Полный текст (2 843 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
بعض أهداف الباطنية ضد الإسلام
السؤال: على ذكر الأخطار التي تهدد الصحوة الإسلامية، الرجاء ذكر بعض أهداف الباطنية التي ترصد العداوة للإسلام، وما هي أقوال السلف في هذه الفرق، وبماذا تنصح الشباب لمزيد من الوعي والدارسة عن هذه الفرق وأهدافها وأضرارها؟ وقد ذكرت في محاضرة سابقة، أنك سوف تذكر ألعوبة فعل رجل سني في الروافض أو بهذا المعنى؟
الجواب
الباطنية، أجمع العلماء على تكفيرها ونصوا على أن ذلك، بل ونصوا على أن من عرفهم ولم يكفرهم فهو كافر، واتفق على ذلك علماء السنة، وكثير من علماء البدع، حتى من المعتزلة والأشعرية، وكثير من الفرق المنحرفة عن منهج السنة، لكنها لا تزال داخل دائرة الإسلام، فكلها متفقة على تكفير الباطنية، لأنها فرقة أخطر من اليهود والنصارى والمجوس، وذلك لأنها لا تريد إلا أن تهدم هذا الدين، وتجتثه من أساسه وليست فقط تؤول بعضه، أو تنحرف عن بعضه، بل إنها تقضي على الاعتقادات، فلا تثبت لله لا اسماً ولا صفة على الإطلاق، وتقضي على العبادات، فتؤول الصلوات الخمس بأنها ذكر الأئمة الخمسة، وتؤول الصيام بالإمساك عن أسرارهم أو ذكر ثلاثين رجلاً من أئمتهم.
وتقول: إن شريعة محمد ﷺ منسوخة، وقد نسختها شريعة محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وتقول: إن كل ما حرمه الكتاب والسنة حلال، وليس هناك حرام على الإطلاق! إلا ما أرادوه هم من شهوات أو ما شاءوا أن يفرضوه ليكون الناس تبعاً لهم، وكذلك القرامطة والعبيديون فإنهما منهم؛ فهم خارجون عن جميع الملل وعن جميع الشرائع، فلو أن رجلاً من الباطنية ترك الباطنية وتحول عنها إلى النصرانية، لكان ذلك أخف من الرجل الذي يتحول من النصرانية إلى الباطنية.
وأما مكرها في العالم الإٍسلامي فإنه لا ينتهي في كل مكان وفي كل زمان، فالقرآن عندهم لا يبقى له معنى على الإطلاق؛ لأنهم يقولون: إن للآية معنىً ظاهراً، وهذا الظاهر له باطن، والباطن له باطن إلى سبعمائة باطن فمن أين نفهم القرآن؟! كذلك يردون سنة النبي ﷺ رداً مطلقاً، فمن أين يكون الأخذ؟ يقولون: عن الإمام فقط وهذا الإمام هو الذي يفسر كما يشاء، ويتحكم في الأنفس والأموال والشهوات، وإلى الآن لهم أئمتهم من البهرة والأغاخانية والإسماعيلية وأمثالهم من طوائف الضلال التي نسأل الله ﵎ أن يقي المسلمين من شرهم، فلا نستطيع أن نأتي على كل خطط الباطنية وأهدافها، ولكن خطرها بلا شك عظيم، ويجب أن نحذر منها؛ ويمكن أن تدخل من باب التشيع، وما دخلت وما جاءت إلا من هذا الباب، أو من باب التصوف، فغلاة الصوفية باطنية، والصوفي ينتهي به الحال إلى أن يكون في النهاية باطنياً، والرافضي -أيضاً- ينتهي به الحال إلى أن يكون باطنياً وهكذا فكل هادم للدين فإنه يبدأ بداية منحرفة قد تكون أقل لكنها تنتهي به إلى الأكثر، عياذاً بالله.
стр. 2662
خطر الباطنية على الصحوة الإسلامية وتعدد الانتماءات
السؤال: الحديث عن الصحوة -كما يقولون- ذو شجون والصحوة أمرها يهم الجميع، وأسال الله أن يكتب لها التوفيق، وأن يجنبها كيد الأعداء ومكرهم، ويمكن أن يكون للسؤال الأول شق آخر، وهو أنه إذا عرفنا خطر الباطنية على الصحوة، وشبابها، فأيضاً هناك جانب آخر للموضوع وهو التفرقة التي تحصل بين شباب الصحوة، فنجد انتماءات مختلفة لجماعات مختلفة، هناك من ينتمي لجماعة تسمي نفسها جماعة التبليغ، وهناك من ينتمي لجماعة تسمي نفسها الإخوان، وهناك من ينتمي لجماعة تسمي نفسها الجماعة السلفية، وإلى غير ذلك من المسميات والاختلافات والتفرقة التي حلت بشباب الصحوة الإسلامية، فهل هذه حالة صحية للصحوة الإسلامية؟ أم أن الموضوع يحتاج إلى نظر ويحتاج إلى وقفة صادقة إذا كان القصد هو وجه الله ؟
الجواب
الأمة الإسلامية قد عانت من الفرقة وتعاني منها إلى اليوم، والجماعات الإسلامية هي بلا شك أفضل ما في هذه الأمة، على ما في هذه الأمة من أفضل ما فيها هي هذه الجماعات التي تريد أن تعيد الناس إلى الكتاب والسنة، سواء من كان منها على خطأ أومن كان منها على صواب؛ على الأقل فهي ترفع دعوى الإسلام وشعاره في أوقات وفي بيئات وفي مجتمعات تنفر نفوراً كاملاً من رفع هذا الاسم، ولا نقيس المجتمعات مثل هذا المجتمع الذي نعيش فيه، لأنه يوجد مجتمعات لا تريد ذكر الله ولا تريد اسم الله على الإطلاق، والصحوة الإسلامية في جملتها، لاشك أن من أسباب وجودها وجود هذه الجماعات التي قامت ونشرت الدعوة، وكل منها على رأيه واتجاهه، ما كان فيه من خطأ أو انحراف، وما كان فيه أيضاً من صواب ولو في الجملة، فهذه الصحوة هي نتاج عوامل عديدة، منها: وجود هذه الحركات وهذه الجماعات، إذاً فما موقف المسلم منها؟ الموقف من هذه الجماعات ومن الفرق والأفراد والأمم هو نفس الموقف الذي يجب أن يكون لدينا دائماً، بأن نزن كل شيءٍ بميزان كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهو ميزان العدل، فمن الوصايا العشر التي أوصى الله بها جميع الأمم وأوصانا بها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:١٥٢] فننظر إليها بميزان العدل، وأيضاً ننظر بمنظار الاستفادة من التجربة أي من جهة العلم نفسه، فنحن الذين نسعى إلى الأكمل والأفضل ونريد أن تتوحد الأمة، ولا نريد أن تتفرق الأمة هذا التفرق وهذا التمزق، بل يجب أن نكون جماعةً واحدة على الكتاب والسنة.
ووجود هذه الجماعات ما هو إلا نتيجة التفسخ الكبير الذي حدث في الأمة بأكملها، وبُعدها عن منهج الله ؛ فكان من الضروري أن يتجمع الناس في تجمعات صغيره، ولا ضير في ذلك لو أنها كانت متمسكةً على الكتاب والسنة، ولو أن كل جماعة قامت كانت متمسكة بالكتاب والسنة، لوجدنا أننا في النهاية نكون جماعة واحدة فعلاً، ولا خلاف على الإطلاق، لكن المشكلة تأتي من التقليد والتبعية والتعصب والتحزب، وهذا ما وقع مع الأسف، بأن الإنسان يقيس الناس بجماعته، فمن كان منها فهو على الحق وما كان ضدها فهو على الباطل، وهذا هو الخطأ الذي تخوفه السائل -جزاه الله خيراً- على الصحوة وله الحق في ذلك؛ فنحن في هذه الحالة قضينا على الغاية من أجل الوسيلة، واسأل أي إنسان ينتمي إلى هذه الجماعات -أي جماعةٍ كانت- لماذا وجدت الجماعة؟ لقال: من أجل تحقيق الإسلام، ولو قيل له: وبماذا تسير هذه الجماعة؟ لقال: على الكتاب والسنة، إذاً خذه على ظاهره ونسلم لك بهذا الظاهر على ما عليه من ملاحظات، ثم ننظر ما أنت عليه في الواقع، فأنت أصبحت توالي وتعادي بناءً على هذه الجماعات، وقلت: إننا لا نحب أن نذكر الأسماء، لا لأننا نخاف أن نذكر اسماً معيناً، لكن لأننا نريد أن ننظر إلى الأمور والأخطاء والانحرافات بنظرة مجردة؛ لنعرف حجمها؛ وإلا قد نقع نحن في الحيف، فأنا مثلاً قد أكره جماعة معينة لسببٍ ما، فأجور وأحيف في كل من يذكرها لدي.
الآن أذكر لكم مثال من بعض الجماعات التي تطبع وتوزع فتوى لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز وهل هناك من لا يحب علم الشيخ عبد العزيز؟! وهل هناك شخص غير حريص على نشر فتاوى الشيخ عبد العزيز؟! لا، إذاً فكم فتاوى للشيخ؟ كثيرة جداً وفي أمور هامة، فتاوى في التوحيد، وفتاوى في أنواع البدع، وفي الشرك، وفتاوى عن الربا، والقمار، والفيديو، وفتاوى في أمور مهمة تنهش مجتمعنا وتفتك به، إذاً أنتم يا دعاة! هل صورتم فتاوى الشيخ هذه ووزعتموها على الناس؟ لا، بل صوروا هم فتوى أو كلام يقول فيه: إن الجماعة الفلانية على الحق، إذاً نحن ندعو إلى من؟! وهذه هي المشكلة، وهذه نصيحة لا نقولها إلا نصحاً، إذاً: نحن الآن لا ندعو إلى الله، بل ندعو إلى الجماعة، بدليل أننا نختار من كلام العلماء ما يؤيد الجماعة، ونختار ممن يعادي الجماعة ولو على سبيل الملاحظة فنعتبره به عدواً للجماعة، فالولاء في الجماعة، والعداء في الجماعة، والدعوة إلى الجماعة إذا فقد أضعنا الغاية من أجل الوسيلة!! لا يا أخي انشروا العلم النافع ووزعوا الفتاوى النافعة، وليس ما يتعلق بك أنت أو بجماعتك فقط، وهذا خيرٌ لك وأفضل لك عند الله؛ أن تنظر إلى من ينصحك؛ وإن نقدك أيضاً فانظر له، لماذا؟! لأنك أنت الذي عليك أمل الأمة، وكما أشرت أن أفضل ما في الأمة هم جماعاتها هذه؛ فالإصرار على الأخطاء قد تردنا إلى انحطاط وضياع وضلال أعظم مما نحن فيه في هذا الواقع، فأنتم أحرص أن تستكملوا أي جانب من جوانب الخلل، ولهذا نقول لكل الشباب، ونحن بإذن الله جماعة أهل السنة والجماعة التي لها وبها تجتمع الأمة وعليها تأتلف: يجب أن نكون منصفين، وأن نكون حريصين على من ينتقدنا ويخطئنا، ويجب ألا نظهر أنفسنا، وإذا أثني علينا ومُدحنا لا ننشره أبداً، فماذا نظهر إذاً؟ نظهر دين الله وننشر كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فإذا مدحني فربما يكون في ذلك هلاكي، فلا أغتر وأستمر في البدعة، وأقول: فلان أفتاني أو مدحني، وإذا انتقدني أشكره وأسمع منه، فإن كان على حق فجزاه الله عني ألف خير، وإن كان مخطئاً فأحمله على أحسن المحامل وأشكر له حسن النية، وأقول: تعال، أنت تنقدني وتريد الحق، فيقول: نعم إن شاء الله، إذاً تعال فالحق كذا وكذا، وقد أتى له بأدلة من كتاب الله وسنة رسوله، ولا أقول: أنا رأيي كذا، وشيخنا قال كذا، أو طائفتنا قالت كذا، وفلان قال كذا، وهذا هو علامة أهل البدع، علامتهم أنك تقول: قال الله وقال رسول الله، فيقولون: قال شيخنا وقال إمامنا وهذا هو الذي تعجب منه ابن عباس: وقال: أقول: قال الله، قال رسوله، تقولون: قال أبو بكر وعمر! ومن جهة أخرى رسول الله ﷺ منذ أن نزلت عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] إلى أن لقي الله وهو يعيش في حالة دعوة: فجاهده دعوة، وتعليمه دعوة، ونصحه دعوة، وكل حياة النبي ﷺ دعوة فهل لم نجد في سيرته ﷺ ما يغني ويكفي للدعوة حتى تضع خطة ونرسمها ونلزم الناس بها؟ بل وأدهى من ذلك أن من لم يلتزم بها فإنه متهم في دينه، وأنه يفرق الأمة، وإذا أثنى علينا فهو الحبيب المقرب المبرأ من كل العيوب سبحان الله!! حياة النبي ﷺ كلها دعوة، وحياة السلف الصالح كلها دعوة.
ولن يتغير حال الأمة من حالٍ سيئ إلى حالٍ صالح، إلا إذا قام دعاة يدعون لوجه الله، ويعلمون الناس العلم النافع، ويصلحون القلوب من جميع الأمراض ومنها مرض التأفف والاستنكاف عن أن يقال: إنك خالفت الحق أو خالفت الدليل، ومنها مرض الجهل الذي يفتك بهذه الأمة، ولابد من تزكية النفس.
بعض هذه الجماعات يقولون: لم ينتقد علينا إلا أن عندنا جهل، وفينا بعض البدع! - مقللين شأنهما- وهل عارٌ في الدنيا أعظم من هذين، فماذا بعد الجهل والبدعة من عيب؟! إذاً: راجع نفسك يا أخي، فماذا تريد أن يقال إذاً؟ كافر! فإذا كان البعيد فيه جهل وبدع، فماذا تريد أكثر من ذلك؟ وماذا تريد أن يقال عنك حتى لا يكون عيباً؟ فهذا قدر مشترك، فكل جماعة أو فرقةٍ خارجة عن منهج أهل السنة والجماعة لابد وأن يكون لها نصيبها من البدعة والهوى والتعصب.
وإذا أردنا أن تجتمع الأمة؛ فلنجمعها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وهذه الجماعات هي أول من أوجد من يدعو إلى ذلك، لأنها تملك التجربة، وتملك الجهود والطاقات والشباب، فلو أنها التزمت بالكتاب والسنة؛ لكان لذلك النفع العظيم للإسلام المسلمين، ولهذا لا ننظر إليها بنظرة العداء، أو لمجرد العداء ولكن ننظر إليها بنظرة الإشفاق والنصح، ونظرة الهداية بإذن الله .
ثم أيضاً يجب أن نبين لكم أسماء بعض هذه الجماعات لأن تحت هذه الأسماء أفراداً شتى، فتجد بعض الناس ينتمي إلى جماعة من هذه الجماعات، والفرد في ذاته هو على عقيدة طيبة، لكن خطأه محصوراً، إما في الانتماء أو في أشياء أخرى لا تقدح في عقيدته، وبعبارة أوضح أقول: لا تجعلك تصنف كل من ينتمي إلى هذه الدعوة في صنف واحد، فمثلاً الإخوان، يوجد منهم سلفيون ويوجد غير ذلك، ويوجد منهم ربما من يكفر بعضهم بعضاً، مع الأسف وهكذا حتى الجماعات نفسها تجد أن اسمها جماعة وفي بعضها من يخالف البعض الآخر، فتجدها فرقاً وأحزاباً.
أقول هذا لكي أؤكد على أن المعيار يجب أن يكون هو الكتاب والسنة, وإلا فأي جماعة من هذه الجماعات لو أخذتها في ذاتها معياراً، لقالت لك: إن كلامك هذا لا ينطبق علي، بل ينطبق على أناس مثلاً تسمونهم باسمي، فتضيع في دوامة، لكن أرح نفسك من هذه الدوامة، وانقض الباطل من حيث هو باطل؛ وبين الحق من حيث هو حق بيان الناصح المشفق وبيان الحريص على أن
стр. 2663
ذنوب العباد بين الكبائر والصغائر [١]
إن الحديث عن ذنوب العباد حديث أَرَّقَ العلماء، وأقض مضاجع العبَّاد؛ لما يترتب عليها من عقاب يوم القيامة لا ينقطع أمده ولا ينتهي مداه إلا برحمة من الله جل وعلا، والذنوب إما أن تكون صغائر وإما أن تكون كبائر، إلا أن هناك ضابطاً ورد في هذه المادة يبين أن الكبيرة قد يتجاوز منها عن المحسن ما لا يتجاوز عن غيره، وعكس القول ينطبق على المسيء عند ارتكابه للصغيرة، كما أن حال العبد عند مقارفة الذنب ينبني عليه مآله وحسابه على هذا الذنب والذي قد يكون سبباً للتوبة أيضاً.
