً منيعاً في وجه دعاة الفرقة والضلالة والبدعة والشرك والانحلال, وكل نوع مما حرم الله ﵎ مما يمكن أن يؤدي إلى تدمير الأمة وإلى تفكيكها.
فإذا لم يقم العلماء بهذا الواجب, فتوقع للأمة أن تنهار، ويمكن أن تقسم وأن تجزأ، فلن تجمعها أية رابطة إذا لم يجتمع علماؤها, هذه قاعدة, طبقوها وجربوها في أية دولة أو في أي مكان.
стр. 2327
أعياد الميلاد
أما ما يتعلق بعيد الميلاد، فإن الإخوة يشيرون إلى ضرورة التنبه إلى نشر الفتاوى والأشرطة بخصوص ذلك ومحاربته، فهو قريب, وأنبه إلى شيء مهم, وهو أن بعض الشركات تقيم احتفالات وهمية، وجوائز للمتفوقين في الوظيفة, وتخفيضات عامة, ومباريات ومسابقات، ويكون تاريخها مطابقاً لتاريخ احتفالات النصارى, فتوقد الأنوار ويحضر الحفل والكيك والأكل والمشروبات والرقص, ويقولون هذا بمناسبة كذا , وليس لغرض عيد الميلاد.
ولعلنا -إن شاء الله- نحرر كتاباً بهذا الشأن.
ومن ذلك هذه الشركة (برنتان العمودي) فإنها أقامت احتفالات لقسم العطورات وقسم الملابس وقسم الأدوات, بالبطاقات، وتاريخها مطابق لتاريخ احتفالات النصرانية.
ومن الغريب أن تجد فوق ظرف الدعوة، إما صورة بيت عربي أو صورة سوق مثل سوق جدة القديم أو صورة عرب راكبين بعيراً قبل الحضارة الأمريكية, ثم تفتح وتقرأ، وإذا فيه "أطيب التهاني وكل عام وأنتم بخير"، وهذه حيلة منهم، وبعد أن تشتري يقول لك: هذا تراث وطني, وهذه ذكريات شعبية, وهذا في الحقيقة كما يقال: في الظاهر مسجد وفي الداخل بيوت غريبة! فهم يحتالون علينا، وهذه كلها مما يجب أن تحارب.
ومن الاحتيال ما يفعله صاحب شركة (أرامكو) فهم في ينبع عملوا حيلة أن الأرامكيين كما سموهم هم فقط الذين يأتون الحفل، ولا يعلنون الموضوع ولا يدعون أحداً غيرهم, وهذا نوع من أنواع الحيلة حتى لا يعلم رجال الحسبة -المطاوعة كما يسمونهم- فيقيمون هذا الحفل على الخط السريع, وقد تحدثنا عنه، ولما ذهب بعض أهل الخير لينكروا هذا المنكر، وإذا بهم يقولون: عندنا تصريح سنستمر في الحفل، وإذا تكلمتم فسوف نستدعي رجال الأمن, فعادوا مكسورين، فهم يخافون من هذا, نسأل الله العافية.
لكن لابد أن نبرئ الذمة, وليس شرطاً أن ينتهي المنكر إذا برأنا الذمة وحاولنا، فالإثم على من أقر هذا, وأعطى التصريح به.
стр. 2328
نموذج من التعصب الصليبي
يذكر أحد الإخوة أن في فرنسا ستة من كتب الشيخ ديدات -حفظه الله- منعت من دخول فرنسا رسمياً, وبقرار من وزارة الداخلية, وهذا نموذج للتعصب الصليبي الحاقد من بلاد الحرية والانفتاح والديمقراطية.
ويقول: لكن الله دائماً لهم بالمرصاد, فقد تسلمت بالأمس كتاباً وضعته باحثة فرنسية اسمها آني غرين , عن الشيخ واسمه " أحمد ديدات رجل ورسالة " وقد حررته المرأة بصفتها مسيحية نصرانية كاثوليكية، وفيه تدعو النصارى جميعاً إلى أن الله واحد لا شريك له، وأن المسيح نبي وليس إله.
سبحان الله! كلما منعوا هذا الدين فتح الله له وسائل جديدة, فمن فضل الله أن يصدر هذا الكتاب من فرنسا , ولكن هذا ليس بعجيب إذا علمنا أن الله قد تكفَّل بإظهار دينه ولو كره المشركون.
ومن فضل الله ﵎ أن عدداً كبيراً من السوبر ماركات -كما تسمى- ومنها سلة العائلة في حي الجمران جوار مركز الجمجوم, قد امتنع عن السجائر والتدخين والحمد لله، وكذلك مركز الخضر وغيرها.
ونرجو من الإخوة تشجيع هؤلاء وحثهم على الخطوة التالية, وهي خطوة ترك بيع المجلات.
стр. 2329
الجرائد النصرانية
جريدة الحياة مع أنها الآن أصبحت محسوبة على أنها جريدة سعودية- تنشر تعازي النصارى ولا غرابة، فقد نشرتها جريدة الشرق الأوسط لكن يوجد كلمة من الإنجيل: 'من آمن به وإن مات فسيحيا' ثم يذكرون فقيدهم الغالي, أي: فلان وفلان وفلان، ينعون فقيدهم الغالي المرحوم! يطلقون عليه أنه مرحوم مع أنه من أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢] وإن لم تكن جريدة سعودية بالكامل فإن أكبر سوق لها هو هذه البلاد, فلو كُتِبَ لها وأُنذِرَتْ وحُذِّرَتْ وقيل لها: ما دمت تنشرين مثل هذه, فلن يشتريك مسلم، فعندها لن يحدث مثل هذا, تتحدانا في ديننا ونحن أحياء ونشتريها وتدخل كل بقالة, ومكتبة, وكل بيت تقريباً.
стр. 2330
التحذير من أعمال التنصير
ويذكر أحد الإخوة قصة عجيبة، وهي أن رجلاً ينتمي -مع الأسف- إلى البلاد التي بارك الله فيها للعالمين, إلى فلسطين , وهو في حي (الثغر)، ويقوم بأعمال الدعوة إلى التنصير, ولا أطيل في ذكر الموضوع، إنما أنبه الإخوة إلى أن هذه الجهود تتخذ أشكالاً غريبة، حتى إن الرجل يسكن في غرفة قديمة، ولكن مع ذلك يتدخل في قضايا في السفارة الأمريكية, وكما ذكر الأخ -ويحلف أنه متأكد من هذا- وهذا يدل أن للتنصير علاقات خفية ومريبة وإنه يثبت جذوره في هذه البلاد.
стр. 2331
الاعتراض على سنة النبي ﷺ
من الاعتراض على رسول الله ﷺ أن ينشر صيدلي في إحدى الصحف في عكاظ , ويقول: "الحبة السوداء لا تصلح علاجاً إلا للسعال"! وربما يأتي طبيب آخر ويقول: الحبة السوداء لا تصلح علاجاً حتى للسعال, ولا تصلح لأي شيء؟ فهم يكذِّبون رسول الله ﷺ الذي قال: ﴿الحبة السوداء شفاء من كل داء إلا الموت﴾ ثم يقول: لا تصلح إلا للسعال, والثاني يقول: لا تصلح حتى للسعال, والله تعالى يكذبهم حتى من أقوالهم، وإنما أهلك الأمة نصف فقيه ونصف طبيب, أما المتعقلون فإنهم لا يقولون هذا الكلام, لكن هؤلاء نصف طبيب تخصص في جانب معين.
