← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

غرض الدعوة إلى الله وغرض الدعوة وهدفها هو تنزيه الله ، وكثير من الناس لا يفقه غرض الدعوة إلى الله، ألا ترون المشركين والمنحرفين عن الدعوة الصحيحة؟ لو تدبرت أحوالهم لوجدت أنهم لا يسبحون الله, ولا نقصد أنهم لا يقولون: سبحان الله؟ لا, بل هذه يقولها أكثر الناس وأكثر المصلين من أهل البدع والضلالة والشرك, بل نقصد أنهم لا ينزهون الله عما لا يليق به, وهي لا تعني كلمة أو لفظاً باللسان, بل تنزيه الله عما لا يليق به. والنصارى عندما قالوا: إن لله تعالى ولداً, هل هم مسبحون لله؟ لا أبداً: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ* إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) [المؤمنون:٩١] عباد الله المخلصين فقط، أما غيرهم فإنهم لا يسبحون الله ، بل ينسبون له الولد والصاحبة، ويزعمون أن معه شريكاً. والذين يقولون: إن الشريعة أو الدين لا يصلح للتطبيق في القرن العشرين, قرن الحضارة والعلم والتكنولوجيا, هؤلاء لا يسبحون الله ولا ينزهون الله عما لا يليق به, بل هم ينسبون إليه ما لا يليق به, وهو أنه -تعالى عن ذلك- جاهل لا يدري أن الحضارة ستأتي, أو هو يعلم أن القرن العشرين سيأتي بحضارته, لكنه لا يستطيع أن يجعل له من الشرع ما يلائمه وما يناسبه, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. إذاً لا يسبحون الله , وكل من دعا إلى اشتراكية أو ديمقراطية أو بعثية أو أي اسم مهما كان: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً* لَعَنَهُ اللَّه) [النساء:١١٧]. فكل من دعى إلى غير الله فنهايته أن يصل إلى الشيطان، لأن هؤلاء لم يسبحوا الله : مثل الذي يقول: الإسلام كله يعجبني بل وأدعو إليه, وأرجو وأحب أن تدعوني إليه -أيها الدعاة- إلا مسألة المرأة, فلا بد أن تعمل ولا بد أن تخرج وأن تتبرج وأن تشارك في وسائل الإعلام وفي كل مجال, فهل نزّه الله هذا؟! لا، لم ينزه الله أبداً، لأنه اعترض على حكم من أحكام الله, ورأى أن رأيه أفضل منه. إذاً ندعوه إلى أن يؤمن بالله, وأن يسبح الله, ويوحد الله . فغرض الدعوة هو تسبيح الله وأن ينزّه الله, فتنزيه الله ركن أساس في الدعوة إلى الله ، وقد ضربنا الأمثلة على ذلك.

стр. 282

التحذير من الشرك ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩] بعد أن ذكرنا جانب الإيمان, نأتي الآن إلى الاحتراز, فنحترز من أعظم ذنب عُصِيَ الله به، الذنب الذي لا يغفره الله أبداً إلا لمن تاب, الذنب الذي حرم الله ﵎ على فاعله أو صاحبه الجنة أبداً إلا أن يتوب, ومن لقي الله وهو مذنب بهذا الذنب فإن مصيره الخلود في النار, فما هو هذا الذنب العظيم؟ إنه الشرك: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٧٩].

стр. 283

تحذير الأنبياء من الشرك إبراهيم ﵇ لما دعا الله ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] , قال ابن تيمية ﵀: 'ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم'. الله أكبر! إمام الموحدين الذي حطَّم الأصنام يدعو بهذا الدعاء, والذي جاهد لكي لا يعبد إلا الله, والذي ذبح ابنه امتثالاً لأمر الله, وإن لم يقع الذبح لكن قد فعله وصدق الرؤيا, وامتثل أمر الله, من أجل توحيده لله، وامتثاله لأمر الله, المر الذي هو فامتثله رؤيا رآها فتله للجبين. وهذا إبراهيم ﵇ الذي هاجر في الله، وفي ذات الله، ودعا إلى الله, وجعله الله إماماً للناس, وأوحى إلى داعية التوحيد العظيم محمد ﷺ : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل:١٢٣] هذا نفسه يدعو الله: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم:٣٥] يدعو الله أن يجنبه الشرك, سبحان الله! إذاً الشرك خطير, يقول ابن تيمية ﵀: 'ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم' من يأمن؟ لا تقل: إن الكلام قد كثر كل يوم عن الشرك, والناس موحدون والحمد لله وهم مسلمون, سبحان الله! هل أنت أكثر توحيداً من إبراهيم الخليل؟! لا، والله, لما أمره الله تعالى أن يبني هذا البيت العظيم, الذي هو قبلة الموحدين في جميع أنحاء العالم إلى يوم الدين, ماذا قال ﵎: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] يا إبراهيم! ابن البيت، ولا تشرك بي شيئاً, فهذا أول أمر يؤمر به إمام الموحدين: ألَّا يشرك بالله, فلم يقل: يا رب! أنا إمام الموحدين, أنا الذي وحدتك تنهاني عن الشرك؟ وإذا نهيت أحداً أو تكلمت أو حذَّرت من الشرك, قيل: ليس عند هؤلاء الناس إلا الشرك؟ ولا يتكلمون بغير الشرك؟ سبحان الله! وماذا قال لمحمد ﷺ وهو إمام الدعاة إلى الله، الذي يجب على كل داعية أن يقتدي به إذا كان من أتباعه: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥ - ٦٦]. فمحمد ﷺ يقول له ربه: قد أوحي إليك يا رسول الله, وإلى الذين من قبلك من الرسل -ومنهم إبراهيم إمام الموحدين- لئن وقع منك ذلك الشرك ليحبطن عملك. سبحان الله! العمل كله؟ نعم, الجهاد, والدعوة, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والهجرة, والصلاة, والزكاة, كل ذلك يحبط منك يا رسول الله ومن قبلك لو أشركتم بالله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] فهو خاسر, مع أنه يأتي بتجارة كبيرة جداً ولكنه خاسر في الحقيقة. فبعض الناس كالنصارى -مثلاً- ترك الزواج، وترك الدنيا، ولكنه يذكر الله ليل نهار، انقطع عن كل شيء إلا عن العبادة -كما يزعمون- لكن يوم القيامة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [الفرقان:٢٣] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]. يقول: يا أخي! أنا أحمد الله، وأنا دائماً أذكر الله, وأصلي, وكل يوم أقرأ القرآن, ودائماً في جهاد, ودائماً آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر, فيقول: ما الذي تريده منا؟ نقول: هذه الثروة العظيمة من الحسنات لا تقبل ولا تتحقق إلا بتوحيد الله , اجتنب الشرك, ولا تأنف ولا تستكبر عمن يقول لك: لا تشرك بالله, لأنه قال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] فتذهب كل هذه الأعمال: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥] الذين يرون هذه الأعمال العظيمة تذهب هباءً منثوراً, ولا يستفيدون منها بشيء: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ وهنا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]. هنا قدّم الضمير، وهناك قدم الاسم العلم: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٦] هكذا أمرنا ربنا , فأول الأمر وآخره هو توحيد الله .

