Полный текст (2 843 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
حكم ادعاء اليقين الكامل، والفرق بين التوكل والتواكل
السؤال
أعرف بعض الإخوة يقولون: إن لديهم يقيناً تاماً، ولهذا فهم لا يعتمدون على الأخذ بالأسباب في أمور حياتهم، فمثلاً لا يدخل ابنه في المدرسة قائلاً: إنني على يقين أن ابني لن يأخذ إلا ما كتب له، أرجو التوضيح؟
الجواب
هذا ليس يقيناً ولا توكلاً وإنما هو تَوَاكل.
أولاً: لا يجوز لإنسان أن يدعي اليقين -وخاصة عبارة اليقين الكامل- فهذا أمر صعب، فلا يجوز لأحد أن يدعي اليقين الكامل.
وأما إن مَنَّ الله ﵎ عليه بشيء من اليقين فليحمد الله عليه، ولا بأس أن يحدث به، وإن كان ترك ذلك أولى، لكن المقصود أن يقول: إن لدي اليقين الكامل، فهذا مثل أن يقول أنا مؤمن كامل الإيمان، وقد أنكرها السلف على من قالها إنكاراً شديداً.
ثم إن ترك الأخذ بالأسباب ليس من الشرع في شيء، فلا يقول: أنا على يقين أنه لن يأخذ إلا ما كتب له، فلا شك في ذلك، ولكن اجتهد أنت في أن تسعى له بالخير بالقبول في التوظيف للعمل، فهذا الابن الذي أنت تقول له هذه العبارات كيف أتى؟ لماذا لم تقل: أعيش من غير زوجة وأنا على يقين إن كان الله سيرزقني أولاداً أنه سيرزقني، لأنك تعلم أن الله تعالى جعل من سنته أنه لا يكون الابن إلا من زواج، فكذلك السعي والرزق جعله الله ﵎ مقترناً ببذل الأسباب، ثم بعد ذلك هو يعطي ويهب لمن يشاء، ويمنع ويحرم من يشاء.
стр. 2487
عدم اجتماع اليقين والمعصية
السؤال
هل يمكن أن يكون الإنسان المسلم موقناً ويقع في نفس الوقت في المعصية، أم أنها لا تجتمع معاً، أي: اليقين والمعصية لله، أفتونا مأجورين؟
الجواب
اليقين والمعصية لا يجتمعان، لكن المعصية تقع، ويمكن أن تقع من كل أحد، وتعليل هذا: أن اليقين في هذه الحالة يضعف، ويستولي الشيطان على العبد، كما يفعل شياطين الإنس، فقد يكون الرجل قوياً شديداً -مثلاً- لكن حين ينام، أو يغفل، يختطفه شيطان من شياطين الإنس ويذهب به بعيداً عن موطنه.
وكذلك المؤمن قد يضعف ويفتر يقينه، فيختطفه الشيطان فيوقعه في معصية من المعاصي، كالفواحش -مثلاً- فينطبق عليه أنه إذا زنا العبد ارتفع إيمانه فكان عليه كالظلة، فإن تاب ورجع وإلا أقلع عنه، نسأل الله العفو والعافية.
فعندها يكون اليقين الذين ذكرنا بأوصافه وأحواله حينئذٍ غائباً.
أما اليقين بمعنى العلم فقط، الذي هو الحد الذي يخرج صاحبه من دائرة الشك والريب إلى دائرة الإيمان، فهذا يظل معه، لأن هذا من قول القلب وإقراره، والكلام إنما هو عن اليقين الذي هو عمل القلب.
стр. 2488
حكم الشك في نصر الله لدينه ولأمة الإسلام
السؤال
هناك أناس لا يحققون معنى اليقين من الثقة بنصر الإسلام، وأن الغلبة والعزة له، ويقول: إن الغلبة والعزة ستكون للكفار، فما هو توجيهكم لهؤلاء؟
الجواب
هؤلاء في الحقيقة يظنون في الله ظن السوء، وظن الجاهلية، وهو: أن الله سبحانه لن ينصر دينه، بل إن الكافرين سوف ينتصرون على المؤمنين، وهذا مرض قديم في الأمة، مرض به المنافقون وابتلوا به في أيام النبي ﷺ ، والآن في هذا الزمان وفي كل زمان يوجد الكثير ممن ابتلي به.
فيظن أن الله ﵎ لن يحقق لرسوله ﷺ ما وعده به: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾ [النساء:١٢٢].
فقد وعده أن هذا الدين يبلغ ما بلغ الليل والنهار، بأن تفتح القسطنطينية، ورومية -التي هي روما - وقد أعطاه الكنزين الأحمر والأسود، وزوى له الأرض ورأى ما يبلغ ملك أمته منها، وغير ذلك مما بشر وطمأن به النبي ﷺ ، وأيقن به أصحابه الكرام، فإنه قد حدثهم وأخبرهم، وهم في حال الضنك وفي حال الشدة، وهم يحفرون الخندق وقد أحاط بهم الأحزاب من كل ناحية وزلزلوا زلزالاً شديداً، أخبرهم أنهم سيفتحون ملك كسرى وقيصر: ﴿إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ﴾، فأيقنوا بذلك وآمنوا وتحقق ذلك بحمد الله وتوفيقه.
فهذا لا يجوز لأحد أن يعتقده من المسلمين، وأما الذين ضعف إيمانهم بالهزيمة الفكرية والنفسية وظنوا بالله هذا الظن , ووافقوا أهل الجاهلية وأهل النفاق في ذلك، فهؤلاء مرضى، فيجب أن يعالجوا بكل ما من شأنه أن يرفع يقينهم وإيمانهم وثقتهم، ولو كانت هذه الثقة الضعيفة أو فقد الثقة في الله وفي وعد الله قبل عشر سنوات -مثلاً- لربما يقال وأين الإسلام؟! أما في هذه الأيام والحمد لله فهناك مبشرات كثيرة، رغم العقبات ورغم الظلمات، ورغم ما يكيده الأعداء.
فإن المبشرات كثيرة وواضحة جلية، وإلا فما معنى هذه الصحوة وهذه اليقظة وهذه التوبة وهذه الأوبة في الشباب، والكهول، والنساء، والرجال، وفي الشرق والغرب؟ والكل يريدون منهج السلف الصالح، والكل يريدون العلم النافع، والكل حريصون على ما يقربهم من الله، والكل يرفض المذاهب والنظريات والشبهات: هذا دليل -والحمد لله- واضح وجلي على أن الأمة تعيش صحوة عظيمة نسأل الله ﵎ أن يبارك فيها وأن يسددها وأن يرزقها الإخلاص واليقين.
стр. 2489
أخبار المسلمين المجاهدين
السؤال
ما آخر أخبار المسلمين في البوسنة والهرسك، وكذلك في أفغانستان؟
الجواب
بالنسبة لإخواننا في البوسنة والهرسك، الوضع الدولي متواطؤ ومتآمر.
ويتخذ بعض القرارات كما يسمونها لحفظ ماء الوجه أو للتغطية، وإلا فالموقف الدولي متواطؤ تماماً، والقوى الكبرى نصرانية حاقدة أو قوى مشركة لا تؤمن بالله ﵎، ولا يهمها شأن المسلمين ولا أمرهم، فحدث هذا التواطؤ الغريب والعجيب، دولة تعترف بها الأمم المتحدة أنها دولة مستقلة وفي قلب أوروبا، وتباد وتسحق وتدمر ويشرد الملايين، ومعسكرات للتعذيب التي لم يشابهها كما ذكروا هم إلا معسكرات النازية، وحرب عنصرية، إلى غير ذلك من المشاكل في ظل النظام الدولي الجديد- كما يزعمون - وهم يترددون ويقولون سنتخذ القوة، لماذا؟! قالوا: من أجل إيصال المعونات وليس من أجل ردع المعتدي، سبحان الله! أين هذه القوى والموقف والشرعية الدولية، والحق والعدل والنظام الدولي، وإثبات أن أحداً لا يمكن أن يعتدي، وما قالوه وما جعجعوا به في أزمة الخليج ليؤلبوا العالم معهم، أين ذلك؟! ذهب كله أدراج الرياح، واتضح أنه كله هراء وكذب، وأنهم يعملون حيث ما تكون مصلحتهم وليس أكثر من ذلك.
والحمد لله البشائر في هذا الجهاد أن المسلمين شكلوا جبهة -ونسأل الله أن يبارك فيها- جهادية مستقلة لا تمثل حكومة البوسنة ولا غير ذلك، وإنما من خريجي الجامعات الذين درسوا هنا في المملكة -والحمد لله- على عقيدة صحيحة سليمة، شكلوا معسكرات جهادية وبدءوا يجاهدون في سبيل الله، ويشترطون فيمن يكون معهم أن يكون من أهل الصلاة والالتزام، ويتجنب المعاصي، وحريصون على تربيتهم وعلى تعليمهم من خلال المعسكرات وفي أثناء التدريب وغير ذلك والحمد لله.
وبدأ هؤلاء يخوضون معارك مع الصرب، ويقولون: إنهم يفرون منهم فرار الغنم من الذئب -سبحان الله العظيم- ويقولون: رأينا فيهم جبناً عجيباً جداً، ولكن المشكلة نقص السلاح.
ولقد حدثني أحد الإخوة يقول: كل عشرة من الشباب على مسدس واحد، فتصوروا كيف يكون ذلك مع قلة عددهم، وهم ليسوا كثيراً، أسأل الله أن يبارك في عددهم فلو أعطوا هؤلاء السلاح وأعطوا المال فسيكون في ذلك خير كثير بإذن الله ﵎، وهم يطلبون منكم ذلك، والحمد لله عن طريقنا يسافر تقريباً كل أسبوع مجموعة من الإخوة الثقات، ومن الإخوة الذين يحضرون الدرس وتحمسوا لهذا الموضوع للدعوة إلى الله هنالك، فهم يذهبون ويسلمون مبالغ نقدية يداً بيد، ويقومون بالدعوة إلى الله بحسب إجازاتهم.
ومنهم من قرر أن يبقى هناك يدعوهم إلى الله ما شاء الله أن يبقى، نسأل الله أن يوفق الجميع، فالباب مفتوح للتبرع لهم.
أما بالنسبة لأفغانستان فالوضع في الحقيقة قاتم ومؤلم، وليس لدي تصور واضح بالضبط عما يجري إلا الأخبار العامة ولا أتابعها كثيراً، بل قد لا أتابعها ولا أعتمد عليها، والأخبار الخاصة قد وصلتني من بعض الأطراف فقط رسائل بالفاكس تقول: إن الجهاد لا يزال مستمراً وأن ما تحقق إنما هو مرحلة من مراحل الجهاد، ولكن الجهاد لا يزال مستمراً مع المليشيات، ومع الشيعة ومع الباطنية والإسماعيلية، ومع الفرقة، وهي أشد أنواع المشاكل التي يعاني منها المجاهدون هناك.
الفرقة التي أوقعها الشيطان فيما بينهم، فادعوا الله وتضرعوا إليه أن يجمع كلمتهم جميعاً على الحق وعلى الكتاب والسنة، وأن يكلل نصرهم على الشيوعيين.
بانتصارهم على أنفسهم، فتصفو وتزكو وتتطهر لله وتتخلص من أدران الشرك والرياء والنفاق والخرافة والبدعة، ليكونوا حقاً مجاهدين، ولينصرهم الله ﵎ فيستمر هذا الجهاد، وتستمر هذه الراية، والمؤامرات الدولية كبيرة جداً عليهم.
وأمريكا لأنها لم تستطع أن يكون لها يد مؤثرة في لعبة الدولة، وأن تجعل من أفغانستان دولة علمانية عليها مسحة دينية، وغلبت على ذلك فهي تريد الآن أن تخرب ما حصل من الاجتماع.
ومن أخطر ما يسمع عن الإعلام الغربي، أنه يحاول تصنيف القادة إلى معتدلين ومتطرفين، ويضرب هؤلاء بهؤلاء حتى في لحظات الوفاق فيما بينهم، فالإعلام الغربي لا يكف عن وصف هذا بالتطرف والتشدد، وهذا بالاعتدال إلى آخر ذلك؛ لكي يضرب فيما بينهم ولكي تفقد الأمة الثقة فيهم، فما علينا إلا الدعاء لهم، ونسأل الله أن يجمع صفوفنا على الحق إنه سميع مجيب.
