Полный текст (2 843 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
التوحيد هو غاية خلق الجن والإنس
يقول الشيخ رحمه الله تعالى: (إن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السماوات والأرض؛ ليعرف ويعبد ويوحد، ويكون الدين كله له، والطاعة كلها له) قاعدة عظيمة، يعرف ويعبد ويوحد، ويكون الدين كله له، والطاعة كلها له، هذا الذي من أجله خلق الله ﵎ الثقلين، وأنزل كتبه وأرسل رسله، والذي كثير من المسلمين يتكلمون في كل شيء إلا فيه، قد يتكلمون في الرقائق والفضائل، في النوافل في الأخلاق في المعاملات، ولا يتكلمون على هذا الذي هو الأساس والأصل.
стр. 2697
عبادة الله
ثم قال: (الدين كله له والطاعة كلها له، والدعوة له وإليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الحجر:٨٥] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢] لاحظ التعليل: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [الطلاق:١٢] إذاً: المقصود أن يعلم الناس صفات رب العالمين، وأن يعرفوه.
стр. 2698
معرفة صفات الله رب العالمين
وأعداء التوحيد يتهاونون في الأسماء والصفات، ولا يريدون أن يعرِّفوا الناس بالله ، ولا أن يحببوا رب العالمين إلى العبيد، ولكن أهل السنة والجماعة من عقيدتهم أن أعظم شيء في هذا الدين أن يعرف الناس رب العالمين ويوحدوه، والاستدلال على ذلك جلي في كتاب الله، فأعظم سورة في كتاب الله هي الفاتحة، وهي تعريف بالله كما بينا فيما مضى، وأعظم آية في كتاب الله آية الكرسي، وهي أيضاً تعريف بالله وصفاته .
وكما قال في المائدة: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٩٧] فالذي لا يعلم ذلك لا خير فيه ولا في عبادته، فإنما شرعت هذه الشرائع، وفرضت هذه الفرائض ليعرف الله ﵎، ويعبد وحده لا شريك له.
قال: فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر في قوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤] يعني: القصد والغرض من خلق العباد، ومن أمرهم ونهيهم؛ أن يعرف بأسمائه وصفاته، وأن يعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط -وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض- ويتركوا الظلم.
стр. 2699
أعظم العدل هو التوحيد
قال: ومن أعظم القسط التوحيد، وهو رأس العدل وقوامه، والشرك هو أعظم الظلم، كما في قول العبد الصالح لقمان الحكيم: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] فأعظم أنواع الظلم هو الشرك، كما أن أعظم أنواع الأمر بالمعروف هو الأمر بالتوحيد، فقول الله ﵎: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١] أعظم ما يؤمر به هو توحيد الله ، وأعظم منكر يجب أن ينهى عنه هو الشرك بالله .
فأعظم عدل ذكَّرنا الله تعالى وأمرنا به ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠] هو توحيد الله .
ثم بعد ذلك العدل فيما ولي الإنسان، حتى في بيته، وكل إنسان له ولاية بقدر حاله كما قال ﷺ : (كلكم راع، وكل راعٍ مسئول عن رعيته) ولهذا كان المقسطون على منابر من نور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين؛ لأنهم يعدلون في أهليهم وما وُلوا.
قال: (فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل، فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر)، أي: ما كان فيه منافاة لما خلق الله من أجله الناس ولما أمرهم به، فهو أكبر الكبائر، وإنما تتفاوت الكبائر بحسب قربها من الشرك؛ فكل معصية تمس جانب العقيدة فبقدر ما يكون فيها من الإخلال بجانب العقيدة تكون أكبر.
وعلي فأيهما أعظم: الذنوب التي يفعلها العبد ويرتكبها من جهة الشهوة، أم التي يرتكبها من جهة الشبهة والبدعة؟ الشبهة والبدعة! لأن البدع والشبهات أقرب إلى الشرك، فمن هنا كانت أخطر من الذنوب التي لا يقترن بها شبهة ولا بدعة.
على أن البدع درجات، كما أن الذنوب الشهوانية العملية درجات أيضاً كما سبق ذلك.
стр. 2700
حقوق الإنسان والأساطير الكاذبة
يقول: (فتأمل هذا الأصل حق التأمل، واعتبر به وبتفاصيله، تعرف به أحكم الحاكمين، وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده وحرمه عليهم، وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي، فلما كان الشرك بالله منافياً بالذات لهذا المقصود كان أكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل مشرك أياً كان، وأباح دمه وماله لأهل التوحيد) هذا الذي رفض وأبى واستكبر أن يكون عبداً لرب العالمين يستحق من العقوبة في الدنيا أن يكون عبداً لمن يعبد رب العالمين، لا ننخدع بمن يقول: الإسلام ليس فيه رق، وأن الرق هذا يتنافى مع الحضارة، أو يقول: لا يعقل أن يوجد في القرن العشرين رق، وأن الإنسان يستعبد الإنسان؟! فيأتي المدافعون المغرورون المهزومون، فيقولون: الإسلام ليس فيه رق أبداً، لأن القرون الأولى أيام الرومان واليونان كانت الحروب بينهم فيها رق وعبودية، فجاء الإسلام على وضع من قبله فأقره، وبعضهم ينكر على استحياء فيتخافتون بها، سبحان الله!! هل في ديننا ما نستحيي منه؟.
هل في ديننا ما نخافت به؟.
هل في ديننا ما نداري الخلق من أجله؟!! فهذا الرق مما شرعه الله ، ومما يدل على فضل التوحيد وأهله، وعلى إهانة الله ﵎ للشرك وأهله، فلا مكرم لهم، ولا قيمة لهم عند الله .
حقوق الإنسان التي يعبرون عنها بالميثاق الدولي لحقوق الإنسان، أسطورة الكاذبة، فلم يأت دين بمثل ما جاء به هذا الدين والحمد لله، الله تعالى هو الذي خلق البشر وجعل لهم هذه الحقوق، وأعظم حق للإنسان أن يعبد الله وحده لا شريك له، ولا يعبد شيئاً من دونه، هذا هو أعظم حق؛ لأنه الذي من أجله خلق، ومن أجله قامت السموات والأرض وبه قامت.
أما أن يكون من حقوق الإنسان -كما جاء في الميثاق الدولي لحقوق الإنسان- أن يغير الإنسان دينه كما يشاء، حتى لو كان مسلماً يرتد ولا أحد يملك شيئاً من ذلك ولا يمنعه، فهذا غير مقبول.
أبداً، هذه إضاعة لأعظم وأكبر حق وهو حق الله ﵎، فلو كان هذا الميثاق يدعو الناس إلى أن يكونوا جميعاً مسلمين موحدين لله عبيداً له فنعم، هذا هو الحق، ومن ارتد منهم فإنه يقتل إلا أن يعود إلى إيمانه، أما هذه الحقوق فزيف وكذب، وإنما عرفها الغرب بعد الثورة الفرنسية، عرفتها أوروبا لأنها عاشت في ظلام وظلمات لم يخرجها منها أحد، لماذا؟ لأنها لم تدخل في دين الله، ولم تعتنق الإسلام، أما المسلمون فهم في غنىً عن أن يقال: إن لك حرية التنقل، وحرية العمل مكفولة، وحرية العيش الكريم، وحرية صيانة المنازل، هذه بدهيات في ديننا، لا تحتاج إلى أن تقرر ولا أن تقال، فمنذ أن بعث الله محمداً ﷺ وهذه الحريات والحقوق مكفولة مضمونة، ومن انتهكها خالف أمر الله ورسوله ﷺ ، وأثم في الدنيا والآخرة، فهي لا تحتاج إلى تأكيد، لكن لا ننسى الحق الأعظم، وهو أن هذا الإنسان له الحق والحرية أن يعبد الله تعالى كما يشاء، أي: أن يكون حراً في أن يتدين بدين الله ، وأن يعبد الله كما أنزل وكما بعث رسوله ﷺ دون أن توضع عليه القيود، التي منها: لا تتحجبي أيتها المرأة لا تفعل كذا لا تحج -كما فعلت دول أوروبا الشرقية إلى حدٍ قريب- لا تبنوا المساجد، لا تطالبوا بالاحتكام إلى الكتاب والسنة.
فالحرية في داخل الكتاب والسنة، فهو دين الحرية الحق، الذي يحرر الإنسان من الشهوات ومن عبادة الشيطان، ومن عبادة الأنداد والبشر، والأحبار، والرهبان، والكهان، والأباطرة، وغير ذلك ممن ادعى الألوهية أو الربوبية مع الله .
فهؤلاء لما تركوا القيام بعبودية الله استحقوا أن يكونوا عبيداً لمن قام بحق العبودية لله وهم المؤمنون، ولذلك انظروا إذا ترك المؤمنون التوحيد سُلط الكافرون عليهم عقوبة لهم أيضاً؛ لأنهم عرفوا الحق وتركوه وتنكبوا طريقه.
стр. 2701
الظلم والجهل أساس كل شر في الإنسان
يقول: (أبى الله أن يقبل من مشرك عملاً أو أن يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقبل له فيها رجاء).
هذا ليس له رجاء أبداً، فإن المشرك أجهل الجاهلين بالله، حيث جعل له من خلقه نداً، وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم.
أسوأ صفتين في الإنسان واحدة منهما تكفي، لكن إذا اجتمعتا فلا شر أكثر منهما ما هما؟ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] فهما: الظلم والجهل، غاية الجهل أن يجعل مع الله نداً، وغاية الظلم أن يسقط حق الله ويعطيه لغير الله بالشرك، هذا غاية الظلم وغاية الجهل.
فإذا اجتمع الظلم والجهل فكل شر في الدنيا خطر على بالك فهو آت من قبل الظلم أو الجهل، فالمشرك جاهل بالله، ما قدر الله حق قدره، ولهذا عبد معه غيره، وهو ظالم لنفسه مبين أشد الظلم بصرفه حق الله الخالص وإعطائه لغيره، عبد مثلك، بشر، مخلوق، يقول كما قال فرعون وقومه: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٧] يريدون أن يستعبدوا الناس كما ذكر الله ، لكن لا لوم في الأصل فهم كلهم ملامون، لكن المقصود أن أصل الشر والبلاء يأتي من قبل العابدين؛ لأن المعبودين من دون الله تعالى أسماء سماها العابدون، لو لم يعبدوهم ما كانوا شيئاً، ما منزلة فرعون لو قال له قومه: حين قال: أنا ربكم الأعلى كذبت أنت بشر مثلنا، ماذا سيفعل فرعون؟ لا شيء، فما بالك بالحجارة، أو شجرة عبدت من دون الله؟ فإذا ترك الناس عبادة الشجرة هل تضر شيئاً أو تنفع؟! كلها أسماء، العادات أنها أسماء: المبادئ، الحرية، والديمقراطية والاشتراكية، أسماء سماها الناس وجعلوها أصناماً، فإذا تركوها لا تفعل شيئاً أبداً.
إذاً: من السبب الحقيقي؟ العابدون، ولهذا هل ينفعهم يوم القيامة عندما يشكون إلى الله يقولون: إن الذين أضلونا هم هؤلاء الكبراء وهل ينفعهم قولهم: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٦٧] وغير ذلك مما قص الله ﵎ كما في البقرة وفاطر وغيرها من السور، هل ينفع؟ لا ينفع الضعفاء هذا العذر؛ لأنه في الحقيقة لو تأمل المتأمل لوجد أنه لولا هؤلاء الضعفاء لما تفرعن أو المعبودون من دون الله .
إذاً: هذا الجاهل بالله هو الذي يدعو غير الله مع الله، وهو هذا المشرك.
стр. 2702
أنواع الشرك
ثم يبين بعد ذلك شيئاً آخر فيقول: (الشرك شركان).
الشرك شركان، أي من حيث الأصل كقاعدة كبيرة (شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته، والآخر شرك يتعلق بعبادته ومعاملته، فالأول يتعلق بما هو من خصائصه ﵎، أما الثاني فهو في معاملته، وفي عبادته، فيما يتقرب العباد به إلى الله .
يقول: (وإن كان صاحبه -يعني: الشرك- يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لذلك أهل الكلام من الأشعرية والمعتزلة وأشباههم يقولون: معنى التوحيد أن تعتقد أن الله واحد في ذاته وصفاته وأفعاله).
