Полный текст (2 843 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
من صور التعدي على الدعاة
ثم يقول الشيخ ابن باز: ' وهذا المسلك مخالف لما أمر الله به ورسوله من جهات عديدة منها: ١ - أنه تَعدٍّ على حقوق الناس من المسلمين، بل من خاصة الناس من طلبة العلم ومن الدعاة، الذين بذلوا وسعهم في توعية الناس وإرشادهم وتصحيح عقائدهم ومناهجهم، واجتهدوا في تنظيم الدروس والمحاضرات، وتأليف الكتب النافعة '.
وهذا واضح، فمن جهة الاعتداء على الحق يقول ﷺ : ﴿كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه﴾ وواضح أن ﴿أربى الربا هو الاستطالة في عرض أخيك المسلم﴾، كما قال النبي ﷺ ، وأن هذا مخالف لما أمر الله ورسوله ﷺ به: ﴿لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره﴾ ﴿حق المسلم على المسلم الحديث﴾ فهذه براهين عظيمة، وهذا موضوع واسع لو استطردنا فيه لطال المقام.
وهذا يدلك على عظم حق المسلم -أي مسلم- فكيف بمن كان من الدعاة إلى الله الذين نفع الله بهم بقدر وحسب اجتهادهم، وبما بذلوا من دعوة أو محاضرة أو تأليف أو أي منفعة حصلت منهم للدعوة إلى الله ﵎.
' أنه تفريق لوحدة المسلمين، وتمزيق لصفهم ' وهذا ليس فيه شك وواضح -أيضاً- من عملهم.
يقول الشيخ: ' وهم أحوج ما يكونون إلى الوحدة، والبعد عن الشتات، والفرقة، وكثرة القيل والقال فيما بينهم ' تصور أنهم (دبلجوا) أشرطة شيخ يتكلم، وشيخ آخر يرد عليه، فهذا يقول كلمة وهذا يرد عليه.
أليس التفرق -إذاً- هو المقصود؟! وكم يحصل بهذا من الشتات ومن الفرقة والقيل والقال! ومن يسمع الشريط فإنه لا يخلو إما أن يؤيد هذا أو يؤيد ذاك، مع أن أحدهما ليس مخالفاً للآخر.
فمثلاً: محاضرة تلقى قبل أربع أو خمس سنوات، فتقتطع منها عبارة، ويلقى محاضر آخر محاضرة في مكان آخر بعد سنوات فتقتطع منها عبارة، وتضرب هذه بهذه فما النتيجة؟! ولو جلس المحاضران وتكلما وتبادلا أطراف الحديث لما اختلفا، لكن لما ضربت العبارة بالعبارة أحدثت بلبلة، فيأتي طالب علم مبتدئ، فيسمع هذا ويسمع ذلك فيستغرب، ويندهش وقد ينتكس -كما ذكرنا- ويأتي طالب علم ويقول: الحق مع هذا! فيقول له أخوه: بل الحق مع هذا! فيتناقشان ويتجادلان بالليل والنهار، وقد يتهاجران ويتدابران فمن المستفيد؟ لا أحد.
فهذه هي الفرقة والشتات، والأمة في أشد ما تكون إلى الوحدة، وإلى التعاون على الخير والبر والتقوى، والبعد عن الشتات والفرقة وكثرة القيل والقال.
стр. 2277
ثناء ثم تهم باطلة
ثم قال ﵀: 'خاصة وأن الدعاة الذين نيل منهم هم من أهل السنة والجماعة، المعروفين بمحاربة البدع والخرافات، والوقوف في وجه الداعين إليها، وكشف خططهم وألاعيبهم'.
إذاً: ليسوا كما قال أولئك: أنهم من أهل البدع، وأنهم يوالون أهل البدع ويلبسون ويدلسون على الشباب، بل قالوا كلاماً يستحي الواحد أن يذكره، قالوا: إنهم أخطر من اليهود والنصارى -أعوذ بالله- وإنهم وراء المظاهرة النسائية التي قامت في الرياض، وإن هؤلاء ليسوا على عقيدة أهل السنة والجماعة، فهم إنما يتخذون العقيدة وسيلة ومطية لما يريدون! نعوذ بالله.
والكفار لا يقولون هذا، بل يقولون: هؤلاء وهابية متعصبون، وكلنا قرأنا وسمعنا الصحافة الأمريكية، وكثرة تردادها لهذه الكلمات: وهابيون متعصبون، أي: دعاة هذا البلد، ودعوتهم هي الدعوة والعقيدة الصحيحة -والحمد لله- وإن سموهم الوهابية فهي عقيدة أهل السنة والجماعة وما جاء في الكتاب والسنة.
وبعد كل هذا، يأتي أخوك المسلم ويطعنك هذه الطعنة النجلاء، ويجعلك أخطر من اليهود والنصارى، ويقول: كل كلامهم عن العقيدة وعن الدين والدعوة ما هو إلا ستار، ومحاولة للوصول إلى مآرب أخرى، مع أن الناس وطلاب العلم يسمعون هؤلاء المشايخ والدعاة المظلومين منذ أعوام، فلو كانوا يرون شيئاً أما كانوا سيقولونه؟! أيكتمونه طوال هذه السنين؟! سبحان الله ما أكثر الظلم! وما أعظم الظلم والبهتان! وهل يريد هؤلاء الدعاة إلا أن يبينوا الحق ويوضحوه للناس، ثم إن هذا اتهام بالنفاق! فمن الذي أطلعكم على نيتهم وما في بواطنهم، فإذا قال أحد: كلامهم نافع وأشرطتهم نافعة ومحاضراتهم نافعة؟ قال: نعم.
ولكن لهم أهداف أخرى.
سبحان الله! من أين علمت هذا؟ فرسول الله ﷺ كان يعرف المنافقين، وقد أنبأه الله تعالى عنهم، وأطلعه على أحوالهم ومعرفته لهم بسيماهم، فقال له: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] وغير ذلك، ومع ذلك فعاملهم على الظاهر، عاملهم معاملة المسلمين، وقال في حديث المقاتلة: ﴿وحسابهم على الله﴾ وأنت تقول: لا.
مهما أظهروا! وقد كلمهم كثيرون، ونصحوهم وقالوا لهم: اتقوا الله! من أين لكم هذا؟ فيقولون: أنتم لا تعلمون شيئاً، فيقال لهم: هؤلاء قد زكاهم العلماء، فيقلون: لا يعلم العلماء عنهم شيئاً، وهناك أمور أخرى، سبحان الله! فكيف عرفتموها؟ ثم إن من العجب أن هؤلاء قليلو المخالطة للدعاة المظلومين المفترى عليهم، فكيف عرفتم حقيقتهم وأنتم لا تجالسونهم؟ فلو أن واحداً منهم خدمه -مثلاً- أو رافقه أو صحبه؛ لكان في كلامهم شيئاً من القبول، ولكن لم يحدث شيء من ذلك.
ولهذا فالقريبون منهم يعلمون براءتهم، والبعيد يفتري عليهم، ويبهتهم بما ليس فيهم.
إذاً: هذا دليل على شحناء -والعياذ بالله- غلٍ وضغينة وحقد يترفع عنه طالب العلم.
أما الخلاف الفقهي، فلا ننكره، بل نقول: إنه إثراء للقضية، وسيأتي -إن شاء الله- عندما نشرح كلام الشيخ عن هذا الموضوع.
стр. 2278
مصلحة الأعداء من الشقاق
ثم قال: 'ولا نرى مصلحة في مثل هذا العمل إلا للأعداء المتربصين من أهل الكفر والنفاق، أو من أهل البدع والضلال' وصدق والله فالمصلحة -والله- لهؤلاء وأضرب لكم مثالاً: اتهام منهاج الجماعات الإسلامية بالابتداع، ويقولون: الإخوان والتبليغ إلخ، ويتكلمون عنهم كثيراً، فكيف سيكون حال الناس إذا ظنوا أن هؤلاء الدعاة مع هذه المناهج -خاصة بعدما استفادوا من علمهم وأشرطتهم ومحاضراتهم بالآلاف- عندما يقال لهم: إن فلاناً وفلاناً ممن يدعون إلى هذه المناهج، لاشك أن الناس سيتبعونهم؛ لأنهم قد أحبوهم وألفوهم، كما أنهم لا يلقون بالاً للتسميات، فإذا علموا أن فلاناً الذي أحبوه ووثقوا به من الجماعة الفلانية، قالوا: نحن معك، وأنا قد جاءتني رسائل تعبر عن إرادة المساعدة، وحب الخدمة، والاستعداد لذلك.
إن التسميات ليست مذمومة لذاتها، فليس في القرآن ذم لكلمة (إخوان، تبليغ) فيقول الناس إذا كان الأمر كذلك وكان القائمون عليها أمثال هؤلاء الرجال، فنحن معهم ومنهم، ولا يهمنا الاسم، وتكون النتيجة عكس ما أراد هؤلاء المصرون.
فإذا كان غرض هؤلاء محاربة الدعاة؛ ويقولون: نحن نحارب أهل البدع، وهؤلاء من أهل البدع، فسيقول الناس: هذه البدع على عيوننا ورءوسنا، وإذا كان أحد من أهل البدع فهو أنتم، وقد يردون بعض الحق الذي يقوله أولئك، وسبب هذا أن الافتراء العظيم يقابله عادةً غلو وتعصب عظيم.
ومثال آخر: تصوروا لو جاء رجل من المعتزلة، وقال: الإمام أحمد بن حنبل منا، فجاء رجل من أهل السنة، وقال: هذا صحيح، ليس الإمام أحمد منا، بل من المعتزلة، فسيقول المعتزلة: أحسنت.
أهديت لنا هدية عظيمة.
إن الروافض إلى الآن يحرصون على أن ينسبوا الصحابة من أهل بدر ونحوهم إليهم، لماذا؟ لأن كل عاقل يعلم أنك عندما تأتي إلى أناس لهم خير وفضل فتنسبهم إليك، فإن هذا أقوى وأفضل، بالنسبة إلى هؤلاء -سبحان الله- الذين انتكست عقولهم، فيأتي ويقول: هؤلاء ليسوا من أهل السنة.
ولهذا أجابهم بعض طلبة العلم وقالوا لهم: حسن، لقد عرفنا الآن من هم أهل البدع، فإذا ذهبت إلى القصيم فلن أحضر لا للشيخ سلمان بن فهد العودة أو من كان على شاكلته، وإذا ذهبت إلى جدة فلن أحضر عند سفر الحوالي ولا إلى من هو مثله، وإذا ذهبت إلى أبها فلن أحضر لا للشيخ عائض القرني ولا إلى من هو مثله، وإذا ذهبت إلى الرياض فلن أحضر لا للشيخ: ناصر العمر ولا إلى من هو مثله؛ لأنهم كلهم أهل بدع، ومجالسهم مجالس بدعية، فمن أهل السنة غير هؤلاء لنحضر لهم في هذه المدن الثلاث؟ والحمد لله، لا تجد أي داعية يحمل غلاً أو ضغينة على الآخر.
فلو ذهبت إلى أبها، فأكثر إنسان أحب أن أراه، الشيخ: عائض القرني، ولو جاء إلى جدة كان كذلك، أو مكة كلنا كذلك والحمد لله، إنها محبة إيمانية، فكل منا يريد بل ويفرح أن يسمع أن الناس يسمعون محاضرات أخيه وأشرطته وكتبه، وكأنه هو الذي كتب، لا فرق عندنا، لأن هذا هو الحق، ولو كان مكتوباً في أقاصي البلاد، لكن أولئك أفسدوا ويظنون أنهم يصلحون.
стр. 2279
أصحاب الصف الواحد
إن هذا العمل فيه مظاهرة ومعاونة للمغرضين من العلمانيين والمستغربين، وغيرهم من الملاحدة الذين اشتهر عنهم الوقيعة في الدعاة، والكذب عليهم والتحريض ضدهم فيما كتبوه وسجلوه، فعندما جاءت الفتنة أو الأزمة -والتي يسمونها "أزمة الخليج "- تكلم من تكلم منا وأبرأ ذمته، ولا أدل على أن الأمر هو براءة للذمة من اختلافنا نحن الأربعة -الذين يقال عنا ما يقال- فكل واحد منا لو سمعته تجده قد أخذ الموضوع من منحى خاص، وصحيح أن الهدف والمؤدى واحد، ولكن لكل واحد وسيلته، ليس كما ذكر هؤلاء أنها اخطبوطات في الخفاء، أو كما اتهمونا بأننا يديرنا جهات خارجية.
إننا نعتبر أن هذا البلد بلد القيادة -لا نقول هذا فخراً، لكنها الحقيقة- فهنا المنبع، فكيف ندار من الخارج؟ قد يكون لنا إخوة في الله يشاركوننا من أهل السنة في بعض آرائنا ومواقفنا، وطبيعة أهل السنة أنهم أمة واحدة، وفرقة واحدة، في كل مكان، لكنا لا ندار أو نوجه من الخارج.
