← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

من ابتلي بحب النظر إلى النساء السؤال الرجاء الإجابة على ما وقعت فيه، ونصحي بما يبعدني وينجيني من هذه المعصية -عافاكم الله والمسلمين جميعاً- فقد ابتليت بحب النظر إلى النساء، فأصبح هذا مرض في نفسي -ولكني أحب الله ورسوله- مما أتعبني كثيراً؛ فكيف الخلاص، وأرجو الدعاء لي وجزاكم الله خيراً؟ الجواب نسأل الله أن يهدينا وإياك، ويثبتنا على الحق ويعصمنا من الضلال. ما دمت أنك تحب الله ورسوله فأبشر بخير، واجعل هذه المحبة وسيلة لك إلى ألا تحب إلا الله، وتترك المحبة لما حرمه الله، فكيف تحب ما حرمه الله وقد حرمه! ومن بين هذه المحرمات النظر إلى النساء الأجنبيات وقد أمر الله المؤمنين بقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] فلا بد من غض النظر وحفظ الفرج كما أمر الله ﵎. فإن فعلت ذلك فإنك تكون محباً لله ومحباً لرسوله ﷺ ، وما هذا إلا ذنب من الذنوب التي تطرأ على العبد، فعليك بعلاجه بما تعالج به سائر الذنوب، بالتوبة والإقلاع عنه، والاستغفار، والعزم على أن لا ترجع إليه أبداً، والاستعانة بالله ﵎، ثم بمجالس الخير وحِلَقِ الذِكْرِ، وترك المثيرات والمغريات، وأن تعلم أنك مهما نظرت فإنما هي سهاماً توجه إلى قلبك، فهذا شأن النظر. واعلم أن هذه النظرات ما هي إلا من تزيين الشيطان، حيث إنه يزين لك المرأة التي إن كانت النظرة حراماً، ويجعل قلبك معلقاً، ولكنك لو تزوجتها بالحلال لكانت أقل بكثير في عينك عما كنت تراها عليه وهي حرام. وهذه حالة لا يسع المقام للتفصيل فيها، لكن المقصود أن تزيين الشيطان وأزه وإغرائه، هو الذي يدفع الشباب لهذا، ولو أن العبد اعتصم بالله ﵎ فإن هذا الاعتصام سيكون له عوضاًَ عن ذلك، وسيجد في قلبه حلاوة الإيمان كما ورد ذلك في الحديث، وأنصحك بقراءة كتاب الجواب الكافي. وكتاب ذم الهوى لـ ابن الجوزي، فلعل فيهما ما يردك إن شاء الله.

стр. 2522

حكم من ينفر الشباب من المراكز الصيفية السؤال فضيلة الشيخ: ما هو رأيكم في المراكز الصيفية فإن هناك من ينفر الشباب من هذه المراكز، وفي المقابل هناك من يحث الشباب ويرغبهم فيها، فما رأيكم في ذلك؟ الجواب كل مركز يختلف عن الآخر، ففي المراكز من المحاسن كما أن في بعضها قبائح، فهي كالمدارس، وكأي أمر من الأمور الأخرى، فهناك المراكز التي يكون فيها الخير والعلم النافع والسنة والحق. وهذا -والحمد لله- هو الذي لاحظناه وشاهدناه عندما زرنا المركز، ولا أزكي أحداً على الله، وقد يكون في بعض المراكز انحراف أو أخطاء أو معاصي أو ما أشبه ذلك؛ فهذا قد يكون في بعض هذه المراكز، لكن لأنا لم نعلم ولم نر كل المراكز فأقول: إن من العدل ألا يذم أحدنا شيئاً أو يمدح مطلقاً بمجرد الاسم، فمجرد الاسم لا يعطي معنى لأن اسمه مركز، لكن هل هو مركز سنة وحق وطاعة وفائدة، أو مركز بدعة وضلالة وضياع؟ فبهذا يكون التفريق. فما عليك إلا أن تختار الحق والخير والطاعة، وما يفيدك في دينك ودنياك، وإن لحظت على غيرك أو رأيت أو علمت عنه أمراً فلإنكار المنكر وسائله الكثيرة المعروفة، فأنكر بنفسك أو عن طريق من يؤثر عليهم أو ما أشبه ذلك، أما أن تذم مطلقاً فهذا من الظلم ومن الإجحاف.

стр. 2523

انتشار الشحناء بين الدعاة إلى الله السؤال فضيلة الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هناك بعض طلبة العلم، ومن الذين لهم القيادة بين الشباب، ولكن المشكلة أن هؤلاء الشباب -أي طلبة العلم- بينهم من البغضاء والشحناء ما يشيب له الرأس، فهل من كلمة توجيهية لنا جميعاً، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب هذه هي الحالقة كما أخبر عنها ﷺ : ﴿لا تحلق الشعر ولكن تحلق الدين﴾ وهذا هو التحريش الذي رضي به الشيطان، بعد أن يئس أن يعبد في جزيرة العرب وهذه البغضاء تولد قسوة في القلب، وجفوة في التعامل، وربما أورثت صاحبها الخروج عن النهج القويم، بأن يظلم، وأن يفتري، وأن يبغي على من خالفه أو من يرى أنه عدو له. وهذا من التفرق الذي نهينا عنه، فإن الله لم ينفِ أن يقع بين المؤمنين اختلاف أو اقتتال فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] الاقتتال قد يقع، والاختلاف لا بد أن يقع لكن يُحل ذلك بالتفاهم، يحل بالصلح، يحل بالتناصح، وبترك الغيبة، أما البغي والظلم والعدوان لمجرد المخالفة، فهي مؤلمة وسيئة وشر بين الأمة، فكيف بها بين الشباب وبين طلاب العلم! فأقول لنفسي ولإخواني: إنك لن تعامل من عصى الله ﵎ فيك بخير من أن تطيع الله تعالى فيه، فإن ذمك بما ليس فيك فاصبر، واصفح واعف، وقل فيه ما تعلم أنه خير، ولا تقابل الإساءة بالإساءة، ولا تقابل الذم بالذم، فإن كان ولا بد فلا تزد ولا تبغ. وهذه من صفات المؤمنين، ولا سيما الدعاة منهم، فإن الدعاة أرقى من أن ينزلوا إلى مستوى المهاترات، وإلى أن يردوا على كل من رد عليهم، أو يتكلموا فيمن تكلم فيهم، فإن فعلوا ذلك لم يعودوا دعاة، بل شُغِلوا عن الدعوة بهذه الأمور. فهذه أمور لا شك أنها عظيمة، وأنه: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] والذين جعلوا لنفوسهم من الزكاء ومن الرفعة، وكانوا كما وقف عمر رضي الله تعالى عنه لما قال له ذلك الأعرابي: 'إنك لا تعدل بين الرعية، ولا تقسم بالسوية، فهمَّ به فقال له الشاب التقي الحر بن قيس -رضي الله تعالى عنه-: يا أمير المؤمنين: إن الله ﵎ يقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩] فوقف عمر رضي الله تعالى عنه' فهكذا يكون الصفح والعفو والإحسان حتى إلى من أساء إليك، خاصةً إذا كان يعلم شيئاً مما أنزل الله ويعلم شيئاً من حدود الله، فاعلم أنه سيؤدي به هذا الأمر إلى أن يندم ويتأسف، ويحبك عندما يرى أنه يرد عليك ولا ترد عليه، ويهاجمك ولا تهاجمه، ويتكلم فيك ولا تتكلم فيه، فلا بد أن يرجع إن كان في قلبه إخلاص لله ﵎. وأما من لم يكن كذلك فاعلم أنه لا بد في كل زمان من حثالة تقف في وجوه الدعاة، وتبث الفرقة بين الشباب، من أهل الخير، فهذه الحثالة لا دواء ولا حيلة معها أبداً، كما قال الشاعر: لي حيلة في من ينمّ وليس لي في الكذاب حيلة من كان يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة فالنمام قد تقفل أذنيك عنه وتتركه، لكن الكذاب الذي يختلق أي شيء، فلا حيلة فيه إلا أن تصبر وتحتسب ذلك عند الله، فإذا علمنا أنه لا بد أن يظل هناك فئة شأنها القطع والتشهير والتضليل والتبديع لأهل الحق ولأهل الهدى ومهاجمتهم بالباطل، فلا بد أن نحتمل وأن نغض الطرف عنه، وكأنه لم يكن، فأرجو أن يكون في الشباب الصالحين من الأخلاق الرفيعة السامية العالية ما يجعلهم يترفعون عن البغضاء وعن الشحناء فيما بينهم، أو سماع من يثير هذه الشحناء والبغضاء في ما بين شباب الدعوة والخير والهدى.

стр. 2524

ثمرة المحبة في واقع عبادة المسلم السؤال فضيلة الشيخ: إني أحبك في الله، ما هي ثمرة المحبة في واقع عبادة المسلم، وفي واقع أحوال المسلمين وأوضاعهم المعاصرة؟ ونسأل عن أوضاع المسلمين في البوسنة والهرسك وأفغانستان وفي تونس وفي اليمن؟ الجواب ثمرة ذلك كما ألمحنا في المحبة هي الترابط الذي قال فيه ﷺ : ﴿مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾ وأما ما يتعلق بأخبار إخواننا وأحوالهم، فقد تكلمنا عن البوسنة وعن أفغانستان ولا جديد عندي عما قلته إن كان فيه ما يشفي أو يغني. وفي تونس واليمن، فحال إخواننا في تونس سيئة للغاية، فالدعاة إلى الله قد زج بهم بالآلاف إلى السجون، وهم يعانون أشد المعاناة من حكومة علمانية لا تقيم دين الله ولا حدوده، ولا تتحاكم إلى شريعته، ولا تخشى ولا تخاف الله فيما تعمل، فقد ارتكبت من أبشع وأفظع أنواع التعذيب، ما اقشعرت منه جلود الذين زاروا ورأوا تلك المعتقلات حتى من الكفار أنفسهم، من المحايدين، ومن منظمات حقوق الإنسان، وذكرت ما لا يطيق المؤمن أن يذكره، أو أن يسمعه من حال إخواننا المؤمنين المعذبين هنالك، نسأل الله أن يفك أسرهم، وأن يفرج كربهم، وأن يجعل الدائرة على أعدائهم إنه سميع مجيب. وكذلك المحاكمات الظالمة التي لا ينتج عنها إلا ظلماً. وأما الوضع في اليمن فهو مضطرب قلق، حيث إنهم يعلقون الخروج من الأزمة بإجراء الانتخابات -كما يعتقدون- لكن لا ندري هل تجري هذه الانتخابات أم لا، وإن جرت فماذا تكون نتيجتها!! فحقيقةً أن مستقبل اليمن مظلم، ولكن نسأل الله أن ينيره بحكومة إسلامية عادلة تحكم بما أنزل الله وتقيم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في هذا الشعب المسلم الأبيّ، الذي لا يرضى -بإذن الله- سوى الإسلام ديناً مهما أغشي على عينيه، ومهما صنع هؤلاء المجرمين، من قوميين وبعثيين وناصريين واشتراكيين وأمثالهم من الكفرة والمرتدين والمجرمين.

стр. 2525

نصيحة لأهل اليمن السؤال نحبك في الله، ونحن من أهل اليمن فأرجو نصيحة لنا في نهضة هذه الصحوة في هذا الوقت وجزاكم الله خيراً؟ الجواب جزاكم الله خيراً، فأنا أحبكم في الله، ثم أريد أن أنبه أنه على المسلم ألا يعتبر ولا يعترف بهذه الفواصل التي أنشأها الاستعمار، أو أنشأناها نحن بتأييد من الاستعمار، فهذا يمني وهذا مصري وهذا سعودي وهذا وهذا، فنحن كلنا أمة واحدة في الإيمان، وفي التقوى، وفي الاتباع لرسول الله ﷺ . فعندما نقول: أهل اليمن أو أهل مصر أو أهل الشام فإنما أقصد به البقعة الجغرافية كما كان السلف الصالح يقولون: أهل اليمن فيعنون بذلك من كان يسكن جهة اليمن. أما الحدود الذي وضعها هؤلاء فنحن لا نعترف بها، وجنسية الإنسان عندنا هي عقيدته، فنصنف الناس بحسب عقائدهم لا بحسب بلادهم ومواطنهم ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. هذه حقيقة أحب أن أوضحها، ثم بعد ذلك يجب علينا جميعاً أن نحب أهل اليمن؛ لأن رسول الله ﷺ أحبهم وأثنى عليهم، ووصفهم برقة القلب ونسبهم إلى الحكمة، وهذا لا شك فيه وهو مشاهد وملموس ومن هنا فهذا الشعب جدير بالعناية، وخاصة مِمَن هم من أهل تلك البلاد وجاءوا إلى هذه البلاد؛ أن يهتموا بطلب العلم الشرعي النافع الصحيح، وأن ينشروه في أماكن تجمعهم وفي مساكنهم هنا، وأن ينشروه إذا رجعوا إلى أهليهم، وأن يبعثوا إليهم بالكتاب، وبالشريط، وبالموعظة، وبالداعية ليكون التواصل بإذن الله، بين أهل السنة والجماعة هنا وهناك.

