Полный текст (2 843 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
النهي عن اتباع الأهواء
ثم قال: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٩] فاختتم الآية بهذا.
يقول ابن كثير ﵀: 'أي: أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم، مخالفون للحق ناكبون عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] ' الآية.
فليست العبرة بالأكثرية، وهنا حكمة عظيمة لا سيما في زمننا هذا فأكثر الناس فاسقون، وأكثر الناس يريدون حكم الجاهلية، ولذلك هل نعرض دين الله وشريعة الله للتصويت، ونأخذ رأي الشعب؟ وهل نحكمهم بالقرآن أم بالقانون الفرنسي؟! ولذلك يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٩] أي: أن أكثرهم يريدون الشهوات، ويريدون انتهاك الحرمات، كمثل الذين وصفهم النبي ﷺ في السفينة، لا يريدون أن يصعد أحدهم إلى من فوقهم ويستقي الماء، بل يريدون أن يخرقوا ويشربوا مما يليهم، وهذا حال الكثير من الناس.
فليست القضية قضية ديمقراطية، إنما هي قضية اتباع ما أمر الله به مهما قل العدد، ويجب أن ندعو الناس إلى ما أنزل الله وألاَّ نتبع أهواءهم وألاَّ نرد الأمر إلى آرائهم؛ لأن آراء الناس عجيبة جداً، فترى الناس سواسيه في الطريق وفي العمل وفي الشارع، وتقول: الحمد لله لأن الناس متفقون، لكنك لو قمت باختبارهم لرأيت العجب العجاب، فرجل له رأي في الربا، وآخر له رأي في تعدد الزوجات، وآخر له رأي في نظام معين، ولا يوجد أحد منهم يحتقر رأيه، بل كل إنسان منهم مستعد أن يقول: هؤلاء العلماء الكبار ليس عندهم علم، ثم يبرر موقفه، ويقول: انظر كيف أفتوا في هذه، وكذلك أجهل الناس في السياسة والاقتصاد.
وهذه مشكلة أصحاب الهوى، فإذا وكلنا دين الله إلى هذه الأهواء ماذا نلقى؟ فرجل لم يعجبه الدين كله، وآخر يقول: الدين حسن لكن عندي عشر مسائل أو خمس لم تعجبني، وهكذا يريدون أن يكون الدين على شهواتهم، ثم المسألة المتفق عليها بعضهم عنده فيها نظر، فيقول: الخمر لا بأس أن تقول إنه حرام، لكن نبيحه في الفنادق والقنصليات والسفارات، ويقول: أنا أعلم أنه حرام، ولكن نحن في القرن العشرين فلا بد أن نعطي هؤلاء الناس مزية، وهكذا الزنا فهو يقول: الزنا حرام، ولكن هؤلاء لو أتو بمصائبهم معهم نتركهم، وهكذا.
فالذي يتفق معك في المبدأ يختلف معك في التفاصيل، فكيف بالذي لا يوافقك حتى في أصل المبدأ، ماذا تكون النتيجة؟ إنها أهواء كما ذكر الله ، ولا يمكن أن يجتمع الناس على رأي، وإنما الذي يجب أن يخضع له كل الناس هو ما أنزله الله وما أمر به رسوله ﷺ : ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٨] فمهما كانت هذه الأهواء فلا نتبعها وإن كثرت؛ لأنك إذا سلمت بالمبدأ وهو أن أهواء الناس ورغباتهم هي المعيار لن يبقى لك من الدين شيء، بل أنت يامن تريد أن تمالئ الناس ستأتي فترة من الزمن يقولون فيك: إنك لا تصلح، وكنت تظن أنهم يحبونك.
فيجب أن يُعلم أن القضية ليست قضية أهواء، إنما هي قضية اتباع ما أنزل الله ، لأنه لو رُد الأمر إلى أهواء الناس لما صلحوا ولما اتفقوا، فهم يريدون أن يجعلوا العالم متوافقاً مع رغباتهم، والرغبات تختلف، وبهذا لن يكون عندنا عالم، وهكذا الحاكم والمدرس وأشكال الأسواق إلخ.
стр. 2452
الفرق بين الشورى والديمقراطية
فلا يمكن أن تستقيم الأمور على أهواء الناس أبداً، ولذلك لو نظرت إلى حقيقة ما يسمى بـ الديمقراطية، هل هي فعلاً حكم الشعب للشعب؟! أي: أن الشعب يحكم نفسه فعلاً، وهل حكم الشعب نفسه بنفسه في التاريخ كله؟! ولذلك تجد أن أهل القرى في المجتمعات اليونانية الصغيرة، وفي حكومات الكوميوند، أو جزء من ذلك في إيطاليا كانوا يجتمعون ثلاثين أو أربعين يتشاورون ويحكمون أنفسهم، هذا في كتب علم السياسة، وما يسمونه بالفقه السياسي إلخ يقولون فيها: لم يوجد حكم ديمقراطي حقيقي مباشر إلا في القرى الإغريقية القديمة، أما ماعدا ذلك فلا.
قلت: فالفردية التي عدد أفرادها ثلاثين شخصاً، أي: الكبار منهم من يحق له الانتخاب، هل فعلاً حكموا أنفسهم بأنفسهم، أم أنه لابد من شيخ في القرية، إذا تحرك التف حوله عشرون نفراً، وخفضوا رءوسهم وسكتوا.
حتى القرية الصغيرة الحاكم فيها ثلاثة أو أربعة وجهاء من الناس، ولا يستطيع أحد من الناس أن يرفض، وذلك لأنهم يخافون من البطش، إذاً فهي إما قوة جسدية أو قوة مالية أو قوة منصب، حتى الحكم المباشر الذي يضربون له مثال بالثلاثين والخمسين لا يوجد أبداً، ففي النهاية الذي يحكم هو صاحب الهوى، حيث يشغل قوته في هواه كما يشاء، فكيف إذا ما صارت الأمة بالملايين، وقالوا: لابد من ممثلين ينتخبهم الشعب، ويرضاهم ودخلت المتاهات.
كما ترون في أمريكا أن الناس حزبين فقط: ديمقراطي وجمهوري، لاخيار غيرهما، حتى وصل بهم الأمر في بعض الولايات إلى أنه لابد أن تتوارث الحزبية، أي: أن الأب ديمقراطي والابن ديمقراطي والحفيد ديمقراطي إلى يوم القيامة، ولهذا تجدون أناساً كثيرون لايصوتون ثم يذهبون إلى دول أخرى، ويقولون: إن القضية ليست قضية حزبين وهكذا الضلال.
ففي إيطاليا قبل فترة من الزمن لما تغيرت الحكومة الأخيرة، ذكروا أنه ما يقارب من خمسين حكومة تشكلت منذ الحرب العالمية الثانية -أي: تقريباً خمسين سنة- فأحياناً كل ستة أشهر في إيطاليا وفي غيرها تتشكل حكومة جديدة ووزراء جدد، فالوزير الذي يعلم أنه لن يحكم إلا ستة أشهر، ماذا تريد أن يعمل بالأموال؟ لكن لو كان أمامه عشرون سنة فسيجمع قليلاً قليلاً، فالناس هناك في لعب وضلال وتخبط، أهذه هي القدوة التي يريدون أن نترك كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أجلها؟! والشورى التي أنزلها الله وأمر بها، وعمل بها رسول الله ﷺ كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀: 'لا أعرف أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ '.
وقد وردت في حديث لكن في سنده انقطاع؛ لكنه من حيث الحقيقة فهذا ثابت كما قرره شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀، فلم يكن أحد من الولاة أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ ، ثم الخلفاء الراشدين من بعده: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، فهم يتشاورون في الأمر العظيم، فإذا جاءهم عن الله أو عن رسوله ﷺ نص، قالوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة:٢٨٥].
ومن القصص العجيبة في هذا: قصة عمر بن الخطاب ﵁، عندما ذهب إلى بلاد الشام فجاءه الأجناد والأمراء، والحديث في صحيح مسلم مفصلاً، وله أصل في البخاري وغيره، وفيها أنه جلس فقال له الأمراء: إن الوباء -وهو الطاعون- قد نزل في بلاد الشام فما الرأي؟ وعمر ﵁ ليس كأي أحد، إنما هو محدث ملهم ألقى الله الحق على قلبه ولسانه، ومع ذلك لم يستبد برأيه، بل قال: عليّ بالمهاجرين، فاجتمعوا واختلفوا، فقال: عليّ بمشيخة الأنصار، فاختلفوا كلٌّ له رأي، من يقول: نقدم، ومن يقول: نرحل، فتردد في الأمر، وفي الأخير عزم على أن يرحل، وقال: الغداة الرحيل، فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان غائباً لبعض أموره، ولم يكن حاضراً للشورى، فقال: عندي في هذا علم، سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿إذا نزل الوباء وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها، وإذا لم تكونوا فيها فلا تدخلوها -أو فلا تقدموا إليها﴾ فقال عمر: الحمد لله، ولو كان عبد الرحمن بن عوف ﵁ موجوداً فأخبر بهذا الحديث أول ماجاءه الخبر، لما احتاج أن يشاور أحداً أبداً.
وفي هذا الحديث فائدتان عظيمتان: الأولى: أهمية الشورى، وألاَّ يستبد الحاكم برأيه.
والأخرى: أنه إذا جاء نص صريح فلا تشاور، أما مسائل الاجتهاد وموارد الاختلاف فالأمر فيها آخر، فالقضية ليست قضية ديمقراطية: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٩].
стр. 2453
تفسير قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] فأكثر الناس هذا حالهم.
يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: 'قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ينكر تعالى على من خرج -أي: الاستفهام هنا للإنكار- عن حكم الله المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ماسواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله'.
وهذا كلام نفيس يكتب بماء الذهب، فلا يعدل الإنسان أو يخرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، في كل زمان وعصر، ولا يعدل إلى ماسواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، أي: سواء كانت فلسفات أو قوانين أو أعرافاً أياً كانت ' التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله '.
أي: إن القضية ليست قضية اجتهاد من العلماء في النصوص.
قال: 'كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات '.
فـ ابن كثير رحمه الله تعالى حكيم في كلامه، حيث قدم بمثال متفق عليه، ثم انتقل إلى المثال الواقع في عصره، فأول ما مثّل قال: 'كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم'.
فالعرب في الجاهلية في عكاظ -السوق الجاهلي القديم- ومجنة وذي المجاز عندهم حكماء غالباً إما كهان وبعضهم قد يكون مما آتاه الله بلاغة وبياناً ويسمونه: الحاكم، يأتي الناس ويتحاكمون إليه، ويحكم كما يشاء فيما يشاء بلا دليل ولابرهان من الله ولا أحد من رسله، فيفرق بين المتماثلين ويماثل بين المتفرقين، والكاهن يدَّعي أن العلم جاءه من رائيه، فينطق ويقول: أخبرني هذا، أي: شيطانه، والشيطانين يوحون إلى أوليائهم، فيحكم بينهم، وكانوا يتحاكمون إلى الأزلام، ويستقسمون بها، ويقولون: اضرب القدح، فإذا كان كذا عليك كذا، وإذا انقلب كذا عليك كذا، بلا بينة ولاسماع.
وهذا مثال آخر: امرؤ القيس لما قتل أبوه كان عربيداً سكيراً، أي: متحرراً متطوراً، وكان يظن أنه يعيش حياة عصرية -كما يقولون- فلما قتل أبوه رجع، وقال: اليوم خمر وغداً أمر، ماذا أفعل بقتلة أبي؟ فقالوا: تذهب إلى ذي الخلصة الذي في بلاد دوس تستشيره في أن تقتل قتلة أبيك أم لا؟ وذهب امرؤ القيس إلى ذي الخلصة كما ذكر الكلبي في كتابه الأصنام -وذكره غيره- واستقسم بالأزلام عند ذي الخلصة وفي كل مرة يكون نصيبه لا تفعل، والعرب دائماً عندهم الثأر، فقال:
لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا يوماً وكان شيخك المقبورا لم تنه عن قتل العداة زورا
ورمى الأزلام، ورحل إلى قيصر يستنجد به، يريد أن يستعين به على كندة.
فالشاهد قوله: لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا!! أي: الذي قُتل أبيه.
يوماً وكان شيخك المقبورا!! أي: كان أبوك الذي مات.
لم تنه عن قتل العداة زورا.
فهو يقول: تنهاني عن قتلهم؛ لأنه ليس أبوك هو المقتول، وذي الخلصة صخرة، لا درت ولا أفتت ولا أحلت ولا حرمت، ولكنها الضلالات والجهالات، كما قال سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُون﴾ [المائدة:٥٠] فالناس هم من يبغون، وهذا المثال الواضح لا يخالف فيه أحد.
стр. 2454
التتار يحكمون بغير ما أنزل الله
وابن كثير رحمه الله تعالى ذكر شيئاً آخر، فقال: 'وكما يحكم به التتار -ولم تكن جاءتهم المصائب التي جاءتنا ولم يأتِ نابليون ولا القوانين الوضعية- من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان، الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها'.
وفيه جزء من الشريعة الإسلامية فهي تعتبر مصدراً رئيسياً، ونستطيع أن نقول: لأنه من اليهودية والنصرانية، والنصرانية أحكامها قليلة أصلاً.
ومن أمثلة هذا المادة الأولى من القانون المدني المصري، الفقرة الثانية، تقول في معنى الكلام: يكون الحكم بما ورد في هذا القانون، فإن لم يوجد أي نص من القانون المدني على الحكم فيعمل بمقتضى العرف، فإن لم يوجد فيعمل بمقتضى الشريعة الإسلامية فإن لم يوجد فبأحكام القانون الطبيعي ومبادئ العدالة.
وجاء الشارح -أيضاً- فزاد الطين بلة، فقال: إن قانوننا المدني أعطى الشريعة منزلة سامية عظيمة؛ لأنه جعلها في المرتبة الثالثة.
ويقولون: هذه فيها محاباة لأنه قدمها على مبادئ العدالة -نعوذ بالله- أما الياسق فهو مأخوذ من الإسلام واليهودية والنصرانية مباشرة، وسأذكر بعض الأحكام من الياسق، وهي مأخوذة فعلاً من الإسلام مباشرة، فالشريعة الإسلامية مصدر رئيسي في الياسق.
قال: 'وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ '.
فقدموا الياسق على الكتاب والسنة مع أن الشريعة هي مصدر من المصادر.
قال: 'من فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله -أي: هذا حكم الله فيه- فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة:٥٠] أي: يبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] '.
وابن كثير رحمه الله تعالى يتكلم عن واقع الأمة كما ذكر هو في تاريخه ﵀.
فاضطربت الأمة في شأن التتار، واختلف العلماء هل نقاتل أم لا؟ ثم قالوا: إن قاتلناهم نقاتلهم على أنهم بغاة أم على أنهم خوارج، وكيف نقاتلهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وفيهم من يصلي، وفي جيوشهم جموع من الناس تصلي، ويقولون: نحن مسلمون؟ فقالوا: كيف نقاتلهم؟ كما التبس الأمر -تقريباً- على الصحابة ﵃ سوى أبي بكر الصديق ﵁، قالوا: كيف نقاتلهم وهو يشهدون أن لا إله إلا الله؟ وقال بعضهم: أنؤجلهم سنةً -نعفو عنهم هذا العام من الزكاة- حتى نتألف قلوبهم؟ فاشتبه الأمر عليهم ثم أفتى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله تعالى بأن هؤلاء خارجون عن الشريعة، ويجب قتالهم، وليس قتالهم من جنس قتال الخوارج ولا البغاة، وإنما من جنس الخارجين عن الشريعة والمرتدين، كـ مسيلمة وأمثاله، كمن جحد الزكاة، فهؤلاء جحدوا حكم الله، فهم كمن جحد الزكاة، فحالهم كحال المرتدين، ثم اجتمعت الأمة على هذه الفتوى وجاهدوا، وكان من يقودهم في المقدمة هو شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀.
فهذا الحافظ ابن كثير وهو من خيرة وصفوة هؤلاء التلاميذ النجباء الذين أخرجتهم تلك المدرسة السلفية العظيمة لشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، حيث كانوا كلهم هو وابن القيم والحافظ المزي ﵀ والذهبي وغيرهم من خير رجال الأمة الذين كانوا في ذلك العصر، فجددوا الدين، وكان لهم هذا الموقف الموحد من التتار، ومن الرافضة ومن الباطنية ومن كل أعداء الدين، وأعداء العقيدة، وإن تمسحوا بها وادعوها.