وصاحب السعلة هذا قال: السعلة ليست شيئاً واحداً! والسعلة هي عبارة عن السل وكذا وكذا, وذكر أدواء كثيرة, فتقول له: ما دامت السعلة ناشئةً عن أدواء كثيرة, والأطباء يقولون: إنها علاج للسعلة, فهي إذن علاج لجميع الأدواء التي تنشئ وتسبب السعلة, وصدق رسول الله ﷺ , هذا الذي نقول، ولو كان عاقلاً لجمع هذا ولاستنتج أنها -فعلاً- كما أخبر ﷺ شفاء من كل داء.
والقضية ليست قضية الحبة السوداء, فلسنا ندافع عن الحبة السوداء، نحن ندافع عن سنة رسول الله ﷺ أن يعترض عليها المعترض, وأن يقدم بين يدي الله ورسوله، وأن يتجرأ عليها، كما تجرأت أيضاً جريدة الشرق الأوسط , عندما كتبت هذا الموضوع: "حلاقة الذقن سلوك حضاري لا يتطلب خبرة سابقة"! فهذا اعتراض على من؟! أين الغيرة على السنة؟! أين الذي يغارون على سنة رسول الله ﷺ ؟! لماذا لا نتكاتف -جميعاً- في أن تحظر هذه الجريدة من جميع البقالات ومن جميع البيوت حتى تتأدب وتلتزم بمنهج الله ورسوله ﷺ .
стр. 2332
إنفاق الأموال في الرياضة
من المؤلمات عنوان كبير في مجلة الرياضة تقول: كيف تشتري الأندية السعوديين اللاعبين الكفرة بمبالغ خيالية.
الأهلي اشترى لاعباً بخمسة وسبعين ألف دولار.
الاتحاد اشترى لاعباً بمائة وأربعين ألف دولار مقدم عقد، وراتب شهري وقدره (٩٠٠٠) تسعة آلاف دولار, أكثر من خمسمائة ألف ريال مقدم عقد, والراتب الشهري أكثر من (٣٤٠٠٠) وهكذا, أندية كثيرة موجودة لا داعي لذكرها فقط هذه نماذج.
الأمة تحتاج للريال, إخواننا المسلمون في الصومال وفي كشمير وفي البوسنة وفي كل مكان يحتاجون للريال الواحد! أتدرون أن راتب الإنسان في هذه الدول يقدر بعشرة ماركات أو خمسة ماركات؟! والمارك يعادل ريالين أو نحو هذا؛ فهذا المبلغ الذي يُعطى للكرة أو لأي أمر تافه يمكن لو أعطي لجمعية خيرية أن يطعم المئات من الجوعى, والأرامل, واليتامى والمشردين, الذين يريدون أن يعيشوا وأن يقولوا: لا إله إلا الله، وأن يعبدوا الله، فلا يجدون ذلك، والأموال تبذر على اللهو واللعب, وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 2333
تنبيهات
стр. 2334
التنبيه الأول
بهذه المناسبة أقول: يوجد لدى الهيئات الإسلامية في الصومال مشروع كفالة يتيم في الصومال، ولأن البطاقات لا تكفي فنرجو من كل أخٍ منا أن يهيئ نفسه ومن يستطيع من أسرته بأن يكفلوا ولو يتيماً هناك تحت إشراف هيئات إسلامية معروفة موثوقة, منها ما هو تابع للاتحاد الإسلامي ومنها ما هو تابع لهيئات إسلامية معروفة، فكل واحد منكم يهيئ نفسه أن يكفل ولو يتيماً واحداً علماً بأن كفالة الطفل شهرياً ما يعادل مائة وعشرين ريال, أي ما يعادل ألف وأربعمائة وأربعين ريال سنوياً للطفل الواحد, وهذا أقل ما ينبغي، أن نفعله.
стр. 2335
التنبيه الثاني
أرجو أن يكون للأخوات الإسهام الأكبر فيه والواجب هو على الجميع وهو: الأخوات المسلمات في شرق إفريقيا , وفي غيرها من المناطق, يحتجن إلى مكائن خياطة, فمكائن الخياطة اليدوية تفيد عدة فوائد أولاً: أن تبعث من هنا مكينة خياطة، ومعها القماش، وهن يفصلن حجاباً ويفصلن ملابس, وتعمل -الأخت- فتجد ما يقيمها وما يكفيها من قوتها وقوت أبنائها, وبدلاً من أن تعطيهم مائة ريال أو مائة وخمسين ريالاً, تعطيهم إياها على شكل آلة، ويستمر المبلغ في العطاء والإنتاج بدلاً من أن يستهلك ويذهب, وهذا المشروع مطروح لدينا؛ ونرجو من كل أخت خاصة، ومن الإخوة جميعاً أن يتبرّع كل واحد منهم بآلتين أو ثلاث أو أربع من آلات الخياطة اليدوية التي لا يتجاوز سعرها مائة وخمسين ريال, بإمكانك أن تتبرع بمكينة ولو مستخدمة أو التبرع بثمنها، وهو في حدود مائة وخمسين ريال كما قدرت, وقد ثبتت فائدتها كما ذكرت لكم في عدة مناطق للأخوات المسلمات الأرامل، أو اللاتي أزواجهن في الجهاد، أو في الدعوة بعيدون عن الوطن والله المستعان.
стр. 2336
اقتراحات
نتعرض لبعض الاقتراحات المفيدة التي تأتينا سواء ما يتعلق بترجمة الكتاب أو بأي عمل دعوي, كما اقترح الأخ الكريم أن يوضع دروس لتعليم الخطابة للأئمة, ودروس لأصول الفقه.
ا- موضوع ترك الصلاة، ظاهرة تفشت، من الذين ينتظرون خروج الطالبات من المدارس وفي السوق الجنوبي وسوق الحلقة, وسوق الخضار في الشمال, وقد جاءتني عدة كتابات عن ترك الصلاة, وأنه يؤذن المؤذن وتقام الصلاة وكثير منهم لا يصلون نسأل الله يهدينا وإياهم وأن نقوم بواجبنا في ذلك.
ب- والاقتراحات أيضاً استغلال أغلفة الأشرطة وما يبقى منها في نشر وطباعة الدعوة لنشر كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح , ونشكر الإخوة على هذه الاقتراحات النافعة.
ج- أيضاً الأخ الذي قد كان جمع مالاً من الحرام, وما يزال متبقياً لديه يريد أن يتخلص منه، ويمكن أن تعطيه لنا ونرسله للمجاهدين أو اليتامى هنالك, فتتخلص منه من جهة, وهم في أشد الحاجة إليه من جهة أخرى.
د- الغرفة التجارية قامت مشكورة بإرسال تعميم للفنادق والصالات والمطاعم بعدم وضع إشارة تدل على عيد الميلاد, من الظل أو الشجرة أو غير ذلك.
وكما ذكر الأخ وهو مشكور, كما نشكر الغرفة التجارية، يجب أن نستغل مثل هذه التعميمات، وأن نرى أثرها، وأن نذكر أصحاب هذه الأماكن بها, وهذا واجب علينا جميعاً, ولا نعذر في ذلك والإبلاغ عن المخالفات التي قد تقع من هذا.
هـ- نشكر جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , وخاصة الشيخ فراج العقلا مدير عام الهيئات الغربية, على اهتمامهم بإزالة الحجر الذي في مكة الذي يسمونه (المغضوبة أو المسخوطة) إلى آخره, وهو حجر أصم نحتته الرياح بقدرة الله , فاعتقد عامة الناس أنه لامرأة ممسوخة, كما أنه نشروا الخبر أنهم سوف يزيلونه، وقد أزالوه, نسأل الله أن يجزيهم خيراً على ذلك, فإنه بمثل هذه الأمور التي يُظَنُ أنها بسيطة تنتشر الوثنية، وأنا أشكر الإخوة الذين يبذلون جهدهم في إنكار هذه المنكرات وفي بيانها, وجزاهم الله خيراً.