стр. 2664
لا كبيرة مع خوف واستغفار ولا صغيرة مع إصرار
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بك اللهم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: فكما تعلمون وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، ونفعنا بما نسمع وما نقول أننا قد تحدثنا في الأسبوع الماضي عن حديث الدواوين الثلاثة، وبينا أنه مع ضعف الحديث فإن معناه صحيح، وكان الموضوع هو موضوع الديوان الثاني الذي لا يترك الله تعالى منه شيئاً، وهو ما يتعلق بحقوق العباد ومظالمهم، وذكرنا ما فتح الله تعالى به ويسر من كلام الله وكلام رسوله ﷺ في شأن المظالم وحقوق العباد، ولعل في ذلك كفاية إن شاء الله تعالى.
وننتقل إلى ما بعده في قول الشارح ﵀: (وقد اختلفت عبارات العلماء في الفرق بين الكبائر والصغائر)، وستأتي الإشارة إلى ذلك عند قول الشيخ ﵀: (وأهل الكبائر من أمة محمد في النار لا يُخَلَّدون؛ ولكن ثمَّ أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يُلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يُلحقها بالكبائر، وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره، وأيضاً فإنه قد يُعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يُعفى لغيره، فإن فاعل السيئات تسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب، عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة).
هذا موضوع عظيم، وخير الموضوعات وأنفع العلوم ما كان علاجاً للقلوب وأدوائها وأسقامها، وأعظم ذلك -أي أعظم الأدواء والبلايا والأسقام- هو الشرك، كما تحدثنا عنه فيما سبق، وهنا نأتي إلى قاعدة عظيمة فيما دون الشرك، وهي الذنوب التي لابد أن يصيبها العبد وأن يلم بها، هذه الذنوب أراد الشارح رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الديوان الأول الذي لا يغفره الله تعالى أبداً، ثم الديوان الثاني الذي لا يترك الله تعالى منه شيئاً أراد أن يبين الديوان الثالث، وهو ديوان ظلم العبد لنفسه في حق الله تعالى فيما دون الشرك، وما دون الشرك ينقسم إلى كبائر وإلى صغائر، وأحال موضع الفرق بين الكبيرة والصغيرة إلى ما بعد، حيث سيأتي التفصيل بإذن الله، وأظن أن القضية هي قضية اختلاف الطبعات، فأنا عندي (ص٥٢٤) مثلاً، وبعض الإخوان تختلف عندهم الطبعات، وهي فقرة طويلة جداً، أولها: (وأهل الكبائر من أمة محمد ﷺ في النار لا يُخَلَّدون) إلخ، وقد شَرَحَها شرحاً طويلاً، ومن أحب منكم، أو تعجل المعرفة في الفرق بين الكبائر والصغائر قبل أن نشرحه هنا -وهذا حسن جداً أن تقرءوا قبل أن نشرح- فليراجِع الجواب الكافي، ففيه تفصيل لذلك، وسنعرض له إن شاء الله تعالى ولغيره عندما نصل إلى هذا الموضع؛ لكن الشارح هنا بعد أن أشار إلى ذلك ذكر هذا الاستدراك العظيم الذي هو قاعدة من قواعد تعامل القلوب مع رب القلوب ﵎.
قال: (ولكن ثمَّ أمر ينبغي التفطن له) هنا قضية مهمة ينبغي أن يتفطن لها عباد الله، ولا يجوز أن يتغافل عنها من يسر الله ﵎ له أن يعرفها، قاعدة عظيمة من القواعد التي استخرجها أمثال هذا العالم الفاضل ومن نقل عنهم ﵏ أجمعين- استخرجوها من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، ومن سير العبَّاد من السلف الصالح، الذين قاموا لله ﵎ بواجب العبودية على نحو يَقتدي به من بعدهم.
قال الشارح: (وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يُلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يُلحقها بالكبائر).
قال: (وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل).
أي: أن ما يقوم بالقلب قدر زائد على مجرد الفعل.
ثم قال: (والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره).
ثم شرع في موضوع التوبة، وأسباب التوبة، وأسباب سقوط العقوبة التي أولها التوبة.
فالقاعدة إذاً: أن الذنوب إما كبائر وإما صغائر؛ لكن الكبيرة إذا فَعَلها صاحبها لا ريب أن صورة العمل الظاهر أن هذا مرتكب لكبيرة؛ لكن يقول الشارح: (إن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يُلحقها بالصغائر)، وبالعكس: (قد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يُلحقها بالكبائر).
إذاً: عندنا أمران: صورة الفعل، أو صورة العمل في مظهره، وعندنا حقيقته وتعلق القلب به، أو حال القلب عند عمل هذا الذنب.
وهذا مفتاح لباب عظيم من أبواب التربية الإيمانية القلبية.
стр. 2665
الحكم على الكبير والصغيرة مناطه القلب
إذاً: القضية قضية القلب، أي: أن الجوارح إنما تتحرك وتعمل وتتأثر بالقلب كما بين ذلك النبي ﷺ ، ولذلك فمن الواجب إصلاح القلوب؛ لأنها محط ومحل نظر الرب من العبد.
يقول بعض العلماء: رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.
فالمسألة ليست هي صورة العمل؛ فإن بعض الناس قد يعصي الله وتكون هذه المعصية سبباً لبداية الخير وبداية التوبة في حياته، فقد يكون بداية الهداية موبقة كبيرة، أو ذنباً فَعَلَه، والبعض ربما كانت بداية انحرافه وزيغه ودخوله في باب الرياء والعُجْب، ثم خروجه -نسأل الله العفو والعافية- نهائياً من طريق أهل الاستقامة وأهل السنة، هو عَمَلٌ عَمِلَه في ظاهره أنه من الأعمال الصالحة، أو من الطاعات العظيمة المقبولة.
стр. 2666
ذكر الأدلة على غفران الكبائر بما يقوم بالقلب من تعظيم ونحوه
إذا ً: يجب على الشاب المؤمن، وعلى من يريد تنقية قلبه، وعلى كل من يحرص على تقوى الله أن يتنبه إلى هذه القضية وإلى هذه الحقيقة.
وما بقي علينا إلا أن نأتي عليها بالأدلة، والأدلة كثيرة جداً مما ثبت وصح في الوحي، وكثيرة من واقع الناس؛ فمن المُشاهَد من أحوال الناس أناس كانوا على ذنوب وعلى فجور ثم تابوا واستقاموا، والذين كانوا على طاعة وعلى خير وطلب علم ودعوة ثم انحرفوا وحاروا ولذلك نستطيع أن نذكر الإخوان بشواهد وأدلة كثيرة على هذه القاعدة: أن بعض الناس إنما يكون سبب هدايته وبدايتها بإذن الله موبقة أو كبيرة أو ذنب أو سيئات عَمِلَها، فتكون هذه الذنوب لَمَّا قارنها خوفُ الله ﵎ واستعظامُ هذا الذنب، والنظرُ إلى عظمة مَن عصى، والخوفُ من الرب الجليل العزيز الجبار المتكبر، فإنه بالمعصية وبما أحاط بها من هذه الأمور يتحول الأمر إلى طاعة، وتنقلب الغواية إلى هداية واستقامة بإذن الله .
стр. 2667
الخوف من لقاء الله سبب لنيل مغفرته
أقول: لقد سبق معنا حديث عظيم جداً، وذكرنا اختلاف العلماء فيه، وجوابه الصحيح هو ما ذُكِر الآن وقد قرأنا رواياته، وشرحناه طويلاً، وهو حديث الرجل الذي أوصى بنيه عند موته: إذ قال لهم: أي أبٍ كنت لكم؟ قالوا: نِعْم الأب.
وهو رجل -كما جاء في إحدى الروايات والتي قرأناها- أسرف على نفسه في المعاصي، فهو رجلٌ مسرف عاصٍ وأدركته الوفاة، فأخذ يقلب صفحات العمر، وإذا كلها سواد، وظلام، وموبقات، وذنوب، فأخذ يفكر في المخرج منها، إذاً: في هذه اللحظة جاءه الخوف من الله ، واستعظام الذنب، واللقاء كيف ألقى الله وأنا بهذه الذنوب؟ فمع أنه ارتكب ذنباً آخر، ووقع في غلط عظيم؛ ولكن بسبب هذا الاستعظام، وهذا الخوف، وهذا الحياء؛ غُفِر ذنبه المتأخر وذنوبه المتقدمة ما هو الذنب العظيم الذي وقع فيه، والخطأ الجليل؟ عندما ظن أن الله لن يقدر عليه.
فقال لأبنائه: إذا أنا مت فاجمعوا الحطب، وأحرقوني، ثم ذُرُّوني في الهواء، واجعلوا نصفي في البحر، والنصف الآخر في البر، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين.
هكذا تخيلَ! إذاً: ما الحل والمخرج من لقاء الله، ومن الوقوف بين يدي الله؟ لا عذر ولا حجة، فأعماله كلها ذنوب ومعاصٍ وإسراف.
قال: الحل يا أبنائي! أن تحرقوا هذا الجسد وتَذروه في الهواء، وتفرقوه في البر والبحر، وحينئذ لن يقدر الله تعالى على جمعه، كيف يجمعه فإذاً كأنه ينساه فينتهي، هذا هو المخرج كما كان يظن، مع أن هذا ليس بمخرج، فإن الله الذي هو على كل شيء قدير، إذا قال للشيء: كن كان، واجتمع ما في البر وما في البحر وكان، وأحياه الله ، فهو الذي أنشأه أول مرة.
فيسأله : لِمَ فعلتَ؟ هذا؟ السؤال الآن ليس عن الموبقات، ولا عن الذنوب الأولى، بل عن هذه المصيبة الكبرى التي أوصى بها.
قال: خوفك يا رب! أو خشيتك ومهابتك يا رب! فغفر الله ﵎ له.
إذاً: إذا اقترن بالذنوب والمعاصي خوفٌ وتعظيمٌ وهيبةٌ لله ﵎، فإن هذه الذنوب إما أن تُمحى، أو تُكفَّر، أو تكون -كما قال الشيخ- كالصغائر وتأخذ حكمها، كما ذكر الله ﵎: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] لأنها بما اقترن بها أصبحت صغيرة.
هذا واحد من الأدلة.
стр. 2668
حديث قاتل المائة نفس
والدليل الآخر هو الرجل قاتل المائة، أول الأمر قتل تسعة وتسعين.
فذهب إلى العابد، وهذا من الأحاديث التي يستدل بها على كثرة ما فيها من الحكم والدلالات، من أعظم دلالاته وحكمه وعبره: فضل العالم على العابد، أي: العابد المجرد عن العلم.
ذهب إلى هذا الراهب العابد المنقطع وقال له: إني رجل قتلت تسعة وتسعين نفساً، فهل لي من توبة؟ فاستعظم الراهب ذلك وقال: لا أجد لك توبة.
هذا من قلة العلم، ومن قلة الحكمة والفطنة كما ذكر العلماء فهذا الراهب، ليس عنده بصيرة أو فطنة في الدعوة، فهذا السائل قاتل، فإذا قلت: لا أجد لك توبة، كيف تأمنه على نفسك وعلى غيرك من الناس؟ فكان على هذا العابد أن يقول له: تُبْ واستقِم، ويقول: كُف عن كذا وكذا، ثم إن لم يكن له عند الله توبة فهذا بينه وبين الله؛ لكن على الأقل يكون لديك من الحكمة ما تدفع به شره في هذه الحياة الدنيا.
قال الراهب: لا أجد لك توبة.
فأكمل به المائة، ما دام ليس هناك توبة، فسواء قتل هذا أو قتل معه ألفاً أو ألفين فالأمر لا يتغير، فأكمل به المائة.
وبعد ذلك ذهب إلى العالم فأرشده أن له توبة، وأرشده أن يذهب إلى القرية الصالحة ليعبد الله ﵎ فيها.
ثم كان ما تعلمون عندما قبضه الله ﵎، واختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وهذا أيضاً فيه دليل على أن الملائكة تجتهد في أمر الله ﵎، كما نجتهد نحن بني آدم، نحن نسمع من كلام الله آية أو من كلام رسول الله ﷺ حديثاً فنجتهد في العمل به، وقد نخطئ وقد نصيب، فملائكة الرحمة أخذوا ينفذون أمر الله تعالى فقالوا: رجل تائب مقبل على الله كيف ندعه لكم؟ وملائكة العذاب تقول: وأي توبة حصلت؟ رجل قتل مائة نفس وذهب إلى قرية.
ما رأوا شيئاً قد تحقق، فهؤلاء ينظرون لها من جهة، وهؤلاء ينظرون لها من جهة، فحكم الله ﵎ بين الفريقين وهو الحكيم العليم: أن انظروا إلى أي القريتين كان أقرب فألحقوه بأهلها، وجاء في بعض الرويات: أن من رحمة الله أنه أمر هذه أن تتباعد، وأمر هذه أن تنقبض، فقاسوا فوجدوه إلى أرض التوبة أقرب، فغفر الله ﵎ له، وتولته ملائكة الرحمة.
إذاً: هذا الرجل أسرف على نفسه، وهل بعد القتل من جُرم؟ عندما نتعرض لموضوع التوبة إن شاء الله فسنذكر مسألة قبول توبة القاتل، والخلاف الذي بين علماء أهل السنة والجماعة فيها؛ لأنه ذنب عظيم، لكن اقترن به الخوف، أليس الذي دفعه أن يبحث عن الراهب ويسأله، ثم عن العالم ويسأله، أليس هو الخوف من الله؟ إذاً: هذا فعل كبائر؛ لكن اقترن بها الخوف من الله ، والتفكير في التوبة، والبحث عن مخرج، والحياء من الله، ومهابة لقاء الله، هذه إذا اقترنت بأي ذنب من الذنوب تحرقه بإذن الله، فلما اقترنت بحال هذا الرجل كانت نهايته وكانت عاقبته كذلك.
стр. 2669
قصة ماعز وقصة الغامدية
ومن الأدلة أيضاً: قصة ماعز والغامدية رضي الله تعالى عنهما، فإنهما أتيا إلى النبي ﷺ يريدان أن يطهرهما.
والأمثلة في هذا كثيرة.
وقد أحببت بهذه المناسبة أن أدلكم على مرجع مفيد في هذا الباب وهو: كتاب التوابين، للإمام ابن قدامة ﵀، بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناءوط، أخي شعيب، وإن كنت أحب أن أنبهكم قبل ذلك إلى أن الكتاب لم يُعلَّق عليه في مواضع كان ينبغي أن يعلق عليه فيها، ولن تخفى على مثلكم إن شاء الله، منها: أن أغلب من يتوب كما في هذا الكتاب يترك الدنيا بالكلية، ويذهب في البراري وفي الجبال ويسيح، أو يعتكف في المساجد ويترك كل شيء بالكلية، وليس هذا من صفة التوبة الشرعية كما تعلمون؛ لكن في هذا الكتاب فوائد عظيمة جداً، ولا سيما الذين يتوبون من الطرب ومن الغناء أو من الفسق والفجور، كحال العالم اليوم والله المستعان.
ونقتصر على ذكر أو عرض بعض التوبات التي تتعلق بحال العاصي الذي كانت معصيته وسبب هدايته، وهو المناسب لموضوع الدرس اليوم، أما مجرد التوبة فالتوابون كثيرون والحمد لله.
وقد ذكر صاحب الكتاب قصة قاتل المائة أيضاً، ويكفي ذلك عنه.
стр. 2670
قصة أبي خيثمة وتخلفه عن تبوك أولاً
أيضاً من التائبين -كما ورد في السيرة- الذين اقترن بالذنب ما جعلهم يتوبون ويهتدون ويستقيمون: الصحابي الجليل أبو خيثمة رضي الله تعالى عنه، والإمام ابن قدامة ﵀ يروي بالسند، وهو عالم محدث فقيه بارع كما تعلمون، ولذلك يروي القصص التي يوردها بالأسانيد، سواءً أكان إلى النبي ﷺ أو إلى أحد العلماء من المؤلفين، أو إلى كتب رواة الإسرائيليات وأخبار بني إسرائيل إن كان السند ينتهي إليهم، وهو كما تعلمون من الأئمة المجاهدين، ابن قدامة ﵀ كان مع صلاح الدين الأيوبي في معاركه، ومع ذلك كتب المغني الذي ترون، وهو من أعظم وأنفع كتب الفقه المقارن، وله مؤلفات نافعة غير ذلك مع انشغاله بالجهاد، وله هذا الكتاب، فذكر بإسناده إلى ابن إسحاق المعروف، صاحب السيرة.