стр. 2526

نصيحة لشباب مركز الصديق السؤال يقول: فضيلة الشيخ: شباب مركز الصديق يطلبون منكم توجيه كلمة لهم، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب الذي أريد أن أقوله وأوجه به إخواني، ونفسي أولاً هو: أن نتقي الله فهذه وصية الله إلى الأولين وإلى الآخرين -ولا حرج في أن نكررها- كما قال الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. ثم أوصيكم بأن تقدروا أمانة الدعوة وحمل هذا الدين، وأن تجتهدوا في تحقيق الدعوة إلى الله ﵎ بإخلاص لله واتباع لسنة رسول الله ﷺ ، ومنهج السلف الصالح والبعد عن البدع وعن مضلات الفتن، والأهواء، وأن تتحابوا فيما بينكم، وأن تتآخوا، وأن تتعاونوا، وأن تتشاوروا، وأن لا يجعل الشيطان هذا الشباب الزاكي الطيب الغض، في هذه الأمواج من شباب الشهوات والشبهات، أن لا يجعلهم أحزاباً وفرقاً ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون:٥٣] وكل منهم يطعن في هذا، أو يغتابه، أو يتكلم فيه، أو يوقع بينهم ما يريد أن يبث من الفتن، نسأل الله أن يحفظنا وإياكم من الفتن ما ظهر منها وما بطن. ثم أوصي القائمين على هذه المراكز وأمثالها، بالصبر والتحمل والأناة، ومتابعة هؤلاء الشباب ما أمكن في بيوتهم بعد ذهابهم؛ من أجل أن تكون تربيتهم أشمل وأعمق وأزكى لهذه القلوب الغضة الطرية بإذن الله. وأوصي الشباب المسلم أن يطيع المربين والموجهين في طاعة الله ﵎، وأن يكونوا من الانضباط ومن النظام بحيث يمتثلون ما يوجهونهم به، وأن يعوِّدوا أنفسهم على ذلك، ففي هذا خير لهم وحصول للنفع والفائدة من التربية أكثر وأكثر. هذا، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يمنَّ علينا جميعاً بالهدى والاستقامة، وأن يؤتي نفوسنا وقلوبنا تقواها فإنه خير من زكاها، وهو وليها ومولاها، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.

стр. 2527

من أعمال القلوب: (الإخلاص) تكلم الشيخ حفظه الله في هذه المادة عن أعمال القلوب وأهميتها، وخص الإخلاص منها بالتفصيل، موضحاً علاقته بأعمال القلوب، حيث أنه يعد أحد شرطي قبول الأعمال، فبانعدامه يقع المرء في الشرك، كما أن الإخلاص من أخطر المداخل التي يفسد بها الشيطان أعمال العباد.

стр. 2528

أعمال القلوب وأهميتها الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، الذين حققوا التوحيد والإخلاص والمحبة واليقين قولاً وعملاً، فصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، الشهادة التي بعث الله ﵎ بها رسله، ودعا إليها خلقه أجمعين، وجعلها رأس الدين كله. أما بعد: فحديثنا في هذا الدرس عن عمل من أعمال القلوب، وأصل تسمية المحاضرة هو أنها عن أعمال القلوب؛ لكننا لو تأملناها لوجدنا أنها هي نفس ما يسميه بعض العلماء شروط لا إله إلا الله. فهي من جهة: شروطٌ لـ"لا إله إلا الله"، ومن جهة أخرى هي: أعمال قلبية عظمى، يبنى عليها كل عمل من أعمال القلب أو الجوارح، ولا تعارض بين هذا وذاك، فالكل شيء واحد. وهذه الأعمال -كما تقدم- تتداخل وتتشابك؛ إذ أن أعمال القلب كلها أمر باطن، والأعمال الباطنة يصعب التفريق بينها كالتفريق بين الأعمال الظاهرة، فأنت في الأعمال الظاهرة يمكن أن تفرق بوضوح بين الحج وبين الصوم -مثلاً- وبين أداء الزكاة وبين أداء الصلاة. أما في الأعمال القلبية فإن اليقين، والإخلاص، والمحبة، والتوكل، والرضا، والصدق، وما أشبه ذلك يقترن بعضها ببعض وتتداخل، فلا فصل بينها بنفس النسبة , وإن كانت إذا تأملت آثارها، وعرفت حقائقها تجد أن هذه الفروق واقعة، لكنها متداخلة، وحديثنا عن موضوع الإخلاص هو مما يشهد لذلك. إن الإخلاص يقترن بأعمال قلبية أخرى، ولا يكون إخلاصاً إلا بها، وأجلى وأظهر الأعمال القلبية التي لا بد أن يقترن بها الإخلاص هو الصدق، فإن الإخلاص لا يمكن أن يكون مع الكذب، لا لغةً ولا عرفاً ولا شرعاً، بل الإخلاص هو قرين الصدق، والجامع الذي يجمع بينهما كلمة شرعية هي قوله ﷺ في الحديث الشريف: ﴿الدين النصيحة -قالها ثلاثاً- قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم﴾. فلو تأملت معنى النصيحة لوجدتها تجمع بين معنيي الصدق والإخلاص، حتى في اللغة وفي عرف الناس، فإن الشيء الناصح هو الخالص الذي لا تشوبه شائبة، وهذا يكون فيه الصدق أيضاً. ثم إن كل من تُقِدِم له كلمة أو موعظة أو شيئاً ينفعه وتقول: إنك ناصح له، لو تأملت ذلك لوجدت أنك تريد أن تثبت أنك صادق في محبته وفيما قلت له، فلو كذبت عليه لما كانت نصيحة، والأمر الآخر أنك مخلص، فلو غششته فيما قلت -له أيضاً- لما كانت نصيحة، فلذلك هذه الأعمال تقترن -كما ذكرنا- لكن هذين العملين: الصدق والإخلاص هما من أكثر الأعمال تقارباً وتداخلاً، ولهذا نجد أن الأحاديث التي ذكرت فيها شروط لا إله إلا الله قد ذكرت العملين معاً في بعض رواياتها، وقد نذكرها أو نوردها إن شاء الله تعالى.

стр. 2529

شرطا قبول الأعمال هذا من جهة علاقة هذا العمل القلبي بغيره من أعمال القلب، وأما عن أهميته وضرورته للمؤمن، فلا شك أن من تأمل كتاب الله ﵎ وسنة رسوله ﷺ ، علم علم اليقين أن الإخلاص لا بد منه، وذلك أول ما يشترط في أمر العقيدة والإيمان، ثم إنه لا بد أن يدخل في كل عمل من الأعمال التي يعملها الإنسان يريد بها وجه الله، ويريد بها الثواب والأجر من عند الله. حتى لو أنك عملت عملاً من المباحات المجردة وليس من الطاعات المفروضة المشروعة وجوباً أو استحباباً، أو أي عمل من الأعمال التي يفعلها الناس بطبيعتهم كالأكل أو الشرب أو إتيان المرء أهله أو ما أشبه ذلك، كل من فعل ذلك ويريد الأجر من الله، ويريد أن يحتسبه عند الله، فلا بد أن يحقق فيه الإخلاص لله ﵎؛ لأن شرطي قبول أي عمل من الأعمال هما المتابعة والإخلاص.

стр. 2530

الشرط الأول: المتابعة أولاً: الشرط الأول: المتابعة والموافقة لما شرع الله ﵎، فالبدع مردودة على أهلها، فمهما اجتهدوا وتعبدوا وأخلصوا في نظرهم، فالبدع مردودة، كما قال ﷺ : ﴿كل بدعة ضلالة﴾ وقال: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾، وقال: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ أي: مردود لا يقبل. وإن ظن أنه فعله لوجه الله ﵎، كما فعل الثلاثة النفر الذين عزموا على أنفسهم، فقال الأول: أقوم الليل ولا أنام، وقال الثاني: لا أتزوج النساء، وقال الثالث: لا آكل اللحم، وما أشبه ذلك، فكل عملٍ يعمله العبد ويظن أنه مخلص ويتعبد به، لن يكون فيه أكثر عبادةً من الخوارج، ولن يكون أكثر عبادةً من رهبان اليهود والنصارى والهندوس ممن تَرَهَب منهم. ولذلك فإن النبي ﷺ بعد أن ذكر الخوارج وعبادتهم قال: ﴿تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وعبادتكم إلى عبادتهم -ثم قال:- يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية﴾ والرمية: هي ما يرمى من الصيد كظبيٍ أو نحوه، فيدخل السهم فيخترقه ويخرج، فلا يكاد يرى راميه فيه شيئاً من أثر، ومعنى ذلك أنهم يأتون الدين، ويخرجون منه بلا شيء، أو بما لا يكاد يُرى. ليس لأنهم لم يتوفر لديهم شرط الإخلاص؛ ولكن لأنه لم يتوفر لديهم شرط الموافقة والمتابعة لرسول الله ﷺ ، وهذا الذي ذكر الله ﵎ في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠]، فالعمل الصالح هو الموافق لما جاء به النبي ﷺ .

стр. 2531

الشرط الثاني: الإخلاص ثانياً: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] أي: فليجعله خالصاً لوجه الله الكريم، وهذا هو شرط الإخلاص، ولهذا قال الفضيل بن عياض ﵀ في قول الله ﵎: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود:٧]، قال: 'أصوبه وأخلصه' والصواب هو الموافقة، والإخلاص: هو الشرط الثاني كما تقدم. فإذا كان الإخلاص بهذه المثابة فإن أهميته لا تخفى، ولا سيما في أصل الدين، فهو أعظم اشتراطاً منه في الفروع؛ لأن الله ﵎ يقول -كما في الحديث القدسي-: ﴿من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك﴾، وفي روايةٍ: ﴿تركته وشركه﴾ ومعنى ذلك: أن الله ﵎ لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، وأما غير ذلك فهو غنيٌ عنه ﵎. فإذا لم يقبل الله تعالى من العبد طاعةً من الطاعات إلا أن لديه أصل التوحيد والدين، فإنه يخسر تلك الطاعة ويظل معه الإيمان والتوحيد، أما إذا كان الإخلاص مفقوداً وكان الشرك في أصل الإيمان والدين، فهذا قد خسر الدنيا والآخرة. ولهذا يقول الله ﵎: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٢ - ٣]، هذا الذي يقبله الله ﵎ من عباده، ولا يقبل منهم غير ذلك.

стр. 2532

حقيقة الإخلاص قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر:١١ - ١٢]، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١٤ - ١٥]. هذه الآيات الكريمات من سورة الزمر، وأيضاً ذكر الله فيها ما يدل على ذلك: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٤ - ٦٦]، وهذه السورة اشتملت على معانٍ عظيمة في الإيمان من أبرزها -لمن قرأها وأظهرها-: أنها كررت اشتراط الإخلاص في غير ما آية، وأوضحته وأجلته. وكذلك نجد بعض السور القرآنية العظمى التي تتحدث عن التوحيد تشترط ذلك، وإن لم تنص عليه نصاً، كما في سورة الأنعام، فإن أكثر معانيها وموضوعاتها تتعلق بتوحيد الله وتجريد العبادة له، ونفي الشرك عنه. وهذه هي حقيقة الإخلاص وإن لم يرد في السورة بالنص نفسه، ولهذا تسمى سورة "الصمد"، أو سورة "قل هو الله أحد" سورة الإخلاص؛ لأنها في إخلاص العبادة لله من جهة توحيد المعرفة، إخلاص التوحيد من جهة المعرفة والإثبات، فهي تثبت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] تثبت وحدانية الله ﵎، وتنفي عنه ما يزعمه المبطلون، الذين يدَّعون أن لله ﵎ ولداً، أو أن له كفؤاً أو شبيهاً أو نظيراً، تعالى الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين. وكذلك تسمى سورة الكافرون سورة الإخلاص؛ لأنها تضمنت حقيقة الإخلاص من جهة الولاء والبراء والهجر، هجر كل ما يعبد من دون الله ﵎ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون:١ - ٣]، وفي آخرها: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]. فهذه براءة أو مفاصلة ومقاطعةٌ كاملة بين العبادتين وبين المنهجين، ومن هنا كان الذي أخذه وعده الله ﵎ وسجَّلَه على أهل الكتاب وعلى المنافقين أنهم كانوا غير مجردين للصدق، وغير مجردين للإخلاص لله ﵎، بل إن ذلك -ولا سيما الإخلاص- يشمل أيضاً المشركين، وذلك أن الجامع بين الجميع هو دعوى أنهم يعبدون الله وأنهم يتقربون إليه.