ويقول الأخ: سبق أن تعرضت في درس سابق لموضوع إلغاء الأذان والإقامة في مطارات المملكة , وكان لهذا الموضوع موقعه من الاهتمام عند المسئولين برئاسة الطيران المدني, بعد التحقق والنظر في فتوى الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله, والاستماع إلى الشريط تم التعميم على جميع مطارات المملكة برفع الأذان والإقامة, في جميع أوقات الصلاة.
هذه فائدة الإنكار وجزاكم الله خيراً, وإنكار المنكر لو لم يكن إلا لبراءة الذمة لكفى ذلك, ونشكر الإخوة في رئاسة الطيران المدني عموماً، فقد أبلغوني بواسطة أحد الإخوة, أنهم جدد وأنه ما كان عندهم علم بهذا القرار, وظنا فيهم وهو كذلك -إن شاء الله- وأن كل مسلم غيور على دينه وعلى شعائر دينه وعلى حرماته يجب عليه هذا.
فلهذا نقول: أنكروا المنكر, ونقول: يا من تتصدون لمن ينكر المنكر، وتقولون: إن هذا إثارة، وإن هذا ضد البلد، اتقوا الله, هؤلاء الناس يقولون: ما علمنا، ويقولون: جزاكم الله خيراً على أنكم ذكّرتمونا, فلماذا تحرمون أنفسكم من هذا الأجر والفضل؛ وتتركون المنكرات تستشري، وتقولون: لا ينبغي ذلك ولا يذكر ذلك, وليس هذا هو المنكر الوحيد الذي غُير, بل والأصل أننا نغيّر المنكر ولكن التذكير واجب من الجميع.
ز- الأخ يقول: إن هناك مسجداً لا يُصَلَّى فيه, كما ذكر الإخوة, وهذا لا يجوز، وإذا كان المسجد معطلاً, فماذا نريد ذنباً أكثر من ذلك؟! قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة:١١٤] , فهذا لا يجوز بأي حال من الأحوال إلا إذا كان هناك عذر معين أو خللٌ فيصَلَّى جماعة في مكان آخر، ويوقف المصنع أثناء الصلاة، ويتم إصلاح المسجد, أما إذا كان غير ذلك فلا يجوز، بل يجب أن ننكره.
الأخ ذكر أيضاً بأنه في المسجد وجد أحد المصاحف التي طبعها المجمع خطأً في ترتيب السور, وكان على الأخ إرفاق هذا المصحف نفسه وينبه إلى ما فيه, وإن شاء الله تكون نسخة واحدة, فالغالب أن ذلك لا يكون في جميع النسخ أو في كثير منها, قد يكون في نفس الدفعة أو في رصّة يمكن أن تكون ألفاً أو ألفين أو عشرة آلاف, فلتتدارك بناءً على معرفة النسخة الموجودة إن شاء الله.
ي- هنا بطاقات تخفيض للزيوت وللمستشفيات ولغيرها, هذه كلها داخلة في القمار, وقد وزعت الفتوى هنا لسماحة الشيخ عبد العزيز , ومن يريد الاستيضاح يمكن أن يطلب الفتوى مرة أخرى, ونرجو الإخوة الذين عندهم الفتوى أن يعلقوها في المساجد, وأن تقام الحجة على هؤلاء.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 2337
الدين اتباع وليس ابتداعاً
في هذه المادة افتتح الشيخ الدرس ببيان أهمية اللقاءات الأخوية، ثم تكلم عن مسألة الاتباع، مبيناً وجوب الاتباع وترك الابتداع، وشرح خلال ذلك سورة الفاتحة مبيناً اشتمالها على أنواع التوحيد، ثم تكلم أول شرك وقعت فيه البشرية، وبيّن أن اختلال أحد شرطي العمل الصالح يؤدي إلى عدم قبول هذا العمل، ثم ذكر صوراً لضلال اليهود والنصارى، وبعض الفرق الإسلامية التي شابهتها.
стр. 2338
أهمية حلقات الذكر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد،،، فإن خير الكلام كلام الله ، وخير الهدي هدي محمدٍ ﷺ ، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
نسأل الله ﵎ أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل قلوبنا خاشعةً بما نسمع من آياته، وجوارحنا وأعمالنا تابعةً لما بلغنا عن هدي نبيه ﷺ .
تنبع أهمية حلقات الذكر من أن النبي ﷺ أمر بها، وكان يبايع عليها أصحابه الكرام، فإنه ﷺ قد قال: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه﴾ وقد قال ﷺ : ﴿الدين النصيحة﴾ هذه الكلمة العظيمة الجامعة، ولذلك لا بد من التناصح، ولا بد من إعلاء ذكر الله ﵎، ولا بد من إغاظة أهل البدع والفجور، بأن يجتمع المؤمنون في بيوت الله ﵎ كما قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٢٦ - ٢٧].
والإخوة الذين تجمعهم رابطة شهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان بالله ﵎، وتوحيده، واتباع سنة نبيه محمد ﷺ ، هذه المجالس وحلقات الذكر هي رياضهم، وهي روحهم وريحانهم في هذه الحياة الدنيا، وهي خير البقاع التي يسعى إليها كل مؤمن، ويهفو إليها كل قلب.
стр. 2339
الدين اتباع وليس ابتداعاً
دين الله الذي أمرنا باتباعه هو دين محمد ﷺ ، دين الإسلام الذي أنزله الله ﵎ ليمحو به من الأرض كل بدعةٍ ورجسٍ أحدثه المبتدعون، من الشرك والضلالات إلى أقل معصية عُصي الله ﵎ بها، فهو اتباع وليس ابتداعاً، فما معنى هذا؟ إن الله ﵎ أنزل في كتابه الكريم آياتٍ في آخر سورة الأنعام، هذه الآيات هي الوصايا العشر، التي قال عبد الله بن مسعود رضي الله ﵎ عنهما: [[من أراد أن ينظر إلى وصية محمد ﷺ التي عليها خاتمه -أي التي كأنه ﷺ كتبها وختمها، وبعث بها إلى كل واحد منا كأنها رسالة خاصة مختومة من النبي ﷺ فليقرأ هذه الآيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [الأنعام:١٥١] إلى قوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣]]].
стр. 2340
الأمر بالاتباع وعدم الابتداع في الوصية الخاتمة
هذه الوصايا العشر بدأها الله ﵎ بالوصية الأولى، وهي الوصية العظمى، وهي توحيد الله وعدم الشرك به ، فهذه أول ما يجب علينا أن نعلمه من ديننا، وأول ما يجب أن نتمسك به، وأول ما يجب أن ندعوا إليه، كما بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن فقال له: ﴿إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله﴾ وفي رواية: ﴿إلى توحيد الله﴾ وفي رواية ﴿إلى عبادة الله﴾ ولا تنافٍ بينها، وكلها روايات صحيحة، فعبادة الله هي توحيده، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، فهذا أول ما يجب.
ثم بعد ذلك آخر الوصية التي كأنها وصية النبي ﷺ التي عليها خاتمه، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] أي: التمسك بهذا الهدي، والسير عليه، وعدم الالتفات يميناً أو يساراً، فهذه الوصية الخاتمة الأخيرة من الوصايا العشر، وهي التي تضبط كل الوصايا، فكل عملٍ لله لا بد أن يكون وفق ما شرع رسول الله ﷺ .
ولهذا قال ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ أي مردود على صاحبه، ليس عليه أمرنا بمعنى: أن كل الأعمال تحت هذا الأمر، هي خاضعةٌ لسنة النبي ﷺ ، وهي تحته، وهذا الأمر عليها وفوقها، حاكماً ومهيمناً، فإذا لم يكن أي عملٍ من الأعمال -ابتداءً من التوحيد وانتهاءً بأمور المعاملات وفروع الشريعة- وفق ما جاء به محمد ﷺ ، فهو مردود على صاحبه.