فهذا الحافظ ابن كثير ﵀ هنا يؤكد على فتوى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية بشأن التتار، وأنهم كفار، وأنه يجب قتالهم حتى يرجعوا إلى حكم الله ورسوله: 'من فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير'.
فلا يقول: أنا عندي القانون الجزائي في العقوبات، والعقوبات كلها من الشريعة الإسلامية، ولكن القانون المدني من القانون الوضعي، ولا يجوز الحكم به لا في قليل ولا كثير، ويكون الدين كله لله ، قال سبحانه: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض﴾ [البقرة:٨٥].
قال: ' ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن، وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها'.
فيقصد ابن كثير ﵀ هنا ذكر بعض الميزات التي أوجبت علينا أن نتحاكم إلى شرع الله وهي: أولاً: العدل.
ثانياً: الحكمة، قال: 'وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها '.
لأن الله حين شرع لنا هذا الدين وأحل ما أحل وحرم ماحرم، أرحم وأرأف بنا من الوالدة بولدها، كما أخبر بذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح المعروف: ﴿لله مائة رحمة أنزل في هذه الدنيا رحمة واحدة فيها يتراحم الناس وادخر تسعاً وتسعين رحمة عنده﴾ فالذي يشرع وهو بهذه الرحمة لن يشّرع لهم إلا ما فيه خيرهم ومصلحتهم.
قال: 'فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء'.
أي: أن من كانت فيه هذه الصفات فهو الذي يشرع، وهذا يذكرنا بكلام الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، ورسالة لطيفة صغيرة ولكنها قيمة، كتبها الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل، وهو من الدعاة الذين نسأل الله أن يبارك في علمهم وفي جهدهم في الرياض، عنوانها: إن ربك حكيم عليم، وله غيرها، مثل: قل إنما أعظكم بواحدة، وذكر كيف أن مقتضى أسماء الله وصفاته تحتم انفراد الله بالحاكمية، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، والعادل في كل شيء، ولا يوجد أحد يتصف بهذه الثلاث الصفات غير الله حتى يجوز له أن يشرع.
وعلّق الشيخ أحمد شاكر ﵀ على كلمة الياسق، فقال: ' الياسق، هكذا رسمت هذه الكلمة في المخطوطتين -اللتين أطلع عليهما ﵀ والمطبوعة، وهي كلمة أعجمية، ولذلك اختلفت المراجع في رسمها وأصلها '.
وأنبه على أن الموجود في مجموع الفتاوى لشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية أن المعلق قال: كلمة لم أتبين لفظها، أي: لم يعرفها، والكلمة هذه تكتب أحياناً الياسق، وتكتب أحياناً السياسة، وأحياناً: الياسة، وأحيانا: السياسا، وأحياناً: اليسغ.
أي: أن الكلمة الأعجمية يتصرف فيها العرب، فحيث ما وجدت هذه الألفاظ فالمقصود واحد، وهو كتاب جنكيز خان.
ويقول الشيخ أحمد شاكر نقلاً عن الحافظ ابن كثير في التاريخ (١٣/ ١١٧): 'وضع لهم السياسة التي يتحاكمون إليها ويحكمون بها وأكثرها مخالف لشرائع الله وكتبه، وهو شيء اقترحه من عند نفسه، واتبعوه في ذلك، ثم سماها بعد ذلك الياسا '.
والحافظ ابن كثير فيما نقله عن الوزير علاء الدين الجويني، سماها الياسا، قال: 'وأما كتابه الياسا، فإنه يكتب في مجلدين بخطٍ غليظ، ويحمل على بعير عندهم'.
أي: هذا دستور يعظمونه.
وقال الزبيدي في شرح القاموس "٧/ ٩٨": 'يساق -هذه كتابة أخرى على وزن كلمة- كسحاب، وربما قيل: يسق بحذف الألف، والأصل فيه: يساغ بالغين المعجمة، وربما خفف فحذف -قد تكون يسا- وربما قلب قافاً'.
ويقصد بذلك إما أن يُقال: يساغ أو يحذف الغين ويقول ياس أو يسه: 'وهي كلمة تركية '.
ويقول بعضهم: إنها مغولية، وبعضهم يقول: إنها تتارية، وبعضهم يقول: أنها تركية والكلام واحد، لأنهم يقال لهم جميعاً تركاً أو أتراكاً: 'يعبر بها عن وضع قانون المعاملة، كذلك ذكرها غير واحد، وقد حررها المقريزي في الخطط "٣/ ٣٥٧ - ٣٥٨" قال تحت عنوان: ذكر أحكام السياسة'.
وهو قانون المعاملة أو الدستور أو القانون أو الشريعة التي وضعها جنكيز خان وأخذها من اليهودية والنصرانية والشريعة الإسلامية، وركبها وجعلها شرعاً متبعاً يتحاكم إليه قومه، وقد سبق الكلام عن تاريخ وضع القوانين، وذكرنا أن هذا يعد من أقدم القوانين بالنسبة لكونه قانوناً مكتوباً، أما القوانين العرفية غير المكتوبة فهي قديمة؛ لكن هذا من أشهر ما يسمى بقوانين القرون الوسطى.
стр. 2455
التتار والحكم بغير ما أنزل الله
لو عدنا إلى كلام الزبيدي نجد أنه دقيق في عباراته فيقول: 'يعبر بها عن وضع قانون المعاملة، كذلك ذكره غير واحد'.
فالقانون الذي وضعه جنكيز خان المقصود به قانون المعاملة، والمعاملات العسكرية جزءاً منها -الجند والقادة- وهذا من أعظم ما اهتم به جنكيز خان، وهو أن يرتب حقوق الجنود فيما بينهم، فهو قانون للمعاملة.
أما ما يتعلق بالدين أو التدين، أو الأحوال الشخصية كما يسمونه فقد ترك، وكان في دولة التتر النصارى والمسلمون والمشركون بجميع أنواعهم، وإنما الذي نظمه وشرعه جنكيز خان هو قانون المعاملة، وهو صورة لما تريده القوانين المعاصرة اليوم.
فالمقصود عندهم هو تنظيم قوانين المعاملات بالدرجة الأولى -التي يسمونها المدينة عموماً- وقضايا العمل والعمال والشركات والبنوك والأمور الاقتصادية، ثم الجانب الجنائي والجزائي -كما يسمونه- وبعض الدول لا تمانع من الاستفادة في بعض هذا الجانب من أحكام الشريعة الإسلامية، لكن بقية الأحكام التي هي قوانين في المعاملة -كما ذكر الزبيدي في شرح القاموس -فلابد أن تخضع للقانون الذي وضعوه.
стр. 2456
نشأة القوانين الوضعية
والمقصود أن القوانين في الياسق -كما سنستعرض بعضها إن شاء الله من كلام الحافظ ابن كثير - كانت في هذا الجانب، مع أنه أيضاً فيها أحكام جزائية أو جنائية.
يقول الشيخ: أحمد شاكر: 'وقد حررها المقريزي في الخطط "٣/ ٣٥٧ - ٣٥٨" قال: تحت عنوان: ذكر أحكام السياسة -والمقريزي هو من أوفى من شرح وفصل موضوع الياسق وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر هنا الكلام المهم منه- ويقال: ساس الأمر سياسة، بمعنى قام به فهذا أصل وضع السياسة في اللغة، وقد ذكر كما ذكر صاحب خزانة الأدب قال:
فكيف نسوس الناس والناس دوننا إذا نحن فيهم سوقة نتنصب
فـ المقريزي يريد أن يرجع إلى الأصل اللغوي، لأنه حصل لبس كبير عند كثير من المؤرخين في أصل الكلمة، وهذا البيت ينسب إلى هند بنت النعمان بن المنذر، والمعنى: بينما كنا نسوس الناس أي: نقودهم ونرعاهم ونوجههم، -فهذا أصل وضع السياسة في اللغة، ثم رسمت بأنها القانون لموضوع رعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال- ولا شك بأنها مفاسد وليست مصالح لكن من وجهة نظر أهلها، يقول المقريزي - والسياسة نوعان: سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الأحكام الشرعية، علمها من علمها، وجهلها من جهلها والنوع الآخر سياسة ظالمة، فالشريعة تحرمها'.
فهذه مقدمة عن السياسة وهي كلمة موجودة ومستخدمة بمعنى الوسائل والأساليب أو الأنظمة التي يتخذها الحكام والولاة لضبط الأمور.
والسبب في احتياج الناس إليها هو تقصير القضاة والفقهاء، حيث ضيّق بعضهم مفهوم الحدود، فقصروا الحدود في الحدود المعروفة كشرب الخمر، وحد القذف، وحد السرقة، وحد الحرابة، وحد البغي وما عدا ذلك ليست حدوداً، وكان الأمراء ورؤساء الشُرط، والمكلفون بضبط الأمن في الولايات يعتبرونها من باب التعازير فلم تكن تندرح ضمن الأحكام، ولم يكن يتناولها القضاة وبعض الفقهاء المتأخرين، وإنما تركت على أساس أنها تعازير ترجع لولي الأمر، ولما صار ولاة أمر المسلمين من العجم، وكذلك الجنود، وكانوا لا يفقهون اللغة العربية أو شيئاً من الأحكام الشرعية، كان بدهياً أن يجتهدوا من عند أنفسهم، ويضعوا النظم والوسائل لضبط الأمن والأحكام التي مهدت لقبول الياسق أو الياسة.
ومن الأمثلة على ذلك، ما ذكره ابن القيم في الطرق الحكمية، فجعل أن بعض الفقهاء منهم من لم يفهم حقائق الشريعة، فجعل البينة هي الشاهدين فقط، فإذا انتهك عرض إنسان أو سلب ماله في البر وأتى إلى القاضي أمره بإحضار شاهدين، ومن أين له ذلك وهو في البر، وبناءً على ذلك ضاع الحق، فأصبح الولاة لا يحيلون هذه الأمور إلى القضاة، فإذا لم يكن هناك شهود عذبوا الخصم بأي شكلٍ ما، ويأتون بشيخ قبيلته أو عشيرته ويعذبونه حتى يتبين أنه هو أو غيره، فيستخدمون وسائل كثيرة لاستخلاص الحقيقة، ويقول: لولا ذلك لما ضبط الأمر، لأنه لا أحد يجني جناية ويأخذ معه شاهدين، فبذلك تضيع الحقوق.
أما ابن القيم ﵀ فيقول: البينة ما أبان الحق، وكشف عنه أياً كان، حتى لو كان بالقرائن، كقرائن معينة تصل إلى حدِّ البينة، لكن لما ضاق الأمر من الناحية الفقهية، ومن ناحية القضاء ولابد للناس أن تضبط أمورهم، وكان الذين يضبطون الأمور جهلة بالشرع وبمقاصده، وشروط الاجتهاد ليست متوفرة فيهم، فضلاً على أن نقول: إنهم جهلة بالفقه، فلا فقه ولا اجتهاد.
ولكن لا بد أن يضبطوا الأمر، فضبطوه بهذه الوسائل التي أخذوها من تربيتهم العسكرية، وخاصة الترك السلاجقة ثم مَن بعدهم، لأنهم قوم متربون تربية قبلية عسكرية.
والقبائل إلى اليوم لها سلوم وسوالف وأحكام ونظم تطبقها، فأخذوا هذه الأنظمة ووضعوها مع الشرع، فقالوا: هذه شريعة وهذه سياسة، فإذا أحيل إلى القاضي وحكم عليه بحد من الحدود ولو بالتعزير، قالوا: هذه شريعة.
أما إذا كان الوالي أو مدير الشرطة أو ما أشبه ذلك، قالوا: هذا قتل سياسة، أو ضرب سياسة، أو صلب سياسية، أو يعلقون أخذ أموالهم من باب السياسة، فالأمة استمرأت هذا الوضع.
ولهذا لما جاء الحكام العادلون مثل نور الدين محمود ﵀، وأمر بإلغاء كل سياسة تخالف الشرع، ولا يحكم في صغير أو كبير إلا بأمر القضاة، وجعل مجلساً من القضاة والفقهاء والعلماء، فكان يستشيرهم في كل ما ينزل وهم يفتونه، انتظمت الأمور فكتب إليه بعض الناس، قالوا: إن أهل الفساد والدعارة وقطاع الطريق قد أفسدوا وفعلوا وفعلوا ولا يضبط الناس إلا نوع من السياسة، فكتب إليهم نور الدين ﵀.
إن الله قد شرع للخلق ما ينفعهم وما يصلحهم وهو أعلم بمصالحهم، وقد أكمل الدين فكل شيء يخالف شريعة محمد ﷺ فهو باطل، ولم يرجع عما أمر به، وذلك يعدُّ في مناقبه، فكان إذا جاء الحاكم العادل الذي يحكِّم الشرع لم يحتج الناس إلى هذه السياسة، وإن جاء حاكم جاهل أو ظالم أو جائر أخذ يستبد كما يشاء، وإذا أراد أن يحيل أمراً أحاله إلى القضاة، وقال: هذه شريعة وهذه سياسة.
وهكذا كان الحال قبل ظهور التتار وقدومهم، وقبل ظهور كتاب أو قانون الياسق، ثم تلا ذلك مرحلة قدوم التتار، فعندما جاء التتار حصل التشابه اللفظي بين السياسة التي هي مصطلح قديم وبين الياسق، أو اليسق، فخلط الناس بينهما، والياسق الذي جاء به جنكيز خان وقومه الذين وضعوه هدفه نفس مصطلح أو مدلول السياسة الذي كان مستخدماً في السابق.
ولهذا أنكر العلماء هذا التقسيم، مثل شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ وابن القيم في المدارج، وفي أكثر من موضع، قالوا: إن هذه القسمة في تقسيم الدين إلى سياسة وشريعة، وتقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة، كما قالت الصوفية: هذا محرم شريعةً جائزٌ حقيقة، وأولئك يقولون: هذا لا يجوز في الشرع، لكن يجوز أن يفعل سياسة، وكذلك تقسيم المتكلمين الدين إلى عقليات تثبت بالعقل، وسمعيات تثبت بالسمع، وغيرها من التقاسيم الباطلة.
لأن السياسة الحقيقية هي قسم من الشريعة، وليست قسيماً لها، والحقيقة هي الشريعة، والشريعة هي الحقيقة، فكل شيء خالف الشريعة فهو باطل، وإن سمي حقيقة أو سياسة.
وكذلك كل ما سمي أو قيل: إنه معقول ولكنه يخالف المنقول فهو باطل، فإن الدين الذي أنزله الله على رسوله ﷺ فيه الخير كله، وفيه الكمال كله، وتنتظم به مصالح العباد كلها في الدنيا والآخرة، ولا نحتاج إلى الزيادة عليه أبداً.
إذاً فهذا التقسيم باطل، لكن كانت القسمة عرفية واصطلاحية في كتب علم الكلام، وفي واقع الناس بالنسبة للسياسة، حتى جاء التتار وجاءوا بهذا الكتاب، ومما فعلته الباطنية كما ذكر العلماء في ذمهم أنهم لا يعدون الشريعة إلا سياسة مدنية، وهؤلاء كفار خارجون عن الدين بلا ريب، فيقولون: إن الشرع ما هو إلا سياسة مدنية وضعها عقلاء مفكرون عباقرة -الأنبياء- ينظمون مصالح العباد ولا نرى الشرع إلا سياسة مدنية.
стр. 2457
نشأة دولة التتار
ونرجع إلى كلام المقريزي حيث يقول: 'وليس ما يقوله أهل زماننا في شيء من هذا -أي ما يستخدمه أهل زمانه وهو الياسق أو الياسة ليس هو المقصود به السياسة بمعناها اللغوي- وإنما هي كلمة مغولية -المغول هم التتار- أصلها ياسة، فحرفها أهل مصر وزادوا في أولها سيناً، فقالوا: سياسة، وأدخلوا عليها الألف واللام فظن من لا علم عنده أنها كلمة عربية! وما الأمر فيها إلا ما قلت'.
وهذا هو رأيه، أي: هو كان يتكلم عن مصر، وكانت مصر قاعدة العالم الإسلامي في زمن المماليك.