يقول: (تخلف أبو خيثمة أحد بني سالم عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، حتى إذا سار رسول الله ﷺ رجع أبو خيثمة ذات يوم إلى أهله) وهذا التخلف ما حكمه؟ حكمه كبيرة ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة:١٢٠] (ما كان لهم) هذا من أقوى أنواع التعبير في التحذير والنهي.
(ما كان لهم) يعني: لا يصح ولا يليق بحال من الأحوال أن يتخلف أحد عن رسول الله ﷺ ويرغب بنفسه عن نفس رسول الله ﷺ فيذهب رسول الله ﷺ أفضل الخلق وأكرمهم على الله في الحر والرمضاء والحرب واللأواء وهذا في الظل الظليل الوارف مع الأهل والعيال وفي المزرعة، لا ينبغي ذلك، ولا يليق بأي حال من الأحوال؛ لكن هذا الذي لا يليق ولا ينبغي وقع فيه أبو خيثمة رضي الله تعالى عنه.
(فعاد إلى امرأتين له في عريشين له في حائط) وكما تعلمون كانت الغزوة -كما جاء في حديث الثلاثة- في شدة الحر والقيظ، وكما جاء في القرآن لما قال المنافقون: ﴿لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ [التوبة:٨١] فرجع، ما كان عندهم كالآن مغريات مثلنا، يعني لما تقرأ المغريات التي كانت في عصرهم -الله المستعان! - المغري كله أن كلاً منهما لديها عريش ورشت الماء من حوله، فكان بارداً بالنسبة لهم، وبالنسبة لنا لا يُعد بارداً، ولا من البارد في شيء.
(فأتى امرأتين في عريشين له في حائط) الحائط يعني: المزرعة والبستان.
(قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبرَّدت له فيه ماء، وهيأت له طعاماً) برَّدت الماء بالطرق البدائية جداً كما تعلمون، وهيأت الطعام، وتعال يا أبا خيثمة! يعني: الزوجة والظل والعريش والماء البارد والطعام، هذه غاية المغريات المثبطات في زمانه.
(فلما دخل قام على باب العريش ينظر) الآن استيقظ، الذنب وقع؛ لكن حفت به هذه القرائن، وقف على باب العريش ينظر.
(ثم قال: رسول الله ﷺ في الضح والريح والحر) في الضح أي: شدة حر الشمس.
ضحوت له كي أستظل بظله إذا الظل أضحى في القيامة ناقصا
قال: -وأبو خيثمة هذا يقول عن نفسه: (رسول الله ﷺ في الضح والريح والحر وأبو خيثمة -الآن يخاطب نفسه- في ظل وماء بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، ما هذا بالنَّصَف) يعني: هذا ما هو عدل ولا إنصاف أبداً، ولا يليق ذلك أبداً، ربما لم تكن الآية قد نزلت بعد، والظاهر أنها ما نزلت إلا بعد ذلك؛ لأن فيها: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨]؛ لكن هو عرف أن هذا لا يليق ولا يحق بحال من الأحوال أن يكون رسول الله ﷺ كذلك، وأن يتخلف عنه أبو خيثمة، ويرغب بنفسه عن نفسه، ويتمتع ورسول الله ﷺ في تلك الحال.
(قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله ﷺ ، فهيئا لي زاداً، ففعلتا، ثم قدما ناضحه فارتحل، ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ ، فأدركه حين نزل تبوك) كما تعلمون آخرها: (لما رأى النبي ﷺ الراكب من بعيد فقال: كن أبا خيثمة.
فذهبوا فوجدوه، فقالوا: يا رسول الله! هو أبو خيثمة، وقال رسول الله ﷺ : أولى لك أبا خيثمة، فأخبره الخبر، فدعا له رسول الله ﷺ إذاً: سبحان الله العظيم! لو أن أبا خيثمة خرج أول الأمر مع رسول الله ﷺ ما كان في قلبه من الإيمان والأثر والخوف من الله ، والحرص على الجهاد والرغبة فيه مثلما كان بعد أن وقع في الخلل، وغلبه الضعف البشري.
الناس ذهبوا أمة، وهو ذهب يجوب البراري والقفار وحيداً، لا رفيق له، وهو مستشعر الذنب في شدة الحر، ويركب البعير ومعه زاده وهو يذهب وأمله أن يلحق برسول الله ﷺ ، كيف يكون شعوره وهمه وتفكيره في هذه الحالة، وهو لم يدخل العريش أبداً.
إذاًَ: قام بقلبه من حقائق الإيمان والتوبة والندم والاستغفار والحياء من الله ﵎ ومحبة رسول الله ﷺ ، ومحبة اللحاق به أمور عظيمة جداً، ربما بل قد نقول: نعم.
ما كانت لتأتي لو أنه ذهب من أول الأمر مع الناس.
فكان إذاً في هذا الذنب -وهو التأخر والتخلف- خير.
إذاً: رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.
المثال الآخر أيضاً: مثال أبي لبابة رضي الله تعالى عنه، وهذا حال المتقين دائماً، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١] يعني: الشيطان يَمَس، (إن للملَك لَمَّة، وللشيطان لَمَّة) لكن ميزة أهل التقوى وأهل الإيمان أنهم إذا ألَمَّت بهم اللمَّة تذكروا فعادوا.
هذا ما حدث لـ أبي لبابة رضي الله تعالى عنه.
يقول: (لَمَّا أرسلت قريظة إلى رسول الله ﷺ يسألونه أن يرسلني إليهم حين اشتد عليهم الحصر، دعاني رسول الله ﷺ فقال: اذهب إلى حلفائك فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس) هو كان حليفهم في الجاهلية، وأبو لبابة له منزلة، وقاتل الله اليهود في كل زمان ومكان، اليهود هم اليهود، لا تصدقوا الذي يقول: اليهود منهم الحمائم ومنهم الصقور.
بل كلهم ثعالب، لا حمائم ولا صقور، بل ثعالب خبيثة، فاليهود هم اليهود، يظنون أن جيش الإيمان والتقوى ركب المهاجرين والأنصار كغيرهم من الأمم والملوك والجيوش، فيقولون بلسان الحال: إذا كان لنا عندهم واسطة، أو لنا عليهم دالة أو حليف تغيَّر الأمر، فلنأتهم عن طريق الحليف، فأرسلوا يريدون أبا لبابة؛ لأنه حليفهم، والناس كما تعلمون حديثو عهد بالجاهلية وأحلافها وعاداتها، ولهذا لما قال عبد الله بن أبي بن سلول: إني امرؤٌ أخشى الدوائر، ثلاثمائة دارع وحاسرة، حلفائي تحصدهم في غداة واحدة، هكذا كانت الارتباطات والعلاقات الجاهلية ما تزال قريبة العهد بهم.
(قال: اذهب إليهم، قال: فدخلت عليهم وقد اشتد عليهم الحصار، فهشوا إلي وقالوا: يا أبا لبابة! نحن مواليك دون الناس كلهم قال: فقام كعب بن أسد فقال: أبا بشير! قد عرفتَ ما صنعنا في أمرك وأمر قومك يوم الحدائق، ويوم بعاث، وكل حرب كنتم فيها) يذكره بأيام الجاهلية يقول عملنا معكم الجميل، والفعائل، والآن هذا وقت الشدة، ووقت رد المعروف.
(وقد اشتد علينا الحصار وهلكنا، ومحمد يأبى أن يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه، فلو زال عنا لحقنا بأرض الشام , أو خيبر، ولم نكثر عليه جمعاً أبداً) يقولون: يزيد أن تجعله يتركنا، ونحن نلحق بـ خيبر أو الشام، ولن يرى منا أذىً بعد اليوم.
فما ترى؟ الآن يستشيرون أبا لبابة.
(فما ترى؟ فإنا قد اخترناك على غيرك، وإن محمداً قد أبى إلا أن ننزل على حكمه قال: نعم، فانزلوا) هو قال: نعم فانزلوا؛ لأنه صحابي مؤمن، لا يمكن أن يشير عليهم بغير ما قال رسول الله ﷺ ، هل يمكن أن يخالف حكم الله، وحكم رسول الله ﷺ ، أو يطلب منهم غير ما طلب رسول الله ﷺ ؟ لكن في آخر لحظة أخذته وقعة، الضعف البشري يقع حتى من هؤلاء الصحابة الأجلاء.
(قال: انزلوا على حكمه.
ثم أومأ بيده هكذا.
يعني الذبح) فهو من حيث المقال قال الحق، ونطق بالحق، وقال: انزلوا على حكمه، وهكذا يجب أن يكون الإنسان وأن يقول؛ لكن أدركه شيء من الحمية لهؤلاء؛ نظراً لقولهم: إنك حليفنا، ووثقنا فيك، وفعلنا معك، وفعلنا.
وعددوا المآثر، واليهود قوم خداعون كذابون، فوقع، فأومأ بيده، هكذا يعني: الذبح.
حسناً يا أبا لبابة! فعلت ذلك وليس أمامك إلا اليهود، فمن رآك يا أبا لبابة؟! لا أحد من الصحابة، ولا رسول الله ﷺ ، ونحن أهل السنة نؤمن أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، هذا من العقائد القطعية، الذين يعتقدون أو يؤمنون أنه يعلم الغيب هؤلاء جعلوه إلهاً آخر، تعالى الله عما يشركون.
فما أحد يعلم يا أبا لبابة! أنت وحدك؛ لكن القضية ليست قضية وحدي أو غير ذلك، فقد استشعر الندم توَّا فنترك التعبير له.
(وقال: فندمت، واسترجعت، فقال
стр. 2671
أم البنين بنت عبد العزيز وقصتها مع عزة المعشوقة
ثم ذكر توبات كثيرة، كما قلت لكم: الكتاب لو خلا مما فيه مما يستوجب التعليق لكان نفعه عظيماً جداً.
ذكر أيضاً توبة أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان، هذه لها قصة مشهورة في كتب الأدب، وإن كانوا يذكرونها في كتب الأدب على أنها طرفة، أو مُلحة من المُلح والنوادر؛ لكنها عند أهل الإيمان واليقين تدل على ما يذكُر كما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى.
يروي أيضاً في سنده قال: دخلت عَزَّة صاحبة كُثَيِّر كُثَيِّر عَزَّة، انظروا النسبة، نعوذ بالله! بعض الناس ينسب إلى الخير، وهذا الرجل نُسب إلى العشق، وإلى المرأة التي عشقها، وكان رجلاً باطنياً خبيثاً، كُثَيِّر هذا كان رجلاً خبيث العقيدة، على عقيدة الباطنية، وهو ممن كانوا يعتقدون أن الإمام في أعلى جبل رضوى، وأن عنده نمور تحرسه، وعنده عسل، وعنده ماء، وسيخرج في آخر الزمان، انظروا! هذا الكلام كان في القرن الأول، فما بالكم عندما ابتدعت الروافض فيما بعد أن الإمام في سرداب سامراء إلى آخر ما ابتدعوه، فالكلام في هذا قديم، وهذه البدعة قديمة.
الشاهد: عَزَّة دخلت على أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز، هذا البيت بيت الملك والأبهة، الدنيا كلها كانت تحت حكمهم كما بينا في مرة مضت، الدنيا كلها تحت حكم بني أمية، فكانت تسمع من الشعراء، وتسمع كأي امرأة مترفة ذات ملك وجاه ومال، فإذا قيل لها: فلان مطرب أو عنده نغمة، قالت: جيئوا به، ننظر ونسمع ما عنده، إلى آخره.
فلما دخلت عَزَّة سألتها أم البنين: وهي عارفة بأخبارها، وعارفة بالحكايات التي يتناقلها الناس يتناقلونها، يعني: كما قالوا عن مجنون ليلى، وكما قالوا عن صاحب عفراء، وفلان وفلان ممن جاءت أسماؤهم في كتب العشق عند العرب، وفي قصص العشق، فيُنسب الشاعر إلى صاحبته، كما أن كُثَيِّر نُسب إلى عَزَّة.
قالت لها أم البنين: ما معنى قول كُثَيِّر:
قضى كل ذي دَين فوفى غريمَه وعَزَّة ممطولٌ مُعَنَّى غريمها
انظر السؤال! وهذا يا إخوان! فضول العلم، وفضول الكلام، وفضول النظر، وجاء في الأخبار: أن رجلاً دخل على أحد السلف فقال له: إني أرى خشبة في سقف البيت تريد أن تسقط.
فقال له: يا رجل! والله إن لي عشرين سنة في هذا البيت ما نظرت إلى السقف.
وكانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام.
هناك أناس ابتلاهم الله بالفضول، وأناس بخلاف ذلك، فيقول: هذا بيتي وأنا فيه منذ عشرين سنة فما نظرت إلى السقف، الناس في هم أعظم، قلوبهم منشغلة بالله وبالآخرة وبالعمل الصالح، فهم في شغل عن الفضول؛ لكن الناس الذين لا همّ لهم لا يستشعرون خوف الله ولقاء الله، فيسأل سؤالاً ولا يهمه الجواب هكذا على هذا السؤال فالقضية أنه يسأل من باب الفضول فقط.
فجاءها الشيطان بهذا الفضول.
قالت: يا عَزَّة! ما معنى قول كُثَيِّر:
قضى كل ذي دَين فوفَّى غريمَه وعَزَّة ممطولٌ مُعَنَّى غريمها
أي: ما هو هذا الغُرم؟ وما هو الدَّين؟ قالت لها: ما هذا الدَّين الذي يذكره؟ قالت: أعفيني.
قالت: لابد أن تخبريني، ما هذا الدَّين.
قالت عَزَّة: كنت وعدتُه قُبلة فأتاني يطلبها، فتحرجت عليه، ولم أفِ له أي: ما أعطيته.
هؤلاء عشاق العرب الفجار الذين كان هذا حالهم، لذلك يسمونه الهوى العذري، أو الحب العذري؛ لأن الحب عندهم كان على نوعين، أو العشق على نوعين: نوع إباحي.
ونوع عذري.
الهوى العذري في زعمهم: هو فقط الحديث والمزاح والكلام دون أي شيء آخر.
وهكذا كان كُثَيِّر وعَزَّة وطائفة من العشاق.
والنوع الآخر هو الإباحي وهو الذي يؤدي -عياذاً بالله- إلى ارتكاب الفاحشة.
يعني: هؤلاء كانوا من الموصوفين بالفجور، فهي منعها دينُها أو حياؤها أو أصالتها أو عربيتها أو قبليتها أي شيء، المهم منعها مانع أن تعطيه قُبلة، رغم أنه يواعدها ويخلو بها ويتحدثان، ويخبرها بما قال فيها من شعر، ثم يرجع كل منهما إلى مكانه.
فقالت هذا الشيء، كما قال بعضهم: كان العشق فيما مضى أن الرجل يلاقي المرأة فيحدثها وتحدثه، ويناشدها وتناشده، أما اليوم فلا يكاد يخلو بها حتى يفعل بها الفاحشة، وكأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة رضي الله تعالى عنه.
هذا الكلام قالوه في القرن الأول، فكيف الآن! الآن ما عاد فينا -نعوذ بالله- إلا الفجور والفساد، حتى المجرمين في ذلك الزمن كانوا أخف جرماً، كان هناك نوع من الحياء العام في الأمة، يربط الأمة نوع من (لماذا نفعل؟).
فاستعظمَتْ مع هذا الشعر والأخبار أن تعطيه هذا، بينما بعض الناس -عياذاً بالله- لا يرى هذا إلا عادياً جداً، الروايات والقصص والتمثيليات يأتي بها كل ليلة، فأصبحت لا تثير شعوراً إلا عند أهل الإيمان والتقوى -جعلني الله وإياكم منهم.
فالشيطان جاء لـ أم البنين، رغم أن الأمر قد انتهى، وكُثَيِّر في مكان وعَزَّة في مكان، وانتهت القضية، وبَعُد العهد؛ لكن الشيطان أراد أن يوقعها.
فقالت أم البنين: أنجزيها منه وعليَّ إثمها أي: أعطيه وعليَّ إثمها، فما هي إلا قُبلة، ليست فاحشة، كما يقول بعض الناس: بسيطة.