стр. 2533

المشركون أبعد الناس عن الإخلاص فالمشركون -مثلاً- وهم أبعد الناس عن الإخلاص يدَّعون أنهم يعبدون الله، وأنهم يُعظِّمون حرمات الله، ويُعظِّمون بيت الله، وأنهم أتباع نبي الله إبراهيم ﵇، ثم إنهم يقرون لله ﵎ بالخلق والرزق والإحياء والإماتة وتدبير الأمر، وغير ذلك ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، أو: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨]. إذاً: هم يثبتون هذا، بل إنهم حتى في دعائهم يخلصون لله ﵎، ولكن وقت الشدة فقط، فإذا كان وقت الرخاء ونجّاهم الله ﵎ إلى البر -وكان من أشق الأمور عليهم أن يركبوا البحر، ولذلك يأتي هذا المثال كثيراً في القرآن فلما نجاهم إلى البر- أشركوا بالله ما لم ينزل عليهم سلطاناً. إذاً: المشركون أيضاً يكذبهم الله ﵎، ويبطل عبادتهم في دعواهم، لماذا؟ لأنهم لم يحققو الإخلاص، وإن كانوا يزعمون أو يظنون أنهم على شيء من الدين، ولذلك كما جاء في أول الزمر: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]. فهم يظنون أنهم بهذا يعبدون الله، ويتقربون بهم إلى الله، فيظنون أن عبادتهم هذه لله، وأنهم لم يشركوا بالله، فكأنما ينفون ما يدَّعي أو يزعم عليهم من أنهم لا يعبدون الله، أو أنهم يشركون بالله ﵎، فأبطل الله ﵎ عبادتهم، وأنها لا تنفعهم؛ لأن الدين الذي يقبله الله هو الدين الخالص الذي لا شرك فيه، ولا شائبة معه. أمَّا أن يتخذ من دونه أولياء -وإن كان قصد القائل أنها تقرب إلى الله- فإنه لا يقبل منه ذلك، وهذا الزعم أنهم أولياء، أو كما ذكر في الآية الأخرى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس:١٨]، فقد أبطل الله ﵎ ذلك كله بأن جعل الشفاعة له جميعاً، وجعل الشرطين اللذين لا بد منهما لمن يشفع لتحقيق الشفاعة يوم القيامة هما: أن يأذن الله ﵎ للشافع، وأن يرضى عن المشفوع له. وهؤلاء المشركون لا يرضى الله ﵎ عنهم، ولا يرضى أن يشفع فيهم أحد؛ لأنه لا يرضى لعباده الكفر ﵎، هذا في حق المشركين وهو واضح.

стр. 2534

إخلاص أهل الكتاب وأمَّا أهل الكتاب فإنهم يزعمون أنهم هم أهل الإيمان، وأنهم كما ذكر الله ﵎ عنهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] ويزعمون أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى. إذاً: هم يرون أنهم أصحاب الصراط المستقيم، وأنهم الذين يعبدون الله ﵎ وحده لا شريك له، ولو سألت إلى هذه اللحظة أي يهودي أو نصراني: من الذي يعبد الله تعالى حق العبادة خالصة له في هذه الحياة الدنيا؟ لقال اليهودي: إنهم اليهود، وقال النصراني: إنهم النصارى، وهذا باطل. وقد أبطله الله ﵎ في مواضع من كتابه، كما في سورة البينة: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ * رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً * فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ * وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:١ - ٤]. وبين ذلك قال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]، هذا دين القيمة وهو الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥]. فهؤلاء أمروا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين، ولكنهم أبوا إلا أن يشركوا بالله ﵎ بأنواعٍ وألوانٍ من الشرك، منها: دعواهم أن له ولداً ﵎ وتقدس عن ذلك- وهذا الزعم قد أبطله الله تعالى في أكثر من موضع كما في الأنعام والكهف ومريم وغيرها من الآيات العظيمة في استنكار ذلك، وكما في قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الاخلاص:١]. وهذه الدعوى واضح بطلانها وإفكهم فيها، ثم إنهم يشركون بالله ولا يجردون الإخلاص لله ﵎ في ما يتعلق بالتحليل -في التشريع- والتحريم، في توحيد الطاعة والاتباع، وهذا أيضاً ذكره الله ﵎ في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١]. فالله أمرهم وأن يعبدوا إلهاً واحداً، فعبدوا من دونه آلهةً أخرى، وأشركوا به ﵎ في التحليل والتحريم الأولياء -كما يزعمون- أو الأحبار أو الرهبان. والأحبار هم: علماء أهل الكتاب. والرهبان هم: عبادهم. والضلال لا يخرج عن هذين، فكل ضلال وقعت فيه الملل فهو بسبب أحد هذين الأمرين، بأن يشرك الناس أحد من اتصف بهاتين الصفتين. وهذا واقع في هذه الأمة، إما أن يشركوا بالله ﵎، أو لا يجردون الإخلاص -وإن كان دون الشرك- لا يجردون هذا المبدأ، وهذا العمل القلبي العظيم لله ﵎ في طاعة واتباع أهل العلم، الذين يجمعون المسائل العلمية الكثيرة، ولكنهم غير مؤمنين حق الإيمان، فليسوا هم العلماء الذين وصفهم الله ﵎ بقوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، أي: هم الذين يخشون الله ويتقونه، أو كان العلماء كذلك، ولكن أخطأوا فجاء الأتباع فأشركوا بجعلهم آلهة، وألَّهوهم بتقديم ما أخطأوا فيه على ما يعلمون من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فهؤلاء هم العلماء. وأما العبَّاد: فإن كثيراً من الناس يفتنون بالعبَّاد في أي ملة كانت، فيقدمون أعمالهم وآرائهم وما يعبدون أو يتقربون به على ما في كتاب الله، وعلى ما في سنة رسول الله ﷺ ، وهذا يقدح في إخلاصهم ويجعلهم بذلك مشركين. ومن هنا فإن الله ﵎ اشترط ذلك، وذكر أنه طلب من أهل الكتاب الإخلاص لله ﵎، وهو الذي جاء في آية آل عمران: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٦٤]. فهذا -أيضاً- هو تجريد العمل والإخلاص الكامل لله ﵎، أما أن تتخذ -مفهوم الآية- أن يعبد بعضكم بعضاً، أو يعبد بعضنا بعضاً الملوك أو الأحبار أو الرهبان أو ما أشبه ذلك، فإننا بذلك لا نكون مؤمنين ولا موحدين، بل نشترط ونطلب ذلك منهم، فهذا بالنسبة لأهل الكتاب.

стр. 2535

إخلاص المنافقين أما بالنسبة للمنافقين فإن الأمر في حقهم أوضح وأجلى، فالمنافقون من أخص أعمالهم وصفاتهم الكذب، كاذبون في دعوى الإيمان، كاذبون في الشهادة بالرسالة -كما في أول سورة المنافقون- كاذبون في عبادتهم، وهم في الحقيقة كما ذكر الله ﵎ عنهم: ﴿يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢]. فهذا الرياء والكذب في دعواهم أنهم مؤمنون وليسوا كذلك، وأنهم كما ذكر الله ﵎ من صفاتهم في أول البقرة: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة:٩]، وغير ذلك. هم بهذه الصفات قد جانبوا وضادوا معنى الإخلاص الذي طلبه الله ﵎ واشترطه من عباده، وكذلك معنى الصدق. ولذلك نجد أن الآيات التي تتحدث عن المنافقين، وعن أعمالهم يأتي فيها هذان الأمران العظيمان، مثلاً: سورة التوبة، الفاضحة المشقشقة المخزية التي فضحت المنافقين، وأخزتهم وأظهرت بواطنهم وكشفتها، هذه السورة العظيمة يقول الله ﵎ بعد أن فضحهم، وبيَّن أعمالهم ومنهم، ومنهم، ومنهم، ويقولون، وفعلوا، وفعلوا مما ذكر الله ﵎، قال في آخرها موجهاً الخطاب للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]؛ لأن ما تقدم في حق المنافقين يشمله أنهم كاذبون فلم يكونوا من الصادقين. وأما إخلاص الدين لله ﵎، فإن الله ذكر ذلك في قوله ﵎: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦]. فقد جعلهم الله ﵎ في الدرك الأسفل من النار، فهم أشد الناس كفراً وإظهاراً لمعاندة ما جاء من عند الله، وتكذيباً لرسل الله، فلا ينفعهم أبداً دعوى الإيمان وزعمه إلا بأن يحققوا هذه الشروط، وهي التوبة والإصلاح، والاعتصام بالله ﵎. والشرط الرابع هو: إخلاص الدين لله ، وهذا دليلٌ على أن من أعظم ما يشوب أعمالهم هو ترك الإخلاص، وهو الشرك -وإن كان النفاق درجات وإن كانت الأعمال درجات- والناس درجات في هذا، لكن مثل هؤلاء الموصوفين بأنهم في الدرك الأسفل من النار، هؤلاء هم أهل النفاق الأكبر، فشركهم أو تركهم الإخلاص؛ لأنهم لم يخلصوا لله ﵎ في أصل الإيمان وفي أصل الدين. أما ما عدا ذلك، وهو من يشرك بالله ﵎ ولا يخلص له في عملٍ من الأعمال، فإن ذلك العمل يحبط ويبطل؛ لأنه كما تقدم في الحديث القدسي: ﴿أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً -وهذا مطلق، سواء كان في أصل الدين عملاً كبيراً عظيماً، أو أياً كان- أشرك معي فيه غيري تركته وشركه﴾. وعلى هذا فيجب على الإنسان أن يحذر من الشرك دقيقه وجليله، وأن يحذر من الرياء؛ لأنه ضد الإخلاص، ولأن الرياء هو نوع من أنواع الشرك الأصغر، نسأل الله تعالى أن يحفظنا وإياكم من الشرك ما علمنا منه وما لم نعلم.

стр. 2536

ثمرات الإخلاص إن الإخلاص ثمراته عظيمة جداً، ولو تأملنا الكتاب والسنة، وعمل أولياء الله من الصديقين والمقربين والصالحين الذين أثنى الله ﵎ عليهم، أو شهدت لهم الأمة بالخير لوجدنا أن صفة الإخلاص هي من أوضح وأجلى ما يتصفون به، وأنها الفارق بين ما فيه روح وما لا روح فيه. أرأيتم الفرق بين إنسانٍ سويٍ حيٍ ينطق ويتحرك أمامك، وبين تمثال من الخشب -كالذي يصنعه أولئك المبطلون- أو من الفخَّار أو من أي شيء، الفرق العظيم بين هذا وبين هذا هو ذلك الفرق بين من يعمل العمل خالصاً لوجه الله ﵎، ومن يعمل أي عملٍ من الأعمال كائناً ما كان بلا إخلاص، فهو يعمل بلا روح، فروح العمل هو الإخلاص فيه. ويتفاوت الناس في الطاعات بمقدار تفاوتهم في الإخلاص، كما أنهم أيضاً يتفاوتون في التوبة من المعاصي بمقدار تحقيقهم لحقيقة الإخلاص والصدق في التوبة.

стр. 2537

ثمرات الإخلاص في الطاعة فأما التفاوت في الطاعة فهذا معلوم للجميع، فإن الناس يؤدون الصلوات كما نرى ونشاهد، يصلون هذا بجوار هذا في صف واحد، وقد يكونا خلف الإمام مثلاً، ولكن بين أجر هذا وأجر هذا مثل ما بين السماء والأرض، وهذا بما في قلب هذا من الإخلاص لله ﵎ في هذه العبادة، وأما الآخر فقد لا يقبل منه شيء إذا كان منافقاً أو مرائياً في صلاته؛ فإنه لا يقبل له منها شيء، فانظروا الفرق بين هذين، وإن كان العملان الظاهران سواء، ولكن الفرق إنما كان بتحقيق الإخلاص.

стр. 2538

ثمرات الإخلاص في الإنفاق إن المرء أو العبد المؤمن قد ينفق نفقةً يسيرةً لو رآها المنافقون للمزوه، وقالوا: ما هذا؟ ألم يجد إلا هذا؟! ولكنها عند الله ﵎ عظيمة جداً؛ لأنها خالصة لوجه الله ، لأن هذا المؤمن التقي أنفق مما يحب، والله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]. ولم يتيمم الخبيث فينفق منه، كما قال تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧]، فهو أنفق مما يحب، وأنفق وهو محتاج، وأنفق وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويرجو الغنى، فلما اجتمعت فيه هذه الأمور -وهي دليل على الإخلاص لله تعالى في نفقته- كانت هذه النفقة -وإن صغرت في أعين الخلق- عند الخالق ﵎ لها وزن وقدر عظيم جداً، والله يُعظِّم أجرها، ويربي هذه الصدقة لصاحبها، وربما وجدها يوم القيامة مثل الجبال وهو لا يعلم، وهذا من فضل الله ﵎ وجوده وكرمه لمن صدق الله في توجهه له .

стр. 2539

ثمرات الإخلاص في الجهاد وهكذا في بقية الأعمال، في الجهاد في سبيل الله ، فلو أن أحداً لم يخرج للجهاد ولكنه كان صادقاً مخلصاً يريد ذلك ثم لم يخرج، فهذا له أجر عظيم عند الله ، بنيته وإخلاصه لله ، فكما ذكر الله ﵎ أيضاً في الهجرة: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠] أي: بنيته وإخلاصه وإن لم يتحقق له العمل، وكما في الجهاد قال رسول الله ﷺ في قصة الذين تخلفوا معذورين، ممن عذرهم الله ﵎ في يوم تبوك عن جيش العسرة فإنهم كما قال ﷺ : ﴿ما قطعتم وادياً ولا أنفقتم نفقة إلا وهم معكم حبسهم العذر﴾ معنى ذلك: أن لهم من الأجر بإذن الله الشيء الكثير بنيتهم وبإخلاصهم: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة:٩٢]. فهم عندما أخلصوا وصدقوا لله ﵎، وأخذوا يبكون حزناً؛ لأنهم لا يجدون من النفقة ما يحملهم، ولم يجد لهم رسول الله ﷺ ما يحملهم عليه، كان لهم هذا الأجر، ورفع الله ﵎ الحرج عنهم، وجعلهم بدرجة من خرج ومن حمل السيف ومن ركب بذلك الحر الشديد، وتحمل تلك المشاقة العظيمة، وبعد الشقة، ونازل القوم ثم كان ما كان من أجر له عند الله ، وأمثال ذلك كثير.