هل هذا هو التوحيد الحقيقي؟! اعتقاد أنه واحد ليس مركباً ولا مبعضاً، ليس اثنين ولا ثلاثة بل واحد، أي: في ذاته واحد، في أسمائه وصفاته واحد، في أفعاله واحد؟ لا.
ليس هذا التوحيد فقط، هذا جزء من التوحيد، يجب أن يكمل بأن يعبد وحده لا شريك له، يتقرب إليه وحده لا شريك له، فيكون إخلاصك ورجاؤك ويقينك وصدقك وخوفك ومحبتك وإنابتك ورغبتك وصلاتك وصيامك وقيامك وحجك ونذرك كله لله، مع ما يتعلق بصفاته، لكن هم أخطئوا في الصفات كما أخطئوا في المعاملة.
стр. 2703
شرك متعلق بذات الله وأسمائه وصفاته
وقال: (الشرك الأول -المتعلق بذاته وأسمائه وصفاته- نوعان: أحدهما شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣]) ما معنى قول فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣] هل هو كما يقول المجادلون أو المتنطعون سؤال عن الماهية، أي: أخبرني ما ماهيته، ما حقيقته؟ كلام فرعون هنا على سبيل الإنكار، أي: لا رب، لا أحد، إلى أي شيء تدعو؟ أنا ربكم الأعلى! هكذا يزعم فرعون، ولهذا قال فرعون لهامان: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧] لا يوجد شيء من كلامهم على الأقل من وجهة نظر فرعون المعلنة، لا نعني داخل الأمر أما باطن الأمر قال الله عنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤] ولهذا يقول له موسى ﵇: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢] تعلم يا فرعون أن الله تعالى هو الذي أنزل هذه الآيات وهذا الدين، ففي الحقيقة فرعون يعلم.
هل يستطيع عاقل أن يدعي أنه رب العالمين؟ في الحقيقة والواقع لا، لكن هذه شهوات وأبهة، وملك وغرور ﴿إِنْ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ [الملك:٢٠] يا فرعون أأنت رب العالمين؟ أنت الذي لم تنجب ولداً من نفسك تكون رب العالمين؟ كيف يعبدك هذا الشعب الذي لا عقل له؟! الشعب المستخَف كما قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤] الأمة الفاسقة المتحللة الضائعة، التي تميل إلى الإباحية والعري والفساد، وإلى إضاعة الأوقات، يستخفها أي مجرم وأي كذاب، يأتي ماركس ولينين فيقولا: نحن أتينا بأفضل شريعة، نقول: معك يا لينين؟ وجاء القوميون وقالوا: لا، القضية قومية عربية قلنا: معكم يا قوميون، الاشتراكيون مع الاشتراكيين، البعثيون الملايين من الناس تصفق لهم، مع كل من يدعو إلى ضلالة؛ لأنهم استخفهم الذين عرفوا ضعفهم وفسقهم، وفجورهم.
الأمة التي لا تفسق ولا تفسد ولا تفجر تملك عقلها، ولهذا يردعها ذلك عن أن يستخفها أحد، فهذه الأمة لماذا لم تفكر؟ تصدقون أنه ربكم وتجتمعون يوم الزينة لتروا النتيجة؟! وهل في ذلك من شك، هل تحتاجون أن تروا النتيجة؟!! ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء:٤٠] يعني: الاحتمال الراجح عندهم أنهم هم الغالبون، عجيب والله!! ما تزال القضية غير واضحة في أذهانهم وهم يرونه لم ينجب، يعني: هذا الشعب كله خلقه وهو لم ينجب من نفسه وإنما هو عقيم كما يعلم الجميع، ولهذا أتاه الله تعالى من بابه، من مأمنه يؤتى الحذر وأتي من مقتله، لماذا؟ لأن ضغط حنان الأمومة الذي تشعر به الزوجة التي لا ولد لها يؤثر دائماً على أعصاب الرجل الذي لا ينجب فقالت: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ [القصص:٩] فوافق؛ لأنه لا يستطيع أن يقول: لا، ليس معه ولد فلابد أن يسكت، فلتفعل بهذا الولد ما تشاء، ولِتربه كما تشاء، فربى الله ﵎ موسى في بيت فرعون: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص:٨] من هذا المقتل أتي وقتل فرعون لما أراد الله ﵎ أن يُظهر وأن يُحقق ما أراد، رغم كل الاحتياطات التي جعلها للقضاء على من يقضي على ملكه كما أُخبر.
إذاً: أقبح أنواع الشرك هو شرك التعطيل، وهو شرك فرعون ومن اتبعه.
стр. 2704
تلازم التعطيل والشرك
قال: (والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل).
التعطيل لغة: هو الإخلاء، أو الإفراغ، إنسان ينكر صفات الله وأسمائه هذا يقال له معطل، وكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك؛ لأنه لما أشرك بالله عطل الله ، عطل أسماءه أو صفاته مما هو من خصائص ذاته.
وكذلك كل معطل مشرك؛ لأنه لما ترك هذا الخاصية من خصائص الله تعالى فإنه قد أشرك معه غيره، وغالباً ما يجعلون بعض هذه الصفات لغير الله .
قال: (لكن لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقراً بالخالق سبحانه وبصفاته، ولكن عطل حق التوحيد).
من جهة أخرى: قد يكون العبد مقراً كحال أكثر الناس اليوم، وبالذات من يدعي الإسلام، فحاله: كلنا مسلمون والحمد لله، تقول له: لابد من التوحيد؛ فيقول: يا أخي! أنحن كفار مشركون؟ الحمد لله نحن أمة محمد، وكلنا نقرأ القرآن، فتقول له: أهم شيء تتعلمونه هو العقيدة، فيقول: العقيدة معروفة ومعلومة لدينا والحمد لله.
في عمرك هل رأيت أحداً قال: أنا أجهل العقيدة إلا طالب علم صادق؟ أما العامة من الناس والمكابرون: يقولون: كلنا نعرف والحمد لله لا يرون أنه ينقصهم شيء أبداً، من هنا يؤتون، فهم مقرون بأسماء الله وبصفاته وبشيء منها، ولكنهم مضيعون لحقه.
стр. 2705
أنواع شرك التعطيل
قال: (وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام:
стр. 2706
تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه
القسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه)، أي: تعطيل الخلق عن الخالق، هذا أول نوع من أنواع التعطيل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥] مخلوقات أمام أعيننا يدعون أن لا خالق لها، عطلوها عن خالقها ﵎، لذلك فالذين يشركون بالله من الشيوعيين أو الملحدين، أو الغربيين، لابد أن يجعلوا خالقاً غير الله، وفي اللفظ يقولون: هذه لا تحتاج إلى خالق، لكن في الحقيقة لابد أن يفترضوا خالقاً أو موجداً ما؛ لأنه لا يمكن الأمر إلا بذلك، ما الذي جعلهم يهربون من افتراض وجود خالق؟ لأنهم إذا قالوا: الله أو الرب، فالمقصود به عندهم هو ذلك البابا، صاحب الكنيسة المكون من ثلاثة أقانيم، الذي تجسد في شكل إنسان وصلب على الصليب، ثم صعد إلى السماء، أفذاك هو الذي خلق السموات والأرض؟ هذا غير ممكن القول به، إذاً هل من الحل أن يقال: ليس لها خالق؟ كأنه أسهل في نظرهم أن يقال: ليس لها خالق، وخاصة إذا كان هذا الرب الذي تذكره الأناجيل المحرفة ويدعي البابا وأتباعه الإيمان به مقرون بالعنف، بالقوة، بالسيطرة، فإذا خالفت أي شيء من كلام رجال الدين فأنت كافر، زنديق، حلال الدم والمال، فهربوا من ذلك إلى الإلحاد.
فلما هربوا من إثبات الإله والرب صاروا معطلين.
لكن هل غابت القضية عن أذهانهم ونسوها ولم يفترضوا خالقاً؟ افترضوا فقال بعضهم: الطبيعة، يقول: هذا الكون الذي أمامك هو الطبيعة! لكنا ما استفدنا شيئاً من كلامكم! لأن معناه أن هذا المخلوق هو الخالق! فالطبيعة أوجدتها الأشياء، وهذه الأشياء هي الطبيعة، فلم نستفد شيئاً، إذاً أين الرب الذي خلقها؟! وهم إنما يقولون ذلك ليهربوا من إثبات هذا الدين.
قال بعض الفلاسفة اليونانيين القدامى: العلة الأولى.
ولهذا لما جاء العلم الحديث أنكروا المنطق كله بعلله وبلاياه، ولا يؤمنون به ولا بكلام أرسطو ولا أفلاطون، لا في التوحيد لا في الألوهية لا في الصفات تركوه نهائياً، إذاً: ماذا يسمى؟ بعضهم يقول: أنا أتوقف، وهذا حال كثير من الملحدين في العالم اليوم، أو الذين يسمون أنفسهم الربوبيون، الترجمة الصحيحة أن يقال: الربوبيون، وإن كان بعض المترجمة يقول: المؤلهون، في الحقيقة ليس تأليهاً وإنما هو ربوبية، يقولون: نؤمن بإله لكن لا نستطيع أن نتبع دينه -لأنه ليس له دين في نظرهم في الأرض- أو نتوقف، وهؤلاء الذين يسمونهم: اللاأدريين، أو الربوبيين، هذا موقفهم؛ لأنهم عطلوا المخلوقات عن خالقها جل وعلا ولم يؤمنوا به كما أمر ﵎.
لكن عقولهم تلح عليهم أن لهذا الكون خالقاً، فبعضهم كأن الأدلة تكافأت عنده فقال: لا أدري، وبعضهم قال: لا، أثبته لكن على غير طريق الكنيسة، ولا يعرف له أي صفة من الصفات، إنما يقول: لابد من وجود إله، وهذه من آخر أو أحدث، النظريات الأخيرة جداً عندهم في علم الطبيعة أو الفيزياء، وهم منذ أربعين سنة تقريباً لا تجد عالماً متخصصاً في العلوم الطبيعية في أمريكا لا يؤمن بوجود إله، لكنه ربوبي وليس مسلماً، لكن المهم أنه لا ينكر، لماذا؟ لأن آخر النظريات التي منها نظرية الانفجار العظيم مضمونها أن قوانين الديناميكا الحرارية، وقوانين الهندسة الوراثية أو الجينات، وغيرها لا يمكن أن تتصور إلا من مدبر حكيم، العلوم الحديثة في نشأتها لا يمكن أن يتخيل أهلها أو يعقلوا أن هذا الكون نشأ إلا وقد أوجده وأنشأه خالق حكيم مدبر لا حد لحكمته ولا حد لتدبيره.
هكذا هم يقدرون ويصفونه من عند أنفسهم من خلال ما عرفوا من آثار هذه الصفات في خلقه، حتى إنهم عندما يتحدثون عن علم الجمال، الذي كان في القديم مجرد مبحث من مباحث الفلسفة العتيقة، الآن الحديث عن الجمال أصبح عند هؤلاء موجوداً دون أن يقال لهم من جهة أي أحد من المؤمنين، لكن هم قالوا: الجمال الذي في الكون يدل على أن له إلهاً في غاية الحكمة، وأن هذا الإله جميل، ولذلك يقولون: لو كان الغرض من الزهرة الأغصان إذا جردت عن الجمال فسيبقى هذه الألوان!! ألوان عجيبة جداً، فهم كما ترون عندما يصنع الإنسان أعظم وأدق الألوان، وتتعرض للشمس فترة من الزمن فإن اللون يتغير أو يبهت أو يضعف، خذ أقوى أنواع العطور وأغلالها وأثمنها وضع منه في الغرفة منه في اليوم الأول، ثم انظر غداً أو بعد غدٍ تجده قد زال، وهذه الأزهار الفواحة التي تتلون بأجمل الألوان هي في غاية النعومة والرقة، وفيها ألوان في غاية الجاذبية والجمال، والأشكال التي لا تكاد تخطر على البال، وتفوح منها هذه الرائحة الزكية طوال الأيام والليالي لا تنفد، مع أنها من ماء وتراب، لا يمكن إلا أن خالقاً خلقها وقدرها كذلك، فهم تعجبوا.