стр. 284

الشرك في أعمال القلوب توحيد الله يقوم بتحقيق أعمال القلوب, أن تكون خالصة لله ، ومن أهم أعمال القلوب: الإخلاص ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] وبعد ذلك: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥] الإخلاص لله ، الصدق مع الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، وقد قالها بعد أن ذكر أصناف الناس السابقين من الأولين، ثم ذكر الذين مردوا على النفاق , ثم ذكر الذين هم مريدون لأمر الله, ثم ذكر الثلاثة الذين خلفوا, ثم ذكر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] أي: مع الأولين والسابقين، مع الأولين لا مع المنافقين الذين ذكر الله شأنهم في هذه السورة -التوبة- وفي غيرها, فلا بد أن تصدق مع الله، ويجب على كل إنسان أن يكون صادقاً مع ربه بإيمانه به وليس نطقاً بقوله. ومن أعمال القلوب التي تحقق لنا التوحيد: الخوف من الله وحده لا شريك له, ولو فطن الدعاة إلى هذا لرأيت العجب العجاب في الدعوة إلى الله, ولو أن كل مؤمن لم يخف إلا الله, ولم يخف أحداً من البشر كائناً من كان في أمر يغضب الله لرأيت العجب العجاب من التمكين والعز والنصر. لكن الإنسان يقول: لو اتقيت الله, ولو اتبعت ما أمر الله، لفعل بي فلان الذي هو أعلى مني في الوظيفة كذا! فهو يخاف من فلان لأنه أقوى منه, ويخاف من كذا، فأخافنا الشيطان: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ [آل عمران:١٧٥]. فالله جعل ذلك الخوف منه وحده, ولو خفنا من أعداء الله ولم نخف من الله فلن ينصرنا الله ﵎ عليهم أبداً, بل جعل الله تعالى طريق النصر كما بين: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] فالأعداء يكيدون لنا، ولا توجد وسيلة مما في علمنا أو عقولنا أو خيالنا إلا وقد حاربونا بها, وهذا حق كما ترون الآن في هذا الزمن, وفي كل لحظة، وفي كل دقيقة, فنحن مستهدفون ومحاربون, بالذات في هذا البلد الآمن المطمئن, القائم على دين الله , ففي كل لحظة تجد الحرب الشرسة علينا، لكن إذا خفنا منهم إذاً أشركنا, فما الطريق؟ وما الحل لمواجهتهم؟ ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ [آل عمران:١٢٠]. إذا صبرنا واتقينا الله : ﴿لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] لا يضرك كيدهم أبداً. أقول: الأعداء يُخططون لنا ولكل المسلمين، وكثير من المسلمين لا يعرفون ذلك، انظروا إلى ما في التلفاز، وإلى ما فيه من المسلسلات، وإلى الفيديو، فإن هذا من تخطيط الأعداء لإفساد الأخلاق, وكثير من الناس يقولون: لا أستطيع أن أصبر على مشاهدة هذه الأشياء, ثم يسأل: لماذا الأعداء ينتصرون علينا؟ أنا أقول: إذا كنت لا تستطيع أن تصبر على هذا، فكيف ينصرنا الله ونحن بغير تقوى؟! نحن المسلمين لم ننتصر على أنفسنا وعلى شهواتنا، فكيف ينصرنا الله على الكافرين؟! نحن المسلمين إذا تمكن بعضنا من بعض, تجد أن تقوى الله لا تمنعه ولا تردعه من أن ينتقم منه أو أن يظلمه إلا من ﵀, لكن هذا هو العموم، فكيف يولي الله الظالمين؟ كيف يورث الله الأرض للظالمين؟ وانظروا كم في المحاكم، والشرط، والإمارات، والإدارات من شكاوى لا بد فيها من ظالم ومظلوم, فنحن نظلم بعضناً بعضاً بهذه الكمية الهائلة, ونريد أن يورثنا الله الأرض, ونقول: لماذا لا يُمكِّن الله لنا نحن المسلمين في الأرض؟ وكل جمعة ندعو: اللهم أعز الإسلام والمسلمين, وأذل الشرك والمشركين, ومجد ووحد واجمع! دعاء لا عمل معه, فكيف يولي الله الظالمين؟ لو جمع كلمتنا ونحن بغير تقوى ولا صبر لدمرنا الدين -والعياذ بالله- لكن تفرقنا في هذه الحالة أفضل وأحسن, فهذه حكمة من الله . إذاً لا ينفع إلا أن نصبر وأن نتقي الله, والشاهد أن الخوف من الله , هو أحد أهم أعمال القلب التي يجب أن يوحد الله بها. والصبر من أعمال القلب أيضاً, التي يجب أن تُفرد وأن تتحقق، فإذا كنا ندعو إلى توحيد الله وإلى العقيدة الصحيحة, فمعنى هذا أن ندعو أيضاً إلى الصبر؟ حيث نصبر على طاعة الله, ونصبر عن معصية الله, ونصبر على أحكام الله الشرعية, ونصبر على أحكام الله القدرية, وعلى المصائب التي تقع ويكون موقفنا منها الصبر, لأن الله تعالى هو الذي قدَّر ذلك وكتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. وأيضاً: الرغبة, والإنابة, وكثير مما ذكر الله ﵎ في القرآن الكريم من أعمال القلوب يجب أن نحققها وأن نوحد الله فيها.

стр. 285

لكي نحقق التوحيد وإذا أردتم أن نوجز ذلك كله، فنقول: كلٌ منا يقرأ كتاب الله ، فإن هذا هو مصدرنا الأول في عقيدتنا وشريعتنا، وكل ما ينبغي علينا هو أن نقرأ هذا القرآن، وانظروا ماذا يريد منكم منزله وقائله -مثلاً-: أنا أقرأ وأنظر ماذا يريد مني ربي ، إذا ذكر لي العبر عن الأمم الماضية, ماذا يريد؟ وإذا ذكر لي طريق الجنة وطريق النار, ماذا يريد؟ فإذاً أكون كما يريد الله, وأدعو إلى هذا الذي يريده الله مني, وأمتثله بنفسي وأدعو إليه, وإذا قرأنا ذلك فإن علينا بعد ذلك أن ننظر كيف يدعو الناس؟ كيف تدعو المناهج البدعية إلى الله؟ فنعرف أنها تبتعد عن منهج الدعوة الصحيح بمقدار بعدها عن هذه الحقيقة التي نقرؤها في سورة الفاتحة, وفي الإخلاص، وفي الكافرون، وفي العصر، وفي التكاثر، وفي الفجر، وفي عمّ, ففي أي سورة هناك قضايا محددة مهمة, يتنوع الحديث عنها, ولكنها قضية واحدة, هي توحيد الله, وطاعة الله, وامتثال أمر الله, والعمل من أجل الجنة والفوز برضى الله, وترك كل ما يُؤدي إلى غضب الله وإلى عقوبته, وإلى الدخول في النار التي أعدها الله للكافرين, عافانا الله وإياكم منها. فأعظم شيء في منهج الدعوة إلى الله, هو أن تكون الدعوة إلى الله على توحيد الله . فإن قيل: هذا يحتاج إلى عمل طويل, وجهد كثير؟ نقول: نعم, هذا حق, لكن لا طريق غيره, فإن كنت تريد طريقاً آخر فلن يوصلك إلى ما تريد, واذهب إلى ما شئت من الطرق التي تراها معبدة أو سهلة, لكن لن تصل إلى الهدف, فالطريق إلى تحقيق توحيد الله والدعوة إلى الله حقاً هي هكذا, وهذا هو حالها وشأنها, ورسول الله ﷺ استمر عشر سنوات في مكة وهو يربي الناس على معنى (لا إله إلا الله) ثم نزلت الصلاة فزادت معنى (لا إله إلا الله) رسوخاً وثباتاً، ثم ذهب إلى المدينة وشرع الجهاد من أجل (لا إله إلا الله) ثم جاءت الزكاة من أجل إقامة دين الله, ومن أجل الإنفاق على المجاهدين في سبيل الله, ولإعلاء كلمة الله, ثم جاء الصوم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لماذا؟ ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣] فهذه الشريعة من أجل تحقيق التقوى التي جاءت بها (لا إله إلا الله) ثم شرع الحج وهو إلى البيت الذي بناه إبراهيم: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] فتحج وأنت تقول: لبيك اللهم لبيك, لبيك لا شريك لك لبيك, كل مرة وأنت تكرر معنى شهادة أن لا إله إلا الله. إذاًَ: أعظم شيءٍ يجب أن نحققه هو توحيد الله ، وأن تكون كل عباداتنا خالصة لوجه الله, موافقة لشرع الله وسنة رسول الله ﷺ . وأعظم مادة يجب أن نهتم بها في المدارس هي مادة التوحيد, وهي القرآن؛ لأن القرآن هو مصدر العقيدة الأول، والحديث -وهو المصدر الثاني للدين وللعقيدة، فلا نعطي هذه المواد إلا للمدرس الكفء، الذي يستطيع أن يُبين للطلبة هذا الدين، ويحبب إليهم هذا الدينز ويجب أن نعلم أن علوم الطبيعة والأحياء وكل ما يتعلق بالعلوم المسماة اليوم: المواد العلمية, كلها تخدم التوحيد -والحمد لله- لأنها من النظر في ملكوت السماوات والأرض, ومن التفكر في آيات الله, ومن السير في الأرض: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت:٢٠]. وعلم التاريخ -أيضاً- مما يخدم العقيدة ويجليها ويوضحها, إذا كان المنهج والمدرس صالحين، لأن الله قص علينا في القرآن الكثير منه, وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:٦ - ١٣] فكيف ندرس هذا الكلام في حصة القرآن, ثم إذا جئنا بمادة التاريخ، يقول: الفراعنة كانوا وبنوا وعملوا وشيدوا, ومع الزمن ومع الغزوات وكذا ذهبت حضارتهم, هذا غير ما قرأنا في الآيات قبل قليل، يجب أن تربط الآيات مع التاريخ. والحمد لله أننا ما زلنا على مستوى جيد -والحق يقال- ولو وجد المدرس الذي يحسن ويزيد شرحها وعرضها لكان الخير بإذن الله. والمقصود: أن كل المواد تخدم العقيدة الصحيحة, وكل ما يمكن للإنسان أن يستغله للخير يجب أن يُسخره من أجل هذه العقيدة، ومن أجل التوحيد، ومن أجل أن يعبد الله وحده لا شريك له، جعلنا الله وإياكم من الموحدين المؤمنين, إنه سميع مجيب.