стр. 2540

ثمرات الإخلاص في التوبة وأما بالنسبة للتوبة -ويدخل في ذلك أيضاً التوسل بالأعمال الصالحة- فإن الإخلاص هو من أعظم ما يحقق ذلك بإذن الله ﵎. والأمثلة على هذا كثيرة جداً، ومن أشهرها وأعظمها حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم ذهب وأراد أن يتوب، فسأل عن عالمٍ يعلمه التوبة، فدل على راهب لا فقه لديه، فقال له: لا أجد لك توبة فأكمل به المائة. فهذا الرجل لديه شدة وعنف وقوة غضبية عارمة، فأغضبه ذلك بأن قال: لا أجد لك توبة. والله ﵎ يفتح باب التوبة لمن يشاء من عباده، فكيف تغلقها أنت؟! فأكمل به المائة، إذ لا فرق بين أن يكون العبد قتل واحداً أو قتل ألفاً أو ألف ألف إذا لم يكن له توبة، فلا فرق بين هذا وهذا، فأكمل به المائة. ثم ذهب فدُلَّ على عالمٍ ممن فقهه الله تعالى في الدين، فسأله؛ فقال: ومن يمنعك من هذا؟ ثم دله -وهكذا المربون الحكماء يعلمون ما للبيئة من أثر- لما رأى إخلاصه وصدقه في التوبة، أراد أن يتحقق له ذلك كاملاً، فقال: اخرج من هذه القرية، ودله على قريةٍ فيها قوم يعبدون الله ﵎، بيئة صالحة يستطيع أن يتوب فيها، ولا يعود إلى ما كان فيه من الذنوب، فأدركه الموت في الطريق. فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأما ملائكة العذاب فتقول: الرجل قتل مائة نفس وإلى الآن لم يعمل شيئاً، إلا مجرد أنه توجه إلى القرية، لكنه لم يتعبد، ولم يتصدق أو يصم أو يُكَفِّر أو يعمل شيئاً. وأما ملائكة الرحمة فإنها تقول: إنه قد تاب، فحجتها أنه قد تاب، وأنه قد انسلخ من ذلك الماضي، وأنه قد أقبل على الله ﵎ تائباً صادقاً مخلصاً. فحكم الله ﵎ وهو أحكم الحاكمين وقضى وفصل بأن الذين يستقبلونه والذين يتلقونه هم ملائكة الرحمة، وهذا من فضل الله وجوده ، وما أعظم فضله؛ لأنه هو الغفور الودود، الرحمن، الرحيم، التواب الكريم فقبل ذلك منه. فكان هذا الإخلاص الذي في قلبه كافياً، عن أي عمل يمكن أن يفترضه، أو يشترطه عابد أو واعظ أو مربٍ أو ناصح، كما حدث لملائكة الرحمة، أو كما حدث لملائكة العذاب؛ لأن التائب لا بد أن يشترط له تغيير في حياته، فلا بد من أعمال تثبت ذلك، والله ﵎ طلب ذلك، واشترط ذلك كما بينا مثلاً في آية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٤٦] أي: لا بد من أعمال معينة حتى نعلم أنه قد تاب، لكن الله ﵎ بعمله هذا القلبي وبإخلاصه وبصدقه عفا عنه ورحمه، وعد ذلك كأنه قد عمل كل ما يشترط من عملٍ للتوبة. إذاً: هذا يدل على فضل الإخلاص والصدق مع الله ﵎. والمثال الثاني الذي يمكن أن نجعله ثانياً -والأمثلة كثيرة جداً- هو: مثال المرأة البغي التي كانت من بني إسرائيل -والحديث أيضاً صحيح - فمرت فرأت كلباً يلهث ويأكل الثرى من العطش، وهو لا يستطيع أن يشرب، وليس لدى الحيوان الأعجم حيلة، ولكن كما قال ﷺ : ﴿في كل ذات كبدٍ رطبةٍ أجر﴾، فلما رأت حاله رَثَتْ له، فجاءت إلى بئر وأخذت موقها، أي: جوربها أو خفها، فملأته بالماء، ثم صعدت به، فسقته فشكر الله لها، فغفر لها. عمل عادي جداً لو رأيناه، وكثير من الناس لو رأوا مثل هذا الكلب لا يرحمونه، وإن رحموه فربما لا يعدون هذا العمل شيئاً، بل ربما أن هذه المرأة قد لقيت الله ﵎ وهي لا تعلم أن لها عنده عملاً عظيماً شكره الله لها وغفر لها من أجله، وربما لو قيل لها: احتسبي عند الله عملاً من الأعمال -كما في حق الثلاثة أصحاب الغار الذين سنذكر قصتهم إن شاء الله- لمَّا ذكرت هذا العمل؛ لأنها قد لا تراه شيئاً، ولكن حقيقة الإخلاص الذي في هذا العمل، بفضل الله ﵎ شكر الله لها ذلك فغفر لها؛ ولو تأملنا القصة نجد أنها أبعد شيء عن الرياء، لأسباب: أولاً: أن الكلب لا يحدث الناس بما صنعت له، ولو كان من بني آدم لقيل: إنها سقته لكي يخبر الناس، ويقول: فلان أعطاني، لكن هذا حيوان أعجم، فهذا دليل على أنها ما فعلت ذلك وهي تريد شهرة ولا ذكراً ولا رياءً. ثانياً: أنه إنما كان في خلاءٍ وهي عابرة ولم يرها أحد، ولم يذكر أن أحداً رآها لكي يذكرها. ثالثاً: أن دليل إخلاصها هو هذا التواضع له وهو حيوان، ولا شك أن النزول إلى البئر يعرض الإنسان للخطر، إذ قد يقع فيها فلا يخرجه أحد. رابعاً: أنها وضعت موقها في فمها عندما أرادت أن تصعد من البئر، وذلك حين لم تستطع أن تحمل الماء في يد وتصعد باليد الأخرى -وهذا مجرب لمن يصعد في جدار أو نحو ذلك- فجعلت موقها الذي محله الأساس هو القدم -موضع الاتساخ- في الفم، وهذ لا يفعله أحد إلا في أشد ما يكون من حالات التواضع والإخلاص، فلما صعدت سقت له ومضت، ولم تطلب منه أجراً ولا ثناءً، فهذا من فضل الله ﵎ عليها، لما أخلصت لله تعالى في ذلك، وكان حالها بخلاف المرأة الأخرى من بني قومها، التي حدَّث عنها رسول الله ﷺ في خطبة الكسوف، وهي التي دخلت النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، أي: من هوامها. فالإخلاص يرفع الله ﵎ به العبد درجات، ويغفر بسببه الذنوب، والإهمال والتقصير والتفريط الذي قد لا يتفطن إليه، قد يكون سبباً في دخول النار -نسأل الله العفو والعافية- فهذه نجت بسقي كلب، أما تلك فهلكت بحبس هرة، فليتنبه العبد وليعلم أن الطريق مهلكة، وأنه لا بد من الاستقامة على الصراط المستقيم الذي هو أدق من الشعرة وأحد من السيف، وليحذر ذنوبه، وليتفقد أحواله وتقصيره في حق الله ﵎. المثال الثالث: وهو مثال واضح للجميع في أثر الإخلاص وما يحمد من عاقبته؛ وهو مثال الثلاثة الذين هطل عليهم المطر، فألجأهم إلى غارٍ، فأرسل الله ﵎ عليهم صخرة فسدَّت فم الغار، فلم يجدوا ملجأً من الله إلا إليه، أين يذهبون؟ ومن ينادون ويخاطبون؟ ولم يجمعهم في الغار شيء إلا اللجوء والهرب من المطر. فرأوا أنهم في حالة لا ينجيهم منها إلا أن يتضرعوا إلى الله ﵎، وأن يتوسلوا إليه بأرجى عملٍ صالحٍ عملوه، فتوسلوا إليه بالإخلاص، لا بكثرة العمل، ولا بكبره -مثلاً- إنما بالإخلاص لله ﵎ فيه. فإن صاحب الوالدين قال بعد أن ذكر ماذا يفعل بوالديه: ﴿اللهم إن كنت فعلت ذلك خالصاً لوجهك الكريم فافرج عنا ما نحن فيه، فرفعت﴾ كشفت الصخرة قليلاً، إلا أنهم لا يستطيعون الخروج. وقال الذي حجزه الله ﵎ ومنعه من الزنا بعد أن كاد أن يقع فيه وحصل له ما يطلب، حيثما تكون الشهوة أشد، والتمكن من قضائها أشد ما يكون، حجز الله ﵎ وهذا الشاب، ورزقه الإخلاص، فترك ذلك خالصاً لوجه الله الكريم، لما قالت له: اتق الله، تذكَّر الله فاتقاه فقام، فقال: ﴿اللهم إن كنت فعلت ذلك خالصاً لوجهك الكريم أو ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه فرفعت قليلاً﴾. وجاء الثالث صاحب الأجير، الذين كثيراً ما تهدر حقوقهم في هذا الزمان وفي كل زمان، وكثير من الناس لا يبالي بهم ولا بظلمهم، ولا يحتسب الإحسان إليهم عند الله، وإذا كان في كل ذات كبد رطبة أجر ولو كانت كلباً؛ فإن الأجر في حق هؤلاء العمال أو المستأجرين أعظم، ولا يجوز لأحد أن يظلمهم. هذا الرجل، قلَّ أن يوجد مثله في هذا الزمان، فإن الأجير لما جاءه يطلب أجرته قال: ﴿أترى ما في هذا الوادي من الإبل والغنم والبقر؟ هذا مالك، فقال: أتهزأ بي﴾ أتسخر مني؟ لأن دينه لا يبلغ هذا، ولكن الرجل تطوعاً منه نماه منه، فأعطاه إياه؛ فلما تضرع إلى الله ﵎ بأنه إن كان فعل ذلك ابتغاء وجهه، أي: أخلص فيه لله أن يفرج عنهم فاستجاب الله له، وفرج ما بهم من كرب، وخرجوا يمشون.