ثم قال: 'واسمع الآن كيف نشأت هذه الكلمة حتى انتشرت بـ مصر والشام: وذلك أن جنكيز خان القائم بدولة التتر في بلاد المشرق، لما غلب الملك أورنك خان وصارت له دولة، قرر قواعد وعقوبات أثبتها في كتاب سماه: ياسة، ومن الناس من يسميه: يسق، والأصل اسمه: ياسة، ولما تم وضعه، كتب ذلك نقشاً في صفائح الفولاذ -فهذا خبيث، فمن اهتمامه بها أتى بصفائح، من الفولاذ ونقش فيها هذا القانون، وحفرها في الحديد- وجعله شريعة لقومه، فالتزموه بعده، حتى قطع الله دابرهم -فـ المقريزي يتكلم عن أمة قد قضت وانتهت- وكان جنكيز خان لا يتدين بشيء من أديان أهل الأرض، فصار الياسة حكماً بتاً في أعقابه، لا يخرجون عن شيء من حكمه'.
وأصبح قانوناً ملتزماً به لا يخرجون عن كلامه، وجنكيز خان بنفسه لم يأتِ للعالم الإسلامي، ولكنه مات ثم الذي اجتاح بغداد أولاده وأحفاده، لأن الحرب استمرت أولاً مع دولة خوارزم شاه -الدولة الخوارزمية في المشرق- وقاومهم السلطان جلال الدين في أكثر من خمسين معركة، وفي النهاية غلبوه، واجتاحوا بلاد المشرق، وهذا أيضاً بسبب ظلم المسلمين، لأن جلال الدين كان من السلاطين الظلمة، فكان يغزوا بلاد الفرس وينهب أموالهم، وإذ قيل له: لماذا تنهب المسلمين؟ قال: حتى أستعين بها على قتال التتار، فكان ظالماً.
وهكذا فإن الظالم يعاقب، والأمة المسلمة تعاقب على ظلمها بتسليط أعداء الله عليها، فالذي اجتاح بغداد هو حفيده هولاكو الذي وصل إلى بغداد، ثم بعد ذلك وصلت طلائعهم إلى بلاد الشام، وكانت معركة عين جالوت مع قسم من أقسامهم، وبعد عين جالوت انحسر شأن التتار، الذين جاءوا على شركهم، وخرجوا من بلادهم وهم على دينهم الأصلي، إلا أن هولاكو كانت زوجته النصرانية، ويقال: إنه تنصر، لكن التتار كأمة بقيت على دينها القديم: الوثنية، ثم غزاهم الإسلام ودخل قلوبهم شيئاً فشيئاً لما استقروا في بلاد الإسلام وأظهروا الإسلام، حتى كان سلطانهم قازان في أيام شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية -وأول ما أتى التتار كان شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ ما يزال حدثاً طفلاً، ثم لما أصبح شيخ الأمة كان الملك في أيامه قازان - قد أظهر الإسلام، ويقول: إنهم مسلمون، كما في الفتوى المشهورة، فتوى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ في التتار، ولكن أي إسلام؟ فإن الذي يدخل الإسلام في أي زمان ومكان يدخل في الإسلام بحسب ما عليه أهل ذلك الزمان.
стр. 2458
انحراف التتار في فهم الإسلام
ولذلك نجد أن الذين دخلوا في الإسلام أيام الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كان إسلامهم صافياً على الحقيقة، لأن الذين أدخلوهم فيه هم الصحابة، فجاء التابعون فكان كذلك أو أقل، وجاء من بعدهم فكان أقل، وفي أيام التتار كان يدخل الناس في الدين وفي التصوف والرفض والخرافات، وكان منهم خذابنذه الذي ترفض وكان شيعياً، أي: أصبحوا يتدينوا بدين المسلمين الموجود، ولا يعرفون حقيقة الإسلام، كما نجد هذا اليوم، حيث قد يأتي أمريكي يسلم ويدخل في دين الرافضة، أويكون زيدياً أويكون صوفياً أو أي شيء من جنس الموجود المعروض لديه.
فالتتار هكذا تدينوا ولكن لم يأخذوا الإسلام على حقيقته الخالصة الصافية النقية، فلذلك بقي عندهم تعظيم لـ جنكيز خان، وأيضاً أخذوا يعظمون الإسلام ورسوله ﷺ ، فصارت قاعدتهم كما كان ملكهم يقول: رجلان عظيمان محمد وجنكيز خان فكانت المساواة عنده، وهو يرى أنه بهذا قد أنصف الإسلام وأنصف النبي ﷺ ، ولو كان في زماننا هذا وصرح أحد زعماء أوروبا بأن النبي ﷺ مثل نابليون لقال الناس: هذا منصف، وهذا رجل فاضل.
وقدكانوا يقسمون الناس إلى أقسام معينة، فيسمون المتمسك بالدين: مسلماني، والذي يساير كل شيء يسموه: عسكري وقلندري، وأسماء كثيرة بعضها بلغتهم، وبعضها بلغة العوام.
والمقصود أنهم كانوا ينظرون إلى الناس والدين نظرة غير صحيحة، فغاية ما عندهم من تعظيم النبي ﷺ أنه رجل عظيم مثل جنكيز خان وهكذا، ولذلك أفتى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ في حقهم، وأصل الفتوى هو الياسق، وهو أنهم لا يتحاكمون فيما بينهم إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﷺ ، ولكن يتحاكمون إلى الياسق، وذكر -أيضاً- الأشياء الأخرى التي أشرنا إليها بالنسبة لهم.
стр. 2459
الأحكام التشريعية في الياسق
والشيخ ذكر بعض الأحكام في الياسق، ونتعرض إلى بعضها، كما في تاريخ ابن كثير ﵀، الجزء (١٣/ ١١٧) يقول: 'وممن توفي فيها من الأعيان جنكيز خان سنة (٦٢٤هـ)، وهو الذي وضع لهم السياسا -بالألف الممدودة- التي يتحاكمون إليها، ويحكمون بها، وأكثرها مخالف لشرائع الله تعالى وكتبه، وهو شيء اقترحه من عند نفسه، وتبعوه في ذلك، وكانت تزعم أمه أنها حملته من شعاع الشمس، فلهذا لا يعرف له أب، والظاهر أنه مجهول النسب'.
وشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ في فتواه عن التتار لما قالوا: إن جنكيز خان أعظم من الأنبياء، قالوا: هذا أمه حملت به من شعاع الشمس، فقال شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية: هذا إن ثبت فإنه يدل على أنه ابن زنا؛ لأنها لم يكن لها زوج، فكيف حملت؟ قالوا: من شعاع الشمس؟ والشمس لا تحبل امرأة! إذاً هذه زانية عاهرة حملت به وليس لها زوج فجاءت به، وإلى اليوم يعتقد اليابانيون وبعض الكوريين أن الامبراطور من نسل الشمس، والإله عندهم الشمس، والامبراطور من ذريتها، فلهذا يعتقدون أن في الامبراطور جزءاً من الألوهية تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
قال: 'وقد رأيت مجلداً جمعه الوزير بـ بغداد علاء الدين الجويني في ترجمته، فذكر فيه سيرته'.
ثم قال: 'وكان وفاته في سنة (٦٢٤هـ) فجعلوه في تابوت من حديد، وربطوه بسلاسل وعلقوه بين جبلين هنالك' قالوا: هذا لا يدفن في الأرض فربطوه وعلقوه، وهذه من خرافاتهم، ففي الهند يحرقونه، وعند اليابانيين والكوريين والتتار يدفنون معه كل أدواته حتى النظارات والكاميرا والقلم، ولما مات هيروهيتو دفنوا معه (٢٥٠) قطعة كما يقولون، ولكن كانوا يضعونها في تابوتٍ محكم قوي، من أجل أنه إذا قام يمكنه أن يستخدم أدواته التي كان يستخدمها في الدنيا، وهذا جنكيز خان كان شكلاً آخر.
قال: 'وأما كتابه الياسا فإنه يكتب في مجلدين بخط غليظ، ويحمل على بعير عندهم، وقد ذكر بعضهم أنه كان يصعد جبلاً، ثم ينزل، ثم يصعد، ثم ينزل مراراً حتى يعيي ويقع مغشياً عليه، ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذٍ'.
أي: إن الرجل كان به مس من الجن نسأل الله العافية.
قال: 'ثم ذكر علاء الدين الجويني نُتفاً من الياسا -من أحكام الكتاب- من ذلك: أنه من زنا قتل، محصناً كان أو غير محصن، وكذلك من لاط قتل'.
فكان نظاماً جاهلياً لا شك فيه، ولكن بالنسبة للأنظمة الأمريكية والإنجليزية يعتبر نظاماً راقياً، لأنه يعتبر الزنا واللواطة جريمة عقوبتها القتل، ولا فرق بين المحصن وغير المحصن، فقد كانوا يعتبرون الزنا واللواطة جريمةً، بخلاف الأنظمة الأمريكية، ففي أمريكا تقدم عشرين مليوناً إلى الرئيس ريجن يطلبون إباحة اللواط علانية، وأن يصبح لهم تمثيل خاص بهم في الكونجرس، فقاموا بمظاهرات كبيرة في نيورليانز وفي لوس أنجلوس وغيرها، وحطموا المباني، وقالوا: أين الحرية والديمقراطية التي يدعيها ريجن وتدعيها أمريكا، وهي تهدر حقوق عشرين مليوناً من شعبها، نسأل من الله العفو والعافية؟ فـ جنكيز خان أرقى من الأمريكان في هذا الشأن.
ثم يقول: ' ومن تعمد الكذب قتل أيضاً '.
فهي عقوبة جاهلية وقاسية رادعة، لكنها بالنسبة للقوانين الأوروبية المعاصرة تعتبر راقية، وتجد أن الغرب الآن يسيطرون على قوانين الإعلام كله في العالم، وخاصة الإعلام السياسي؛ لأن إعلام غير الغرب هو صدىً للغرب، وقائم على الكذب والتلفيق والاختلاط.
فالشاهد أن جنكيز خان يريد أن يضبط هذه القبائل الهمجية، فجعل من تعمد الكذب قتل و: 'من سحر قتل'.
وهذا موافق للشرع، وهذا -أيضاً- يترقَّى به هذا القانون الجاهلي الوضعي على قوانين الغرب؛ لأن السحر في الغرب لا عقوبة عليه، وكانت الكنيسة أيام سلطتها قبل الثورة الفرنسية في أوروبا يطاردون السحرة، ويحكمون عليهم بالقتل، وكان أكثر من يمتهن السحر هن النساء، فكل من قبض عليها تقتل، وفي القصص لـ شكسبير وغيره في الأدب الأوروبي الكثير من الكلام عن الساحرات وكيف يفعلن، لأنه كان جزءاً من حياة الغربيين، فهو جزءاً من حياة أي مجتمع لا يدين بالتوحيد ولابالعقيدة الصحيحة، بعقيدة السلف الصالح فلابد أن تجد فيه السحر، فكلما ضعفت العقيدةكلما اشتد السحر والكهانه والدجل والخرافة والعرافة إلى آخر هذه الأسماء.
فكانت العقوبة في أوروبا هي الإعدام حتى ظهرت القوانين الحديثة وألغت القوانين الدينية واعتبروا السحر مجرد هواية، ولذلك أكبر مقر للسحرة في العالم الآن رسمياً هو في وسط نيويورك، وفي مبنى ضخم جداً قريب من مبنى الأمم المتحدة، ويوجد فيه مركز كبير جداً للسحرة الذين يجتمعون من جميع أنحاء العالم ومن أمريكا خاصة ويتكهنون بأخبار الغيب والمستقبل ويتنبئون، ولهم كتب ونشرات ومجلدات واشتراكات؛ ثم تأتي لندن وباريس وتنشر هذا في كثير من الجرائد والمجلات، ثم تجد أن أي زعيم من زعماء الغرب الذين يدعون العلمية والموضوعية لا بد أن يتأثر بالساحرات، وكل رئيس لـ أمريكا - تقريباً - يوجد عنده كاهنة، وكاهنة ريجن كتبت مذكراتها، وكتبت زوجته مذكراتها، ونشرت في جريدة المدينة عندنا وقرأناها، فكيف ينشر هذا عند المسلمين دون ما إنكار؟! فهؤلاء الهمج الجاهليون والوثنيون والمغول كانوا في حكمهم في هذا الجانب أفضل من حكم هذه الشرائع الجاهلية الحديثة، وهو موافق للشرع ومأخوذ من الشرع: 'ومن تجسس قتل'.
وهذه -أيضاً- فيها عدالة وإنصاف، ولا شك أن التجسس جريمة في أي عرف، أما بالنسبة لتلك القبائل الهمجية فكان عندهم هذا الحكم، وإن كان مخالفاً لشرعنا إلا أن فيه شيء من حفظ الحق على الأقل.
أما الآن فالإنسان الغربي يعيش تحت سيطرة أجهزة التصنت، فالتجسس الذي يراه هذا الغربي المتحضر حقاً عادياً على الأقل من الناحية العرفية والواقعية، كان الوثنيون الجاهليون يعتبرونه جريمة ويعاقبون عليه بهذه العقوبة القاسية والمخالفة للشرع، ففي الشرع أنه إذا كان مسلماً وأخبر وأطلع الكفار على أحوال المسلمين فإنه يقتل، لكن التجسس بين الناس بعضهم على بعض فليست هذه عقوبته.
ثم قال: 'ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، ومن بال في الماء الواقف قتل، ومن انغمس فيه قتل '.
يقول القانونيون المعاصرون قاتلهم الله: إن قوانين القرون الوسطى كانت ظالمة، ومجحفة وقاسية في حقوق الإنسان، لكن القوانين الحديثة ميزتها أنها تعطي المتهم الراحة والرفاهية.
فدين الله تعالى هو دين الحق والوسطية، فالجاهلية إما أن تحكم بالقتل حتى على من بال بالماء، وإما أن تجعل من يمشي عارياً كما في أمريكا لا حرج عليه، قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] أما حكم الله فهو الحق والعدل والوسط في كل شيء.
فهذا كان بالنسبة للماء.
' ومن أطعم أسيراً أو سقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل'.
لأنهم أمة حرب كل عملهم حرب فليس إلا العقوبات.
'ومن وجد هارباً فلم يرده قتل، ومن أطعم أسيراً أو رمى إلى أحدٍ شيئاً من المأكول قتل، بل يناوله من يده إلى يده -وإلا يقتل- ومن أطعم أحداً شيئاً فليأكل منه أولاً، ولو كان المطعوم أميراً لا أسيراً -حتى يطمئن بأنه ليس فيه سُمّ- ومن أكل ولم يطعم من عنده قتل، ومن ذبح حيواناً ذُبح مثله -إذا ذبحه ويقصد الذبح العادي- وقال بل يشق جوفه، ويتناول قلبه بيده يستخرجه من جوفه أولاً يقول جنكيز خان: الذي يذبح الحيوان بطريقة الذبح المعروفة يذبح كما يذبح الحيوان، لأن شريعته تقول: لا بد أن يذبح الجوف ويستخرج القلب، وبعد ذلك يموت الحيوان، فهكذا أملى له هواه وسولت له نفسه الخبيثة'.
стр. 2460
حكم القوانين الوضعية والتحاكم إليها
قال: 'وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام'.
وقضية التشريع من أصلها هي حق لله ، لكن الأحكام فيها الموافق وفيها المخالف.
قال ابن كثير: 'فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله ﷺ خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر'.
مثل شريعة التوراة والإنجيل حتى لو فرضنا أننا وجدنا نسخة من التوراة لم تحرف أو تبدل ولم يغير فيها كلمة، وجاء إنسان وقال: هذا كتاب أنزله الله نتحاكم إليه، ووضعه قانوناً، فعند ذلك نقول: هذا كافر بلا ريب وليس بمؤمن بالقرآن، فيقول: هذا في الشرائع المنسوخة: 'فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟! فمن فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين -فالذي يُقدم شرعاً آخر وهو شرع وضعي أكفر من الذي يُقدم شرعاً منسوخاً، فهو كافر بإجماع المسلمين- قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠]، وقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥] '.
قال: 'ومن آدابهم -هذه ليست في الياسق لكنها آداب كان التتار يتعاملون بها الطاعة للسلطان غاية الاستطاعة، وأن يعرضوا عليه أبكارهم الحسان ليختار لنفسه ومن شاء من حاشيته ما شاء منهن -قاتلهم الله وقبحهم- ومن مر بقوم يأكلون فله أن يأكل معهم من غير استئذان، ولا يتخطى موقد النار ولا طبق الطعام، ولا يغسلون ثيابهم حتى يبدو وسخها، ولا يكلفون العلماء بكل ما ذكر شيئاً من الجنايات، ولا يتعرضون لمال ميت '.
إلى آخر ما ذكر، وذكر بعد ذلك شيئاً من أخباره، وكيف كان يقيم دينه وشريعته الياسق.