стр. 286

الأسئلة

стр. 287

الدعوة في أبناء المنطقة السؤال نيريد من فضيلة الشيخ توجيه نصيحة للطلاب الذين يدرسون في المدن، وفي الجامعات، ولكن عندما يتخرجون لا يرغبون في الرجوع إلى المنطقة, علماً أن المدارس وغيرها بحاجة إليهم؟ الجواب إن الدعوة إلى الله كما في هذه الآية -التي كانت موضوع المحاضرة-: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] , فيجب على أتباع النبي ﷺ أن يدعوا إلى الله, ومن درس وطلب العلم الشرعي الذي ينفع ويفيد, فأولى به وأحرى أن ينذر عشيرته الأقربين, والطفيل بن عمرو الدوسي عندما عرف توحيد الله جاء إلى قومه وهدى الله تعالى به دوساً, كما دعا لها نبي الله ﷺ . وكذلك كان حال الصحابة الكرام رضوان الله ﵎ عليهم, ونحن لا نقول إن الإنسان لا يدعو إلى الله إلا في بلده, بل يدعو إلى الله في المدن وفي القرى وفي الأرياف, ولكن من أتيح له أن يأتي إلى بلده وإلى قبيلته وإلى عشيرته وأن يدعو إلى الله فيها, فأنا أرى أن ذلك في الحقيقة أولى. ويعرف بعض الإخوان أن في الجامعة عندنا, أننا نقول له: اذهب إلى المنطقة, وتعين فيها, وننصحهم بذلك لما رأينا من الحاجة هنا, لأننا كنا نظن أن الدعوة إلى الله في المدن أحوج، نظراً لما تتميز به هذه المناطق الريفية -والحمد لله- من التمسك بالفضائل والأخلاق الطيبة, والعادات الحسنة, لكن لما رأينا أنها قد ابتليت كما ابتلي فيها غيرها, وأن الأمر والحاجة عامة هنا وهناك. فإذاً ينبغي أن يتوجه أهل هذه المنطقة إليها، وكذلك كل من بقي هناك ورأى أن من المصلحة والخير للدعوة أن يبقى هناك, فالواجب هو الدعوة إلى الله على الجميع وفي كل مكان.

стр. 288

أسباب التقاعس عن الدعوة السؤال بعض الدعاة نراهم في فترة من الفترات أصحاب نشاط دائم في الدعوة إلى الله, ثم فجأة يصيبهم تقاعس عن الدعوة, والركون إلى كسب المنفعة, فما هي الأسباب بارك الله فيكم؟ الجواب الأسباب كثيرة, ونحن قلنا: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, والإنسان إذا دعا إلى الله فإنما يعبد الله, والعبادة جميعاً هي كذلك. وكما تلاحظ أنك أحياناً تصلي لله صلاة خاشعة وتقرأ القرآن في خشوع, وأحياناً لا تجد ذلك الخشوع في صلاتك ولا قراءتك, والدعوة هي جزء من العبادة, والشيطان الذي يأتيك في قراءتك وصلاتك, يأتيك -أيضاً- في دعوتك, لكن ربما كان المثبط في الدعوة والداعي إلى الكسل فيها أقوى، لأن فيها ما نسميه: الاحتكاك بالناس, فالأرحام حزنوا، والأقارب تأثروا, والأبناء رفضوا, والجماعة وفلان , وهذا لا بد فيه هكذا, وتجده يقول لنفسه: إذا اهتديت أنا في نفسي واستقمت وتركت الدعوة, فربما هذا أفضل من هذه المشاكل كلها. وفي الحقيقة أنه لا يهتدي إلا من دعا إلى الله , وهذا من تزيين الشيطان ليضلك، وأنت تظن أن الإنسان إذا بدأ يضعف عن دعوة الغير إلى الله ويتنازل، فإنه يضعف عن التمسك بأمر الله ، وهذا شيء مشاهد. فيا إخوان! الحث الحث! والعزيمة العزيمة! وهذا ديننا دين العزيمة, ودين أخذ الإيمان بقوة, ولا نعني الغلو في الدين, ولكن نقول: يؤخذ الدين بصدق وبإخلاص, حتى ما كان فيه من الرخص, تؤخذ أيضاً عن الإيمان, وعن الصدق, وهي رخصة من الله , فبذلك نكون صادقين مع الله , ولا مجال للداعية إلى الله أن يتثاقل أبداً, وكل إنسان يعمل في أي مجال يمكن أن يقول: قد بلغت الغاية, إلا من كان على سبيل طلب العلم الشرعي, أو على سبيل الدعوة إلى الله, فإنه مهما دعا إلى الله فهو ما زال مقصراً, ومهما تعلم من العلم الشرعي يجد أنه في حاجة إلى أن يتعلم، لأن هذا الطريق لم يتفاوت الناس إلا فيه, ولماذا الدرجات العلى في الجنة؛ وبين الدرجة والدرجة مثل ما بين السماء والأرض؟ لأن هذا التفاوت هو ما بين العزيمة وبين الكسل, وما بين الإقدام وبين التواني والتراخي. ونسأل الله لنا ولكم جميعاً العزيمة على الرشد، والإقدام على الخير, وأن نأخذ ديننا بقوة في كل ما أمر به الله.

стр. 289

من وسائل الدعوة إلى الله السؤال البعض من غيرته على دينه يرى المنكر فيذهب إلى صاحبه ليغيره, وقد لا يوفق بأسلوب صحيح للتفاهم مع ذلك الإنسان, فتكون المشاكل بينه وبين صاحب المنكر، بعدها يحمل ذلك الداعية في قلبه شيئاً عليه, وقد يكون ذلك من باب الانتصار للنفس, فما نصيحتكم لمثل أولئك؟ الجواب لا حول ولا قوة إلا بالله, أنا قلت: إنه لم يتح لنا أن نتحدث عن الجانب الآخر, وهو كيفية الدعوة أو وسيلتها, ولعل بعض الناس يحتاج شيئاً من ذلك, فإن الدعوة إلى الله لا بد فيها من الحكمة ثم الموعظة الحسنة, ثم المجادلة بالتي هي أحسن, وأخيراً بعد ذلك كله المجالدة والجهاد بالقوة, ولابد للإنسان الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من ذلك كله, لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الدعوة, والدعوة هي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر, ولكن أكبر ما نحذر منه هو الشرك, وأعظم ما ندعو إليه هو التوحيد, وكل ديننا قائم على ذلك. وحظ النفس إذا دخل في أي شيء هلك صاحبه وحبط عمله -والعياذ بالله- إلا أن يتوب ويستغفر الله . فلا بد من الأسلوب الحسن، وإنكار المنكر، ولا يعني الأسلوب المباشر, أو الطريقة المباشرة في الإنكار, بأن تقول لمن يفعل شيئاً: لم تفعل كذا؟ لا. يا أخي! التغيير والإنكار لا بد له من أسلوب, ولذلك عندما ننظر إلى الأمة في مجموعها, نقول: لا بد من دعاة إلى الله يدعون إلى توحيد الله وإلى عبادة الله, هذا من أجل أن تتحول إلى ما يرضي الله, وإلى طاعة الله عن طريق هؤلاء. أيضاً: البصيرة والعلم والحكمة والأسلوب المناسب أمور لا بد منها في الدعوة إلى الله ، ولا يعني ذلك أن الإنسان يقول: إذاً لا أدعو إلى الله, وبعض الناس يرى المنكر أمامه، فتقول له: لماذا لا تنكر؟ يقول: لا بد من الحكمة, والحكمة لا تعني عدم العمل, ولكن المقصود بها العمل بالأسلوب الأمثل والأسلوب الصحيح. فالمنكر الذي في بيته يغيره باليد إن كان في ولايته, أو كان يستطيع أن يغيره بيده, فإن كان المنكر لا يدخل في نطاق ولايته الشرعية ولكن يتعلق بالآخرين, فلا بد أن أواجه الناس بالنصيحة وبالموعظة وبالأسلوب الأمثل, ثم بعد ذلك أدعو من له ولاية شرعية لتغيير هذا المنكر, وأنصحه وأعظه إن كان راضياً بالمنكر أن لا يرضى به, وإن كان لا يرضى به, فأبين له أن ينكره وهكذا. فالكلام في هذا يطول, ونقول: لا بد في الدعوة إلى الله وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من الحكمة والأسلوب الحسن, وترك حظ النفس دائماً بعيداً، عافانا الله وإياكم من النفس وشهواتها وحظها.