كيف تكون بسيطة، حين يختلي الرجل بالمرأة وقد تسافر معه الأيام والأسابيع، بل بعضهم والله يخرج بها خارج المملكة، ثم يقولون: القضية بسيطة.
كيف بسيطة؟ قالت: أنجزيها وعليَّ إثمها هذا الشيطان أوبقها فقالت هذه الكلمة.
ثم راجعت نفسها من وقتها ومن مكانها، واستغفرت الله، وأعتقت لكلمتها هذه أربعين رقبة وتعلمون ما في العتق من الثواب، وقد وردت أحاديث تتناول ثواب العتق منها: (من أعتق رقبة أعتق الله رقبته)، نعم.
كل عضو منه بعضو منها، فأعتقت أربعين رقبة من أجل هذه الكلمة.
وكانت إذا تذكرت هذه الكلمة بكت حتى تبل خمارها وتقول: يا ليتني خرس لساني عندما تكلمت بها.
الله أكبر! انظر كيف! ﴿تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١].
وتعبدت عبادة ذُكرت بها في عصرها من شدة اجتهادها، فتحولت أم البنين من امرأة تستقبل الشعراء، وتسمع أخبار العشاق، إلى امرأة عابدة مجتهدة صالحة فاضلة.
قال: فرفضت فراش المملكة، وقامت تحيي ليلها، وكانت كل جمعة تحمل على فرس في سبيل الله أي: كانت كل جمعة تجهِّز فرساً يخرج في سبيل الله تكفيراً وتوبة، وكانت تبعث إلى نسوة عابدات يجتمعن عندها ويتحدثن انتهت أيام الشواعر والمطربات والطبالات والكلام الفارغ.
فالآن من جلساؤها العابدات، الزاهدات، المتقيات.
تقول أم البنين: أحب حديثكن، فإذا قمت إلى صلاتي لهوت عنكن سبحان الله! كيف رسخ الإيمان في قلبها إلى هذا الحد.
وكانت تقول: البخيل كل البخيل من بخل على نفسه بالجنة والله هذا هو البخيل، الناس لو رأوا واحداً عنده مال، ولبس ثوباً ليس مناسباً، وأكل أكلاً جافاً قالوا: بخيل، تبخل على نفسك، أما تكرمها.
فهذه معايير البشر أهل الظاهر الذين يرون ظاهر الأمور؛ لكن حقيقة الأمر: البخيل كل البخيل من بخل على نفسه بالجنة، فما عمل لها ولا اجتهد لها، وماذا تعادل الدنيا هذه كلها بالنسبة إليها.
وكانت تقول: جُعل لكل إنسان نُهمة في شيء فكل إنسان له نُهمة، بعضهم نهم في الطعام، بعضهم نهم في النكاح، بعضهم نهم في سماع الشعر مثلاً، له هواية، وذوق، ومزاج.
قالت: وجُعلت نُهمتي في البذل والإعطاء، والله للعطية والصلة والمواصلة في الله أحب إلي من الطعام الطيب على الجوع، والشراب البارد على الظمأ سبحان الله! جعل الله نُهمتها في العطاء والبذل والإحسان، هذا خير عظيم فتح عليها.
قال: وهل يُنال الخير إلا بالاصطناع؟ وكانت على مذهب جميل حتى توفيت رحمها الله.
إذاً: يا إخوان! واضح، فهذه معصية وقعت، وذنب وقع؛ ولكن أعقب ذلك هذه التوبة وهذه الاستقامة، وهذا الخير، وربما لم تكن لتنال ذلك الخير ولا تحصل عليه لولا أنها لم تقع في تلك الكلمة.
ولقد ذكر ابن القيم ﵀ ثلاثة عشر مشهداً من مشاهد العبد في الذنب؛ وعند ذكرها إن شاء الله سنعلق على بعض المشاهد، وهي التي تشمل مشهد الخوف، مشهد الإجلال، ومشهد الحياء، يعني: الذنب هو ذنب إذا وقعت فيه، لا يذهب بك الشيطان إلى القنوط واليأس من رحمة الله، في هذه الحالة قف فأنت في مشاهد عظيمة مع الله ، في لحظة الذنب والخطأ هنالك موقف التوبة والضراعة والإنابة والذل والانكسار والعبودية، مواقف عظيمة جداً، ولهذا كما ذكر من كلام يحيى بن معاذ وغيره من العلماء الذين فضلوا حال التائب الذليل المنكسر على حال الطائع، لأن الطائع قد يُدِل ويُعجب ويغتر بعمله، أما ذلك المنكسر الذليل المذنب الذي جاء يطرق الباب مسكين، أين ملجؤه؟ أين ملاذه؟ لا يُتهم؛ لأنه جاء طالباً راجياً، أما ذلك فربما أصابه عجب، وتحدثنا عن هذا فيما مضى.
стр. 2672
قصة سلامة القس
والقصة الأخرى قصة سلامة القس، هذا رجل من شيوخ القراء، كان اسمه عبد الرحمن، وكان يلقب بالقس، أو القسيس، كما أن أبا عامر العابد قيل له: أبو عامر الراهب، أو كما يقال: الحبر، يعني ألفاظ أو أوصاف أهل الكتاب، الحبر والراهب وأمثاله قد تطلق على من يقابلهم من هذه الأمة، فالرجل لشدة عبادته كان يلقب بذلك، فكان عبد الرحمن القارئ عند أهل مكة من أفضلهم عبادة وأظهرهم تبتلاً، فمر يوماً بـ سلامة انظرواإلى الغناء يا إخوان! يقال لك: ماذا في الغناء؟ ليس فيه شيء، المفتري على الله ورسوله الأسبوع الماضي يقول: الغناء حلال، والنبي ﷺ كان يسمعه، يفترون على الله ولا يبالون، الغناء هذا الذي قال فيه ابن الجوزي ﵀ في تلبيس إبليس: الغناء الذي أباحه بعض السلف غير الغناء في زماننا هذا، هذا ابن الجوزي يقول: عندنا الآن الشبابة والعود والدف، وأضافوا إليها الألحان والأنغام، ماذا عند ابن الجوزي؟ ماذا كان في أيامهم بالنسبة لنا الآن، الآن يسمونها فرقة، وعندما يأتون بهم فعلى طائرة خاصة؛ لأنها فرقة، وآلاتها وأمورها، يؤتي لأجل زواج أو بشأن أن (تميت) حفلة من الحفلات، أو تميت أمة من الأمم، تميت قلوب أمة، انظروا هذا الغناء الذي كثير من الناس لا يبالي به، التليفزيون يغني، والإذاعة تغني، والشريط يغني، وهو يغني، حتى لَمَّا يقفل السيارة ويمشي إلى الدكان يغني حتى يصل ليشتري الأغراض، كل الحياة أصبحت غناء نعوذ بالله.
هذا عابد قارئ عالم زاهد، مر بجارية، وكانت لرجل من قريش، فسمع غناءها، فقال له الشيطان: قف قليلاً عند الباب، واستمع إلى هذا الصوت الحسن ثم انصرف.
فأطل مولاها وإذا: بـ عبد الرحمن عند الباب فقال له: هل لك أن تدخل فتسمع، فتأبَّى عليه، فألحَّ عليه الرجل، فلم يزل به حتى وافق، فدخل، فقال: أقعدني في موضع لا أراها ولا تراني، هو الحمد لله ويخاف الفتنة، هذا الذي يقول لك بعض الشباب في مجال الطب وفي مجال الخطوط الجوية، وما أدري أين: نحن نحاول أن نبعد عنها، الحمد لله الواحد يجتهد ما استطاع؛ لكن القضية أن النساء فتنة (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)، وهو الذي بالمؤمنين رءوف رحيم صلوات الله وسلامه عليه، شفيق على هذه الأمة، وحذر من هذه الفتنة، المال والنساء، لا يقول واحد: والله ما يمكن أن أقع في المحظور أبداً.
يبدأ قليلاً قليلاً، يأخذ الذي يبقى من الهلل في الصندوق، وفي النهاية يأكل نصف المشروع، بدأت بالهلل؛ لكن انتهت بالمليارات والملايين، وكذلك الزنا -نعوذ بالله- والفواحش، أولاً نسمع صوتها ثم نجلس ثم بعد ذلك يكون كما قال أحمد شوقي:
نظرةٌ
إلى آخره.
قال: أقعدني في موضع لا أراها ولا تراني حرام أن أراها؛ لكن الصوت هذه المرة ونمشي ولن نعيدها، ما دمتُ أُحرِجتُ ولكن لن أعيدها إن شاء الله.
قال: فدخل فتغنت، فأعجبته، فقال مولاها: هل لك أن أحولها إليك؟ فتأبَّى وامتنع، فلم يزل به أيضاً حتى وافق ما في خلوة، وأنا وإياك موجودون، وما في مشكلة.
فجاءت فجلست أمامه، فلم يزل يسمع غناءها حتى شُغف بها وشُغفت به، وعلم ذلك أهل مكة نسأل الله أن يغفر لنا ويستر علينا.
الخبر السيئ ينتشر في الآفاق -نعوذ بالله، نسأل الله أن يستر علينا ذنوبنا وعيوبنا- فتسامعوا، وإذا بهم يتسائلون: عبد الرحمن القس؟ نعم.
القس سمعها، وصار يصغي لها، وانتشرت في كل مكان.
وأخذ المجرمون والشعراء من ذلك مجالاً للقصائد، كما في كتاب الأغاني وأمثاله، يقولون: الشافعي أفتى، لأن الشافعي قيل له: (هل عليَّ في القُبلة من حرج؟ قال: لا حرج إن شاء الله).
وفلان قال، وفلان، في روضة المحبين ذكر ابن القيم ﵀ نماذج من كلامهم هذا كثير.
فمن جملتها انتشر الخبر في مكة، العابد الراهب الزاهد تعلق بهذه المغنية.
حتى أنها مرة -بدأ الشيطان ينسج فيما بينهما؛ ولكن أراد الله أن تكون تلك بداية التوبة والانقطاع- فاتحته وقالت له: أنا والله أحبكَ.
فقال: وأنا والله أحبكِ.
قالت: فما يمنعك من الوصال، فوالله إن الموضع لخال! بدأ الشيطان الآن في العميق ولا يوجد أحد، فقال: إني سمعت الله تعالى يقول: ﴿الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] وأنا أكره أن تكون خُلة ما بيني وبينكِ تئول بنا إلى عداوة يوم القيامة.
قالت: يا هذا! أتحسب أن ربي وربك لا يقبلنا إذا تبنا إليه أوه! عندها فقه، الشيطان فقهها، فتقول: نعمل هذه المعصية الآن وبعد ذلك يتوب الله علينا، أنت حافظ للقرآن وعارف للأدلة، نتوب وكفى وانتهينا.
قال: بلى بلى، يتوب علينا لو تبنا.
قال: ولكني لا آمَن أن أفاجأ انظروا كيف تكون العودة إلى الله.
ثم نهض وعيناه تذرفان، فلم يرجع بعد، وعاد إلى ما كان عليه من العبادة.
سبحان الله! وعاد وهو أشد إيماناً وتقوى وخوفاً على نفسه، وعلى أذنه، وعلى عينه من الفتنة.
هذا أيضاً مثال من الأمثلة الذي تكون فيه هذه الذنوب والموبقات سبباً أو داعياً إلى الخير.
стр. 2673
استشعار شدة عذاب الله وأليم عقابه سبب للتوبة
يذكر أيضاً الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى مثالاً آخر قصيراً لكنه عظيم جداً.
قال وهيب بن الورد أحد العباد المشهورين المعروفين: بينما امرأة في الطواف ذات يوم وهي تقول: يا رب! ذهبت اللذات وبقيت التبعات التبعة هي: المسئولية، أي: ذهبت اللذة، كسهرة ليلة، وجلوس مع فاجرة، وسماع لأغنية، ومجلس شر، إلى آخره، ذهبت اللذة تلك الليلة وانتهى؛ لكنه في الديوان ما تزال مسئوليته مكتوبة، فالإنسان يلقى الله يوم القيامة وقد انقضت اللذات؛ ولكن بقيت عليه التبعات.
قالت: يا رب! ذهبت اللذات وبقيت التبعات، يا رب! سبحانك، وعزتك إنك أرحم الراحمين، يا رب! ما لك عقوبة إلا النار؟ الله أكبر! انظروا لَمَّا الله تعالى أيقظ قلبها بالإيمان.
يا رب! ما لك عقوبة إلا النار؟ لأنها تذكرت، ليس بعد هذه الدار من دار إلا الجنة أو النار، فتعجبت، لا إله إلا الله: ما لك من عقوبة إلا النار؟ يعني: ليس هناك أي مخرج آخر؟ نعم، إما الجنة ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] هذا فاز؛ لكن إن كانت النار، فما هي النار؟ لو سيرت فيها جبال الدنيا لذابت من شدة حرها، أعوذ بالله، ليس هناك غير هذا.
إذاً: ما الحل؟ وما المخرج؟ قالت: يا رب! ذهبت اللذات، وبقيت التبعات، يا رب! سبحانك وعزتك إنك أرحم الراحمين، يا رب! ما لك عقوبة إلا النار؟ وكانت معها امرأة أخرى صالحة تمشي معها قالت: يا أخية! دخلتِ بيت ربك اليوم؟ تظن أنها دخلت الكعبة، قالت: والله ما أرى هاتين القدمين أهلاً للطواف حول بيت ربي فكيف أراهما أهلاً لأن أطأ بهما بيت ربي وقد علمت حيث مشتا، وأين مشتا سبحان الله العظيم! تذكرت أن هاتين القدمين مشتا إلى معاصٍِ وفجور، والآن جاءها الندم، فكان تذكُّرها لتلك المعاصي والذنوب أعظم دافعٍ -بتوفيق الله لأن تستقيم، وأن تستشعر هذا الشيء.
امرأة عامية، ما عندها كثير علم، كما قال الأعرابي: لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ؛ لكن عندها هذا الفهم العجيب: ما لك عقوبة إلا النار؟ شيء عجيب لو أن العاقل تفكر، هذه العبارة الصغيرة والله إنها تكفي عِبَراً لأي معتبر، ما لك عقوبة إلا النار؟ يعني لو أن هناك مخرجاً آخر، لو أن هناك ملاذاً أو ملجئاً.
إن لم تكن من أهل الجنة فإنها إلى النار.
والنار هي ما علمنا.
إذاًَ: يا رب، أين الملاذ؟ أين المهرب؟ أين المنجى؟ فلذلك تابت وحسنت توبتها وكانت على ذلك.
وأقول: الكتاب قيم حقيقةً كما قلت لكم، ولو أنه يُعلَّق عليه لوجدتم فيه فوائد عظيمة جداً.
نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتوب علينا.
стр. 2674
ذنوب العباد بين الكبائر والصغائر [٢]
في هذه المادة يتحدث الشيخ عن مسألة مهمة في تربية النفس وتزكيتها، ألا وهي: فضل اقتران الوقوع في الذنب بالخوف والحياء من الله ، وبين أن أعمال القلوب هي الأساس الذي يبنى عليه التفاوت بين الناس، ودلل على ذلك بأمثلة من الواقع، ثم ختم هذه المادة بالحديث عن التوبة والأسباب المسقطة للعقوبات.
стр. 2675
فضل اقتران الذنب بالخوف والحياء
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بك اللهم من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى أصحابه، ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد: فلا زلنا في الحديث عن هذه الكلمات الخيرات في فقه التربية -أو كما أحب أن أسميه فقه التزكية- لأن الله سماها تزكية حيث قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩].
هذه الكلمات التي جاء بها الشارح رحمه الله تعالى، نحتاجها جميعاً، ونحن طلبة العلم قد نكون أحوج ما نكون إليها، ثم ننقلها ونعلمها إلى غيرنا من العامة، وهي من قوله: (ولكن ثمة أمر ينبغي التفطن له).
وقد تعرضنا لشرحها، وقلنا: إن بعض الذنوب والمعاصي التي يقع فيها العبد ربما تكون سبباً في تغيير خط حياته بالكلية، وتحوله من طريق الضلالة والغواية والفجور إلى طريق السنة والهداية والتقوى.
وذكرنا على ذلك أمثلة ونماذج مما ثبت وصح، ومما ذكره العلماء -أيضاً- من أخبار التائبين من كتاب: التوابين للإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى في بيان فضل وأثر اقتران الذنب بالحياء والخوف إن وقع من العبد، كما ذكر الشيخ هنا، من أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وبخلاف ذلك وضده تماماً، الصغيرة التي يقترن بها من قلة الحياء، وعدم المبالاة والاهتمام بها ما يلحقها بالكبائر.