فهؤلاء الذين كتبوا وطعنوا كانوا يمدحون ويثنون عليّ بما أنا أعلم أنه كان فيه نوع مبالغة، وأقول لأحدهم: لا تبالغ بارك الله فيك، وهذا حادث ويشهد به المئات، إن لم أقل الألوف من الذين يحضرون مجالسهم، حتى جاءت هذه الأزمة، وكان لنا رأي فيه مخالفة أو معارضة للموقف الرسمي للدولة؛ إبراءً للذمة، فنحن في هذا البلد ليس لدينا معارضة سياسية أو معارضة حزبية، بل عندنا كلمة حق تقال، لا خير فينا إن لم نقلها، ولا خير فيهم إن لم يسمعوها، فإن أخذوا بها فالحمد لله، وإن لم يأخذوا بها برئت ذمتنا وهم حسيبهم الله تعالى، وقد يكون اجتهادهم هو الصواب.
ونحن نقول، وما زلنا نقول: إن هذا رأي ليس فيه وحي نزل من السماء، ونحن عندما قلنا هذا الكلام انقلبت هذه المحبة والمبالغة في المدح إلى عداوة مقيتة شديدة غريبة -سبحان الله- واشترك فيها الطائفتان، حتى تعرفوا من يعاون هؤلاء، فيأتي: غازي القصيبي في كتاب حتى لا تكون فتنة فيقول: وافتتح هذه الفتنة " سفر الحوالي بشريطه (ففروا إلى الله) ثم ثنى بفلان، وخص كل واحد من الإخوة الثلاثة برد خاص مستقل، ويوزع الكتاب بالكراتين.
وفي نفس الوقت تكيل الصحافة السب والشتم الصريح لـ حسن الترابي، وراشد الغنوشي، وعباس مدني، وعلي بلحاج وأشياعهم عندنا هنا، فمن يقصدون بأشياعهم هنا -إنهم معروفون- وأتباعهم في دول الخليج؟ ومع هذا السب والشتم سكتنا، واستمرت دروسي إلى أن أوقفت، ثم عادت، وتركنا موضوع الأزمة جانباً، وانصرفنا إلى قضايا علمية بحتة، وقامت الحرب، ولم نعلق على هذه الأحداث، وواصلنا كما كنا، وهذا فيه دليل على أنه لا غرض نريده إلا بيان الحق.
لكن العلمانيين غضبوا وقالوا: ما دام هؤلاء قد خالفوا الحكومة، فإنهم يريدون الكراسي والمناصب والحكم مثل حسن الترابي وراشد الغنوشي وعباس مدني، وفي هذا الوقت بالذات كُتب غازي القصيبي توزع، وكلام الجرائد يومياً إلا ما رحم الله منها، فلا نعني الجميع طبعاً، وتأتي الأشرطة وتوزع في وقت واحد.
إذاً أليس المصدر واحد؟ أليس العقل المدبر واحداً؟ وسوف ندع ما خفي جانباً، وإن كان عندنا حقائق لا نظهرها، ولكن نتكلم عن الظاهر الآن، وهو أنك أنت والعلماني الملحد والمستغرب قد وقفتم في صف واحد ضد أخيك هذا المسكين، الذي قال كلمة وانتهت، فتأكل عرضه، وتنهش لحمه، ليل نهار من أجل ماذا! ثم إن هذه الآراء اجتهادية وقد أوضحها الشيخ ﵀ فهي مما يقبل النقاش، ولكن المسألة بدت رداً للسنة وإنكاراً لها، وأنهم أتباع فلان القبوري، وفلان الشركي، ثم إغواء الشباب أن هذا شيء لا ينصره العدل.
فإذا كان الذبح يحتاج إلى الإحسان: ﴿وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة﴾ ولو رأيت كائناً صغيراً أتطلق عليه الرشاش؟ لا.
بل كل بحسبه.
فالمسألة ولو كانت خطأ، فلا يكون الرد بهذه الصورة، لكن هؤلاء ما أحسنوا حتى القتلة والذبحة.
стр. 2280
الفتنة تفسد قلوب العامة والخاصة
ثم قال الشيخ ابن باز: 'إن في ذلك إفساداً لقلوب العامة والخاصة' وحقاً -والله- لقد وقع، فعندما امتلأت الدنيا نشراً وترويجاً للأكاذيب والإشاعات الباطلة، كثرت الغيبة والنميمة، وفتح أبواب الشر بمصاريعها لضعاف النفوس، الذين يدأبون على بث الشبه، وإثارة الفتن، وممن يحرصون على إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا.
'وقد تبلبلت الأذهان، وتفلتت الألسن، وصرف الشباب عن طلب العلم النافع، ومدارسة الكتاب والسنة، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووقع التهاجر والتباغض فيما بينهم، وراجت الإشاعات والأكاذيب والأباطيل' فراجت على مستوى العامة، وعلى مستوى الحكومة، وعند أعداء الدعوة، وراجت في كل مكان، ويقولون: إن هؤلاء لهم أهداف خبيثة، ووراءهم أشياء عظيمة، ولهم علاقة بالخارج، وهكذا دواليك حتى تشوشت أذهان كانت من أصفى ما يكون، فكيف بالذي هو حديث عهد وابتلاء؟! وقد بلغت الضغينة مبالغ عجيبة جداً، وهناك أمثلة كثيرة مشهودة على هذا الشيء.
فمثلاً: سافر الشيخ عائض القرني حفظه الله إلى المدينة ودعاه أحد المشايخ المحترمين الفضلاء، والذي يعرفه الناس، وجاء بعض أولئك من غير دعوة، ودخل الشيخ، ومعلوم أنك تفرح إذا لقيت شيخاً وسلمت عليه، وهذا أمر ملموس، ومن طباع الكرام والمؤمنين، ولكن هذا لم يقم ولم يسلم مع أنه جاء بغير دعوة وأساء الأدب، أليست هذه ضغينة وبلبلة؟! وآخر بعدما بلغه خطأ وكذباً أن الشيخ سلمان بن فهد العودة قد اعتقل، سجد سجدة شكر وهكذا تكون الضغينة!!! مع أن المخالفة هينة، أو خلاف فقهي كما يقولون، فلو بلغك أن الشافعي كلامه راجح، وكلام مالك مرجوح أتسجد؟! لكن هذا دليل على أن هناك ضغينة، ولقد بلغ التدليس والتلبيس شيئاً لا يطاق.
حتى أنهم بلغ بهم الحال أن سجلوا شريطاً في المدينة ونسبوه إلى أحد هؤلاء المشايخ الذين يطعنون فيهم، وزعموا أنه من إصدار أحد التسجيلات المشهورة في جدة، وهي تسجيلات ذات سمعة حسنة، وكل مادة الشريط كانت مملوءة بكلام غيبة ونميمة وافتراء.
فهل هذا مجرد خلاف -فعلاً- حتى يصل إلى درجة الكذب والبهتان والتزوير، وينشر هكذا ليضلل على الناس؟ هذه أمثلة على كلام الشيخ ابن باز -حفظه الله- في البيان.
стр. 2281
تهم متوهمة
ثم يقول ﵀: ' إن كثيراً من الكلام الذي قيل لا حقيقة له، وإنما هو من التوهمات التي زينها الشيطان لأصحابها وأغراهم بها' وقد أنطق الله بعضهم، وقالوا: هذه أوهام، فأهل البدع يزرعون بيننا الأوهام، ليفرقوا بيننا؛ لكن بعد فترة رجع إلى هذه الأوهام والخيالات، فمثلاً: وهم الحزبية، وأن هناك حزب وهمي يسيطر ويدير كثيراً من الناس ومنهم: حسن الترابي وراشد الغنوشي وجبهة الإنقاذ إلخ، هذه خيالات الغربيين، فقد وضعوا فيلماً عن أحداث آخر الزمان من نبوءاتهم وأوهامهم الباطلة.
وهذا الوهم ركَّبه بعضهم، وصارت كلمة يقولونها: الإخوان، ونحن بيننا هنا إخوة سودانيون، سلوهم هل حسن الترابي فعلاً ينتمي إلى منهج حسن البنا وسيد قطب والإخوان أم أنه مخالف له؟ بل لقد خرج بمدرسة مستقلة.
سلوا الإخوة الجزائريين: هل عباس مدني من الإخوان أو من مدرسته؟ إن الإخوان لهم حزب مستقل تماماً بـ الجزائر عن جبهة الإنقاذ.
ثم قالوا: وهؤلاء الإخوان تعانوا مع صدام، وقالوا: والذين هنا تحفظوا على وجود القوات الأمريكية الأجنبية، إذاً هم صداميون وإخوان! انظروا الوهم، كيف يكون! فقد جعلوا كل حادثة تبع.
فعندما جاءت حادثة كنر، وقالوا: وراءها الإخوان -ونحن والله مع أهل السنة وسننصرهم بإذن الله تعالى- لم يتفهموا الموضوع، ولم يسمعوا تفاصيله، بل قالوا في البيان: لقد لبس الإخوان على الشيخ، وضحكوا عليه.
ووهم آخر توهموه، وهو قولهم: إن هؤلاء يعادون العلماء، ونحن -والحمد لله- نحضر كل رابع أسبوع اجتماعاً مع سماحة الشيخ، وهذا من بعد الأزمة، وهذا غير اللقاءات الأخرى التي تقع أحياناً بعد أسبوعين أو أقل من ذلك، وغير الاتصالات والمراسلات والمشاورات في أمور الدعوة، وغير ما نرفع به إلى سماحة الشيخ: محمد بن عثيمين ويعلم الجميع حبنا له، وفرحنا بمجيئه، وكلامه فينا ثناءً ومدحاً والحمد لله، أما إذا خالفت عالماً في فتوى فإنه لن يغضب.
وهو معنى كلام الشيخ عبد العزيز بن باز: 'ما يسوغ فيه الاجتهاد لا يؤاخذ' فالأمر ليس فيه أي شيء، خاصة إذا لم يسم، فإذا قيل -مثلاً- بعض العلماء قال كذا، ولكن بعض العلماء ما قال هذا، فهل يعني هذا المعاداة والطعن والتجريح للعلماء؟! بل نحن -والحمد لله- معهم، ونحن أبناؤهم وطلابهم، حتى أن من الأقوال التي يقولون أني قلتها: ما كان فينا من خير فهو من فضلهم وتربيتهم، حتى هذا القول جعلوه ضمن ما يقال أنه عداوة للعلماء، ويؤولون ويقلبون الحقائق والعبارات، وهذا من الافتراء وسوء الظن.
ولذلك يقول الشيخ: 'والمؤمن ينبغي أن يحمل كلام أخيه المسلم على أحسن المحامل' وقد قال بعض السلف: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً، وأنت تجد لها في الخير محملاً، حتى لو قال: هذا الحديث لا أعمل به؛ فظن به الخير، وقل: لعله عارضه عنده حديث آخر، أو آية، أو اعتقد أن هذا الحديث منسوخ.
ولا تقل: رد السنة.
ولكن المصيبة، أننا ما وقفنا عند التأويل، وعند المحمل السيئ فقط، بل ضربوا عبارة قطعوها بعبارة أخرى، كما لو قرأ أحدهم مثلاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء:٤٣] وقطعها، وهكذا هم، فأين كلامنا الأول، ومحاضراتنا الأولى؟ كلها لا تهمهم، وإنما المهم هذه القطعة أو الفقرة، فتعدوا سوء الظن وما نهى الله عنه ودعا لاجتنابه؛ إلى التلفيق المتعمد للأكاذيب والأباطيل.
стр. 2282
المؤاخذة في الخلافات الاجتهادية
ثم قال رحمه الله تعالى: 'وما وجد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم، مما يسوغ فيه الاجتهاد -كمسألة الاستعانة بالكفار مثلاً، فإنها مسألة اجتهادية والخلاف فيها قديم- فإن صاحبه لا يؤاخذ به، ولا يثرب عليه، إذا كان من أهل الاجتهاد، فإذا خالفه غيره في ذلك كان الأجدر أن يجادله بالتي هي أحسن '.
والله تعالى يقول: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:٤٦] فإذا كان هذا مع اليهود والنصارى من المجادلة بالتي هي أحسن دون تهم أو تلفيق فكيف بمن هو أخوه!! ويقول: ' حرصاً إلى الوصول إلى الحق من أقرب طريق، ودفعاً لوساوس الشيطان، وتحريشه بين المؤمنين، فإن لم يتيسر ذلك، ورأى أحد أنه لا بد من بيان المخالفة، فيكون ذلك بأحسن عبارة، وألطف إشارة، ودون تهجم ولا تجريح أو شطط في القول، قد يدعو إلى رد الحق والإعراض عنه، ودون تعرض للأشخاص، أو اتهام للنيات'.