стр. 2541

ثمرة الإخلاص في العلم والوقت ما أعظم ثمرات الإخلاص، وما أحوج المسلمين، وما أحوج المتقين، وما أحوج العباد الذين يريدون الله والدار الآخرة، ويعلمون حقارة وتفاهة هذه الحياة الدنيا، أن يخلصوا أعمالهم لله ، فيرون الثمرات ويرون البركات، ويرون أموراً لا يمكن أن يصدقها أحد في حدود المنظور المادي، والواقع العادي عند الناس. ومن ذلك أن العلماء الذين كتبوا لله ، وطلبوا العلم بإخلاص؛ جعل الله ﵎ لهم من البركة في أوقاتهم وأعمارهم وعلومهم، ونفع بهم كثيراً. ومن ذلك -مثلاً- صحيح البخاري، فكم من الكتب كتبت وألفت؟! لكن هذا الكتاب لما أخلص صاحبه لله، وكان لا يكتب الحديث إلا بعد أن يتوضأ ويصلي ركعتين ويستخير الله، وكان فيه من العبادة والزهد في الدنيا، ما هو معلوم من سيرة الإمام البخاري ﵀. لما كان كذلك بارك الله له في وقته، وبارك له في علمه، وجعل هذا الكتاب بهذه الدرجة والمنزلة، فهو أصح كتابٍ بعد كتاب الله، وتلقاه المسلمون قديماً وحديثاً إلى يوم القيامة بالقبول، وهذه كرامة عظيمة، وإلا فكم، وكم أُلِّف من كتب، لكن ليس لها ما لهذا الكتاب. كذلك حياة الإمام أحمد ﵁ وأرضاه، وما أعطاه الله ﵎ من القبول، فإنه شيء مدهش، حيث كان الإمام أحمد ﵀ إذا أشار بيده لرجل أن ينعم، أو إذا ذكر فلان وقال: نعم، فقط: نعم، أثنى عليه بأنه نعم، أو نِعْم الرجل، أو ما أشبه ذلك، رفعه الله عند الأمة قاطبة، فيرتفع هذا الرجل، وتنقل هذه التزكية من بغداد إلى خراسان إلى مصر إلى الأندلس وإلى كل مكان، وتسجل وتكتب، أن أحمد قال فيه: نعم الرجل أو أثنى عليه أو ذكره بخير، فتكون تزكية له وقبولاً لروايته وعلمه، وتصحيحاً لعقيدته. وإن قال في أحدٍ: لا، أو نحو ذلك، سقط مهما كان علمه ومهما كانت قيمته، وينتشر هذا الجرح في الآفاق حتى لا يكاد أن تجده عند أحد إلا وقبله حتى وإن زكاه غيره لا بد أن يقول: ولكن أحمد قال فيه كذا. والخليفة المتوكل من شدة حرصه على أن يزكى لدى الأمة كعادة الحكام في كل زمانٍ ومكان، طلب من الإمام أحمد أن يأتي إليه؛ لأن الناس يعلمون أن الإمام أحمد لا يأكل إلا من طعامٍ حلال، فيريد أن يأتي إليه ويطعم من طعامه، فيتحدث الناس بذلك، فيتزكى المتوكل عند الأمة بأن الإمام أحمد أكل من طعامه فقط، ولو لم يثن عليه ولا بكلمة. فأبى الإمام أحمد، ثم لمَّا ألحَّ عليه الخليفة، وهو المتوكل الذي أحيا الله به السنة وقمع به البدعة، وله فضل على أهل السنة والجماعة، وهو إمام المسلمين، فلم ير بداً من أن يطيعه، فذهب إليه ولكنه واصل الصيام. حتى يقول ابنه عبد الله وابنه صالح: أشفقنا وخشينا على الإمام من الموت، واصل الأيام والليالي، وكان لا يشرب إلا الماء؛ لأن الماء ليس لأحد فيه فضل، والمتوكل يظن أنه يطعم من طعامه، لأنه لم يقابله ولم يجالسه على مائدة، فلِمَ كانت لهم هذه المنزلة؟! إنما هي بإخلاصهم لله ﵎. ثم من ناحية البركة في الوقت: انظر مؤلفات شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀، ومؤلفات الذهبي، ومؤلفات ابن كثير، ومؤلفات النووي ترى عجباً، عندما ترى هذه المؤلفات مع ما تعرضوا له -ولا سيما مثل ابن تيمية ﵀ من النفي والسجن والأذى والمحاكمات وحرق الكتب، وحبس ما يكتب به، والاشتغال مع ذلك بالعبادة، بل حتى بالجهاد، شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ جاهد الباطنيين، وجاهد التتار، جهاد وعلم، تحصيل للعلم وتنقيب في الكتب، وعبادة، ثم يؤلف هذه الكتب، كيف كان ذلك؟! نحن الآن كما ترون نسأله البركة في أوقاتنا وأعمارنا، وأن يرزقنا الإخلاص الذي به تحل البركة، الطالب يظل خمس سنوات في الدكتوراة ثم يخرج كتاباً إذا قرأته وجدت أنه نُقول فحسب، لو جدَّ فيها لجمعها في أشهر، ولو كان من السلف لجمعها في أيام وأسابيع؛ فإنها مجرد نقول فحسب، ولم يفن هذا العمر؟ إن هذا بقدر ما لدينا من إخلاص، فكيف هذه؟ حتى قال بعضهم: لو قسمت عمره على كتبه لوجدت أنه كان يكتب في كل يومٍ كراسة من عشرين لوحة، فهل يمكن لأحد أن يكتب هذه، ومتى يحققها؟ ومتى يحررها؟ وإذا طلبنا من أخ مقالاً في صفحة واحدة فإنه سيكتبها الليلة ويراجعها في اليوم الذي بعده، وينقحها بعد ذلك، وقد يمضي الأسبوع ولم يأت بها، سبحان الله!! كيف يكتب هؤلاء، إذا كتب عشرين لوحة محررة منقحة بأقوال معزوة إلى أصحابها، وأمانة في النقل، ودقة في الاستنباط، لا يمكن أن يكون هذا إلا ببركة من الله ﵎ في عملهم، وذلك بسب إخلاصهم لله . ولذلك أوتوا الهمة العليا، فعندما قال الإمام الطبري ﵀ لتلاميذه: سأُملي عليكم التفسير في ثلاثمائة مجلد، قالوا: هذا كثير -ثلاثمائة كثير لا يستطيعونها- فقال: الله أكبر!! ضعفت الهمم، فجعله في ثلاثين بدلاً من الثلاثمائة، فهذه الثلاثون جزءاً، كانت على قدر الهمم، فسعة تفسير الطبري، وما فيه من الأقوال والأسانيد، وأقوال له في اللغة رواية ودراية معاً، فهذا كتبه ﵀ لضعيفي الهمم، ونحن الآن نقول: الطبري يحتاج أن نختصره، وبالفعل يختصر؛ لأن ما عليه الهمة الآن هي عُشر ما كانت عليه في أيام تلاميذ الطبري وهكذا، فلماذا تضعف الهمة؟ تضعف الهمة بقلة الإخلاص، ومع الإخلاص تكون أعلى، ويكون اليقين أكثر، وإذا اجتمع للإنسان الإخلاص واليقين والمحبة وسائر ما ذكرنا، وما سنذكر من أعمال القلب، فإنه يكون في غاية الهمة. والصحابة رضوان الله تعالى عليهم لما تحقق لهم ذلك لم يفكروا على الإطلاق في قوى الدنيا كلها مهما كانت، بل ترسل الجيوش شرقاً وغرباً، براً وبحراً ولا يبالون، ولا ينظرون إلى العدو -نعم يعدون العدة تماماً- ويستطلعون أموره كأدق ما يكون من الدراسات الاستراتيجية أو الاستخبارات العسكرية، لكن يعلمون أنهم إنما يقاتلون في سبيل الله، فلم تقم أمامهم أية قوة، إنما هم انتصروا بإيمانهم وبتقواهم وبإخلاصهم وبصدقهم مع الله ﵎. ثم بقيت مسألة نختم بها وهي: أن الإخلاص يورث العبد بأن يكون من المخلصين؛ وهذا لأن الجزاء من جنس العمل، فإذا أخلص العبد وصدق مع الله ﵎، فإنه يجعله الله ﵎ من المخلصين، والمخلَصون هم صفوة وخيرة من خلق الله ﵎، وهم الذين يعرفون الله، ومن أهم صفاتهم -وهي كثيرة- أنهم يعرفون الله ﵎، كما في سورة الصفات، بعد أن ذكر الله حال المشركين وأمثالهم الذين نسبوا إلى الله تعالى الولد، وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً، قال عقب تلك الآيات: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات:١٥٩]، ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:٤٠]. فكل ما يصفه به الواصفون فهو منزه عنه، إلا ما يصفه به من يعرفونه ويقدرونه حق قدره، ويصفونه بصفات الكمال والثناء والمحامد المرضية. نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعلني وإياكم من المخلَصين المخلِصين، وأن يتقبل منا أعمالنا جميعاً، وأن لا يجعل فيها شيئاً لأحدٍ غيره إنه سميع مجيب.

стр. 2542

الأسئلة

стр. 2543

أثر الإخلاص في أصول الدين السؤال يقول: ذكرتم يا فضيلة الشيخ أن الإخلاص من شروط لا إله إلا الله, فهل إذا انعدم هذا الشرط أو اختل يخرج الإنسان من الملة؟ الجواب نعم أحسنت, هذا ذكرني بمسألة اشتراط الإخلاص في الشهادة وما جاء في ذلك, ولا سيما قوله ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري والإمام أحمد وغيرهما, لما سأله أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: ﴿يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال ﷺ : أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من شهد ألا إله إلا الله مخلصاً بها قلبه﴾ , وقال في رواية أخرى: ﴿يصدق قلبه لسانه ولسانه قلبه﴾. ولذلك قلنا الصدق والإخلاص مقترنان, فالذي يشهد ألا إله إلا الله وهو صادق مخلص فإنه يكون أسعد الناس بشفاعة الرسول ﷺ ومن ثمَّ فهو جدير حري ألا يدخل النار كما جاء في رواية أخرى: ﴿فإن الله قد حرم النار على من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله﴾ أي: خالصاً ذلك لله, وقد جاءت كلمة الإخلاص في إحدى رواية المسند. إذاً الإخلاص مراتب, كاليقين والمحبة وغيرها, فأصل الدين لابد فيه من الإخلاص, وأصل الإقرار والشهادة بألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لابد فيها من ذلك، وإلا كان قائلها مشركاً أو منافقاً كما بينا فيما مضى, وهذا معلوم أنه خارج من الملة طبعاً, فإن قالها وشهدها بحق ولكنه فرط في عمل من أعمالها وتوابعها ولوازمها؛ أي من الطاعات التي جعلها الله ﵎ فروعاً وتحقيقاً للشهادة فلم يخلص فيه لله فإنه يكون من أهل الكبائر وهو داخل في الوعيد, وأهل الكبائر معلوم حكمهم, إذ هم أصحاب الوعيد الذي إن شاء الله تعالى غفر لصاحبه, وإن شاء عذبه, وأسباب المغفرة وأسباب النجاة من النار كثيرة, وهي موانع من أن يكون المرء من أصحاب الوعيد, وقد تقدم شرحها فيما سبق, ومن أعظمها شفاعة رسول الله ﷺ أو الصالحين من عباد الله ﵎. فإذاً إذا فقد الإخلاص في أصل الدين وأصل الشهادة فصاحبه مشرك خارج من الملة, وأما إذا فقده في شعبه من شعب الإيمان أو عمل من أعماله, فهذا العمل حابط وقد خسر هذا العمل لكنه لا يخسر دينه كله, فرب رجل لا يخلص لله ﵎ في نفقة, مثلاً: أعطى ألف ريال رياءً, لكنه في صلاته مخلص, فهو ينال أجر الصلاة أيضاً مع أجر التوحيد وهو صادق فيه, ولكنه لا يأخذ أجر هذا المال الذي تصدق به, ولكنه على أية حال هو على خطأ عظيم؛ لأنه أبطل صدقته بالمنِّ والأذى, وهذا من أهل الوعيد.

стр. 2544

أثر الرياء على صحة العمل مع توفر المجاهدة السؤال هل إذا طرأ على العمل رياء يبطل العمل, ولو كان هنالك مجاهدة؟ الجواب إذا طرأ الرياء على العمل فلا يخلو إما أن يجاهد صاحبه ذلك الرياء كما ذكر الأخ فهذا لا يبطل عمله بإذن الله, بل هذا يؤجر على تلك المجاهدة وربما يكون ذلك خيراً له, أي ربما يكون هذا النزغ من الشيطان سبباً في مجاهدة يؤجر عليها العبد أجراً أكبر وأكثر مما لو أنه عمل العمل ولم يأته الشيطان ولم يحدثه في ذلك. وإما أن يستسلم للشيطان وأن يوافقه فيرائي بذلك العمل, فهذا لا يخلو إن كان العمل واحداً متصلاً كالصلاة الواحدة مثلاً, فمتى دخلها الرياء ولو في آخرها فإنها تبطل والعياذ بالله, فتحبط جميعاً, هذا الظاهر؛ لأن الأعمال بالخواتيم, وهذه عبادة واحدة لا تزال متصلة فإذا طرأ الرياء في آخرها وسلّم وهو على ذلك فهذه خاتمة سوء تجعل العمل كله حابطاً. لكن لا يعني ذلك أن تحبط كل صلاة قد صلاها من قبل خالصة لوجهه الكريم, وهي صلاة بعيدة منفصلة عنها؛ لأن الإيمان يزيد وينقص, كما هو مذهب أهل السنة والجماعة , فربما كان في الفجر مثلاً يصلي بإخلاص لا رياء فيه فيؤجر, ثم في الظهر شابته شائبة الرياء فلم يؤجر, ثم في العصر يرجع إليه إخلاصه فيؤجر, وهذا هو الحق الموافق للفطرة ولحال الناس وواقع الناس جميعاً, لا كما يزعم الخوارج أو غيرهم أنه يبطل ويحبط عمله كله وصلواته كلها. وكذلك النفقة فربما أنفق اليوم -أو الآن- ألف ريال بلا رياء, ثم بعد دقائق أو بعد أيام أو ساعات أنفق أخرى وراءى فيها والعياذ بالله فهذه تبطل وتحبط, وتلك التي أخلص فيها لا تحبط, وهذا هو القول الصحيح في هذا الأمر والله تعالى أعلم.