стр. 2490
أنواع اليقين
السؤال
ما هي أنواع اليقين، وهل الظن هو اليقين، وما علاماته على الفرد، وهل نستطيع الحكم باليقين على من نحسبه كذلك، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
يمكن أن يقسم اليقين إلى أنواع: من جهة وجوده وحقيقته في القلب، فيكون الحد الأدنى هو: العلم، والدرجة العليا هي: حقيقة وغاية اليقين.
ومن جهة موضوعه فإما أن يكون متعلقاً بالاعتقاد وبالعلميات، فيكون يقيناً في خبر الله، أو متعلقاً بالعمليات وبالأوامر والنواهي فيكون يقيناً في أمر الله.
والظن ليس من اليقين ولا يجتمعان، ولهذا يقول المشركون: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية:٣٢]، فقوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً﴾ [الجاثية:٣٢] تأكيد، وهو من البلاغة القرآنية، فالمقصود: إن كنا نظن إلا ظناً، فما داموا يظنون فهو ظن، لكنه تأكيد أنهم لم يكونوا على إيمان، ولم يكونوا على يقين في وعد الله ﵎ في الآخرة، كما قال الله : ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦].
وهل نستطيع الحكم باليقين على من نحسبه كذلك؟ هذا جزء من الشهادة، كمن تشهد له بالإيمان أو باليقين، فإن علمت ذلك ورأيت أماراته وعلاماته، فلا بأس أن تقول أحسبه من المتقين أو من الموقنين، أحسبه والله حسيبه ولا أزكي على الله أحداً، ولا سيما عندما تقرأ في سير الأولين وقد يجعل الله ﵎ أيضاً في المتأخرين من المؤمنين، لكن من ناحية الإطلاق يمكن أن يطلق أن هذا من الموقنين، ولا حرج في ذلك إن شاء الله تعالى.
والظن قد يأتي بمعنى العلم واليقين ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:٤٦] وقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ [الكهف:٥٣] فرأوها بأعينهم، فظنوا هنا بمعنى: علموا وتيقنوا.
فهذا معنى لغوي، فمن حيث اللغة يأتي في مقام فعل، وهذا واسع في لغة العرب، لكن اليقين الذي هو عمل القلب سبق ذكره، فالظن الذي يقابله هو الشك والكفر.
стр. 2491
معنى علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين
السؤال
الأخ يسأل عن علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين؟
الجواب
علم اليقين بالنسبة لما أخبر الله تعالى به من الجنة والنار -مثلاً- فعلم اليقين هو: ما نقرأ في كتاب الله أن الجنة والنار هكذا أوصافها، فهذا العلم هو علم يقين.
وأما حق اليقين: إذا رأيت ذلك الذي أخبرت به وعلمته، أي: رأيت الجنة ورأيت النار ورأيت ما وعد الله أمامك، فهذا حق اليقين، فتحول علم اليقين إلى حق اليقين.
وأما عين اليقين فإذا دخلتها وتنعمت فيها، جعلنا الله من أهل الجنة فهذا عين اليقين.
стр. 2492
نصيحة للذين يستعملون البث المباشر
السؤال: ما نصيحتك للذين يستعملون البث المباشر وقد قام كثير منهم بشرائه؟ الجواب: حين يتصور الواحد منا الدمار الهائل الذي ينتجه هذا البث، لا شك أنه يأرق ويحزن ويألم لشدة ما يتصور، ولما يرى من ضعف وتقصير في إبلاغ هذا الخطر والتحذير منه.
أتعلم يا أخي أن أوروبا طلبت من أمريكا تأخير البث المباشر ثلاث سنوات لتتهيأ له، وقامت وضجت الصحافة الفرنسية والمجتمع الفرنسي خوفاً من البث المباشر الأمريكي!! حضارة واحدة، وإباحية واحدة، وإلحاد واحد، ويجمعهم كل شيء تقريباً، لكن يقولون: اللغة مختلفة، وبعض العادات مختلفة، فتغزونا الثقافة الأمريكية هذا خطر عظيم! وأنذروا به وخافوا منه سبحان الله! أما نحن فنفتح صدورنا لاستقبال كل غزو، بل العجيب أن أول غزو وأول بث مباشر نحن صنعناه بأيدينا، فالشركة من أبنائنا ويتكلمون بلغتنا، ولكنهم جعلوها في لندن يبثوها علينا، ويقولون: نحن أفلامنا لا تتعرض للرقابة، فكأنهم يقولون: لا تنظر إلى التلفزيون الذي يراقب ويقطع؛ بل انظر إلينا فأفلامنا لا تتعرض للرقابة، والعياذ بالله.
فنحن نغزو أنفسنا بأنفسنا ونتهيأ لذلك، وستكون النتيجة هائلة ومخيفة جداً، فلو أجريت إحصائيات هذه السنة، عن نسبة الأمن، والجرائم والاختطاف، والاغتصاب، والشكوك عند الشباب، والإلحاد، والتنصير، وما يتعلق بذلك، ثم بعد ثلاث سنوات من البث المباشر، لو تجرى إحصائية أخرى؛ لرأيت الفرق الهائل جداً، فكيف بعد عشر سنين، كيف بعد ثلاثين سنة.
وهم يطمعون أن يأتي الجيل الآخر -على الأقل الذين هم الآن في الرابعة والثالثة تقريباً- ويصبح جيلاً ملحداً غربياً ممسوخاً، ليس فيه من العربية إلا أنه أسمر اللون، وربما يغيرون ألوانهم وشعورهم إن استطاعوا حتى يصبح جيلاً أمريكياً ممسوخاً تماماً، لا ينتمي إلى دينه ولا إلى هذه البلاد بأي نوع من أنواع الانتماء، فهذا الذي يريدونه في النهاية.
ويريدون أن يصبح اليهود الذين هم حفنة قليلة هم المسيطرون على هذه المنطقة، وأن تتربع على عرش المنطقة وتنهب خيراتها، وتستعبد شعوبها، ودائماً وأبداً القاعدة جارية في هذا، وهي: أن تستعبد الشعوب وتستذل بالشهوات، فما الذي يسر لـ هتلر اجتياح أوروبا كلها وفرنسا ويدخل باريس، ما ذاك إلا لأنهم أمة شهوات وإباحية وانحلال، لا يمكن أن تقاوم أو تفكر في مقاومة أي عدو، فيقضى على كل معاني الجهاد ومعاني الغيرة ومعاني العزة, وربما تتحول -والعياذ بالله- طائفة منها وترتد وتلحد وتخرج من الإسلام، وربما أن البعض لا يكتفي بأن يخرج من دينه، بل قد يدخل في أديانهم عندما يرى ما يعرض عليه.
فتصور معي البث المباشر إذا انتشر، والآن قد التقط على قنوات عديدة منها القنوات التنصيرية، هذه القنوات التي تغطي الكوكب الأرضي كله، وتبث برامج بعدة لغات، وأنا رأيت بعيني برنامجاً من برامجهم الوعظية يوم الأحد فرأيت شيئاً عجباً.
فليست مواعظهم كمواعظنا، فنحن والحمد لله نعظ بالقرآن ونعظ بالحق، لكن هم لديهم من الإغراءات والأسباب شيء عجيب جداً.
فيأتي المتحدث ويتكلم عن قديس -كما يسمونه- ويأتي بصورته أمامك، وكيف كان يتعبد وكيف كان زهده، ويأتيك بأفلام عن هذا القديس، مع وجود أشرطة عن حياته مجانية، حيث يقال لك: اكتب لنا العنوان فقط ونحن نرسله لك، وفي أثناء الكلام، أنت تسمع الواعظ، وفي نفس الوقت تشارك المحطة في شيء معين، فيكتبون الأشرطة والأفلام، ثم يذكر لك حالات الذين شفوا لما توسلوا بهذا القديس.
ثم يأتيك قديس -ممن يسمونهم قديسين- من الأحياء منهم، ويبدأ يتوسل به ويقرأ بعض الأشياء، ويأتي برجل كسيح، أو رجل أعمى، ويظهر ويقول أنا قد شفيت وهكذا، أشياء عجيبة جداً، إذا رآها الإنسان قد يشك في دينه والعياذ بالله، لولا أنه يعلم أن هذا باطل، وأنه كذب، وأنه من المخاريق، وأن فيه من عبث الشيطان الشيء الكثير، لكن المهم أن عندهم إخراج.
مائة مليون دولار رصدت من أجل إنتاج أفلام دينية مأخوذة من سفر التكوين في هوليود، فالواحد منا لو تبرع بعشرة آلاف ريال لنشر شريط، يظن أنه عمل شيئاً كبيراً، ولا شك أنه عند الله كبير، لكن بالنسبة لعمل هؤلاء لا شيء.
هذه جهود ضخمة جبارة هائلة، يراد بها اقتلاع هذا الدين من الوجود، فحقيقتنا حين نستقبل هذا الغزو، كمن يقول: اقتلوني واذبحوني واضربوني، وأكثر من ذلك ضراوة، هو مثل من يكون أغبى من ذلك فيطلب من أعدائه أن يطعموه، بكل جراثيم الإيدز، وأن ينقلوا إليه أي مرض، فهذا وأمثاله ينقلون هذه الأمراض الفكرية والأمراض الأخلاقية إلى أهلهم وإلى ذويهم.
فما علينا جميعاً إلا أن نحيي واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الواجب الذي يكون الحمل الأكبر فيه على العلماء ثم على طلاب العلم، وعلى الخطباء وعلى الأئمة، أن يحذروا الناس من ذلك قبل أن تقع الكارثة وقد بدأت مع الأسف.
فما علينا إلا توسيع الدعوة حتى تكون عامة، وأن نركز على الشباب؛ لأنهم أمل هذه الأمة وأن نشغل أوقاتهم عن طريق وسائل عدة منها: المراكز، وحلقات التحفيظ، وانتقاء المدرسين الصالحين، والمناهج الطيبة، ونشر الوسائل الإعلامية الطيبة، فهذه وغيرها لا تنقص هذه الأمة فلدينا والحمد لله وسائل طيبة.
стр. 2493
حال من أيقن بالشهادة وهو تارك لركن من أركان الإسلام
السؤال: فضيلة الشيخ لقد قلت في حديثك أن ﴿من شهد أن لا إله إلا الله موقناً حرم على النار﴾ وهو حديث النبي ﷺ ، فكيف يعاقب إذن إذا كان تاركاً أحد أركان الإسلام وواحداً من الواجبات الأخرى؟ الجواب: إذا ترك الصلاة وإن كان قد قال لا إله إلا الله مثلاً فهو كافر، ولا يشمله ذلك، فالمقصود من وصل إلى حالة اليقين، واليقين كما ذكرنا يثمر لصاحبه الاستقامة، وامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فالذين يحرمون على النار هم الطائفة الذين عصمهم الله ﵎ لما أعطاهم من اليقين، فلم يرتكبوا ما يوجب دخولهم النار، فاستحقوا بذلك الجنة، وإذا فعلوا ما يوجب أو ما يستحقون به النار، فإما أن تشملهم رحمة الله وشفاعة رسول الله ﷺ ، فأيضاً هؤلاء طائفة لا يدخلون النار وإن كانوا في الأصل من أهلها، وإما أن يدخلوا النار فمن دخل النار علمنا أنه لم يكن من أهل اليقين، ولا من أهل الإخلاص، الذين وعد الله أنه لا يدخلهم النار.
стр. 2494
الإنكار يزيد الإيمان واليقين
السؤال: إنا نحبكم في الله ونسأل الله أن يجمعنا وإياكم في الفردوس الأعلى، ونرجو من فضيلتكم توضيح لنا هذا الأمر وهو: أنه يوجد في أحيائنا بعض المنكرات فنخشى أن ننكر هذه المنكرات فيضعف علينا الإيمان من كثرتها، فتقع هذه المنكرات، ونخشى أن لا ننكرها فنأثم؟ الجواب: لا أظن أن الذي ينكر المنكرات يضعف إيمانه، إلا إن كان قصد الأخ -مثلاً- لو كان شاباً في قوة الشهوة والشباب، والمنكر الذي ينكره -مثلاً- هو أن يذهب إلى بيوت للفساد، أو بعض المتعرين أو المتبرجات، وينصحهم ويكلمهم، فهذه الحالات عارضة.
أما الأصل فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يزيد الإيمان ويزيد اليقين، وبركاته وثمراته عجيبة، ورب رجل وُعظ أو نُهي عن منكر بكلمة فهداه الله ﵎ وأنت تشعر أو لا تشعر، فهذه نعمة عظيمة، ولكن إن كان في إنكار المنكر مفسدة فعليك اجتنابه.