قالوا: حتى حبيبات الثلج الصغيرة جداً لما وضعوها تحت المجهر، وجدوا أن لها أشكالاً سداسية وأشكالاً ثمانية، إذاً: الإنسان المسكين ينظر من بعيد فيرى هذه الأشياء كأنها عبث، لكن عندما يدقق يجد فيها من الجمال والتناسق شيئاً عجيباً جداً، الإنسان الواحد منا عندما ينظر إلى الجبال يراها مختلفة بين جبل طويل وجبل قصير وأشكال مختلفة، ولو تجمع ألف حجر أو مليون فإن كلاً منها يختلف عن الآخر، والسبب في هذا أن هذا نوع من أنواع الجمال، نحن لا ندركه، كيف لا يدرك الإنسان الجمال؟! الإنسان عقليته بسيطة، يحب أن يرى شيئاً مربعاً، أو مثلثاً، أو مستطيلاً دائرة، الأشكال الهندسية المعروفة عندنا لأنها مبسطة، تفترض ضلعاً مربعاً هكذا، وفي الذهن تكمل الضلع الآخر والثالث والرابع، هذه عقلية مبسطة، لكن لو ارتقى الإنسان بعقله قليلاً لأصبح في شيء أكثر من هذا التبسيط، ثم أكثر ثم أكثر، حتى يجد أن موج البحر -كمثال- لا يستقر على شكل معين، وهذا غاية ما في الكون من جمال، وفيه دليل على أن لهذا البحر رباً يحركه كل لحظة، وهو الذي يديره ، فتجد هذه الحركات المتغيرة وهذه الأشكال والألوان، فأينما نظروا كما ذكر الله : ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك:٣ - ٤] تأملوا فوجدوا العجب العجاب! وجدوا أن أصغر ذرة في الكون عندما توضع تحت المجهر الذي ما عرفه الملاحدة في القرن الماضي أو في أول هذا القرن ممن كانوا يظنون أنهم حملة العلم، وجدوا أن هناك كهيربات، ومدار تدور فيه، ونواة، سبحان الله! فإذا تأملوا في الفضاء وجدوا أن هناك مدارات هائلة جداً، المدار هو المدار، الفرق أن هذا مداره في حيز لا يكاد العقل يتصور ضيقه، وهذا المدار يبعد ملايين الكيلومترات، وهل الفلكيون يعبرون فيقولون مليون كيلو مليون ميل؟! ليس عندهم هذا، عندهم مليون سنة ضوئية، يعني: السرعة محسوبة بسرعة الضوء، الضوء يقطع -كما جربوه هم تجربة عملية مع الزمن تقريباً نظرية تكاد تكون صحيحة مائة بالمائة- أنه يقطع ثلاثمائة ألف كيلو في الثانية، أسرع شيء في هذه الدنيا هو الضوء، يعني: أنت لو تكلمت وناديت شخصاً وعندك (كشافاً) ثم أضأت الكشاف يصل النور إليه قبل ما يسمع كلامك، وهذا مجرب، فالبرق يصل قبل صوت الرعد، فأسرع شيء هو الضوء.
لا يمكن أن يحسب الكون بملايين الكيلو مترات أبداً، إنما بملايين السنين الضوئية، ولما تعمقوا أكثر وأكثر أصبحوا لا يقدرون أن يحسبوا الملايين، فأيضاً اصطلحوا على اصطلاح هو (تليون) ليس هناك اصطلاح يجمع السنين الضوئية، المهم أنهم عجزوا وسأخبركم به بعد، لما قال الله ﵎: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ [النجم:٤٩] الشعرى اليمانية، وهي نجم عظيم في السماء، وكل من يعلم الشعرى هذه لا شك أنه يؤمن بالله وبعظمة الله، رب هذا النجم والكوكب العظيم الذي في السماء، لكن الأولون أو بعضهم على الأقل كانوا يتخيلون أن الأرض هذه والسماء سواء، وأن هذه النجوم بعيدة وعالية، لكن إلى حد ما كأنها جبل، يعني: نفرض أن الشعرى مثل جبل أحد، لكن من بعدها نراها صغيرة، لكن الآن يقولون: الشعرى تبعد عن الأرض ستة ملايين سنة ضوئية، بمعنى آخر: يحدث انفجارات كبيرة جداً في بعض النجوم تتلاشى وتتحول إلى أشياء متناثرة في الفضاء، فلو انفجرت الشعرى وانتهت ودمرت فلا يعلم الناس أنها انفجرت ودمرت إلا بعد ستة ملايين سنة، لأنهم يظلون يرونها من شدة بعدها، فهذه حقائق مذهلة جداً، وهذا الكلام بالنسبة لعلومهم يعتبر عادياً جداً، يتعلمه أبناؤنا وإخواننا في المتوسطة والثانوي، لكن المتعمقون منهم يصلون إلى نظريات مذهلة جداً، فتضطر أعصابهم وشعورهم وعواطفهم ومشاعرهم أن تقول: الله، أو الخالق، لا يمكن إلا أن يكون هناك خالق وراء هذا الكون البديع، حتى وجدوا من جملة العجائب التي وجدوها أن وجدوا مجرات في أطراف الكون ولم يعرفوا آخره، ولن يعرفوه يكون على شكل: رأس الحصان، يسمونها: مجرة رأس الحصان، وبعضها على شكل كذا وبعضها على شكل كذا يعني: شيء عجيب جداً، وجدوا الدقة الحكمة الإبداع الإتقان وفي نفس الوقت الجمال، ليس مجرد إتقان في الصنعة، لكن مع هذا الإتقان جمال عجيب، جمال في الشمس، وجمال في الأرض، وجمال في القمر، وجمال في البحار، وجمال في الصخور، بحيث أن بعض الحجارة أو بعض الصخور يشاهد فيها أشكال عجيبة جداً في منظرها وجمالها.
وبعض الجمال لا تراه العين المجردة كما قلنا: حبيبات الثلج ما فيها جمال، لكن عندما يريدون أن يدققوا ويضعونها تحت المجهر يرون من الجمال أعاجيب وأعاجيب، هذا كله دليل على أن لهذا الكون خالقاً.
إذاً: من أعظم أنواع الجاحدين والكافرين والمعاندين الذين ينكرون أو يعطلون الخلق عن الخالق، هذا النوع الأول من أنواع التعطيل.
стр. 2707
تعطيل الخالق عن كماله
والثاني: تعطيل الصانع، أو الخالق.
ورد الصانع في حديث: (الله خالق كل صانع وصنعته) وفي قوله : ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل:٨٨] فيجوز إطلاق الصانع، والأفضل أن يقال: الخالق.
فنقول: تعطيل الخالق عن كماله بتعطيل أسمائه وصفاته، وهذا النوع لا ينكرون وجوده، ولا أنه الخالق، لكن ينكرون صفاته وأسماءه، كما يقول أهل الكلام: لا داخل العالم ولا خارجه، ولا نقول: إنه يغضب، ولا نقول: إنه يرضى، ولا نقول: إنه ينزل قالوا: حتى لا نقع في التشبيه، فينفون ويعطلون صفات الله ، ويثبتون شيئاً شبيهاً بالعدم، أو هو العدم؛ حتى التفتازاني من أئمتهم الكبار اعترف أنه من الصعب جداً نقض كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لما قال: إن قولك: إن الشيء لا داخل ولا خارج، ولا فوق ولا تحت، ولا أمام ولا خلف إلى آخره، قولك هذا معناه غير موجود، لا يمكن للعقول أن تفرق بين هذا وهذا، فأفضل لك أن تقول: غير موجود، لكن الله تعالى موجود، إذاً: أين هو؟ يقول: لا تسأل عنه بأين، لا داخل ولا خارج لكن الذي سأل عنه بأين من هو؟ رسول الله ﷺ ، قال للجارية: (أين الله؟ فقالت: في السماء) إذاً: هذا نوع من أنواع التعطيل، والكلام فيه طويل، وقد بسط والحمد لله كثيراً في مباحث تقدمت من هذا الكتاب.
стр. 2708
تعطيل معاملة الله
والثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.
يوجد أناس يقولون: نحن نؤمن بالله، وأن لهذا الخلق خالقاً، ونؤمن بجميع الأسماء والصفات، ولو تقول له: اليوم وجدنا حديثاً يثبت شيئاً من صفاته، يقول: الحمد لله نحن نؤمن به نحن على التوحيد، ونحن من أهل السنة، لكن يعطله عن حقه في المعاملة، وفي الطاعة، بالشرك الكلي أو الجزئي.
الكلي: كأن يعبد غير الله سجوداً وصلاةً وصياماً لغير الله.
والجزئي: كأن يقع في الرياء مثلاً، أو في صرف بعض الأنواع لغير الله، أو في بعض الأوقات، أو في بعض الحالات لغير الله ﵎، فهذا هو النوع الثالث من أنواع التعطيل.
قال: (ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثَمَّ خالق ومخلوق، ويقولون: ما هنا شيئان، بل الحق المنزه هو عين الخلق).
هذه جماعة محمود محمد طه وأمثاله، وغلاة الصوفية في القديم والحديث، هذا نوع آخر يقول: ما ثمة خالق ولا مخلوق، عياذاً بالله! ويقولون: الخالق عين المخلوق، والمخلوق عين الخالق.
هؤلاء بلغوا من الكفر إلى حد لا تستسيغه العقول، وأظن أنني ذكرت لكم مرة أنه قابلني واحد منهم في بلاد الحرية، وكان المركز ممتلئاً بالناس في المسجد، فتحدثت فجاء يقول: إنه هو الله!! تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً! قلت: كيف تقول هذا يا رجل أأنت مسلم؟ قال: نعم مسلم، لكن هذا حقيقة التوحيد، قلت: هذا أكفر الكفر، وأعظم أنواع الكفر، قال: النصارى كفرت؛ لأنها جعلت الآلهة ثلاثة، لكن نحن نقول: كل شيء هو الله! يرى المسكين المخدوع -لأن شيخهم لقنهم ذلك- أن كفر النصارى لأنهم جعلوا الآلهة ثلاثة فقط، وفرعون كفر عندما قال: أنا ربكم، والحقيقة يقول: هو والشعب رب، عياذاً بالله! أرأيتم كيف الكفر؟! فهذا الكفر هو شر وأقبح أنواع الكفر عند جميع أهل الملل، كل من يعرف الله أو يعبد الله أو يتحدث عن الله يُكفِّر هذا النوع، اليهود يعتبرونهم كفاراً، ويوجد في اليهود بعض الحلولية والاتحادية، والنصارى الذي يزيد عن الثلاثة عندهم كافر، إذاً: هم كفار حتى عند النصارى، كفار عند البوذيين، كفار عند الهندوس إلا من كان على مثل هذه النحلة الخبيثة، ومع ذلك يدعون أنهم هم أهل التوحيد والعياذ بالله!! وكذلك الجهمية الذين عطلوا صفات الله وأسمائه كما ذكرنا، هذا نوع من الأنواع.
هذا النوع الأول شرك التعطيل.
стр. 2709
من أنواع الشرك
стр. 2710
شرك النصارى
والنوع الثاني: شرك من جعل معه إلهاً آخر، ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، فهذا شرك الأنداد، أي: لم يعطلوا أسماءه وصفاته، لكن قرنوا به غيره، مثل شرك النصارى، فهم مثلاً يقولون: الله عظيم جليل قدير سميع بصير، لكن يقول لك: أيضاً هذه الصفات هي للرب يسوع، من الرب (يسوع)؟ قالوا: هذا ابنه، أو (الأقنوم الثاني)، تعالى الله عما يقولون! مثلما نسمع كل يوم في إذاعات أصحاب الأناجيل وفي كتبهم، وفي هذه الدعايات الخبيثة التي تذهل العقول!! ماذا نقول لو أردنا أن نتحدث عن التنصير؟! فذلك شيء لا يكاد العقل يصدقه، فإنه إذا كانت شبكات التلفاز في أمريكا والمشتركون فيها قد يصلون إلى عشرين مليون مشترك، وهذا في قناة تلفزيونية تنصيرية في داخل بلاده، أما الذين يعملون خارج أمريكا في نشاطات التنصير فلا يقل عددهم عن أربعة ملايين، في الولايات المتحدة الأمريكية نظام عام لجميع الموظفين أن أي إنسان يتطوع للعمل في أي شيء إنساني أو خيري أو ديني فإنه يصرف له راتبه كاملاً مدة غيابه.