وقد اجتمع مجموعة، وأخذوا معهم غيرهم وهم قلة، وذهبوا إلى سماحة الشيخ في الطائف وقالوا: نريد منك إيقاف درس شرح العقيدة الطحاوية، ونحن سندرس العقيدة مكانه، فقال الشيخ جزاه الله خيراً: هذا درس مفيد فيه خير، وأنتم جزاكم الله خيراً نفتح لكم دروساً في مدن أخرى، قالوا: نحن في جدة، قال: ولو في جدة، افتحوا درساً في المسجد، ولا مانع من ذلك، قالوا: نريد أن تكتب لنا كتاباً إلى مركز الدعوة، فكتب الشيخ لهم.
والكل يعلم أننا لم نُحج أحداً أن يذهب إلى الشيخ من أجل أن يعطيه خطاباً ليحاضر في جدة، بل نحن نفرح عندما نجد من يلقي محاضرة في جدة، ونرحب به وندعوه، ونقول له: لو تلقي دروساً كل يوم فأهلاً وسهلاً ونرحب بك، كأخينا الشيخ محمد المختار الشنقيطي حفظه الله، والشيخ ناصر العمر، ونحن نرى كيف يفرح الشباب عندما يأتي هؤلاء المشايخ، فنفرح لفرحهم، وكثيراً ما تأتيني رسائل بطلبهم، فنحن حريصون على هذا.
والشاهد من هذه القصة أن الشيخ اشترط عليهم وأمام جمع كبير من الدعاة: ألاَّ يتعرضوا للأشخاص ولا للمشاكل، وأن يتكلموا في التوحيد والعقيدة والدعوة.
فجاء هؤلاء، وتكلموا بما ذكرت سابقاً، ولما رأى الشيخ أن الأمر قد استفحل، ولم يلتزموا بما قال لهم، أصدر بياناً وجعله عاماً، وهذه حقائق يجب أن تعرف، وما كنا نريد أن تقال لكن هذا ما حدث.
يقول الشيخ: 'دون تعرض للأشخاص أو اتهام للنيات' إذاً لا تتكلم في نيته، بل تكلم في حدود الألفاظ، واحملها على المحمل الحسن.
'وإذا وجدت زيادة في الكلام لا مسوغٍ لها' لا تضع من عندك زيادات أو عبارات، أو سوءاً تلصقه بالكلام المنتقد، وإنما تقول: أخطأ.
وأيضاً لا تُعدد أفعالاً تذمه بها، مع أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول في مثل هذه الأمور: ﴿ما بال أقوام قالوا كذا وكذا﴾.
стр. 2283
نصيحة للذين يقعون في أعراض الدعاة
ثم قال: 'والذي أنصح به هؤلاء الإخوة الذين يقعون في أعراض الدعاة، والنيل منهم أن يتوبوا إلى الله تعالى مما كتبته أيديهم، أو تلفظت به ألسنتهم، مما كان سبباً في إفساد قلوب بعض الشباب وشحنهم بالأحقاد والضغائن عن طلب العلم النافع وعن الدعوة إلى الله'.
كذلك كانت نصيحة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀، فقد ذهب إليهم وحاضر عندهم بعنوان (موقف أهل السنة والجماعة من الخلاف) والشريط معروف.
إذاً لا بد من التوبة، والتكفير عن الكتب والشرائط السابقة، بجديدة ترجعون فيها إلى الحق، فهذا ما يفتي به علماؤنا وينصحون به.
والآن ظهر فعلاً من الذي يعصي العلماء، ولا يسمع كلامهم، ويرمي به عرض الحائط، فهل ستظهر الآن هذه الطاعة، وهذه المحبة للعلماء، فيتوبون ويستغفرون ويكفرون بأشرطة أو غيرها، توضح بأنهم رجعوا عما قالوا، وأنها كانت ظنوناً، وأنهم يبرءون إلى الله من إثمها، ويرجون من أصحابها العفو والصفح عنهم؟ فهل يفعلون ويمتثلون كما أمر الشيخ؟ قال: 'وشغلهم عن طلب العلم النافع، وعن الدعوة بالقيل والقال، والكلام عن فلان وفلان، والبحث عما يعتبرونه أخطاءً للآخرين، وتصيدها وتكلف ذلك' هذا ما قاله الشيخ.
ومن طلاب العلم من جاءني مراراً يقول: يا شيخ ما الذي نفعل؟ إنني أطلب العلم النافع وأحرص عليه من الكتاب والسنة، فأقول له: العلماء كثير، فخذ منهم واستفد، واترك هذا الموضوع ولا تشغل نفسك بإخوانك، ولا تثره في أي مكان، وهذه نصيحة نكررها لأكثر من يأتينا، ما لم يلح في طلب معرفة القضية، فأحدثه يسيراً وأنا كاره؛ لأننا لا نريد أن ننشغل عن الدعوة، وهي مهنتنا وقضيتنا الأساسية، أما أولئك فقد تتبعوا بعض أشرطة المشايخ القديمة والتي كانت قبل الأحداث، وقاموا بربطها بالأحداث، وركبوا منها موقفاً غير الموقف الذي وقفه بكل وضوح وعلانية، فشغلوا الشباب بها.
كما ذكر لي أحد الإخوة يقول: زميل لي في العمل -في مؤسسة حكومية كبيرة جداً- ملئا بكل ما تتخيله من منكرات، وهذا الأخ يعمل عندنا في المكتب، ويوجد عندنا من لا يصلي مطلقاً وعندنا الكفار، وعندنا من يروج لكتب الشرك وأمثالها، وهذا الزميل كل أسبوع يذهب إلى المدينة، وأحياناً إلى حائل، فيجمع شريطاً من هنا، وكلمة من هناك، ويذهب بكلمة ويأتي بكلمة، وينشغل بالقيل والقال، ولا يأمر بالمعروف أو ينهى عن المنكر، وهذا مثال لما ذكره الشيخ عن هؤلاء الشباب.
فننصحهم أن يكفوا عن أفعالهم، وأن يقبلوا على الأعمال المفيدة التي تقرب إلى الله، وتكون نافعة للعباد -وهذه نصيحة لنا جميعاً- وأن يحذروا من التعجل في إطلاق التكفير أو التفسيق أو التبديع بغير بينة ولا برهان، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما﴾ ومن قال لأخيه: يا فاسق! يا خارجي! يا عدو السنة! يا متستراً بالعقيدة! فقد يكون الأمر كذلك.
стр. 2284
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
قال الشيخ ﵀: ' ومن المشروع لدعاة الحق وطلبة العلم إذا أشكل عليهم أمر من كلام أهل العلم أو غيرهم أن يرجعوا فيه إلى العلماء المعتبرين ويسألوهم عنه؛ ليبينوا لهم حقيقة الأمر ويوقفوهم على أصله، ويزيلوا لهم ما في أنفسهم من التردد والشبهة، عملاً بقول الله في سورة النساء: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:٨٣] والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين جميعاً، وأن يجمع قلوبهم وأعمالهم على التقوى، وأن يوفق جميع علماء المسلمين وجميع دعاة الحق لكل ما يرضيه، وينفع عباده ويجمع كلمتهم على الهدى، ويعيذهم من أسباب الفرقة والاختلاف، وينصر دينه الحق، ويخذل الباطل إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين '.
في ١٧/ ٦/١٤١٢هـ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد).
وكل من يحبنا منكم فحق ودين عليه أن يشكر سماحته بأية وسيلة.
стр. 2285
الجزائر وجبهة الإنقاذ
الموضوع الآخر وهو موضوع حديث الساعة كما يسمى في الشرق والغرب، هو موضوع الجزائر، ونحن مبدئياً نعتقد أن الديمقراطية كفر ليس في ذلك عندنا أي شك، ونعتقد كذلك أن قيام الإسلام في الأرض ليس بهذه الطرق وبهذه الوسائل بالضرورة، بل الطريق الصحيح والمنهج الحق هو: الدعوة وطلب العلم ونشر الفقه في الدين، وتربية الناس على ذلك، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى أن تأتي مرحلة تمايز الصفوف، هنا يأتي الجهاد في سبيل الله، وإقامة الدين بعد البيان والحجة وإبلاغ الحق، وهذه بديهيات معروفة والحمد لله، لكن نحن نتكلم عن قضية واقعية وأمر قد وقع.
стр. 2286
خيارات جبهة الإنقاذ في الجزائر
لم يكن هناك مناص، أو مفر من أحد أمرين إما أن تقع أحداث كأحداث تونس، والتي فيها الآن ما لا يقل عن خمسين ألف معتقل ومعتقلة، يعذبون بأشد أنواع التعذيب التي كانت في أيام جمال عبد الناصر كما في نافذة على الجحيم وقد كتب عن هذا شيء فظيع، وتواتر وتناقله الثقات من الإخوة السلفيين الموثوقين بعقيدتهم ونقلهم وكتبوا ذلك، وعندي أشياء كثيرة مؤلمة، ومقلقة تطير النوم، وتذهب الراحة من القلوب.
المقصود: أن هذا كان اختياراً أو حلاً، فلو سيطرت الجبهة الاشتراكية الحاكمة الخبيثة، أو جبهة القوى الاشتراكية فهذا ما يريدون أن يفعلوه، حيث يريدون التنكيل والإيذاء وضرب الصحوة وفتح المعتقلات، وهذا ما فعلوه أيضاً بـ الجبهة وأعضائها.
أو البديل الآخر مع اعتقادهم أن الديمقراطية كفر، وعلى أن نتائج الانتخابات قد لا تكون مضمونة، تلافياً للتهم وعدم الشرعية قالوا: ندخل، ونرتكب أخف الضررين، ونحقق أعلى المصلحتين، ونثبت للغرب والشرق أن هذا الشعب لا يريد إلا الإسلام، وهذا هو الذي عملت به الجبهة وغيرها في بعض الدول، وهناك فتوى من سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بأنه إذا كانت الضرورة، أو مصلحة الدعوة في دخول الانتخابات أو البرلمان فلا بأس بقيودها، وهكذا حصل.
فتصوروا جبهة تحارب ويعتقل منها الآلاف، وإلى الآن شيوخها في السجن كالشيخ: عباس مدني والشيخ: علي بلحاج؛ ومع ذلك تأتي الانتخابات، وتأتي هذه النتيجة العجيبة، فيكون للحزب الحاكم (١٦) مقعداً والجبهة (٢٠٢) وقد تصل إلى (٢١٠)، فهي نسبة غريبة جداً، تدل على أن هذه الأمة لا تريد إلا الإسلام ولا نعني أن كلهم صحابة فضلاء علماء، ولكن المقصود أن الرغبة والعاطفة والشعور إسلامية، فالمعنى أنهم مستعدون أن يتربوا على الإسلام ويتبعوا المنهج الإسلامي بدل المنهج الاشتراكي، ويريدون المحاضن الإسلامية بدل المحاضن العلمانية، وتعليم العربية بدل الفرنسية، وتعلم التفسير والتوحيد والفقه والحديث بدلاً من تعلم الكفر والإلحاد والتاريخ القومي وغير ذلك.
فهذه دلالة على أن الشعوب تريد الخير، وشعب الجزائر شعب غيور، وصادق ومتدين بالفطرة والحمد لله.