стр. 290

نصيحة للآباء والأبناء السؤال فضيلة الشيخ: نرجو منكم توجيه الأباء ونصحهم، لأن البعض منهم قد يمنع ابنه من مخالطة الصالحين، بحجة أن ابنه قد يتشدد بالدين أو يخالفهم في ما هم فيه من عادات سيئة؟ الجواب الحمد لله، الحقيقة أنه يجب أن تكون النصيحة للطرفين للآباء وللأبناء: أما الآباء كما هو موضوع السؤال، فلأنك أيها الأب أعظم وأحب من لديك في هذه الدنيا هم أبناؤك، تفتديهم بمالك بل وبنفسك، ولا شيء عندك أغلى من أبنائك، ولا شيء عندك أحب ولا أفضل مما يسعدهم ومما يبلغهم الفوز أو النجاح أو المستقبل الباهر، وأي فوز ونجاح ومستقبل أعظم من تقوى الله، ومن عبادة الله، ومن اتباع أمر الله ودينه، والفوز بالجنة! لا شيء أبداً. فكيف تمنع ابنك من التزود بالإيمان، وتمنعه من التقوى والتقرب إلى الله والاجتهاد في الطريق الذي يُؤدي به إلى الجنة ويبعده عن النار، وهو حضور حلقات الذكر والعلم ومجالسة الأخيار، وإن كانت العادات، أو التقاليد، وإن كان ما كان. لما فتحت علينا الدنيا في السنوات الأخيرة، تركنا عاداتنا كلها من أجل أن نحقق شيئاً من هذه الدنيا، بعض الحرف كنا ننظر لها على أنها غير طيبة، ثم وجدنا فيها الأرباح والمكاسب فتنافسنا فيها، بعض الأشياء التي كانت في الحفلات، وفي الولائم وفي أمورنا الخاصة، فلما وجدنا أن المادة تتحقق بخلاف العادات رمينا بالعادات جانباً من أجل أن نحقق الربح المادي، فكيف لا نرمي بالعادات جانباً في مقابل تحقيق الربح الأكبر؟! ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَاز﴾ [آل عمران:١٨٥] فالفوز الأكبر أن يكون الإنسان مطيعاً لله ومتقياً له ، وأي قرة عين لك إذا كنت تدعو الله كما أمر عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾ [الفرقان:٧٤] فأي قرة عين لك خير من أن يكون لك ابنٌ نشأ في طاعة الله، ونشأ في عبادة الله فيكون ممن يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله يوم القيامة؟! فربما شفع لك وأنت على ذنوب عظيمة، وربما ألحقك الله في درجته في الجنة وأنت على تقصير عظيم، لأن هذا الابن الصالح البار إنما هو منك. فإذاً يجب على الآباء والمقصرين منهم -وكلنا مقصرون- أن نحمد الله بأن رزقنا أبناء صالحين يجبرون ما فينا من تقصير، ولعلهم ينفعوننا عند الله ، لأننا نحتسب تربيتهم ونحتسب تقويمهم وتوجيههم على الحق عند الله . وأما النصيحة التي ينبغي أن تكون مزدوجة فهي إلى الشباب وإلى الأبناء، فلا ينبغي أيها الشباب المؤمنون الطاهرون أبداً أن يكون حالك مع أبيك قبل الهداية أفضل من حالك معه بعد أن اهتديت، كيف تكون هذه الهداية؟ والله يقول: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] فإذا كان هذا الحال معهم وهما يجاهدانك على الشرك والحمد لله ليس في آبائنا من يجاهدنا على الشرك، لكن بعضهم يجاهدنا على البدع أو المعاصي أو العادات الجماعية وهي أقل من الشرك فلا تطعهما، لكن: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥] اتبع سبيلهم، واحضر حلقاتهم ودروسهم، واستفد منهم وشاركهم، لكن مع ذلك صاحب هذين الأبوين في الدنيا معروفاً، وكن باراً بهما وإن كانا كافرين، فلا بد من مصاحبتهم بالمعروف وإن كانا كافرين مجاهدين لك على الكفر. فحقهما عظيم، ولهذا قرنه الله بحقه -كما تعلمون- ولا يخفى على أحد منكم حق الوالدين، لكن لا يأتيكم الشيطان من باب أنني اهتديت، وأبي يكرهني لأنني اهتديت، فما يأمرني أبي به فهو خطأ! لا يا أخي، قد لا يكون الكره لأنك اهتديت، لكن قد يكون الكره لأنك أخطأت في أمر من أمور الدنيا، فقد يكون لأنك لم تتوظف كما أراد، أو لم تبن كما أراد، أو خالفت بعض العادات وهو يرغب أن تتمسك بها، وهكذا لا نجعل الشيطان يأتي ويقول: كل هذه المعاملة لأنك اهتديت، فإذاً اجعل هدايتك سبباً لعقوق الوالدين. لا، فإن من الهداية بر الوالدين، ولو أننا أحسنا إلى والدينا، وإلى جيراننا، وإلى أرحامنا، وإلى زملائنا وعاملناهم بالخلق الحسن الفاضل، لكان هذا أكبر مكسب في الدعوة. وأنا أقول: أحب دائماً أن أسمع الآباء إذا مدحوا أبناءهم أن لا يأتوا بكلمة: لكنه، فتجده يقول: ولدي مستقيم وطيب والحمد لله يحفظ القرآن، ثم إذا سكت حمدت الله، ثم يقول: لكن فيه وفيه فأتألم والله، حتى ولو كان الأب على غير الصواب، لكن يجب أن يكون لديك حكمة لكي تقضي على (لكن هذه) وعلى ما بعدها، وأن تجعل محبة أبيك لك محبة حقيقية كاملة من جميع الوجوه، فإذا لم تكن حكمتي أنا كداعية تنفعني مع أبي وأمي وزوجتي وأبنائي، فأين أستخدمها، وأين يظهر أثر هذه الحكمة؟! فالحقيقة أن الموضوع مهم لأنه يتعلق بالعلاقات الأسرية، وفي كتاب الله إذا كان الموضوع يتعلق بالعلاقات الأسرية تجدون أن الله يفصله تفصيلاً، ويربطه بالتقوى، ويكثر فيه الوعد أو الوعيد، وهذا شيء عجيب لماذا؟ لأن هذا عمل يومي، فمهما كان سبب نجاحك في الدعوة، ولو كان بيتك يضايقك فإنك لا تستطيع أن تدعو إلى الله، ولا أن تعبد الله أبداً؛ لأنه سوف يشوش عليك في صلاتك، وفي قراءتك، وفي عملك؛ وفي كل شيء. فهذه من حكمة الله فلا نهضم هذا الجانب، ولعل النصيحة تكون ثلاثية لا ثنائية. فأنصح المدرسين والموجهين أن يكملوا مهمة الآباء في البيوت ويبينوا للأبناء ضرورة بر الوالدين والإحسان إليهما مع عدم المجاملة في الحق أو المداهنة فيه، أو أن يعصى الله إرضاءً لهما. فالواجب هو على الأبناء وعلى الأباء وعلى المربين والموجهين وعلى المدرسين وعلينا أجمعين.