стр. 2545

الامتناع عن أداء الطاعات خشية الوقوع في الرياء السؤال بعض الناس إذ أراد أن يعمل عملاً أتاه الشيطان فشككه في عمله, وأنه رياء فلا يعمل هذا العمل, فما رأيكم يا فضيلة الشيخ! في هذا الشك؟ والحقيقة وردت كثير من الأسئلة تتناول هذه المشكلة فمن الصالحين من يقول: أشك في إمامتي, والآخر يقول: أشك في قراءتي للقرآن, وآخر يقول: أشك في قيامي لليل, والرابع يقول: أشك في شهادتي الجامعية, والخامس يقول: أشك في مجال دعوتي إلى الله !! الجواب نعم, لعل هذا يدخل فيما أثر عن بعض السلف قيل أنه سفيان أو الفضيل أو عن كليهما: [[العمل من أجل الناس رياء, وترك العمل لأجل الناس كفر]] والعياذ بالله, يعني هذا من الزجر؛ لأن الإنسان لابد أن يدرك أنه عبد, وأن الله ﵎ افترض عليه أمراً أو عملاً حتى ولو كان مشروعاً ومستحباً, أي ليس مفروضاً عليه لكنه مما شرعه الله له, فما شرعه الله له فليؤده لله ﵎, خالصاً من شوائب الشرك والرياء والنفاق. فإن عمل هذا العمل من أجل الناس فقد راءى, أما لو ترك الطاعة من أجل الناس حتى لا يقول الناس: إن فلاناً فعل. سواء كان ذلك على سبيل النقد, مثلاً واحد لا يصلي حتى لا يضحك عليه الناس أو يستهزئوا به أو يأتيه الشيطان من هذا المدخل فيقول: لو صليت لكنت مرائياً فيترك الطاعة فهذا يصبح أيضاً قد دخل في باب آخر من أبواب المعصية وهو أنه ترك العمل لأجل الناس, فكلاهما ذنب, أن يعمل لهم أو يترك العمل لأجلهم. والمطلوب من كل واحد منا أن يجتنب الأمرين, فلا يعمل لأجل الناس, ولا يترك العمل أيضاً لأجلهم, فكل ما فوق التراب تراب. فعليك أخي الكريم أن ترى ما شرعه الله وافترضه عليك وتتحقق المصلحة الشرعية فيه وتقدم على فعله؛ لأن ما كان في عمله مفسدة راجحة أو ارتكاب منكر أو محظور فهذا أمر لا يدخل في هذا الحكم, لكن المقصود ما شرعه الله ﵎ وما تقتضي المصلحة فعله ولا مفسدة في فعله فإنك تفعله ولا تبالي بالناس, ولا بما قالوا! بل أنا أقول للإخوة الكرام: إن من أعظم مداخل الشيطان وحيله وتلبيسه على من أراد أن يجتهد في طاعة الله أن يأتيه بمثل هذا, لأن من شمر عن ساعديه واجتهد على الطاعة لا يستطيع الشيطان عدو الله أن يأتي إليه فيثنيه؛ لأنه خبيث, ولا يأتي إلى من عزم على القيام بعمل ليثنيه عن العمل, إنما يثني عن العمل الذي ما زال متردداًَ في الإقدام عليه, فهذا يصرفه عن العمل بسهولة, أما الذي عزم وعقد النية واجتهد فإنه لو أراد أن يثنيه لما سمع له, ولكن يأتيه من باب آخر فيقول: لو عملته لكان لغير الله!! فيأتيه من باب الورع الكاذب, ومتى كان عدو الله ناصحاً لك؟! ومتى كان الشيطان حاثاً على الورع؟! أو على الإخلاص؟! تذكر: أنه ما دام أن الله شرع لك هذا العمل وافترضه عليك وأن مصلحة الدين فيه فلا يمكن لعدو الله وعدوك -الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]- أن يدلك على خير أو أن يثنيك عن عمل لأنه شر ولأنه ضار بك أبداً, وإنما هذا نوع من حيل الشيطان ومن تلبيسه. وقد عجبت غاية العجب لما بلغني أن أحد الشباب آتاه الله ﵎ من القراءة ومن العبادة ومن الصلاة ما يغبطه عليه الآخرون, وما يتطلع أكثر الشباب إلى إدراكه ونيله, فكان إذا رآه المصلي الذي لم يؤت مثل هذا الخشوع يتعجب من خشوعه, وفي النهاية زيَّن له الشيطان أن يترك صلاة الجماعة؛ لأن بعض الناس يتأملون في صلاته, وهو لا يملك نفسه إذا قرأ القرآن من أن يبكي, فقال: أفضل شيء أن أصلي الفريضة في البيت, لاحظوا الشيطان والعياذ بالله, هذا لو فعل ذلك لوقع في إثم عظيم وهو ترك صلاة الجماعة, بينما في ظنه أنه يبتعد عن الرياء, لكن لو أنه صلى الفريضة ورأى أن يجعل النافلة في البيت لا حرج في ذلك, بل هذا هو المشروع أو هذا هو الأفضل. فأقول أيها الإخوة الكرام: الشيطان عدو, إن لم يأتك من باب ترك الطاعة فإنه يلبس عليك أن تتركها بدعوى أن تكون مخلصاً, ولا يريد إلا أن تتركها فتستوي أنت والعاصي في ترك ما أمر الله ﵎ به مما افترضه عليك, فاحذروا منه! ولذلك يجب أن نحرص دائماً على أي ذكر يعين على أن يعتصم العبد بالله من الشيطان الرجيم, وأن يتحصن بأذكار الصباح والمساء وما أشبه ذلك, وعلينا أن نتعلم ونتفقه في الدين؛ لأن الشيطان أكثر ما يخدع العباد الجهال, فالفقه في الدين يعصم صاحبه بإذن الله من هذا, وإن لم يكن متفقاً, أو لم يؤهل لذلك, فليسأل أهل الذكر وأهل العلم هل أترك هذا أو لا أتركه؟! وعليه ألا ينساق وراء ما يلقي الشيطان في نفسه.

стр. 2546

علامات إخلاص العمل لله تعالى السؤال إن كان للإخلاص علامات فما هي؟ وكيف أعرف أني مخلص لله تعالى؟ الجواب سئل بعض السلف عن هذا فقال: أن يستوي سرك وعلانيتك, وأن تستوي خلوتك وجلوسك مع الناس, يعني أن تكون حالك مع الله ﵎ في خلوتك كحالك عند اجتماعك بالناس واختلاطك بهم, ويجب أن يكون سرك وعلانيتك أو ظاهرك وباطنك سواء. وسهل بن عبد الله الدستري ﵀, عندما تحدث عن هذا -وله كلمات عظيمة في هذا الشأن- قال: (أن تكون حركاته وسكناته لله تعالى, لا يخالطه شيء ولا يمازجه شيء) يعني تحقيق كامل لقول الله ﵎: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢]. وكما جاء في الحديث: ﴿من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان﴾ أي: إعطاؤك ومنعك, كما قال العلماء في شرح هذا الحديث أن أول ما تبدأ به, أن تحب الطاعة ثم تعزم على فعلها ثم تفعلها, وآخر شيء هو الإعطاء أو المنع أي: عملياً, فما بينهما كل أنواع الطاعات تندرج تحت هذا الحديث, أي: أن تكون كل أعمالك ما بين هذا وهذا لله, إن أحببت أو أبغضت, وإن منعت أو أعطيت, ستكون الحركات والسكنات كلها لله ﵎, يعني أن تجتهد أن تكون كذلك, فهذا تحقيق الإخلاص لمن أراد أن يحققه.

стр. 2547

الانشغال عن العبادات يقدح في كمالها كما يقدح في أصلها السؤال إذا حضرت الصلاة وشغلت عنها بمشاهدة مباراة في التلفاز, أفلا أكون أشركت بالله في هذا العمل؟ الجواب ليس شرطاً -حتى لا يفهم الإخوة خطأً- أن الشرك يقتصر على الشرك المخرج من الملة, لكن من قدم شيئاً مما يريده الشيطان, أو يريده الهوى, أو تستلذه النفس وتستطيبه على ما أمر الله ﵎ به, وما أمر به رسوله ﷺ , فلا شك أن هذا المقدم أحب إليه من ذاك, أليس كذلك؟ لأنه لما كان حب المباراة أكبر وأهم من الصلاة قدم هذه المحبة على تلك. فيا إخوتي الكرام! المحبة واليقين والإخلاص -كما بينا- وغيرها من أعمال القلب قد يعمل العبد ما يقدح في كمالها، وقد يعمل ما يقدح في أصلها, فهنا لا نقول: إن هذا العمل يقدح في أصل الإخلاص فيكون مشركاً خارجاً من الملة. لكن إذا نظرنا إلى أن الشرك منه الخفي ومنه الأصغر, فهذا نوع منه؛ لأنه أحب هذا الأمر وقدمه على ما أحبه الله ﵎, ولأن من عبادة الشيطان أن يطاع في المعصية يقول الله : ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠]. بم تكون عبادة الشيطان؟! بطاعته, وعبادة الهوى: ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] كيف تكون؟ من اتبع هواه وكان أمره فرطاً, هذا هو المقصود, فإذاً تأليه الهوى وتأليه الشيطان وما أشبه ذلك قد يكون على الحقيقة وعلى أصل الدين كأن يعبد غير الله, وقد يكون في أمر من الفروع فيكون ذلك بالتبعية, كمن يقدم شيئاً من المعصية على مرضاة الله ﵎, فهذا لا شك أن عمله يخدش إيمانه, ويخدش يقينه وصدقه ومحبته للطاعة وإخلاصه فيها. والواجب على الإنسان أن يتوب وأن يتجرد من ذلك كله, فبقدر وجوب الطاعة يكون ذلك, مثلاً هذا الأخ تشاغل عن العبادة عند سماع الأذان، وهذا أخف من أن يفعل ذلك عند سماع الإقامة؛ لأن الإجابة تكون آكد عند سماع الإقامة. في حالات الجهاد إذا كان فرض عين كما حدث في غزوة تبوك , وهي كما ذكر الله ﵎ في آيات البراءة أحوال المنافقين فيها, وتخلفهم عنها واشتغالهم عنها أو خوفهم من الخروج, فلما كان الجهاد متعيناً استنفر النبي ﷺ الأمة قاطبة, وأمر كل مستطيع بالخروج, بخلاف لو كان الجهاد فرض كفاية وتخلف عنه وقدم محبته فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٢٤] فلا يكون هذا بمثل ذلك الذي يكون الجهاد في حقه فرض عين, فبمقدار وجوب الأمر والطاعة يكون الإثم على من قدم عليها شيئاً من معصية الله ﵎, فيكون القدح في كمال يقينه وإخلاصه وصدقه وخشوعه أكثر.

стр. 2548

أثر الإخلاص على الجماعة السؤال ذكرتم يا شيخ! أثر الإخلاص على الفرد, فما هو أثره على الجماعة؟ الجواب بطبيعة الحال إذا كان للإخلاص أثر على الفرد, فلابد أن يكون كذلك على الجماعة, فإذا كان في الأمة مخلصون فإنهم ينتصرون, وأعظم ما تحققه عملياً هو أن تنتصر على أعدائها, ولهذا يقول النبي ﷺ : ﴿إنما تنصرون وترزقون بضعفائكم بدعائهم وإخلاصهم﴾ فإذا كان فينا أمة -أي طائفة- عابدة زاهدة تقية مخلصة وتضرعت لله ودعت بإخلاص فإننا ننتصر على العدو مهما كثر عَددُه ومهما قويت عُدده. فالإخلاص مهم للفرد وللمجتمع على حدٍ سواء, وقد ينجي الله ﵎ أمة أو قرية أو حضارة بوجود أناس مخلصين فيها، ولكن يجب أن يكونوا مصلحين عاملين: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٧] والمصلح لو لم يكن مخلصاً لما كان مصلحاً؛ لأن الذي نيته باطلة لا يكون إلا منافقاً والعياذ بالله, فهو مفسد وليس مصلحاً, وإن زعموا أنهم مصلحون إلا أنهم مفسدون ومنافقون، كما ذكر الله ﵎: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة:١٢]. فإذاً إخوتي الكرام: لابد أن يكون في الأمة مخلصون؛ لكي يحفظها الله ﵎ من السوء, وهؤلاء المخلصون لو قنتوا وتضرعوا إلى الله لدفع الله البلاء, والنموذج الظاهر كمثال لذلك حديث الثلاثة, فكذلك لو ابتليت الأمة بأن أطبق عليها العدو وسد عليها منافذ الحياة وضيقها عليها كحال المسلمين اليوم في العالم كله, ويمكن أن نرى أن الصليبيين أطبقوا على إخواننا في البوسنة مثلاً, أو في كشمير , أو في أرتيريا , أو في الفلبين أو غيرها أكثر من دول أخرى, إلا أن الأمة الإسلامية في مجموعها أعداؤها مطبقون عليها, ثرواتها بأيديهم, ورأيها بأيدهم, والقرارات فيما يسمونه مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بأيديهم, فهم مطبقون عليها, فهي لو أنها صدقت وأخلصت لله ﵎, وتجردت منها طائفة ولو لم تعمل إلا أن تتضرع بصدق لكشف الله ﵎ هذا البلاء, مع أن الدعاء لابد أن يشتمل على أمور أخرى على أية حال, لكن المقصود أن الفرد والأمة سواء في اشتراط الإخلاص, اللهم إلا أن الأمة الإسلامية بمجموعها لن تكون كذلك. فلابد أن يكون منها أمة أو طائفة تحقق هذا المعنى العظيم, وبها ينصر الله تعالى الأمة جمعاء.

стр. 2549

الأحداث الجارية في أفغانستان السؤال ما هو تعليقكم يا فضيلة الشيخ! على الأحداث الجارية في أفغانستان؟ الجواب أنا أرى -وقد تضاربت لدينا الأخبار والأنباء- ما أوصيتكم به في الأسبوع الماضي من الدعاء بأن يجمع الله كلمتهم على الحق, ولا أرى أن نكثر أو حتى أن نخوض في هذا الأمر فنختلف ونتجادل نحن هنا, فما دامت الفتنة بين المجاهدين أنفسهم فنقول: تلك دماء كف الله تعالى أيدينا عنها, فنكفَّ ألسنتنا, وهذا لا يمنع وجود طائفة من الأمة تتحرى وتنصت وتنصح هذا وهذا وتبين المخطئ من المصيب, أو المعتدي من المعتدى عليه, وإنما لا يكون حديثاً عاماً لعامة الناس وعامة الأمة. أما ما كان ضد الباطنية وضد الميليشيات أو ما أشبه ذلك فلا شك أنه حق وأن هؤلاء من أعداء الدين, وأن القضاء عليهم واجب, لكن قد يكون الاختلاف في التوقيت أو فيما يسمونه التكتيك أو شيء من هذا, أما الأصل فلا يجوز أن يختلفوا فيه, ففي الحقيقة أنا أرى أن ترك الخوض في هذا خير, وأن الاكتفاء بالدعاء لكل المسلمين أن يجمع الله كلمتهم على الحق المبين من الكتاب وسنة خاتم المرسلين ﷺ .