стр. 2461
القوانين الوضعية في القرن العشرين
وبعد أن ذكر الشيخ أحمد شاكر الجملة الأخيرة من كلام ابن كثير، ﵀ قال: 'أقول: أفيجوز -مع هذا- في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوروبا الوثنية الملحدة؟ بل بتشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة، يغيرونه ويبدلونه كما يشاءون، لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها'.
فهو يقيس وضعنا الحالي على حالة جنكيز خان والياسق، وكيف ابتُلي المسلمون بهذا -نسأل الله السلامة والعافية- وكيف دخل أثر هذه القوانين إلى الناس.
стр. 2462
فساد القوانين الوضعية
ولعلنا نستعرض بعض الأمثلة، ثم نكمل بقية كلام الشيخ أحمد شاكر، فلقد نشر في جريدة المسلمون العدد (٣٢٨)، بقلم الشيخ محمد الغزالي، يقول: للقوانين الوضعية أثر عميق في إفساد الأمم التي نكبت بها، لا سيما إذا كانت هذه القوانين قد جاءت مع استعمار حاقد على الإسلام مكذب لنبيهم، ومضاد لتعاليمه وقيمه إنه في الحالة هذه يريد زلزلة العقيدة والشريعة معاً، وتدريب الأفراد والجماعات على تحليل الحرام، وتحريم الحلال، وإنشاء تقاليد جديدة تألف الخمر، والخنا والربا ووسائل الآثام التي يستهين بارتكابها أو يستحله.
والقصة التي أحكيها الآن كنت أحسب العلم ببواعثها حكراً على جمهور القضاة والمحامين، حتى فوجئت بأنها معروفة لدى العمال والفلاحين، فأدركت أن الفساد في مجتمعنا قد رسب في القاع بعد ما لوث السطح، وأذكر القصة التي بعث بها إلي الأستاذ فلان.
قال: منقول عن جريدة الأخبار، القصة تقول: تلقى العميد السيد البدوي -مدير مباحث الدقهلية - بلاغاً من أهالي كوم النور قرية مركز بيت غمر، أنه تم ضبط فاطمة علي حسن عمرها عشرين سنة، وهي تحاول سرقة جاموسة، وهرب شريكها في الحقول، وكانا يريدان أن يسرقا جاموسة، وأمام العقيدين محمد شعيشع ومحمد أنور اعترفت المتهمة فاطمة علي حسن: أولاً: بأنها كانت تقضي بين الحقول وقتاً سعيداً مع صديقها في الزريبة، ولم تكن تحاول السرقة، وتطلب من رجال المباحث التستر عليها حتى لا يعلم زوجها، ويطلقها حفاظاً على الأسرة والأولاد، فقالوا لها: لماذا هربت؟ قالت: كان معي رجل -حتى اعترفت بالفاحشة والعياذ بالله- فهربت حتى لا تُعرف جريمتها فالقضية قضية زنا، وترجو التستر عليها؛ لأنه لو اطلع الزوج فيمكن أنه يقيم دعوى فينهدم البيت.
يقول: ولكن تحريات الرائدين رشدي فودة، وجابر الدين وهما رائدين جيدين، قالوا: لا، فالزنا ليس هو القضية، لأن القضية أهم، فقاما بالتحريات حتى أثبتا أن شريكها في السرقة هو زوجها محمد عبد العاطي وعمره اثنان وعشرين سنة، ومهنته فلاح، وهي تريد التستر عليه بهذه القصة الغريبة، وتم ضبط الزوج الذي اعترف بالسرقة، فقرر عبد العزيز حبيب وكيل النيابة حبسهما على ذمة التحقيق أربعة أيام.
ثم يقول: هل لاحظت شابة تصف نفسها بالزنا مع صديق، وتقول: هذا مجرد زنا وليس هناك جريمة، وتطلب من المباحث التستر عليها خشية أن تنكشف محاولتها بالسرقة بالاشتراك مع زوجها الذي ادعت أنه صديقها، وهذه الشابة تجهل القراءة والكتابة كما هو الغالب في المناطق الريفية.
يقول الشيخ: ولكنها تعرف بالتأكيد أن الزنا في مصر لا عقوبة عليه إذا تم برضى الطرفين، وبشرط أن يكونا بالغين فهي في العشرين من عمرها، وهو في الثانية والعشرين من عمره، وهي تعلم أن هذا أهون بكثير من السرقة التي يعاقب عليها بالحبس أو السجن، وهي تعترف لضباط المباحث وقد نضب الحياء من وجهها بأنها كانت بالزريبة بقصد الزنا مع صديقها المزعوم، وتطلب بكل وقاحة من المباحث أن تتستر عليها.
يقول الشيخ: وفي الماضي كانت الفلاحة تُفضِّل الموت على أن يقال لها: زانية! فما الذي حدث في مصرنا العزيزة منذ قيام الثورة العلمانية المباركة، حتى انقلب كل شيء رأساً على عقب في هذا البلد المسكين.
يقول الشيخ الغزالي: وقد عجبت مما عجب منه الأستاذ محمد عبد الرحيم -الذي أرسل له- فعجبت من علم فلاحة في إحدى القرى القصية أن القانون الوضعي يبيح الزنا، وإن كان يرفض الإكراه عليه.
يقول: وتعرف هي أن الزوج إذا سكت عن جريمة زوجته التي زنت فإن القانون الديوث لا يتدخل حماية للأسرة، فيترك المرأة تتبع صاحبها الوغد يعيشا في بيتهما الموبوء، وبقية الافتراضات القانونية معروفة، فإن الشخص الزاني إذا قتل الزوج الغضبان الثائر سقطت دعوى الزنا بوفاته، ثم اعتبر القاتل مدافعاً عن نفسه، ويضيع دم القتيل الشريف عياذاً بالله.
يقول: ولست أدري إلى متى يظل المسلمون بعيدين عن دينهم وشرعهم وشرفهم في ظل قانون وضعي، فرضه الاحتلال الأجنبي الكفور، واستبقاه الغزو الثقافي الذي خدر الناس، وأمات في دمائهم دون أدنى مقاومة.
стр. 2463
محابة الشريعة الإسلامية
ونشر أيضاً في جريدة الأخبار المصرية المستشار القانوني سعد العيسوي، يقول: إن صح ما قرأت فهو خطأ في تطبيق القانون.
وهذا الرجل سمع ما قضت به إحدى المحاكم بجلد متهم ثمانين جلدة جزاء سكره وسيره في الطريق العام مخموراً.
يقول: إن صح ما قرأت في الصحف عن أسباب هذا الحكم؛ فأقول إجابة على سؤالك: إن هذا الحكم من تلك المحكمة وهي جنائية، قد أصابه الخطأ والعوار من نواحي عديدة.
والقضية أوضحها لكم بإيجاز: قاضي مسلم أحس في نفسه بأن بلدنا مسلم، ولا بد أن نكون مسلمين، وهو بإحدى المحاكم الابتدائية -أظنها في جنوب القاهرة كما في الجريدة- فقال: لماذا لا يطبق الإسلام في بلادنا، وعندنا مادة في الدستور، تقول: إن الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع؟! فالمادة الدستورية هذه عندهم تقضي على اللوائح التفصيلية، وهذا معروف عندهم، فالدستور أعلى مرتبة ثم القانون ثم اللوائح، فقال: الدستور يجعل الشريعة مصدراً من المصادر، فلماذا أنا لا أحكم على هذا السكران بالجلد بحسب الشريعة، وأسند الحكم إلى المادة الثانية من الدستور؟! فإذا سألوني قلت: أنا ما أتيت بشيء خارج عن الدستور، وأنا حكمت بمقتضى الدستور، والدستور يجعل الشريعة هي المصدر، وأنا حكمت بحكم الشرع، فيجعلهم في حرج، ويرى هل فعلاً سيلتزمون بحكم الله؟! فأقدم على هذا العمل، فحكم بجلد الشخص ثمانين جلدة.
فحدثت ضجة كبيرة في البلد، وكتب هذا المستشار يقول: هذا الحكم خطأ، وباطل من عدة وجوه: أولاً: أن من كتبه وقضى به ونطق به حنث في يمينه القضائي، وهو يمين يتعين على كل من يتولى وظيفة القضاء أن يقسمه، سواءً كان في أول سلم العمل القضائي كمعاون نيابة، أو في أعلى مناصب القضاء وهو رئيس محكمة النقض، وهذه اليمين نص عليها في المادة (٧١) من قانون السلطة القضائية، ونصه: 'أقسم بالله العظيم، أن أحكم بين الناس بالعدل، وأن أحترم القوانين، وحكم العدل، واحترام القوانين يتضمن أن أقضي في الواقع المعروض بالعقوبة الملآئمة في حدود القانون المطبق'.
قال: فهذا الرجل حنث في اليمين، فهو حلف أنه يطبق القانون ثم ذهب يطبق الشريعة فهو حانث في يمينه.
ثانياً: أن من قضى بهذا الحكم، وصح أنه فعل ذلك، فقد خالف نصاً في الدستور، وهو نص المادة (٦٦) أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، ولا يقال في ذلك: إنه حد السكر شرعاً، وأن الشريعة الإسلامية هي الأولى بالتطبيق، فيقول: لا يقال ذلك؛ لأن الشرع يطبق قوانين مكتوبة ومقررة، وليس للقاضي أن يعمل غيرها من لدنه مهما اختلفت مع معتقده الديني أو السياسي -نعوذ بالله من الكفر- إلى آخر ما قال.
ثم يقول: وأفصح المشرِّع عن ذلك صراحة في المادة الأولى من التقنين المدني، بأن القاضي يطبق القانون، فإن لم يجد في نصوصه ما ينطبق على الواقعة طبق العرف، وإن لم يجد طبق أحكام الشريعة الإسلامية، وإن لم يجد طبق القانون الطبيعي وقواعد العدالة، فحينئذٍ قال: هذا لا يجوز، ولا يقبل من القاضي جنائياً أن يُحرّم فعلاً لا ينص القانون على اعتباره جريمة، فلا يقبل منه أن يقضي بعقوبة لم ينص عليها القانون إلى آخره.
ثالثاً: إن هذا القائل بهذا الحكم، أخطأ عدة أخطاء في مجال القضاء والحكم، منها: أنه جعل من أسباب الحكم مجالاً للتعبير عن المعتقدات الدينية والسياسية، ولو فتحنا هذا الباب فسيأتي كل إنسان يطبق شيئاً ويقول: هذا موافق للشريعة، مما ينتج عنه ضياع الدولة -نعوذ بالله من الخذلان- ثم يقول: ولو كان القانون يسمح بذلك المسلك لأدى الأمر إلى فوضى، فهذا يحكم بالجلد طبقاً لمعتقده، وذاك يحكم بغيره طبقاً لمعتقده، وهو يرى أن الحكم لا بد أن يكون بالقانون.
رابعاً: من أسباب ومبررات بطلان هذا الحكم: أن هذا الحكم يدل على أن كاتبه أو قائله لا يعرف شيئاً عن علم العقاب -فهو يقول: هذا قاضٍ جاهل لا يعرف شيئاً عن علم العقاب- قال: فهذه الجريمة من الجائر الحكم فيها بهذا، لأنه يمكن الحكم فيها بالحبس ستة أشهر.
وهذا القاضي لم يحكم من عند نفسه، بل هذا الحكم في شريعة رب العالمين ، فالتهمة موجهة إلى الله -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- ثم بعد ذلك فصلوا هذا القاضي من العمل.
فقدم دعوى وتظلم، وقال: أيها الناس! أنا حكمت بمقتضى الدستور، ولم أخالف الدستور، فقالوا: لا هذه مخالفة، ورفض التظلم، وتمت العقوبة التي عوقب بها.
فالشاهد بعد ذلك، أنه عرض الموضوع وصار قصة طويلة، وانتهى الأمر بأن القاضي أدين لأنه حكم بحكم من أحكام الشريعة الإسلامية، ونشر بالصحف هذا الهجوم الشديد بأن هذا العمل غير قانوني ويؤدي إلى فوضى.
стр. 2464
خطر القوانين الوضعية
وبعد هذه القصة نرجع إلى كلام الشيخ أحمد شاكر ﵀.
يقول: 'إن المسلمين لم يُبلَوا بهذا قط فيما نعلم من تاريخهم -أي: بتحكيم القوانين الوضعية- إلا في ذلك العهد، عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام، ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غلب الإسلامُ التتار، ثم مزجهم فأدخلهم في شرعته، وزال أثر ما صنعوا، بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم، وبأن هذا الحكم السيء الجائر كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك، لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة، ولم يتعلموه'.
فكان خاصاً بالحكام التتار ولم يندمج في الأمة، أما الآن مثل قصة هذه الفلاحة فاطمة علي حسن فقد اندمج القانون الوضعي كقانون نابليون بالأمة، حتى عرفته الفلاحة في أقصى الريف الجاهلة بأنه لا عقوبة عليها.
يقول الشيخ أحمد ﵀: إن قانون التتار لم يندمج بالأمة: 'ولم يتعلموه ويعلموه أبناءهم، فما أسرع ما زال أثره'.
أما الآن فقد جعلوا له أقساماً: أقسام القانون، وأقسام العلوم الاقتصادية، وأقسام الأنظمة وأقسام كثيرة أخرى، وهي في الحقيقة قانون وضعي، وتدرس كل شرائعه.
يقول: 'أفرأيتم هذا الوصف القوى من الحافظ ابن كثير -في القرن الثامن- لذلك القانون الوضعي، الذي صنعه عدو الإسلام جنكيز خان ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر؟ -ونحن دخلنا الخامس عشر، فالله المستعان- إلا في فرق واحد -بين قوانين جنكيز خان وبين قوانين اليوم-: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أتى عليها الزمن سريعاً، فاندمجت في الأمة الإسلامية، وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالاً وأشد ظلماً وظلاماً منهم، لأن أكثر الأمم الإسلامية -الآن- تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة، والتي هي أشبه شيء بذاك الياسق الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر، هذه القوانين التي يصطنعها ناسٌ ينتسبون للإسلام، ثم يتعلمها أبناء المسلمين، ويفخرون بذلك آباءً وأبناءً'.
فالواحد منهم إذا أصبح ولده مستشاراً فهذا منصب عالٍ ورفيع، أما إذا كان -مثلاً- عضواً في محكمة النقض فهذا أعلى، أو رئيس محكمة النقض، أو رئيس المحكمة العليا بالبلد فهذا يعادل رئيس الجمهورية، ويعادل رئيس مجلس النواب في المرتبة، فهذه منزلة عظيمة جداً عندهم لجميع المجتمعات التي تحكم بالقوانين الوضعية.
يقول: 'هذه القوانين التي يصطنعها ناس ثم يجعلون مرد أمرهم إلى معتنقي هذا: الياسق العصري!! ويحقرون من يخالفهم في ذلك، ويسمون من يدعوهم إلى الاستمساك بدينهم وشريعتهم رجعياً، وجامداً! إلى مثل ذلك من الألفاظ البذيئة، بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقي في الحكم من التشريع الإسلامي، يريدون تحويله إلى: ياسقهم الجديد، بالهوينا واللين تارةً، وبالمكر والخديعة تارةً -مثل قانون الأحوال الشخصية وتعدد الزوجات، وحتى ما كان في صلب الأحوال الفردية أيضاً، أدخلوا فيه هذه القوانين الوضعية- وبما ملكت أيديهم من السلطات تارات، ويصرحون -ولا يستحيون- بأنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين!! أفيجوز إذاً -مع هذا- لأحدٍ من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد؟! أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده والعمل به، عالماً كان الأب أو جاهلاً؟! '.
لا يجوز أبداً، ومع الأسف الشديد أن المحامي والقاضي الوضعي من أثرى طبقات المجتمع، وهذه الطبقة من أهم الطبقات، ومن أشدها ثراءً في جميع دول العالم.
стр. 2465
القوانين الوضعية كفر بواح
يقول: 'أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا: الياسق العصري، وأن يعمل به ويعرض عن شريعته البينة؟! ما أظن أن رجلاً مسلماً يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلاً، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله ﷺ كتاباً محكماً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به ﷺ واجبة قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول؛ بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلاناً أصلياً، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة!! '.
والقضاء باطل، وأحكامه باطلة، ولا يجوز لمسلم أن يتولى القضاء في هذه الأنظمة الطاغوتية.