стр. 2341
سورة الفاتحة وما تضمنته من بيان حقيقة الاتباع
ولكون هذا الدين اتباعاً وليس ابتداعاً ولا يخضع للهوى -لأهميته ولعظم شأنه- جعله الله ﵎ في كل ركعةٍ من ركعات الصلاة، فكل مسلم يقرأ في كل ركعة من صلاته سورة الفاتحة، التي هي أم القرآن، والتي هي أفضل سورة في كتاب الله تعالى، نقرؤها في كل ركعة من الركعات وجوباً، كما قال ﷺ : ﴿من صلى صلاةٍ لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج﴾ فهذه فاتحة الكتاب تضمنت هذا المعنى وهو أن الدين اتباع وليس ابتداعاً.
وقد تضمنت سورة الفاتحة أمور التوحيد وأمور الدين، ولو أخذنا بالقسمة التي يقسمها بعض العلماء، وهي أن التوحيد أربعة أقسام: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الطاعة والاتباع؛ فإنها متضمنة في سورة الفاتحة.
والقسمة هذه قسمة اصطلاحية، ولا مانع أن تكون أربعة أو أن ترد إلى نوعين، فيقال: إن التوحيد على نوعين: توحيد علمي اعتقادي، وهو يشمل توحيد الأسماء والصفات، وتوحيدٌ عمليٌ طلبي، وهو توحيد العبادة، أو ما يسمى بتوحيد الألوهية، ويدخل توحيد الربوبية في ضمن توحيد الأسماء والصفات , وقد تدخل بعض جوانبه في توحيد الألوهية.
والمراد أن التوحيد الذي هو أعظم واجب، والذي هو حق الله على العبيد قد تضمنته سورة الفاتحة بأنواعه وبأقسامه، سواءً جعلنا توحيد الطاعة والاتباع قسماً مستقلاً، أو قلنا إن توحيد الطاعة والاتباع هو قسمٌ من توحيد العبادة أو من توحيد الألوهية، فالنتيجة واحدة.
فالله ذكر في سورة الفاتحة توحيد الربوبية في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] فهذه الآية تضمنت توحيد الربوبية، ثم قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] وهذا توحيد الأسماء والصفات ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] وهذه تضمنت -بالإضافة إلى أنها من الأسماء والصفات- تضمنت التذكير بأعظم يوم، وبركن عظيم من أركان الإيمان وهو يوم القيامة ويوم الجزاء، الذي فيه تُنصب الموازين وفيه تقبل الأعمال أو ترد، وفيه يكون الناس فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
ثم قال بعد ذلك: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وهذا هو توحيد العبادة وتوحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة، ولذلك قدم الضمير ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] وذلك لحصر العبودية والاستعانة به سبحانه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الملك:٢٩] فهذا هو مضمون ذلك، فعبادة الله هي الغاية التي نسعى من أجلها، وهدفنا وغايتنا هي رضا الله ، ورؤية وجه الله الكريم في الجنة -جعلنا الله وإياكم من أهلها- فهذه هي غاية كل مؤمن يعبد الله .
"إِيَّاكَ نَعْبُدُ" نعبدك وحدك يا رب، نريد وجهك، ونريد أن تجعلنا من أهل الجنة، وأن تمتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم، والنظر إلى وجهه الكريم هو الغاية التي شمر لها الصالحون والسابقون.
ثم قوله تعالى: "وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ" فالوسيلة والمعين في هذا الطريق لتحقيق هذه الغاية؛ لا يمكن أن تكون إلا منه ، فالأمر كله منه وإليه جل شأنه، وليس لنا حول ولا طول في هذا الأمر.
وقد قال الله في الحديث القدسي: ﴿قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين﴾ فلننظر ما بين النصف الثاني في سؤال العبد عندما يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] يجب علينا أن نتدبر كتاب الله، وأن نعي كلام الله ، فإننا لم نؤمر ولم يفرض علينا أن نردد هذه السورة العظيمة في كل ركعة إلا لحكمة عظمى، وكل كلام الله فيه الحكمة، وفيه العبرة والعظة، فما ظنك بأفضل سورة وهي تردد في كل ركعة من فريضة أو نافلة؟! ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] فهذا هو طلبنا الذي نطلبه من الله في كل ركعة أن يهدينا الصراط المستقيم، فما هو الصراط المستقيم؟ الصراط المستقيم هو مضمون قولنا إن الدين اتباع، فالصراط المستقيم هو الإسلام، وهو هدي النبي ﷺ ، وهو طاعة الله ﵎ دون أن يحيد الإنسان عنها لا ذات اليمين ولا ذات الشمال، حتى قال من قال من السلف: إن الصراط المستقيم أبو بكر وعمر ﵄؛ أي الطريق الذي كان عليه أبو بكر وعمر، والسلف الصالح، فإذا قلنا القرآن، أو الإسلام، أو الدين، أو السنة، أو الخلفاء الراشدين، كل ذلك يدخل في أنه هو الصراط المستقيم الذي ندعو الله أن يهدينا إليه.
ولهذا فالنبي ﷺ مثَّل هذه الآية: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] مثلها عملياً مثل وسائل الإيضاح التي تعرض على الطلبة في المدارس لتتضح لهم بعض المعالم الجغرافية أو الرياضية، خط رسول الله ﷺ خطاً مستقيماً، وخط خطوطاً ذات اليمين وذات الشمال، وقال: هذا هو الصراط، وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام:١٥٣] فهذا الصراط هو الإسلام وهو السنة، وهذه الخطوط: هي الأهواء والبدع والضلالات التي كثرت، والتي تكثر في كل زمان ومكان تصديقاً لما قاله الرسول: ﴿افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة.
قيل: يا رسول الله من هي؟ قال: الجماعة﴾ وفي رواية قال: ﴿ما أنا عليه اليوم وأصحابي﴾ وهذه السبل التي على جنبات الصراط هي هذه الفرق والأهواء، وهي الضلالات التي ندعو الله أن يجنبنا إياها، وندعوه أن يثبتنا على الصراط المستقيم، وهو اتباع دين محمدٍ ﷺ وسنته.
стр. 2342
الابتداع هو أصل ضلال البشرية
والانحراف عن الصراط واتباع الأهواء والبدع قديم، وهذه الآية نفسها تشير إلى ذلك، فهي تشير إلى أمتين انحرفتا عن الطريق وهما اللتان آتاهما الله الكتاب من قبلنا: اليهود والنصارى.
بل لو رجعنا إلى أبعد من ذلك؛ لوجدنا أن أصل ضلال البشرية جميعاً وانحرافها من التوحيد إلى الشرك كان بسبب الابتداع وعدم الاتباع.
ما وقع الشرك في ذرية آدم إلا بسبب البدع والابتداع واتباع الهوى وتزيين الشيطان، فإن الله خلق أبانا الأول آدم نبياً مفطوراً على التوحيد، وفطر جميع ذريته على التوحيد، أي جعل التوحيد فطرةً في قلب كل إنسان، فجعله يعلم أن الله هو وحده الرب المعبود الذي يطلع على كل شيء، والذي يجب أن يتوجه إليه الإنسان بكل نوع من أنواع العبادة، ولهذا كان كل مولود من آحاد الجنس البشري يولد على الفطرة، ثم بعد ذلك: ﴿فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه﴾ أي أن المجتمع والبيئة والتربية تصرفه عن ذلك.
وهذا تصديق لما قاله الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢] هؤلاء ذرية آدم الذين مسح الله على ظهر آدم فكان منه فرقتان سود وبيض وقال تعالى: ﴿هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي﴾ وحينئذٍ أخذ الله منهم الميثاق، ويذكر بهذا الميثاق من نسيه يوم القيامة، فيقول: قد أخذت عليك الميثاق وأنت في صلب أبيك ألا تشرك بي شيئاً.