فأنت في أي إدارة من الإدارات تقدم طلباً: أنا أريد أن أذهب إلى مكان كذا لأقوم بالدعوة، فتذهب، والجهة التي ذهب إليها تثبت أنه حضر، وأنه عمل معنا سنة، ويصرف له كل حقوقه، بل حتى الإقامة لا يؤثر عليها السفر إذا كان مقيماً، ولا يريد أن تنقطع إقامته، ويعتبر كأنه في أمريكا، ولا يؤثر السفر على إقامته لأنه ذهب في عمل خيري، إذاً: لابد أن يتنافس الناس في هذا الخير، وفي نظرهم هذا هو الخير، أربعة ملايين يخرجون، هذا في أمريكا، أما السويد والنرويج فماذا نقول؟ اذهب إلى أفغانستان تجدهم، إلى بنجلادش تجدهم، إلى الحبشة إلى الصومال، إلى أي مكان، أي بلد مسلم بالذات البلدان الإسلامية التي يحدث فيها فيضانات أو زلازل أو فقر، أول ما يحدث هذا الأمر وإذا بهؤلاء في مطاراتهم بمعاهدهم ومراكزهم ومستشفياتهم ينزلون فيها تعال: تنصر ونعطيك كذا انظروا أسوأ أنواع الدعوة إلى المبدأ، يدعون الإنسان حال الاضطرار، كما يفعل الروافض الآن، أيضاً عندهم دعاية خبيثة، ليس هناك إقناع، ما هي العقيدة التي يعرضها عليه فيؤمن بها؟ ليس عنده شيء، لو أتى يشرحها ليس عنده شيء، ولذلك كما ذكر ابن القيم ﵀: لو اجتمع عشرة من النصارى، وطلبت من كل واحد منهم أن يشرح عقيدته لاختلفوا على أحد عشر قولاً، يعني: خلافاتهم أكثر من عددهم، النصارى الآن في العالم كله عملوا استبيانات: ماذا تعرف عن الرب؟ لا يوجد شيء، إذاً: لا شيء، ومع ذلك يعملون له كل شيء.
أما الذين عندهم كل الإيمان والخير والهدى فلا يعملون أي شيء إلا ما رحم ربك، وإن قاموا بالدعوة فيقوم بها إما مبتدعة، وإما جهال، لويس فرخان، هذا داعية الإسلام الأكبر في أمريكا ماذا يعتقد فرخان؟ مشرك وثني، يعتقد أن ليزيا محمد هو الله، تعالى الله عما يقول! هذا الذي مات من زمان، وابنه وارث الدين لا يزال، ويأتي هنا على أنه ممثل الإسلام الأكبر في أمريكا، وليس فيه من الإسلام ذرة.
هناك جماعة كبيرة اسمهم أنصار الله قالوا: نحن نؤمن بالأديان الأربعة، يصنعون القرآن والتوراة والزبور والإنجيل، ويضعون هلالاً وصليباً ونجمة، ويقولون: نؤمن بها كلها، وتجدهم في المطارات وفي كل مكان يرون المسلمين أو السعوديين يأتون فيأتي أحدهم ويقول: أنا أخوك في الإسلام، نريد مساعدات لجمعية أنصار الله، أحياناً أكثر الناس يدفع، فتقول له: ماذا تعتقدون؟ يقول لك: كذا وكذا أعوذ بالله! هذا أنتم مسلمون؟ يرون أن هذا هو الإسلام، هذا إن دعا أحد يدعو على بدعة، ولا يدعو إلى التوحيد إلا قلة قليلة جداً.
كم عدد الذين يدعون إلى التوحيد؟ كم مندوب للإفتاء في أمريكا؟ عشرة مثلاً، أعرفهم من قبل أنهم عشرة أو اثنا عشر، ولا أدري هل زادوا أم لا، بلد عدد سكانه مائتان وخمسون مليوناً فيه عشرة أفراد أو اثنا عشر فرداً، وهم متلهفون يريدون ديناً يؤمنون به ولا يجدون شيئاً، وهم يأتون إلى بلد مثل الصومال أو غيرها من الدول المنكوبة بالآلاف بمعداتهم ومنشآتهم وكل شيء، فرق عظيم وهائل بيننا وبينهم في اهتمامنا بديننا وفي دعوتنا.
بلغ من حيرة الأمريكان ومن بحثهم الشديد عن أي دين -كما حدثني بذلك الشيخ الرواي وهو إن شاء الله ثقة، حدثني بهذا في منزلي- قال: رأوا مرة دعاية، مكان دعاية للهندوسية، عبادة الأبقار في أمريكا، فقالوا: نذهب ننظر، فكانوا ذاهبين ينظرون دعوة هؤلاء، وكيف سيدخل الأمريكان في هذا الدين؟ المفروض يدخلون في الإسلام، كيف سيدخلون في دين عبادة البقر وهم أمة متحضرة، ويدخل في دين أمة منحطة كيف سيكون هذا الشيء؟! ولا شك أن النصرانية خير من الهندوسية، ومع ذلك ينتقلون من النصرانية إلى الهندوسية، قال: في مقدمة المدخل عند البوابة كتب للدعاية، وتماثيل وأصنام منصوبة على طريقة الهندوس، يدخل الواحد إلى قاعة كبيرة فسيحة مكيفة مؤثثة، ويستمع لشرح الدعاة حتى يعتنق هذا الدين، الأمريكي من عند الباب يدخل يأخذ كتيباً، ينظر الصنم، يسأل: ما هذا؟ يقولون: هذا نحن نركع وننحني له، يركع عند الباب ويدخل، قبل ما يسمع ما هو الكلام يركع ويستسلم، فارغ ما عنده شيء، من أول الطريق راكع، يريد شيئاً، لكن الذين يدعون إلى الإسلام ليس عندهم شيء للأسف، إن اهتدى تركوه للبدع والضلالات في تلك البلاد، وإن لم يدعوا بطريقة معينة وإنما طريقة فردية فقط، طالب في الجامعة يكلم زميله، حتى يهديه الله، ما عنده لا جهد، ولا وقت، ولا تفريغ، ولا شيء، الله المستعان! وهذا كلام يطول، ولكن التذكير به واجب.
стр. 2711
شرك المجوس
ومن ذلك شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النحل:٥١] المجوس جعلوهما إلهين، إله النور وهو إله الخير، وإله الظلمة وهو إله الشر.
стр. 2712
شرك القدرية
وشرك القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعاله، ومن ذلك شرك الذي حاج إبراهيم في ربه، فالذي حاج إبراهيم في ربه ما ادعى الربوبية المطلقة، لكن ادعى صفة من صفات رب العالمين ، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] فقال: هذا تعريف الرب عندك ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] إبراهيم ﵇ أراد أن يعرفه برب العالمين بالصفة التي لا شاركه فيها غيره، أنت إذا قلت: يفعل كذا ويفعل كذا، يمكن أن يقول: وأنا أفعل كذا وأفعل كذا مثلاً، فكان مدخل إبراهيم الخليل ﵇ أفضل وأكثر وسيلة للإقناع، فذكر له ما لا يملكه الشر أبداً، مهما بلغ من علمه في القديم والحديث، لكن جاء الرجل من باب المغالطة قال: أنا أحيي وأميت، فجاء إبراهيم ﵇ من باب الإلزام، لو شاء لقال: إن إحياء الله أنه يخلق من العدم، أما أنت فتحييه أي: تتركه حياً، لكن لنعرف نحن قاعدة من قواعد مجادلة المشركين والمجرمين، ليس شرطاً أن ترد على الكلمة بنفس الكلمة، تعال بشيء واضح جداً يدمغ ما قال.
قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾ [البقرة:٢٥٨] يعني: قولك إنك تفعل كل ما يفعله الله، فالله تعالى يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، هذا الشيء لا يستطيع له، القضية ليست قضية حجة عقلية لديه أو فهم، لكن الخليل ﵇ جاء بشيء لا يمكن أن يطاق، لا يستطيعه، وإلا فحجته الأولى داحضة، لكن المغفلون الذين حوله قالوا: غلبه، لأنهم لا يفهمون، فلهذا أراد إبراهيم ﵇ أن يأتي بشيء لا يمكن أن يلبس يا من ترون الشمس كل يوم تطلع من هنا! هذا ملككم الذي يدعي الربوبية فليأت بها من المغرب! إذاً: فبهت الذي كفر، انتهى وانقطع وخرس، وهذا نوع من أنواع المجادلة العظيمة التي علمنا إياها الله ﵎ من خلال ما قصه عن خليله إبراهيم ﵇.
стр. 2713
شرك اليونايين
ويقول ﵀: (ومنهم من يزعم أن معبوده هو الإله، أو أنه أكبر الآلهة)، هذا الكلام الذي نحن نقوله أو نحكيه عرضاً هو في الغرب، عند الذين يدعون أنهم أهل العقول، وأهل الحضارة، اليونان جعلوا لكل شيء إلهاً أو رباً تعالى الله عما يشركون! فالجمال له إله، والمطر له إله، والجبال لها إله، والنور له إله، والشمس لها إله، والشِعر له إله، أي شيء تتصور في بالك له رب، الغالب أنه ليس إلهاً ذكراً فقط، بل هو إلهة إن صح التعبير، فاليونان جعلوا لكل شيء إلهاً، ثم بعد ذلك الأساطير والخرافات التي عندهم أن الآلهة تتصارع، وهذا الإله يصرع هذا الإله، والإله هذا غلب هذا، فكل كلامهم وتاريخهم وعقائدهم هكذا، هذه الوثنية المنحطة التي أي عقل يترفع عنها، ومع ذلك يُنسب إليهم من الفضائل والحضارة والعلم ما لا ينسب إلى أية أمة أخرى.
وحتى في العالم الإسلامي يُنقل هذا الكلام تأثراً بالغرب، يعني: (فينوس) هذه إلهة الجمال، و (أبلو) إله الشعر، و (أطلس) إله العالم الذي يقولون فيه: إنه يحمل العالم على ظهره، فتستخدم هذه العبارات وتطلق حتى أحياناً يقال: إله كذا أو رب كذا، مثل ما فعل هذا الخبيث نجيب محفوظ في كتابه الثلاثية التي أخذ عليها الجائزة الصهيونية، كما عبر بلسانه أنها جائزة صهيونية، السنة الأولى لما حرم من الجائزة وسئل: لماذا لم تأخذها وقد رشحت لها؟ قال: أنا لا آخذها، هذه الجائزة لا يأخذها إلا صهيوني عميل للصهيونية، جاءوا في السنة الثانية ورشحوه فأخذها شاكراً ممنوناً، وهو صحيح فعلاً لا يأخذها إلا صهيوني، من جملة الثلاثية هذه يذكر قصة مصرية قديمة: أن الآلهة غضبت والإلهة رضيت كلها حول التأليه تعالى الله عما يصفون، ولا يتحرجون أن يقولوا: إله أو آلهة غير الله، ونحن نقول: لا إله إلا الله، والحمد لله شعارنا نحن المسلمين هذه الكلمة العظيمة كملة التوحيد، لا إله إلا الله، لا يطلق هذا على أحد غير الله ﵎.
стр. 2714
من أنواع شرك العبادة (الرياء)
النوع الثاني: هو شرك العبادة، الشرك في عبادته وحقوقه ومعاملته، يقول ﵀: فهو أسهل أي: هذا الشرك أسهل من ذلك الشرك وأخف شراً، لماذا؟ قال: لأنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع، ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، يعني: هذا يقع، لكنه أخف من جهة أن فاعله وقع في اللبس، ولهذا قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] هذا لبس إيمانه بظلم وشرك، مقر أنه لا إله إلا هو، ولا خالق ولا نافع ولا ضار إلا هو؛ لكن لا يخلص لله تعالى في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، وطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة عند الناس والجاه عند الخلق تارة، إذاً: فلله من عمله نصيب، ولنفسه ولشيطانه من عمله نصيب، هذا هو الشرك الآخر أجارنا الله وإياكم منه.
وهذا هو الذي قال النبي ﷺ عنه فيما رواه ابن حبان في صحيحه قال: (الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، قيل: وكيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم) يعني: من أشرك به وهو يعلم فقد ارتكب أكبر الكبائر، وأكبر المحرمات عن علم عياذاً بالله (وأستغفرك لما لا أعلم) لأنه لابد أن نقع فيه، فنستغفر الله مما لا نعلم، ونستجيره ونستعيذه مما نعلم.