стр. 291

حقيقة الفن التشكيلي وحكمه السؤال ما المقصود بالفن التشكيلي وإلى أي شيء يهدف؟ الجواب الكلام في هذا يطول، ونحن كما قال ﷺ : ﴿لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه﴾ والفن إذا كان المقصود به ما يراد أو ما نظنه الآن نحن من الفن وهو: إظهار صور معينة من خلق الله، أو مما يعتلج في نفس الفنان أو الشاعر كأن يقول قصيدة جميلة، أو يرسم منظراً جميلاً لا حرج في كل ذلك، وهذا إن لم يكن فيه تأثير على جوانب الدين وصميم التوحيد فهي مما تباح. والحمد لله أن في ديننا فسحة وهو الحنيفية السمحة، لكن إذا ارتبط أدبنا وفننا وشعرنا ونثرنا بمناهج مستوردة لا ندري ما حقيقتها، فأنا أنظر إلى لوحة وأقول هذه تشكيلة، لكن إذا سألت الفنان عنها قال: أنا سريالي، والآخر يقول: أنا واقعي، والآخر رومانتيكي. والآخر يقول: تكعيبي، والخامس يقول: أنا مستقبلي، فما هي هذه التكعيبية والمستقبلية والرومانتيكية، سبحان الله!! هذه ليست مناظر بل هذه عقائد وأديان، فهي تعبير عن أديان واعتقادات معينة نشأت في بيئة لا تؤمن بالله ، والغرب يربطون نهضتهم في القرن الثالث عشر والرابع عشر بنشأة الأدب والفن، فأول ما بدأت وانطلقت النهضة الأوروبية والحضارة الغربية، من إحياء الآداب الإغريقية، وهذا شيء معروف لا ينكره أي إنسان مُطلِّع على الفكر الغربي والحضارة الغربية. فبدأت الحضارة الغربية تشق طريقها بعيداً عن الدين، وعن عصر الظلمات المرتبط عندهم بالدين بشعر دانتي وبـ مايكل أنجلو وبيكاسوا وأمثالهم من الرسامين ومن الشعراء والأدباء. ثم بعد ذلك ظهرت العلوم التجريبية، وأول ما ظهرت في القرن السابع عشر تقريباً، وأول ما بدأت بالآداب، وهذه آداب جاهلية وثنية ثم تطورت على شكل مدارس واتجاهات لا داعي لذكرها، وقد لا تفهم إذا أطلنا في ذكرها، حتى وصلنا إلى ما يُسمى في هذا الزمان بهذه الفنون، أو المدارس في الفن، وهي في الحقيقة عقائد. مثلاً: إذا نظرنا إلى المدرسة الرومانسية أو الرومانتيكية نجد أنها تقوم على الطبيعة في الأساس وعلى المناظر الطبيعية ومناجاة الطبيعة إلى غير ذلك. والسريالية تقوم على الأحلام، لأن سريالي معناها: فوق الواقع، وما فوق الواقع لا يرسم لك شجرة أو نهر، فهذا يعتبر فن كلاسيكي وتقليدي لا يرضى به، لكن يرسم لك منظراً، عبارة عن ألوان متداخلة متشابكة لا تستطيع أن تفهم منها ما يريد الفنان، وإذا سألته يقول: يمكن أي شخص منا أن يرى اللوحة ويفهم منها أي شيء. وأنا أنقل لكم قصتين واقعيتين، والقصص تروح على النفوس أحياناً. القصة الأولى: كان معرض الفن التشكيلي في باريس قبل سنوات، فجاء الزوار من جميع أنحاء العالم، وعرضت اللوحات، وقبل الافتتاح عملوا مسحاً عاماً وقاموا بتنظيف المعرض، فأحد عمال النظافة -عمال أُميين ونحن أيضاً أميين بالنسبة للفن لا ندري كيف شكل اللوحة ولا نعلم ما فيها- نظف إحدى اللوحات ثم قلبها ونكسها -وهذا الكلام موجود في المجلات، وربما منكم من قرأه- وجاء الناس وتزاحموا عند هذه اللوحة، وأخذوا يتعجبون منها، كيف هذا المنظر؟ وماذا يريد الشاعر؟ وكيف هذه الألوان؟ وكيف وكيف؟ فبلغ الأمر إلى صاحب المعرض أن هناك أناس متجمعين، وصاحب المعرض ليس فناناً، إنما هو أمي لا يدري، وقال: لا تؤاخذونا، فإن اللوحة منكوسة، ثم أعاد اللوحة كما هي، ولم يعلم أن الإعجاب إنما أتى من كونها منكوسة. والقصة الثانية: وهي واقعية: إذا قرأتم عن حياة الرسام الرومانسي المشهور بيكاسوا يقولون في حياته: إنه أراد أن يأتي بلوحة لم يسبقه إليها أحد، فماذا فعل؟ أخذ إناءً كبيراً وجعل فيه ألواناً وخلطها مع بعضها، ووضع لوحةً عند ذيل حمار، وأخذ الحمار يصبغ الألوان بذيله، فأصبحت بزعمهم لوحة، ثم بيعت بآلاف الدولارات، وحدَّث بهذا تلاميذه ونشروا ذلك عند الحديث عن حياته. قد يتعجب أحد ويقول: هؤلاء ضد الفن، فنقول: نحن لسنا ضد الفن، ولا ضد الأصالة، ولا ضد أي شيء جميل أبداً، فديننا دين الجمال، ودين الفسحة، وديننا دين النظافة، وديننا دين التفكر، لكن نحن ضد التبعية العمياء، أناس مرضى، لا يدري أحدهم لماذا جاء لهذه الحياة؟ وهو يعاني من الألم النفسي ومن التمزق الداخلي، وأكثرهم ينتحر لأنه لا يعرف لهذه الحياة قيمة ولا معنى، لكن وجد الناس يشهرون به ويمدحونه لأنه سريالي، أو فرويدي، وهو إنما يأتي بهذه الأحلام من الفراغ. فنقول: إن كان هذا الفن عن الأصالة، وتعبير عن أمور حقيقية أو جيدة أو يخدم هدفاً أدبياً فنياً سامياً فمرحباً به، وأنا ما رأيته، ولكن أقول: إن كان كذلك فالحمد لله، وإن كان كما نقرأ عادةً، فيقولون: فنان سعودي سريالي، وفنان سعودي رومانسي وهكذا إلى آخره فلا يا أخي. الفنان المسلم يجب أن يكون مسلماً حقاً لا ينتمي إلى أي مدرسة من هذه المدارس، وعليه أن يتقيد في رسمه بالأصالة، وبما جاء عن الله ، ويرسم الشيء الذي فيه العظة، وما أكثر وما أوسع المجال في ذلك والحمد لله.

стр. 292

الموازنة بين الأعمال السؤال أحب العمل في المراكز الصيفية وأسعى جاهداً لذلك، وقد يكون أكثر وقتي فيه ومن أجله، لكني أرى نفسي مقصراً في قراءة القرآن مثلاً، وفي المحافظة على الأوراد التي كنت أحافظ عليها، وأحس كذلك ببعض الضعف في إيماني، لأني حريصٌ على هداية الآخرين ومقصرٌ في نفسي، فما نصيحتكم؟ الجواب أنصح نفسي وإخواني بالتوازن في أمورنا جميعا، ً وليس هناك تعارض بين العلم وبين الدعوة، ولا تعارض بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج البيت، وداخل البيت، ولا بين العمل بأمر الله في النفس وبين دعوة الناس إلى العمل به، والحقيقة من أين يأتي التعارض، ومن أين يأتي الخلل؟ يأتي الخلل مني أنا، من تصرف الداعية نفسه، فلو أنني غلبت جانباً على آخر ولم أكن متوازناً في هذه الأمور فإنه سوف يحدث هذا الذي ذكر. وانظروا إلى رسول الله ﷺ فهو أعبد الناس لربه ، وأكثر الناس جهاداً، وأكثرهم أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر خارج البيت، وأعظم الناس قياماً بحق الزوجة هو رسول الله ﷺ ، وأعظم الناس قياماً في حق أمر المسلمين والرعية التي كان يرعاها هو رسول الله ﷺ ، فيجب أن نسعى إلى التوازن وإن كان التوازن صعباً، لكن علينا أن نسعى إليه، وأن نجاهد أنفسنا فيه، لعل الله أن يحقق لنا ذلك. ونقول: إن الإنسان يجب أن يقدم الأفضل على الفاضل، والفاضل على المفضول، لأن الإنسان قد يقرأ القرآن لوحده، لكن إذا ذهب إلى حلقة في المركز فيها تجويد وتفسير، فأيهما أفضل: قرآتي وحدي -وقد أغفل- بغير تجويد وبغير تفسير أم تلك التي في الحلقة؟ لا، تلك التي في المركز أفضل وهكذا. وأيهما أفضل: أن أجلس وأسبح الله وأذكر الله -وهذا شيء عظيم ولا شك فيه- أم أن أنكر منكراً أمامي؟ في الحقيقة إنكار المنكر أفضل لأن رسول الله ﷺ قال: ﴿لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيراً لك من حمر النعم﴾ أي: من أعظم ما في هذه الدنيا من المتاع. أحياناً يكون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي أفضل عمل، وأفضل حتى من الذكر وهكذا، فيجب أن يكون عندك من الفقه ما توازن به بين هذه الأمور وتقدم الأفضل ثم الفاضل ثم المفضول.