يقول: 'إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداراة، ولا عذر لأحدٍ ممن ينتسب للإسلام -كائناً من كان- في العمل بها، أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه، ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين، وليبلغوا ما أمروا بتبليغه غير موانين ولا مقصرين' رحم الله الشيخ أحمد هكذا ظن بالعلماء، لكن سمعنا عن المفتي الجريئ الشجاع الذي أحل فوائد الربا، وأحل كل شيء حرام نسأل الله العفو والعافية.
قال: ' سيقول عني عبيد هذا: الياسق العصري وناصروه، أني جامد، وأني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألا فليقولوا ما شاءوا فما عبئت يوماً بما يقال عني ولكن قلت ما يجب أن أقول '.
فقد بيّن ﵀ ما يجب عليه أنه يبرأ منه، وبين لأمته حقيقة الأحكام والقوانين، فقد ذكر بأنها كفر بواح، واضح وضوح الشمس، لا مداراة فيه ولا مداهنة: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] فالله سمَّى ما عدا حكمه جاهلياً أياً كان، فأحكام الياسق جاهلية، وأحكام قريش جاهلية، وأحكام القانون الفرنسي جاهلية، والقانون الأمريكي جاهلية.
فالحكم حكمان: إما حكم الله، وإما حكم الجاهلية، وليختر الإنسان ما يشاء، ولتختر الأمة، فإن اختارت حكم الله كانت أمة مؤمنة مسلمة موحدة مطيعة شاهدة بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، والأمة التي تحتكم إلى غير شرع الله، وإن ظنت أنها تقول: إن الله موجود، وإن الدين حق، وأنها تصوم وتحج وتصلي إلى غير ذلك، فهي أمة تحتكم إلى شرائع الجاهلية، وتستحق أن تسمى أمة جاهلية، مهما كانت بها من الحضارة، أو من الرقي، أو من التقدم المادي كما يزعمون، فالقسمة ثنائية ولا ثالث لها.
إما أن يستقي الناس أحكامهم من حكم الله ومن دين الله، وإن كانوا يُخطئون، فالكل قد يُخطئ، فالقاضي المسلم قد يحكم وقد يفهم خطأً لكنه مستمد من دين الله، وأما أن يستمد من غير حكم الله فهو جاهلي.
وهذه الكلمة كلمة شرعية، فكلمة الجاهلية مصطلح شرعي متداول معروف في الكتاب والسنة، والنبي ﷺ قال لـ أبي ذر رضي الله تعالى عنه لما عيّر رجلاً بأمه، قال له: يا ابن السوداء! فقال ﷺ : ﴿إنك امرؤاً فيك جاهلية﴾ فهذا هو المعيار، فمن كانت عنده أحكام الجاهلية، قلنا: إنه رجل جاهلي نسأل الله العفو والعافية.
стр. 2466
النهي عن موالاة اليهود والنصارى
وبعد آيات الحكم والتشريع مباشرة تأتي آيات الولاية، والسورة مترابطة محكمة، فبعد الإنكار على القوانين الوضعية، يأتي النهي عن الولاية والموالاة للكافرين، فيقول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ [المائدة:٥١ - ٥٢] فيحذِّر الله من ولاية اليهود والنصارى لأنهم أعداء، ويبين الله ﵎ حقيقة هذه العداوة، فيقول: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١] فهم متعاونون في القديم والحديث وفي كل زمان ومكان.
مثلاً أثيوبيا فيها أربعون مليون مسلم لم يتألم أحد لما يجري لهم، وفيها أربعة عشر ألف يهودي يتدخل الرئيس بوش لإيقاف الثوار عن دخول أديس أبابا، حتى تتم عملية موسى، وهي عملية نقل اليهود من أديس أبابا إلى إسرائيل، والعالم الحر الذين يحملون راية الديمقراطية والحرية، ومشعل الحرية في نيويورك الذي يفتخرون به لا يهمه أربعين مليوناً يسحقون من أيام هيلاسيلاسي، ثم أيام الحكم الشيوعي البائد، ثم -الآن- الجبهات الاشتراكية النصرانية الخبيثة، فكلها تسحق الأكثرية المسلمة، وتدمرها وتقتلها جوعاً، فلننظر ماذا قدموا لليهود وماذا قدموا للمسلمين؟ أولاً: أيام الإغاثة اهتموا بإغاثة الأجزاء الصليبية -فقط- من الحبشة، فالطائرات تنزل المعونات الغذائية في المناطق النصرانية، والقرى المسلمة تموت من الجوع، فلما جاءت واحتاجت إسرائيل للفلاشا وعملية موسى أيام الهالك النميري، والذي خطط لها وأشرف عليها بوش حين كان رئيس الاستخبارات، وهو الذي خطط لعملية موسى فرحَّلوا الدفعة الأولى ثم رحَّلوا الدفعة الثانية، فتدخل رئيس أكبر دولة في العالم، حاملة لواء الحرية، وشرطي العالم الكبير تدخل لتأخير الثوار حتى لا يدخلوا العاصمة من أجل أن يرحل (١٤) ألف يهودي، والطائرات تأتي من إسرائيل وتنقلهم جميعاً، وبعد ذلك لا يبالون عن الذي مات أو عاش، والجبهة المسلحة التي تقتحم البلد جبهة نصرانية، والضحايا سيكونون من المسلمين، ولا إشكال في ذلك، فبعضهم أولياء بعض، فهل نصدق دعاوى حقوق الإنسان والعدالة والمساواة والنظام الدولي الجديد ونحوه، أو نصدق الله؛ ثم نصدق الواقع الذي ينطق كل لحظة؟ ولا يمكن أن يخالف ما ذكر الله : ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٥١] فلا زجر ولا عقوبة أكثر من هذا.
стр. 2467
خطر تولي اليهود والنصارى
ثم يبين الله السبب الذي من أجله يتولى بعض المسلمين الكافرين: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة:٥٢] فهذا عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن معه، قالوا: (يا محمد ثلاثمائة دارع وحاسر تقتلهم في غداة واحدة وهم حلفائي، إني امرؤ أخشى الدوائر) فهذه حدثت في التاريخ، ولكن هل هي الحادثة والقصة الوحيدة التي تقال أم في كل زمان ومكان؟! فمن كان في قلبه مرض فسيسارع إلى قوانينهم وتبرجهم وحضارتهم وأنظمتهم وتوليهم وإلى أن يكون معهم، وهذا في كل زمان ومكان، فليحذر المسلمون أشد الحذر من هذا.
ولتتأمل الأمة ماذا قال الله ﵎ بعد أن ذكر هذه الآية، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِه﴾ [المائدة:٥٤] أي: من يتبع قوانينهم وتشريعاتهم ومن يتولهم ويرتد عن دينه فسيصبح كالكفار، ثم سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، فهذا دين الله، وليحفظن الله هذا الدين حتى يبلغ ما بلغ الليل والنهار وليرتد من يرتد، وليتولِ الكفار من يتولهم، وليفعل من شاء كما يشاء، فالله غني عن كل الناس، وله جنود يصطفيهم ويختارهم، ولا يبالي بمن عداهم أبداً.
فإذا ارتدت أمة أو جيل أو ولاية، وتابعوا الكفار والمشركين، فعند الله البديل، فـ: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ [المائدة:٥٤] أول صفاتهم: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] فلا يحبون الكفار ولا يوالونهم ويحبهم ويحبونه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٤] فهم أذلة على المؤمن مهما كان حاله، فهو يحبه سواء كان أسود أم أبيض، غني أم فقير، في أقصى الهند أم في أقصى الفلبين، و: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] ولو كان من كان من الكفار، فنحن أعزاء، وليس كحال المسلمين اليوم، فالمسلم يُهان ويُذل، والكافر يعظم ويجل حتى في الشارع والطريق -إلا من رحم الله- فأكثر المسلمين اليوم إذا رأوا أنك مسلم، وإذا رأوا أن الرجل أتى من الهند مثلاً أو من الصين وهو مسلم فلا قيمة له، وإذا قال: رجل غربي أو أوروبي أمريكي فتجد أن جميع الناس يحترمونه ويقدرونه -سبحان الله- فهل هذا يكون في قوم صفتهم يحبهم ويحبونه؟! فمحبة الله لا تنال بالدعاوي، محبة الله غالية: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١] فاتباع النبي ﷺ ظاهراً وباطناً جهاداً ودعوةً، علماً وعملاً، تورث ذلك: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٥٤] فهم يرفعون راية الجهاد: ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤] وهذا الذي يصلح فيه ما قاله الشاعر:
أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمني اللوم
إذا كنت تعمل لله فليلمك الناس في الله، ويقال: هذا إنسان يُطبق السنة، أو ملتزم، أو يعادي الخواجات، أو يكرههم، أو متشدد ومتطرف وأصولي، وكل كلمة لا تهمك، فليلمك اللوم مادام غرضك ومرادك وجه الله ، فلا تبال بهم لأنه لو كانوا يبالون بلومة اللآئم، ولو كانوا تأخذهم في الله لومة لائم، لم يكونوا محبين لله، فمن يحب الله لا يبال بالخلق أبداً.
وكلٌ واحد منَّا ينظر في نفسه، فأنت إذا أحببت أحداً من زملائك أو من أصدقائك أو زوجتك أو أي إنسان فإنك لا تسمع ما يقال فيه، ولو قيل: اتركه، ولا خير فيه، فوالله إنك لا تبالي لأنك أحببته، فكيف بمن أحب رب العالمين ، ومن كان من أوليائه.
والله لم يجعل هذه المحبة مجرد أمركما يظن كثير من الناس، فإن الله عندما يحبهم يجعل لهم قيمة ومنزلة ويكرمهم ثم يدخلهم الجنة، ويرون وجه الله ، فإن العبد إذا أحب ربه وأحبه ربه صار من أولياء الله، والله تعالى يقول في الحديث القدسي: ﴿من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب﴾.
فليتق الله هؤلاء الصحفيون والدجالون وأصحاب المجالس، وكل من يعادي من يدعو إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ .
والحمد لله رب العالمين.
стр. 2468
من أعمال القلوب: (اليقين)
بدأ الشيخ حفظه الله هذه المادة بالحديث عن ضرورة الاهتمام بأعمال القلوب، مبيناً أن الإيمان هو أعظم أعمال القلوب، موضحاً خلال ذلك أقسام القلوب مع التمثيل عليها، ثم تحدث عن الأسباب التي أدت إلى ضلال الأمة فيما يتعلق بأعمال القلوب، وموقف أهل البدع منها.
стр. 2469
علاقة العلم بأعمال القلوب
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: نسأل من الله الكريم رب العرش العظيم أن يمنَّ علينا بحلاوة الإيمان وبرد اليقين، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يحسن عاقبتنا في الدنيا والآخرة إنه سميع مجيب.
فبعد أن تكلمنا عن أهمية عمل القلب، نتكلم في موضوع آخر متعلق بأعمال القلوب وهو موضوع عظيم جداً لمن فقهه الله ﵎ في الدين، وهو غاية المتقين وغاية العباد، التي سَمر لها المجتهدون، وتنافس فيها المتنافسون، والتي بها يتفاوت الخلق أجمعون، ألا وهو: اليقين.
وقد يُسأل لِمَ بدأتم باليقين قبل غيره من أعمال القلب؟ فنقول: إن أعمال القلب وهي بالأهمية والمثابة التي تحدثنا عنها في الدرس السابق من سلسلة أعمال القلوب وبينا فضلها وقدرها وعظيم شأنها، وأهميتها، وهي في حقيقتها تبدأ جميعاً بعمل واحد ألا وهو العلم.
فالعمل الذي تبدأ به أعمال القلوب جميعاً هو العلم.
ولذلك الإمام البخاري ﵀ جعل ترجمة في صحيحه: ' باب العلم قبل القول والعمل وقول الله ﵎: ﴿فَاْعلَمْ أَنَّهُ لاْ إِلَه إِلاْ الله وَاْسّتَغْفِرْ لِذَنْبِك﴾ [محمد:١٩] ' فأول ما يطرق قلب المؤمن من معرفة الرب ﵎ والإيمان به هو العلم، وهو أن يعلم أنه لا إله إلا الله، وهذه هي شهادة الحق التي فسر بها بعض السلف قول الله ﵎ ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] وهي: الصدق الذي فسر به بعض السلف أيضاً قول الله ﵎: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر:٣٣] وهي أيضاً الكلمة الباقية التي يفسر بها قول الله ﵎: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف:٢٨].
العلم بأنه لا إله إلا الله، والعلم بأن الله ﵎ حق، وأن النار حق، وأن الجنة حق، وأن البعث بعد الموت حق، وأن الرسل حق، وكل ما أخبر الله ﵎ به أو أخبر به رسوله ﷺ من أمر الغيب حق.
لكن هذا العلم أو هذه المعرفة بالله ﵎، تخرج الإنسان إذا اعتقدها اعتقاداً جازماً عن الشك وعن الريب، كما قال الله ﵎: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢] فهذه تخرج الإنسان عن حد الريب والشك والظن ليصبح مؤمناً بالله ﵎.
стр. 2470
علاقة العلم باليقين
إن العمل القلبي الذي هو زيادة واستمرار ونماء لهذا العلم ولهذه المعرفة هو اليقين، فإذاً نستطيع أن نستنتج نتيجة وهي: أنه ليس كل عالم موقن.
فالذين يعلمون أنه لا إله إلا الله ولا ريب عندهم في ذلك، بل لديهم القدر الذي يخرجهم من حد الشكوك والريب، هم كثير، لكن المؤمنين منهم بصفات اليقين التي نريد أن نتحدث عنها، والتي هي المقصود والغرض في هذا الموضوع هم قليل، فالموقنون قليل، ويقابل ذلك في الأعمال الظاهرة أن المسلمين كثير.
ونعني بالمسلمين الملتزمين بأداء ما افترضه الله ﵎ من الأركان الظاهرة، كما جاء في حديث جبريل ﵇، فهم يشهدون بأن لا إله إلا الله، ويصلون، ويصومون، ويحجون ويزكون، إلى آخر ذلك، ولكنهم لم يرتقوا إلى درجة الإيمان، كما قال الله ﵎ عن الأعراب ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤].
وأعلى من ذلك درجة الإحسان، فنحن هنا نتكلم عن اليقين، باعتباره الإحسان في باب العلميات وفي باب الاعتقادات، كما أن الإحسان الذي فسره حديث جبريل ﵇ في قوله ﷺ : ﴿أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك﴾ وهذا في العمليات، وإن كان لا انفكاك ولا انفصال بين العلميات وبين العمليات، لكن اليقين يطلق على ما هو من خصائص عمل القلب بالدرجة الأولى، وتكون أعمال الجوارح ثمرة له، وتكون مما يصدقه ويزيده وهو يزيدها، كما سنبين ونوضح إن شاء الله ﵎.
فإذاً العلم هو أساس اليقين، وأما ضده ونقيضه فهو الشك والريب، ولهذا يقول المشركون في إيمانهم بالساعة: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢] أي: ليسوا على يقين وإنما هم في ظن، وهذا الظن خالطه الشك بمعنى الريب.
لأن الظن يأتي بمعنى العلم كما في قوله تعالى: ﴿فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف:٥٣] وما أشبه ذلك، لكن المقصود هنا: ما كان فيه شك، فهؤلاء هم أصحاب الشك في الآخرة: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] أو في شك من الله ﵎ الذي قال: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ [إبراهيم:١٠]، تعالى عن ذلك في أي أمر من أمور الغيب، فهذا الشك وهذا الظن ينزل أصحابه عن درجة اليقين بل عن درجة العلم.
стр. 2471
منزلة اليقين وتجليها في الخليل إبراهيم ﵇
واليقين بهذه المثابة وبهذا الفهم منزلة يحبها الله ﵎، ويريد من عباده أن يصلوها، ولهذا يقول الله : ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥] فإبراهيم ﵇ كان مؤمناً بدليل أنه قال في الآيات قبلها: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٧٤]، فهذه الآية في الدرجة التي قبل اليقين، فهو مؤمن، وقد حكم على أبيه وعلى قومه بالضلال؛ لكونهم يعبدون غير الله ﵎، لكن الله أراد أن يزيده إيماناً بهذا، وأن يجعله من الموقنين.
وهي درجة عليا ومرتبه عظمى، فجعل الله سبحانه وسيلة ذلك أن يريه ملكوت السماوات والأرض، فبعد أن أيقن واستيقن به ورآه وتأمله، جزم جزماً قاطعاً أن قومه على ضلالة وتبرأ منهم، ورفع الله ﵎ حجته عليهم، ودحض شبهاتهم، وأيقن أن الأمن والاهتداء لا يكون إلا للمؤمنين، ولا حظَّ فيهما لأحد من المشركين.