стр. 2287
ردود الأفعال على نتائج الانتخابات الجزائرية
لما ظهر هذا الحدث الكبير تباينت ردود الأفعال، فـ فرنسا تلمح بأن الجيش سيحل المشكلة، مع أنهم يزعمون أنهم دعاة الديمقراطية، ويقولون: إن الثورة الفرنسية فجرت الديمقراطية في العالم، لأنها حررت الشعوب، وعبرت عن إرادتها، وهذا شعب عبر عن إرادته، فلماذا تلمحون أن الحل سيكون في تدخل الجيش؟! وبعض الدول والإذاعات والصحافات سكتت، ولم تتكلم مطلقاً، ولو كانت جبهة اشتراكية في كولومبيا أو جامايكا أو غيرها لجاء الخبر على الفور، لكن في بلد إسلامي كبير يبلغ تعداده حوالي ثلاثين مليون، وهناك أحداث خطيرة، ومع ذلك لا تسمع لهم حساً، وبعض الصحف كتبت عن " جبهة الإنقاذ " ولم تذكر الإسلامية، لماذا؟ إنهم يريدون أن يظهروها كغيرها من القوى، وإلا لماذا لم تميز؟! وبعض الصحف تجرأت أكثر، ومنها جريدة الشرق الأوسط، وقالت كلاماً عجيباً، حتى كلام الشيخ حاولت أن تحرفه وتؤول معناه، فلقد حاولت في قضية الجزائر أن تدخل البلبلة بعناوينها، ومن ذلك كلمة بعنوان: (كلمة لا بد منها حول الانتخابات الجزائرية) تقول: 'إنا قد علمتنا التجارب أن القوى التي تعيش في ضمن قالب أيديولوجي- أي: عقدي- جامد، أو تتعرض للقهر والاضطهاد، ولا تجد أمامها الفرصة الكاملة للتنفيس أو التعبير عن الرأي، تطرح شعارات مبسطة تتعاطف معها الجماهير' ومعنى كلامها: أن الناس مغفلون، وتقول: 'ومع الوقت تصبح بعض الشعارات التي دغدغت أحلام الناس بتذليل كل الصعاب، وترياق يعالج كل المشاكل، ويسهل تصديق هذه الشعارات، وتتحول من زفرة للفت النظر إلى برنامج عمل سياسي' فانظروا كيف الطعن والدس! وبعدما يذكر قدوته الاتحاد السوفيتي والقوى الاشتراكية، كما قرر جار الله الخبيث وأمثاله، أي: أن الإسلام والشيوعية عندهم نظامين شموليين، ويقول: (تجارب روسيا دلت على هذا، وكذلك هناك تدل على أن الحكم أكثر من مجرد شعارات ونية طيبة واستلهاب للهمم أو تحريض للشارع، فالمشاكل المتراكمة لا تحلها النظرات المثالية، ولا تنهض بأعباء حلها الشعارات أو تغيير الأسماء والوجوه وإنهاء سلطة هذا الحزب وإسناد الرأي لذلك، إنما تكمن في الحلول وفي الرؤية الواقعية الاختبارية لحقيقة الأوضاع لكي تصبح الحرية والكساء والغذاء والطبابة في متناول كل عقل وكل جسد).
فهو مقصوده إبعاد الدين! وهذه نظرة مادية بحتة، وهذه الدول الغربية تؤمن لمواطنيها الدواء والغذاء والراحة والحرية، حرية: التعري، والزنا، والسكر، والعربدة فهذا هو النموذج، أما الشعارات والدعوة للدين والإسلام، فلا يريدونه لا في الجزائر، ولا في أي مكان على حسب رأي الجريدة، يقول: (وفي بذل الجهد وجمع طاقات أبناء الشعب تحت مظلة الأمن والانسجام الاجتماعي بعيداً عن صفات التشنج والعصبية التي تزرع الريح فلا تحصد إلا العاصفة) إلى آخر ما قالوا وما كتبوا، فهناك ردود فعل كثيرة جداً، وما زالوا في أولها.
стр. 2288
نصيحة لجبهة الإنقاذ
ثم نوجه نصيحة للإخوة في جبهة الإنقاذ نقول لهم: أولاً: بغض النظر عما يقوله العلمانيون، نحن لا تغرنا الشعارات فقط؛ لأن الله يريد منا إيماناً حقيقياً وقلباً صادقاً مخلصاً، وليس مجرد الشعارات، وإن كانت شعارات حق، وأذكر من شعارات الجزائريين أنهم يجولون ويقولون: لا ميثاق لا دستور، قال الله قال الرسول، وغيرها، وهذا شعار حق، الله تعبدنا به ويجب أن نعتقده لكن لا يكفي الاعتقاد، يجب أن يتحول إلى عمل، وأن يكون احتكامنا فعلاً إلى ما قال الله وإلى ما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثانياً: أن الجماهير تحتاج إلى تربية بل طبقة المثقفين، فنحن لا تغنينا هذه الجموع عن التربية، وعن فتح حلقات العلم في المساجد ونشر العلم الشرعي، والتفقه في دين الله ، وفي التوحيد الذي هو أعظم ما أمر الله ﵎ به، وبيان الشرك، وبيان البدع، وخطرها وضررها وبيان العلمانية والرد عليها في جميع فروعها، وبيان القومية، والتي يسموها "جزأرة" أو أياً كانت، وفضح كل ما يمس بالعقيدة.
المهم أننا ننصح الإخوان في الجبهة، وفي كل مكان بأن يتمسكوا بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وإنها أمانة عظيمة حملوها، سواءً فازوا في الانتخابات أم لم يفوزوا، في المرحلة الأولى أم الثانية، وصلوا للحكم أو لم يصلوا، ليست هذه هي القضية الأصلية، بل القضية أنكم حملتم الآن أمانة عظيمة، خاصة أنتم أيها الدعاة في الجزائر؛ ونحن الدعاة في كل مكان أمام هذا الشعب الذي تخرج منه كل هذه الملايين، وتقول: لا نريد إلا قال الله وقال الرسول.
إنها -والله- أمانة عظيمة علينا، فلا بد أن نرسل لهم الكتب، وأن نبعث لهم بالأشرطة، وهم -والحمد لله- يتلقفونها كما يتلقف العطشان الماء البارد في كل منطقة، وفي كل ولاية من ولايات الجزائر، وأن نمدهم بالدعاء، فندعو لهم دائماً أن ينصرهم الله تعالى، وإنه لفتح كبير أن تكون دولة لا إله إلا الله، التي على منهج السلف الصالح والخلافة الراشدة في الجزائر، فنرجو أن تكون كذلك إن شاء الله، فلندع لهم بالتوفيق والسداد والتثبيت.
ونقوم بالواجب ولا يكفي النقد لأنه سهل، ولكن ليس هذا هو المطلوب، بل المطلوب النصح والتأييد، وأن أقول وأبلغ بما أستطيع لما فيه خيرهم، وخير الإسلام والمسلمين، ولله الحمد والمنة.
ثم ننصح الإخوة الصحفيين في بلادنا أن يتقوا الله، وأن يعطونا معلومات عن هؤلاء الناس، وأن تترك التجريح خاصة جريدة الشرق الأوسط التي تجرح وتشهر بمثل هذا الكلام، لماذا لا يسافر مندوبون من جرائدنا ومنها عكاظ، وأخصها لأن لها مندوبين في كثير من أنحاء العالم، لماذا لا يذهب هؤلاء ويقابلون قادة الجبهة وتنشر مقابلاتهم في صحفنا، ويعرف الناس الذين يدعون إلى الله، والذين يُتهمون بأنهم وهابية؛ لأن هذا البلد محط أنظار الناس، وهم يريدون أن يسمعوا منا أية كلمة، ولو كانت صغيرة فيعملون بها شهوراً وأياماً وليالي، فأرجو أن تكون هذه النصيحة لها قبول عند أولئك.
هذا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 2289
العزلة الفكرية لدى الشباب المسلم
تحدث الشيخ حفظه الله تعالى عن العزلة الفكرية التي يعاني منها الشاب المسلم، مبيناً أن الشاب المسلم يعاني اليوم عزلة كاملة عن دينه وتاريخه، وأن هذه العزلة جزئية بالنسبة لشباب الصحوة، ثم بين الشيخ حقيقة هذه العزلة، وأسبابها، ونتائجها، وضررها على الفرد، وعلى الأمة ككل، والحلول المناسبة لهذا الداء العضال.
стр. 2290
النوع الأول: العزلة الكاملة وفقدان التوازن
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد الأمين , وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد: إن العزلة لدى الشباب المسلم هي من أخطر الأمراض التي يعانون منها، ولا سيما في هذا العصر، وسوف نوضح -أولاً- حقيقة هذه العزلة، ثم ننظر إلى خطرها وضررها على الشباب المسلم من خلال ذلك.
стр. 2291
حقيقة العزلة الكاملة
أولاً: هناك عزلة كاملة يعاني منها الشباب المسلم اليوم، عزلة كاملة عن دينه وعن تأريخه، وعن كل ما يهمه ويجب عليه أن يعرفه، وهذا ما يعاني منه شباب الإسلام في معظم بقاع الدنيا؛ فهم أبناء الجيل الأول وأحفاد الصحابة الكرام، وحملة الأمانة، الأمانة التي حملتها هذه الأمة المباركة: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
ولكنهم مع ذلك لا يعلمون من هذه الأمانة ومن هذا الحمل شيئاً، بل يعيشون كما يعيش أبناء اليهود والنصارى والمجوس وعباد البقر والأصنام، لا يعملون شيئاً إلا لشهواتهم ولدنياهم، قد حببت إليهم هذه الحياة الدنيا وغفلوا غفلة تامة عن الحياة الأخرى, وحبب إليهم كل كتاب إلا كتاب الله , وكل عظيم من العظماء أو العباقرة أو الأبطال إلا أن يكون رسول الله ﷺ أو صحابته الكرام, وعظُم لديهم كل عالم في الدنيا إلا أن يكون عالماً من علماء الأمة الصابرين المجاهدين.
وهذه عزلة عظيمة وقع فيها وكان ضحيتها الشباب المسلم في أكثر أرجاء الأرض.
стр. 2292
صانعو العزلة الكاملة
إن سبب هذه العزلة هو سيطرة العلمانيين والماديين والملحدين وغيرهم من الأحزاب الخبيثة أو من الطواغيت المجرمين الموالين لأعداء الله تعالى في الشرق والغرب، ففرضوا على هذه الأمة المباركة الطيبة المصطفاة هذه العزلة، وأصبحوا يربون الأشبال وأبناء الأسود كما تربى فراخ الدجاج، ولذلك نجد أن هذه الأمة فصلت عن تاريخها، وعزلت عن ماضيها وعن مصدر حياتها وعن مقومات وجودها، وأصبح هذا الشباب يعيش على هامش الحياة وعلى هامش العالم، ونتيجة لذلك ظهرت هذه العزلة في هذا الشباب.
стр. 2293
نتائج العزلة الكاملة
ومن نتائج هذه العزلة الانتماءات الكثيرة المتشعبة المتفرقة, فهذا يتجه إلى الشرق، وذاك يتجه إلى الغرب وإذا ظهرت في الغرب اتجاهات فإنهم يتسارعون ويتسابقون إلى أيها يذهبون، وبأيها يأخذون، وكذلك في الغرب وهكذا فلا تكاد تجد اثنين من الشباب على قلب واحد، ومن لم تتخطفه الانتماءات المختلفة ذات اليمين وذات الشمال إلى غير دين الله ؛ فإن الشهوات تفتك به, وإن الإباحية والمادية تحيطان به من كل جهة.
وهذا النوع من الشباب نستطيع أن نقول: إنه يعاني من العزلة الكاملة عن الإسلام، وهذا هو الذي يسعى إليه -دائماً- أعداء الله ويخططون له.
стр. 2294
وسائل العزلة الكاملة
ومن وسائل هذه العزلة وسائل الإعلام؛ لأنها تصرف الشباب عن الجد، والدين، والحق، وعن معرفة الله، والتفكير بالدار الآخرة, إلى الشهوات والأفكار الخبيثة فإذا لم يسمع الشاب أو لم يرَ أو لم يقرأ إلا ما كان بعيداً عن دينه، فإن هذه العزلة تزداد وتستحكم، فمن أين للحق والخير أن ينفذ إلى قلبه؟! ولا سيما إن كان الدعاة في قلة أو في ذلة, وكانت المساجد لا تؤدي الواجب الذي شرع فيها، وكان أئمتها مقصرين, وكانت حلقات العلم فيها معدومة أو ضعيفة إلى غير ذلك، فهنا تستحكم هذه العزلة على هذا الشباب المسكين.
ومن أعظم وسائل العزلة: المناهج التعليمية: فإنك تجد الشباب يتخصص في مجالات كثيرة في أكثر أنحاء العالم الإسلامي، فهو يعيش في مجالات متنوعة: منها ما تسمى علمية، أو ما تسمى أدبية، ولكن أقل القليل هو من يتفقه أو يقرر عليه شيئاً من دينه؟! وأكثر الجامعات الإسلامية لا تقرر أية مادة إسلامية شرعية، معتمدة على أن الطالب كان لديه في المرحلة الثانوية كتيب صغير جمعوا فيه الفقه والتوحيد والحديث إلى آخره.
ثم يأتي الطالب في الجامعة خاوياً وخالي الذهن، فإن لم يجد المنهج ولم يجد المدرس بطبيعة الحال، فمن أين له أن يعرف دينه وأن يطلع على حقائقه؟! وحينئذ يكون هذا محسوباً رقمياً على الأمة الإسلامية، ولكنه حقيقياً عضواً من الأعضاء الذين إن لم يكونوا ضد الإسلام فهم على الأقل لا يحسبون له حقيقة؛ لأنهم لا يعيشون قضية الإسلام، ولا يدرون لماذا جاءوا، وإلى أين يذهبون، ولا تهمهم قضايا أنفسهم وعبادتهم التي خلقوا من أجلها، ولا قضايا أمتهم التي يجب أن يضحوا ويعملوا في سبيلها.