стр. 2343
أول ضلال وشرك وقعت فيه البشرية
لقد بقيت ذرية آدم على التوحيد كما قال حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس -رضي الله تعالى عنه- عشرة قرون.
وكان في القرن العاشر رجالٌ صالحون عبَّاد، مشهورون بالعبادة، والتقوى، وبالورع، والخشوع، أحبهم الناس وعظموهم وقدَّروهم لعبادتهم ولخشوعهم، واعتقدوا فيهم الخير والولاية والصلاح؛ لما كانوا يرون فيهم من علامات الخير والتقرب إلى الله ، وقد ذكرهم الله في كتابه وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، هؤلاء كانوا رجالاً صالحين وعبَّاداً مجتهدين، كانوا قبل قوم نوح في الجيل الأخير الذي انقطع منه التوحيد، ثم وقع الشرك فيمن بعده.
ماذا فعل أتباع هؤلاء القوم لما ماتوا؟ قالوا: إنَّا كنَّا -القول بالمعنى- نتذكر عبادة الله بوجود هؤلاء الناس، يذكروننا بالله، ويأمروننا بالمعروف، وينهوننا عن المنكر، فكل ما يقرب إلى الله يذكروننا به ونراه متمثلاً فيهم، والآن ماتوا؛ فكيف نتذكر عبادتهم، ونجتهد مثل اجتهادهم ونكون مثلهم في الطاعة؟ جاءهم الشيطان وقال لهم: ما دام هؤلاء قد ماتوا فلو صورتموهم، فتذكرتم عبادة الله تعالى عندما ترون هذه الصور -فكأن الصورة هي تعبير عن الحقيقة المفقودة ومثال لها- إذا رأيتم الصورة كأنكم ترون هذا العبد الصالح: وداً، أو سواعاً، أو يغوث، أو يعوق، أو نسراً، فتعبدون الله وتجتهدون في طاعة الله، مثلما كنتم تجتهدون وتذكرون الله إذا رأيتم هؤلاء الأشخاص وهم أحياء -كما كنتم من قبل- ففعلوا ذلك، فصوروهم.
فهل أذن الله بذلك؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] فعلوا ذلك، ثم جاء الجيل الثاني، ثم الجيل الثالث، وكان الجيل الأول يرونهم فيتذكرونهم، فيعبدون الله ، لكن بعد ذهاب الجيل الأول ماذا جرى؟ نسخ العلم كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه أي أن العلم يضمحل ويقل مع مرور الزمن، جيلاً بعد جيل حتى يأتي الله تعالى بدعوةٍ جديدة، أو بنبي جديد، وهذا قبل بعثة محمد ﷺ فكان يبعث في كل فترة رسولاً، وفي هذه الأمة يهيئ الله في كل قرن من يجدد لهذه الأمة أمر دينها.
فجاء الشيطان إلى الأجيال الأخيرة، وقال لها: إن من كانوا قبلكم كانوا يعبدون هذه الأصنام وهذه الصور، فصاروا يعبدونها ويدعونها من دون الله ويقولون: إنها تقربنا إلى الله زلفى، ويقولون: نحن أناس ضعفاء، مساكين، وفينا ذنوب، وفينا أخطاء، كيف نتوجه إلى الله؟ كيف نتقرب إلى الله؟ هذا لا يمكن.
وهكذا الشيطان سول لهم وأملى لهم أن: نعبد الله عن طريق هؤلاء الصالحين، فنجعلهم واسطة ووسيلة إلى الله ، يقربونا إلى الله، فهم شفعاء يشفعون لنا عند الله فعبدوا هذه الصور بهذه الشبهات الشيطانية الكاذبة، عبدوا الصور وعبدوا الأوثان من دون الله، ونُسي توحيد الله، وبعث الله تعالى فيهم نوحاً ﵇، وأخذ يدعوهم إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، سبحان الله! كانت الأجيال البشرية طويلة العمر، والله أقام الحجة عليهم بهذه الأعمار، وبهذه الدهور الطويلة، ومع ذلك ما آمن له إلا قليل، كما ذكر الله ﵎، وكان ذلك أول شرك وقع في بني آدم، وبذلك كان نوح ﵇ أول رسول أرسله الله إلى الناس ليردهم من الشرك إلى التوحيد.
стр. 2344
النية الصالحة وحدها لا تكفي في صلاح العمل
الذين صوروا هذه الصور -صور الرجال الصالحين- هل كانت نيتهم الشر؟ هل كانوا يريدون أن يعملوا هذه الأعمال لتدخلهم النار؟ هل عملوها ونصبوها وعظموها ليبتعدوا عن الله، ولينالهم غضب الله ؟ هذا شيء لم يريدوه مطلقاً كما هو ظاهر في القصة السابقة، ولذلك لا حجة لأي مبتدع، ولا صاحب هوى، أن يقول: ما قصدنا إلا الخير، ونيتنا طيبة، وهدفنا سليم، هذا صحيح، ونحن لا نتكلم عن نياتكم، فيمكن أن تكون نياتكم طيبة، فإن هدف قوم نوح ونيتهم وغرضهم كان سليماً وما كانوا يريدون لأنفسهم أن يكونوا من أصحاب الجحيم، ولا كانوا يقولون: نريد أن نبتدع في الدين؟ بل كان الغرض سليماً، لكن هذا الغرض لمّا كان من عند أنفسهم، ولما كان ابتداعاً لم يتبعوا فيه شرعاً ولا وحياً من الله لم ينفع ذلك الغرض.
ولهذا لما ننتقل إلى الأمتين -اللتين نستعين الله في كل ركعة وفي كل صلاة على ألا يجعلنا كحالهما، وأن يثبنا على الصراط المستقيم، ويجنبنا طريقهما - نجد هذا أيضاً موجوداً بالذات في أمة الضلال: اليهود المغضوب عليهم، خصت الأمة اليهودية بالغضب، كما خصت الأمة النصرانية بالضلال، وكلاهما مشرك، وحكى الله عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] كلاهما مشرك بالله ، وكلاهما كافر ومتوعد بالنار، كما نص على ذلك كتاب الله ، وكما نص عليه نبينا ﷺ ، فلا يبلغ أحداً من هاتين الأمتين دين محمدٍ ﷺ ؛ فلا يؤمن به؛ إلا كان من أهل النار.
ثم لننظر إلى حال هاتين الأمتين، فبعد سورة الفاتحة تقرءون سورة البقرة في كتاب الله، وهذا الكتاب العظيم يشمل كل الكتب السابقة، ومصدقاً لها، ومهيمناً عليها، وكل خبر جاء في الكتب السابقة، فإن القرآن قد شملها وزاد عليها، والقرآن كله شملته بالجملة سورة الفاتحة، فإذا قرأنا سورة الفاتحة فقد قرأنا مجمل ما في القرآن.
стр. 2345
أصل الضلال هم اليهود والنصارى
عندما نقرأ سورة البقرة، فإننا نقرأ تفصيل ما قرأنا في سورة الفاتحة، فماذا نجد في سورة البقرة؟ كم فيها من الحديث عن بني إسرائيل! أخبار كثيرة عن بني إسرائيل بنوعيهم: اليهود والنصارى، وإن كان الحديث عن اليهود أكثر، وهنا سؤال هام وهو: لماذا خصت الأمة اليهودية بالغضب؟ ولماذا وكيف عاندوا الله ؟.