стр. 2550

الجهاد في البوسنة والهرسك وتمالؤ أمم الكفر على المسلمين السؤال الحقيقة كثرت الأسئلة حول أخبار الجهاد في البوسنة والهرسك , ويطلب الإخوة آخر الأخبار عن المجاهدين في البوسنة والهرسك؟ الجواب الوقت يضيق عنها وهي كثيرة ومهمة, لكن نحاول أن نوجزها: أولاًَ: وهذا قد قلناه ولكن الشواهد كثرت عليه جداً في اليومين الماضيين من إخوة جاءوا من هنالك, وقد بينوا أن الموقف الدولي والأوروبي ما بقي إلا أن يعلن بالإجماع أنها حرب صليبية سافرة, أقول: بالإجماع؛ لأن البعض قد أعلنها حرباً صليبية, وبعض الجرائد عندنا منها جريدة الرياض وقريب من ذلك حتى في جريدة عكاظ وغيرها أعلنت ذلك, حتى الصحف الأخرى في مصر وغيرها. لماذا الكروات وغيرهم ممن عاداهم الصرب يتم التدخل الدولي سريعاً للفصل بينهم, بينما يطول الأمر بخصوص المسلمين قبل أي تدخل, بل تغلق الحدود في أول الأمر لكي يبيدهم الصرب, ثم بعد عمليات الإبادة تفتح الحدود -حدود دول أوروبا- لكي يستقبلوهم؛ لأنهم رأوا أن تفريغ المنطقة من أهلها يحقق الهدف إذا لم يحققه الاستئصال والإبادة. فهذه حرب صليبية مكشوفة, حيث يؤخذ الأطفال وينقلون إلى دول أوروبا, بينما الآباء يقاتلون في الجبهة فيلحق هؤلاء الأطفال بملاجئ معينة ويأتي المنصرون من ألمانيا وإيطاليا إلى هذه الملاجئ بالذات ويسرقون الأطفال ويقولون: هؤلاء أيتام, فيما آباؤهم في الجبهة, والشواهد على هذا كثيرة جداً ونطق بها كثير من الغربيين, والإعلام الأمريكي في بعض قنواته -كما أخبرنا بعض الإخوة الذين جاءوا من أمريكا قريباً- صور هذه المآسي فأحدث ضجة هائلة, حتى إن المنافس الثاني الخبيث الذي يريد أن يحل محل بوش لما أعلن: إذا توليت أمريكا سوف أرسل قوة لردع الصرب ارتفعت أسهمه في الانتخابات وصار الفرق هائلاً بينه وبين بوش بسبب هذا التصريح, رغم أنه لن يقدم على ذلك, فكلا الرجلين يكذب ليروج لنفسه, لكن المقصود أنه رأى تأثير هذه المناظر في نفوس الأمريكان مما جعله يستغل هذا الأمر ويدخل من هذا الباب، ويعلن هذا الشيء ويهز المجتمع الأمريكي. بعض الإخوان يقولون: رأينا الأمريكان والألم باد على وجوههم عندما رأوا هذه المناظر, بينما الإعلام العربي والإسلامي -عبر التلفاز- ينقل المباريات! ومسابقة كذا! فالمسلمون في غفلة, والصليبيون يتحركون, فهي حرب صليبية سافرة, ولعلنا نتناول هذا الموضوع في محاضرة مستقلة لما فيه من عبر لعل الله أن ييسر ذلك حتى نورد لكم الحقائق أو بعضاً من الحقائق موثقة من الصحافة, كما أوصلها لنا بعض الإخوة, ونبين من خلالها علاقة الصرب باليهود وعلاقتهم بالنصارى, ونبين أن معاملة المسلمين تختلف كليةً عن معاملة غيرهم والله المستعان! ومن جانب آخر والحمد لله فإن المسلمين الذين أرادوا أن ينشئوا حركة أو جبهة جهادية خالصة من أبناء البوسنة والهرسك -طبعاً- هم والحمد لله وضعهم يتحسن, كذلك القبول للحق والخير عند المسلمين في تلك البلاد عموماً قبول جيد, بل قد يكون ممتازاً وعظيماً, فقد أقبلت النساء على الحجاب، وترك الناس ما كانوا عليه من البدع والعادات السيئة، يعني بقدر ما يتوفر الدعاة والمترجمون تحصل -والحمد لله- ثمرات ملموسة وظاهرة، وهذا فضل من الله ﵎.

стр. 2551

من أعمال القلوب: (الرضا) بدأ الشيخ الدرس ببيان أهمية الرضا، ومدى ارتباطه بكلمة التوحيد، واشتماله على أصول الإيمان الثلاثة: معرفة الله، ومعرفة رسوله، ومعرفة دين الإسلام، ثم تكلم عن سورة الأنعام مبيناً اشتمالها على أنواع التوحيد الثلاثة. وعرض خلال ذلك مراتب الرضا موضحاً أن تحقق هذه المراتب متوقف على تحكيم العبد لشريعة الله في كل شئونه، ومدى تقبله لها، ورضاه بها، وتسليمه لها، ثم تكلم الشيخ عن أهم الاعتراضات التي ترد على ألسنة كثير من الناس الذين لم يحققوا الرضا، مبيناً ما يترتب على ذلك من الأحكام.

стр. 2552

الأصول الثلاثة المندرجة تحت الرضا إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فإن هذا الموضوع الأخير من سلسلة مواضيع أعمال القلوب التي بدأناها هو الرضا -نسأل الله أن يختم أعمالنا وأعمارنا برضاه وأن يتقبلنا عنده في الفائزين المتقين، إنه سميع مجيب. الرضا: وإن كان الحديث عنه قليلاً، لكنه عمل قلبي عظيم، وهو الذي يندرج فيه شرطي القبول، والانقياد، وهما من شروط كلمة التوحيد، التي لا بد لتحققها من شروط؛ لأنها لو كانت مجرد كلمة أو مجرد لفظ يقال باللسان، لكان كل من قالها في زمن رسول الله -حتى المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار- من أهل النجاة والفوز عند الله ﵎، ولكن لها شروط عظام، وقيود ثقال، منها ما سبق ذكره من المحبة، واليقين، والإخلاص، وما سنتناوله في هذه السلسلة -وهو الرضا الذي يجمع بين الانقياد، والقبول، أو الإذعان والتسليم، بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإذا كان الرضا بهذه المثابة، كان هو أساس الدين، وقاعدة الإيمان كما قال ابن القيم ﵀. الأصول الثلاثة: ١ - معرفة الله. ٢ - معرفة رسوله ﷺ . ٣ - معرفة دين الإسلام. كلها تندرج تحت الرضا، ولذلك يقول ﷺ في الحديث الصحيح: ﴿ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه سلم رسولاً﴾ وقال في الحديث الآخر: ﴿من قال حين يسمع النداء -الأذان-: رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً غُفرت له ذنوبه﴾ وجاء في رواية أخرى، من قال حين يمسي أو يصبح: ﴿رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً، دخل الجنة﴾. فانظروا إلى قيمة الرضا، فقد اشتمل على الأصول الثلاثة جميعاً، وإذا كان المؤمن لا بد أن يرضى بهذه الأصول الثلاثة التي لا شيء من أمور الدين يخرج عنها -وهذا يدل على أهمية الرضا- فلابد أن يعلم حقيقة الرضا، ودرجات الرضا، وأن يتجنب ما هو ضد الرضا. ضد الرضا هو: الاعتراض، أو الممانعة، أو المنازعة فيما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ ، فإذا كان أصل الدين وأساسه، وقاعدته، هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، التي هي التوحيد بأنواعه الثلاثة " توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات" فإن الرضا يشمل هذه الأنواع الثلاثة، ويشتمل على الفروع والأحكام أيضاً. ولذلك نجد أن الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- وهو من خير من كتب في موضوع الرضا، في كتابه النفيس القيم مدارج السالكين اشتق واستخرج هذه الثلاثة الأقسام للرضا، التي هي أقسام التوحيد من هذه الآية: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام:١١٣] وسورة الأنعام هي سورة التوحيد العظمى، فهذه السورة من أولها إلى آخرها توحيد، حتى ما ذكر فيها من تشريع، فهو مرتبط أساساً بقضية التوحيد، وإفراد الله ﵎. ومن ذلك أن الله ﵎ قال: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٦٤]. وهذا في آخرها، وهو دليل على توحيد الربوبية، لأنه قال ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ [الأنعام:١٦٤] وهو النوع الأول من أنواع التوحيد، فلا بد للعبد أن يرضى بربوبية الله ﵎ معتقداً أن الله ﵎ هو الخالق، والرازق، والمحي، والمميت، والذي يدبر الأمر، ويصرِّف هذا الكون، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، ويغني من يشاء، ويفقر من يشاء، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، ولا يملك أحداً غير الله ﵎ التصرف في مثقال ذرة في هذا الكون، إلا بإذن الله وقدره وتدبير منه ﵎، فهذا هو الرضا بالله تعالى رباً. وأما توحيد الألوهية: وهو الرضا بالله ﵎ إلهاً ومعبوداً، وولياً، فقد جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام:١٤]، والولي: المقصود به الإله المعبود المحبوب، لأن أصل العبادة- كما بينا في موضوع المحبة - هي المحبة وهي التأله والوله وتعلق القلب، ومن تعلق قلبه بشيءٍ فقد عبده، والذي يستحق أن تتعلق به القلوب، وأن تعظمه، وأن تؤلهه، هو الله ﵎. والولاية المقصود بها هنا العبادة، والتأله والتقرب إلى الله ﵎، والتي من لوازمها، الموالاة في الله، والمعاداة في الله، وهي أن يحب الإنسان المرء لا يحبه إلا لله، وأن يبغض المرء لا يبغضه إلا لله، فيكون قلبه ولاءً وعداءً وحباً وكرهاًَ في الله، ومن أجل الله ﵎ فهذا من لوازم الولاية.

стр. 2553

مراتب الرضا بحكم الله وشرعه ثم ذكر ابن القيم ﵀ في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً﴾ [الأنعام:١١٤] قال: وهذا هو النوع الثالث من أنواع الرضا. وهو أن يرضى بالله وحده لا شريك له حكماً، فيتحاكم ويحاكم إليه، في كل شأن من شئونه، فتراه يحتكم إلى ما أنزل الله ﵎ في كتابه، وإلى ما جاء به رسوله ﷺ ، وعلى هذا كانت درجات الرضا ومقاماته. وتقسيم مراتب الرضا، هو بحسب تحكيم العبد لما أنزل الله، ولما جاء عن رسول الله ﷺ في أصول الدين وفي فروعه، وفي معاملاته مع الناس وفي كل شأن من شئون حياته، سواء أكانت أُمةً، أم دولةً، أم أفراداً، فلا بد أن يكون التحاكم والرجوع هو إلى الله ﵎ وإلى ما أنزل، كما قال الله ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. ثم إن ضد الرضا هو: المنافاة، والمعارضة، والاعتراض، والمدافعة، والمنازعة، والممانعة، فلو تأملنا في هذه الآية الكريمة لوجدنا أنها تبين مراتب الرضا، ودرجاته التي بها ينتفي كل منازعة، ومعارضة، فهي تبدأ أولاً بالتحكيم، وتنتهي بالتسليم.

стр. 2554

المرتبة الأولى من مراتب الرضا: التحكيم أما التحكيم فلا بد منه لصحة إيمان العبد، فلا يكون المسلم مؤمناً، ولا مسلماً إلا بأن يحكِّم رسول الله ﷺ . وأصل التحكيم: الإقرار بأن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحاكم على كل ما سواه، كما جاء في الحديث: ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ قال العلماء: التقدير 'ليس حاكماً وقاضياً عليه أمرنا فهو رد' فأمر الله وأمر رسوله ﷺ هو الذي يقضي ويحكم على الأهواء، والرغبات، والشهوات والقوانين، والعادات، والأعراف، والأوضاع، وكل ما يخطر ببالك مما يعارض ما جاء به ﷺ ، أو يمكن أن يعارضه، فيجب أن يكون الحاكم عليه هو ماجاء به ﷺ ولا يقدم على ذلك شيء مهما كان. فهذا التحكيم من وقع ومن وقر في قلبه وأقر به فقد حقق درجة الإسلام، وحقق المرتبة الأولى من مراتب الرضا، وهي الرضا بالله رباً، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ رسولاً، لكن لا يزال في الدرجة الأولى، وحاله كحال الأعراب الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) [الحجرات:١٤]، فمن كان هذا حاله فهو بحاجة إلى درجةٍ أعلى حتى يكون من أهل الإيمان، ولذلك بعد قوله: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، قال: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥].