ويقول شَيْخ الإِسْلامِ: إذا ترتب على إنكار المنكر مفسدة عظيمة فإنك لا تنكر هذا المنكر.
كما لو رأيت امرأة متبرجة ولا تأمن على نفسك الفتنة إن كلمتها، فلا تكلمها أنت، ولكن يمكن أن يكلمها من كان شيخاً كبيراً مسناً، ويأمن على نفسه من الوقوع في الفتنة وأشباه ذلك.
стр. 2495
مشكلة تواجه الشباب
السؤال
مشكلة تواجه الشباب، وهي: أن الواحد منا عندما يكون بين إخوانه يشعر بزيادة الإيمان، وعندما يكون وحده أو في بيته، ويصبح لوحده يضعف عنده الإيمان، وقد يرجع إلى المعاصي ومنها العادة السرية وغير ذلك، فما هو الحل لعلاج مثل هذه المشكلة؟
الجواب
كما ذكرنا سابقاً أن هذا شأن جبلي طبيعي في النفوس أنها لا تثبت على حالة واحدة من الإيمان ومن اليقين، بل يكون الإنسان مع إخوانه أقوى منه على انفراده كما في حديث حنظلة، لما قال: نافق حنظلة، عندما ﴿مر بـ أبي بكر وهو يبكي فقال مالك يا حنظلة قال: نافق حنظلة قال: نكون عند رسول الله ﷺ يذكرنا بالنار والجنة كأنه رأي عين فإذا رجعنا إلى الأزواج والضيعة نسينا كثيراً قال: فوالله إنا لكذلك، انطلق بنا إلى رسول الله ﷺ ، فانطلقنا فلما رآه رسول الله قال: مالك يا حنظلة، قال: نافق حنظلة يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة كأنه رأي عين فإذا رجعنا عافسنا الأزواج والضيعة ونسينا كثيراً﴾، فهذه نفس الحالة هذه، والحل في مثل هذا أن يستديم الإنسان رقابة الله ﵎ عليه:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيب
وأن يعلم أن الله سبحانه مطلع على كل أحواله وهو معه أين ما كان، وأن يحاول أن يحافظ على هذا الإيمان بقدر الإمكان، وأن يحافظ على حلق الذكر، وأن يلتقي بالإخوان دائماً لأنه كلما يلتقي بهم يزداد إيمانه، ولا شك أنه كلما كان معهم فهو أبعد عن المعصية، وهذا من فوائد صحبة الأخيار.
стр. 2496
حكم تعلم علم النفس وعدم اليقين به
السؤال
ما حكم تعلم علم النفس وعدم اليقين بكل ما فيه، وما هو رأيك في علم النفس؟
الجواب
هو باسمه وبشكله الحالي الموجود المنقول عن الغرب يؤدي ولا شك إلى الانحراف والضلال؛ لأن الذين كتبوه ودونوه لا يؤمنون بالله، أو لا يؤمنون بالغيب، أو لا يؤمنون بالروح التي هي حقيقة هذا الإنسان، وإنما تكلموا عن النفس على أنها أشبه ما يكون بأي نشاط من الأنشطة العضوية، فهؤلاء قوم لا يؤمنون بما وراء هذه المادة، وما وراء هذه الأعضاء، ولذلك نظرياتهم كنظرية بافلوف ونظرية، فرويد طبق في التحليل النفسي على الأمراض، مثلاً: بافلوف طبق على الكلاب، وغيره طبق على الفئران، فهم يعتبرون الإنسان حيواناً ويعتبرونه مادة، هذا خلاصة ما يمكن أن نوجز به حال هذا العلم الغربي.
أما من الناحية الإسلامية فكل كلام تكلم به السلف في أحوال القلب والإيمان والنفس وتزكيتها، فهو من علم النفس الإسلامي، إن سمي أو لم يسم، فكتاب الجواب الكافي، وكتاب مدارج السالكين، وكتاب إغاثة اللهفان، وغيرها من الكتب، هذه في علم النفس الإسلامي، وقد كتب علماؤنا في هذه الأبواب ما لا يمكن أن يتخيله علماء الغرب فضلاً عن أن يكتبوه؛ لأن أولئك لم يستضيئوا بنور الوحي، ومدارسنا الآن تحتاج إلى أن يكتب لها علم نفس إسلامي، مأخوذ من مشكاة الوحي ومنهج السلف الصالح.
стр. 2497
العلاقة بين الإحسان واليقين
السؤال
هل اليقين أحد مراتب الدين، وهل هو أعلى من الإحسان، وما رأيكم في الذين يقولون: إنهم يقتنون أجهزة البث المباشر لمتابعة الأخبار؟
الجواب
أما بالنسبة لمتابعة الأخبار فباختصار، إذا تابعنا ماذا نستفيد، وحتى لو تابعنا حتى لو رأينا ما هي الثمرة؟ أما من ناحية اليقين، فهو من أعمال القلب، وعلاقته بالإحسان كما ذكرنا، فالمحسن موقن والموقن محسن، لكن هذا أحد أعمال القلب التي هي أعمال باطنة , والإحسان يشمل الأعمال الباطنة والظاهرة، أما الأعمال الظاهرة الصالحة فهي من لوازم اليقين، وثمراته.
فنحن في مجتمع -الحمد لله- فيه خير وفيه فضائل وفيه قبول، كيف لو كنا في مثل ما فيه إخواننا في الجزائر -مثلاً- كيف كانت حالهم مع فرنسا من الاضطهاد ومسخ اللغة العربية، وإلغاء المناهج الدينية، وأحكام كلها قوانين وضعية، وانحلال وانحطاط واختلاط في المدارس، وكانت الحكومة التي خلّفها الاستعمار مثله، فهذا ما ربوا عليه الناس، كفر صراح بواح لا مكان فيه للإسلام، إلا في المساجد، فلو استيأس الدعاة إلى الله، ما حققوا شيئاً، ولكنهم قاموا وتحركوا وخطبوا وتكلموا ووعظوا وإذا بهذه الأمة سبحان الله يعتقل الصف الأول وجميع أئمة المساجد، فيأتي مكانهم الخطباء ويعتقل الخطباء، فيأتي خطباء، بل هم أكثر السجناء، فيهم أكثر من ستين ألفاً، ومع ذلك المساجد فيها الخطباء والدعاة والحمد لله.
سبحان الله! كيف تفجر هذا الإيمان وهذه القوة الحمد لله قام من قام، ودعا من دعا، وصبر وصمد وتحمل الأذى، فكانت خلفه أمة والحمد لله، فنحن نحتاج إلى هؤلاء الرجال المؤمنين الأقوياء، الذين لا يخشون في الله لومة لائم، والذين يدعون إلى الله سبحانه على هدى وعلى بصيرة، ويضحون بالغالي والنفيس في سبيل إقامة هذا الدين، فلِمَ لا تكن من هؤلاء وإن لم:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح
اختر لنفسك طريقاً من الآن، فلتكن مجاهداً، أو فلتكن داعية، أو فلتكن عالماً، أو فلتكن آمراً بالمعروف، وما يمكن أن يكون من سبل الخير، من الآن ابدأ وستجد -بإذن الله- أن بإمكانك أن تحقق الكثير، وأن تنتج الكثير وأن الله سبحانه سيبارك في جهودك وينصرك بإذن الله، وإذا كنت أنت والآخر، وتعاون الجميع وجدت الأمة التي ينصرها الله، كما أخبر رسول الله ﷺ : ﴿لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خالفهم﴾، وفي رواية قال: ﴿يقاتلون في سبيل الله حتى يأتي أمر الله﴾، وهو قيام الساعة والريح التي تخرج بين يدي الساعة.
стр. 2498
من أعمال القلوب: (المحبة)
في هذه المادة تحدث الشيخ حفظه الله عن عمل من أعمال القلوب ألا وهو المحبة، وبيِّن معنى المحبة وعلاقتها بالإيمان والعبادة، وأن العبادة لا تتحقق إلا بأمرين هما: كمال المحبة مع كمال الخضوع، ثم بين منزلة المحبة عند المؤمن والمنافق، وما ينتج عنها من ثمار.
стр. 2499
علاقة المحبة بالإيمان والعبادة
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وحبيبه وخليله الأمين، محمد وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد: حديثنا في هذا الموضوع هو عن عمل من أعمال القلب، بل هو من أعظمها شأناً وأهمية، وهذا العمل هو: المحبة، والمحبة عمل عظيم، فهي -كما سنبين إن شاء الله تعالى- مما يجب على كل مؤمن أن يعتني بها، وأن يعرف حقيقتها، وأن يحققها لرب العالمين ﵎ كما شرع لنا وعلمنا رسوله ﷺ .
والمحبة لها علاقة عظيمة ووثيقة بالإيمان وبالعبادة.
فأما علاقتها بالإيمان، فإن أصل الموضوع هو الحديث عن أعمال القلب، وعمل القلب جزء من الإيمان، الذي هو عند أهل السنة والجماعة: قول وعمل، فالقول قولان والعمل عملان.
وإذا أردنا أن نحدد كما حدده شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ في رسالته القيمة النافعة التحفة العراقية في الأعمال القلبية، فإننا نقول: إن هذا الدين الذي هو قول وعمل لكل قسم من قسميه أصل عظيم هو الأساس الذي يقوم عليه.
فأما الأقوال فأصلها وأساسها هو الصدق: العمل القلبي الذي ترجع إليه كل الأقوال، ويدخل في كل الأقوال.
وأما المحبة فهي العمل القلبي الذي ترجع إليه كل الأعمال، ويدخل في كل الأعمال والطاعات.
إذاً: عرفنا بهذا أهمية هذين العملين، وهما: الصدق والمحبة، اللذان هما من أعمال القلب، وعرفنا أيضاً علاقتهما بالإيمان، فالصدق: أصل كل الأقوال، والمحبة: أصل كل الأعمال.
وأما العبادة كما عرفها شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ في كتاب العبودية فقال: 'هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة'.
فالعبادة هي الدين كله، فكل ما أمر الله ﵎ به، فعملنا وامتثالنا به فإنه عبادة، وكل ما حذرنا الله ﵎ ونهانا عنه، فالتزامنا بتركه، ووقوعنا عند حدوده فإنه عبادة، فالعبادة تشمل هذه الأعمال جميعاً.
والعبادة هي الغرض وهي الحكمة التي خلق لها الثقلان، وهي التي طلبها الله ﵎ وأرادها من خلقه أجمعين، وهي التي بعث بها أنبيائه ورسله أجمعين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] وكما قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥].
стр. 2500
المحبة هي غاية العبادة
فإذا علمنا أن الحكمة من خلق الثقلين هي العبادة؛ فلنعلم أن العبادة هي تأليه الله ﵎، وإذا رجعنا للاشتقاق اللغوي لهذه الكلمة فإن المحبة: هي تأليه الله، ولذلك نحن نقول (لا إله إلا الله) مقرين وشاهدين على أننا لا نعبد إلا الله.
ولذلك فإن حقيقة لا إله إلا الله -كما جاءت في بعض الآيات وبعض الأحاديث- هي: أن لا يعبد إلا الله كما في آية الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] فهذه الكلمة هي بمعنى الآية الأخرى التي قال الله تعالى فيها: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] فالمعنى واحد.
ولذلك فإن الرسل الذين قال كل واحد منهم لقومه: (لا إله إلا الله) ودعاهم إليها، هم الذين قالوا لأقوامهم ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود:٢٦] و ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢] كما ورد ذلك في قصص الأنبياء، كنوح وهود وشعيب وصالح وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
فإذا كانت حقيقة العبادة هي التأله، فإن المحبة هي غاية التأله، أو بمعنى آخر: إن المحبة في اللغة إذا اشتدت وغلا فيها صاحبها، أو عظمت عند صاحبها وارتقت فإنها تصبح ولهاً، ويصبح المحب الذي يحب محبة عظيمة بشغف وشوق شديد ولهاناً، ويقال له: (ولِه، وَوَاله، وولهان) من هنا فإن الوله هو: شدة المحبة، والتأله لله ﵎ هو: شدة محبة الله، ومحبة ما جاء من عند الله ﵎.
فإذا قيل في اللغة: فلان يتأله؛ فإن معنى ذلك أنه يتحبب إلى الله ﵎، ويحب الله ﵎ محبةً عظيمةً.
стр. 2501
تحقق العبادة يكون بأمرين مهمين
المحبة الشرعية لها علاقة بالعبادة من جهة أخرى، وذلك أن التعبد والتأله لا بد أن يجتمع فيه أمران هما: كمال المحبة مع كمال الذل والخضوع، فالعابد الذي يعبد الله ﵎ لا بد أن يجمع بين هذين الأمرين.