نسأل الله العفو والعافية.
стр. 2676
أعمال القلوب يبنى عليها التفاوت بين الناس
ثم أن قال ﵀: (وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل).
وهذه حقيقة عظمى من حقائق الإيمان؛ ولهذا يجب أن نعلم جميعاً أن أعمال القلوب هي الأفضل وهي الأساس، وهي أصل كل الأعمال، أما أعمال الجوارح فقد يشترك فيها الناس، ومع ذلك فهم متفاوتون في أعمال القلوب.
ومن أوضح الأمثلة على ذلك: الصلاة.
حيث يقف الناس جميعاً خلف الإمام، ولكن بين هذا وهذا في الأجر والمنزلة والدرجة والثواب الشيء الكثير والبون الشاسع جداً؛ وذلك بأعمال القلوب، فأما أعمال الجوارح فقد يكونوا كرجل واحد في متابعة الإمام، لكن تجد هذا يصلي بخشوع وحضور قلب واطمئنان، وتأمل وتدبر، وتفكر في آيات الله ﵎ المقروءة، فهذا حاله غير حال ذلك الذي يصلي بلا حضور قلب وبلا خشوع واطمئنان، بل ربما كان أقل بكثير جداً.
وكذلك الحال في الجهاد، فليس الجهاد بكثرة الإبلاء في العدو، وكثرة القتل فيهم، ولكنه بالإخلاص وبصدق النية مع الله ، وإن كان حال المرء كما قال صلوات الله وسلامه عليه: (إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة) لا يبالي في أي موقع كان.
وكذلك الصدقة والنفقة، فليست العبرة بكثرتها ولا بمظهرها، ولكنها بحقيقة إيمان صحابها وصدق يقينه، وإخلاصه وتجرده عن الدنيا، وبذله ما أعطاه الله وجعله مستخلفاً فيه في سبيل الله، ولهذا قال صلوات الله وسلامه عليه: (سبق درهم ألف درهم) فدرهم يتصدق به الإنسان وهو صحيح شحيح يخشى الفقر ويرجو الغنى، وقد لا يكون لديه فضل مال غيره خير من ألف درهم، بل خير من آلاف الآلف إذا كانت تعطى من غير نية صادقة، خالصة لله، ومن غير هذه الصفات التي اجتمعت في الأول، والناس في ذلك متفاوتون على مراتب ودرجات.
فأعمال القلوب كما قال ﵀: (هذا قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره).
ثم قال: (وأيضاً: فإنه قد يعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره).
وهذا أمر آخر فالقضية إذاً ليست قضية ذنوب أو معاصٍ ارتكبت، أو حرمات انتهكت -هذه تقع- لكن وقوعها من شخص غير وقوعها من آخر.
وهذا أيضاً أمرٌ آخر، ومقامٌ آخر من المقامات التي نعرف بها اختلاف الناس في ذلك؛ فبعض الناس -كما أشرنا- ذنبه قد يكون سبباً لهدايته، ويكون حال التائب من هذا الذنب أفضل من حال ذلك المطيع المستقيم الذي قد يدل ويعجب بطاعته -هذه حالة-.
الحالة الأخرى: أن وقوع الذنب من هذا غير وقوعه من ذاك، وهذا كثيراً ما يغفل عنه بعض الناس، فإذا رأى أن أحداً من أئمة هذا الدين -قد يكون من أصحاب رسول الله ﷺ أو من دونهم- يقول: أليس من الصحابة من فعل كذا وكذا، فأنا أفعل مثله، ونسي هذا المسكين أن البحر العظيم المتلاطم من الحسنات مهما ألقي فيه من النجاسات لا تضره، وأما ذلك المسكين الذي ليس لديه إلا إناء صغير، فإن أقل قذارة أو نجاسة تنجسه كله، فقارن حاله بحال غيره في المعصية فقط.
قال بعض الصحابة: إن الربا نوع واحد، وبعضهم يقول: إن بعض العلماء أباح الغناء، واستماع الصوت مثلاً، وقال الآخر: إن بعض العلماء أجاز النبيذ أو شيئاً من ذلك، فهذه رخص العلماء التي هي مخالفة للدليل الثابت عن رسول الله ﷺ ، ولهذا قال العلماء: من تتبع رخص العلماء تزندق؛ لأنه يجمع الرخص من هنا ومن هنا فيخرج وقد أصبح زنديقاً والعياذ بالله.
فلو اتبع كل واحد من الناس ما ترخص فيه بعض الأكابر والفضلاء لما بقي له من الدين شيء، فكيف يقرن الضعيف المسكين -الذي لا فضل له ولا جهاد ولا سابقة- نفسه بعمل أولئك؟ بل حتى بين الأكابر والفضلاء أنفسهم يكون التفاوت بينهم، والعقوبة والمؤاخذة بحسب ودرجاتهم وفضلهم.
стр. 2677
ذكر قصص موسى وعفو الله عنه لعظيم إحسانه
هذا الكلام بنصه من قوله: (ولكن إلى: وغيره)، منقول من مدارج السالكين، الجزء الأول (صفحة ٣٢٨)، وعقب هذا الكلام يأتي شيخ الإسلام ابن القيم ﵀ بكلام لشيخه الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ ليدلل به على كلامه المذكور؛ فيقول: (وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: انظر إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه) يدلل على أن الذنب من هذا غير الذنب من ذاك، وهذا بين الأنبياء فكيف بمن كان صحابياً أو تابعياً، أو كان له عند الله تعالى منزلة، ويأتي من لا قيمة له فيجعل نفسه مثله، فالتفاوت بين هذا وهذا أعظم.
стр. 2678
من مواقف موسى ﵇
يقول: (انظر إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه، رمى الألواح التي فيها كلام الله الذي كتبه بيده فكسرها، وجر بلحية نبي مثله) وهو هارون، أخذ بلحية أخيه ولهذا قال: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي﴾ [طه:٩٤] ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾ [الأعراف:١٥٠]، (ولطم عين ملك الموت ففقأها) والحديث في الصحيح، لطم عين ملك الموت وقد جاءه بالحق، والله سبحان وتعالى إنما يبعثه ويرسله بالحق، ولا مناص ولا فكاك لأحد من الموت، ولكن نبي الله ﵎ موسى يلطمه، يقول: (وعاتب ربه ليلة الإسراء في محمد ﷺ ورفعه عليه).
كيف لو بدرت هذه الأعمال من أحد؟! لو أن أحداً ألقى كلام الله، والله إنما أوحى إلى موسى أنه سيكرمه ويصطفيه: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف:١٥٥] وذهب صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا محمد ﷺ إلى حيث أراد الله ، وصعد إلى الجبل، وكلمه الله ﵎، وأوحى إليه الكتاب الذي هو التوراة، التي جعلها الله فاصلاً ومعلماً عظيماً بين عهدين كبيرين من عهود التاريخ الإنساني.
هذان العهدان كما قال بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هما: العهد الأول: عهد إهلاك الأمم، وقد أهلكت الأمم، ولم يكن لله ﵎ كتاب باقٍ محفوظ، فقد أنزلت الصحف على إبراهيم ﵇ ولكنها لم تبق -كما تعلمون- وأما ما أنزله الله ﵎ على داود، وهو الزبور: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ [النساء:١٦٣] فإنما نزل بعد التوراة، لكن التوراة بنزولها: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى﴾ [القصص:٤٣]، أي: القرون التي قبل التوراة، أما من بعد أن أنزل الله ﵎ التوراة فإنه لم يهلك أمة بأكملها من الأرض، وهذه مرحلة عظيمة جداً لهذا الكتاب؛ ولهذا فإن فرعون أهلك قبل نزول التوراة؛ لأنه أهلك أثناء خروج موسى ﵇ وقومه من مصر، فلما أن عبروا البحر إلى الصحراء، ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨] وكانت القصة.
ثم كانت دعوتهم إلى دخول الأرض المقدسة، ثم قولهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ثم ضرب عليهم التيه أربعين سنة يتيهون في الأرض -عياذاً بالله-، وفي جبل الطور أوحى الله ﵎ إلى موسى صلوات الله وسلامه عليه، وألقى إليه هذه الألواح -هذا الكتاب العظيم: التوراة-.
ومع ذلك لما عاد إلى بني إسرائيل، لم يكن يعلم أن الله قد فتن قومه من بعده، فلما علم بذلك ألقى الألواح من شدة الغضب، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، ولا شيء في الدنيا أعظم وأفضل من تلك الألواح؛ لأنها كلام الله، وكتاب الله الذي أعطاه.
стр. 2679
محاجة آدم لموسى ﵉
ثبت في الصحيحين حديث محاجة ومخاصمة موسى وآدم ﵉، وأول الخصومة من موسى، -وهذا مما يؤخذ ضمن الشواهد هنا- أن موسى صلوات الله وسلامه عليه قال: (أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته؟ خيبتنا وأخرجتنا من الجنة -بهذه القوة يعاتب أباه-.
فأجابه آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته، وبكلامه، وخط لك التوراة بيده؟!) كل منهما يعرف قيمة الآخر، والكرام يعاتبون بما فيهم من خلال الخير، أنت يا فلان، أنت طالب العلم الذي كذا وكذا تفعل كذا، ويذكر ما يعلم من فضائله ومن محاسنه.
стр. 2680
رمي الألواح ومعاقبة هارون ﵇
لو أن أحد الآن ألقى المصحف على سبيل الإهانة له لكان كفراً بلا ريب، لكن أين هذا الفعل من فعل نبي الله ﵎ موسى، فعله موسى صلوات الله وسلامه عليه غضباً لله، ألقاها لأنه لم يعد يملك نفسه؛ ألقاها ليعاقب أخاه توهماً أنه هو السبب الذي أتاح لهم ذلك، لم لم تلحقني وتخبرني وتقول لي، وبين هارون ﵇ له عذره: ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه:٩٤] كل له اجتهاد.
الشاهد: أن ذلك وقع من نبي الله صلوات الله وسلامه عليه، وأيضاً فإنه جر لحية نبي مثله، جعله الله وزيراً ونصيراً ومعيناً، وأفصح منه لساناً، وقام معه في الدعوة، وعادة الكرام وطبعهم أن من صحبك وعاشرك وأعانك أنك لا تسيء إليه، لكنه صلوات الله وسلامه عليه من أفضل الكرام، وما خالف طبعهم، لكنه في الغضب لله هانت عنده هذه الأمور، نسي الألواح، ونسي قدر أخيه؛ غضباً لذات الله وجهاداً فيه.
وأما عين ملك الموت فإنما لطمها بناءً على هذا.
стр. 2681
موقف موسى مع فرعون ﵇
يقول الشيخ: (لأنه قام لله تلك المقامات العظيمة في مقابلة أعتى عدو له، وصدع بأمره، وعالج أمتي القبط وبني إسرائيل أشد المعالجة، فكانت هذه الأمور كالشعرة في البحر).
له مقامات ومواقف، من الذي استطاع أن يقف أمام فرعون الذي ادعى الألوهية فقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] وادعى الربوبية: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١] أعوذ بالله، لم يتجرأ أحد على التلفظ بمثل هذا، وبهذه القوة والعناد؛ ولهذا ما تحدث الله ﵎ عن عدو من أعدائه كما أخبر وقص علينا من خبر فرعون، نسأل الله العفو والعافية.
مع هذا الطغيان، فإن أمة القبط كانت خانعة وخاضعة له، وأما بنو إسرائيل فهم عبيد عند الأقباط، يستضعفونهم، ويستحيون نساءهم، ويذبحون ويقتلون أبناءهم، فليس لهم أي قيمة؛ فيأتي هذا الرجل -موسى ﵇ وهو وحده، إلا أن الله تعالى جعل معه أخاه هارون وزيراً، ويواجه هذا المجرم ويناظره ويجادله، ثم يبلغ به من قوة إيمانه ويقينه وتوكله على ربه، وثقته بما يوحي إليه أن يقول: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ [طه:٥٩] يطلب أن يكون في يوم العيد، وأن يجتمع الناس جميعاً، وأن يروا أأنا على الحق أم أنت يا فرعون؟! وهذه لا يصبر عليها ولا يطيقها إلا من كانت ثقته وقوة إيمانه بالله ويقينه قوياً، ثم تكون له الغلبة والنصر!
стр. 2682
موسى ﵇ مع أمته
قد عالج ﵇ ما عالج من أمر أولئك الأمة العتية الغضبية التي كتب الله عليها غضبه، وضرب عليها الخزي والذل أينما حلت وسارت، أمة بني إسرائيل العتاة، غلاظ الأكباد، عبدة الدرهم والدينار، هؤلاء الذين يرون آيات الله عياناً ثم ينكرونها، ويجحدون ويكابرون.
يعطيهم الله من النعم، كما أعطاهم المن والسلوى، وكما أنجاهم من آل فرعون بعدما كانوا يفعلون بهم ما يفعلون، وقبل ﵎ توبتهم لما عبدوا العجل، ولما نتق فوقهم الجبل وتابوا رفع العذاب عنهم، وطلبوا ما هو أردأ، استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ حتى بلغ بهم أنهم يقتلون الأنبياء بغير حق.
أي أمة أعتى وأشد في الكفر والجحود والعناد من هذه الأمة؟! كتاب الله بين أيديهم، حرفوه وبدلوه، وافتروا على الله ﵎ الكذب، ويكتبون الكتاب بأيدهم ويقولون هذا من عند الله وما هو من عند الله، يأكلون بهذا الكتاب ثمناً قليلاً، يأكلون السحت والربا، قالوا في مريم وعيسى بهتاناً عظيما، قالوا في محمد ﷺ إفكاً مبيناً.
ماذا تعدد من ذنوبهم؟! إن الذي عالج هذا وتعب منه أشد التعب والمعاناة هو نبي الله تعالى موسى؛ فقد أخبر الله عنه فقال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:٢١] أي: أن النصر مضمون، ادخلوا، ولكنهم ردوا عليه: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] أعوذ بالله أهذا يقوله مؤمن بالله ؟! كلما يأمرهم بأمر أو ينهاهم يبدلوه؛ حتى أنه لما قيل لهم: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة:٥٨]، قالوا: حنطة، استهزاء وسخرية، فهذه الأمة عالج منها صلوات الله وسلامه عليه ما عالج، وتعب، وبذل ما بذل، من أجل أن تهتدي للحق.
فصبره مع فرعون، ومع هذه الأمة، ويقينه بالله الذي ما فارقه، لما أمره الله ﵎ وبني إسرائيل أن يخرجوا؛ فخرجوا وأتبعهم فرعون بجنوده، فلما رأوا الماء أمامهم، قالوا: ما الحل؟ الآن العدو بجيشه وجبروته من وراء والبحر من أمام أين المفر؟ ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] أمة لا يقين لها في الله: ﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] هذا اليقين لا يأتي لكل إنسان، فكثير من القلوب تهتز وتضعف، وتتزلزل وتنهزم، وتبدأ تفكر كيف تنسحب وتستسلم وتعتذر، ولكنه قال: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] ثقة بالله .
وغيرها من المواقف العظيمة لهذا النبي صلوات الله وسلامه عليه تذكرنا بمواقف أفضل رسل الله ، وأكثرهم جهاداً في ذات الله محمد ﷺ من بعده.
стр. 2683
موسى ﵇ يعاتب ربه
وكذلك قوله ليلة الإسراء يعاتب ربه : أتبعث هذا الغلام من بعدي، وتجعل أمته أفضل من أمتي.
هذا شيء لا يقوله أحد إلا من كان لديه من القرب من الله ما يجعله يقول مثل هذا الكلام ويعاتب ربه ويقول مثلما قال.
يقول: (ومع ذلك فإن ربه ﵎ يحتمل له ذلك كله، ويحبه ويكرمه ويدلله).
هذه العبارة التي علق عليها الشيخ، وهي بيان أن هذا الإكرام له منزلة خاصة عنده، ولم يصف الله ، أو يجعل من أسماء الله اسماً زائداً، وإنما هو تعبير.
ويكفي أن نعلم أن الله يكرمه ويعطيه ما يريد، ويسارع في هواه، ولا يؤاخذه بهذه الأعمال رغم أنها مخالفة لما كان ينبغي أن يكون، كما وضحنا في حديث محاجته لأبيه آدم لما أن رآه وتقابلا.