стр. 2555

المرتبة الثانية من مراتب الرضا: انتفاء الحرج والحرج هو: التردد، والريبة، والشك فيكون في النفس منازعة، وممانعة -وإن كانت خفية- واعتراض -وإن كان غير معمول به- فهو قد تحاكم إلى شرع الله لكن يجب عليه أن ينفي الحرج الذي يقع في القلب، فكثير من القلوب عند ما تسمع حكم رسول الله يقع فيها كثير من الأسئلة والشكوك. فيقول: كيف أعمل بهذا؟! أيصح هذا؟! وإن كان هذا الحديث قد قاله الرسول ﷺ ؛ لكن هل فعلاً ينطبق على الواقع؟! هل فعلاً أن هذا علاج حقيقي لمرض من الأمراض الاجتماعية أو النفسية؟! فهذه الشكوك، والريب، والخواطر، التي ترد على القلوب لا بد أن تزول لكي ينال المرء درجة الإيمان، التي هي المرتبة الثانية من مراتب الدين. ومن مراتب الرضا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء:٦٥]. فمهما كان الأمر، ومهما خالف العادات والتقاليد، ومهما رأيت الخلق أطبقوا على مخالفته، فعليك أن تعلم أن الحق، والخير والهدى، والصواب، فيما قضى به رسول الله ﷺ ، وفيما جاء به من أمور الدين أصولاً، أو فروعاً، في المعاملات، أو في الأحكام، أو في أي شيء مما جاء به، وكذلك أن يؤمن أن الأخبار كلها حق، وصدق، ولا يكون في نفس المؤمن أدنى حرج من أن هذا الخبر يحتمل أن يكون كذلك أو لا يحتمل! فهذا هو حال أصحاب الدرجة الثانية من المؤمنين.

стр. 2556

المرتبة الثالثة من مراتب الرضا: التسليم التسليم هو أفضل المراتب وأعلاها، التي يتنافس فيها المقربون، والصديقون، وأولياء الله ﵎، وهي التي قال الله تعالى عنها: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]، فهذه الدرجة هي درجة التسليم الكامل، والانقياد المطلق، بحيث لا توجد أدنى منازعة، ولا معارضة، بل بالعكس فهنا يكون الاندفاع، والرغبة، والتصديق المطلق، والمحبة لكل ما جاء به محمداً ﷺ ، وأخبر عنه، كما يجب عليه أن يسمع قول الرسول ﷺ في كل شيء ثم يصدق بذلك تصديقاً لا يداخله أدنى ريبة ولا شك، ولا يمكن أن يخطر بباله أدنى اعتراض، مهما قلَّ، فهذا هو مقام الإحسان.

стр. 2557

الرضا بأحكام الله والصبر عليها من خلال ما سبق يمكن إجمال مراتب الدين كالتالي: الإسلام ثم الإيمان ثم الإحسان وهو أعلاها مرتبة وأعظمها. ولذلك يقول ابن القيم ﵀: 'إن الرضا من أعمال القلوب، نظير الجهاد من أعمال الجوارح' فأفضل وأعلى وأشد أعمال الجوارح هو الجهاد، الذي يخرج فيه الإنسان بماله ونفسه في سبيل الله من أجل أن يقاتل أعداء الله تعالى، متعرضاً للموت، ولفقد الروح التي هي أغلى ما عند كل مخلوق، فهذا في عمل الجوارح. وأما أعمال القلوب فهي درجات، فالعمل الذي يقابل الإحسان هو الرضا، لذلك يقول أبو الدرداء ﵁ وهو من تعلمون حكمته، وعظيم منزلته في الدين، وبين أصحاب رسول الله ﷺ : [[ذروة سنام الإيمان الصبر للحكم، والرضا بالقدر]]. فكل ما حَكم الله ﵎ به أو شَرعه فلا بد أن تصبر عليه وأن تتعبد الله به، وأن تصبر وتصابر وتصطبر لكي تعبد الله كما أمر الله وشرع الله، فهذا هو الصبر للحكم، وأما الرضا بالقدر فهو نوع من أنواع الرضا -كما سنبين إن شاء الله في أنواع الاعتراض- حيث إن أكثر اعتراض العامة يكون على أقدار الله، فعامة الخلق أكثر ما يعترضون على أفعال الله، وأحكامه، وأقداره -والعياذ بالله - فالمثال جاء بالقدر؛ وإلا فالرضا بالدين، وبالشرع، وبالأمر أعظم من ذلك، وكلها لا بد منها، وهي مطلوبة، فجعل الرضا ذروة سنام الإيمان، وبذلك يتبين لنا أهمية هذا العمل القلبي العظيم، ونعلم أن الله ﵎ عندما خاطبنا، بين لنا إكمال الدين والإيمان، خاطبنا فيه أو ذكره لنا باسم الرضا كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]، فإن هذا يستلزم في المقابل أن نرضى بما كتب وأنزل وشرع ، وبما قضى به الله ﵎ إما في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، فهذا يؤدي بنا ويدلنا إلى أهمية معرفة أنواع الاعتراضات التي يعترض بها من لم يحقق الرضا.

стр. 2558

اعتراضات الذين لا يتحققون بالرضا جاء من الناس من يعترض على ما أنزله الله، أو جاء به رسول الله ﷺ ، وأنواع الاعتراض على ما جاء من عند الله، والتي تقدح في الرضا، وهي في هذا العمل القلبي العظيم كثيرة متفاوتة منها:

стр. 2559

الاعتراض على توحيد الله وأسمائه وصفاته أعظم أنواع الاعتراض: الاعتراض على الله تعالى في دينه، وفيما أنزل من الدين، ووصى به جميع الأنبياء والمرسلين، وبعث به هؤلاء أجمعين، وفرضه على خلقه كافة من توحيده ومعرفته بأسمائه وصفاته، ولذلك ظهر في هذه الأمة -مع الأسف الشديد- من يعترض على ما أنزل الله تعالى في أصل الدين، فظهر فيها من يعترضون على أسماء الله وصفاته، وهو الذي له صفات الكمال، ونعوت الجمال، وله الأسماء الحسنى وله المثل الأعلى في السماوات والأرض، وما من صفات كمال إلا وهي له، فأي صفة كمال لا نقص فيها بوجه من الوجوه فالله ﵎ له فيها الكمال المطلق. ثم جاء المعترضون على هذا فنفوا صفات الله واعترضوا عليها، وأوَّلوا كلامه، وردوا ما جاء عن رسوله ﷺ ، وهذا يمس أصل الدين وأصل الإيمان، فبعضهم أنكر أسماء الله وصفاته كلها، كـ الجهمية، والمتفلسفة، والباطنية وأمثالهم ممن انحرفوا عن الصراط المستقيم، فهؤلاء لا خير فيهم مطلقاً، ولهذا أخرجهم كثير من العلماء عن فرق الأمة وطوائفها مطلقاً- نعوذ بالله من الضلالة - لأنهم لا يؤمنون حقيقة ًبالله لأننا لا نعرف الله إلا بأسمائه، وصفاته، فإذا كنا لا نعرف من نعبد، فكيف نعبده ﵎؟! فلنفرض أن أحداً كان من أعبد خلق الله؛ لكنه لا يعرف الله، ولا يعرف أن ربه ﵎ وأن معبوده استوى على العرش -كما أخبر في سبعة مواضع من كتابه- فعندما يسجد ويتعبد ويقول: سبحان ربي الأعلى، وهو لا يعرف علو الله فهو متناقض مع نفسه، فكيف يعتقد شيئاً ويقول بخلافه، فلا يمكن أن يُعبد الله إلا إذا عرف الله ﵎ على الحقيقة. ويليهم: المعتزلة الذين أنكروا جميع الصفات، وأثبتوا الأسماء، وجعلوها مترادفات للدلالة على الذات، فالعزيز والحكيم والجبار والمتكبر وكل الأسماء معناها واحد، فهي مجرد أسماء تدل على الذات، ولا يشتق منها صفات، فهم يقولون -مثلاً-: إن الله تعالى اسمه الحكيم، ولكن لا نشتق منه الحكمة، أو العزيز فلا نؤمن بأن له تعالى صفة العزة وهكذا، فنفوا ذلك جميعاً، وجعلوها كالأعلام المترادفة في الدلالة على الذات. ثم الأشعرية وهم: الذين خففوا وهذبوا شيئاً من غُلو هؤلاء، ولكنهم لم يثبتوا لله ما أثبته لنفسه ﵎ أو أثبته له رسوله ﷺ ، من غير تعطيل، ولا تمثيل، ولا تحريف، ولا تأويل. فخلاصة القول: أننا نحن الذين رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبكل ما يخبرنا به رسول الله ﷺ . نؤمن بما ذكر وبما وصف الله به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، وأن كل ذلك حق، ولا نفرق بين شيء منه، فنؤمن بعلوه، ونؤمن بنزوله في الثلث الأخير من الليل، ونؤمن بأنه ﵎ يأتي ويجيء يوم القيامة لفصل الحساب، ونؤمن بأنه يكلم ويخاطب من شاء، متى شاء وكيفما شاء، إلى آخر هذه الأسماء والصفات لله ﵎، فأولئك الذين سبق ذكرهم هم النوع الأول من الذين اعترضوا في أصل الدين.

стр. 2560

الاعتراض على أمر الله الشرعي هناك نوع آخر لم يعترضوا على ذلك، وإنما جاء اعتراضهم من باب آخر، ولا سيما في زماننا هذا، وهم الذين اعترضوا على الشرع، وعلى ما قضى الله ﵎ به قضاءً شرعياً، وعلى أحكام الله التي جعلها لعباده من الحل، والحرمة، والوجوب، والتحريم، والندب، وغير ذلك، مما يشمل أحوال الناس، ومعاملاتهم وشئونهم في هذه الحياة الدنيا. فجاء هؤلاء القوم واعترضوا على هذه الأحكام وعلى هذه الشريعة بالقوانين الوضعية، وربما اعترضوا عليه بالآراء والعادات الجاهلية -كحال أهل البوادي وأمثالها- فحكموا الطواغيت أو ما أشبه ذلك، فكل هذا اعتراض على شرع الله، وحكمه الشرعي الديني، وهذا خطير جداً، وهو يدخل أيضاً في الاعتراض أو يلحق بالاعتراض على أصل معرفة الله، ويلحق به ويليه بالدرجة من جهة أنه كفر بالله ﵎. كمن يعترض على ما شرع الله في حد الزنا -وهو الرجم للزاني إن كان محصناً، أو الجلد إن كان غير ذلك، بشروطه المعروفة -فيلغي ذلك، وينسخه، ويجعل مكان الجلد التحميم، كما فعل اليهود، أو يلغي الجلد أيضاً، ويجعل مكان ذلك كله الحبس أو الغرامة، كما في القوانين الوضعية التي تحكم أكثر العالم الإسلامي اليوم ولا حول ولا قوة إلا بالله. ويعترضون على حكم الله ﵎ الذي قال فيه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥]، فيجعلون الربا حلالاً، ويستحلونه ويضعون له الأحكام الطويلة، ويشرعون كيفية إباحته، فيحددون نسبته وآجالاً معينة لها، ويجعلون له ألواناً وأشكالاً من الأخذ والعطاء، والدفع، والاحتيال، بل والاستحلال لدين الله ﵎ وتقوم على هذه التشريعات الوضعية المنافية لكتاب الله وسنة رسوله صروح وأعمدة للاقتصاد الوطني أو العالمي كما هو ملاحظ الآن. فهذا -أيضاً- اعتراض على الله ﵎ فيما شرع من أحكام، ولا يشك عاقل أن الربا من أخطر ما يرتكب من الذنوب، كما بين ذلك النبي ﷺ بقوله: ﴿الربا سبعون باباً أيسرها كأن ينكح الرجل أمه﴾، وفي الحديث الآخر: ﴿درهم رباً أشد من ست وثلاثين زنية﴾، والعياذ بالله، والله ﵎ قد تأذن عليهم بالحرب: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]، يقول شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀: 'إن الربا من آخر ما نزل، وقد توعد الله ﵎ بالحرب ثقيفاً وغيرها من القبائل لما أرادت أن لا تحرم الربا، فكانت العقوبة أن يحاربها رسول الله' فالمقصود أن من أحله، وشرَّع تحليله، فهو معترض على الله تعالى في ذلك. وأسوأ منه الذي يجاهر ويقول: الذي شرعه الله لا يصلح أن يكون للحياة الحديثة، أو للاقتصاد الحديث، أو إننا في هذه الأيام لا بد أن نأخذ بالتشريعات المنافية، والمخالفة لما جاء في القرآن، فهذا -والعياذ بالله- معترض على الله ﵎ اعتراضاً واضحاً بيناً جلياً، فلا حظَّ له في الإيمان وليس داخلاً في الذين ذكرنا درجاتهم، لأنه كما ذكر الله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء:٦٥]. فهذا لم يحكِّم أصلاً، فضلاً عن نفي الحرج، أو التسليم، ولذلك فهو غير مؤمن -نسأل الله العفو والعافية- ويقاس على ذلك أشياء كثيرة، كحد السرقة مثلاً، وحد الردة وغير ذلك.
следующие страницы →