وإذا تجردت المحبة عن الخضوع والذل أصبحت العبادة دعوى لا قيمة لها، وهذا ما أخطأ فيه الصوفية وأمثالهم ممن ادعوا محبة الله ولكنهم لم يأتمروا بأمر الله، ولم يخضعوا لسنة محمد ﷺ ، ولم يحكّموها في أقوالهم، وأعمالهم، وعباداتهم.
وإذا أصبحت العبادة ذلاًَ وتجردت عن المحبة، أصبح العابد يعبد معبوده وهو لا يحبه، فعندها تتحول المحبة إلى بغضٍ وكراهيةٍ، ويصبح العابد هذا مكْرَهاًَ، ففي هذه الحالتين لا يقبل الله ﵎ هذه العبادة.
فلا بد إذن من اجتماع الأمرين في العبادة: المحبة من جهة، والخضوع والذل من جهة أخرى.
وبهذا نكون قد علمنا ارتباط المحبة بحقيقة الإيمان وارتباطها كذلك بالعبادة وبالتأله لله ، فإن هذا يقودنا إلى أن المحبة هي أصل كل الأعمال، وهي ركن لا بد منه في كل عبادة.
فمعنى ذلك أن المحبة تدخل في كل عمل من أعمالك التي تعملها، فإن ذكرت الله ﵎، أو صليت، أو صمت، أو قرأت القرآن، أو حججت، أو اعتمرت، أو تصدقت، أو أي عمل عملته فلا بد أن يكون ركن المحبة، وعنصر المحبة متوفراً فيه، وهذا هو الفرق بين المؤمن والمنافق.
стр. 2502
المحبة بين المؤمن والمنافق
الفرق بين المؤمن والمنافق هو: أن المنافق حاله كما أخبر الله ﵎ عنه بقوله: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤] فلم ينفعهم ذلك؛ لأنهم آمنوا كرهاً لكي تنجوا رقابهم من السيف، كما أنهم إذا خرجوا مع المؤمنين إلى الجهاد يخرجون وهم كارهون له، بل هم كارهون لنصر الله، ولا يريدون أن ينصر الله هذا الدين، وأيضاً ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء:١٤٢] لأنهم يكرهون الصلاة، وهذا التثاقل منهم عن العبادة نتج لما في قلوبهم من الكراهية وعدم المحبة، وإلا فإن الذي تحبه مهما كنت متعباً، أو مجهداً، أو مرهقاً، فإنك تبادر إليه وتقوم وتنطلق وتسعى، وتنسى كل ما كنت تشعر به من تعب، فهكذا فطر الله القلوب والنفوس.
أما المنافقون فلو نام أحدهم الليل كله، وكان في غاية الراحة البدنية، ثم دعي إلى الصلاة، فإنه لا يؤديها إلا وهو كسلان -والعياذ بالله- ويجدها ثقيلة على قلبه، وإذا دخل المسجد فهو كالطير المحبوس في القفص، لأنه لا يحب المسجد ولا الصلاة ولا ذكر الله ﵎.
أما المؤمن فهو بعكس ذلك، فالمؤمن يحب الله ﵎ ويحب طاعته، ويحب أن يقرأ القرآن ويجد في قراءته من الحلاوة واللذة والمتعة ما ينسيه أعظم الهموم، ويجلي أحزانه، ويشرح صدره، ويثلج خاطره، وكما أن حبه للصلاة تدفع عنه همه، وغمه، وألمه، ولذلك تجد قلبه معلقاً بالمساجد، كما جاء في حديث من يظلهم الله ﵎ تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله: ﴿ورجل قلبه معلق بالمساجد﴾ وذلك من محبة المؤمنين لطاعة الله، فإذا ذهب هذا المؤمن أو سافر إلى أي مكان، فإن أول شيء، وأهم شيء يسأل عنه، هو: سؤاله عن مكان المسجد والعالم والمكتبة؛ لكي يستفيد منها علماً يقربه من الله ﵎، فهذا قلبه معلق بالمساجد، ومحبته تابعة لطاعة الله، ولعبودية الله، ولرضى الله تعالى، فحيث ما كانت فإنه يتبعها ويتجه إليها.
أما أولئك المنافقون فإن صدورهم تنشرح باللهو واللعب ولأماكنها، ولو أن أحدهم ظل الليل كله يغني ويطرب، ويهتز، ويرقص لما تعب ولا تألم، فإذا قيل له: الصلاة الصلاة ولو كانت ركعتين ثقلت عليه وكأنه يحمل على ظهره أشد ما تكون الأثقال والأحمال، نسأل الله العفو والعافية، فهذا حالهم في الصلاة.
وأما حالهم في النفقة فإنهم كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة:٥٤] فيدفع الواحد منهم ويستلذ أن يدفع في الشر والفجور، وفي مقاومة الخير الشيء الكثير؛ ولذلك لما بنوا في عهد النبي ﷺ مسجد الضرار، فقد كلفهم ذلك البناء نفقة وجهداً، لأنه لا بد في أي عمل من الأعمال من نفقة وتكاليف، ولكنهم استحبوا هذا العمل، ووجدوا أنه لا حرج فيه ولا غضاضة.
فحالهم كحال كثير من الناس اليوم -والعياذ بالله- ينفق ما ينفق على نوادي اللهو، واللعب والكرة، وعن كل ما هو مبعد عن طاعة الله ﵎، لكن إذا قيل له أن يفعل عملاً خيرياً كأن يطبع كتاباً، أو ينفق لطباعة كتاب يعلم بعض المسلمين دينهم، أو أن يتصدق على الفقراء في أنحاء العالم الإسلامي -وما أكثر الفقراء اليوم- أو أن يشارك في إتمام بناء مسجد وبمبلغ أقل مما يدفع في الشر، فإنه لا ينفق إلا إذا كان للدين قوةً، أو كان للذي كلمه هيبة لديه، فإنه ينفق وهو كاره -والعياذ بالله- فهو لا يحب الطاعة ولا يريدها.
فلهذا فإن الله تعالى لا يقبل منهم نفقاتهم أو صدقاتهم؛ لأن أساس القبول هو: المحبة، فمن كان راغباً فيما عند الله ﵎ محباً له، فمهما قل عمله، ومهما قلت نفقته، فإنها كثيرة عند الله ؛ لأن المطلوب من العبد أن يتعبد الله بما يستطيع، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧].
وفي عهد النبي ﷺ كان بعض الصحابة يأتي بعذق من الرطب للتصدق به، وربما يكون العذق حشفاً أو قريباً من الحشف؛ لكنه لا يملك إلا ذلك، فإن الله ﵎ يأجره عليه كمثل الذي يملك ذهباً وتصدق به، فهذا تصدق بما يملك وذاك تصدق بما يملك.
أما المنافقون فإنهم -كما ذكرهم الله- ينفقون وهم كارهون، ومع ذلك يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات ويلمزون الذين لا يجدون إلا وسعهم، فيقولون: هذا الذي لم يأت إلا بهذا العذق الرديء، لو لم يأت به لكان خيراً.
كما يقول كثير من الناس اليوم: إن كانت الدعوة هكذا فإننا لا نريدها، وإن كانت الموعظة بهذه الطريقة فلا تتعب نفسك، وإن كان المركز بهذا الشكل؛ فلا تتعبوا أنفسكم، مع أنك قدمت ما في وسعك، لكن غرضهم ليس أنهم يريدون الأفضل، ولكن الغرض هو: الطعن، واللمز، والهمز الذي هو من أعظم صفات المنافقين لأنهم يكرهون الطاعة، ويكرهون من يعمل لطاعة الله ﵎.
стр. 2503
المحبة بين المؤمن والمشرك والكافر
إن محبة الله كما أنه يفترق فيها المؤمن عن المنافق -كما ذكرنا- فكذلك يفترق فيها المؤمن والمشرك والكافر، والله ﵎ يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥].
الكل يقول: إنه محب لله، لكن المشركين خلطوا محبة الله بمحبة آلهتهم، ولذلك فالمؤمنون أشدُّ حباً لله من محبة الكافرين لله ولآلهتهم، فإن كانوا -كما يدَّعون- يحبون الله، فإنهم لا يعيبونه إذ ليس في إمكان أي متأله أن يقول: إنني لا أحب الله، فكل متأله يزعم أنه يحب الله وإن كان مشركاً، فالمشركون الأولون يقولون: نحن نحب الله، والمشركون المعاصرون في هذا الزمن يدّعون ذلك أيضاً.
لكن هناك فرق بين المحبة الإيمانية، وبين تلك المحبة التي شابها وخالطها الشرك فأبطل عمل صاحبها.
ثم إنه من خلال المحبة، والتعظيم، والإجلال، والطاعة، والتشريع وقع الناس في الشرك، كما ذكر ووضح ذلك ابن القيم ﵀ في المدارج، فالذين أشركوا بالله ﵎ قديماً لم يشركوا به في ربوبيته، ولم يجعلوا خالقاً آخر غير الله خلق كخلقه أو خلق معه، أو يجعلون رازقاً يرزقهم من دونه أو معه، أو مدبراً يدبر الأمر كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس:٣١] فهم يقرون لله بهذا، وإنما كان شركهم وعدلهم وتسويتهم في المحبة بين الله وخلقه، والإجلال، والتعظيم، والطاعة، والتشريع لغيره، كما يدل على ذلك القرآن في قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] فلما اتبعوا غيره وأطاعوهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال فهم بذلك جعلوهم أرباباً من دون الله.
стр. 2504
الشرك في المحبة
من خلال ما سبق يتبين لنا أن الشرك في المحبة شرك عظيم، وأصل عبادة كل معبود هي محبته، فالذين عبدوا وداً وسواعاً ويغوث ويعوق ونسراً، والذين أحبوا المعبودات والمألوهات من دون الله ﵎ إنما غلوا في محبتهم تلك فعبدوهم.
فهذه المحبة إن كانت للصالحين فهي غلو، وإن كانت للأحجار وما أشبهها فتعتبر صرفاً لما لا يجوز أن تصرف له تلك المحبة، وصرفٌ لعبادة الواجب فيها أن تكون خالصة لله ﵎، ومن صرفها لغير الله فقد وقع في الشرك، ووقع في العدل، ووقعت التسوية، وسيندمون على ذلك يوم القيامة ويقولون: ﴿إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ - ٩٨] وهو العدل الذي ذكره الله ﵎ في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] أي: يساوون به غيره في هذا الأمر.
والعبادات منها ما هو حق خالص لله ومنها ما هو حق للمخلوقين، فأما ما هو حق خالص لله ﵎ فهي نوع لا يشترك فيها أحد مع الله، ويحرم أن يشرك بالله فيها كما قال في -الحديث القدسي-: ﴿أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملاً أشرك معي فيه غيري؛ فهو للذي أشرك﴾ وفي الرواية الأخرى: ﴿تركته وشركه﴾ هذا ما كان حقاً لله من العبادات.
وأما ما هو حق للمخلوقين من العبادات فمنها بر الوالدين، والإحسان للجار، والفقراء وما أشبه ذلك، من حقوق المسلم فهذه تدخلها المحبة، وهي من حق المسلم على المسلم، وكما يجب عليك أن تحب المؤمنين فيجب عليك أن تبغض الكافرين.
فإذاً: نجد أن المحبة تدخل في كل أنواع العبادات، وسنركز على النوع الخالص والخاص بالله ﵎، فهذا النوع كلما كمل العبد فيه كان ذلك أرقى، وكلما اجتهد في تحقيقه كان أكمل وأعظم درجة، ولذلك فإن من أعظم الناس محبة لله ﵎ هو الذي كمل في المحبة حتى بلغ الدرجة العليا من العبودية لله .
стр. 2505
أكمل الناس في المحبة
وأكمل الناس محبة لله هم الأنبياء وأفضل الأنبياء في ذلك الخليلان: إبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهما، ولذلك يقول ﷺ : ﴿لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً﴾ أي أن النبي ﷺ لم يتخذ من أمته خليلاً، مع شدة محبته لـ أبي بكر ولـ عائشة رضي الله تعالى عنها، من أجل أن تكون خلته لله وحده، فهو خليل الرحمن، كما أن إبراهيم خليله صلوات الله وسلامه عليهما، ولذلك كانت أعمال الخليلين، وحياة الخليلين شاهدة على كمال الخُلّة التي حققاها.