стр. 2346
صور من ضلال اليهود
عندما نقرأ قصة اليهود تقشعر منها قلوب المؤمنين، فنجد أن الله ﵎ ينجيهم من فرعون وملئه وقومه، ويهيئ لهم طريقاً في البحر يبساً، بعد أن أدركهم العدو، وقالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] وينجيهم الله ﵎ ويخرجون إلى البر، ويغرق عدوهم ويهلكه، ماذا قالوا بعد ذلك؟ هل شكروا الله؟ هل استقاموا على دين الله؟ هل اتبعوا رسول الله موسى ﵇؟ لا، وجدوا أناساً يعبدون الأصنام، أولئك في مصر يعبدون فرعون، ووجدوا هؤلاء يعبدون أصناماً، فحكى الله عنهم: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً﴾ [الأعراف:١٣٨].
سبحان الله العظيم! أين نعمة الله؟! وأين توحيده؟! وشكره؟! طلبوا إلهاً كما أن لأولئك آلهة.
ثم يذهب موسى ﵇ ليتلقى التوراة، ويتلقى الألواح من الله ، ويغيب عنهم أربعين ليلة، ويأتي وإذا بـ السامري الضال قد ابتدع لهم بدعة، وصرفهم من التوحيد إلى الشرك، هذا السامري قبض قبضةً من أثر الرسول، أي: أخذ قبضة من أثر الرسول، وصنع العجل الذهبي، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، وصدقه أكثرهم وآمنوا به وعبدوا العجل، وما يزالون إلى اليوم؛ فرقة من اليهود تسمى - السامرة أو السامريون، سبحان الله العظيم يعبدون العجل! وحدثت لهم الأحداث بعد ذلك؛ فقالوا: أرنا الله جهرة، ثم أعطاهم المن والسلوى، فقالوا: لا نريد المن والسلوى، نريد البقل والقثاء والفول والعدس، وعندما أمرهم الله أن يذبحوا بقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] أي: خذوا بقرة واذبحوها، أخذوا يتعنتون ويتشرطون، ثم في الأخير: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة:٧١] أخيراً بعد العناد وبعد المشادة ما كادوا يفعلون ذلك.
ولا نريد أن نطيل في الحديث عن هذه الأمة إلا لنأخذ العبرة، إذاً ما هي الصفة التي نلمحها في اليهود؟ أنهم يعصون الله ويشركون بالله على علم، كما قال علي -رضي الله تعالى عنه-: [[ما جفت أقدامهم من ماء البحر حتى قالوا: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف:١٣٨] وما غاب عنهم موسى ﵇ إلا أربعين ليلة حتى عبدوا العجل!]].
هؤلاء الناس يأمرهم الله أن يدخلوا القرية الأرض المقدسة ويعدهم بالنصر؛ فيقولون لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] هذا خذلان! نعوذ بالله من الخذلان، دين الله بين أيديهم، وكليم الله يهديهم ويدعوهم، ولكنهم قومٌ معرضون، فأعرضوا عن علم.
ولهذا قال الإمام الجليل سفيان بن عيينة -رضي الله تعالى عنه- وهي منقولة أيضاً عن عبد الله بن عباس ﵄ حبر هذه الأمة قال: 'من ضل من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن ضل من عبادنا ففيه شبه من النصارى'.
فقولنا ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] لا نريد الضلال على علم -مثل ضلال اليهود- ولا نريد عبادة الله تعالى بالجهل والضلال عن طريق الجهل وهو عبادة النصارى وطريق النصارى، إنما نريد طريق الذين أنعم الله عليهم، الذين ذكرهم الله في الآية الأخرى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [النساء:٦٩] وهذا هو الصراط المستقيم.
стр. 2347
أهل الكلام شابهوا اليهود في الضلال
وأصحاب الضلال الذين ضلوا عن طريق العلم لهم نموذجٌ في هذه الأمة كثير، فمن أعظم النماذج أصحاب الكلام الذين يسمون علماء الكلام، الذين جعلوا دين الله فلسفات وأموراً معقدة وغامضة، وأدخلوا فيه كلام اليونان وقواعدهم المنطقية، وأشباهها من الأمور التي يطلع عليها المختصون، ووصل غبارها إلى العامة أيضاً في كل أمر من الأمور، هؤلاء أشبه شيء بالأمة المغضوب عليها التي عصت الله على علم.
وهؤلاء يقولون: إن الدين ليس اتباعاً، فلا نأخذه بالوحي، ويقولون: إن النصوص من الكتاب والسنة لا تفيد اليقين -نعوذ بالله- من أين نأخذ اليقين؟ قالوا: اليقين في القواطع العلمية، وفي البراهين النظرية التي تتفتق عنها عقولهم، أما نصوص الكتاب والسنة فهي ظواهر ظنية، هكذا يقولون وهكذا سول لهم شيطانهم والعياذ بالله.
ونضرب مثالاً فقط ليفهمه الجميع: علو الله على خلقه، هل أحد ينكر أنه فوق العالمين وفوق العرش؟ كما قال : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
وأوضح من الاستواء: العلو نفسه، الفطرة الموجودة في كل إنسان تشهد أن الله في العلو، في السماء فوق العالم، فجاء هؤلاء وكابروا الفطرة وجحدوها وأنكروها، وقالوا: البراهين العقلية لا تدل على أنه في السماء، كما أخبر -والعياذ بالله- وردوا كل الآيات وكل الأحاديث، وقالوا: هو لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله نسأل الله العافية.
يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية: لو قيل لأحد عرِّف العدم فعرفه بهذا، فقال: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا يمينه ولا شماله لما كان أتمّ من ذلك، لكن هؤلاء يقولون: هذه هي القواطع والبراهين العقلية.
إذاً فالمتبع لديهم ليس كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ ، المتبع هو عقولهم وآراؤهم، ولهذا عاشوا في حيرة عظيمة.
هؤلاء أصحاب العقول وهم كثير في الناس حتى من العامة -إلا من رحم الله- تقول لهم: قال الله وقال رسول الله ﷺ ، فيقول لك: لكن هذا -في عقلي- لا يمكن! في عقلك سبحان الله! وهل أحالنا الله للعقول؟! أرسطو وأفلاطون وهؤلاء الذين يأخذون عنهم هذه العقول وغيرهم من الفلاسفة، كانوا موجودين قبل بعثة النبي ﷺ أليس كذلك؟ لو أن هؤلاء لديهم الهدى، ولديهم الخير، والحق وسبيل الرشاد، ما احتاج الناس إلى أن يبعث الله تعالى إليهم نبيه محمداً ﷺ ، أما وقد بعثه الله وأمر أن نتبعه فإن كل ما عدا شريعته ضلال، مهما كان قائله، لو أن العقول تشرع في دين الله، وتشرع في صفات الله، وتشرع في أمور التوحيد، لكان هذا شرك.
ويقول لك أحد العامة: ليس هذا شرك، وهذا ظاهر بالعقل، فأنا لا أعتقد أن غير الله يؤثر، بل التأثير كله لله، لكن هذا واسطة! فنقول: ما هو الدليل؟ هل النبي ﷺ أمرنا أن نتوسل بالأموات وبأصحاب القبور؟ فسيقول: لا يوجد دليل، ولكن هذا واضح بالعقل والفكر، فبذلك رجعنا لقضية اتباع الهوى، واتباع الخرص والظن، وإن سموه عقلاً، فوقعوا في الحيرة، ووقعوا في الضلال.
وكل من خاض في علم الكلام وهذه الأمور الجدلية بغير هدىً من الله، ندم وحار وضل وتخبط، والسعيد منهم والناجي منهم الذي قال عند الموت، كما قال الجويني: لقد ركبت البحر الخضم وخضت فيما نهى عنه علماء الإسلام، وهأنذا أموت على دين عجائز نيسابور، فالويل لـ ابن الجويني إن لم يغفر له الله .
فهذا يموت على دين العجائز -يعني الفطرة الأولى- ترك البحر الخضم وما خاض فيه، فكل ما كان مخالفاً لشرع الله وإن سميت فلسفات وإن سميت علوماً: علم اجتماع، علم نفس، علم اقتصاد، علم سياسة، القضية ليست قضية العلم، ولا تسمية العلم.