وهذا يشابه أيضاً قول الخليل ﵇ عندما طلب من الله ﵎: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] فهي أيضاً زيادة ودرجة في اليقين والاطمئنان، وهذه هي حقيقة اليقين، وإذا تأملنا أثر ذلك نجد أن اليقين الذي حصل له ﵇ أثمر لديه يقيناً في امتثال أمر الله ﵎، يقيناً لا يكاد يوجد عند أحد، إلا من وفقه الله ﵎ لمثل ذلك من رسله وأوليائه المصطفين الأخيار.
فما هو هذا اليقين الذي كان عند الخليل؟ وما الأمر الذي أُمر به الخليل وهو بهذه الحالة -قليل من الناس من يستجيب لهذا الأمر إذا أمر به-؟ أمر بذبح ابنه، بل ولم يأمره جبريل بقوله: إن الله يبلغك أن تذبح ابنك، ولكن جاء أمره: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] مجرد رؤيا، فلم يقل لعلها من الشيطان أو كذا، أو أنام الليلة فإن تكررت فعلت، ولكن اليقين جعله يمتثل، وجعل ابنه كذلك يمتثل ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] فقد حصل اليقين عند الأب، وكذلك حصل اليقين عند الابن، فجعله الله ﵎ من الموقنين.
وهذه هي الدرجة التي يريدها الله ﵎ ويحب أن يكون أنبياؤه وأولياؤه عليها.
стр. 2472
علاقة اليقين بالإيمان
إن اليقين كما قال عبد الله بن مسعود ﵁ فيما علقه البخاري: [[الصبر شطر الإيمان، واليقين الإيمان كله]]، وهذا الكلام هو من درر الكلام وغرره، وما أكثر من يتكلم به من السلف الصالح وقد يغفل عنها الكثير والكثير من الذين لا يطالعون سيرهم ولا يتابعون أقوالهم ﵃، فإن هذه العبارة الوجيزة تحمل معانٍ عظيمة جداً، فقد جعل عبد الله ﵁ الصبر شطر الإيمان، ولكنه جعل اليقين الإيمان كله، فلِمَ ذلك؟ الصبر هو حالة تصاحب العابد في عبادته، فهو يرجع إلى قول الله ﵎ في الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] فالصبر يرجع إلى أي الأمرين؟ يرجع إلى الاستعانة، فاصبر واستعن بالله ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥] وقال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الأعراف:١٢٨] إلى آخر ذلك، فيستعين العابد، ويستصحب هذا العمل -وهو عمل قلبي عظيم- في طريقة سلوكه للصراط المستقيم، فيعبد الله ﵎ بالصبر، ففي كل أمر يصبر على طاعة الله، ويصبر عن معصية الله، ويصبر على أقدار الله، لكن اليقين الإيمان كله؛ لأن العبادة لا بد أن تكون عن يقين، وما الصبر إلا ثمرة من ثمرات اليقين، فاليقين يشمل الإيمان كله، ويشمل الدين كله.
ولهذا يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند: ﴿أحب الأعمال إلى الله ، إيمان لا ريب فيه أو لا شك فيه﴾ فهذا هو أحب عمل إلى الله ، وقال بعد ذلك ﴿وجهاد لا غلول فيه، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة﴾.
فأحب الأعمال إلى الله هو الإيمان الذي لا ريب فيه ولا شك فيه، وهو الذي يوصل صاحبه إلى درجة اليقين، فلذلك كان حقاً أن اليقين هو الإيمان، وهو الدين كله، ويشهد لذلك أن النبي ﷺ عندما وعد من شهد أن لا إله إلا الله بالجنة وأن يحرمه على النار، جعل ذلك مقترناً باليقين كما هو مقترن بالإخلاص، كما في قوله ﷺ ، في قصة غزوة تبوك عندما اشتد الأمر على الصحابة ﵃، فأرادوا أن يذبحوا جمالهم ليأكلوا منها، فقال عمر ﵁ ﴿يا رسول الله: لو جمعت الطعام الذي عند المسلمين ثم دعوت الله ﵎ فيبارك الله تعالى فيه، ففعل رسول الله ﷺ بمشورته، فبارك الله لهم في طعامهم وتزودوا جميعاً﴾، ثم قال ﷺ : ﴿أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد مستيقناً بهما غير شاك إلا دخل الجنة﴾، فهذا معنى ذلك.
ففي مثل هذه الحالة -حالة اليقين- من رأى آية من آيات الله، كما رأى الصحابة الكرام أمام أعينهم، فمن أيقن بذلك فقد شهد أن لا إله إلا الله حقاً، فلا بد أنه في هذه الحالة قد كَمُل إيمانه، فأصبح حقاً أن اليقين هو الإيمان كله.
وكذلك في قصة وفاة معاذ ﵁ وهي أيضاً قصة صحيحة رواها الإمام أحمد ﵁ بسند ثلاثي صحيح، عن جابر ﵁، يقول جابر ﵁: ﴿أنا ممن حضر معاذاً ﵁ عند موته، قال: ارفعوا عني سجف القبة -طرف القبة ليخاطب الناس- ارفعوا عني أحدثكم حديثاً سمعته من رسول الله ﷺ ، ما منعني أن أحدثكم به إلا أن تتكلوا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: من شهد أن لا إله إلا الله موقناً بها من قلبه دخل الجنة﴾، وقال في رواية: ﴿حرم على النار من شهد أن لا إله إلا الله موقناً بها من قلبه﴾ فهكذا يبلغ اليقين في أصحابه، وهذا هو اليقين الذي يمحو كل شبهة ويمحو كل شهوة، فيصبح الإنسان ذا قلب أجرد أزهر يتلألأ نوراً بما نوره الله ﵎.
стр. 2473
الصبر واليقين من صفات الهداة المهديين
وهنا وقفة عظيمة في اقتران الصبر باليقين كما في كلام عبد الله بن مسعود ﵁، المأخوذ من القرآن من قول الله ﵎: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤].
فهذه هي صفات الهادين المهديين، الذين يخرج الله ﵎ بهم العباد من الظلمات إلى النور ويقيم بهم الحجة.
فأئمة الهدى هذا شأنهم وهذه صفتهم، ولن تجد داعية من دعاة الحق، وإمام من أئمة الهدى، إلا أعطاه الله من هاتين الصفتين ما يشاء : الصبر واليقين، لولا الصبر لما تحمل، ولما قاوم الابتلاء والفتن، التي لا بد أن يتعرض لها كل من دعا إلى الله ﵎، ولولا اليقين أيضاً لما استمر ولما تابع، ولما كانت سيرته الاستقامة على هذا الدين والثبات، مهما كانت العوائق ومهما كانت العقبات فهاتان الصفتان من جمعهما أوتي الإمامة في الدين.
ولهذا يقول سفيان ﵀: [[أخذوا برأس الأمر فجعلهم رءوساء على الناس أئمة لهم]].
ورأس الأمر وأفضله أو أعلاه -أي في أعمال القلب- هو اليقين ومعه الصبر، فلما أخذوا من أعمال القلب ومن الطاعات برأسها، جعلهم الله ﵎ رءوساء على الناس أئمة يدعون إلى الهدى.
فلا بد من اقتران هذين لكل من دعا إلى الله، ولكل من جاهد في سبيل الله ﵎ ولكل من أراد أن يتقرب إلى الله ، وأن يعبد الله كما أراد وكما رضي وكما شرع لنا أن نعبده.
стр. 2474
منزلة اليقين
اليقين يكون في حالين هما: ١ - أن يكون اليقين في خبر الله.
٢ - أن يكون اليقين في أمر الله.
والمراد بخبر الله: ما كان من العلميات، أي: ما كان من الأمور العلمية الاعتقادية التي حسب المؤمن أن يؤمن بها، وأن يصدق وأن يوقن، وليست أمراً عملياً مطلوباً منه.
واليقين في أمر الله: هو العمل المطلوب من العبد، فيوقن العبد بأمر الله ﵎ فيستقيم على أمر الله، ويقوم بأداء هذا العمل الذي افترضه الله ﵎ عليه.
стр. 2475
الأمثلة على اليقين في خبر الله
هناك أمثلة عديدة على اليقين في خبر الله، مثل: خبر البعث، فقد أخبرنا الله ﵎ أنه يحيي الموتى ويبعث من في القبور، فالواجب علينا أن نوقن بذلك، ولذلك يقول : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن:٧] فهو حق لا شك فيه، فنوقن بالبعث من بعد الموت.
وهناك مثال آخر ألا وهو الموت: فالموت كلٌ يؤمن به، المؤمن والكافر، ولهذا يقول الحسن البصري ﵀: [[ما رأيت يقيناً لا شك فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت]]، فالموت كلٌ يوقن به، حتى الكافر؛ لكن أعجب ما في حياة الناس كما قال ﵁: أن أكثر الناس لا ترى لهذا اليقين أثراً في حياتهم، ولهذا يقول: [[ما رأيت يقيناً لا شك فيه]].
فما تجد إنساناً في هذه الدنيا يشك في موته، لكن يقينه هذا أشبه بشك لا يقين فيه، فإذا نظرت إلى أعمالهم فهم يعملون ويجمعون ويجتهدون كالذي لن يموت أبداً، ولا نجد ليقينه هذا أثراً في حياته.
وقبل ذلك نؤمن بأن الله حق، وأن الجنة والنار حق، فنؤمن بها قبل أن نراها، وأن يوم القيامة آت، وسنبعث ونحاسب، فكل هذه نؤمن بها وهي أمثلة لما أخبرنا به ربنا .
وهناك أمثلة أخرى أيضاً - مثلاً - عذاب القبر ونعيمه، نوقن به يقيناً ولا نشك في ذلك، لأن الصادق المصدوق ﷺ أخبرنا به، ولذلك نحن نؤمن به، وقد جاءت الأدلة به في القرآن.
стр. 2476
أقسام أخبار الغيب
وأيضاً نؤمن بالصراط، والملائكة، ورؤية وجه الله والميزان، وجميع أركان الإيمان، فهذه الأخبار على ثلاثة أنواع هي: أولاً: أخبار هي غيب محض: وهذه التي مدح الله ﵎ المؤمنين بها، في أول القرآن بعد الفاتحة في سورة البقرة: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٢ - ٣] وهذا يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والصراط والميزان، وغير ذلك.
وهذا من الغيب المحض الذي يكون بعد أن يلقى العبد ربه، فهو مادام في هذه الدنيا فهذا من الغيب الذي لا يراه.
ثانياً: أخبار هي غيب نسبي والمقصود بها: ما أخبر به الله أو أخبر به رسول الله ﷺ مما سيكون في هذه الدنيا، ومما هو واقع ويكون في هذه الدنيا، وهذا يدخل فيه أمور كثيرة منها: أن توقن بظهور الإسلام على جميع الأديان، ومن أعظمها: أشراط الساعة التي نؤمن ونوقن بها حق اليقين، ولا نشك في ذلك ولا نتردد، ومن أشراط الساعة: خروج المسيح الدجال، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج يأجوج ومأجوج، والدابة، وبنزول عيسى ﵇، وبالدخان، وخروج النار من قعر عدن، وهي آخرها كما في حديث حذيفة في صحيح مسلم، فهذه الأشراط الكبرى العشرة مع الخسوفات الثلاثة: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف في جزيرة العرب.
فهذه عشرة.
والعلامات الأخرى غير هذه كثيرة منها: خروج ما أخبر به النبي ﷺ : من الفتن، وخروج المهدي ويكون مع عيسى ﵇، ويصلي خلفه، والحرب مع اليهود، ونوقن أن هذه الأمة ستقاتلهم حتى يقول الحجر والشجر يا مسلم هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، ونؤمن بتطاول رعاة الشاء في البنيان وتفاخرهم فيه، وهذا مما شوهد الآن وغير ذلك.
فإذاً: علينا أن نؤمن بكل ما أخبر به الله أو أخبر به رسوله ﷺ إيماناً لا يتزعزع ولا يتزحزح أبداً وبذلك نصل إلى درجة أو مرتبة اليقين فنكون موقنين بذلك.
ثالثاً: نؤمن بما هو من أمر الغيب: لكن يمكن أن يكون غيباً عند البعض وليس غيباً عند البعض الآخر، ومن أمثلتها حديث الذبابة، فالنبي ﷺ قال: ﴿إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم ليلقه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء﴾ فهذا بالنسبة لنا نحن الذين ليسوا من أهل الدراسة أو الاطلاع الكيميائي والبحث التجريبي وغير ذلك، فنحن عن طريق الغيب نؤمن بذلك.
ولكن لو أن أحداً حلل ورأى ودقق حتى عرف الداء وعرف الدواء، فهذا أصبح بحقه من عالم الشهادة لا من عالم الغيب، لكن نحن نؤمن بذلك وبما قاله ﷺ سواء جربوا أو لم يجربوا.
والإيمان بالغيب أفضل، لأنا إذا جربنا ورأينا لم يعد ذلك إيماناً بالغيب، وإن كان إيماننا وتصديقنا للنبي ﷺ يزيد، وأكثر الناس لا يزيد إيمانه إلا إذا رأى.
لكن المؤمن ينبغي له أن يوقن وأن يصدق بذلك دون أن يحتاج إلى تجريب وامتحان، لأنه أخبر بذلك الصادق المصدوق الذي أخبر الله تعالى أنه لا ينطق عن الهوى.
إذاً: يكون لدينا اعتقاد مطلق بأن كل ما أخبر به رسول الله ﷺ فهو حق من عند الله ﵎ لا نشك في ذلك ولا نتردد أبداً، ولكن الشرط الوحيد الذي نطالب به هو أن يصح وأن يثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال ذلك، وهذا يدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] فكل ما آتانا رسول الله ﷺ نأخذه كما في قوله ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥] فهو إنما ينذرنا بالوحي من عند الله ، وليس بشيء من عند نفسه، فنؤمن بهذا كله، وهذا لا يحتاج إلى إطالة ولا إلى شرح ولا إلى تفصيل.
стр. 2477
أهمية اليقين في أمر الله
ننتقل إلى القسم الآخر، وهو مهم لأننا نحتاجه كثيراً نحن المسلمين في هذه الأمة، وهو اليقين في أمر الله! فإذا أمر الله ﵎ بأمر أن نوقن به مثلما نوقن أيضاً في خبر الله، وهذا يكون في الأمور العملية، فكما أنه في الحالة الأولى لا شك في خبره، فكذلك لا بد من اليقين فيما أمر به من الأعمال -مثل- توحيد الله وعبادة الله، فنوحد الله ونعبده، بالصلاة، والزكاة، والصيام، وكل أنواع العبادات.
وأن يكون العبد من اليقين بحيث إذا علم أن الله تعالى حرم ذلك، فلا بد وقف ممتثلاً ومذعناً قائلاً في نفسه: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر:١٣].
فهكذا لا يمكن أن يقدم العبد على محارم الله ولا أن ينتهكها، وكل ما أمر الله ﵎ به من أمر فإنه يقدم عليه ويفعله موقنا أن الله أمر به وشرعه، وموقنا أن الله ﵎ يجازي من فعله بالجزاء الذي وعد به، فيكون موقناً بالوعد وموقناً بالوعيد، ممتثلاً للأعمال التي يترتب عليها الوعد والوعيد، فما كان مأموراً به فعله وما كان منهياً عنه تركه، وهذه حقيقة التقوى.
فإذاً: الموقنون في هذه الدرجة هم طائفة خالصة من المتقين، عندما أيقنوا أن الله حرم ما حرم، فحرم الزنا، وحرم الربا، وحرم الخمر، وحرم السرقة، وحرم الرشوة، وحرم الغيبة، وحرم النميمة، وحرم الإساءة إلى الجار، وحرم عقوق الوالدين، وحرم الإضرار بالناس، وحرم الظلم، وحرم البغي، وحرم العدوان، فكل ما حرمه الله ﵎ فاجتنبوه وانزجروا عنه، ولم يأتوه أبداً.
وأيقنوا أن الله أمر بالصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، والصدقة والعدل، والإحسان، وبر الوالدين، وفعل الخيرات عموماً فكل ما أمر به الله ﵎ أيقنوا أن الله أمر به، وأن الله يجازي من فعله بخير الجزاء، فلذلك امتثلوه وعملوه.
стр. 2478
أمثلة ضربها الصحابة في تحقيق هذه المنزلة
ولو تأملنا أفضل جيل وأعظم جيل وأروع أمة ضربت المثل الأعلى في اليقين، وهم الجيل الذي رباه رسول الله ﷺ ؛ لرأيتم العجب العجاب في الحالين، في حال اليقين بأمر الله، وفي حال اليقين بخبر الله .