هذا هو النوع الأول، وأرى أن أمره واضح، وأحسب -والحمد لله- أن مجتمعنا هذا إلى حد ما ليس عنده هذا النوع من العزلة، وليس مستحكماً فيه؛ نظراً لوجود هذه الصحوة الطيبة المباركة، والدعوة التي آتت ثمراتها والحمد لله، وما وجود مثل هذه المخيمات، ومثل هؤلاء الإخوة في كل جامعة -وأمثالهم كثير- إلا دليل على ذلك.
стр. 2295
النوع الثاني والثالث: العزلة الجزئية
والنوع الثاني من العزلة التي يعاني منها الشباب المسلم هي: "العزلة الجزئية" وهذه العزلة موجودة لدى شباب الدعوة الإسلامية، وهي التي يجب أن نتنبه لها، وأن نكون جميعاً على وعي تام بخطرها وضررها.
стр. 2296
أسباب العزلة الجزئية
إن التخصص -أيها الإخوة الكرام- مطلوب, بل لا بد منه لكي يُتقن الإنسان فناً أو مجالاً، لكن كثيراً من الشباب باسم هذا التخصص، يغفلون ضروريات وأساسيات لا ينبغي إغفالها, ثم بعد ذلك يرون أن ما أتوا به هو الحق وحده، فماذا تكون النتيجة؟ إذا أخذتُ أنا جانباً من جوانب العلم أو الدعوة أو الجهاد ثم جعلته هو كل شيء، ثم بعد ذلك اعتبرت أن من لم يكن مشاركاً لي فيه فلا شيء عنده، فإن ذلك ينتج عنه الاختلاف، ولا بد؛ لأن الله ذكر ذلك من ضمن أسباب اختلاف الأمم قبلنا: ﴿فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة:١٤] كمثل النصارى أخذوا حظاً ونسوا حظاًآخر, فإذا نسي المسلم حظاً مما ذكر به -وإن أخذ بحظ آخر- فإنه يعادي من أخذ بالحظ الذي نسيه وترك الحظ الذي أخذ به، والحظ معناه القسمة والنصيب.
فمثلاً: شاب مسلم اتجه إلى الدعوة وجعل همه الدعوة, وأي شيء يعاب على من اتجه إلى الدعوة؟! بل هذا فضل عظيم وخير كبير، لأن هذا منهج الأنبياء وهو طريقهم, لكن باتجاهه إلى الدعوة إلى الله واشتغاله بها دائماً وعدم اهتمامه بالجانب العلمي -مثلاً- فلم يهتم بالعلم الشرعي، ولا بالاطلاع، ولا بالتفقه بالدين، ولا في معرفة المسائل بأدلتها التفصيلية, ثم بعد أن تعمق في ذلك ورأى كثيراً ممن تفقه وتبحر وتوسع في المسائل لم يغير منكراً، ولم يحرك ساكناً ولم يؤدِّ واجباً, فيرى أن الحق كل الحق هو ما عنده وما هو عليه، فيعيب ذلك الآخر, والآخر يعيبه.
فيقول: أنت تدعو إلى الله على جهل، وأنت كذا، وأنت كذا وهذا الشاب يزداد حرصاً وتمسكاً بما هو عليه عندما يرى الآخرين لم ينتفعوا بعلمهم، ولم ينشروا هذا العلم, فيقول: الحمد لله الذي جعلني من أهل الدعوة إلى الله، ولم يجعلني من أهل العلم والفقه في الدين، وهو في الحقيقة نسي حظاً وأخذ حظاً، فيقابله الآخر الذي جاءته العزلة من جانب آخر، وذلك أنه يقول: يا سبحان الله! دعوة بغير علم، يدعون ويذهبون إلى كل مكان، ويتحدثون عن أي شيء، ولكنهم جهلة بكتاب الله، وجهلة بسنة رسوله، وما عندهم شيء من العلم فلا خير في هذه الدعوة، فلنتركها ونتفقه ونتثقف.
إلى متى تتفقه يا أخي؟! حتى تكمل علوم شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية أو الحافظ ابن حجر! أو إلى متى إذاً؟ فيضع هذا الشاب أمامه مشاريع ضخمة لا يستطيع عشر عشرها، وخاصة في زماننا هذا, ثم يظل يستمر ويقرأ ويطلع تاركاً الدعوة إلى الله جانباً، ثم إذا ذكر عنده من يقوم بالدعوة أو طلب منه أن يدعو أو يشارك في الدعوة فإنه يقول: الدعوة ليست بجهل، الدعوة ليست أي كلام! وهذا صحيح بلا شك, ولكن ادعُ بما عندك من العلم وبما علمك الله.
فيقول الأخ: هذا فيما بعد، وهذا في وقت آخر، فَيُسَوِّف ويعلل، والنتيجة: أن يصبح هذا خصماً لهذا، وإن لم يتخاصما في الحقيقة، فليس شرطاً في الخصومة أن تكون بمعنى المواجهة، ولكن إذا أخذ هذا بطرف، وهذا بطرف آخر فإنهما ضدان متقابلان، فيأتي الشيطان أيضاً، فيجعل من ذلك خصومة حقيقية وخلافاً حقيقياً.
стр. 2297
فقدان التوازن بين واجب النفس وواجب الأمة
هناك أيضاً نوع من العزلة، يأتي ضمن النفس الإنسانية الواحدة, وهو: فقدان التوازن بين واجب النفس وواجب الأمة، ونعني بذلك أن الشاب يعيش في انفصام أو في معركة أو في تجاذب وتنافر بين واجب النفس وبين واجب الأمة، مع أننا نحمد الله على أن الشباب المسلم بدأ يتنبه، ويعي ضرورة أن يكون عمله وفكره وتطلعاته على مستوى الأمة جميعاً، لا لنفسه فقط, وهذا ما كان عليه النبي ﷺ والرسل الكرام والصحابة, فقد كانوا دعاة خير للإنسانية جمعاء, وكانوا يفكرون في أمر العامة كما يفكرون ويجتهدون في أمر الخاصة، وكانوا يعرفون زمانهم، وتعلمون كيف كان واقعهم كان فيه قلة الأخبار، وقلة الاتصال، وقلة وسائل المعرفة والاطلاع، ومع ذلك فقد كانوا يحيطون بما تستدعي الحاجة أن يحيطوا به من أخبار فارس والروم والحبشة والقبط، ومعرفة القبائل، ومعرفة الناس بحسب ما تقتضيه الدعوة في مرحلتها وفي طبيعتها.
ومع ذلك كانوا يوازنون بين واجب العامة وبين واجب الخاصة.
فالإنسان يقول: يجب علي أن أعبد الله ، ويجب علي أن أطلب العلم بنفسي، ويجب علي أن أنقذ نفسي من النار، وأن أفعل كل عمل يقربني من الله ، وأن أهتم أيضاً بحقوق النفس الواجبة كحق الزوجة أو الوالدين أو الأهل عامةً وما أشبه ذلك، فهذه حقوق يريدها الإنسان في نفسه، ويجد أنه من الواجب أن يقوم بها لنفسه.
وهناك حق الأمة وواجب الأمة فبعض الشباب ينسى نفسه وربما قصر في عبادته نتيجة انشغاله بالأمر العام، فهو يفكر في الدعوة، ويهتم بالمسلمين في كل مكان , وهذا واجب يُشكر عليه , لكنه ينسى نفسه هو، وربما ينسى واقعه القريب المحيط به في انشغاله بالواقع البعيد الذي هناك، فتكون النتيجة أن هذا الشاب يفقد التوازن، فلا ينفع ولا يفيد في أمر عام إلا على حساب أمر أو واجب خاص.
стр. 2298
نماذج في التوازن
الرسول ﷺ وكذلك كان صحبه الكرام الذين اهتموا بأمر هذا الدين والدعوة ونشرها في الآفاق والجهاد في سبيل الله ، ما كانوا قط مقصرين في الواجب الفردي الشخصي.
فقد كان النبي ﷺ -كما تعلمون- يقوم الليل، وكان يؤدي النوافل، بل كان يؤدي حقوق الأهل وواجب الزوجات، وكان يستقبل الوفود، وكان يعاشر الناس جميعاً بأفضل وأحسن المعاشرة وكذلك صحبه الكرام، وهذا لم يتعارض قط مع الواجبات العامة أو مع أداء المهام العامة للأمة.
وكذلك نجد سير العلماء رضي الله تعالى عنهم , فقد كانوا في غاية العلم والعبادة والاتباع للنبي ﷺ وأصحابه، وفي نفس الوقت نجد أنهم كانوا يهتمون بأمر العامة، وبإنكار المنكر، وبإقامة دين الله ، والنصح للحكام والإنكار عليهم، وبالاهتمام بما يجري في الأسواق، وما يظهر من البدع في الآفاق كل ذلك نجدهم معتنين به ومهتمين به دون أن يطغى جانب على جانب.
ومع أن الله خلق النفوس وجعل لها خصائص فبعض الناس يصلح للجهاد ولا يصلح للعلم، وبعضهم يصلح للعلم ولا يصلح للجهاد، وبعضهم يصلح للدعوة ولعرضها وبسطها وجلب الناس إليها، ولا يصلح لإنكار المنكر؛ لأنه يضعف عن ذلك، وبعضهم يصلح لإنكار المنكر ومواجهة المفسدين؛ ولكنه لا يستطيع أن ينشر الدعوة وأن يبينها لأحد وهكذا ومع وجود ذلك، إلا أنه وجدت أيضاً نماذج من القدوة والأسوة الحسنة ممن استطاعوا أن يستكملوا هذه الخلال، ويستجمعوا هذه الصفات الطيبة.
стр. 2299
الشخصية المتكاملة وحاجة الأمة إليها
الأمة الإسلامية في هذه الحقبة أحوج ما تكون إلى تلك النماذج، التي تتكامل فيها جوانب الشخصية المسلمة، فتستطيع أن تعبد ربها ، وتقوم بالواجب على النفس، ثم تقوم بالواجب العام من الدعوة إلى الله ، ثم تعرف كيف توازن بين هذه الواجبات، وكيف توفق بين العلم وبين الدعوة، وكيف تجمع بين الصبر وبين اليقين، وكيف توائم بين العصر الذي يصعب استيعابه بأحداثه وبأفكاره وبآرائه وبين تاريخها وماضيها وتراثها وبين العلم الشرعي الذي هو أشرف العلوم وقد ورَّثه لنا سلفنا الصالح من علوم العقيدة والتوحيد والفقه والحديث والتاريخ، وغيره من العلوم العصرية.
فلا بد أن يوجد في هذا الشباب الطيب المبارك من يجتهد في استكمال هذه الجوانب ما أمكن، وذلك لكي يقدم للأجيال المعاصرة نماذج حية وقدوات مباشرة ملموسة محسوسة في تكامل الإسلام؛ لأن الشباب المسلم إذا تكاملت شخصيته، فإنه يستطيع أن يظهر ويبرز في الوجود، ويثبت الوجود الإسلامي -كما كان السلف الكرام رضوان الله تعالى عليهم- في هذا العصر على تفرق المسلمين وعلى ذلتهم وقلتهم، وعلى ما يعانون فيه من العبودية للشرق أو الغرب.
أيها الإخوة الكرام: إن هذا الدين دين شامل متكامل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] وعلينا أن ندخل في هذا الدين كله، وأن نطلب العلم من أصوله ومن أبوابه المشروعة في الحلقات العلمية، وأخذه من العلماء العاملين المتفقهين في الدين، وفي الوقت نفسه لا نألو جهداً ولا نقصر في الدعوة إلى الله ، بل نجعل العلم سلاحاً للدعوة، وتكون الدعوة وسيلة لنشر العلم، كما يجب علينا أن نعي واقعنا وزماننا، كما قال بعض السلف الصالح: ﴿﴿رحم الله امرأً عرف زمانه واستقامت طريقته﴾﴾.
ومن معرفة الزمان أن تعرف هذا العالم جملة، وما يموج فيه من أفكار، وما يضطرب فيه من الفتن والضلالات, وتعلم بأن الحل في يدك، وأنك تستطيع أن تقدم لهذه الإنسانية التائهة الحائرة الحل الذي لا يملكه غيرك أبداً، وهو الإيمان بالله .
كما يجب علينا -أيها الإخوة الكرام- أن نوفق وأن نوازن بين الواجب على النفس وبين الواجب للناس جميعاً، فإنه يجب علينا أن نعبد الله وأن نحافظ على الواجبات، ونتقرب بما استطعنا -أيضاً- من النوافل بحسب الإمكان، وأن نعبد الله ونذكره ونشكره؛ حتى تكون حياتنا زكية، وتكون أعمالنا زكية خالصة.
ثم ندعو الناس -أيضاً- ونصبر على أذاهم ونأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر، ولا نغلب جانباً على جانب.