فهذا إبراهيم ﵇ عندما ابتلاه الله بأن يترك ابنه وزوجته في صحراء مكة القاحلة، بواد غير ذي زرع، وأمر أن يذهب ويرجع إلى بلاد الشام ولا يترك معهما شيئاً وأن يوكلها إلى الله، وأيقن بذلك، وذهب وتركهما.
ثم لما ابتلي بأكثر من ذلك؛ بأن يذبح ابنه إسماعيل حقق ذلك، فأضجعه وتله للجبين، ولولا أن الله ﵎ فداه بالذبح العظيم لذبح ابنه، لأن قلبه قد تجرد عن كل محبة تخالف محبة الله ﵎، وأصبح خليلاً للرحمن، والخليل لا يمكن أن يخالف أمر خليله أبداً، بل يأتمر بأمره ويطيعه في كل شيء وفي كل أمر.
стр. 2506
الاتباع هو من كمال المحبة
ولهذا ربط الله ﵎ بين المحبة والاتباع كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران:٣١] فحقيقة المحبة، أن يتبع العبد ما أنزل الله، وأن يتبع رسول الله ﷺ ، وأن يتبع ما شرع الله وما أمر به ولا يخرج عن شيء من ذلك أبداًَ، فإن تمسك بهذا ترقى به في مدارج العبودية، وهو الذي يتحقق به كمال العبودية وبالتالي كمال المحبة.
ولذلك لما كان أعظم وأشق أنواع العبادات هو الجهاد اقترن بالمحبة؛ لأنك إن كنت تحبه فلا بد أن تجاهد في سبيله، وتضحي بالغالي والنفيس من أجله، ولذلك يقول الله ﵎: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة:٢٤].
فهنا قارن الله بين المحبتين، فإما أن تكون هذه أحب أو تلك وهذا حال أكثر الناس مع الأسف الشديد محبة الأبناء والأزواج والعشيرة والأموال والمساكن والدنيا والأراضي والشركات والمؤسسات، وكل ما هو من زينة الحياة الدنيا.
فإن كانت هذه أحب إليك من الله ورسوله وجهاد في سبيله، والجهاد: خصه الله من بين سائر العبادات لأنه أشق العبادات، وهو الغاية قال: ﴿وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ [التوبة:٢٤] فإن حدتم عنها ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة:٢٤] وهذا وعيد من الله ﵎، فإما أن يسلط الله الذل على المؤمنين، كما جاء في الحديث ﴿إذا تبايعتم بالعينة، واشتغلتم بالزرع، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم﴾ وإما أن ينزل علينا عقوباته السماوية، وإما أن يعاقب من فعل ذلك بتسليط بعض خلقه عليه، فهو يعاقب كما يشاء وكيف يشاء.
стр. 2507
من صفات عباد الله أنه يحبهم ويحبونه
قال الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] فهذا الصفة العظيمة أول ما ذكر ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ فجمع بين المحبة وبين الجهاد في سبيل الله، ولذلك جعل الله هذه المحبة متبادلة ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فهذا دليل على أنه اصطفاهم واختارهم من بين خلقه، وإلا فهو تعالى يخلق ما يشاء، فكل هذا الكون بيده، والكل في ملكه وفي سلطانه ، وكل ما ترى أعيننا من خلائق فهي مسبحة بحمده كما أخبر به الله بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، ومع ذلك فقد اختار هؤلاء ليحبهم وليحبوه .
فهو الودود، والمؤمنون يودونه، هو يُحِب ويُحَب -وهو القول الذي لا يجوز الذهاب إلى سواه- وهذا قول أهل السنة والجماعة بخلاف من أنكر ذلك من غلاظ القلوب والأكباد من الجهمية وأمثالهم من المؤولين كـ الأشعرية الذين ينكرون أن الله يحب أو يحب.
يحبهم ويحبونه هذا أول الأمر، علاقة مع الله ﵎، أما في العلاقة مع الخلق فتتصف أخلاقهم بالذل للمؤمنين والعزة على الكافرين، فهذه هي العلاقة الصحيحة التي هي صفة من يختاره الله جل وعلا، إذا ارتد الناس عن دينه فإنه يختار ويصطفي هؤلاء.
أما المحب للكافرين والكاره للمؤمنين فهذا لا يمكن أن يصطفيه أو يختاره الله، بل هو من الهالكين، وممن يشمله الوعيد الذي في الآية السابقة من سورة التوبة.
ثم يأتي من صفات أحباء الله أنهم يجاهدون في سبيله، لأنه من كمل محبته لله، وكمل ولاؤه للمؤمنين لا بد أن يجرد سيفه لمقاتلة أعداء الله الذين يبغضون الله ويبغضهم الله ﵎، والذين يبغضون المؤمنين ويبغضهم المؤمنون، ولا يخافون في الله لومة لائم، لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقولون كلمة الحق، ولو خافوا في الله لومة لائم ما قالوا الحق، وهذه سمة واضحة في كل من خاف الخلق في الله؛ أنه لا يقول كلمة الحق أبداً، لأن أهواء الناس تخالف ذلك الحق.
فإن تكلم في الأخطاء والانحرافات والضلالات التي يقع فيها الحكام والسلاطين لم يرض عنه الحكام، وإن تكلم فيما يقع فيه التجار من المحرمات والمعاملات المحرمة وما أشبه ذلك، فهذا لن يرضى عنه التجار، وإن تكلم في ما يقع فيه طلاب العلم غضبوا عليه، وإن تكلم في أي طائفة من الناس ممن خالفوا أمر الله ودينه، وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر فإن ذلك لا يعجبهم.
ولذلك فالمؤمن من صفاته أنه لا يخاف في الله لومة لائم، فمن كانت هذه صفته فهو من المختارين، وهو البديل لمن يرتد عن دين الله ﵎، ولا يقوم بحمل أمانة هذا الدين التي هي أعظم الأمانات وأثقلها إلا من كانت هذه صفته.
ولذلك نعود إلى الأصل وهو اقتران الجهاد بالمحبة: فالمؤمن لا يبالي بمن يلومه ولا نقول: إن حقيقة الملام هي ما يسعى إليه المؤمنون، ولكن كل من عمل بتقوى الله وأحب الله وأحب رسول الله ﷺ ، وأطاع الله واتقاه، وأحب المؤمنين وأبغض الكافرين فلا بد أن يتعرض لهذا اللوم.
أما الذين سموا أنفسهم الملامتية من الصوفية وأشباههم ويقولون: نتعرض للوم لكي نهين أنفسنا، ولكي نرغمها، ويتظاهرون بالمعاصي أمام العامة حتى يهينوهم ويذلوهم، ويقولون: ندفع بذلك الرياء وأمثال ذلك من الأباطيل، فهذا انحراف عن منهج التربية والتزكية الذي شرعه لنا رسول الله ﷺ بأمر من الله، وهذا هو الملام المذموم، فهم مذمومون في أعمالهم وإن لحقهم اللوم فهو في محله.
أما المؤمنون فإنهم بإخلاصهم في دين الله واجتهادهم في طاعة الله، لا بد أن يلاموا، لأنه لم يقم أحد بشيء من هذا الدين وعمل من أجله وجاهد عليه إلا تعرض للوم.
والرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم قيل عنهم: هذا ساحر، وهذا شاعر، وهذا كاهن، وهذا كذاب، وقالوا عن القرآن: أساطير الأولين اكتتبها وأعانه عليه قوم آخرون، أشياء عظيمة قيلت فيهم، فلا بد أن يقع اللوم، فما على المؤمن إلا أن يستقيم على أمر الله؛ فإن وقع عليه من اللوم -وهو لا يطلبه- فليحمد الله الذي أعانه ووفقه للصبر والثبات لكي يكون ممن اختارهم الله .
стр. 2508
حقيقة المحبة وأثر تحقيقها
المحبة لله يتفرع عنها محبة عظمى، وهي محبة رسول الله ﷺ ، ولهذا قال ﷺ كما في الحديث المتفق عليه: ﴿لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين﴾ ومحبة رسول الله ﷺ عمل قلبي عظيم، وقربة عظمى، فهي قرة عيون المؤمنين، فأما من رآه منهم فوالله ما يعدلون برؤيته ﷺ شيئاً في هذه الدنيا، وإن كانوا ممن لم يروه -كما هو حالنا- فوالله لا يرون أن شيئاً في هذه الدنيا يساوي أن يكونوا قد رأوا رسول الله ﷺ مهما أوتوا من متاعها، وإن أعظم ما يرجوه عند الله في الجنة أن يروا ربهم ، وأن يروا رسول الله ﷺ ويكونوا رفقاءه في الجنة، فهذا غاية ما يسعى إليه كل مؤمن.
ومن لوازم محبته ﷺ الاهتداء بهديه والاقتداء بسنته، ومحبة ما أحب، وأعظم ما أحب رسول الله ﷺ أنه أحب الله، وأحب الجهاد، وأحب الأمر بالمعروف، وأحب النهي عن المنكر، وأحب الصلاة، وأحب المؤمنين، وأبغض ﷺ الكفر، والشرك، والنفاق، والكافرين، والمشركين، والمنافقين، والفجار، والكذابين، والظالمين، وهكذا.
فإذا أحب الإنسان ما أحبه الرسول ﷺ ، وأبغض ما أبغضه الرسول ﷺ كان الإنسان سائراً على درب المحبة وطريقها، كما قال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١].
стр. 2509
حقيقة المحبة لله
جعل الله تعالى حقيقة محبته في اتباع رسول الله ﷺ ثم رتب على ذلك ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله﴾ [آل عمران:٣١] فرتب على اتباع رسول الله ﷺ أن يحبهم الله، فإذاً: ليس الغرض أن يدعي أحد محبة الله، كما قال بعض السلف: ادعى قوم محبة الله فأنزل الله هذه الآية، فهذه آية المحنة أو آية الامتحان، لأنها امتحان لهم في حقيقة المحبة.
فليس الغرض فقط أن يدعي قوم أنهم يحبون الله، بل الغاية أن الله يحبهم، فلو أن أحداً ظن أنه يحب الله، ولكن الله لا يحبه فلن ينفعه ذلك أبداً! فانظر إلى عباد النصارى الذين حجروا على أنفسهم في الأديرة والصوامع، وحرموا ما أحل الله اعتقاداً وظناً منهم أنهم يفعلون ذلك قربة إلى الله، وأن الله يحبهم؛ ولكن لم ينفعهم ذلك، لأن الله لا يحبهم، فلذلك لم ينفعهم أي عمل، فالغرض من هذه العبادات حصول الثمرة وهو أن يحبهم الله، وليس أن يدّعوا هم محبة الله، فلهذا قال ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ﴾ [آل عمران:٣١] فإذا أحبك الله فهذه هي النعمة، وهذا هو الرضوان، وهذه هي البشرى، فأبشر بالجنة وأبشر بالخير، وبمحبة الناس لك في هذه الحياة الدنيا، فإن الله ﵎ كما ثبت في الحديث: ﴿إذا أحب عبداً نادى جبريل ﵇: إني أحب فلان فأحبه، فيحبه جيريل ﵇، وينادي في أهل السماء: إن الله ﵎ يحب فلاناً فأحبوه، فيحبونه، ثم يوضع له القبول في الأرض؛ فيحبه أهل الأرض﴾ فهذا الفضل من الله لمن يحبه الله .
فنحن محتاجون إلى محبة الله لنا، أما دعوانا أننا نحب الله، فيمكن لكل كافر وزنديق وملحد وأي إنسان من بر أو فاجر أن يدعيها، لكن ما حقيقة ذلك وما دلالته؟!
стр. 2510
المحبة لله ورسوله تكون في الاتباع
لا بد أن يعلم الإنسان أن المحبة في الحقيقة هي في الاتباع، ولا نقول: إن الاتباع يتجرد عن المحبة بمعناها القلبي، لأن المحبة القلبية هي من الاتباع، فما محبة الله ومحبة رسوله ﷺ إلا في الاتباع العام، والالتزام بسنته ﷺ أثر لازمٌ وظاهرٌ لهذه المحبة التي هي عمل قلبي، فإن كانت المحبة صادقة فإن هذا يظهر في سلوك جوارح وأعمال المحب.
وذلك بأن يحب العبد كل ما أحبه رسول الله ﷺ ويبغض كل ما أبغضه رسول الله ﷺ ، ويتأسى به في كل عمل، وفي كل ما ثبت عنه ﷺ .