وذكر من ذلك فقال: (فالرياء كله شرك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف:١١٠] وقال: وهذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل) فلو صلى لغير الله أو حج أو زكى ولا نعني (لغير الله) أنه عبد غير الله مطلقاً، لكن لو جعل صلاته من أجل الناس، من أجل أن يقال عنه: مصلّ، أو يثنى عليه، وبعض الناس عياذاً بالله ابتلوا بهذا البلاء، فالعلماء يذكرون بعض هذه الأمثلة أن بعض الناس يبلغ به هذا الأمر إلى حد عجيب عياذاً بالله فالأعرابي الذي دخل عليه بعض السلف ورأى صلاته وحسنها فتعجب، فقال: أعرابي ويصلي هذه الصلاة الخاشعة!! فلما سلم قال: ومع ذلك أنا صائم، والعياذ بالله! يقول: أنت مدحتني على الصلاة، لكن لابد أن تعرف أيضاً أني صائم.
إذاً: ما أراد بعمله وجه الله، إنما ليثنى عليه به، فحالة الأعرابي هذا حالة نفسية موجودة عند كثير من الخلق عافانا الله وإياكم، لا يأمن الإنسان على نفسه أبداً أن يكون من هؤلاء، ممن يريد أو يحب أن يحمد بما لم يفعل، ويراءون الناس، ولهذا علامتهم كما قرنها بهم الله سبحانه: ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] المؤمن في باطنه مع ربه خير منه في ظاهره، أما أن يذكر الإنسان بالخير ويثنى عليه بما هو فيه، فتلك عاجل بشرى المؤمن، لكن لا يعمل هو من أجلها! فهناك فرق بين أن يعمل من أجلها، وبين أن تقال عنه، فلا شك أن الإنسان لا يريد أن يقال عنه السوء، ويتألم إذا قيلت فيه مقالة في عرضه، أو في دينه، أو في إيمانه لا ترضيه، لكن هذا أمر وذاك أمر آخر، فهذا يحبط العمل كما قال الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك، أو قال: تركته وشركه، وأنا منه بريء).
قال: (الشرك في المعاملة وفي العبودية ينقسم إلى أكبر وأصغر، ومغفور وغير مغفور، والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور)، يعني أن النوع الأول شرك كبير وشرك أكبر، ولا شيء منه مغفور، أما هذا النوع منه أكبر كمن يصلي لغير الله أصلاً، أو كمن يكون رياؤه في أصل الدين، فالمنافقون نفاقاً أكبر نفاقهم في أصل الدين، يعني: شهد أن لا إله إلا الله رياءً، فالمؤمن شهد أن لا إله إلا الله وآمن بالله، وصدق بالرسول ﷺ وبالقرآن عن حق، لكن رياؤه في بعض عبادته، في جهاده، في صلاته، في دعوته، في بعض أنواع العبادة، أما أصل الدين عنده ليس فيه رياء، فهذا هو الثاني الذي يدخل في الكبائر، وقد يُحبط العمل وقد لا يحبط بحسب قوته، وقد تُحبط صلاة راءى فيها ولا تحبط صلاة أخرى لم يراء فيها، وهكذا.
إذاً: هذا منه مغفور، والمغفور منه ما يندرج تحت الكبائر والذنوب، فيكون تحت المشيئة، ولا نفهم أنه لا يؤاخذ عليه، إنه قابل لأن يغفر، داخل تحت المشيئة، أما الشرك الأكبر فإنه لا يغفره الله .
ثم ذكر بعد ذلك شيئاً من أنواع هذا الشرك، مثل شرك الألفاظ: كالحلف بغير الله، وشرك الإرادات، وشرك النيات، إلى آخر ما ذكره رحمه الله تعالى مما بين به حقيقة هذا الذنب العظيم.
نسأل الله أن يعافينا وإياكم وإخواننا المسلمين منه، وأن يجنبنا الشرك صغيره وكبيره ودقيقه وجليله، وأن يجعلنا من المؤمنين الصادقين الموحدين، إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
стр. 2715
الشرك قديماً وحديثاً [٢]
إن حقيقة ما يقع من الإشراك بالله على وجه المعمورة هو تشبيه المخلوق بالخالق في بعض ما هو من خصائص الله سبحانه كالعبودية، والدعاء، والخوف والرجاء، ورجاء النفع والضر، والمنع والعطاء وغير ذلك، ولذلك من صرف شيئاً من خصائص الله لغيره فقد ظن بالله ظن السوء، وقال على الله بغير علم، فهذه أعظم الذنوب التي ارتكبها العبد المشرك مع ربه .
стр. 2716
حقيقة الشرك
إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: أيها الإخوة المؤمنون: ما زلنا في الموضوع المهم الجلل الذي دونه كل موضوع، وهو موضوع الشرك، حقيقته وخطره وضرره، وكنا في درس سابق بحمد الله تعالى وتوفيقه قد قرأنا للإمام ابن القيم رحمه الله تعالى، كلاماً قيماً نفيساً عن الشرك وعن التعطيل، ووقفنا عند شرك الإرادات والنيات، فنكمل إن شاء الله ﵎ كلامه ﵀؛ لأن الموضوع قد لا يأتي له مناسبة أخرى، وإن جاءت فبعد حين، ونحن نعلم أن أهم ما ندعو إليه هو التوحيد، وأن أوجب ما ينبغي أن نتعرف عليه من الأضداد هو ضد التوحيد وهو الشرك بالله تعالى، الذي هو أكبر الذنوب.
والذي جاء الحديث عنه في متن الكتاب بمناسبة الكلام عن الرجاء، وذلك أن المشرك لا رجاء له عند الله ﵎: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ﴾ [هود:١٦] فلا يرجون رحمة الله، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولكن يستدرجهم من حيث لا يعلمون.
ويقول الإمام ابن القيم ﵀: (إذا عرفت هذه المقدمة -من الكلام الذي تقدم كله في درس سابق- انفتح لك باب الجواب على السؤال المذكور)، فالسؤال المذكور الذي سألناه عن الكبائر وأنواعها، ولماذا كان الشرك أكبرها وأعظمها وأخطرها؟ فيقول: (حقيقة الشرك مما تقدم) يعني: تبين لنا، قاعدة مهمة نستنتجها مما تقدم وهي: أن حقيقة الشرك هي التشبه بالخالق، وتشبيه المخلوق به، هذا أوجز ما يمكن أن يقال في حقيقة الشرك، ومعرفة لماذا كان هو أعظم الذنوب وأعظم ما عصي الله ﵎ به؟ الشرك هو التشبه بالخالق ﵎، أو تشبيه المخلوق به ﵎، هذا هو التشبيه في الحقيقة لا إثبات صفات الكمال.
يريد ابن القيم رحمه الله تعالى أن يرد على الذين نفوا الصفات، قالوا: حتى لا نقع في التشبيه، مثلما تقدم معنا في صفة العلو مثلاً، وموضوع الرؤية والكلام، وغيرها من مباحث الصفات التي شرحناها والحمد لله.
فالعلة واحدة عند الذين ينكرون صفات الله ﵎ من الجهمية والمعتزلة والأشعرية وغيرهم، أنهم يقولون: لو أثبتنا الصفات لوقعنا في التشبيه، فنقول: أنتم لا تفهمون حقيقة التشبيه، التشبيه الذي هو الشرك عكس ما تظنون، التشبيه هو تشبيه الخلق بالخالق، لا كما تظنونه إثبات صفات الله، أما تشبيه الخالق بالمخلوقين، كمن يقول: إن الله له يد كيد المخلوقين، أو يقول: إن الله له سمع كسمع المخلوقين، أو يستوي كاستواء المخلوقين، هذا وقوعه في العالم قليل.
الله تعالى فطر النفوس على أن هذا غير موجود وغير حاصل، ووقوعه قليل وإن وقع فهو مما ينكر، ولا شك أنه مناف للتوحيد لا ريب في ذلك، لكن هم لا يقصدون ذلك، يقصدون إثبات الصفات، والسلف الصالح والحمد لله يثبتون الصفات لله ﵎ كصفات المخلوقين، ولكن يقولون: كما قال : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
يثبتون السمع والبصر وجميع الصفات مع إثبات أنه ليس كمثله شيء وليس له كفواً أحد، وهل تعلم له سمياً، وإن وقع الاشتراك اللفظي في الاسم فالحقيقة غير الحقيقة، كما أن الوجود غير الوجود، والذات غير الذات، متفقون معنا أن ذات الله ﵎ لا تشبهها ذات، وأن وجود الله ﵎ لا يماثله وجود، إذاً: فبقية الصفات تتبع الذات، وتتبع صفة الوجود المجمع عليها، وهذا مذهب واضح والحمد لله، منهج رحب واضح سهل الفهم، ولا ينكره إلا مكابر، لكن ليس هذا، وإن زعم من زعم كـ الرازي وأمثاله ونسبوه إلى رجل لا عقل له ولا نقل، وهو المنجم المشهور أبو معشر الفلكي منجم من المنجمين، كان في الإسلام لا يعرف له فضل ولا خير وسابقة ولا دين، هو الذي يقول: إن أول شرك وقع هو أن الناس اعتقدوا أن الله له يد كيد المخلوقات، وله عين كعين المخلوقات، فعبدوا الأصنام.
هذا كلام فارغ، ومغاير للحقيقة وللواقع التاريخي، ولما صحت به الأحاديث، وبالعكس: الذين عبدوا الأصنام شبهوها بالله، ولم يشبهوا الله بالأصنام، هذا هو الواقع.
стр. 2717
الخصائص الإلهية
فيقول: (وليس في إثبات الأسماء التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسول الله ﷺ فعكس من نكَّس الله تعالى قلبه وأعمى عين بصيرته، وأركسه، وجعل التوحيد تشبيهاً والتشبيه تعظيماً وطاعة، فالمشرك مشبه للمخلوق بالخالق بالخصائص الإلهية.
стр. 2718
التفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع
من الخصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع: (لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت) هذا مما يملكه الله وحده، وذلك يوجب تعليق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل عليه وحده؛ لأنه هو الذي يملك العطاء والمنع والضر والنفع، فإذاً من يدعى؟ من يرجى؟ من يستغاث به؟ من يطلب عند الشدائد؟ هو الله وحده.
والذي فعله المشركون أنهم عكسوا ذلك، فأصبحوا يدعون من دون الله آلهة، إما في وقت الرخاء والشدة، وإما في وقت الشدة كما كان المشركون الأولون إذا ركبوا في الفلك، وجاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان دعوا الله مخلصين له الدين في هذه اللحظة، إذاً: نسوا الوسائط، لكن إذا أنجاهم إلى البر إذا هم يشركون به ويدعون غيره معه أو من دونه، فوقعوا في الشرك.
يقول: فمن علق ذلك بمخلوق، يعني: الدعاء والخوف والرجاء فقد شبهه بالخالق من جهة أنه أعطاه وأضفى عليه خصائص الإلهية، وجعل من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، جعله كالحي القيوم ، الذي بيده كل هذه الأمور، وهو مرجعها، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو الذي إن فتح باب الرحمة فلا ممسك لها: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢] هذا بيده، كل شيء بيده، وعنده خزائنه ، وإليه المنتهى، وأن إلى ربك المنتهى، منتهى الإرادات ومنتهى المطالب، ومنتهى المنى، كله ينتهي إلى الله .
أي مخلوق تصورت أنه ممكن أن يعطيك أو يساعدك أو يضرك أو ينفعك ففكر بعقلك من الذي خلقه؟ من الذي أوجده؟ من أعطاه؟ تجد أنك في النهاية تستيقن وتعلم قطعاً أن إلى الله المنتهى، إذاً: يطلب وحده لا سيما وهو كما قال الشاعر:
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
إذاً: اطلب الغني الكريم الذي بيده كل شيء، وبيده خزائن كل شيء، ويريد أن تسأله، ويغضب إن لم تسأله وتطلبه، فكيف تلجأ إلى المخلوقين وتتخذ منهم وسائط من دونه؟! إلى أن يقول ﵀: (فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات ﵎.