أما إذا اعتزل الشاب الناس بالكلية, أو اعتزل جانباً من جوانب الحق والخير بالكلية أو شبه الكلية، فإنك ستجد الشخصية غير المتزنة، وستجد أن هذا الإنسان إن وعى عصره وواقعه وجهل العلم والفقه الشرعي بأدلته، فإنه قد يتخبط في الفتوى ويقول على الله ﵎ بغير علم، وإن وعى جانب العلم الشرعي وتفقه فيه ولم يعش عصره وواقعه، فإنه لجهله بعصره هذا قد يضع تلك الأدلة في غير موضعها، فيستدل على أمور من غير انطباق أدلتها عليها -أي ما يسمى تحقيق المناط في أصول الفقه- فالعلم الذي لديه لم ينتفع به؛ لأنه لم يضعه في مناطه الصحيح.
وأنتم -والحمد لله- قد هيأ الله لكم في هذه الجامعة وفي هذا البلد الطيب من وسائل تحقيق التوازن والتكامل الشيء الكثير، فاشكروا نعمة الله عليكم، واحمدوه على ذلك، واجتهدوا في إيجاد الشخصية المسلمة المتكاملة.
وأسأل الله ﵎ لي ولكم القبول، وأن ينفعنا بما نسمع وبما نقول، إنه سميع مجيب.
стр. 2300
الأسئلة
стр. 2301
حل مشكلة العزلة الجزئية
السؤال
إني أحبك في الله! ذكرت العزلة الجزئية، فما هو الحل؟
الجواب
أنا أشرت إلى الحل وذكرته، وإيضاحاً لذلك كله، أقول: إنه يجب علينا في أنفسنا أن نسعى إلى التوازن والتكامل، ويجب على المربين والموجهين أيضاً أن يبرزوا ذلك للشباب، وأن تكون من الجانبين؛ لأن المربي والموجه إن لم يجد من يتقبل هذا التوجيه منه، لم يكن لتوجيهه معنى ولا أثر، وكذلك الشاب إن لم يجد من يوجهه ويربيه على ذلك، ويزكيه بهذه التزكية الإيمانية المتكاملة، فإنه -أيضاً- لا يفيد، فلا بد من وجودها في منهاجنا التعليمية، ووسائلنا التربوية وفي علاقتنا الفردية، وأيضاً في علاقتنا الأخوية، كل ذلك يؤدي -إن شاء الله- إلى ترك هذه العزلة الجزئية.
стр. 2302
الدعوة في مرحلة الدراسة
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد: هناك العديد من الشباب أثناء فترة دراستهم في الجامعة لا يكون لهم أي نشاط تجاه إخوانهم في السكن الجامعي بحجة أن هذه الفترة فترة تحصيل، والدعوة تكون بعد التخرج؛ فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
هذا خطأ، وهذا -كما أشرت- إخلال بأمر الدعوة، وإن كانت حجة الأخ هي التحصيل، فنقول: إن الإنسان إذا أراد أن يدعو إلى الله ، فإنه يعد للأمر عدته، ونعوذ بالله أن نكون من المنافقين الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:٤٦]، فالمنافقون يزعمون؛ لكن واقع حال الإنسان يبين: هل هو يعد العدة أم لا؟ إن الشاب الذي يدعو إلى الله ويريد أن يكون داعية إلى الله تجده من الآن يدعو إلى الله، ولا يعني ذلك أنه يتقحم في المسائل أو أنه يبدد الوقت ولا يفيد في الجانب العلمي والتحصيلي، لا نقول ذلك، لكن يا أخي ادع إلى الله بما تستطيع وأنت في السكن -كما أشار الأخ- واحرص على أن يؤدي الصلاة كل من كان معك في السكن، وأن تصحح له عقائده وتتعلم معه ما ينفعك الله به في جانب العقيدة، وهي أهم جانب في الحياة، وأن ترشده إلى بعض الأحكام، وأن تأخذه معك إلى مجلس علم أو حلقة ذكر أو إلى أي شيء من الخير، فهذا من الواجب عليك، ولن يكون هذا متعارضاً مع تحصيلك العلمي أو توسعك في أي فن من الفنون.
فعلى الإنسان أن لا يضيع هذه الفرصة الثمينة، وهي فرصة التجربة، فلا أراه قد ينتج فيما بعد، فإذا خرج الإنسان للمجتمع وأصبح مدرساً في مدرسة أو أصبح زميلاً في إدارة، فإنه يكون فاقد التجربة في مجال الدعوة، بخلاف ما إذا عايش التجربة في السكن مع زملائه، فإنه يستفيد ممن هو خير منه وأقدم منه، وفي نفس الوقت يفيد من دونه من الناس بعد التخرج، فهو بين حالتين: إن وجد من هو فوقه فإنه يستفيد منه ويتعلم كيفية الاستفادة، وأما إن وجد من هو دونه فإنه يفيده ويتعلم كيفية الإفادة، لكن إذا بقي منعزلاً في السكن ثم تخرج، فكيف يكون حاله بعد التخرج؟ وبعض الإخوة -مثلاً- قد يكون حفظ بعض الأدلة فقط، فإذا تخرج إلى إدارة أو مدرسة معينة، فيرى فيها شيئاً محرماً، فيقول: هذا حرام، والدليل كذا فقط، ولا يستطيع أن يفهم الطلبة كيف يستوعبون هذا الكلام، فينفرون منه مثلاً، فتكون النتيجة أنه لم يستطع أن يقوم بالدعوة، لا لقلة العلم، ولا لعدم الإخلاص، ولكن لقلة التجربة في مجال الدعوة، ولو أنه كان مع إخوانه في السكن يمارس الدعوة، فإن أخطأ فخطؤه مغفور مع إخوانه، لكان ذلك أفضل له.
стр. 2303
التوازن في التخصصات الإسلامية
السؤال
ذكرت يا شيخنا أن هناك شباباً يصلحون للدعوة ولا يصلحون للجهاد، وآخرون يصلحون للجهاد ولا يصلحون لطلب العلم، فكيف يمكن للإنسان أن يوازن بين تلك الأمور كلها ليكون شخصاً مسلماً متكاملاً؟
الجواب
قلنا: إن الأصل هو التكامل، وهو الذي نسعى إلى تحقيقه؛ ولكن:
إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع
فالله خلق النفوس وأعطاها إمكانيات، فـ خالد بن الوليد ﵁ أُعطي السيف، فهو سيف الله، فكان مجاهداً بينما أعطي معاذ ﵁ العلم، وأعطي أبي بن كعب ﵁ القراءة، وأعطي عمر ﵁ القوة في الحق، وهكذا كل واحد من الصحابة، وهم النموذج الأسمى لنا، وكل منهم يسر الله له شيئاً، وكل ميسر لما خلق له، وأعطي له ذلك حتى تتكامل هذه الجهود.
ونحن نحاول أن تتكامل هذه الصفات في الإنسان، فإن لم تتكامل فيه، تكاملت في الأمة ما استطعنا، ولو أن هذه الجهود تكاملت وتعاونت، واجتمعت على الحق وعلى الكتاب والسنة والدعوة إلى الله ، لوجدنا أن كل طاقة تفيد، وأن كل خبرة تنفع، وأن كل اختصاص يوضع في محله، ولكن جاء التنافر، وجاء الاختلاف من أنفسنا نحن، وليس ناتجاً من جهة ما جعله الله من خصائص وما أودعه من طاقات، لا! فهذه فطرة وسنة جعلها الله تعالى كذلك، وليست هي السبب في الحقيقة، بل السبب يعود إلينا نحن في أن الإنسان يأخذ جانباً من الحق ويغفل عن الجانب الآخر، مثلهم كمثل العميان مع الفيل، وكثير من الشباب المسلم اليوم ينطبق عليهم هذا المثل.
وذلك أن واحداً أمسك بأذن الفيل، فقال: هذا جلد، والثاني أمسك برجله، فقال: هذا جذع شجرة، والثالث أمسك الخرطوم، فقال: هذا أنبوبة، وكل واحد وصف الفيل بحسب ما لاحظه؛ لكن لو رأوا الفيل كله، لكان وصفهم له واضحاً.
فهذا المثال الساذج يكاد ينطبق على واقع الشباب، فالذي ينشغل بالجهاد -مثلاً- ينكر على المشتغل بالعلم، والمنشغل بالعلم ينكر على المشتغل بالدعوة وهكذا، مع أن كلنا على حظ وخير، وإن اجتمعت هذه الصفات في شخص لكان خيراً عظيماً.
فالصحابة ﵃ جمعت فيهم على الأقل هذه الصفات الثلاث، وهكذا كان الإمام أحمد ﵁، وكذا شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، وهكذا العلماء الذي أقاموا هذا الدين وأسسوه، وهذه الخلال والصفات ليست متضادة ومتناقضة، لكننا نحن بأخطائنا في الدعوة نناقض بينها.
стр. 2304
التوازن بين معرفة الواقع البعيد والقريب
السؤال
شيخنا الفاضل! ما المقصود بمعرفة الواقع البعيد وعدم معرفة الواقع القريب، مع المثال لذلك؟
الجواب
المقصود بذلك أن الأمة الإسلامية الآن تعيش قضايا يمكن أن تسمى بالقضايا الساخنة، يعني القضايا التي تهمنا يومياً -تقريباً- نسمعها ونتابع أحداثها، كقضية الجهاد الأفغاني، قضية إخواننا المسلمين في أفغانستان، وقضية إخواننا المسلمين في ظل الحكومات الشيوعية، مثلما في أوروبا الشرقية، وقضية المجاهدين المسلمين في الفلبين، وفي إرتيريا، وفي أماكن كثيرة، فهذه قضايا مهمة.
وجميل وحسن أن نفقه وأن نعي ما يخططه أعداء الله في تلك البلاد، وأن نكون مع إخواننا بما نستطيع؛ لكن لا يحسن بنا أبداً أن ننسى ما يخططه لنا الأعداء هنا في بلدنا أو مدننا؛ بل في جامعتنا أحياناً، فإذا كانت الدعوة هنا لها أعداء، وهناك لها أعداء، فإنه يجب أن نفكر في الأمرين بتوازن.
ولنضرب على ذلك مثلاً: الجزائر تعاني التغريب، وتعاني الإنكار والتمرد والجحود على أحكام الله، وتعاني معاناة شديدة من كل الاتجاهات؛ فالمسلم الجزائري الذي يشتغل ويفكر ويجعل كل همه مع المسلمين في الفلبين جزاه الله خيراً لا أحد يستطيع أن ينكر عليه ذلك؛ لكن يجب عليه ألا يغفل عن الجزائر وما يحاك وما يدبر ضدها؛ لأن الأخ الذي في الفلبين وفي أفغانستان لا نطلب منه أن يدع الجهاد هناك وينشغل بأمر الجزائر؛ بل نقول: جاهد هنا، وأيضاً ادع الله ، إن لم يكن إلا الدعاء، وأما أنت هنا فيجب عليك أن تعرف الواقع الذي تعيش فيه، ولهذا لو أننا نحدث أهل الجزائر عن المشاكل الإسلامية البعيدة، ونترك لهم واقعهم هذا القريب، لما وجدنا عندهم أي تجاوب، وأقل شيء يشعرون به أننا لا نقدم لهم شيئاً جديداً بطبيعة الحال.
وأيضاً يأتي أعداء الدعوة ويقولون: هؤلاء لا يعيشون قضايا المجتمع ولا يعيشون قضايا الأمة، وهذه هي الورقة التي يلوح بها أعداء الإسلام من العلمانيين والمجرمين في كل مكان، يقولون: أنتم تنسون قضايانا وأحداثنا، وتنسون مجتمعنا، وتنسون التضخم، وتنسون التنمية، ولذلك يجب أن نقطع الطريق على هؤلاء ونوازن بين هذا الواجب في المجتمع القريب وبين ما للمجتمع البعيد والكل جسد واحد لا ريب في ذلك؛ لأن الأمة الإسلامية جسد واحد، فيبدأ الإنسان بنفسه وبمن يعول، ولا بد من هذا التوازن.
стр. 2305
تنظيم الوقت للشباب المسلم
السؤال
فضيلة الشيخ! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن أكثر ما نعاني منه في حياتنا: عدم القدرة على تنظيم الوقت والمحافظة عليه، فنرجو منكم توجيهنا في هذا الموضوع؟
الجواب
نعم! مشكلة الوقت هي المشكلة الحقيقية التي يعاني منها كثير من الشباب؛ لأن الواجبات تتعدد، والهموم تتوزع، والوقت محدود، ولذلك ينبغي أن نأخذ العبرة والعظة من النظر إلى أوقات العبادات مما فرض الله علينا؛ فهذه الصلوات الخمس هي من العبادات التي تقربنا إلى الله ومن الذكر له، ولكن مما فيها من فوائد ثانوية أنها تعرفك قيمة العمر وقيمة الوقت، يجلس الشخص فترة بعد صلاة العصر، وإذا بالمغرب يؤذن، فيصلي المغرب ثم ما هي إلا لحظات وإذا بالعشاء يؤذن وهكذا، فتحس بأن الوقت قد مضى، وأن هذا وقت له واجب محدد، وأن الوقت الآخر له واجب آخر، فلا تحيل واجب وقتٍ إلى غيره، هذا مما يستشعره المسلم، ولهذا كان المسلمون أكثر الناس محافظة على أوقاتهم.