стр. 293

التشبه بالكفار السؤال تقليد الغرب أصبح من الأمور التي نشاهدها في عصرنا هذا، وخاصة بين الشباب الذين لا يعرفون طريق الحق، فمنهم من يقلدهم في أخلاقهم، ومنهم من يقلدهم في ملابسهم، ولذلك فإنني حين أرى هذا المنظر أحزن عليهم، وحينما أريد أن أدعوهم إلى الحق فإنهم يعرضون عن ذلك، فهل نحن مؤاخذون في ذلك، وما هي الطريقة المثلى في دعوتهم؟ الجواب تقليد الغرب هو عرض وليس هو أصل المرض، ولكن هو عرض من أعراض المرض، وأصل المرض هو أننا لم نعبد الله ولم نؤمن به ونوحده كما أمر، ولهذا تحقق ما قاله ﷺ : ﴿شبراً بشبر وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه﴾ وكما في الرواية الأخرى: ﴿لو أن أحدهم أتى امرأته على قارعة الطريق لفعلتم﴾ حتى عندما صنعوا أفلاماً جنسية صنع المسلمون أفلاماً جنسية -نسأل الله العفو والعافية- وهذه مصيبة عظيمة إذا وقعت في المسلمين، ولذا قال ﷺ في الحديث الذي أشرنا إليه من قبل: ﴿من تشبه بقوم فهو منهم﴾ فمن تشبه بالكفار بعقائدهم وأحوالهم أصبح منهم، ومن تشبه بالأخيار فهو أيضاً منهم، فهذه المصيبة الكبرى التي هي عرض من أعراض المرض الأساسي. أما بالنسبة لقول الأخ: هل نحن مؤاخذون؟ نعم؛ نحن مؤاخذون إن لم ندعُ إلى الله ، وهذا الغزو الفكري وهذا الانبهار بحضارة الغرب وعاداته لا يمكن أن يقاوم إلا بعمل وبجهد إيماني قوي ومتواصل، وعلى جميع الجبهات، وعلى جميع المستويات، لأنه مُكثف ومُركَّز، ويستخدم كل الوسائل والطرق، ولا يمكن أن يقاوم بجهود محدودة أو معدودة أبداً، بل المدرسة تنظر إلى الطلاب وإلى حالهم، ونحارب هذا التقليد في البيت، وكذلك الدعاة أئمة المساجد، وكل إنسان كما قال الأخ: يحزن عندما يرى هذا، وهذا الحزن يجب أن يتحول إلى دعوة، بل إلى دعاء أيضاً. ومن الدعوة: الدعاء وهو أن ندعو الله أن يهديهم، وهذه قضية قد ننساها. أقول: قد دعوت ونصحت وما استجاب لي، لكن هل دعوت الله بيني وبين ربي ، وهذا الإنسان لا يعلم، اللهم اهدي فلاناً، لماذا لا ندعو الله؟ وخاصة بعض الناس لو هداهم الله لاهتدى على أيديهم كثير، ولسد باب من أبواب الشر على الدعوة، وعلى الإيمان، فندعو الله أن يهديهم ، ونبذل الجهود لهدايتهم، وهذا التقليد وغيره هو مما يجب أن نعالجه، وهذا هو شأننا، وهذا هو طريقنا وسبيلنا كما أمر الله، أن ندعو إليه على بصيرة، وأن نحارب هذه الظواهر السيئة الشاذة بجميع أنواعها.

стр. 294

الموقف من الذين يطعنون في الصحوة السؤال يلاحظ في هذه الأيام صحوة إسلامية مما يُبشر بالخير -والحمد لله- ولكن بعض الناس الذين نجتمع معهم يحاولون الاستهزاء، ويعلقون على الشباب الملتزمين، ويقولون: كل شيء برحمة الله وليس بأعمالنا ولا دخل لأعمالنا في دخول الجنة، ولكن برحمته، فما هو واجبنا حيال هؤلاء الشباب؟ الجواب أولاً: الصحوة الإسلامية ليست نشازاً ولا شذوذاً، بل الصحوة الإسلامية هي توبة إلى الله ، أمة كانت ضالة شاردة بعيدة عن أمر الله، ثم اهتدت إلى طريق الله وإلى كتابه وإلى سنة رسوله، فما الشذوذ وما الغرابة من هذه الصحوة؟ والصحوة الإسلامية في بلادنا هذه بالذات، لماذا هي أكبر صحوة، ولماذا شبابها -والحمد لله- أكثر الشباب استقامة؟ لأن الصحوة عواملها عندنا ذاتية والحمد لله؛ فمناهجنا مستقيمة. انظر إلى التوحيد والفقه والحديث في الابتدائي والمتوسط والثانوي، وهناك ثقافة إسلامية في الجامعة، أيضاً توجد الكليات الشرعية، فهذه المناهج -والحمد لله- سليمة، ونقول: إن هذا الكلام هو بحكم الغالب، ولا نعني أنه ليس فيه ملاحظات، لكن المقصود أنها إذا كانت مناهجنا من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فلا نستغرب أن يكون الطلاب على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . ولكن نستغرب من الشاب الذي يقرأ التوحيد والحديث والفقه بجميع مراحله الدراسية، ثم يكون منحرفاً فاسقاً في المقاهي ودور المخدرات، فمن أين جاء الشذوذ؟! جاء الشذوذ ممن شذ عن المنهج الذي درسه، وأيضاً شذ عن تعليم الآباء والأجداد، كل الأباء يدعون الله أن يصلح أبناءهم. إذاً لماذا عندما صلح ابنك تقول: فيه وفيه، فأنت فيما مضى دعوت الله أن يصلحه، وقد أصلحه الله، فهل يصلحه على ما في خاطرك أنت، أنه يصلي فقط ويعمر الدنيا للدنيا؟ لا يا أخي! أصلحه الله كما يريده الله، وتوجيهاتك ونصائحك ودعاءك له من أسباب صلاحه، فأين الشذوذ في صلاحه واهتدائه؟ لا شذوذ أبداً، وعلماؤنا -والحمد لله- هم الذين يقودون الصحوة الإسلامية ويرشدونها، وترون دائماً أن الناس أحب شيء إليهم لو جاء الشيخ عبد العزيز بن باز وأعظم فرحة تزف إليهم لو قيل: إن الشيخ عبد العزيز بن باز سيأتي يوم كذا ليحاضر في مكان كذا، فيأتي الناس من كل المناطق، لماذا؟ لأن الصحوة الإسلامية يقودها ويوجهها العلماء، فهل علماؤنا فيهم شذوذ، لا شذوذ -والحمد لله- بل هم على الكتاب والسنة. إذاً من أين يأتي الشذوذ؟ من الذين يتهمون الشباب، ويتهمون الصحوة الإسلامية. فنحن توحدنا على توحيد الله، وما قامت هذه البلاد ولا تأسست هذه المملكة إلا نتيجة ثمرة من ثمرات التوحيد للإمام المجدد الداعية الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمة الله عليه- فدولة قامت على التوحيد، ودعوة قامت على التوحيد، وبلاد توحدت على التوحيد وعلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، أين الشذوذ فيها؟! بل الشاذ هو في من يخالف سبيل الصحوة الإسلامية، في من يقلد الغرب أو الشرق، أو يستورد ملاهيهم، وما يبعدنا عن ديننا وعن توحيد ربنا ، هذا هو الشاذ وإن كثر، وذاك هو الأصل وإن قل. إذاً لماذا الاستنكار والاستغراب على هذه الصحوة؟ أما قولهم: إنه لا أحد يدخل الجنة بعمله بل برحمته سبحانه؟ فنعم؛ قال رسول الله ﷺ : ﴿لن يدخل الجنة أحد بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته﴾ وهذا لا يتعارض مع قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] ويقول: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢]، وفي الحديث: ﴿لن يدخل أحد بعمله﴾ والجاهل قد يتصور أن هناك تعارضاً، لكن من يعرف كلام الله ولغة العرب فلا تعارض لديه، فقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] الباء هنا سببية، فبسبب العمل الصالح تدخل الجنة أو قد تدخل النار -عافنا الله وإياكم من النار- وبسبب العمل الصالح وبتوحيدهم وبإيمانهم، أي: بسبب إيمانهم وبتوحيدهم أدخلوا الجنة، وما يقوله بعض الناس حق إن كانت الباء هنا للعوض، أي: لا يدخل الجنة أحد بعمله، أي: عوضاً عن عمله وهذا صحيح، فلن يدخل أحد الجنة عوضاً عن عمله، لأن ما أنعم الله به علينا من النعم لا يوازي ما نعبد الله تعالى به من العبادة، ولا يوازي نعمة بسيطة من الله، فهو الذي أعطانا العلم، وأعطانا الهداية، وأعطانا الجسم، وأعطانا القوة، وأعطانا الغذاء والعافية، فنعبده بأمر بسيط مما أعطانا، ونريد عوضاً عن ذلك الجنة، لا يا أخي! هو الذي أعطاك أصلاً، وهو الذي هداك، فإذا قلنا: إن الباء للعوض لا، لا أحد يدخل الجنة بعمله، أي: عوضاً عن عمله، ولكن رحمة من الله أنه جعل العمل سبباً لدخول الجنة. إذاً هناك فرق بين هذه الباء وتلك الباء، والعوام لا يفهمون الفرق بين باء العوض وباء السببية، لكن نحاول نحن أن نفهمهم ونوضحها لهم بطريقتنا إن شاء الله، وكل واحد منا يعلمها لهم بأسلوبه الذي يمكن أن يفهموا به المقصود.