الصحيح أنهما تقابلا ولكن أين؟ أولاً: هل نقول إن القصة هذه إخبار عما سيقع، أو نقول وقعت؟ الصحيح أنها وقعت؛ لأن ظاهر اللفظ أنهما تحاجا، فالمحاجة قد وقعت.
والأمر الآخر أنهما التقيا في دار البرزخ، وهذا ليس بغريب؛ فإن النبي ﷺ في معراجه قابلهما وسلم عليهما، وغيرهما من الأنبياء كيحيى وعيسى وإبراهيم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فهذا لا غرابة فيه، فلما حصل بينهما اللقاء عاتب موسى ﵇ أباه آدم ﵇.
يا موسى! ما مضى مضى، أكل أبوك آدم من الشجرة، وغفر الله ﵎ له وتاب عليه، ثم جئت من بعده، وأنت الآن في جنة البرزخ، أنت الآن فيها، فما وجه المحاجة والمخاصمة؟ محاجته ومخاصمته كانت في ذات الله ، هو في عالم الآخرة -أو البرزخ- كما هو في عالم الدنيا، لا يقبل المخالفة أبداً؛ ولهذا قال له: خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة، كيف يحصل هذا منك؟ مع أنه قد قضي؛ فكان الرد من الأب على الابن: (يا موسى! أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، وخط لك التوراة بيده، ألست تقرأ فيها أنه كتب علي أن يخرجني منها قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ يقول رسول الله ﷺ : فحج آدم موسى، فحج آدم موسى، فحج آدم موسى -ثلاثاً-) حجه: أي: غلبه بالحجة، وهي قوله: كتب الله علي أني أخرج منها قبل أن أدخلها بأربعين سنة، وهذه -والله أعلم- هي الواردة في قوله ﵎: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] هذه الأربعين سنة، بين خلقه له وبين نفخ الروح فيه.
نعم الإخراج من الجنة بسبب الذنب له حكمة عظيمة عند الله ؛ حتى يعرف بنو آدم خطر الذنوب والمعاصي وإن هانت أو قلَّت، وأن يعرف الإنسان عدوه الشيطان الرجيم فلا يطيعه أبداً، هذا عدوك الذي أخرجك من الجنة، وأخرج أبويك، ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦].
لا يقول الإنسان: هذه معصية صغيرة، وذنب بسيط، أحل الله له كل شجر الجنة إلا شجرة واحدة محرمة، فأكل منها طمعاً في الخلود وتغريراً من الشيطان، لاسيما إذا اقترن بذلك الإيمان المغلظة: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف:٢١].
وبعض الناس والعياذ بالله من أجل العافية، والراحة، وطول العمر، تجده يقول لك: هناك ولي -لا يقولون: كاهن- من السادة إذا ذهبت عنده أعطاك بعض الأعشاب فلا يصيبك سرطان ولا مرض وطوّل العمر، ويجعل الشايب يعود شباباً.
ما هي القضية وكيف يصنع؟! يكتب وحرزاً تحفظه، وحاجات تمحوها وتشربها.
هذا سببه حب الخلود، فهو شايب يريد أن يعود شباباً، ويتزوج امرأة شابة، فيقول: والله هذه فرصة، وما هذه إلا خدعة الشيطان اللعين، فأول الأمر يخدعك به، ثم تذهب إليه فتصدقه بما يقول، ثم تكون النتيجة: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) النتيجة: الكفر والعياذ بالله.
стр. 2684
قوة موسى ﵇ في الحق
أما موسى صلوات الله وسلامه عليه، فقوته في الحق حتى مع نفسه، وهكذا دائماً كل من كان قوياً في الحق وصادقاً، تجد أنه قوي وشجاع حتى مع نفسه، هكذا كان الأنبياء والرسل، والمجاهدون والصحابة والتابعون، ما كان أحد في هذه الأمة أشد هيبة من عمر رضي الله تعالى عنه، عمر إذا سلك فجاً؛ سلك الشيطان فجاً آخر، ومع ذلك ما كان يستنكف أن يقال له: أخطأت، ولا أن يتراجع عن خطأ أخطأه، وهذا من قوته وشجاعته، يتراجع ويستمع، ويقبل من يقول له ويوجهه.
ففي أي قصة من كتاب الله تظهر لنا قوة موسى صلوات الله وسلامه عليه حتى مع نفسه؟ ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ [الكهف:٧٦] سبحان الله! يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: (وددت أنه صبر حتى يطلعنا الله تعالى من أنبائهما) شيء عجيب، وقصص عجيبة جداً، لكن ما مرت إلا ثلاث فقط؛ لأنه لما وقعت الثانية حكم موسى صلوات الله وسلامه عليه على نفسه.
ماذا قال له في الأولى؟ ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً﴾ [الكهف:٧٢] فكانت الأولى نسياناً: ﴿قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ [الكهف:٧٣] وهكذا الكرام والمتأدبون وطلاب العلم.
وأما الثانية: ((قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا)) [الكهف:٧٥] فرأى أنه أخطأ ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ [الكهف:٧٦] أنت معذور معي، ولك الحق كل الحق أن تطردني وتفارقني إن تجرأت عليك مرة ثالثة.
لكن الثالثة جوع وتعب وإجهاد، ومسافة طويلة، فقد نسي الحوت ورجع من أجل أن يأخذه؛ فقد قطع المسافات، ذهاباً وإياباً، وأصابة الجوع والجهد، ثم يأتي إلى القرية اللئيمة فيقول: يا عباد الله! أطعمونا، فيأبون أن يضيفوهم، بل ينهرونهم.
فلما رأى موسى صلوات الله وسلامه عليه هذه الحالة قال الخضر: تعال نبني هذا الجدار، ورد في بعض الروايات في الصحيح أنه قال له: قم، فقام بإذن الله، لكن الذي يرجح الروايات الأخرى أنه بناه وتعب؛ لأنه قال: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف:٧٧] والأجر يكون على شيء بذلت فيه جهداً، فنرجح الروايات الأخرى.
فلما انتهيا من البناء ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف:٧٧] قليلاً من الدراهم غداء وعشاء، نملأ هذا الفراغ وهذا الجوع، فكان ترجياً ولم يكن اعتراضاً قوياً، ومع ذلك: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨].
انتهى الأمر، ما قال له موسى لا؛ لأنه قد قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف:٧٦] فكان قد حكم على نفسه، فقبل الحكم، فانظر القوة التي أعطاه الله ﵎ بالحق لذات الله ولوجه الله ، وليست انتصاراً لحظ النفس أبداً.
حتى لما قتل القبطي: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص:١٥] ما قتله لحظ نفسه، لكن استغاثه رجل من بني إسرائيل اجتمع عليه الأقباط.
فهذه قوته صلوات الله وسلامه عليه، قوة البدن والقلب واليقين، ومع هذه القوة كان له عند الله ﵎ من المنزلة والمكانة ما جعل إلقاء الألواح، وجر لحية أخيه، وعتابه لربه ليلة الإسراء والمعراج، وضربه ملك الموت، وعتابه لآدم، كل هذه لا تساوي شيئاً، ولم تكدر هذا البحر العظيم من المكارم والمناقب والفضائل والحسنات.
стр. 2685
موقف يونس بن متى ﵇ من قومه
قال: (وفي المقابل انظر إلى يونس بن متى صلوات الله وسلامه عليه حيث لم يكن له هذه المقامات التي لموسى، غاضب ربه مرة، فأخذه وسجنه في بطن الحوت، ولم يحتمل له ما احتمل لموسى).
كلاهما نبيان، لكن هذا دعا قومه إلى الحق فكذبوه؛ فذهب مغاضباً: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، أين الصبر والتحمل؟ أليس محقاً صلوات الله وسلامه عليه؟ بلى والله إنه لمحق، والله ما دعاهم إلا بما أوحى الله إليه، ولا دعاهم إلا إلى توحيد الله، ولا دعاهم إلا إلى طاعة الله، لكن لم تغضب وتذهب، اصبر وصابر ورابط وادع، ولو لم يستجيب لك إلا واحد.
لا تقل: لم يصغ لي، كيف أنذركم عذاب الله وتستهزئون بي، وتسخرون مني، إذاً: لا مقام لي بينكم، فذهب، وفي السفينة شهد على نفسه.
قال القبطان: إن هاهنا رجل ارتكب ذنباً، قال: أنا هو؛ فألقوه، كما الله تعالى في هذه الآية: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات:١٤٢] ثم ذهب يجوب به، حوت عجيب، وما كان يعلمه الناس من قبل من الحوت إلا من أطلعه الله ﵎ عليه، أما الآن حتى الكفار الذين لا يقرءون كلام الله يعجبون من عظم الحوت، وكبر خلقته، وحياته، ومن ثم يقول: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنبياء:٨٧] نعم.
بطن الحوت ظلمة، وظلمة الليل ظلمة، وظلمة البحر، فأعماق البحر ظلام مطبق؛ لأن شعاع الشمس لا يستطيع أن يخترق هذه المسافة الهائلة.
كم أبعد نقطة ما بين سطح الماء وقعر البحر؟ هذا من علم التفكر في ملكوت السماوات والأرض، يقولون إنها تصل إلى عشرة كيلو مترات، وكما ترون الآن في البحار أن الشمس لا يمكن أن يصل شعاعها إلى هذا الحد أبداً، وفي قعر البحر تعيش أنواع من الحيتان والأسماك، وبعضها لها شكل الفسفور الذي يضيء في ذلك الظلام مثلما تضيء الساعة.
وفي قعر تلك الظلمات تسمع الملائكة تسبيحاً، يا رب! صوت معروف في مكان غريب، والملائكة تعرف الصوت، لكن المكان غريب ما عهدناه، هل عهدنا أن إنساناً يسبح في ظلمات البحر؟ وهم لا يعلمون الغيب، كذب المخرفون، وكذب الصوفيون، وكذب المبطلون الذين يدعون أن أحداً غير الله يعلم الغيب، لا والله ما يعلمون، ولكن الله يطلعهم: هذا عبدي يونس ذهب مغاضباً فعاقبته بذلك.
ثم يكون ما كان لما أراد الله له أن يقذفه الحوت إلى البر، وأن ينبت عليه شجرة من يقطين، ويرسله إلى مائة ألف أو يزيدون، ثم كانت هذه الأمة -كما تعلمون- لها موقف تتميز به عن بقية الأمم، بالشر والغلظة والعتو والعناد والجحود، مع قوته صلوات الله وسلامه عليه، ونجد أن قوم يونس صلوات الله وسلامه عليه مع هذا الذي وقع فيه، ومع ضعف صبره، لم يكن من أولي العزم، ولا كموسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، نجد أن قومه بخلاف أولئك.
فإن قومه لما رأوا العذاب تضرعوا إلى الله، فأخذوا النساء والأطفال والدواب، وخرجوا في الصعدات، وأخذوا يبكون ويتضرعون ويستغيثون: يا رب! يارب! حتى ﵏ سبحانه، فكشف الله عنهم العذاب في الحياة الدنيا، وهذه آية عظيمة من آيات الله تدلنا على فضل اللجوء إلى الله، وقيمة الضراعة إليه ، وأنه إذا أهمك أمرٌ أو حزبك فالجأ إلى الله؛ لأن كل شيء بيده .
مهما بلغت الذنوب وكثرت فالجأ إلى الله ولا تخف؛ فإنه سينجيك، المهم أن تتوب ما دام للتوبة مجال.
стр. 2686
شفاعة الأعمال لصاحبها
يقول ابن القيم ﵀: (ففرق بين من إذا أتى بذنب واحد، ولم يكن له من الإحسان والمحاسن ما يشفع له، وبين من إذا أتى بذنب وجاءت محاسنه بكل شفيع، كما قيل في شعر العرب:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
) ثم ذكر بعد ذلك كيف أن الأعمال تشفع لصاحبها، وذكر كلاماً قيماً نفيساً جداً، من صفحة (٣٢٩) في حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله، ولولا أن المقام لا يتسع، والكلام في التوبة طويل وطويل لذكرناه لنفاسته ولأهميته.
стр. 2687
حديث البطاقة (لا إله إلا الله)
قال: (وتأمل حديث البطاقة الذي توضع في كفه، ويقابلها تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل منها مد البصر).
لا إله إلا الله! كل سجل منها مد البصر! فيه ذنوب، وموبقات، ومعاصٍ، وغفلة، وإعراض، وغيبة، ونميمة، وقطيعة، وشتيمة، وكله ذنوب؛ فتوضع البطاقة فتثقل هذه البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله تعالى شيء، تثقل البطاقة لأن فيها اسم الله، وتطيش السجلات وكأن شيئاً لم يكن.
يقول: (ومعلوم أن كل موحد له مثل هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه).
قال: (ولكن السر الذي ثقل بطاقة ذلك الرجل، وطاشت لأجله السجلات لما لم يحصل لغيره من أرباب البطاقات انفردت بطاقته بالثقل والرزانة).
أي: لا يقول الواحد منا والله هذا حديث عظيم، كلمة لا إله إلا لله ثقلت وطاشت السجلات، إذاً: نفعل ما نشاء وعندنا لا إله إلا الله، فنقول: القضية ليست قضية بطاقة فقط، هناك حقائق وأعمال للقلب، من الذي يستطيع أن يدعي أنه مع هذه السجلات لديه من أعمال القلب واليقين ما يجعل البطاقة ترجح؟ ولهذا فهذه الحالات لشذوذها وخروجها عن القاعدة ذكرها النبي ﷺ ، فلو كانت على القاعدة ما ذكرها فالذي على القاعدة لا يحتاج أن يذكر ويفرد بالذكر، كأن يقال إن رجلاً جاء، ورجحت حسناته على سيئاته فأدخل الجنة، لا يأتي حديث مثل هذا، فهذا معروف وقاعدة معلومة عند الناس، لكن هذا الرجل ذكر لغرابة حاله.
إذاً: لا يأخذ من هذا الحديث أحد قدوة إلا في أمر واحد، وهو تحقيق التوحيد؛ لأن تحقيق معنى لا إله إلا الله هو الذي جعل الأمر هكذا.
ثم قال: (وإذا أردت زيادة الإيضاح لهذا المعنى؛ فانظر إلى ذكر من قلبه مملوء بمحبتك، وذكر من هو معرض عنك غافل ساهٍ، مشغول بغيرك، قد انجذبت دواعي قبله إلى محبة غيرك، وإيثاره عليك، هل يكون ذكرهما واحداً؟) سبحان الله! الله تعالى يقول في الحديث القدسي: (وإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم).
أنت -ولله المثل الأعلى-ليس حال الذي يذكرك وتذكره مثل غيره، فالحالان مختلفان بسبب ما قام في القلب.
стр. 2688
حال قاتل المئة نفس
قال: (وتأمل ما قام بقلب قاتل المائة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن السير إلى القرية، وحملته على أن ينوء بصدره، ويعالج سكرات الموت).
انظروا كيف أن التائب له عند الله تعالى منزلة عظيمة، وأن الله يجب أن نتوب إليه كما أمر فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور:٣١] وأنه يجب أن نحث الناس جميعاً على التوبة، فهذه منزلة عظيمة مهما كانت الذنوب، وهو يعالج سكرات الموت يخاف أن يموت وهو في القرية الفاجرة، فينوء بصدره ويتحرك لكي يزحف ولو قليلاً؛ ليقرب من أرض التوبة والخير.
فيا من أعطاك الله تعالى المهلة والعافية، والعلم والفراغ والوقت! ألا تتوب إلى الله ، وإذا كان هذا يعالج التوبة وهو في هذه الحالة، أفلا نتوب نحن؟! جعلنا الله من التائبين الصادقين.
стр. 2689
قصة البغي مع الكلب
(وقريبٌ من هذا ما قام بقلب البغي التي رأت ذلك الكلب، وقد اشتد به العطش يأكل الثرى).
القلوب لها مفاتيح، وسبحان الحي القيوم الذي خلقها هكذا، بعض القلوب لا تأتي من باب الصلاة ولا الصوم، تأتي من باب الشفقة والرحمة، مهمل في صلاته وطاعة ربه، لكن لو قلت له: هناك فقير انكسر خاطره، وسعى إلى جبره، وهذا باب من أبواب الخير يُفتح له.
إذاً: أنت أيها الداعية! ادخله من هذا الباب؛ حتى يدخل إلى المسجد وإلى الصلاة والصيام والحج، والأساس هذا الباب، لا يوجد مانع، المهم أنك تعرف مفتاح القلب من أين.