والوقت ليس فيه توقف، كما قال ابن القيم ﵀: عند قول الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ [المدثر:٣٧]، قال ﵀: 'ليس في الشريعة ولا في الطبيعة توقف البتة' فليس هناك توقف، إما أن تتقدم وإما أن تتأخر، فمجرد التوقف هو تأخر، لو قلت: أنا أكتفي في هذا اليوم بما عندي من العلم، فمعنى ذلك أنك تأخرت؛ لأن الوقت يمضي، وهذه الأيام مراحل تطوي الإنسان، وما من يوم يمر إلا ويزيدك من الدنيا بُعْداً ومن الآخرة قُرْباً، وكما قال الله : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء:٣٦] وكما قال ﷺ : ﴿لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع -ومنها- عن عمره: فيمَ أفناه؟ وعن شبابه: فيمَ أبلاه؟﴾، وضرورة المحافظة على الوقت مهمة، ومن ذلك أن تحفظ وقتك فتشغله في الأهم عن المهم.
أقول هذا، لأن الشباب -إن شاء الله- لن يشغلوا أوقاتهم في غير مهم، لكن قد يشغلونه في مهم ويتركون الأهم منه، ولهذا قال بعض السلف في قوله ﷺ : ﴿من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه﴾، قال: هذه فيها نصف العلم، أي: لو عرفت ما لا يعنيك وتركته فإن فيه نصف العلم والوقت، وقال بعضهم: من علامة إعراض الله عن العبد: أن يشغله بما لا يعنيه.
وما لا يعنيك قد يكون لا يعنيك مطلقاً، وقد يكون لا يعنيك في هذه الساعة، وقد يكون لا يعنيك وغيره حاضر، لأن غيره أهم منه، فهو لا يعنيك الآن، فلو عرفنا ذلك لضبطنا أوقاتنا -إن شاء الله- فلهذا نبدأ بالأساسيات من العلم، ونبدأ بالضروريات من الدعوة، ثم نترك ما بعد ذلك لما يفضل.
стр. 2306
التمسك بمنهج أهل السنة
السؤال
شيخنا الحبيب! ما هي الوسائل التي تعيننا على التمسك بمنهج أهل السنة والجماعة وذلك في الواقع الذي نعيش، بالتفصيل والتصريح؟
الجواب
مما يعيننا على ذلك -وهذا يجب أن يكون حالنا دائماً كما أشرنا- العلم بهذا المنهج، فلا يصح أن يكون الإنسان جاهلاً بمنهج أهل السنة والجماعة مهما كان محباً له حباً صادقاً خالصاً وعلى معرفة إجمالية لا يكفي ذلك، بل لا بد من المعرفة التفصيلية له، وأشرف العلوم هو ما يتعلق بمعرفة الله وتوحيده ، وبعد ذلك معرفة السنة من البدعة، ثم معرفة الحلال من الحرام، فيجب علينا أن نعرف هذه الأحكام معرفة تفصيلية بأدلتها الشرعية، ومن مصادرها الأصلية، ونحرص على أن نتلقاها من حلقات العلم، لأن اجتهاداتنا الفردية والشخصية ليست دائماً مثمرة أو ناجحة، والعلم يؤتى من أبوابه، وأبواب العلم الحقيقية هي مجالس العلماء، وإن لم يمكن مجالسة العلماء فبوسائل أخرى، والحمد لله نحن في زمن تيسرت وتوفرت فيه الوسائل.
والأمر الآخر: أن نضبط دعوتنا أيضاً على منهج أهل السنة والجماعة؛ لأن منهج أهل السنة والجماعة ليس مجرد عقائد تحفظ، أو تصورات تقال، وإنما هو حقائق يعمل بها، فيجب على الإنسان أن يعرف الحق ويؤمن به ويدعو إليه، ثم يصبر على الأذى في سبيل الدعوة إليه.
ونحن في هذا الزمن من أوجب ما يجب أن نعرفه في هذه المسألة: معرفة الطرف المخالف المناقض؛ لأن الحق يتضح به، وبضدها تتميز الأشياء، إذا أردت أن تعرف حقيقة منهج أهل السنة والجماعة، وأنت شاب وطالب علم وداعية فيجب أن تعلم الفرق بينه وبين الفرق الأخرى، تعرف حقيقة عقائد الرافضة وبطلانها، وعقائد أهل الكلام عامة وبطلانها، وأسسهم التي ضلوا بها؛ لتجتنبها ولتدافع عن الدين وعن منهج أهل السنة والجماعة من خلالها، ولتستطيع أن تقيم الحجة عليهم؛ فهذا عدو حاضر قائم، وهذا هو السرطان الذي يفتك بجسم الأمة الإسلامية، ويمنعها من مقاومة عدوها الخارجي، بل إن الأداة التي يستطيع العدو الخارجي أن يدخل منها إلى الأمة الإسلامية هي هذه الطوائف والفرق والنحل والضلالات والبدع.
إذاً: لا بد من الإحاطة بها ومعرفتها، وهي جزء من الواقع الذي يجب أن يعرف ويطلع عليه بتوازن، مع إعطاء الفرصة للتخصص، فكل من تخصص في فن منها أو بفرقة منها، فإنه يشجع ويشكر على ذلك، حتى نستطيع -إن شاء الله- أن نكون المنهج الملائم، والموضوع طويل ولكن الإشارة تكفي.
стр. 2307
كيفية تكوين ثقافة المسلم الإسلامية
السؤال
شيخنا الفاضل! كيف يكّون الإنسان الشباب المسلم ثقافته الإسلامية؟ هل يكتفي فقط بالمطالعة أم يكثر من الجلوس في حلقات المشايخ؟
الجواب
ليس هناك تعارض، فالإنسان يحضر حلقات العلم، لأن أساس العلم -كما قلت- هو حضور حلقات العلم والسماع إلى العلماء، ثم أيضاً يقرأ ويفيد ويطلع، ولا سيما أننا في زمن قَلَّتْ فيه حلقات العلم والله المستعان، فيجمع بين الحسنيين، ولا إشكال في ذلك، لكن يجب عليه أن يعرف من يجالس، وأيضاً يعرف ماذا يقرأ، وإذا جمع بين ذلك فأرجو أن يوفق إن شاء الله.
стр. 2308
كيفية تعلم أسلوب الدعوة
السؤال
إذا كان الشخص عنده من العلم المحصلة الطيبة، ولكن إذا قيل له: لماذا لا تدعو؟ قال ليس عندي أسلوب؛ فما السبيل إلى توجيهه؟
الجواب
هذا الشخص يجب عليه أن يتعلم الأسلوب الأمثل في الدعوة، فلن يتنزل عليه هذا من السماء، وبعض الإخوان يقول: أنا لا أستطيع أن أواجه الناس بالدعوة، فنقول له: إذا لم تستطع ذلك فعليك بطريقة أخرى كالتأليف والكتابة أو ما يكون به نفع للمسلمين، فإذا كان عندك علم، وعندك مصادر، فاكتب، وهذا عمل عظيم، فلو أن الكاتب يكتب، والخطيب يخطب، والمحدث يتحدث، والعالم يُعلِّم، ولنا كلنا هدف واحد، وهو: اتباع منهج النبي ﷺ في الدعوة، لتكاملت الجهود.
فليس من الشرط أن يخطب ويكتب، فبعض الناس يخطب، ولو قلت له: اكتب، لما قدر على ذلك، وبالعكس: بعض الناس إذا قرأت له تدهش وتسر، ولكنك لو سمعت له خطبة لما أعجبتك وهكذا، والذي ليس عنده أسلوب في معاملة الناس، يمكن أن يكون عنده الأسلوب في الكتابة، وأيضاً كلٌ منا يكمل صاحبه، فأنت أصِّل المسألة واكتبها، وأنا أبلغها بطريقتي الخاصة، إذا كنت أنا أجيد عرض الكلام، ولا أجيد أن أتعلم أو العكس، فنحن جميعاً نتكامل في دعوة واحدة.
стр. 2309
العيش في واقع الأمة
السؤال
شيخنا الفاضل! هناك بعض الشباب الملتزم الذي يقول: إنه من ضياع الوقت ومن فضول المطالعة: قراءة أخبار ما يجري في العالم الإسلامي وغيره، وإن من فضول القراءة: قراءة الكتب التي تتحدث عن التيارات المعاصرة فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
نحن أشرنا إلى هذا، وكررنا وقلنا: إن من الخطأ أن يعيش الإنسان بعيداً عن واقع أمته، وبعيداً عن الأفكار التي تعصف بأمته.
المسألة الآن -أيها الإخوة- لم تعد مجرد أن تعرف شيئاً لكي تستطيع أن تحاربه أو لكي تتعرف على ما لا تعرف الآن، فهذا الغزو، وهذه التيارات تصب علينا صباً، وتدخل كل بيت عن طريق التلفزيون، وعن طريق الإذاعة، وعن طريق الصحف، فهي تدخل كل بيت، فليس لأحد خيار فيها: إما أن يستسلم لها أو يقاومها، ولا خيار ثالث لها أبداً، والذين يظنون بابتعادهم عنها أنهم قد تركوها وأهملوها هم في الحقيقة قد استسلموا لها وسلموا لها أنفسهم وأبناءهم وأزواجهم ومجتمعاتهم وهم لا يشعرون، فليس هناك خيار في هذا الشأن.
стр. 2310
حكم تعلم العلوم العلمية
السؤال
شيخنا الفاضل! ما هو رأيكم في العلوم غير الشرعية: كعلم الكيمياء، وعلم الرياضيات؛ علماً بأن بعض العلماء وبعض المشائخ ينفرون من هذه العلوم؟
الجواب
العلم نوعان: كما يقسم الآن تقريباً ما يسمى في العرف الحاضر: العلوم العلمية: وتشمل الكيمياء والفيزياء وما أشبهها من العلوم.
والثاني: العلوم الأدبية: وهي علم النفس، وعلم الاجتماع، والعلوم الإنسانية -كما تسمى- والآداب الإنسانية، والإدارة الخ.
أما بالنسبة للعلوم العلمية بالمفهوم المعاصر كالفيزياء والكيمياء وما أشبهها، فهذه نقدر أن نسميها علوم التوحيد أو علوم العقيدة المساعدة، فهي ليست علوم التوحيد الأساسية، فالتوحيد الأساسي معروف، لكن هذه علوم التوحيد المساعدة، فالإنسان الذي يتعلمها ويستطيع أن يضمها إلى ما عرفه من الحق، من علم التوحيد الأساسي، يجد أنها تقوي إيمانه وتعمل على زيادته.
إذا كنتُ أنا الذي ما أعرف شيئاً، إذا نظرت إلىملكوت السموات والأرض بعيني المجردة في الليل، فإنه يزداد إيماني، فكيف بالفلكي الذي ينظر بالمنظار، ويرى المجرات ويرى المسارات والمدارات والأقمار، ويرى أشياء أخرى؟! لا شك أنه سيزداد إيماناً أكثر منا.
إذا كنت أرى من خصائص ما أودعه الله في هذا الوجود عجائب، أراها بعيني فأذهل لها، فلا شك أن الأخ الذي في الكيمياء أو في الأحياء يضعها تحت المجهر ويرى من العجائب بالتفصيل ما لا أرى، فإنه أكثر إيماناً مني، وهكذا كل إنسان بحسب ما يعلم، وكل إنسان مأمور أن ينظر إلى الكون، والله جعل النظر متاحاً لكل إنسان، حتى أن العامي إذا نظر إلى الإبل استجابة لقوله تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية:١٧] بمجرد أن ينظر إليها يعجب من خلقها، وهي عجيبة بلا شك، وصاحب الأحياء وصاحب التشريع ينظر إلى تفاصيل هذا الجمل، فيجد العجب أكثر وهكذا، فالله من نعمته وفضله أنه أتاح للإنسان المعرفة، لكن التفصيل -لا شك- أنه أفضل من الإجمال.
إذا جردت العلوم عن النظريات والتأثيرات الإلحادية فيها، فهي علوم خير وحق وهدى.
والهندسة -مثلاً- أو الرياضيات أو العلوم البحتة -كما تسمى- هذه أيضاً تحتاج لها الأمة الإسلامية، وقد تكون من فروض الكفاية، ونص على ذلك العلماء منهم شَيْخ الإِسْلامِ ﵀.