стр. 295

المناهج التعليمية السؤال تحدثتم عن أهمية المربين والمدرسين والمناهج التعليمية، ولكن نلاحظ أن بعض مدراء المدارس يضعون المواد الدينية في آخر الجدول الدراسي، وتكون هذه المواد في آخر اليوم حيث يكون الطالب مرهقاً، وكذلك نلاحظ وضعها في نهاية جداول الاختبارات سواء في الفصل أم في نهايته، فما توجيهكم للأولئك؟ الجواب الحقيقة أن الواجب على الجميع أن يهتموا بديننا، ونحن -والحمد لله- من الناحية الرسمية أهم شيء عندنا هي مواد التربية الإسلامية، فهي أول ما يكتب في الشهادة وأول ما يذكر، وهي المواد التي تُسمى مواد أساسية، بحيث إن الرسوب فيها والنجاح لا بد أن يتجاوز الـ (٥٠%) أو أكثر، فمن الناحية الرسمية الأمر لا اعتراض عليه، لكن من الناحية التطبيقية بعض الإخوة مديري المدارس قد يخطئ فننصحهم، ونسأل الله أن يرشدنا وإياهم إلى أن يلتزموا أولاً بأمر الله في تعظيم ما عظم الله ؛ وهو أمر هذا الدين. ثم أيضاً: الالتزام بالمنهج العام للتعليم لبلادنا في جميع مستوياته، وهو أن الأساس والاهتمام والتركيز هو لمواد التربية الإسلامية، ثم ما يكملها ويعين عليها وهو اللغة العربية، ثم تأتي بعد ذلك جميع المواد، فيجب علينا أن نعرف هذا وليس هذا نظرياً على ورق بل حقيقةً وتطبيقاً وعملاً، ويجب على المسئولين أن يتابعوهم بذلك، وأن ينبهوهم إليه؛ لأن هذا من باب: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].

стр. 296

حكم تفضيل الكفار على المسلمين السؤال فضيلة الشيخ يقول بعض المسلمين: إن الكفار أفضل من بعض المسلمين، ويقصد أن الكفار لا يغشون ولا يخدعون، أفيدونا في مثل هذه المقولات، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب ذكر العلماء ﵏ في أنواع وألفاظ الكفر -وهذا في القديم قبل عصر الحضارة الغربية- أن يقول رجل: اليهود أفضل من المسلمين؛ لأنهم يعطون أجرة المعلمين قبل المسلمين، حيث كانت رواتب المدرسين ليست مثلما الآن من الوزارات، فكانوا في حلقات مجانية، واليهود دائماً تجار وكانوا يحرصون على تعليم أبنائهم، لأنهم أقلية والمسلمين أكثرية، والأقلية دائماً تحرص وتجتهد أنها تنافس الأكثرية، واليهود يدفعون قبل المسلمين، وكان المسلمون كما هم الآن لا يهمهم تعليم أبنائهم، فكان يقول بعض المعلمين وبعض المؤدبين: اليهود أفضل من المسلمين، ويبين سبب الأفضلية؛ لأنهم يدفعون أجرتهم قبل المسلمين، وقد ذكر العلماء ذلك في كتب الفقه، وأن هذا من الكلمات المكفرة، عافنا الله وإياكم. فمن أجل دينار أو درهم تجعل اليهود أفضل من المسلمين! إذاً العقيدة عندك بعد الدينار والدرهم، وأهم شيء عندك الدينار والدرهم، وبعد ذلك الدين أو العقيدة أو الإيمان، وكذلك اليوم إذا قلنا عبارة مشابهة: الكفار أفضل من المسلمين، لماذا؟ قال: لأنهم لا يغشون ولا يكذبون. أولاً: الكفار يكذبون ويغشون ويسرقون وينهبون لكن على غير طريقتنا، فالكافر لا يأكل مثلنا مائة ألف أو عشرة آلف رشوة، لكن الكافر يأخذ المشروع الذي يمكن تنفيذه بمليون ريال وينفذه بمائة مليون أو بخمسين مليون، فهذا ليس غشاً في ظاهر الحال، فهو عقد وقَّعناه معه، لكنه في الحقيقة غش مدروس، غش الأذكياء والمتحضرين لا غش المتأخرين والرجعيين، فمن قال: إن الكفار لا يغشون فقد أخطأ. وأضرب لكم مثلاً: المياه الإقليمية، جميع دول العالم اثني عشرة كيلو متر والولايات المتحدة مائتين كيلو متر لماذا؟ أليس في هذا غش؟ إذا سقطت طائرة فيها خمسمائة راكب، قالوا: أنقذوا منهم الأمريكيين وإن اختطفوهم وسلموا أجروا المقابلة مع الأمريكي فقط، وهذه الشعوب أليست بشراً؟ فهم يغشون بل أكبر غش، وعندهم أكبر عنصرية في كل أمورهم. وقد تقع مشكلة في أبعد بلدان العالم، وتكون فتنة داخلية قامت، وإذا بالكفار يتدخلون فيها ويعطون هذا السلاح، وهذا يدعمونه لهدم هذا البلد، ولتأجيج الفتنة ولينفذوا مخطاطتهم. فالكفار لا يأكلون فرداً ولكن يأكلون شعباً بأكمله، فالكفار يتسببون في أن شعباً من الشعوب ينكب نكبة عظيمة في كل موارده وخيراته، فإذا نكب أرسلت عندهم الجمعيات الخيرية لجنة للإغاثة والإنقاذ، لكن من الذي نكبه في الأصل؟ هم، فيأتي ويقول: يا أخي، هم يبعثون فرق إغاثة وإسعاف مجانية، وهؤلاء الكفار أمرهم عجيب، هذا إذا لم تستخدم هذه الفرق في التبشير وإخراج أولئك عن دينهم. فنحن نغفل عن أشياء كبيرة، الواحد منا الآن إذا كان في صندوق فإنه يحسب نفسه محبوساً، لكن إذا كبرنا الصندوق -مثلاً- أصبح مائة متر مربع فإنه يرى نفسه لم يحبس، فالكفار عرفوا كيف يمددون صندوقهم فيستوعب العالم كله في أيديهم، والعالم يقول: إنه حر، وأنه يتنفس كما يشاء، وهو لا يخرج أبداً عما يخططون ويريدون. إذاً: لا يجوز أبداً تزكية الكفار، لأن الواقع يكذب ذلك، ولأن ما أخبر الله به عنهم هو كذلك، إلا كأفراد إن وجد منهم فرد لم يغشك، فتقول: هذا الكافر تعاملت معه ولم يغشنِ في كذا، لكن أن تقول: إنه أفضل من المسلمين فلا يجوز هذا، وتفضيل الكافر على المسلم هو من ألفاظ الكفر -والعياذ بالله- ولو أنك قلت لمسلم: أنت مسلم والغش لا يجوز، وكيف تغشني وهذا الكافر لم يغشني؟ تريد أن تزجره وتبين له لكان أفضل، ولكان كلامك صحيحاً؛ لأنك تقول: أنت يا مسلم! كيف تغشني، والكافر الذي لا خير فيه لم يغشني؟ أما أن تقول: إنه خير من المسلم فلا، فإنه لا خير فيهم أبداً، فإن الكفار يريدون ألَّا يبقى لنا مال ولا جاه ولا أخلاق ولا حتى صحة، ولا شيء إلا نهبوه، لكن بطرقهم وبأساليبهم. فيجب علينا أن نجعل ولاءنا لله ولرسوله وللمؤمنين، ونخلص في عداوتنا ونمحضها للكافرين أياً كان دينهم.