وتقديم محبة رسوله ﷺ على غيره يثمر للعبد ثمرةً عظيمة ونعمة كبرى، لا تعادلها كنوز الدنيا جميعاً ولا ملذاتها، ألا وهي حلاوة الإيمان، جاء في الحديث ﴿ثلاث من كن فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان﴾ فالإيمان شيء وحلاوته شيء آخر، فكونك تجد حلاوة الإيمان وتعلم نعيمها، فإنه يهون أمامك كل شيء، وتشعر بأن هذه هي جنة الدنيا، كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: 'إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة' فبقدر تنعمك بحلاوة الإيمان في قلبك يكون تنعمك بالجنة بإذن الله.
أما الذين أغلقت قلوبهم وحجبت، وطمست بالكفر والشهوات والشبهات في الدنيا عن ذكر الله ومحبته فهؤلاء هم أهل النار والعياذ بالله، قال ﷺ في حلاوة الإيمان: ﴿أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما﴾ فلا يقدم عليهما في المحبة أي شيء، وإن حدث تعارض بين مقتضى محبة الله مع مقتضى محبة الأهل أو النفس أو الزوجة أو غير ذلك من الأحباب والأخلاء والأصدقاء، فإنه يجب أن يقدم مقتضى محبة الله ﵎ على ذلك، قال ﷺ : ﴿وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله﴾ وهذا فرع عن الأول، لأن الناس لا بد لهم من علاقات فيما بينهم، على أن تكون هذه العلاقات بين الخلق مبنية على المحبة في الله، وهذا ما دلت عليه الآية ﴿يحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].
فكل الآيات والأحاديث في مدلولاتها وتطبيقاتها في منهج أهل السنة والجماعة تترابط دائماً وتدل على معنى وحقيقة واحدة.
فمن ذاق طعم الإيمان، وذاق حلاوته، وأحب الله ورسوله، وقدم محبتهما على كل شيء، وأحب المرء أخاه ولم يحبه إلا لله خالصاً لوجهه الكريم، فإنه لا بد أن تثمر عنده: ﴿وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار﴾ فهذه هي الحالة الثالثة، وكما قد جرى لأصحاب الأخدود، وعذب أصحاب رسول الله ﷺ ، وكما يفتن المؤمنون في كل زمان ومكان، ولا يرجعون عن دينهم أبداً، لأنهم ذاقوا حلاوة الإيمان.
ولهذا يجعل الله ﵎ من الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: ﴿رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه﴾ لأن محبتهما تجردت عن أن تكون لهوى أو لشهوة أو لغرض مما يجتمع عليه الناس، وهذه هي المحبة التي تدوم عند الله ﵎.
أما ما عداها: فكل نسب، وكل علاقة، وكل صلة، وكل محبة يوم القيامة ليست لله فهي مقطوعة، ويتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، ويعادي بعضهم بعضاًَ على مودتهم في الحياة الدنيا ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] فالمتقون أحباء في الدنيا وأحباء في الآخرة.
ولهذا كما في حديث أنس في الصحيح أنه قال: لم يكن عند الصحابة أرجى من قوله ﷺ : ﴿المرء مع من أحب﴾ قالوا: هذا أرجى ما سمعنا، فنحن نحب رسول الله ﷺ ونحب أبي بكر وعمر، ونرجوا أن نكون معهم.
فمعنى كلامهم: إن لم نلحق بهم بأعمالنا فإننا نرجو أن نلحق بهم بمحبتنا لهم.
стр. 2511
أثر محبة الله وأثر تحقيق المحبة
أثر محبة الله وأثر تحقيق المحبة أنها: تثمر لصاحبها علواً ورفعةً في الدرجة، لم يكن ليصل إليها لولا هذه المحبة، إن قصر بك عمل الجوارح من أن تجاهد كجهادهم، أو أن تأمر بالمعروف كأمرهم، أو تتعبد كعبادتهم، فيجب أن تحبهم بقلبك، وأن تسأل الله ﵎ مرافقتهم، وأن تبغض من أبغضهم، وتعادي من عاداهم، وبذلك تصل -بإذن الله ﵎ من الخير الكبير، وأن تصل إلى قربهم أو أن تدنو منهم، وهذا شرف عظيم، وفخر كبير، وغاية لو شمر لها العابدون والساعون الدهر كله لكانت مستحقة لذلك.
فحقيقة المحبة إذاًَ هي ما قدمنا من حيث علاقتها بالإيمان، والعبادة حيث إن المحب على الحقيقة لا يقدم أمراً ولا نهياً، على أمر ونهي من يحبه وهو الله ﵎، مما يثمر ذلك لديه الاستقامة في السر والعلانية، وفي كل شأن من شئون الحياة، واتباع سنة رسول الله ﷺ الذي جُعل اتباعه امتحاناً لحقيقة المحبة وامتثالها.
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلنا ممن يحبهم الله ويحبونه، وممن يقيم هذه الأعمال وهذه الحقائق القلبية الإيمانية في نفسه وأهله ومجتمعه، ويدعو إلى ذلك، إنه سميع مجيب.
стр. 2512
الأسئلة
стр. 2513
المحبة عند أهل الكلام وأهل التصوف
السؤال
اقتصرتم في ذكر أعمال القلوب عند أهل السنة والجماعة فهل من إشارة إلى هذه الأعمال عند بعض الفرق وإزالة شبههم التي قد غيرت أفكار كثير من الناس؟
الجواب
المحبة عند الصوفية أو الزنادقة -وهكذا سماهم السلف لأن كل من ادعى المحبة من غير تعبد واتباع للسنة فهو يسمى ويعدُّ زنديقاً- لها معنى آخر، فهناك منهجين مخالفين لـ أهل السنة والجماعة هما: أهل الكلام وأهل التصوف وكلاهما غلط وضل في حقيقة المحبة لله ، فأما أهل الكلام فهم ينكرون أن الله تعالى يُحِب أو يُحَب، وهذا ضلال عظيم -والعياذ بالله- فهم غلاظ القلوب والأكباد، فكيف نتخيل أن يعبدوا الله وهم يعتقدون أنه لا يُحِب ولا يُحَب، وهم لا يحبون الله، وهذا من ضلالهم.
أما ضلال الصوفية وهو الأشهر والأظهر، أنهم لم ينكروا المحبة بل صرفوها وصرفوا الأمة معهم عن حقيقتها، فأصبحت المحبة عندهم بالنسبة لله ﵎ هي أناشيد، فتراهم يأتون بشعر قيس مجنون ليلى.
أو أي شعر في الديار أو في الأوطان أو في الغربة أو في غيرها، وينشدون ويغنون ويقولون: نحن نعني بذلك محبوبنا وهو الله، وليلى ليست هي المقصودة وإنما المقصود هنا هو ذات الله، تعالى الله وتبارك عن ذلك علواً كبيراً.
فأصبحت جلساتهم وحضراتهم كلها من ذلك الغناء، ومن هذه الأناشيد, ومن هذا اللهو, واستحلوا تبعاً لذلك الرقص، والدف، وأنواع المزامير، فأصبحت جلساتهم هي جلسة غناء لا أكثر ولا أقل، إلا أنه غناء -كما يزعمون- للدين، وذاك غناء أهل الطرب للطرب، لكن الباعث والمحرك واحد وهو حظ النفس، نسأل الله العفو والعافية.
وضلوا عن محبته ﷺ ، فزعموا أن من محبته أن تتحدث عنه عن مولده، وكيف كان، والعجائب في ذلك ضعيفها أو موضوعها أو صحيحها، ثم لا يذكر جهاده، ودعوته، وما دعا إليه، وإنما كله يتعلق بشخصه وببدنه ﷺ ؛ فبعد أن يتحدثوا عن مولده ويعدون ذلك حباً، بل يسمونه أحياناً عشقاً -والعياذ بالله- ويتكلمون في ذلك ما ثبت عنه أيضاً وما لم يثبت، عن لونه، وشعره، وعينيه، صلوات الله وسلامه عليه، ويقتصرون على هذا الجانب ويخلطون الصحيح بالضعيف والموضوع.
فهذه محبة رسول الله ﷺ عندهم، أما المؤمنون أهل السنة والجماعة فمحبتهم كما ألمحنا آنفاً.
стр. 2514
نبذة عن رابعة العدوية
السؤال
فضيلة الشيخ: عندما تذكر المحبة عند الصوفية تذكر رابعة العدوية نريد نبذة موجزة عنها وما موقفنا منها؟
الجواب
عندما تذكر رابعة التي يسميها البعض شهيدة الحب الإلهي، أو شهيدة العشق الإلهي، وكان هذا في القديم حيث كتب وقيل فيها ما قيل، ثم حديثاً عُمِلت الأفلام باسم رابعة العدوية والعياذ بالله.
فالذي أراه في رابعة العدوية أن نقول فيها ما قاله أئمة الجرح والتعديل، حيث إن أبا داود ﵀ وهو تلميذ الإمام أحمد في الحديث وفي الجرح والتعديل- يقول عنها: 'ورابعة رابعتهم على الزندقة' أي: أن رابعة العدوية كانت، من ضلال العباد، الذين ضلوا في عبادتهم وخرجوا عن سنة نبيهم ﷺ ، فهي كانت تزعم أن أمرها وشأنها كله محبة، فأسقطت الخوف والرجاء بالكلية، وعلقت نفسها بالمحبة، وامتنعت عما شرع الله ﵎ للنساء من الزواج وغيره، وتبتلت وترهبنت ترهب النصارى، وليس بالتبتل الذي شرعه الله ﵎ لعباده، فهي كما قال ﵀، فما ثبت وما صح وما يصح عندنا هو ما يقوله علماء الجرح والتعديل.
أما ما يفتريه الصوفية وأمثالهم فهذا لا شأن لنا به، وإن كان فيما يذكرون عنها طوام، ومكفرات، وأنها عندما تقول: ' إنني لا أحب الجنة ولا أخاف النار وإنما أحب الله فقط ' وتقول: ' إن من أحب الله من أجل الجنة أو النار أو من اجتهد في العبادة لأجل الجنة والنار فهو أجير ' كما ينسب إليها، هذه الأبيات الشعرية التي تقول فيها:
أحبك حبين حب الهوى وحب لأنك أهل لذاك
فأما الذي هو حب الهوى فشغلي بذكرك عمن سواك
وأما الذي أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراك
إلى غير ذلك مما ينسب إليها، وهذا فيه انحراف وفيه ضلال ومنه ماهو كفر، كما ينسبون إليها أنها سمعت قارئاً يقرأ ويقول: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١ - ٢٢] فقالت: ' يمنوننا باللحم وبالطير كأننا أطفال، وإنما الغرض المحبة'.
انظر كيف تعترض حتى على ما جاء في القرآن، أما مسألة نعيم الجنة، فما يهم، والمهم هو المحبة، فهذه محبة عباد الهندوس وأمثالهم الذين يرون أن غاية العبودية هي الاتحاد في برهما، أو الفناء في برهما الذي هو الرب المعبود عندهم تعالى الله عما يصفون.
стр. 2515
نوع التعامل مع الكفار
السؤال
من محبة الله البغض فيه والحب فيه، وبغض الكفار من محبة الله، فكيف يكون تعاملنا معهم إذا كانوا معنا في العمل، ونحتك بهم يومياً، وكيف يكون التسليم عليهم إذا رأيتهم؟
الجواب
هذه دائماً نُسأل عنها ولا بد أن نبدأ الأمور من جذورها.
الأمر الأول: أنه لا يجوز أن يُدخَلَ الكفار إلى جزيرة العرب أو أن يقيموا فيها لقوله ﷺ ﴿لا يجتمع في جزيرة العرب دينان﴾ فلا يجوز للحكومة، أو للشركات، أو للمؤسسات أن تتعاقد معهم، أو أن تعطيهم إقامة في جزيرة العرب وإذا كان لا بد اضطراراً فلأفراد معدودين وفي وقت محدد ولحالة طارئة، أما أن يستقدم الكافر، بل والعياذ بالله أن يشترط في بعض العقود كما في الهند والفلبين وغيرها أن تكون نسبة كذا من المسلمين ونسبة كذا من غير المسلمين، فهذا شرط باطل، والعمل بهذا الشرط مخالفة صريحة لما نهى عنه ﷺ ، ومخالفة لأمر رسول الله ﷺ بإخراجهم من جزيرة العرب وأن لا يجتمع فيها دينان، وهذا من ما لم ينسخ قط، فإن رسول الله ﷺ قاله وحذر وأوصى به في مرض موته ﷺ ، وأنفذ ذلك خلفاؤه الراشدون، وما علمنا في تاريخ المسلمين، ولا في تاريخ الخلفاء الراشدين، ولا الأمويين، ولا العباسيين، ولا من بعدهم أن كفاراًَ استوطنوا جزيرة العرب وأقاموا فيها إلا مع قدوم الاستعمار الغربي الخبيث، وأول ما ابتدءوا في مناطق معينة في الخليج، وكان الذي يأتي منهم إلى جدة يكون في غاية الخوف، ثم لما فتح الله علينا بهذه النعمة، وامتحننا وابتلانا بهذه الثروة جئنا بهم واستسهلنا ذلك، وأصبح كأنه أمر لا حرج فيه -نسأل الله العفو والعافية- فهذه من الذنوب والكبائر التي قد توجب غضب الله، ونزول عقابه علينا، والناس يستهينون بهذا الذنب، فترى الخادمة، والعامل، والمحاسب، والمدير كفار، وفي كثير من الإدارات يولى الكفار على المسلمين، وهذا مناقض لما جاء في الآية السابقة: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤] فيجب أن تكون الذلة للكافرين من المؤمنين والعزة للمؤمنين، أما أن تكون الأمور بعكس ذلك، وأن يتسلط الكافر على المسلم، فهذا مما لا يرضي الله ﵎ أبداً.