فلنأخذ بعض الأمثلة على يقين الصحابة ﵃: فمثلاً: يقين عامر بن عبد القيس ﵁ في القول المأثور عنه: [[لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً]] وكذلك ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: [[لو رأيت الجنة والنار ما ازددت يقيناً، لأني رأيتهما بعيني رسول الله ﷺ ، الذي قال فيه ربه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]]]، فهو يقول: أنا لا أضمن أن يزيغ بصري أو أن يطغى، فهنا درجة عظيمة من اليقين من جهة، وتعظيم رسول الله ﷺ ومعرفة قدره ﷺ من جهة أخرى، فكأنه يقول: لو أني اطلعت فرأيت الجنة والنار، لربما زاغ بصري أو طغى فلا أوقن بها أو لا أراهما على حقيقتهما، لكني لما رأيتهما بعيني رسول الله ﷺ ، ولما أخبرني رسول الله ﷺ عنهما كما في ليلة الإسراء وغيرها، فهذا عندي أوثق من رؤيتي أنا بعيني، فهذا لا شك أنه يقين من جهة، وأيضاً معرفة بقدر رسول الله ﷺ من جهة أخرى.
وكذلك هناك مثال آخر: أبو بكر ﵁ حين أتاه كفار قريش وقالوا له: إن صاحبك قد كان يزعم ويزعم أما الآن فقد جاء بأمر عجيب، وما نظنك إلا تكذبه، قال: ما هو؟ قالوا: يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس ثم عرج به إلى السماء وعاد في ليلة، فمعنى كلامهم: حتى في مثل هذا الخبر يمكن أن تصدق صاحبك بما يقول؟ فقال: [[إن كان قاله فقد صدق]]، فشرط يقينه بصحة الخبر، فلما تبين له أنه قاله ﷺ أيقن بذلك حقاً، لأن لديه يقين لا يمكن أن يشك أبداً في صدق رسول الله ﷺ ، فقد كان من الموقنين ﵁.
وغير ذلك كـ عبد الله بن رواحة القائل:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها علي إن لاقيتها ضرابها
أنس بن النضر ﵁ -وقد كان أعرجاً- ذهب إلى معركة أحد فقال له بعضهم: يا أنس إن الله قد عذرك: ﴿وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [الفتح:١٧]، فقال: ﴿والله لأطأن بعرجتي هذه الجنة، فقال ﷺ : لقد رأيته في الجنة وما به عرج﴾، فيقينه في الجنة وهو في المعركة وقت المعمعة؛ حيث تخفق القلوب وترجف، ويبدأ الإنسان يفكر من أين أهرب؟ وأين الملجأ؟ وأين المفر؟ هم يقدمون موقنين: أننا أقرب ما نكون إلى الجنة.
والآخر عمير بن الحمام القائل: ﴿بخٍ بخٍ ليس بيني وبين أن أدخل الجنة إلا هذه التميرات﴾، هذا يقين الصحابة ﵃ فـ أنس يقول: ﴿والله إني لأجد ريح الجنة من دون أحد﴾ فهم يرون كأن عالم الغيب أصبح أمامهم عالم شهادة، ولنا في هذه وقفة.
стр. 2479
تكريم الله للإنسان على غيره
عندما يكون عالم الغيب أمام عينيك كيف تصبح حياتك، فالفرق بين الإنسان وبين البهائم، وبين العالم والجاهل، وبين الغافل والذاكر، هو هذا اليقين.
والناس كثير منهم كالأنعام بل هم أضل، وقد جاء في حديث صححه الشيخ الألباني: ﴿ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وكل شيء يذكر الله ﴾، كما في القرآن: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤] ﴿إلا المردة من الشياطين والأغبياء من بني آدم﴾ مهما كان علمهم وفقههم فهم أغبياء كالأنعام.
فهؤلاء الغافلون الأغبياء الذين وافقوا المردة في أنهم لا يذكرون الله، فمثلاً: إذا رأى موتاً أو حياةً أو فرحاً، أو ضحكاً، أو حزناً، أو ألماً، أو فقراً، وإن رأى ما رأى فهو لا يتأثر أبداً، كالدابة تمر وتنظر إلى دابة أخرى تذبح ثم تذهب وترعى ولا تبالي بشيء! فهذا حال الكفار الذين لا يوقنون: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦].
стр. 2480
المؤمن يرى بعين الإيمان والبصيرة
أما المؤمن فإنه يرى هذه المظاهر والمناظر بعين غير تلك العين، فله نظرات أبعد وأعمق من ذلك بكثير، فلو لم يكن في حال المؤمن إلا أن يقف وينظر إلى الناس وهم ذاهبون في الصباح -مثلاً- فيرى ويتعجب كيف أن الله هو الذي أعطى هذا وأعطى هذا، كيف جعل الآيات له ﵎ في اختلاف ألسنتهم وألوانهم، فاختلاف الألسنة والألوان عجيب جداً.
ومن عجائب الله سبحانه اختلاف سعيهم أيضاً: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:٤] فهذا عاصي وهذا بار، وهذا فاجر، وهذا مدبر، وهذا معرض، وهذا الآن اهتدى، وهذا متعمق في الإيمان، وهذا متعمق في الغواية، وهذا وهذا فهو يرى الأشياء ولكن بعين غير تلك العين.
فالفرق بينهما كالفرق بين من يرى أخشاباً أمامه وبين آخر تعمق فأخذ منظاراً مكبراً فإذا هذه الأخشاب عبارة عن مخلوقات عجيبة جداً، والآخر لا يراها أبداً فيظنها حجارةً أو أخشاباً أو أشياء لا قيمة لها.
فالمؤمن يرى ما يجري من أحداث بعين اليقين وبعين البصيرة، فيتأمل في ملكوت السماوات والأرض.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
فأي شيء في نفسك أو في الكون وقعت عينك عليه ففيه آيات عجيبة، وعظيمة، ففرق بين الغافل والذاكر، فهذا حي، وقلبه حي، وارتباطه بالله دائم ويقينه وفكره، كذلك ولذلك فهو مترفع عما يفكر فيه الأقلون.
ولذلك مما يترتب على هذا: أن العبد المؤمن يصبر على كل ما أصابه، لأن من يقينه أنه يصبر على كل ما يصيبه، ويعلم أن الخير والشر مقدر عليه، وكل ذلك من الله ﵎ فلا يجزع ولا يقنط.
ولذلك يوجد الفرق الكبير بين الناس إذا وقعت مصيبة أو كارثة، على هذا الذاكر أو ذاك الغافل، وما أكثر ما يعرض للإنسان في هذه الحياة الدنيا من ذلك.
стр. 2481
الأمثلة على اليقين في أمر الله
هناك أمثلة من اليقين في امتثال الأمر -مثل- بلال وعمار وغيرهم لما عذبوا ﵃ فتوضع الصخرة في حر مكة في الرمضاء على بلال وعلى صدره وهو يقول: [[أحدٌ أحد]] يوحد الله ﵎، فهذا من يقينه ﵁، وهناك أمثلة أخرى عجيبة من هذا، عندما يقتل الرجل منهم أخاه، أو أباه، أو قريبة، في ذات الله، فما فعل ذلك إلا لأنه موقن في أن هذا عدو لله، وموقن بأن الله سبحانه أمره بأن يبرأ من الكافرين، وموقن بأنه لا ولاية ولا صلة بين المسلمين وبين الكافرين، وموقن أن من قاتل وقتل في سبيل الله فإن جزائه الجنة، فهذا أيضاً نتيجة اليقين.
وكذلك حين قُبض رسول الله ﷺ اهتزت القلوب وارتجفت، حتى عمر ﵁ قال: [[ما مات؛ بل رفعه الله إليه]] فاضطرب أمره ﵁، فقال أبو بكر ﵁: [[يا عمر، أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام، وتلا عليه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]]] فأيقن عمر.
ولما ارتدت العرب قاطبة وكان الموقف كما علمنا من عمر ﵁ وبعض الصحابة، نجد اليقين عند أبي بكر يقيناً عجيباً جداً، حتى إنك تتعجب كيف أنفذ جيش أسامة إلى أقاصي الروم وقد ارتد أكثر العرب من حوله, وجيش أحد عشر لواءً يبعثها، كلاً منها يبعثه إلى ناحية من النواحي، ليعيدوا الناس إلى هذا الدين، فهذا يقين بأن الله سبحانه سينصر هذا الدين، وأن ما أخبر به رسول الله ﷺ حق، وأنه مهما كانت الهزة ومهما كانت الصدمة، فإن النصر والغلبة بإذن الله ستكون لهذا الدين.
ونستطيع أن نقول: إن حياة الصحابة ﵃ كانت كلها يقيناً مثلاً: لما حرم الله ﵎ الخمر، وسنضرب المثل بها لأنها ليست كالسرقة، وليست كالزنا، فالأمر يتعلق بالإدمان، ومن يعرف ومن يسأل ويرى المدمنين -نسأل الله العفو والعافية- يجد أن أصعب، وأشق شيء على النفس أن تتخلص من عادة الإدمان، ولهذا لو قلت لإنسان مدخن: نقطع عنك الرز واللحم لما تأثر، ولو قلت له نقطع عنك التدخين فلن يقبل لأنه ليس لديه يقين، وهذا ليس إدمان تدخين، بل إدمان خمر، فلما أنزل الله ﵎ تحريم الخمر ماذا فعل الصحابة ﵃؟ أراقوها، ولما قال: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] قالوا: [[انتهينا ربنا، انتهينا ربنا]] فأراقوها -بلا تفتيش ولا رقابة ولا شرطة ولا هيئات- هم بأنفسهم، فحين أنزل الله تحريمها.
أيقنوا بذلك فقالوا: [[انتهينا ربنا]] فأراقوها حتى جرت السكك في المدينة بها.
فإذا انتفى اليقين تكون الحالة كما جرى في أمريكا، فقد حدثت قصة عجيبة استمرت في العشرينات وأوائل الثلاثينات من هذا القرن، وذلك عندما قررت أمريكا، أو قرر عقلاؤها إصدار أمر بتحريم الخمر؛ لأنها ضارة، ولا شك أنها تفسد الرجل الحليم كما قال أهل الجاهلية.
فقالوا: لا بد من تحريمها، وجندوا النشرات والإعلانات والدعايات بجميع أنواعها، ورصدوا لها الملايين، والجنود والمفتشين، وكل ما تتصوره أمريكا، فحين تعزم أمريكا على شيء وتقرره، يكون حالها كما قال تعالى ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠] فإذا قررت شيئاً فإنها تتحرك وتتابع وتحقق وتعقب وكل ما يتخيله الإنسان من نظام ودقة، فما الذي حدث؟ اضطروا وأرغموا هم بأنفسهم أن يتراجعوا عن هذا القرار بعد ثلاثة عشر أو اثني عشر سنة، وألغوا هذا القرار، لأنه لم يستجب الشعب لهم، بل زادت المصانع وتحولت إلى مصانع سرية، وشربت أنواع رديئة، وكله رديء، لأنه لا يخضع لمواصفات معينة، فقالوا: انتشرت الأمراض، والقتل، والدمار، والخسائر، فما كان منا إلا أن سمحنا بعودتها، فعادت كما كانت، وللشعب أن يشربها كالماء -والعياذ بالله- فأمة لا يقين لها حالها ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] فمن لا يقين له هكذا حياته.
стр. 2482
اليقين هو الإيمان القلبي وليس الاقتناع العقلي
الصحابة ﵃ كان هذا أمرهم، ولذلك ليس اليقين هو الاقتناع العقلي؛ لأن أمريكا عندها الاقتناع العقلي ولم يكفها ذلك، ولكن اليقين هو الإيمان القلبي.
فكم من طبيب يشرب الدخان، فإن أتيت إليه وأخبرته عن كل أضرار الدخان لا يتوب، فإذا سمع موعظة بليغة مؤثرة، أقلع عنه وتاب والحمد لله، فما ذلك إلا لأنه خاطب اليقين القلبي، أما الخطاب العقلي المجرد والكلام عن الأضرار والتأثير، فقد يترك أثراً وقد لا يترك، وقد يترك ثم يعود، فلا نسبة بين الأثرين أبداً.
وهناك قصة عظيمة وعجيبة وهي قصة خالد بن الوليد ﵁ لما شرب السمُّ فكونه ﵁ يقتحم المعركة ويقاتل موقناً بما وعد الله وبنصر الله، وأنه إن مات فهو شهيد، فهذا أمر ليس غريباً على الصحابة، لكن أن يشرب السمُّ ليفحمهم فذاك شيء آخر، وذلك لما قالوا: إن كان نبيك ودينه على الحق فاشرب هذا السمُّ، فلو قال: لا، فأين اليقين، فشربه، فحفظه الله من ذلك.
وهذا يدخلنا إلى مدخل عظيم جداً وهو: أن اليقين كرامة عظيمة من الله ﵎ وأصحاب الكرامات الحقيقيون هم الموقنون، وقد تكون كرامة معنوية خفية، كأن يستجاب دعاؤه ولا يحدِّث الناس بذلك، أو كأن يعطيه الله الفراسة، فإذا توقع أمراً كان كما يقول، فاليقين يثمر أنواعاً من الكرامات لأصحابه.
ونختم بهذه الآية وهي قول الله ﵎ بعد أن ذكر أحكامه وأوامره التي قد يشك فيها كثير من الناس كما يُرى في هذا العصر: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠].
فيجب أن نحيي في الأمة الإسلامية معنى اليقين بخبر الله، وهذا والحمد لله لا شك فيه، ومعمول به عند كثير من الدعاة والوعاظ، فهم يعلمون الأمة اليقين بخبر الله، وما جاء من أمور الغيب، لكن يجب أن نحيي الجانب الآخر أيضاً وهو اليقين بأمر الله، وأن ما شرعه الله هو الحق وهو الخير، فلما حرم علينا الزنا، أو الربا، أو الخمر، أو أمر بالحجاب، أو جعل ميراث الأنثى كذا وميراث الذكر كذا، أو شرع أي شيء فله بذلك الحكمة البالغة، ويجب أن نكون من الموقنين، وإن خرجنا عن ذلك أو شككنا فإنا نكون قد تركنا أمر الله ورضينا بحكم الجاهلية، فهما نوعان، وقسيمان، وضدان: حكم الله، وحكم الجاهلية.
فليكن يقيننا بالله ﵎، وفي وعده وفي أمره، وفي خبره، كما رضي لنا ربنا وكما علمنا رسول الله ﷺ ، وكما فعل الصحابة الكرام ﵃ أجمعين.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا من الموقنين.
стр. 2483
الأسئلة
стр. 2484
حكم الوساوس التي ترد على الإنسان
السؤال
الوساوس التي ترد على الإنسان سواء كان في الصلاة أو في غيرها، أو كانت في الأمور العقدية أو غير ذلك، هل لها علاقة باليقين، وهل ورود مثل هذه الوساوس تؤثر في يقين الإنسان؟
الجواب
بالنسبة للوساوس فإن المؤمن يخاف منها جداً، وقد خاف منها الصحابة الكرام ﵃ على إيمانهم، وجاءوا يشكون ذلك لرسول الله ﷺ ، كما ثبت في الصحيح، قالوا: يا رسول الله ﴿إن أحدنا ليجد في نفسه ما إن يكون حممة -أي فحمة محترقة- ولا يتحدث به﴾ لأنهم يستعظمون أن يتحدثوا به، فيتمنى الواحد أن يكن فحمة محترقة، ولا يتحدث به من هوله، ولا يريد أن يقوله، وساوس، وخطرات، وإلقاءات، ولمات من الشيطان، لا يريدون أن يذكروها لبشاعتها ولقبحها، ولأنها تنافي إيمانهم ويقينهم.
ولكن رسول الله ﷺ ، وهو المزكي والمربي الحكيم، طمأنهم وقال: ﴿أوقد وجدتموه؟﴾ وكأنه ﷺ بهذا يقول: إنني أنتظر أن تجدوه، فعندما يقول لك أحد: حصل لي كذا وكذا، فتقول له: أوجدته، معناه أنك تعلم وتتوقع أنه سوف يقع له ذلك، وزيادة في التطمين قال لهم: ﴿فذاك صريح الإيمان، أو ذاك محض الإيمان﴾، وفي رواية قال ﷺ : ﴿الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة﴾، وهي لن تؤثر بإذن الله على المؤمن مادام أنها لم تصل إلى أن تكون اعتقاداً أو شكاً، أو وسوسة يستفظعها، ويستقبحها، ويردها، ويرفضها، ويشكو منها، مهما طالت.