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وابن القيم لهم هذا المنهج، يستطردون ويوضحون، وهذا المنهج لو تأملناه لوجدنا أنه قرآني، فالله ﵎ في القرآن حتى وهو يأتي بقصة أو بخبر فإنه يأتي بإشارة أو دلالة قوية على أهمية التوحيد، أو تجلية لجانب معين من جوانب التوحيد تتعلق بهذا الموضع، وهكذا الذين يسيرون على منهج القرآن والسنة في الدعوة والفهم والحكمة والبصيرة التي أمر الله تعالى بها، ويأخذونها من القرآن كهذين الشيخين الفاضلين، أي موضع من مواضع التوحيد سواء وهو يتكلم عن مشابهة المشركين ومحبتهم كما في اقتضاء الصراط المستقيم يعرج على موضوع الشرك، في الصارم المسلول يعرج على موضوع الكفر وأنواعه وهكذا.
هنا كما ترون السؤال عن المعاصي، الكتاب كله عن العشق، ومع ذلك عرج إلى الشرك وأطال وهكذا، لعلمه بأهمية التوحيد وأنه أساس كل شيء في هذا الدين.
стр. 2719
الكمال المطلق من جميع الوجوه
ويقول أيضاً: (من خصائص الإلهية: الكمال المطلق من جميع الوجوه)، ولهذا بعض الإخوان كثيراً ما يسأل فيقول: هل أسماء الله توقيفية أم غير توقيفية؟ هل نطلق هذا الوصف أو لا نطلق؟ والقاعدة هي أن ما كان كمالاً لا نقص فيه بوجه من الوجوه فإثباته لله من طريق الأولى، وقد تقدم هذا عندما تعرضنا لمعنى (المثل الأعلى)، في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠].
المثل الأعلى: الكمال المطلق الذي لا يشوبه نقص بأي وجه من الوجوه، خذ مثلاً العلم، فالمثل الأعلى في العلم لله، فله العلم المطلق الذي لا يعتريه الجهل بأي شكل من الأشكال.
القدرة المطلقة: المثل الأعلى لله فيها، وهي القدرة المطلقة بحيث لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يملك هذا إلا الله وحده، وكذلك الحكمة والعزة والتدبير ففي كل شيء له المثل الأعلى، فالكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه من خصائص الألوهية، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها لله وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوكل والاستغاثة والاستعانة وكل أنواع العبادة تكون له وحده؛ لأنه وحده الذي يملك هذا الكمال المطلق، ويكون له الأمران المهمان اللذان هما سبب إيراد هذا الموضوع في شرح العقيدة: غاية الذل مع غاية الحب، هكذا لا بد أن يجتمعا.
يقول: (كل ذلك يجب عقلاً وشرعاً وفطرة أن يكون لله وحده)، وهذا احتراز من كلام بعض أهل البدع، كأن الأمر ما يجب إلا في الشرع، نعم، فنحن ما عرفنا التقسيم إلا من الشرع، لكن العقل يدل عليه جملة، والفطرة تدل عليه جملة، وإنما تفصيله وبيانه يأتي في الشرع من الوحي، لكنها تدل عليه، ومن زعم أن ذلك مجرد دلالة الشرع فقط فقد غلط غلطاً عظيماً، وهذا ما سيوضحه ﵀ فيما بعد.
إذاً: يقول: (فمن جعل شيئاً من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير -من جعل العبادة والرجاء والتعظيم والذل والخضوع لغير الله- فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله).
إذاً: لاحظتم خطر هذا الشرك! فلو قيل: حتى لو جعل ذلك لنبي من الأنبياء أو لملك من الملائكة؟ أعني الدعاء والرجاء والخوف والرغبة والتعظيم، نقول: نعم.
حتى لو جعل لرسول الله ﷺ ، فيكون أيضاً شركاً وتشبيهاً.
ومن الناس من يفعل ذلك، ولهذا فالشرك باطل، وأعظم من أبطله رسول الله ﷺ .
حتى لو كان هو المدعو ﷺ ، أو من يخاف ويرجى ويستغاث به، فالشرك باطل بأي وجه من الوجوه، وأعظم ما جاء النبي ﷺ بمحاربته هو الشرك وإن كان متعلقاً بذاته، كما سيأتي التفصيل إن شاء الله ﵎.
стр. 2720
العبودية المتضمنة غاية الحب مع غاية الذل
ثم يقول: (من خصائص الألوهية: العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل).
يقول: (وهذا من المحال أن تأتي شريعة من الشرائع به -يعني: بهذا التشبيه- لأن قبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق، كما جاء في حديث عياض بن حمار: (وإني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وحرمت عليهم ما أحللته) فالذي صرف الفطرة وحرفها في الأصل القديم الشياطين، ثم يحرفها أيضاً في حق الآحاد من الناس: (فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فالإنسانية كانت على التوحيد حتى صرفها الشيطان إلى الشرك، والآحاد: الأفراد من الناس يولد كل مولود على الفطرة حتى يهوده أبواه أو يمجسانه أو ينصرانه أي: يصرفانه ويحولانه من التوحيد إلى الشرك).
стр. 2721
السجود من خصائص الإلهية
يقول: (إذا عرفت هذا: فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغير الله فقد شبه المخلوق بالله، ومنها التوكل، فمن توكل على غير الله فقد شبهه أيضاً بالله، وقس على ذلك التوبة والحلف، يكون منها الحلف باسمه تعظيماً وإجلالاً).
هذا الكلام لا يقوله الإمام ابن القيم هكذا، لأجل الرد على الواقع في عصره من شيوخ الطرق، فهو يعالج واقعاً مؤلماً مريضاً في عصره، كانوا يستغيثون بالشيخ ويسجدون له، كان بعض المريدين يسجد لشيخه، وآخرهم هذا المهدي الذي ظهر في السودان يدعي أنه المهدي، وعبد الله التعايفي كانوا يسجدون له سجوداً، ويستغيثون به ويتوكلون عليه، والشيخ هو الذي يعلمهم، يقول بعض مشايخهم: الشيخ الذي لا ينقذ مريده أو تلميذه وإن كان في أطراف الأرض أو أوساط البحر ليس بشيخ! يعني: الشيخ هو الإله، تعالى الله عما يصفون! فالذي يستطيع أن ينجي تلاميذه في ظلمات البر والبحر هو الشيخ!! فأصبحوا يتنافسون في ذلك، حتى قال بعضهم: لو جئتم إلى قبري ودعوتموني ولم أغثكم فلست بشيخ، انظروا كيف وصل بهم ادعاء الألوهية! نسأل الله العافية.
والحلف بالشيخ صار أعظم من الحلف بالله، ولهذا يذكر هذه الأمثلة؛ لأنه يعيش ذلك ويعانيه في زمانه.
قال: (فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء، وتعليق القلب به خوفاً ورجاءً والتجاءً واستعانة، فقد تشبه بالله، ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان، وأن يذله غاية الذل، ويجعله تحت أقدام خلقه).
ولهذا جاء في الحديث الصحيح: (يحشر المتكبرون يوم القيامة على هيئة الذر يطؤهم الناس بأخفافهم).
سبحان الله! الجزاء من جنس العمل، الناس يحشرون يوم القيامة على خلق أبيهم آدم، طوله ستون ذراعاً، إلا المتكبرون الذين كانوا يتكبرون على خلق الله، ويرون أن من واجب الناس أن يعظموهم ويبجلوهم ويخضعوا لهم، ويحبوهم ويطروهم ويمدحوهم، هؤلاء يحشرون على هيئة الذر، انظر الفرق! يطؤهم الناس بأقدامهم، جزاءً وفاقاً بما كانوا يصنعون في الدنيا، أياً كان السبب الداعي مال منصب اعتقادات باطلة كشيوخ الصوفية الذين يرون أنه يجب على المريدين أن يعظموهم، وأن يلحسوا أقدامهم وأكفهم وركبهم، أياً كان المتكبر فقد تشبه بالخالق، فإذاً: ينطبق عليه الحديث الذي يقول الله ﵎ فيه: (العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما عذبته) ثم يضرب ابن القيم ﵀ مثالاً: وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذاباً يوم القيامة كما جاء في الحديث الصحيح: (من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) ما هي العلة؟ القضية ليست قضية أن الشخص صور فقط، يجب أن تطرد العلة في كل من ادعى شيئاً من خصائص الألوهية، أو نازع الله ﵎ فيما هو من خصائصه ﵎.
يقول: فهؤلاء من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، لتشبههم بالله في مجرد الصنعة، يخلق كخلقه، يصنع كهيئة خلق الله هذا ما فعله المصور، ومع ذلك فهي جريمة عظمى، وهو من أشد الناس عذاباً يوم القيامة، فكيف من تشبه بالله في الربوبية والإلهية؟ ليس هناك رسمة ولا صنعة، وفي الحديث الصحيح: (لا أحد أحب إليه المدح من الله) فالذي يجب أن يطرى ويمدح ويعظم، وأن تقال له الألقاب هو الله.
ثم قال: (والمقصود أن هذا حال من تشبه به في صنعة صورة، فكيف حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلاهيته؟) وهنا يضرب مثالاً آخر، وهو من الأدلة على أن جانب التوحيد من أعظم ما يراعيه الشرع في كل الأمور، وسد كل الذرائع التي توصل إلى الشرك، فيضرب مثالاً بهؤلاء الناس الذين يحبون الألقاب ينازعون بها الله ﵎ في ملكه، وفي ربوبيته وإلاهيته.
فيقول: من تشبه في الاسم الذي لا ينبغي إلا له وحده، كملك الأملاك وحاكم الحكام ونحوه وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (إن أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى ملك الملوك ولا ملك إلا الله، أو ولا مُلك إلا لله، وفي لفظ أغيظ رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك) مجرد أنه تسمى، قد لا يكون عمل عملاً، أو دعا الناس ليعملوا أعمالاً توجب ألوهيته وربوبيته كقول فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] لكن هذا كل ما قد يكون عمله أنه سمى نفسه باسم لا يجوز إلا لله، ولا يطلق إلا على الله ﵎، فهذا استحق أن يكون أخنع الأسماء، وأن يكون أغيظ رجل على الله ﵎.
فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له، فهو سبحانه ملك الملوك وحده، وهو حاكم الحكام وحده، وهو الذي يحكم على الحكام كلهم ويقضي عليهم كلهم لا غيره، إذا تبين هذا فهنا أصل عظيم يكشف سر المسألة.
ثم يفتح لك ابن القيم باباً عظيماً من أبواب العلم، ويؤصل قضية عظيمة بأجمل وأوضح ما يمكن، ثم ينتقل منها إلى قضية أخرى فتجد علماً، لا ينقل كلاماً هكذا ليس له فائدة علم مؤصل مرتب مبني على الأدلة، على نظرة شاملة، وهذه التي لا تجدها عند كثير من العلماء في القديم فضلاً عن المتأخرين، مثل الإمامين ابن تيمية وابن القيم ﵏ ومن سار على نهجهما، هذه ميزة للمدرسة السلفية بأنها مدرسة قوية، هذه المدرسة التي جددها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله ﵎ عليه، وما عمله ابن تيمية ما هو إلا تجديد للمنهج الذي كانت عليه الثلاثة القرون المفضلة، لم يأت بشيء من عنده أبداً.
فالآن ينقلك من سر عظيم بعد أن تجلت عندك هذه الحقيقة العظيمة، حقيقة الشرك وهو هذا التشبيه، ينقلك إلى حقيقة أخرى عظيمة جداً.
стр. 2722
أعظم الذنوب إساءة الظن بالله تعالى
يقول: (إذا تبين هذا فهاهنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به).
إذاً: القضية ليست قضية رجاء -أضعف منازل المريدين- كما يقول الهروي أو يقول الصوفية، لا.
أعظم الذنوب إساءة الظن بالله ، وهي باب لموضوع آخر سيأتي فيما بعد، قد يقال: أليس أعظم الذنوب هو القول على الله تعالى بغير علم كما في الآية؟ نقول: انتظروا سيفتح الشيخ باباً إلى باب إلى باب حتى تجدوا مدناً من مدن العلم والخير في هذه العبارات الموجزة.
يقول: (فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، فظن به ما يناقض أسماءه وصفاته).
أي أن مسيء الظن بالله ظن به خلاف الكمال الذي تقتضيه هذه الأسماء والصفات التي تثبت له، يقول: ولهذا توعد الله الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [الفتح:٦] أعوذ بالله! انظروا شدة الوعيد نتيجة هذا الظن بالله ﵎.
وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٣] ما هي الصفة التي أنكرها هؤلاء؟ الصفة التي أنكرها هؤلاء هي صفة العلم، وأن الله لا يعلم كثيراً من أعمالهم.
يقول: (وقال تعالى عن خليله إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ [البقرة:١٢٤] ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾ [النحل:١٢٣] شرف عظيم أن يوحى إلى النبي ﷺ أن يتبع ملته، هذا من أعظم الدلالة على إمامته عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ولما قال لقومه: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٨٥ - ٨٧] ﴿أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات:٨٦] أئفكاً: افتراء لا أصل له ولا حقيقة ثم يعقب على ذلك: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٨٧].
يقول: فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ وما ظنكم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص، حتى أحوجكم ذلك إلى العبودية لغيره؟ ماذا ظننتم به حتى عبدتم غيره معه أو من دونه؟! يقول: (فلو ظننتم بالله ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المتفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور فلا يخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر:٣٦] فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه، وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء فإنهم يحتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجها، وإلى من يعينهم على قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم وإلى من يستعطفهم بالشفاعة، فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة حاجتهم).
نتيجة حاجتهم وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم، انظروا إلى هذه العبارات العظيمة.
стр. 2723
إدخال الوسائط بين الله وخلقه إساءة ظن به سبحانه
قال: (فأما القادر بنفسه على كل شيء، الغني بذاته عن كل شيء، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥] وكما في حديث أبي ذر المشهور في خطاب الله ﵎ لعباده).
فإذاً: الغني بذاته، الرحمن الرحيم، الذي وسعت رحمته كل شيء، يقول: هذا إدخال الوسائط بينه وبين خلقه نقص في حق ربوبيته وإلاهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، هذا الظن أسوء الظن بالله.
فالموضوع إدخال الوسائط!! قال: وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه) أي فليس من المعقول أن يشرع الله للناس أن يتخذوا بينه وبينهم وسائط وهو العليم بكل شيء، وهو قادر على كل شيء، الغني عن كل أحد، المتصرف في كل أمر، الذي رحمته وسعت كل شيء، أيحتاج لواحد يأتي فيدخل بينه وبين خلقه فلا يعبد إلا من طريقه، أو يدعى هذا من دونه بزعم أن يوصل العبادة إلى الله؟! تعالى الله عما يشركون! يقول: (يوضح هذا أن العابد معظم لمعبوده متأله، والرب تعالى هو الذي يستحق كمال التعظيم والإجلال والتأليه والتذلل والخضوع).
ولهذا عندما نقول كلمة لا إله إلا الله، كلمة التوحيد العظيمة، ففيها كلمة (إله) وإذا عُرف معناها عرفنا معنى كلمة: لا إله إلا الله، فما معنى الإله؟ أوجز وأفضل تعريف لهذه الكلمة أن الإله هو الذي تألهه، والوله: غاية الحب، فغاية الحب ونهاية الحب تسمى: الوله، فالإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالاً وخضوعاً وذلاً وتعظيماً وانقياداً ورغبة ورهبة ورجاءً.
إذاً: لا إله إلا الله، هذا هو الذي تصلح له هذه الصفات ﵎.
стр. 2724
ما قدروا الله حق قدره
يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى بعد هذا الكلام أمثلة عظيمة جداً ونافعة، رداً على جميع الطوائف، مما يدل على ما له من الفقه والحكمة، فإنه رد على جميع الطوائف من خلال هذه القاعدة العظيمة، وهي قاعدة أن شر الذنوب وأعظمها وأقبحها هو سوء الظن بالله، وهو الذي أوقع في الشرك.
يقول بعد أن ذكر الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج:٧٣]: (الله أكبر! كل من يعبدون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له، وأيضاً: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]).
يعني: هذه الآلهة من البشر أو من الشياطين أو غيرهم ضعفهم كضعف الذباب! ومع ذلك لو أنه أخذ شيئاً منهم لا يستنقذوه منه، بل هم أضعف: (ضعف الطالب والمطلوب) ثم قال: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٤] أي: لم يحسنوا الظن به، يعني: أساءوا الظن بالله، ولهذا ما قدروه حق قدره، ولا عرفوه حق معرفته، فالإله عندهم كما هو عند كثير من الغافلين عندما تكلمه عن الله، تعالى الله عما يصفون كأنك تكلمه عن أي شخص، بل ربما لو كلمته عن بعض المخلوقين الذين لهم هيبة وقوة لارتجف وأرعاك أذنيه لكن إذا قلت: يا أخي اتق الله! يا أخي! أنا أخبرك بكلام الله، فتجده غير مبالٍ ما قدر الله تعالى حق قدره، ولا عرفه حق معرفته.
ولهذا قلنا كما تحدثنا في درس سابق: إن مشكلة الناس في جميع العصور والأوقات، وفي كل زمان ومكان، أنهم ما عرفوا الله، وما قدروا لله قدره، فأشركوا به، اتبعوا شرائع البشر وتركوا شريعته لسوء ظنهم به، ولأنهم ما قدروا الله حق قدره أحبوا بعض الخلق أكثر من محبتهم لرسوله ﷺ ؛ لأنهم ما قدروا الله حق قدره حتى يعرفوا قدر رسوله ﷺ ، وهؤلاء منهم من يدعي أنه يحب رسول الله ﷺ .
стр. 2725
ما قدر الله حق قدره من عبد غيره معه
يقول: (فما قدر الله حق قدره من عبد غيره معه ممن لا يقدر على خلق أضعف حيوان وأصغره، وإن يسلبه الذباب شيئاً مما عليه لم يقدر على إنقاذه منه، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]) هذه قرأها النبي ﷺ عندما دعاه حبر اليهود وقال له: (إن الله يضع الأرض على إصبع والجبال على إصبع .
فضحك النبي ﷺ تصديقاً لقول الحبر وإقراراً له، وقرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]) أبعد هذا يعبد أحد من دونه؟! إنساناً كان أو حجراً أو شجراً أو قبراً؟! سبحان الله عما يشركون!
стр. 2726
ما قدر الله حق قدره من أنكر الرسل
(وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه لم يرسل رسولاً إلى خلقه).
وفي هذا يرد على منكري الشرائع، وفي ترتيب أنواع الكفر والكفار، فإن أعلى درجة من درجات الكفر وأشد الناس كفراً هم الفلاسفة، وهم من ينكر النبوات والشرائع بالجملة، وفي القديم كان هناك قلة تسمى الفلاسفة أما الآن أصبحت أمماً، الغرب الآن بأكمله تقريباً! المذهب الشيوعي والنازية والفاشية كل هذه تنكر النبوات والوحي، فأكفر وأعلى درجات الكفر هم هؤلاء فابتدأ بهم.
إذاً: من قال إن الله تعالى لم يرسل إلى خلقه رسولاً ولم ينزل كتاباً، هل قدر الله حق قدره؟ لأن معنى كلامه هذا: أن الله أهمل الخلق وتركهم سدى، كما فسرها الإمام الشافعي ﵀، سدى أي: لا يؤمر ولا ينهى، تركهم هملاً وخلقهم عبثاً، وهذا غاية سوء الظن بالله، هؤلاء ما قدروا الله قدره، فقالوا هذا القول.
стр. 2727
ما قدر الله حق قدره من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العلى
درجة ثانية في الكفر: ما قدر الله تعالى حق قدره من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العلى.
كـ الجهمية الذين نفوها بالكلية وأشباههم.
يقول: (ومن نفى عموم قدرته وتعلقها بأفعال العباد من طاعتهم ومعاصيهم).
وهؤلاء هم المعتزلة والقدرية، إذاً هذه درجة ثانية.
стр. 2728
ما قدر الله حق قدره من زعم أن الله يعاقب عبده على ما لا يفعله
يقول: (وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه يعاقب عبده على ما لا يفعله، ولا له عليه قدرة، ولا تأثير ألبتة! بل هو نفس فعل الرب ﷻ ، فيعاقب عبده على فعله).
وهذه الطائفة هي الجبرية، يقولون: هو سبحانه الذي جبر العبد، وجبره على الفعل أعظم من إكراه المخلوق للمخلوق، يعني: المخلوق لا يمكن أن يكره المخلوق إكراهاً كلياً، لا يستطيع أي مخلوق أن يملك ما تضمره مهما كان، وهم يقولون: إن الله ﵎ أجبر المخلوقين، تعالى الله عما يصفون!! قال: (وإذا كان من المستقر في الفطر والعقول أن السيد -أي المالك- لو أكره عبده على فعل وألجأه إليه ثم عاقبه عليه لكان ذلك قبيحاً، فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير)، هذا مذهب الجبرية، هل هناك فرقة تسمى الجبرية الآن؟ نعم، الأشعرية، ماذا يقولون؟
والفعل في التأثير ليس إلا للواحد القهار جل وعلا
أي: الفعل كله لله، فما دام الفاعل والمؤثر هو الله، إذاً: هل يعاقب على فعل نفسه؟ فهو الذي فعل، أما العبد فلم يفعل شيئاً ولم يؤثر في شيء، فهم ينظرون من جانب وينسون جانباً آخر.
طيب! إذا كنتم تقصدون أو تريدون بذلك أن العبد لا يملك أن يطيع ولا يملك أن يعصي حتى نجعل إرادة الله هي كل شيء، فقد نسيتم الأفعال الأخرى، فنقول: إذا ارتكب العبد فاحشة تقولون الذي فعلها من؟ إن قالوا: الله -تعالى الله عما يصفون- وقعوا في الكفر، وإن قالوا: العبد إذاً أثبتوا للعبد فعلاً وتأثيراً وإرادة، لكن هم ينسون ذلك ويغفلون عنه.
إذاً: الطائفتان الجبرية والقدرية ما قدروا الله حق قدره.
стр. 2729
ما قدر الله حق قدره من زعم أنه حل في كل مكان
(وكذلك ما قدر الله حق قدره من لم يصنه عن نتن ولا حش ولا مكان يرغب عن ذكره، بل جعله في كل مكان)، وهذا مذهب الحلولية من الصوفية ومنكري العلو، الذين ينكرون علو الله، يقولون: الله في كل مكان، إذاً: هناك أماكن قذرة نجسة يترفع الإنسان أن ينطقها، كيف تقول: إن الله في كل مكان؟ إذاً: ما قدر الله حق قدره من نفى علو الله وأثبت هذا.
стр. 2730
ما قدر الله حق قدره من نفى الصفات الفعلية
ثم ينتقل ويقول: (وما قدر الله حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته).
هذه اسمها الصفات الفعلية، الذي ينفيها هم الأشاعرة وأمثالهم ممن يؤولون وينفون الصفات، خاصة صفات الرضا والغضب والمحبة؛ لأن هذه فيها تشبيه لا يمكن أن يثبتوها أبداً.
إذاً: ما قدروا الله حق قدره إذا نفوا أنه يحب، وأنه يبغض، وأنه يريد، وأنه ذو انتقام، وأنه رءوف، وأنه يمقت إلى آخر ذلك.
стр. 2731
ما قدر الله حق قدره من نفى حكمته وغايته
(ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله).
الذين نفوا حكمة الله، لم يقولوا: إنه ليس بحكيم هكذا، يقولون: ليس لأفعاله غاية ولا علة، يظنون أنهم بهذا الكلام ينزهون الله، ما نقول: الأفعال لها حكمة أو لها علة، تعالى الله! نقول: إنه إذا فعل شيئاً فمن أجل شيء مثل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] إذاً: هو خلقهم من أجل العبادة، فهذا لا يليق، لا نثبته لله، الله ما يحقق شيئاً من أجل شيء، ظنوا بهذا أنهم ينزهون الله، فوقعوا في المصيبة الكبرى وهي نفي الحكمة عن الله.
فكأنه إن خلق شجرة أو حجراً أو أرسل نبياً فالأمر واحد، وكلها أفعال تخضع لمطلق المشيئة أو الإرادة فقط، ليس لها حكم ولا علل، فنفوا مقصوده وحكمته وغرضه من خلقه.
стр. 2732
ما قدر الله حق قدره من جعل له صاحبة وولداً
(وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولداً)، وهؤلاء معروفون قاتلهم الله.