ولهذا من غفلة بعض الدعاة -وليس هذا من منهج النبي ﷺ ولا صحابته أبداً- أن له موقفاً واحداً، كلما جاءك واحد قال له: أنت ليس فيك خير، صل واتق الله.
فلو كانت الدعوة هكذا لكانت سهلة، نحفظها أي واحد، أو نسجلها في شريط ويقولها لكل شخص، لكن الدعوة ليست هكذا، عليك أن تعرف أساليب الدعوة إلى الله، فهذا رجل نأتيه من جانب العرض والغيرة.
رجل غيور يقاتل حتى لا يرى أحد امرأته أو أخته، لكنه في الصلاة والعبادة مضيع، فتدخل إليه من باب الغيرة، فقل له: يا فلان! أنت ما شاء الله غيور، هذه الغيرة يا أخي من الإيمان، ولهذا ما رأيك أن تخرج من بيتك هذا المنكر؟ وهكذا تتدرج معه حتى يوفق الله بهداه.
وهناك أناس تأتي إليهم من باب الإنفاق، وأناس من باب الشجاعة، فتقول له: أنت لا تقدر أن تقول كلمة الحق، هل أنت خائف؟ قل لفلان، وأنكر عليه، والله ما قدر أحد أن يكلمه، فاذهب أنت وكلمه.
فيقول: أنا أقدر أكلمه من يكون وماذا يكون؟! فيذهب يكلمه، فهذا تدخل عليه من باب الشجاعة؛ فكيتب الله الأجر، وهكذا وهذا ما فعله حمزة بن عبد المطلب ﵁ وأمثاله، فالداعية الحكيم ينظر إلى أحوال الناس، فلكل قلب مفتاح، أما الخطاب العام فلا ينفع في ذلك.
فهذه بغي، وهناك فرق بين امرأة زنت وبين امرأة بغي، فمعنى بغي أنها محترفة وممتهنة لهذه الحرفة الدنيئة الدنسة التي تترفع عنها الحيوانات.
وأشنع من ذلك فعل قوم لوط، لا يفعله الحيوان، فضلاً عن أنك تجد حيواناً يحترف ذلك، إلا الإنسان إذا انحط وسفل عن دين الله، وكرامة الله التي أكرمه بها، وهي التمسك بالتقوى وبالطاعة.
هذه البغي رأت كلباً اشتد به العطش حتى أصبح يأكل الثرى، فقام بقلبها وازع الرحمة، مع عدم الآلة -فلم يكن عندها دلو- وعدم المعين -ليس عندها أحد يعينها- وعدم من ترائيه بعملها.
وهذا ليس ولد فلان، بل هذا كلب لا يفهم ولا يمكن أن تمن عليه، فهذه صفات مبررات للقبول بإذن الله: ليس لها معين، ولا عندها آلة، ولا يوجد من ترائي أمامه أوتمن عليه، بل هو كلب لو مات لا أحد يسأل عنه، ولا يعبأ به.
فحملها وازع الرحمة في قلبها على أن غررت بنفسها في نزول البئر، فلو انفك الخيط أو الشجرة التي تمسك بجذعها، أو وضعت قدمها على حجر ضعيف، فإنها ستموت، فيقولون: ماتت من أجل الكلب، لكن حقائق الإيمان إذا قامت في القلوب لا تبالي، وهذا هو المعنى الحقيقي لقول المتنبي:
وإذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام
النفوس الكبيرة هي التي عرفت قيمة الجنة، وأن سلعة الله غالية، وأنها لا تشترى بالضعف والمهانة والاستكانة، وإنما تشترى بقول الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالقيام مقام الأنبياء، هكذا فليكن من أراد طريق الجنة.
فنزلت البغي وملأت الماء في خفها، ولم تعبأ بتعرضها للتلف، وحملها لخفها بفيها، والواحد منا لا يضع خفه أو شرابه في فمه، لكن كل هذه المعاني ذهبت؛ لأن أمامها هدف؛ لما قام في قلبها داعي الخشية والرحمة والشفقة نسيت كل هذه الاعتبارات، فحملت خفها بفيها حتى أمكنها الرقي من البئر، ثم تواضعها لهذا المخلوق الذي جرت عادة الناس بضربه، فأمسكت له الخف بيدها حتى شرب، من غير أن ترجو منه جزاءً ولا شكراً، فأحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء؛ فغفر لها.
فانظر حالها وحال الأخرى التي رآها النبي صلوات الله وسلامه عليه في قصة كسوف الشمس، وأخبرهم صلوات الله وسلامه عليه: أنه رأى الجنة ورأى النار، ورأى في النار امرأة تعذب في هرة، لا هي أطعمتها ولا هي أطلقتها؛ حتى تأكل من خشاش الأرض هذه في النار تعذب، وهذه مع البغاء والزنا، وامتهان هذه الحرفة الخبيثة غفر لها.
إذاً: القضية ليست مجرد أن هذا أذنب أو هذا لم يذنب، كل ابن آدم خطّاء، ولكن يجب عليك أيها العبد الصالح دائماً إذا أخطأت أو أذنبت أن تستحضر التوبة والندم، والانكسار والحياء من الله ، ومراقبة الله حتى تعلم أن هذا الفعل بسبب أن الله أو كلك إلى نفسك، فإذا قامت هذه الحقائق بقلبك؛ فإن هذا الذنب يكون بداية خير كثير.
стр. 2690
أهمية التوبة
ويقول رحمه الله تعالى في صفحة (١٨١) في مسألة: لماذا التوبة وضرورة التوبة، ولماذا يكون المصر على الصغيرة أخطر وأكبر من التائب المقلع عن الكبيرة؛ لأن حالة الإصرار لا تخلو من أمرين، يقول: (الإصرار على المعصية معصية أخرى، والقعود عن تدارك الفارق من المعصية إصرار ورضاً بها وطمأنينة إليها، وذلك علامة الهلاك، وأشد من هذا كله المجاهرة بالذنب).
منهم من يذهب -والعياذ بالله- يزني ويعربد ويفجر في مكان ستره الله عليه، فيكتب ذلك في جريدة، دخلنا مرقص وملهى وفعلنا، فيقرؤه الملايين، أو يتحدث به في التلفاز والإذاعة، فسبحان الله! كيف يبلغ الشيطان من التلاعب بعقول بني آدم وإضلالهم؟ كيف يستره الله ويفضح نفسه؟! فيقول: لماذا المجاهرة بالذنب مع تيقن نظر الله ﵎ من فوق عرشه إليك أيها المذنب، هذا إن آمن بنظره إليه، وأقدم على المجاهرة فعظيم، وإن لم يؤمن بنظره إليه واطلاعه عليه فكفر.
فالمذنب المجاهر المصر بين حالين، ليس هناك حال ثالث: إما اعتقاد أن الله مطلع عليه ويراه وهو يعمل هذه الذنوب ومع ذلك يعملها، فهذا عظيم، ووالله أن العاقل لا يفعله فإن الإنسان تستحي أن يرى فلا تريد أن يراك أحد على شيء يكرهه، فكيف بالله ﵎؟! وأشد من ذلك إن كان يظن أنه لا يطلع عليه ولا يراه، ولا يعلم ماذا يصنع، فهذا كفر، والكلام فيه مفروغ منه؛ لأنه مرتد.
فيقول: فهو دائرٌ بين الأمرين: بين قلة الحياء -في حالة إيمانه بأن الله يراه وينظر إليه- وبين الكفر والانسلاخ من الدين؛ فلذلك يشترط في صحة التوبة تيقنه أن الله كان ناظراً إليه، ولا يزال مطلعاً عليه يراه جهرة عند مواقعة الذنب، وهذا من جملة ما يشترط للتوبة.
وأكثر الشباب هداهم الله تعالى ووفقهم، بل أكثر الناس الذين أخطئوا الطريق، إنما جاءتهم التوبة لما استشعروا هذا الاستشعار، يفكر الواحد ويقول: كان الله ﵎ مطلعاً علي ويسمعني، ثم يحلم علي ويمهلني، كما قرأنا في قصة تلك المرأة التي عبرت ذلك التعبير العادي جداً، لكن فيه عبرة عظيمة، هذه الأقدام التي مشت يعلم الله أين مشت، سبحان الله! ذهبت اللذات وبقيت التبعات، تذكرت أين اللذات، سهرة مشاهدة فيلم فاسق أو مجلة خلوة بأجنبية معاكسة في التلفون، والله كلها إن كانت ملذات -وهي لا يستلذ بها إلا القلب المريض- ذهبت.
اسأل أي شخص تمتع ما تمتع، تجد المتعة قد ذهبت، إلا إذا كان مثل ذلك الفاسد صاحب (الهربز) الذي جاءوا به في كتاب: ولا تقربوا الزنا قال له الطبيب: ما هو شعورك الآن وأنت تودع الحياة الجنسية والشهوة؟ فقال: خمس عشرة سنة وأنا أخذ حظي من هذا، يكفيني ذلك، الله أكبر! هذا حظه من الدنيا والآخرة، لكن المؤمنون يتمنون الجنة، ويريدون الحور العين والنعيم، وأنت ما عندك إلا هذه الخمس عشرة سنة وقد ذهبت وانقضت.
أيها الإخوة! يوجد من شبابنا -مع الأسف- من يتمنى أن يعيش عيشة هؤلاء، فهل هذا يرجو الله واليوم الآخر؟! لا.
بل حظه في الدنيا، قال: أنا اكتفيت، خمس عشرة سنة كان يزني وانتهى الأمر، فهذا حظه.
ذهبت الملذات وبقيت التبعات، سبحانك يا رب! أما لك عقوبة إلا النار؟! والله لو تفكر الإنسان في هذا الكلام لكفى وشفى.
قد علم أنه يعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره.
стр. 2691
أسباب سقوط العقوبات
قال: (فإن فاعل السيئات يسقط عنه عقوبة جنهم بنحو عشرة أسباب عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة: السبب الأول: التوبة، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ﴾ [مريم:٦٠] وقال: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا﴾ [البقرة:١٦٠] وغيرها، والتوبة النصوح: هي التوبة الخالصة التي لا يختص بها ذنب دون ذنب، لكن هل تتوقف صحتها على أن تكون عامة، بحيث لو تاب من ذنب وأصر على آخر قبلت توبته؟ الصحيح أنها تقبل.
وهل يجب الإسلام ما قبله من الشرك وغيره من الذنوب وإن لم يتب منها، أم لابد مع الإسلام من التوبة من غير الشرك؟ حتى لو أسلم وهو مصر على الزنا وشرب الخمر، فهل يؤاخذ بما قد عمله في كفره من الزنا وشرب الخمر، أما لابد أن يتوب من ذلك الذنب مع إسلامه، أو يتوب توبة عامة من كل ذنب؟ الأصح، أنه لابد من التوبة مع الإسلام.
وكون التوبة سبباً لغفران الذنوب وعدم المؤاخذة بها، مما لا خلاف فيه بين الأمة، وليس هناك شيء يكون سبباً لغفران جميع الذنوب إلا التوبة، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] وهذا لمن تاب؛ ولهذا قال: (لا تَقْنَطُوا) وقال بعدها: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٤].
فانظر إلى هذا الإله الكريم، الحليم الغفور الودود ، كيف جعل هذه الأسباب لإسقاط العقوبة، هل من كرم أعظم من هذا الكرم؟! وجود أعظم من هذا الجود؟! وعفو وصفح وحلم وتجاوز مثل هذا؟! يجعل هذه العشرة الأسباب تسقط العقوبة في حال الذنب، أي: أن هذه ليست لمن لم يذنب، هذه لمن أذنب وأسرف على نفسه، ووقع فيما حرم الله، ولم يقف عند حدود الله، جعلت لك هذه الوسائل والطرائق المختلفة فخذ منها ما شئت، وتمثلها وحققها؛ فيكفر الله ﵎ عنك، ويعفو ويغفر لك، ولا تعاقب، وتكون ممن زحزح عن النار، وتدخل الجنة بإذن الله ﵎.
هذه رحمة من الله الذي كتبه في كتابٍ فهو عنده فوق العرش: (أن رحمتي سبقت غضبي) وهذه عرفت من الاستقراء من الكتاب والسنة، والشيخ رحمه الله تعالى نقل هذه العشرة الأسباب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وذكرها في كتاب الإيمان، والطبعات تختلف، كتاب الإيمان -بالمناسبة- موجود في مجموع الفتاوى في الجزء السابع، ولشيخ الإسلام ابن تيمية ثلاثة كتب في الإيمان: الإيمان الكبير، وهو المطبوع وحده باسم: الإيمان، والثاني: الإيمان الأوسط، والثالث الإيمان الصغير، فكل بحسبه، وتجد في الصغير والأوسط من الفوائد ما قد لا تكون في الكبير على سعته، فكلها فوائد ودررٌ عظيمة، ﵀ رحمة واسعة.
من هذه الكتب الثلاثة يتكون عندنا الجزء السابع من مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والمحقق هنا ذكر أن الجزء السابع من صفحة (٤٨٧) إلى (٥٠١) ذكر فيه الأسباب التي بها تسقط العقوبات عن المذنب والمجرم.
أولها: التوبة: وبدأ بالتوبة لأمور، ولأن هذه التوبة شأنها عظيم جداً، ولهذا أطال فيها ابن القيم ﵀ بما لم يطل في غيرها من المنازل.
أولاً: لأنها تكفر الذنوب، فأي ذنب تبت منه كفرته التوبة وإن كان الشرك، وقد قال الله تعالى في حق المشركين: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥].
فلو كان الذنب كائناً ما كان فإن التوبة تكفره، هذا الأمر الآخر وهو مهم جداً، وقد أشار إليه الشيخ هنا مما يجعل التوبة تقدم، فالمراد ليس قيمة التوبة في ذاتها بقدر ما هو بسبب ما وقع بين الناس من الاختلاف في حكم مرتكب الذنوب، ولكن رغم هذا الاختلاف نجد أن التائب تقبل توبته عند الرافضة والخوارج والمعتزلة -كل الفرق- أي إنسان يتصور أن هذا ذنب حتى لو كان مخطئاً تجده يقبل أنك تتوب منه.
إذاً: فالأمة متفقة عليها، ونحن نقول: إن الزنا كبيرة، وشرب الخمر كبيرة، وتقول الخوارج: إنه كفر، وكذلك المعتزلة، لكن نتفق معهم أنه إذا تاب تاب الله عليه، والفرق أننا نقول: تاب من ذنب، وهم يقولون: تاب من كفر، لكن التوبة تقبل.
إذاً: من ترك هذا الذنب اتفقنا نحن وهم على أنه مؤمن مسلم تائب مقبول لا يؤاخذ، بغض النظر أننا اختلفنا في تصنيف أو في نوعية الذنب وهكذا.
إذاً: هذا مما يعطي التوبة أهمية خاصة، وهي مجمع عليها.
يقول: السبب الثاني: الاستغفار، والثالث: الحسنات، والرابع: المصائب، والخامس: عذاب القبر، والسادس: دعاء المؤمنين إلى آخر العشرة، كلها تغني عنها التوبة، وكلها مع عدم التوبة لا تغني، إلا الاستغفار لعلاقة التوبة به، وسنذكر إن شاء الله العلاقة بينهما.
إذاً: الأساس هو التوبة؛ ولأن تبديل السيئات إلى حسنات إنما يكون بالتوبة؛ فإن لم تكن توبة فالأمر لا يعدو أن يكون محواً ومجاوزة.
إذاً: فرق بين محو ومسامحة وتجاوز، وبين أن تبدل، وهل على الكريم من لوم؟ والله أكرم كريم، والدليل على التبديل ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] الدواوين الكبرى، والسجلات العظمى في جانب الشر والفجور والطغيان والشرك وغيرها من الذنوب التي نبه عليها بالشرك وقتل النفس والزنا، حيث أن هذه الثلاثة هي أصل جميع الذنوب في الدنيا.
نستطرد في هذا المعنى فنقول: تكون أصل جميع الذنوب، أي: أن ذكر هذه الثلاثة يغني عن ذكر جميع الذنوب، نبه بالشرك وهو أعظم الذنوب وهو حق الله، وليس بعده ذنب، والقتل؛ لأن القتل يكون في أشد ما تكون القوة الغضبية عند البشر، أما الزنا فهو أصل الذنوب المتولدة عن القوة الشهوانية.
فهذه الثلاث من الكبائر تكفيك: أعظم الذنوب جميعاً، وأشد ذنب بالقوة الغضبية، وأشد ذنب بالقوة الشهوانية، هذه لو فعل العبد ما فعل ثم تاب: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠].