فهي من فروض الكفاية؛ لأنه لا يمكن أن نقيم مشاريعنا ومساكننا وحياتنا إلا على أمور هندسية ورياضية، فلا بد منها، ولا يمكن لأحد أن يشكك فيها.
أما العلوم الأدبية والآداب عموماً -كما تسمى- فهي التي يجب أن تمحص فقرةً فقرةً، وكلمةً كلمةً، فمنها ما يرد جملة، ومنها ما يرد بعضه ويؤخذ بعضه، والمهم أن نأخذها من مأخذ الاستعلاء كما قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] ومعيار الحق معنا، نزن به هذه العلوم، ولا يصلح منها إلا ما يثبت صلاحيته، أما العلوم الأخرى تلك، ففي الحقيقة أنها تقبل ويرد منها ما يرى أنه ينافي الأصل.
стр. 2311
معنى قول عمر من لم يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام
السؤال
شيخنا الكريم! نرجو توضيح قول عمر ﵁: [[من لم يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام]]، وهل هذا شرط في الدعوة؟
الجواب
هذه كلمة عظيمة وحكمة جليلة، ولها دلالات كثيرة: منها: أن الإنسان الذي عرف الجاهلية ثم هداه الله بالتوحيد فضلاً من الله ونعمة، حتى تصححت عقيدته ونظراته وموازينه، فاستقام منهجه، فهو لذلك يعرفه حق المعرفة، لأنه عرف الجاهلية وعرف حقارتها، ورذالتها، وانحطاط موازينها وقيمها، وانعكاس تصوراتها فلا شك أن من عرف ذلك فإنه يعرف الإسلام أكثر، ولذلك تجدون الشاب الذي كان منحرفاً عاصياً أو كان كافراً ثم أسلم معتزاً بالإسلام وبالطاعة، ويجد من المحبة له في الغالب أكثر من ذلك الذي أخذه بالوراثة ولم يعرف قيمته؛ لأن ذاك ذاق مرارة الشرك وعرف الظلم وعرف الظلمة التي تحيط بالقلب في حال الشرك والبدعة، تجد الإنسان -أيضاً- الذي عاش في البدعة ثم عرف السنة، تجده من أشد الناس تمسكاً بالسنة، فهذا نعيم بن حماد ﵁ -شيخ البخاري - كانوا يقولون له: إنك شديد على الجهمية، قال: لأني كنت منهم! كان منهم، فلما عرف الحق وعرف السنة، تمسك بالسنة أشدّ التمسك، فالإنسان بلا شك تزداد عنده قيمة الحق متى عرف الباطل، والشباب المسلم هنا إذا سمع عن أمريكا، وعن التكنولوجيا، والكمبيوتر، وغزو الفضاء، وحرب النجوم، وأشياء مذهلة، فإنه يذهل، فإذا ذهب إلى هناك، ورأى المآسي، ورأى الظلم والانحلال والفساد، فإنه يعتز بواقعنا الحاضر على مافيه من بعد عن الإسلام، ويؤمن بأن واقعنا هذا أفضل من أمريكا مليون مرة، فهذه في الحقيقة من الحكم الصادقة التي يدل عليها الواقع.
стр. 2312
الاختلاف بين الدعاة
السؤال
شيخنا الفاضل! هناك بعض الدعاة يحذرون من بعضهم، لأنهم خالفوهم في شيء معين، ويقولون فيهم ما ليس فيهم، فما رأيكم في هذا؟
الجواب
هذه الأمة كما قال النبي ﷺ عنها: ﴿فتنتها المال وعذابها الفرقة﴾ ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بعض﴾ [الأنعام:٦٥] فأما الأولى والثانية فقال النبي ﷺ : ﴿أعوذ بوجهك! أعوذ بوجهك! -وأما الثالثة فقال-: هذه أيسر -أو أهون-﴾ فالفرقة واقعة في هذه الأمة منذ أن وضع فيها السيف، وذلك عندما قتل عثمان ﵁، وهذا من الواقع الذي لا نريده، ولا يرضاه الله ، ولا يريده لنا إرادة شرعية، لكنه واقع على أية حال، فإذا وضع السيف في الأمة فإنه لا يرفع إلى يوم القيامة، فما دام واقعاً ونحن لا نريده ولا نرضاه، فيكون واجبنا على نوعين: أولاً: أن نعرف -في زحمة هذا الاختلاف- الحق وأن نتبعه، فإن الحق واحد لا يتعدد، والجماعة هي الحق وإن كنت وحدك، كما قال عبد الله بن مسعود ﵁: [[فإن كان سائر الناس أو معظم الناس قد خالفوا الجماعة، فالجماعة ما وافق الحق]] هذا أمر.
الأمر الآخر: أن تكون علاقتي بالآخر -المخالف- مضبوطةً بما شرع الله ، فقد أرى مخالفاً لي وهو في الحقيقة غير مخالف، وإنما هذا من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وهناك فرق بين اختلاف التنوع واختلاف التضاد.
ونحن قلنا: إن اختلاف التنوع كمثل من اشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذاك اشتغل بالعلم -مثلاً-، توسع هذا في هذا، وتوسع هذا في هذا، فهذا تنوع وليس تضاد، فيجب أن نعرف أن هذا ليس خلافاً، ومن ثم فلا يترتب عليه أيُّ نوع من أنواع العداوة، فعرضه حرام علي، ولا يجوز أن أطعن فيه، وإن رأيت منه أخطاء، فهذا أصلاً يجب التناصح معه في ذلك، وهذا وارد في حق أيّ مسلم، فكيف للداعية؟! فيجب علي أن أنصح له، وأن أبين له الحق، وأن أرشده.
ومن الناس من إذا عرفته وعرفت حقيقة خلافه، وجدت أنه خلاف ناشىء عن جهله ببعض الحق الذي عندي، فهذا واجب أن أبين له ما عندي من الحق، ويجب عليه أن يتسع صدره ليسمع ما عندي، ومن الناس من خلافه خلاف عناد وابتداع -نسأل الله السلامة والعافية- فهذا إذا ثبت أنه يعاند عن علم ويكابر عن الحق، فننظر بحسب المصلحة، قد تكون هناك مصلحة في أن نغض الطرف عنه، وألا نكلمه أصلاً، ولا نتحدث معه بالمرة، وقد تكون المصلحة في أن أهجره، أو أزجره، أو أعاديه، بحسب الحالة، حتى من كان رافضياً، أو خارجياً، أو معتزلياً، أو مؤولاً، أومعطلاً، فحتى هؤلاء كان للسلف الصالح فقه للتعامل معهم، فليسوا على حالة واحدة، وعلى وتيرة واحدة، مع أن الأصل أن يهجروا، ويعزروا، ويؤدبوا إلى آخره، وإن ذلك يختلف بحسب الحال والظروف، وبحسب ما يحيط بالدعوة عموماً، فلا بد أن تكون الأمور منضبطة، وأنا بهذه المناسبة أقول: إن الأمة التي كتابها واحد، ورسولها واحد، وقبلتها واحدة، ومنهجها واحد، وهو منهج أهل السنة والجماعة، فكيف تختلف؟! وكيف تنشأ الاختلافات بينها؟! فيجب أن نتجرد عن الهوى، وإذا تجردنا عن الهوى، وعن حب النفس، وعن الحسد، وعن الغل الذي قد يلقيه الشيطان بين الشباب لبعضهم، فإننا سنجد أنفسنا إخوةً متحابين، كما قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
إذا نظرت إلى أخيك نظرة المحبة -مهما كان فيه من أخطاء- فإنك تتسامح معه فيها، وإذا نظرت إليه نظرة العداوة فإنك لا تقبل محاسنه، بل تصبح محاسنه مساوئ، فيجب علينا أن نصحح هذه النظرة، فالأصل هو الاجتماع لا الافتراق، والأصل هو التعاون لا التنافر والاختلاف، والأصل هو المحبة لا البغضاء.
ولقد ضرب الله مثلاً عظيماً في سورة يس: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧].
سبحان الله! آذوه ولم يؤمنوا بما قال بعد أن كذبوا بالأنبياء قبله، ومع ذلك لما دخل الجنة، قال: ياليت قومي يعلمون، أي: لو علموا ما أنا فيه من النعيم لآمنوا مثلي، فهو يحب الخير لهم، مع أنهم مخالفون له؛ فكيف بإخوانك المسلمين؟! وأنا أقول هنا: إن المهمة تقع على عاتق المربين والموجهين للشباب، فيجب عليهم أن يوجهوا الشباب جميعاً إلى المحبة والائتلاف، وخاصة -كما ذكرت- ما يتعلق باختلاف التنوع الذي لا بد أن يقع؛ لأنه سنة هذه الحياة فيجب أن تتسع له أذهاننا وآفاقنا، وأوسع وأشمل منهج هو منهج أهل السنة والجماعة؛ لأنه هو منهج الإسلام، وهو حقيقة الإسلام الفطري الشامل الذي يتسع لكل النفوس، ولكل الإمكانيات، ولكل التطلعات، فيشبعها جميعاً بلا تنافر وبلا تناقض أو تضاد فيما بينها.
стр. 2313
التعامل مع العصاة
السؤال
شيخنا الفاضل، قابلت اليوم شاباً، يقول: إنه قد تاب، ويعاتبني بعد مقابلتي كثيراً لعدم نصحي، ومن أخباره السابقة أنه كان يرتكب الفواحش ويتعاطى المخدرات؛ فما رأيكم بمجالسة هؤلاء؟
الجواب
هذا الموقف يعطينا عبرة عن تقصيرنا في الدعوة إلى الله، فهذا اهتدى وأتى يعاتب أخاه، ويقول: أين كنت؟ وأنا قد كنت أفعل وأفعل، والآن اهتديت، والحمد لله، كثير -والله- أمثال هذا الشاب في المجتمع، وبعضهم -والله- ليس بينه وبين الخير إلا خطوة، ولا حركة ولا خير يُبذلان له، فكيف نتغافل عنهم؟! كيف ننسى هؤلاء؟! وهم أمانة في أعناقنا، صحيح أن الوقت يضيق ومجالات الدعوة واسعة، ولكن يجب أن نتقي الله بحسب الاستطاعة في هؤلاء، بالذات من كان له زميل في السكن أو في الدراسة، أو له جار في الحي، أو كل من كان بالإمكان أن يهدي له الحق أو الخير دون أن يكلفه ذلك شيئاً فنسأل الله لهذا الأخ الثبات، إنه سميع مجيب كما نسأل الله لنا جميعاً أن يبصرنا بالحق، وأن يفقهنا في الدين، وأن يجعلنا هداة مهتدين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2314
المناهج
تحدث الشيخ حفظه الله في هذا الدرس عن عدة مواضيع بيَّن فيها حكم أعمال الباطن، والفرق بين كفر العمل وكفر الاعتقاد، والفرق بين الإسلام والإيمان، ثم انتقل إلى الحديث عن الخطة اليهودية النصرانية الهادفة إلى تغيير المناهج في أنظمتنا التعليمية بغرض حذف العلوم الإسلامية والمواد الدينية، ثم تحدث عن البيان الذي أصدره الاتحاد الإسلامي الصومالي عن خبر التدخل العسكري الأمريكي في الصومال.
стр. 2315
أعمال القلوب
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
السؤال
يقول أحد الإخوة: قوله ﷺ للصحابي الذي قتل الرجل بعد قوله الشهادة: ﴿أشققت عن قلبه﴾ الحديث, هل هذا إقرار بالإسلام بدليل الكلمة؟ أم أنه كان يجب على الصحابي التيقن؟
الجواب
قوله ﷺ : ﴿أشققت عن قلبه﴾ وأمثاله كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ [النساء:٩٤] يدل على وجوب التثبت أو التبين، وقد قرأ بالوجهين فتبينوا أو فتثبتوا، لأن إجراء الحكم هو على الظاهر لا على الباطن, فكون الإنسان يقتل رجلاً كما وقع في حديث أسامة , فكأنه علم أنه لم يقل الشهادة إلاّ لينجو بها وليتعوذ بها من السيف, وهذا حكم بالباطن، ولا يجوز الحكم على الباطن لأنه من علم الغيب, وفي الظاهر أن من قال الكلمة أُلزم بالشرائع الظاهرة, ونَكِلُ أمره إلى الله، وهذا في الحكم الظاهر, كما قال رسول الله ﷺ : ﴿أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة, فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم, إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله﴾ أي: في البواطن, فقد يقولون ذلك ويفعلونه, وهم في الباطن منافقون في الدرك الأسفل من النار, فحسابهم على الله في بواطنهم, وفي هذا حكمة عظيمة لكل من يريد إجراء الأحكام، أو يصدر أحكاماً، فلك أن تحكم على الأقوال، ولك أن تحكم على الأعمال, أما البواطن فلا يحكم عليها إلا الله الذي يطلع عليها.
следующие страницы →