стр. 2733
ما قدر الله حق قدره من سب أصحاب النبي ﷺ
(وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه رفع أعداء رسول الله ﷺ وأهل بيته، وأعلى ذكرهم وجعل الله فيهم الملك والخلافة والعز، ووضع أولياء رسول الله ﷺ وأهل بيته وأهانهم وأذلهم وضرب عليهم الذل أينما ثقفوا، وهذا يتضمن غاية القدح في جناب الرب، تعالى الله عن قول الرافضة علواً كبيراً!) انظروا كيف لو أن التوحيد صح عند هذه الطوائف وقدروا الله حق قدره ما وقعوا في هذه المصائب، يقولون: صنما قريش، يقصدون أبا بكر وعمر! فأعدى أعداء الدين عندهم أبو بكر وعمر، ثم بنو أمية هم الشجرة الملعونة في القرآن، شجرة خبيثة ملعونة وكلهم كفار إلى آخر ما يقولون.
إذاً هؤلاء هم أعدى أعداء الدين، فمن هم أولياء الله؟ قالوا: علي وذريته والأئمة ممن يعتقدون إمامتهم، ولكن الواقع أن الله تعالى مكّن لبني أمية وأعطاهم الملك والولاية، ففتحوا البلاد، وأقاموا الجهاد، أعطاهم الله ولاية حتى على هؤلاء، وضرب أهل البيت وسجنوا وأوذوا وعذبوا وقتلوا وما تولى أحد، وهذا من حكمة الله ، وما تولى أحد ممن يدعي الروافض أنه إمام الخلافة أبداً؛ لأن بدعة الإثني عشرية ما جاءت إلا متأخرة بعد أحداث كربلاء، أي: بعد مقتل الحسين ﵁، بعد ذلك جاءت هذه البدع، منذ أن جاءت هذه البدعة ما ولي إمام من أئمة الرافضة قط.
إذاً: أحسنوا ظنكم بالله يا من تدعون أنه لم يول أحداً من أوليائه الذين تقولون إن الله اختصهم بغاية العلم والحكمة، ويعلمون الغيب، ويدبرون كل شيء، وأعطاهم مفاتيح الكون، (ولولاك لولاك ما خلقت الأفلاك) كل هذا الاعتقاد العظيم فيهم وما تولوا إذاً: ظنكم بالله ظن عجيب غريب من أين تأتون به؟! وأعجب من ذلك أنه يمكن لأعدائهم ويوليهم وينصرهم، ويفتحون البلاد وتثني عليهم الأمة، وتؤلف فيهم الكتب، إذاً: لا بد أن تصححوا نظرتكم إلى الله.
ونأتيك بجواب مفحم لا يستطيع الروافض أن يرفعوا رءوسهم بعده، نقول: مثل هذا القول في حق أهل البيت وفي حق أعدائهم -كما تزعمون- قالته اليهود والنصارى في حق رسول الله ﷺ ، فالقاعدة واحدة، كيف؟ اليهود والنصارى كفروا برسالة محمد ﷺ ، وقالوا: إنه مفترٍ، افترى على الله الكذب وجاء برسالة، إذاً: ما الدين الحق الذي يقبله الله ولا يرضى غيره؟ قالوا: ما عليه اليهود والنصارى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة:١٣٥] أفيسلط الله كذاباً دجالاً مفترياً فيستولي على ممالك هذا الدين الحق، ويقتلهم ويأسرهم، ويضرب بالسيف رقابهم، ثم يستعبد من شاء منهم، ثم يظل الملك والشأن والرفعة والمجد له ولأمته أبد الآبدين، طوال الدهور، هذا ظن بالله سيء! إذاً: إما أن يكون الله لا حكمة له في أفعاله، حيث ينصر عدوه وهو يفتري عليه ويقول إنه رسول من عنده، ويأتي بكلام فيقول: هذا كلام الله، ويدعي الرسالة من الله وأن الوحي ينزل إليه، والدين الحق اليهودية والنصرانية كما تزعمون، ذليلة مهانة مضطهدة معذبة، ويقضى عليها في أغلب بقاعها الأساسية المهمة لها، وهي منقطة حوض البحر الأبيض يعني: لا يمكن أن لا يكون هناك حكمة أبداً، ولا يستطيع عاجز أن ينصر أولياءه، على أعدائه، أو أنه الواجب الآخر وهو أنكم أنتم ظننتم به غير الحق وما قدرتموه حق قدره، ويكون هو نصر وليه ونبيه ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، ويكون دينكم باطلاً لا حقيقة له، هذا دليل.
فهذا يتفق مع حكمة الله ومع أفعال الله ﵎ في خلقه، فهذا القول قول الرافضة مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين إنه أرسل ملكاً ظالماً، فادعى النبوة لنفسه وكذب على الله، وأخذ زماناً طويلاً يكذب على الله كل وقت، ويقول: قال الله كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا وينسخ شرائع أنبيائه ورسله، ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم، ويقول: الله أباح لي ذلك، والرب تعالى يظهره ويؤيده ويعليه ويقويه، ويجيب دعواته، ويقيم الأدلة على صدقه، ولا يعاديه أحد إلا ظفر به، فيصدقه في قوله وفعله وتقريره، وتحدث أدلة تصديقه شيئاً بعد شيء إلى يوم القيامة.
يعني: أن النبي ﷺ ليست آياته معجزة واحدة ثم تنتهي كما كان الرسل من قبل، وإنما كما قال ﷺ : (وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) كلما جاء زمن تجدد فيه ما يدل على صدقه، وتتجدد الدلائل على أنه نبي، وبما يقع من أخبار وأحداث أخبر عنها ﷺ قبل وقوعها، ولا يمكن أن يتوقعها بشر، ولا أن يقولها أحد إلا بعلم من الله ﵎.
يقول: ومعلوم أن هذا يتضمن -يعني: كلام اليهود وأتباعهم- أعظم القدح والطعن في رب العالمين.
فقارن بين قول هؤلاء اليهود وقول إخوانهم من الرافضة، تجد القولين كما قال الشاعر:
رضيعي لبانٍ ثدي أم تقاسما بأسحم داج عووا لا نتفرقا
يعني: أبداً لا نتفرق، كأنهم أخوان رضعا من ثدي واحد وأقسما: أننا لا نفترق أبداً، يعني: القاعدة واحدة، ما يقال في حق اليهود يقال في حق الروافض.
стр. 2734
ما قدر الله حق قدره من نفى التحسين والتقبيح للعقل
ثم قال: (وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه يجوز أن يعذب أولياءه ومن لم يعصه طرفة عين، ويدخلهم دار الشقاء، وأن يثيب أعداءه ومن لم يطعه طرفة عين ويدخلهم دار النعيم، وأن كلا الأمرين بالنسبة إليه جائز، وإنما الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك).
وهذا من إنكار الحكمة، فهو تابع لموضوع إنكار الحكمة أو إنكار التعليل.
لكن هنا أيضاً ملحظ آخر وهو أنهم يقولون: إن العقل لا يحسن ولا يقبح، فلو أن الله ﵎ -كما يقولون هم- أتى بأفضل الأولياء وأدخله النار فذلك جائز، وأتى إلى أعدى أعدائه وهو الشيطان وأدخله الجنة فذلك جائز عقلاً، لكن الشرع جاء بخلاف ذلك، فلولا أن الخبر الشرعي جاءنا لقلنا يحتمل هذا وهذا، تعالى الله عما يصفون! لا والله لا نعتقد ذلك، بل الله تعالى أعطانا من العقول ما نعرف أن هذا الأمر لا يليق به، إذاً: العقل له دخل في معرفة التمييز بين الحق والباطل، في معرفة الصواب من الخطأ من خلال ما يأتي في الوحي تفصيله وبيانه، ولهذا وصف الله رسوله ﷺ بأنه الرسول النبي الأمي الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، قال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] وهي تدل على منهج أهل السنة والجماعة ولا تدل على مذهب الأشاعرة وذلك لأن الله وكل إلينا معرفة الطيبات من الخبائث بعقولنا، ولو كان العقل لا يحسن ولا يقبح لما كان لهذه الآية أية دلالة.
وهذا دليل على أن الله فطر الناس، وركز في عقولهم قدراً يعرفون به الحق، فيأتي الشرع فيصدقه، ولو عرض عليهم دين آخر باطل محرف لما قبلته عقولهم، بل تقول عقولهم: لا يمكن أن يكون هو دين الله ﵎.
يقول: قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٧ - ٢٨] سبحان الله! هل يمكن هذا؟! كل الأمم اليوم إلا من عرف الله تعتقد ما نفاه الله، تعتقد أنه خلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، وأنه يجعل المتقين كالفجار والفجار كالمتقين، والمفسدين كالمصلحين، لأنهم ينكرون البعث والجزاء والحساب.
: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية:٢١ - ٢٢] وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] لا يليق بالله ﵎ أن يجعل هؤلاء كهؤلاء أبداً.
стр. 2735
ما قدر الله حق قدره من كذب بالقيامة
إذاً: لم يقدر الله ﵎ حق قدره من زعم أنه لا يحيى الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع الخلق ليوم يجازى فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه، ويكرم المتحملين المشاق في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويبين لخلقه الذي يختلفون فيه، ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ [النحل:٣٨] انظر كيف ظن الكفار بالله، ظن السوء، أقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴿بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل:٣٨ - ٣٩] هذه حكمة عظيمة جداً، والأخرى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل:٣٩] وكيف يعلمون ذلك؟! أولاً: ليبين لهم الذي يختلفون فيه مسلمين وكفاراً، الدماء يومياً تنزف في هذه الأرض منذ أن جعل الله ﵎ الحق والباطل، منذ أن خلق الله السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، وجعل جيشاً للإيمان وجيشاً للكفر جيشاً للتوحيد وجيشاً للشرك، جبهةً لأهل الطاعات وجبهة لأهل المعاصي، والمعارك قائمة في كل مكان، وفي كل بيت وكل مجتمع وكل قرية، ودماء تراق وتهدر.
خلاف كبير جداً، ألا يبين هذا الخلاف؟! سبحان الله، لا يليق هذا بالله! طيب! هناك ناس يقولون: إن المسيح هو الله، كل يوم ألف ومائتا لغة يترجم إليها الإنجيل، محطات إذاعية تقارب الألف محطة بجميع اللغات في العالم، تقول: الرب (يسوع) الإله المخلص ويأتي اليهود فيقولون: هذا ابن زنا، هذا كذا، تعالى الله.
فهؤلاء غلوا وهؤلاء كفروا من جانب التنقيص، والمؤمنون يقولون: سبحان الله! هذا عبد الله ورسوله، إذاً: خلاف كبير بين هذه الأمم الكتابية الثلاث الرسالات الثلاث الأديان الثلاثة في العالم، خلاف كبير جداً الآن، فمن يبين لو لم يكن هناك يوم قيامة؟ لو مات اليهود وهم يعتقدون أنهم على الحق، والنصارى وهم يعتقدون أنهم على الحق، والمسلمون يظلون على هذا الاعتقاد؟ والأجيال تمر وكل واحد يظن أنه على الحق، لكن يأتي يوم القيامة ليبين لهم الذي يختلفون فيه، تعالوا فيبين يوم القيامة فيقول: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦] هنا يظهر، عيسى نفسه ﵇، أأنت قلت؟ تعالوا يا إذاعات الإنجيل والتبشير، كل ما تقولونه وتزعمونه اسمعوا الجواب الآن من عيسى، والمسلمون الحمد لله يعلمون أنهم على الحق، واليهود يعلمون أنهم كاذبون: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل:٣٩] وقس على ذلك.
إذاً: فمهما حلف الكفار وأقسموا جهد أيمانهم أنه لا يبعث الله من يموت: ﴿بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٣٨] * ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل:٣٩].
يأتي المشرك بالعظم فيفته ويقول: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨] ويجيبه الله :: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩] لكن لو ما أتى البعث بعد ذلك من يصبح الكاذب ومن يصبح الصادق؟ تختل الأمور والموازين، إذاً: هناك حكم عظيمة، فمن أحسن ظنه بالله، ومن قدر الله تعالى حق قدره آمن بها، أما من كان غير ذلك فإنه هو الذي يكفر بالبعث وبالحياة بعد الموت.
следующие страницы →