أما وقد ابتلينا بهم فما علينا إلا أن نتعامل معهم في ما من شأنه -إن شاء الله- أن يفتح قلوبهم للحق، فإن رأينا أن ذلك يجدي وينفع، فالمعاملة الحسنة مطلوبة من الإنسان، والعدل مطلوب منه حتى مع هؤلاء الذين هم كفار، والذين لا يجوز أن يؤتى بهم إلى هنا.
لكن المعاملة الحسنة والاجتهاد في إتقان العمل، وغير ذلك من الأمور، التي يمكن أن يفتح الله بها قلوب بعضهم ليهتدوا فهذا أمر حسن.
أما ما شرعه الله من ترك البدء بالسلام عليهم، واضطرارهم إلى أضيق الطريق، وترك أكلهم أو ذبائحهم خاصة إن لم يكونوا من أهل الكتاب، أو كانوا أهل كتاب لكن لم يذبحوها وغيرها من الأمور العملية، فهذه وإن كانت مشروعة في الأصل في أهل الذمة، -وأهل الذمة موضعهم بلاد الشام ومصر وأمثالهما إلا أن هذه الأحكام تسري هنا ما دام أنهم قد جاءوا إلى هنا، وإن كان الذين هنا ليسوا بأهل ذمة ولا ينطبق عليهم ذلك العقد.
стр. 2516
الصبر ناتج عن المحبة وتالٍ لها
السؤال
فضيلة الشيخ، ذكرتم أن الذي يقوم إلى الصلاة ويحس بثقل في نفسه أنه ليس بمؤمن، ويكون فيه صفة من صفات المنافقين، ونعلم أن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة فهذا الذي يقوم إلى الصلاة ويجدها ثقيلة ألا يكون من الصبر على طاعة الله، ثم إن الله يقول: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢١٦] فهذا القتال طاعة لله وعبادة، ومع ذلك هو كارهاً على نفوس المؤمنين، فكيف تكون المحبة شرطاً في العبادة؟
الجواب
هذا الأخ اختلط في ذهنه مقدمة العمل ونتيجته، فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ ، كما رواه الإمام أحمد في المسند فقال له ﷺ : ﴿أسلم قال: أجدني كارهاً.
قال: أسلم ولو كنت كارها﴾ حتى لو كنت كاره فأرغم نفسك على الحق وقل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فإذا فعل ذلك فيجب أن يحب الإيمان، وأن يحب الصلاة، فالإنسان إذا كان متعباً مجهداً وهو يحبها، فإنه يقوم وهو راضٍ منشرح الصدر، ويصبر على هذا القيام الذي يقومه وهو متعب، فلا تعارض بين هذا وهذا، لأن الباعث والمقدمة للعمل هي المحبة، والصبر ينتج عن محبتك لهذا العمل وأن تصبر عليه وإن كان مؤلماً لأنك تحبه وتريده بقلبك، فالقتال كره، لكن حبك لهذا العمل يجعلك تصبر عليه، وحبك نابع من أن الله شرعه فتكون بذلك قد امتثلت أمر الله.
فليس المقصود أن نجتث ما هو خلقيٌ جبلِّيٌ في نفوسنا من كراهية القيام، أو النهوض مع التعب، أو من كراهية الجهاد، أو من كراهية الإنفاق، فمثلاً ليس المقصود ألا ننفق ونحن نحب المال، فنحن نحب المال حباً جماً -كما ذكر الله ذلك- عن الجميع -لكن المؤمن يصبر على الطاعة بدافع محبة الله ﵎، فينفق ويجاهد عن رغبة وليس عن كسل.
стр. 2517
حكم حضور دورات تطويرية يتضمنها محرمات
السؤال
فضيلة الشيخ: نحن نعمل في مطار جدة وأحياناً تعطى لنا دورات لتطوير مهارات في العمل، ويتخلل هذه الدورات أفلام فيديو أو غيره وبداخل هذا الفيلم موسيقى وصور نساء، فهل يجوز لنا أن نحضر هذه الدورات التي بداخلها من ما لا يحبه الله ورسوله علماً بأن هذه الدورات مهمة في الترقيات؟
الجواب
الأمر في مثل هذه الأمور دائر بين المصلحة والمفسدة، والقاعدة فيه ما الراجح: هل المصلحة أم المفسدة؟ فإن كانت المصلحة أرجح بأن نستفيد من علوم هؤلاء الكفار، لكي تترقى لتحل محل واحد منهم، ثم تعلم أنك بعد ذلك تصبح مدرباً وتعلم المسلمين وأن تبعد هذا المنكر وما أشبه ذلك، فيجوز لك أن تحضر وتغض النظر عن الصورة المحرمة، وأيضاًَ تقفل سمعك عن المسموع المحرم من موسيقى أو كلام لا يليق.
وأما إن كانت المفسدة فيها أرجح وأعظم، فهذا مما يجب على الإنسان أن يتركه، وأن يحتسب ذلك عند الله ﵎.
стр. 2518
معايشة الروافض
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام وعليكم ورحمة الله وبركاته، نحن طلبة في الكلية التقنية بـ جدة ونسكن في السكن الداخلي، ويسكن معنا رافضة وإمامية وهم يصلون معنا في مسجد الكلية، فهل صلاتهم معنا في هذا المسجد جائزة، وهل هم كفار، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
إذا أظهروا شعائر الدين وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبائحنا فهذا حسن، ونحن نكلهم إلى الله ﵎ في بواطنهم، وإن لم يظهروا عقائدهم وعملوا هذا العمل، فهذا أمر مطلوب، وهذا الذي نريده منهم.
هذا غاية ما نريده نحن في الدنيا، أما قلوبهم وبواطنهم فهي عند الله، فعلينا بعد ذلك أن نُذكّر وننصح على سبيل العموم في ما يتعلق بالتحذير من الشرك، وفي التحذير من الطعن والنيل من الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - وأمثال ذلك مما نعلم أنه من عقائدهم، فلعل الله أن يصلح قلوبهم، وإلا نكون قد أقمنا الحجة عليهم.
стр. 2519
حكم من يدعي التجديد في الدين
السؤال
فضيلة الشيخ: هناك من يدعي تجديد الدين، ويريد بذلك تغيير معالم الدين الإسلامي، وله كتابات مثل تجديد الفكر الإسلامي وتجديد الفقه الإسلامي وهكذا يريد طمس معالم الدين، كأمثال الدكتور الترابي فإن ثبت هذا فهل نسميه زنديقاً أم لا؟
الجواب
في الأصل أن من انحرف وضل في هذا الباب، ويحسب أنه يمكن أن يأتي بتجديد الدين، وتجديد أصوله، لا تجديد العمل به وإحيائه، ولكن من يعتقد ويظن تحديد أصول الدين وحقائقه مما لم يشرعه لنا الله على لسان رسوله ﷺ ، فلا شك أنه زنديق، ولا شك أن الزنادقة بهذا المعنى كثير قديماً وحديثاً.
أما إطلاقه على فلان بعينه فهذا يحتاج إلى تحرٍ وتثبت، ولا بأس أن يطلق على أفكاره أنها أفكار ضالة مضلة، أو أفكار زنديقية أو ما أشبه ذلك، لكن إطلاقه على فلان باسمه وعينه يحتاج إلى تثبت، ولا سيما إذا كان ممن ضعفت صلته وعلمه بهذه الشريعة من جهة، وضعف من يقيم الحجة عليه من جهة أخرى.
ومن أكثر ما يسبب الضلال عند هؤلاء العصرانيين -كما يسمون- ويدفعهم إلى الضلال، أنهم لا يجدون من أهل السنة والجماعة من يقيم الحجة الكافية عليهم، فعلمهم محدود وضحل، بل إن علمهم غربي محض، وليس لهم إلا اطلاعات عابرة على الشريعة وكون هذا المذهب منتشر في أوروبا وأمريكا فإنهم لا يجدون إلا شباباً يحبون السنة ولكن لا يفقهون من الأصول ومن قوة الحجة والإقناع والمناظرة ما يقيمون به الحجة عليهم، فيقولون: إن هؤلاء جزئيون أو شكليون أو ظاهريون، أو ما أشبه ذلك من التهم التي يلصقونها بـ أهل السنة والجماعة المتبعين لمنهج السلف الصالح، ويزيدهم ذلك اقتناعاً بشبهاتهم وبضلالهم، نسأل الله العفو والعافية.
والواجب على علماء الأمة وعلى دعاتها محاربة هذا الفكر الهدام والتصدي له، والكتابة عنه فهو خطير ومهم جداً، سواءً سمي تجديداً أو عصرنةً.
وللأستاذ جمال سلطان كتابات مفيدة في هذا، وهي موجودة ومتوفرة لمن أراد أن يطلع عليها، وليحرص كل منا على الاطلاع عليها.
стр. 2520
التنقل في المحبة وعدم الاستقرار
السؤال
فضيلة الشيخ: إني أحبك في الله: فأنا شاب في أحد المراكز وأحب الملتزمين كثيراً، ولا أود فراقهم، ولكني غبت عن المركز يوماً واحداً وهو أمس، ولعبت مع شباب ليسوا ملتزمين وليسوا فاسقين فأحببتهم كثيراً، وأصبحت أتضايق من المركز ومن طلاب الأسرة، وأصبحت أفكر في ترك المركز لأذهب إلى من أحببتهم، ودخلوا قلبي حباً في الله، وأصبحت محتاراً جداً، فما الحل؟ أفيدونا أفادكم الله وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
من كان حاله كحالك فيخشى عليه الاضطراب؛ فكيف يكونوا ليسوا ملتزمين وتحبهم في الله، وفي يوم واحد تحبهم محبة تفوق أو تساوي محبة المركز بما فيه من خير وشباب صالحين وغير ذلك.
فأخشى أن تكون ممن هو سريع في التنقل، وأرجو أن يكون حالك كما قال الشاعر:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول
فالحبيب الأول هو المركز، والمشاركون فيه، فلا تكثر التنقل -بارك الله فيك- في المحبة، وهذا يدل على أمر أقوله دائماً وأكرره وهو: أن الشاب بحاجة إلى من يربيه، وإلى من يوجهه، وإلى من يقومه، فإنه لا يعلم المصلحة في أي شيء، فبمجرد الاندفاع والرغبة والمحبة تجعله متنقلاً في المحبة، فربما يكون في حلقة تحفيظ قرآن، ويجد شاباً يلعب الكرة فيترك التحفيظ ويذهب للعب معه وربما يكون في مكان نافع خير، فيتركه ويذهب إلى مكان آخر وإن لم يكن ضاراً فهو أقل نفعاً؛ فعليه قبل أن يترك ذلك أن يستشير من يوثق بعلمه، وفهمه، وحسن تربيته، وتزكيته، ثم يعمل بمشورته.
стр. 2521
من ابتلي بحب النظر إلى النساء
السؤال
الرجاء الإجابة على ما وقعت فيه، ونصحي بما يبعدني وينجيني من هذه المعصية -عافاكم الله والمسلمين جميعاً- فقد ابتليت بحب النظر إلى النساء، فأصبح هذا مرض في نفسي -ولكني أحب الله ورسوله- مما أتعبني كثيراً؛ فكيف الخلاص، وأرجو الدعاء لي وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
نسأل الله أن يهدينا وإياك، ويثبتنا على الحق ويعصمنا من الضلال.