فالسحر تعلمه كفر، هكذا قال الله : ﴿حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] المعلمان هاروت وماروت هما أول من علم الناس السحر، يقولان: هل تريد أن تتعلم السحر؟ يقول: نعم، فيقولون: إنما نحن فتنة فلا تكفر، أي: لو علمناك تكفر.
فالسحر إذاً كفر، ومع ذلك، سماه الله علماً.
إذاً القضية ليست قضية علم فقط، ولكن هل هذا العلم اتباع؟ وهل هو وحي من الله؟ هل هذا العلم مما كان عليه السلف الصالح؟ هذا هو الأساس، وإلا فالعلوم كثيرة، ولكن المعيار هو كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
فإذاً يشبه أمة اليهود من هذه الأمة الذين يعرضون عن دين الله، وعن كتاب الله على علم.
الله جعل لنا هذا البيت قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً﴾ [البقرة:١٢٥] وجعلنا نقبل هذا الحجر الأسود، وقد شرع ذلك لنا رسول الله ﷺ ، ومع ذلك يقول عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه-: ﴿والله إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع؛ ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك﴾ هذا هو الحجر الأسود، النبي ﷺ أكرم وأعز على الله من الحجر الأسود بلا ريب، هل جلس النبي ﷺ وجعل كفه حجراً أسود يقبل ويستلم من غير تشريع الله؟ هل فعل ذلك النبي ﷺ ؟ لا! لم يفعله.
فإذا جاء من يحملون الشهادات العلمية، ومن يكتبون المؤلفات الكبيرة، ويجعلون أكفهم كالحجر الأسود يستلم ويقبل، وينحني الإنسان ويقبل ويذهب ويجلس، فهذا ينطبق عليه ما ينطبق على الأمة الغضبية الأمة اليهودية أنها عصت الله على علم، يعلمون أن هذا لم يشرعه الله ولم يأذن به الله، ومع ذلك يفعلونه، يستعبدون المريد الذي يسمونه مريداً من دون الله، ويريدون أن يحولوه إلى شيطانٍ مريد على شرع الله وعلى أمر الله.
حتى قال قائلهم: إذا أمرك الشيخ بأمرٍ فلا تعصه، وكن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل، هكذا يقول أئمة الصوفية أئمة الضلال، يجب على المريد أن يكون بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل يقلبه كيف يشاء، حتى لو أمره بفاحشة، قالوا: لأن الشيخ أعلم، ربما يرى أن في صالحه أن يفعل تلك الفاحشة، فيندم ويتوب ويكون أفضل له، وأفضل لحاله نعوذ بالله من الضلال.
فيعلمون أن الله حرم هذا ويأمرون به، ويعلمون أن هذا من البدع ويفعلونه، من أجل المتاع القليل، ومن أجل أن يأكلوا أموال الناس بالباطل كما حكى الله عنهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٤] ومن أجل أن يُعظَّموا بالباطل، والله يقول: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١].
فالأمة الغضبية اتخذت الأحبار، وأمة الضلال اتخذت الرهبان آلهةً من دون الله، قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧] ابتدعوا هذه الرهبانية، ولم يتبعوا ما أنزل الله، وإنما ابتدعوا شيئاً ما كتبه الله، ومع ذلك قال تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد:٢٧].
стр. 2348
الخوارج والصوفية شابهوا النصارى
لقد وجد في هذه الأمة نموذج الضلال الذين عبدوا الله على جهل، وإن كانوا يريدون الحق، ومنهم الخوارج، ولما دخل أصحاب النبي ﷺ الكرام - أبو سعيد وابن عباس - إلى معسكرهم خشعت قلوبهم من كثرة ما سمعوا من أنين الخوارج بالقرآن، يتهجدون بالقرآن كلهم، وفي جباههم وأيديهم مثل الثفنة التي تكون في ركبة البعير من كثرة العبادة والاجتهاد، ولكن هل نفعهم ذلك شيئاً؟ النبي ﷺ يقول: ﴿لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عادٍ وثمود﴾ وقد قاتلهم أصحابه ﷺ حتى قتلوا منهم قرابة أربعة آلاف في معركة واحدة، وأجمع الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وهم أعلم الناس بدين الله على قتال الخوارج، يقاتلون أناساً هذه حالهم، كما قال ﷺ : ﴿تحقرون عبادتكم إلى عبادتهم وقراءتكم إلى قراءتهم﴾ يقاتلوهم وهم بهذه الحال؛ لأن هذه العبادة وهذه القراءة على ضلال وجهل بالدين؛ فهم بهذه الحال مثل رهبان النصارى.
والفرق الأخرى التي وجدت كانت أيضاً بتأثير مباشر من الأمتين أمة الغضب وأمة الضلالة، عافانا الله وإياكم منهما! وهدانا إلى الصراط المستقيم.
عندما قال أهل الكلام: إن المرجع في الدين ليس كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ، وإنما هو العقل، جاء أناس آخرون، وقالوا: ليس المرجع العقل، بل المرجع الكشف الذي يقع في القلوب، علم المكاشفة، والعلم اللدني.
ما هو العلم اللدني؟ وما هي المكاشفة؟ قالوا: نتيجة الذكر، والعبادة، والسهر يوحى إليك في المنام، ويلقى إليك كلام في قلبك فتعلم أن هذا هو الصراط المستقيم، وهذا هو الصحيح، وهذا هو الدين فتتبعه.
الواحد من أئمتهم يقول: أُلقي في قلبي أن نعمل الذكر الفلاني، فُيسأل كم مرة يا شيخ؟ قال: عشرة آلاف مرة، فإذا قيل له: إن النبي ﷺ قال: بعد الصلاة سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر مائة مرة، قال: لا، بل عشرة آلاف مرة، ثم إن الشيخ يلقى إليه في وقت آخر أذكار ليست باللغة العربية أصلاً، ثم إذا جاء عنده المريض كتب له حجاباً، وقال له: علقه على صدرك، ولو فتحت الحجاب لرأيت مربعات ومثلثات، وكلمات ليست عربية.
ما هذا؟ أي علم هذا؟ قالوا: هذا من العلم اللدني، ومن الكشف، وإن سألتهم عن القرآن والسنة، قالوا: هذا العلم الظاهر، فهم يسمون الكتاب والسنة بالعلم الظاهر، فالعوام الذين يقرءون القرآن يمشون على الظاهر، أما أرباب الحقائق وأرباب المكاشفات (الأولياء) فهؤلاء يتبعون العلم اللدني، والعلم الكشفي.
وإذا قلت لهم: هذا الحديث ضعيف، أو موضوع، مثل أحاديث فضائل رجب، وأحاديث زيارة النبي ﷺ : ﴿من حج ولم يزرني فقد جفاني﴾، ﴿من زارني وجبت له شفاعتي﴾ وأحاديث كثيرة موضوعة، قالوا: هذا الحديث وإن قال علماء الجرح والتعديل أنه موضوع، لكن صححه الأئمة والأقطاب عن طريق الكشف.
إذاً عندنا معيار آخر نصحح به الأحاديث ونضعفها، وهو طريق الكشف، كل واحد يأتينا بكشف غير الآخر؛ لأن هؤلاء شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، وكل شيطان يكاشف وليه من شياطين الإنس بما لم يكاشف به الشيطان الآخر، فتكثر الضلالات، والبدع، وتكثر الطرق.