وهذه تقع لكثير من الشباب في أول هدايتهم، وربما عرضت لغيرهم، فهي عرض من الشيطان، لا تلقي لها بالاً، لأن كراهيتك وبغضك لها، وكونك تخاف منها ولا تقدر أن تحدث بها أحداً دليل على الإيمان في قلبك، فعدو الله يخوض معك آخر معركة، فإن ظفر بك وأضعفك فقد هلكت -حفظنا الله وإياكم من الهلاك- وإن نجوت وقاومت وأعرضت عنه فهو مثل الذي يرى إنساناً ذاهباً في طريق فيأتي من يمينه ومن خلفه، فإذا عزم وتوكل على الله ومضى في طريقة، تركه ولا يضره شيئاً، وهي من كيد الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ [النساء:٧٦].
فاطمئنوا وربوا إخوانكم على ما ربى عليه رسول الله ﷺ أصحابه بأن يطمئنوا، وأن يتعاهدوا إيمانهم، وأن يجددوه ويقوه ولا يلقوا لتلك الخواطر بالاً.
стр. 2485
وسائل تقوية الإيمان في القلب
السؤال
كيف أنمي اليقين في قلبي بعد العلم؟
الجواب
كلما تحدثنا عن أسباب تقوية الإيمان، فإنها تؤدي إلى اليقين بإذن الله، لأن أعمال القلب واحدة، فكل ما يؤدي بك إلى الإخلاص، أو إلى اليقين فإنه يؤدي بك إلى الصبر، والخشية، والخشوع، والإنابة، والرغبة، والرهبة، فكلها متداخلة.
فكل ما من شأنه أن يقوي إيمانك من قراءة القرآن، وزيارة القبور، والتفكر في ملكوت السماوات والأرض، وفيما بث الله في الأرض من دابة، وفي أحوال الناس واختلاف ألسنتهم وألوانهم، وإنزال الغيث، وتصريف الأمر وتدبيره، كل ما من شأنه أن يقوي إيمانك من الآيات والعبر فهو بإذن الله يقوي يقينك.
стр. 2486
حكم ادعاء اليقين الكامل، والفرق بين التوكل والتواكل
السؤال
أعرف بعض الإخوة يقولون: إن لديهم يقيناً تاماً، ولهذا فهم لا يعتمدون على الأخذ بالأسباب في أمور حياتهم، فمثلاً لا يدخل ابنه في المدرسة قائلاً: إنني على يقين أن ابني لن يأخذ إلا ما كتب له، أرجو التوضيح؟
الجواب
هذا ليس يقيناً ولا توكلاً وإنما هو تَوَاكل.
أولاً: لا يجوز لإنسان أن يدعي اليقين -وخاصة عبارة اليقين الكامل- فهذا أمر صعب، فلا يجوز لأحد أن يدعي اليقين الكامل.
وأما إن مَنَّ الله ﵎ عليه بشيء من اليقين فليحمد الله عليه، ولا بأس أن يحدث به، وإن كان ترك ذلك أولى، لكن المقصود أن يقول: إن لدي اليقين الكامل، فهذا مثل أن يقول أنا مؤمن كامل الإيمان، وقد أنكرها السلف على من قالها إنكاراً شديداً.
ثم إن ترك الأخذ بالأسباب ليس من الشرع في شيء، فلا يقول: أنا على يقين أنه لن يأخذ إلا ما كتب له، فلا شك في ذلك، ولكن اجتهد أنت في أن تسعى له بالخير بالقبول في التوظيف للعمل، فهذا الابن الذي أنت تقول له هذه العبارات كيف أتى؟ لماذا لم تقل: أعيش من غير زوجة وأنا على يقين إن كان الله سيرزقني أولاداً أنه سيرزقني، لأنك تعلم أن الله تعالى جعل من سنته أنه لا يكون الابن إلا من زواج، فكذلك السعي والرزق جعله الله ﵎ مقترناً ببذل الأسباب، ثم بعد ذلك هو يعطي ويهب لمن يشاء، ويمنع ويحرم من يشاء.
стр. 2487
عدم اجتماع اليقين والمعصية
السؤال
هل يمكن أن يكون الإنسان المسلم موقناً ويقع في نفس الوقت في المعصية، أم أنها لا تجتمع معاً، أي: اليقين والمعصية لله، أفتونا مأجورين؟
الجواب
اليقين والمعصية لا يجتمعان، لكن المعصية تقع، ويمكن أن تقع من كل أحد، وتعليل هذا: أن اليقين في هذه الحالة يضعف، ويستولي الشيطان على العبد، كما يفعل شياطين الإنس، فقد يكون الرجل قوياً شديداً -مثلاً- لكن حين ينام، أو يغفل، يختطفه شيطان من شياطين الإنس ويذهب به بعيداً عن موطنه.
وكذلك المؤمن قد يضعف ويفتر يقينه، فيختطفه الشيطان فيوقعه في معصية من المعاصي، كالفواحش -مثلاً- فينطبق عليه أنه إذا زنا العبد ارتفع إيمانه فكان عليه كالظلة، فإن تاب ورجع وإلا أقلع عنه، نسأل الله العفو والعافية.
فعندها يكون اليقين الذين ذكرنا بأوصافه وأحواله حينئذٍ غائباً.
أما اليقين بمعنى العلم فقط، الذي هو الحد الذي يخرج صاحبه من دائرة الشك والريب إلى دائرة الإيمان، فهذا يظل معه، لأن هذا من قول القلب وإقراره، والكلام إنما هو عن اليقين الذي هو عمل القلب.
стр. 2488
حكم الشك في نصر الله لدينه ولأمة الإسلام
السؤال
هناك أناس لا يحققون معنى اليقين من الثقة بنصر الإسلام، وأن الغلبة والعزة له، ويقول: إن الغلبة والعزة ستكون للكفار، فما هو توجيهكم لهؤلاء؟
الجواب
هؤلاء في الحقيقة يظنون في الله ظن السوء، وظن الجاهلية، وهو: أن الله سبحانه لن ينصر دينه، بل إن الكافرين سوف ينتصرون على المؤمنين، وهذا مرض قديم في الأمة، مرض به المنافقون وابتلوا به في أيام النبي ﷺ ، والآن في هذا الزمان وفي كل زمان يوجد الكثير ممن ابتلي به.
فيظن أن الله ﵎ لن يحقق لرسوله ﷺ ما وعده به: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢].
فقد وعده أن هذا الدين يبلغ ما بلغ الليل والنهار، بأن تفتح القسطنطينية، ورومية -التي هي روما - وقد أعطاه الكنزين الأحمر والأسود، وزوى له الأرض ورأى ما يبلغ ملك أمته منها، وغير ذلك مما بشر وطمأن به النبي ﷺ ، وأيقن به أصحابه الكرام، فإنه قد حدثهم وأخبرهم، وهم في حال الضنك وفي حال الشدة، وهم يحفرون الخندق وقد أحاط بهم الأحزاب من كل ناحية وزلزلوا زلزالاً شديداً، أخبرهم أنهم سيفتحون ملك كسرى وقيصر: ﴿إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ﴾، فأيقنوا بذلك وآمنوا وتحقق ذلك بحمد الله وتوفيقه.
فهذا لا يجوز لأحد أن يعتقده من المسلمين، وأما الذين ضعف إيمانهم بالهزيمة الفكرية والنفسية وظنوا بالله هذا الظن , ووافقوا أهل الجاهلية وأهل النفاق في ذلك، فهؤلاء مرضى، فيجب أن يعالجوا بكل ما من شأنه أن يرفع يقينهم وإيمانهم وثقتهم، ولو كانت هذه الثقة الضعيفة أو فقد الثقة في الله وفي وعد الله قبل عشر سنوات -مثلاً- لربما يقال وأين الإسلام؟! أما في هذه الأيام والحمد لله فهناك مبشرات كثيرة، رغم العقبات ورغم الظلمات، ورغم ما يكيده الأعداء.
فإن المبشرات كثيرة وواضحة جلية، وإلا فما معنى هذه الصحوة وهذه اليقظة وهذه التوبة وهذه الأوبة في الشباب، والكهول، والنساء، والرجال، وفي الشرق والغرب؟ والكل يريدون منهج السلف الصالح، والكل يريدون العلم النافع، والكل حريصون على ما يقربهم من الله، والكل يرفض المذاهب والنظريات والشبهات: هذا دليل -والحمد لله- واضح وجلي على أن الأمة تعيش صحوة عظيمة نسأل الله ﵎ أن يبارك فيها وأن يسددها وأن يرزقها الإخلاص واليقين.
стр. 2489
أخبار المسلمين المجاهدين
السؤال
ما آخر أخبار المسلمين في البوسنة والهرسك، وكذلك في أفغانستان؟
الجواب
بالنسبة لإخواننا في البوسنة والهرسك، الوضع الدولي متواطؤ ومتآمر.
ويتخذ بعض القرارات كما يسمونها لحفظ ماء الوجه أو للتغطية، وإلا فالموقف الدولي متواطؤ تماماً، والقوى الكبرى نصرانية حاقدة أو قوى مشركة لا تؤمن بالله ﵎، ولا يهمها شأن المسلمين ولا أمرهم، فحدث هذا التواطؤ الغريب والعجيب، دولة تعترف بها الأمم المتحدة أنها دولة مستقلة وفي قلب أوروبا، وتباد وتسحق وتدمر ويشرد الملايين، ومعسكرات للتعذيب التي لم يشابهها كما ذكروا هم إلا معسكرات النازية، وحرب عنصرية، إلى غير ذلك من المشاكل في ظل النظام الدولي الجديد- كما يزعمون - وهم يترددون ويقولون سنتخذ القوة، لماذا؟! قالوا: من أجل إيصال المعونات وليس من أجل ردع المعتدي، سبحان الله! أين هذه القوى والموقف والشرعية الدولية، والحق والعدل والنظام الدولي، وإثبات أن أحداً لا يمكن أن يعتدي، وما قالوه وما جعجعوا به في أزمة الخليج ليؤلبوا العالم معهم، أين ذلك؟! ذهب كله أدراج الرياح، واتضح أنه كله هراء وكذب، وأنهم يعملون حيث ما تكون مصلحتهم وليس أكثر من ذلك.
والحمد لله البشائر في هذا الجهاد أن المسلمين شكلوا جبهة -ونسأل الله أن يبارك فيها- جهادية مستقلة لا تمثل حكومة البوسنة ولا غير ذلك، وإنما من خريجي الجامعات الذين درسوا هنا في المملكة -والحمد لله- على عقيدة صحيحة سليمة، شكلوا معسكرات جهادية وبدءوا يجاهدون في سبيل الله، ويشترطون فيمن يكون معهم أن يكون من أهل الصلاة والالتزام، ويتجنب المعاصي، وحريصون على تربيتهم وعلى تعليمهم من خلال المعسكرات وفي أثناء التدريب وغير ذلك والحمد لله.
وبدأ هؤلاء يخوضون معارك مع الصرب، ويقولون: إنهم يفرون منهم فرار الغنم من الذئب -سبحان الله العظيم- ويقولون: رأينا فيهم جبناً عجيباً جداً، ولكن المشكلة نقص السلاح.
ولقد حدثني أحد الإخوة يقول: كل عشرة من الشباب على مسدس واحد، فتصوروا كيف يكون ذلك مع قلة عددهم، وهم ليسوا كثيراً، أسأل الله أن يبارك في عددهم فلو أعطوا هؤلاء السلاح وأعطوا المال فسيكون في ذلك خير كثير بإذن الله ﵎، وهم يطلبون منكم ذلك، والحمد لله عن طريقنا يسافر تقريباً كل أسبوع مجموعة من الإخوة الثقات، ومن الإخوة الذين يحضرون الدرس وتحمسوا لهذا الموضوع للدعوة إلى الله هنالك، فهم يذهبون ويسلمون مبالغ نقدية يداً بيد، ويقومون بالدعوة إلى الله بحسب إجازاتهم.
ومنهم من قرر أن يبقى هناك يدعوهم إلى الله ما شاء الله أن يبقى، نسأل الله أن يوفق الجميع، فالباب مفتوح للتبرع لهم.
أما بالنسبة لأفغانستان فالوضع في الحقيقة قاتم ومؤلم، وليس لدي تصور واضح بالضبط عما يجري إلا الأخبار العامة ولا أتابعها كثيراً، بل قد لا أتابعها ولا أعتمد عليها، والأخبار الخاصة قد وصلتني من بعض الأطراف فقط رسائل بالفاكس تقول: إن الجهاد لا يزال مستمراً وأن ما تحقق إنما هو مرحلة من مراحل الجهاد، ولكن الجهاد لا يزال مستمراً مع المليشيات، ومع الشيعة ومع الباطنية والإسماعيلية، ومع الفرقة، وهي أشد أنواع المشاكل التي يعاني منها المجاهدون هناك.
الفرقة التي أوقعها الشيطان فيما بينهم، فادعوا الله وتضرعوا إليه أن يجمع كلمتهم جميعاً على الحق وعلى الكتاب والسنة، وأن يكلل نصرهم على الشيوعيين.
بانتصارهم على أنفسهم، فتصفو وتزكو وتتطهر لله وتتخلص من أدران الشرك والرياء والنفاق والخرافة والبدعة، ليكونوا حقاً مجاهدين، ولينصرهم الله ﵎ فيستمر هذا الجهاد، وتستمر هذه الراية، والمؤامرات الدولية كبيرة جداً عليهم.
وأمريكا لأنها لم تستطع أن يكون لها يد مؤثرة في لعبة الدولة، وأن تجعل من أفغانستان دولة علمانية عليها مسحة دينية، وغلبت على ذلك فهي تريد الآن أن تخرب ما حصل من الاجتماع.
ومن أخطر ما يسمع عن الإعلام الغربي، أنه يحاول تصنيف القادة إلى معتدلين ومتطرفين، ويضرب هؤلاء بهؤلاء حتى في لحظات الوفاق فيما بينهم، فالإعلام الغربي لا يكف عن وصف هذا بالتطرف والتشدد، وهذا بالاعتدال إلى آخر ذلك؛ لكي يضرب فيما بينهم ولكي تفقد الأمة الثقة فيهم، فما علينا إلا الدعاء لهم، ونسأل الله أن يجمع صفوفنا على الحق إنه سميع مجيب.
стр. 2490
أنواع اليقين
السؤال
ما هي أنواع اليقين، وهل الظن هو اليقين، وما علاماته على الفرد، وهل نستطيع الحكم باليقين على من نحسبه كذلك، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
يمكن أن يقسم اليقين إلى أنواع: من جهة وجوده وحقيقته في القلب، فيكون الحد الأدنى هو: العلم، والدرجة العليا هي: حقيقة وغاية اليقين.
ومن جهة موضوعه فإما أن يكون متعلقاً بالاعتقاد وبالعلميات، فيكون يقيناً في خبر الله، أو متعلقاً بالعمليات وبالأوامر والنواهي فيكون يقيناً في أمر الله.
والظن ليس من اليقين ولا يجتمعان، ولهذا يقول المشركون: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢]، فقوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً﴾ [الجاثية:٣٢] تأكيد، وهو من البلاغة القرآنية، فالمقصود: إن كنا نظن إلا ظناً، فما داموا يظنون فهو ظن، لكنه تأكيد أنهم لم يكونوا على إيمان، ولم يكونوا على يقين في وعد الله ﵎ في الآخرة، كما قال الله : ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦].
وهل نستطيع الحكم باليقين على من نحسبه كذلك؟ هذا جزء من الشهادة، كمن تشهد له بالإيمان أو باليقين، فإن علمت ذلك ورأيت أماراته وعلاماته، فلا بأس أن تقول أحسبه من المتقين أو من الموقنين، أحسبه والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً، ولا سيما عندما تقرأ في سير الأولين وقد يجعل الله ﵎ أيضاً في المتأخرين من المؤمنين، لكن من ناحية الإطلاق يمكن أن يطلق أن هذا من الموقنين، ولا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى.
والظن قد يأتي بمعنى العلم واليقين ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٤٦] وقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف:٥٣] فرأوها بأعينهم، فظنوا هنا بمعنى: علموا وتيقنوا.
فهذا معنى لغوي، فمن حيث اللغة يأتي في مقام فعل، وهذا واسع في لغة العرب، لكن اليقين الذي هو عمل القلب سبق ذكره، فالظن الذي يقابله هو الشك والكفر.
следующие страницы →