ما دمت أنك تحب الله ورسوله فأبشر بخير، واجعل هذه المحبة وسيلة لك إلى ألا تحب إلا الله، وتترك المحبة لما حرمه الله، فكيف تحب ما حرمه الله وقد حرمه! ومن بين هذه المحرمات النظر إلى النساء الأجنبيات وقد أمر الله المؤمنين بقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] فلا بد من غض النظر وحفظ الفرج كما أمر الله ﵎.
فإن فعلت ذلك فإنك تكون محباً لله ومحباً لرسوله ﷺ ، وما هذا إلا ذنب من الذنوب التي تطرأ على العبد، فعليك بعلاجه بما تعالج به سائر الذنوب، بالتوبة والإقلاع عنه، والاستغفار، والعزم على أن لا ترجع إليه أبداً، والاستعانة بالله ﵎، ثم بمجالس الخير وحِلَقِ الذِكْرِ، وترك المثيرات والمغريات، وأن تعلم أنك مهما نظرت فإنما هي سهاماً توجه إلى قلبك، فهذا شأن النظر.
واعلم أن هذه النظرات ما هي إلا من تزيين الشيطان، حيث إنه يزين لك المرأة التي إن كانت النظرة حراماً، ويجعل قلبك معلقاً، ولكنك لو تزوجتها بالحلال لكانت أقل بكثير في عينك عما كنت تراها عليه وهي حرام.
وهذه حالة لا يسع المقام للتفصيل فيها، لكن المقصود أن تزيين الشيطان وأزه وإغرائه، هو الذي يدفع الشباب لهذا، ولو أن العبد اعتصم بالله ﵎ فإن هذا الاعتصام سيكون له عوضاًَ عن ذلك، وسيجد في قلبه حلاوة الإيمان كما ورد ذلك في الحديث، وأنصحك بقراءة كتاب الجواب الكافي.
وكتاب ذم الهوى لـ ابن الجوزي، فلعل فيهما ما يردك إن شاء الله.
стр. 2522
حكم من ينفر الشباب من المراكز الصيفية
السؤال
فضيلة الشيخ: ما هو رأيكم في المراكز الصيفية فإن هناك من ينفر الشباب من هذه المراكز، وفي المقابل هناك من يحث الشباب ويرغبهم فيها، فما رأيكم في ذلك؟
الجواب
كل مركز يختلف عن الآخر، ففي المراكز من المحاسن كما أن في بعضها قبائح، فهي كالمدارس، وكأي أمر من الأمور الأخرى، فهناك المراكز التي يكون فيها الخير والعلم النافع والسنة والحق.
وهذا -والحمد لله- هو الذي لاحظناه وشاهدناه عندما زرنا المركز، ولا أزكي أحداً على الله، وقد يكون في بعض المراكز انحراف أو أخطاء أو معاصي أو ما أشبه ذلك؛ فهذا قد يكون في بعض هذه المراكز، لكن لأنا لم نعلم ولم نر كل المراكز فأقول: إن من العدل ألا يذم أحدنا شيئاً أو يمدح مطلقاً بمجرد الاسم، فمجرد الاسم لا يعطي معنى لأن اسمه مركز، لكن هل هو مركز سنة وحق وطاعة وفائدة، أو مركز بدعة وضلالة وضياع؟ فبهذا يكون التفريق.
فما عليك إلا أن تختار الحق والخير والطاعة، وما يفيدك في دينك ودنياك، وإن لحظت على غيرك أو رأيت أو علمت عنه أمراً فلإنكار المنكر وسائله الكثيرة المعروفة، فأنكر بنفسك أو عن طريق من يؤثر عليهم أو ما أشبه ذلك، أما أن تذم مطلقاً فهذا من الظلم ومن الإجحاف.
стр. 2523
انتشار الشحناء بين الدعاة إلى الله
السؤال
فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هناك بعض طلبة العلم، ومن الذين لهم القيادة بين الشباب، ولكن المشكلة أن هؤلاء الشباب -أي طلبة العلم- بينهم من البغضاء والشحناء ما يشيب له الرأس، فهل من كلمة توجيهية لنا جميعاً، وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
هذه هي الحالقة كما أخبر عنها ﷺ : ﴿لا تحلق الشعر ولكن تحلق الدين﴾ وهذا هو التحريش الذي رضي به الشيطان، بعد أن يئس أن يعبد في جزيرة العرب وهذه البغضاء تولد قسوة في القلب، وجفوة في التعامل، وربما أورثت صاحبها الخروج عن النهج القويم، بأن يظلم، وأن يفتري، وأن يبغي على من خالفه أو من يرى أنه عدو له.
وهذا من التفرق الذي نهينا عنه، فإن الله لم ينفِ أن يقع بين المؤمنين اختلاف أو اقتتال فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] الاقتتال قد يقع، والاختلاف لا بد أن يقع لكن يُحل ذلك بالتفاهم، يحل بالصلح، يحل بالتناصح، وبترك الغيبة، أما البغي والظلم والعدوان لمجرد المخالفة، فهي مؤلمة وسيئة وشر بين الأمة، فكيف بها بين الشباب وبين طلاب العلم! فأقول لنفسي ولإخواني: إنك لن تعامل من عصى الله ﵎ فيك بخير من أن تطيع الله تعالى فيه، فإن ذمك بما ليس فيك فاصبر، واصفح واعف، وقل فيه ما تعلم أنه خير، ولا تقابل الإساءة بالإساءة، ولا تقابل الذم بالذم، فإن كان ولا بد فلا تزد ولا تبغ.
وهذه من صفات المؤمنين، ولا سيما الدعاة منهم، فإن الدعاة أرقى من أن ينزلوا إلى مستوى المهاترات، وإلى أن يردوا على كل من رد عليهم، أو يتكلموا فيمن تكلم فيهم، فإن فعلوا ذلك لم يعودوا دعاة، بل شُغِلوا عن الدعوة بهذه الأمور.
فهذه أمور لا شك أنها عظيمة، وأنه: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] والذين جعلوا لنفوسهم من الزكاء ومن الرفعة، وكانوا كما وقف عمر رضي الله تعالى عنه لما قال له ذلك الأعرابي: 'إنك لا تعدل بين الرعية، ولا تقسم بالسوية، فهمَّ به فقال له الشاب التقي الحر بن قيس -رضي الله تعالى عنه-: يا أمير المؤمنين: إن الله ﵎ يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] فوقف عمر رضي الله تعالى عنه' فهكذا يكون الصفح والعفو والإحسان حتى إلى من أساء إليك، خاصةً إذا كان يعلم شيئاً مما أنزل الله ويعلم شيئاً من حدود الله، فاعلم أنه سيؤدي به هذا الأمر إلى أن يندم ويتأسف، ويحبك عندما يرى أنه يرد عليك ولا ترد عليه، ويهاجمك ولا تهاجمه، ويتكلم فيك ولا تتكلم فيه، فلا بد أن يرجع إن كان في قلبه إخلاص لله ﵎.
وأما من لم يكن كذلك فاعلم أنه لا بد في كل زمان من حثالة تقف في وجوه الدعاة، وتبث الفرقة بين الشباب، من أهل الخير، فهذه الحثالة لا دواء ولا حيلة معها أبداً، كما قال الشاعر:
لي حيلة في من ينمّ وليس لي في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة
فالنمام قد تقفل أذنيك عنه وتتركه، لكن الكذاب الذي يختلق أي شيء، فلا حيلة فيه إلا أن تصبر وتحتسب ذلك عند الله، فإذا علمنا أنه لا بد أن يظل هناك فئة شأنها القطع والتشهير والتضليل والتبديع لأهل الحق ولأهل الهدى ومهاجمتهم بالباطل، فلا بد أن نحتمل وأن نغض الطرف عنه، وكأنه لم يكن، فأرجو أن يكون في الشباب الصالحين من الأخلاق الرفيعة السامية العالية ما يجعلهم يترفعون عن البغضاء وعن الشحناء فيما بينهم، أو سماع من يثير هذه الشحناء والبغضاء في ما بين شباب الدعوة والخير والهدى.
стр. 2524
ثمرة المحبة في واقع عبادة المسلم
السؤال
فضيلة الشيخ: إني أحبك في الله، ما هي ثمرة المحبة في واقع عبادة المسلم، وفي واقع أحوال المسلمين وأوضاعهم المعاصرة؟ ونسأل عن أوضاع المسلمين في البوسنة والهرسك وأفغانستان وفي تونس وفي اليمن؟
الجواب
ثمرة ذلك كما ألمحنا في المحبة هي الترابط الذي قال فيه ﷺ : ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾ وأما ما يتعلق بأخبار إخواننا وأحوالهم، فقد تكلمنا عن البوسنة وعن أفغانستان ولا جديد عندي عما قلته إن كان فيه ما يشفي أو يغني.
وفي تونس واليمن، فحال إخواننا في تونس سيئة للغاية، فالدعاة إلى الله قد زج بهم بالآلاف إلى السجون، وهم يعانون أشد المعاناة من حكومة علمانية لا تقيم دين الله ولا حدوده، ولا تتحاكم إلى شريعته، ولا تخشى ولا تخاف الله فيما تعمل، فقد ارتكبت من أبشع وأفظع أنواع التعذيب، ما اقشعرت منه جلود الذين زاروا ورأوا تلك المعتقلات حتى من الكفار أنفسهم، من المحايدين، ومن منظمات حقوق الإنسان، وذكرت ما لا يطيق المؤمن أن يذكره، أو أن يسمعه من حال إخواننا المؤمنين المعذبين هنالك، نسأل الله أن يفك أسرهم، وأن يفرج كربهم، وأن يجعل الدائرة على أعدائهم إنه سميع مجيب.
وكذلك المحاكمات الظالمة التي لا ينتج عنها إلا ظلماً.
وأما الوضع في اليمن فهو مضطرب قلق، حيث إنهم يعلقون الخروج من الأزمة بإجراء الانتخابات -كما يعتقدون- لكن لا ندري هل تجري هذه الانتخابات أم لا، وإن جرت فماذا تكون نتيجتها!! فحقيقةً أن مستقبل اليمن مظلم، ولكن نسأل الله أن ينيره بحكومة إسلامية عادلة تحكم بما أنزل الله وتقيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في هذا الشعب المسلم الأبيّ، الذي لا يرضى -بإذن الله- سوى الإسلام ديناً مهما أغشي على عينيه، ومهما صنع هؤلاء المجرمين، من قوميين وبعثيين وناصريين واشتراكيين وأمثالهم من الكفرة والمرتدين والمجرمين.
стр. 2525
نصيحة لأهل اليمن
السؤال
نحبك في الله، ونحن من أهل اليمن فأرجو نصيحة لنا في نهضة هذه الصحوة في هذا الوقت وجزاكم الله خيراً؟
الجواب
جزاكم الله خيراً، فأنا أحبكم في الله، ثم أريد أن أنبه أنه على المسلم ألا يعتبر ولا يعترف بهذه الفواصل التي أنشأها الاستعمار، أو أنشأناها نحن بتأييد من الاستعمار، فهذا يمني وهذا مصري وهذا سعودي وهذا وهذا، فنحن كلنا أمة واحدة في الإيمان، وفي التقوى، وفي الاتباع لرسول الله ﷺ .
فعندما نقول: أهل اليمن أو أهل مصر أو أهل الشام فإنما أقصد به البقعة الجغرافية كما كان السلف الصالح يقولون: أهل اليمن فيعنون بذلك من كان يسكن جهة اليمن.
أما الحدود الذي وضعها هؤلاء فنحن لا نعترف بها، وجنسية الإنسان عندنا هي عقيدته، فنصنف الناس بحسب عقائدهم لا بحسب بلادهم ومواطنهم ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
هذه حقيقة أحب أن أوضحها، ثم بعد ذلك يجب علينا جميعاً أن نحب أهل اليمن؛ لأن رسول الله ﷺ أحبهم وأثنى عليهم، ووصفهم برقة القلب ونسبهم إلى الحكمة، وهذا لا شك فيه وهو مشاهد وملموس ومن هنا فهذا الشعب جدير بالعناية، وخاصة مِمَن هم من أهل تلك البلاد وجاءوا إلى هذه البلاد؛ أن يهتموا بطلب العلم الشرعي النافع الصحيح، وأن ينشروه في أماكن تجمعهم وفي مساكنهم هنا، وأن ينشروه إذا رجعوا إلى أهليهم، وأن يبعثوا إليهم بالكتاب، وبالشريط، وبالموعظة، وبالداعية ليكون التواصل بإذن الله، بين أهل السنة والجماعة هنا وهناك.
следующие страницы →