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يبدل سيئاتنا حسنات، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2692
الشرك قديماً وحديثاً [١]
الله منذ أن خلق الخليقة، وبث عباده في المعمورة، وهو يحذرهم من طاعة عدوهم الشيطان، الذي ما برح يدعوهم إلى الوقوع في الشرك، ويزين لهم طرقه على كثرتها، فإن أبواب الشرك كثيرة، وأسباب الوقوع فيه عديدة.
والشيخ في هذه المادة يبين أنواع الشرك التي وقع ويقع فيها الإنسان، سواء شعر بذلك أو لم يشعر، وبين ما يترتب على كل من هذه الأنواع من الجزاء، مع الإشارة إلى الحقيقة الخطيرة التي ينبغي على كل إنسان التنبه إليها؛ ألا وهي أن الله قد يتجاوز لعباده عن كل عمل ومعصية دون الشرك.
стр. 2693
الشرك وخطره
إن الحمد لله؛ نحمده ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.
وبعد: كنا بفضل الله ﵎ ومنه وكرمه قد تعرضنا في الأسبوع الماضي إلى موضوع الرجاء، وإلى نقد ما قيل فيه من أنه أضعف المنازل، وعلى هذا الأساس كان المفروض أن يكون موضوعنا في هذا اليوم هو نماذج من حياة السلف الصالح ممن غلب عليهم جانب الرجاء أو عرفوا به؛ لنعرف الفرق بين رجائهم ورجاء غيرهم عملياً الفرق بين الرجاء الإيماني الشرعي، وبين مجرد الغرور والأماني والكسل وترك الطاعة، هذا شيء وذاك شيء آخر.
وهذا الكتاب كما تلاحظون هو مجموع ومنقول من عدة كتب، وفيه إضافات من المؤلف رحمه الله تعالى، فلذلك يحتاج إلى شيء من الترتيب، وشيء من تجميع كل القضايا أو الجزئيات المتعلقة بموضوع واحد في مكان واحد.
فموضوع الرجاء مثلاً تكلم عنه الشيخ هنا، ثم دخل في بيان الأسباب التي تسقط العقوبة، ولها علاقة بالرجاء لا شك، لكن بعد ذلك أتبعه بفقره أخرى وهي قوله: (والأمن والإياس ينقلان عن ملة الإسلام) ثم عاد فذكر الخوف والرجاء، والمحبة، وذكر كلام الهروي الذي نقدناه في درس متقدم.
فلذلك يحسن أن نؤخر أيضاً بقية الحديث في الرجاء إلى حيث أخره المؤلف في الفقرة القادمة إن شاء الله.
وهاهنا اليوم موضوع عظيم جداً، بل هو أعظم أبواب العقيدة كلها، وهو يستحق الحديث عنه لذاته دون أن يكون تابعاً لأي موضوع آخر، بل كل موضوع في العقيدة هو تابع له، وهو معرفة الشرك وخطره وضرره، وفي المقابل معرفة التوحيد الذي هو حق الله ﵎ على العبيد.
стр. 2694
التوحيد دعوة الرسل جميعاً
فالتوحيد أعظم ما دعا إليه الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وكل نبي بعثه الله ﵎ وقص علينا ما جرى بينه وبين قومه نجد أن أول وأعظم ما يدعو قومه إليه هو قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فقد دعا إليه نوح وهود وصالح وشعيب، وكذلك دعا موسى صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا، وكذلك دعا عيسى ﵇: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [مريم:٣٦] حتى جاء داعية التوحيد الأعظم محمد ﷺ فجاهد الناس جهاداً عظيماً على التوحيد، وعلى ترك الشرك، ونبذ عبادة ما سوى الله ﵎، ونبذ اتخاذ الأنداد من دون الله أو مع الله .
стр. 2695
الشرك محبط لجميع الأعمال ومخلد في النار
والشيخ هنا إنما ذكر الشرك ليبين من الذي لا يرجو رحمة الله، فالذي لا يرجو رحمة الله هو المشرك، أما من عداه فإنه وإن كان من أهل الكبائر فإن له أملاً ورجاءً في رحمة الله، ولا يجوز أن يقطع هذا الأمل، أما الذين لا أمل لهم فهم الذين قال الله ﵎ فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ﴾ [هود:١٦] فهم المشركون، لماذا؟ لأن أعمالهم لا تقبل جميعاً، كما قال ﵎: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور:٣٩] ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم:١٨] فلا تقبل أعمالهم لأن الشرك هو أقبح القبائح، وأعظم الذنوب، وأكبر الجرائم، وأكبر الكبائر، فهو الذي يحبط الأعمال كلها، ولا يقبل معه أي عمل من الأعمال كائناً ما كان، وإن كانت صلاةً أو صياماً، أو صدقةً، أو دعوةً، أو جهاداً، أو أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر، مهما بلغ جهد من يجتهد، مهما كانت عبادته، مهما توسل إلى الله ﵎ بأي نوع من أنواع القربات وهو مشرك فلا يقبل الله ﵎ منه صرفاً ولا عدلاً.
والشيخ رحمه الله تعالى يقول هنا: وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ذكر أن المشرك لا ترجى له المغفرة؛ لأن الله نفى عنه المغفرة، فلا ترجى له ولا يرجوها لنفسه، ولا يرجوها أحد له مهما كانت قرابته أو صلته، فإن أقرب قريب لأعظم رسول وحبيب هو أبو الرسول ﷺ ، ومع ذلك هل نفعه ذلك، هل نفعته قرابته، هل يشفع له النبي ﷺ أن لا يدخل النار؟ لا.
في صحيح مسلم أن رجلاً سأله عن أبيه، وفيه قال: (أبي وأبوك في النار) وليس لأحد عليك من حق أعظم من والديك، وليس أحد له قيمة عند الله ووجاهة أعظم من رسول الله ﷺ أبداً، فلو أن أحداً ينفع أباه لنفع النبي ﷺ أباه، وإنما شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب أن يخفف عنه، لا أن يمنع من دخول النار أو أن يدخل الجنة، لا يدخلها أبداً ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:٧٢].
أيها الإخوة الكرام: هذا الشرك بابه عظيم، وشأنه جلل، وهو خطير، ولابد من معرفته والحذر منه، والتنبه له كبيره وصغيره، دقيقه وجليله.
ومن أوفى ما كتب في هذا الموضوع عن الشرك -وقد أحببت أن أقرأه لكم، ونستفيد منه جميعاً ونرجع إليه- هو كتاب: الجواب الكافي لـ ابن القيم ﵀، الذي له عنوان آخر هو: الداء والدواء، والكتاب في الأصل هو عبارة عن جواب لسؤال عن كبيرة، عن سبب الذنوب التي تأتي من قبل الشهوة؛ لأن الذنوب إما أن تأتي من قبل الشهوة أو من قبل الشبهة، والذنوب الشهوانية مرجعها إلى مرض القلب، وأعظم مرض يصيب القلب من جهة الشهوة مرض العشق، فناسب أن يستطرد ﵀ في الكلام عن الذنوب وخطرها وضررها، فتوسع في ذلك، ثم استطرد في بيان الذنوب التي لا يرجى معها خير أبداً وهو الشرك، أي: عند حديثه عن آثار الذنوب وخطرها وضررها ناسب أن يذكر أعظم الذنوب وأخطرها، وأشدها ضرراً على الإنسان في دينه ودنياه؛ لأنه إذا كانت الفواحش دون الشرك بتلك المنزلة من الخطر، إذا كان عقوق الوالدين إذا كانت الغيبة إذا كانت النميمة إذا كانت السرقة إذا كان الزنا إذا كان ظلم الناس، كل هذه الكبائر والموبقات توعد الله ﵎ عليها من الوعيد ما توعد، فما بالكم بالذنب الأعظم الذي ترجع إليه هذه الذنوب جميعاً، والذي لا ينفع معه عمل صالح؟!!
стр. 2696
التوحيد هو غاية خلق الجن والإنس
يقول الشيخ رحمه الله تعالى: (إن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السماوات والأرض؛ ليعرف ويعبد ويوحد، ويكون الدين كله له، والطاعة كلها له) قاعدة عظيمة، يعرف ويعبد ويوحد، ويكون الدين كله له، والطاعة كلها له، هذا الذي من أجله خلق الله ﵎ الثقلين، وأنزل كتبه وأرسل رسله، والذي كثير من المسلمين يتكلمون في كل شيء إلا فيه، قد يتكلمون في الرقائق والفضائل، في النوافل في الأخلاق في المعاملات، ولا يتكلمون على هذا الذي هو الأساس والأصل.
стр. 2697
عبادة الله
ثم قال: (الدين كله له والطاعة كلها له، والدعوة له وإليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الحجر:٨٥] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢] لاحظ التعليل: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢] إذاً: المقصود أن يعلم الناس صفات رب العالمين، وأن يعرفوه.
стр. 2698
معرفة صفات الله رب العالمين
وأعداء التوحيد يتهاونون في الأسماء والصفات، ولا يريدون أن يعرِّفوا الناس بالله ، ولا أن يحببوا رب العالمين إلى العبيد، ولكن أهل السنة والجماعة من عقيدتهم أن أعظم شيء في هذا الدين أن يعرف الناس رب العالمين ويوحدوه، والاستدلال على ذلك جلي في كتاب الله، فأعظم سورة في كتاب الله هي الفاتحة، وهي تعريف بالله كما بينا فيما مضى، وأعظم آية في كتاب الله آية الكرسي، وهي أيضاً تعريف بالله وصفاته .
وكما قال في المائدة: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٩٧] فالذي لا يعلم ذلك لا خير فيه ولا في عبادته، فإنما شرعت هذه الشرائع، وفرضت هذه الفرائض ليعرف الله ﵎، ويعبد وحده لا شريك له.
قال: فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر في قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] يعني: القصد والغرض من خلق العباد، ومن أمرهم ونهيهم؛ أن يعرف بأسمائه وصفاته، وأن يعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط -وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض- ويتركوا الظلم.
стр. 2699
أعظم العدل هو التوحيد
قال: ومن أعظم القسط التوحيد، وهو رأس العدل وقوامه، والشرك هو أعظم الظلم، كما في قول العبد الصالح لقمان الحكيم: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] فأعظم أنواع الظلم هو الشرك، كما أن أعظم أنواع الأمر بالمعروف هو الأمر بالتوحيد، فقول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١] أعظم ما يؤمر به هو توحيد الله ، وأعظم منكر يجب أن ينهى عنه هو الشرك بالله .
فأعظم عدل ذكَّرنا الله تعالى وأمرنا به ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠] هو توحيد الله .
ثم بعد ذلك العدل فيما ولي الإنسان، حتى في بيته، وكل إنسان له ولاية بقدر حاله كما قال ﷺ : (كلكم راع، وكل راعٍ مسئول عن رعيته) ولهذا كان المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين؛ لأنهم يعدلون في أهليهم وما وُلوا.
قال: (فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل، فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر)، أي: ما كان فيه منافاة لما خلق الله من أجله الناس ولما أمرهم به، فهو أكبر الكبائر، وإنما تتفاوت الكبائر بحسب قربها من الشرك؛ فكل معصية تمس جانب العقيدة فبقدر ما يكون فيها من الإخلال بجانب العقيدة تكون أكبر.
وعلي فأيهما أعظم: الذنوب التي يفعلها العبد ويرتكبها من جهة الشهوة، أم التي يرتكبها من جهة الشبهة والبدعة؟ الشبهة والبدعة! لأن البدع والشبهات أقرب إلى الشرك، فمن هنا كانت أخطر من الذنوب التي لا يقترن بها شبهة ولا بدعة.
على أن البدع درجات، كما أن الذنوب الشهوانية العملية درجات أيضاً كما سبق ذلك.
стр. 2700
حقوق الإنسان والأساطير الكاذبة
يقول: (فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر به وبتفاصيله، تعرف به أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده وحرمه عليهم، وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي، فلما كان الشرك بالله منافياً بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك أياً كان، وأباح دمه وماله لأهل التوحيد) هذا الذي رفض وأبى واستكبر أن يكون عبداً لرب العالمين يستحق من العقوبة في الدنيا أن يكون عبداً لمن يعبد رب العالمين، لا ننخدع بمن يقول: الإسلام ليس فيه رق، وأن الرق هذا يتنافى مع الحضارة، أو يقول: لا يعقل أن يوجد في القرن العشرين رق، وأن الإنسان يستعبد الإنسان؟! فيأتي المدافعون المغرورون المهزومون، فيقولون: الإسلام ليس فيه رق أبداً، لأن القرون الأولى أيام الرومان واليونان كانت الحروب بينهم فيها رق وعبودية، فجاء الإسلام على وضع من قبله فأقره، وبعضهم ينكر على استحياء فيتخافتون بها، سبحان الله!! هل في ديننا ما نستحيي منه؟.
هل في ديننا ما نخافت به؟.
هل في ديننا ما نداري الخلق من أجله؟!! فهذا الرق مما شرعه الله ، ومما يدل على فضل التوحيد وأهله، وعلى إهانة الله ﵎ للشرك وأهله، فلا مكرم لهم، ولا قيمة لهم عند الله .
حقوق الإنسان التي يعبرون عنها بالميثاق الدولي لحقوق الإنسان، أسطورة الكاذبة، فلم يأت دين بمثل ما جاء به هذا الدين والحمد لله، الله تعالى هو الذي خلق البشر وجعل لهم هذه الحقوق، وأعظم حق للإنسان أن يعبد الله وحده لا شريك له، ولا يعبد شيئاً من دونه، هذا هو أعظم حق؛ لأنه الذي من أجله خلق، ومن أجله قامت السموات والأرض وبه قامت.
أما أن يكون من حقوق الإنسان -كما جاء في الميثاق الدولي لحقوق الإنسان- أن يغير الإنسان دينه كما يشاء، حتى لو كان مسلماً يرتد ولا أحد يملك شيئاً من ذلك ولا يمنعه، فهذا غير مقبول.
أبداً، هذه إضاعة لأعظم وأكبر حق وهو حق الله ﵎، فلو كان هذا الميثاق يدعو الناس إلى أن يكونوا جميعاً مسلمين موحدين لله عبيداً له فنعم، هذا هو الحق، ومن ارتد منهم فإنه يقتل إلا أن يعود إلى إيمانه، أما هذه الحقوق فزيف وكذب، وإنما عرفها الغرب بعد الثورة الفرنسية، عرفتها أوروبا لأنها عاشت في ظلام وظلمات لم يخرجها منها أحد، لماذا؟ لأنها لم تدخل في دين الله، ولم تعتنق الإسلام، أما المسلمون فهم في غنىً عن أن يقال: إن لك حرية التنقل، وحرية العمل مكفولة، وحرية العيش الكريم، وحرية صيانة المنازل، هذه بدهيات في ديننا، لا تحتاج إلى أن تقرر ولا أن تقال، فمنذ أن بعث الله محمداً ﷺ وهذه الحريات والحقوق مكفولة مضمونة، ومن انتهكها خالف أمر الله ورسوله ﷺ ، وأثم في الدنيا والآخرة، فهي لا تحتاج إلى تأكيد، لكن لا ننسى الحق الأعظم، وهو أن هذا الإنسان له الحق والحرية أن يعبد الله تعالى كما يشاء، أي: أن يكون حراً في أن يتدين بدين الله ، وأن يعبد الله كما أنزل وكما بعث رسوله ﷺ دون أن توضع عليه القيود، التي منها: لا تتحجبي أيتها المرأة لا تفعل كذا لا تحج -كما فعلت دول أوروبا الشرقية إلى حدٍ قريب- لا تبنوا المساجد، لا تطالبوا بالاحتكام إلى الكتاب والسنة.
فالحرية في داخل الكتاب والسنة، فهو دين الحرية الحق، الذي يحرر الإنسان من الشهوات ومن عبادة الشيطان، ومن عبادة الأنداد والبشر، والأحبار، والرهبان، والكهان، والأباطرة، وغير ذلك ممن ادعى الألوهية أو الربوبية مع الله .
فهؤلاء لما تركوا القيام بعبودية الله استحقوا أن يكونوا عبيداً لمن قام بحق العبودية لله وهم المؤمنون، ولذلك انظروا إذا ترك المؤمنون التوحيد سُلط الكافرون عليهم عقوبة لهم أيضاً؛ لأنهم عرفوا الحق وتركوه وتنكبوا طريقه.
следующие страницы →