كم طريقة اليوم في العالم الإسلامي؟ كثيرة جداً، وكل طريقة تتفرع إلى طرق، الطريقة القادرية هي أكبر الطرق، والقادرية عدة طرق، كل شيخ يشقق الطريقة إلى طرق، والله يقول: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام:١٥٣] فهو صراط واحد فقط وقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وقال: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام:١٥٣] لا تتبعوا هذه الطرق، وهذه الطرق هي السبل، وهي التي لما رسم النبي ﷺ الخط المستقيم، رسم خطوطاً على يمينه وعلى شماله، فـ الخوارج وأئمة الصوفية وكل من عبد الله بالجهل وتعبده بالبدعة -وإن جاهد وقاتل وصام وإن صلّى وإن زعم الولاية- هؤلاء أعمالهم باطلة وليسوا على الصراط المستقيم.
стр. 2349
الصوفية جمعوا بين نوعي الضلالة
ويتحقق في حق الصوفية وأتباعهم كلا النوعين، فمنهم نوعٌ يلحق باليهود، وهم الذين عصوا الله على علم، ونوع آخر يلحق بالنصارى، وهم الذين عبدوا الله على جهل، وهؤلاء أناس موجودون اليوم، لو سألت من هدى الله منهم؛ لقال لك: إنه كان يجلس ليلة كاملة يقول: سبحان الله أو الحمد لله، طوال الليل كله، وكان يعد أحد عشر ألف مرة، لابد أن يكمل أحد عشر ألف مرة، وأحياناً يقول له الشيخ: سبعة آلاف مرة، فلابد أن يكمل سبعة آلاف مرة.
كيف يتعبدون هذه العبادة الطويلة؟ أليس عندك كتاب من كتب الأذكار؟ كالأذكار التي تقال بعد الصلاة؟ مثل تحفة الأخيار، وهو كتاب صغير معروف لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله وأمد في عمره ونفعنا بعلمه، وفيه أذكار نبوية، وهو منتشر، لكنهم لم يسمعوا به؛ لأنهم لا يتلقون إلا من الشيخ يقول: عشرة آلاف، فيقولون: عشرة آلاف، ولو كان الله سبحانه ورسوله ﷺ قالا مائة! لقال هو: جعلناها عشرة آلاف، لأن العشرة الآلاف أكثر من المائة.
هل صاحب العشرة آلاف مأجور، وصاحب المائة آثم، لأنه أقل؟ لا! صلاة المغرب هي ثلاث ركعات، فإذا صليناها ثلاثين ركعة وهي أكثر من ثلاث ركعات، فهل يقبل الله ذلك منا؟ لا يقبل الله منا قال ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ أي: فهو مردود غير مقبول، فمهما كان هذا العمل، ومهما ظن صاحبه، ومهما حسن قصد صاحبه، فإنه مردود غير مقبول.
стр. 2350
قبول الأعمال
فما هو العمل الذي يقبله الله؟ وما هو الدين الذي يرضاه الله ؟ قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]، شرطان للعمل لكي يتقبله الله ، وكما تعلمون حال الأمة، وكل منا أعلم بحال نفسه، مقصرون في طاعة الله ، فكلنا نرجو فضل الله، ونرجو مغفرة الله، ونرجو عفوه، فيا لله العجب! إذا كنا في الطاعات مقصرين فكيف نجتهد في الابتداع؟! كيف نجتهد في البدعة ونحن ما قمنا بإتمام الطاعة؟ ما أدينا الواجبات المفروضة والطاعات التي يقول الله عنها في الحديث القدسي: ﴿وما تقرب إلي عبدي بشيءٍ أحب إلي مما افترضته عليه﴾ فأحب شيء إلى الله ما افترضه الله، الصلوات الخمس، الصوم، الحج، العمرة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا أحب شيء يتقرب به إلى الله، الأمة التي لم تقم بالواجب الذي فرضه الله عليها، كيف تجتهد في إقامة البدع، وتستحدث في الدين؟! هل أكملت الواجبات ثم المندوبات حتى تفكر فيما بعد ذلك؟ لن يستطيع أحدٌ ذلك؛ لأن الدين أعظم وأوسع، فما تقرب العبد إلى الله بشيء أحب إليه مما افترضه عليه.
فمن أراد أن يدل الناس على طريق الخير، ويدعوهم إلى الله، ويذكرهم بالله، وباتباع النبي ﷺ ، وبمحبة رسول الله ﷺ ، فليبدأ بتذكير الناس وبدعوتهم بما افترض الله ﵎ عليهم، افترض علينا التوحيد، وهو أعظم واجب، فنبدأ بتعليم الناس التوحيد ودعوتهم إليه، ثم الصلوات الخمس، ثم ترك الفواحش والمنكرات والكبائر الواضحة: كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والخيانة، والغيبة، والنميمة، وشهادة الزور، وقطيعة الأرحام، وهي محرمات ظاهرة، ومع ذلك متفشية في مجتمعاتنا وموجودة.
فالغفلة موجودة عن أداء الواجبات والتزام الطاعات، ثم نريد أن نعمل من البدع: موالد أو رجبيات أو شعبانيات، كل هذا لم يشرعه الله ، من أين أتيتم بهذا؟ هل جاءت في كتاب الله؟ هل جاءت في سنة رسول الله ﷺ ؟ لو أنها شرعت، ولو أنها في كتاب الله وسنة رسوله، لما جاز لنا أن نقدمها على ما أمر الله تعالى أن نقدمه، وهو التوحيد والأركان الخمسة، فكيف -وهي لم تشرع- تقدَّم وتعلَّم، ويترك الأصل العظيم، الأصل الذي ينجو به العبد بين يدي الله ! وهو التوحيد.
توحيد الله ، هو تجريد هذه القلوب لطاعة الله ، فلا يسأل إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله، ولا يستعان إلا بالله، ولا يتوسل إلى الله إلا بما شرع الله، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥] فكل مؤمن وكل مسلم مطالب بأن يبتغي إلى الله الوسيلة، وأن يتقرب إلى ربه ، فبماذا يُتقرب إلى الله؟ قال ﷺ : ﴿وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه﴾.
نبدأ بالواجبات، ثم ننتقل بعد ذلك إلى النوافل؛ بالشرطين السابقين، هذه هي الوسيلة، وما أعظم باب الوسيلة في ديننا! الكلمة الطيبة صدقة، كل تهليلةٍ صدقة، كل تحميدةٍ صدقة، كف الإنسان لسانه عن الشر صدقة ووسائل إلى الله كثيرة! كل هذه هي الوسيلة، وهي القربة التي يُتقرب بها إلى الله .
فلابد في العمل الصالح من شرطين: الأول: أن يكون العمل خالصاً لوجه الله ، فإذا لم يكن العمل خالصاً لوجه الله فإنه لا يقبله، كإنسان يريد الدنيا بعمله، يقول النبي ﷺ في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه : ﴿من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشركه﴾ وقال: ﴿أنا أغنى الأغنياء عن الشرك من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك﴾ لماذا تشرك بالله وهو غني عن جميع الأعمال التي تعملها؟! حالك مثل من يهدي إلى تاجر غني -والله هو الغني وله المثل الأعلى- هدية، ويقول: هذا لك، واعط فلاناً منها قليلاً، فيقول لك: اعطها كلها لفلان فأنا لست محتاجاً لها، فكيف والله الغني العظيم الذي يقول: ﴿يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً﴾ ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [محمد:٣٨] ، فيجب أن يكون العمل خالصاً لوجه الله.
والشرط الثاني: أن يكون صواباً وفق سنة رسول الله ﷺ ، كيف يكون العمل صواباً، وبماذا؟ بالعلم ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء:٧] بعض الناس يصلي عمره خمسين سنة، لكن لو أتينا ونظرنا إلى هذه الصلاة هل هي كما أمر رسول الله ﷺ ، وهل هي كما قال: ﴿صلوا كما رأيتموني أصلي﴾؟ فلذلك فإنها لا تقبل.
следующие страницы →