стр. 297

ضرورة الحرص على صلاة الجماعة السؤال يقول: أنا رجل أصلي في المسجد -ولله الحمد- ولكن لا يوجد من يوقظني لصلاة الفجر؟ ماذا أفعل؟ الجواب الحمد لله أنك تصلي في المسجد، وحريص على الصلاة في المسجد، لكن يجب عليك أن تستكمل الإيمان، ولا صعوبة في الاستيقاظ لصلاة الفجر عن طريق الساعة المنبهة، وهي موجودة في كل مكان. وأضرب لكم مثالاً: إذا كان شخص منا على موعد مهم في دنياه أقل ما فيه إذا كانت الرحلة -مثلاً- ستقلع الساعة أربع ونصف ليلاً تجدنا نسهر طول الليل ولا ننام، وإذا قلت له: يا أخي! لماذا لا تنام وأنا أوقظك؟ قال: لا أطمئن، وأخاف أن تفوت الرحلة. وهذه صلاتك أعظم من كل رحلة، هذه الصلاة غالية، اذهب إلى أي شاب مسلم مستقيم، ولا أقول الكبار لأنهم أحرص على الدنيا لكن الصغار، وقل له: لا تصلي الظهر اليوم وأعطيك عشرة ملايين؟ أو عشرين مليون واترك صلاة الظهر، فماذا سيكون الرد؟ والله لا يقبل أحد منكم هذا. إذاً الصلاة غالية جداً، لكن إذا اجتهدت ونمت مبكراً وأخذت بالأسباب ولم تستيقظ فإن الله يعفو عنك، وهذه نعمة من الله ورحمة من الله أنه لا يؤاخذنا إلا بما فرطنا، والتفريط يكون إذا لم نأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى أداء حق الله وعبادة الله . وأوصي نفسي وإخواني جميعاً بأن نجتهد في هذا الأمر الذي يبدو أنه قد يكون عسيراً وعظيماً، ولكنه يسير على من يسره الله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥].

стр. 298

التفريط في صلاة الجماعة السؤال بعض الناس يصلون -ولله الحمد- وعندهم نزعة طيبة، لكن لا يهتمون بالصلاة، وينصحون بهذا، لكن لا يكترثون في هذا، مع العلم أنهم يصلون، لكن نود منكم بارك الله فيكم أن توجهوا أولئك، والسامع يبلغ الغائب؟ الجواب الحقيقة أن صلاة الجماعة من أعظم شعائر الإسلام التي إذا تركناها تركنا سنة نبينا ﷺ كما قال ذلك عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، ولم يعهد ولم يعرف في عهد النبي ﷺ أحد ترك صلاة الجماعة إلا المنافقين كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله: [[ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق]] ولهذا جاء في الحديث الشريف الوعيد الشديد، كما أخبر النبي ﷺ : ﴿لولا ما في البيوت من الذرية لهممت بأن آمر بالصلاة فتقام، وآمر رجلاً فيؤم الناس، فأخالف إلى أقوام فأحرق عليهم بيوتهم﴾. وهل تظنون أن النبي ﷺ يحرق البيت ويحرق من فيه، ويستحق من فيه الحرق، وإتلاف أو تعريض منزله للإتلاف على أمر هين؟ لا، وليس هو إلا على أمر عظيم، ويظن بعض الناس -مع الأسف الشديد- أن العلماء كما يقولون: إن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبعة وعشرين درجة، يظن أن العلماء كلامهم متعلق بالتفضيل، فإذا كان لا يريد إلا درجة فإنه يصلي الفرض في البيت، وهذا غير صحيح، ولا بد أن نعلم أن العلماء ﵏ اختلفوا هل تصح الصلاة في البيت؟ أي: هل تصح الصلاة في البيت مع إمكان أن تصلى جماعة أو لا تصح، لماذا؟ لأنه لم يرد ولم يثبت في عهد النبي ﷺ أبداً أن مؤمناً غير معذور صلى في بيته، بل لا يصلي غير معذور في بيته إلا المنافق الذي حبط عمله -والعياذ بالله- فبعض العلماء يرى أنها لا تصح، وأن الجماعة شرط في صحتها، والبعض يرى أن الجماعة سنة مؤكدة، وأنها ليست شرطاً في صحة الصلاة، إذاً الأمر عظيم. ونجيب على القول الآخر الذي يقول: إنها سنة مؤكدة بأنه هل أحد من الناس في دنيانا الحقيرة التافهة يرضى أن يعمل عند شخص بريال، وهو يستطيع أن يعمل عند جاره بسبعة وعشرين ريالاً؟ ولو كانت ستة وعشرين، ولو كانت خمسة وعشرين، أو أربعة وعشرين، فإنه يقول: أنا مظلوم، وإذا قال له صاحب المحل: علاوتك ناقصة عشرة ريال، فإنه يقول: لماذا وأنا أستحقها؟ وكيف تنقص علي حتى ريالاً أو ريالين؟ فنجعل هذا ميزاناً للتفاضل، فلماذا في دنيانا نضبط المعايير والمقاييس والموازين ونتفحص؟ وكما يقول بعض الإخوة: إنك لا تعطي صاحب دكان خسمائة ريال إلا ويضعها على السراج ويفركها، ويتأكد منها قبل أن يصرفها لك، فهو يتأكد من الدنيا، ولا يقبل الغش فيها، لكن ديننا أعظم وأهم، فكيف لا نهتم بالغش الذي في قلوبنا. فعلينا أن ننصح هذه القلوب لله ولطاعة الله ولعبادته، ولا بد أن تنصح للمسلمين فتحبهم وتحب لهم الخير كائناً من كانوا، وتنصح لنفسك أولاً بأن تنجوا من عذاب الله ، وتكون نفسك صادقة في إيمانها ناصحة فيه. فأذكر نفسي وإخواني جميعاً بأهمية هذه الشعيرة العظمى، وتعلمون أن الاجتماع أمر عظيم من أمور هذا الدين، وتعلمون أن صلاة الجمعة يجب أن تقام في جميع بلاد المسلمين، في مسجد واحد من مدينة المسلمين، وكان هذا هو الحال مهما كبرت المدينة إلى قرب نهاية القرن الثالث، وبغداد على كبرها وقد كانت أكبر مدن العالم وفيها ملايين السكان، ومع ذلك تقام جمعة واحدة، ومكة جمعة واحدة، والقاهرة جمعة واحدة، وهذا هو الأصل أن يكون لأهل البلد جمعة واحدة لا جمعتين؛ لأن ديننا يقوم على الاجتماع وعلى تكثير المسلمين، وعلى إرهاب عدوهم وعلى إغاظته والفاجر والمنافق إذا رأى الأمة كلها ملئت هذا البر كله وكلهم يصلون الجمعة، وهو متخلف فإنه يأتيه الوازع من نفسه وقد يدفعه ذلك إلأى أن يهتدي -بإذن الله- فالاجتماع وتكثير المسلمين في أمور الخير وفي شعائر الله يجب أن نحرص عليه في أنفسنا، وأن ندعو أيضاً المسلمين إليه.

стр. 299

حكم استقدام الخادمات والعمال غير المسلمين السؤال الملاحظ كثرة العمال غير المسلمين من بلاد الهند وغيرها وكذلك استقدام الخادمات غير المسلمات، فما توجيهكم في هذه الأمور؟ الجواب مما أوصى به النبي ﷺ في مرض موته، ولا شك أن هذا دليل على أهميته، أنه قال: ﴿أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، لا يجتمع فيها دينان﴾ فهذه الجزيرة - جزيرة العرب - لا يجتمع فيها دينان، وقد صدرت الفتاوى والتوجيهات، وتتوالى من اللجنة الدائمة للإفتاء ومن علمائنا -والحمد لله- مما يوجب تطبيق هذا الحديث، وتنفيذه على الجميع، وهو أنه لا يجوز للمسلم أن يستقدم العمال الكفرة من أي بلد، وأن لا يوليهم، ولا يأمنهم، وكيف نؤمنهم وقد خونهم الله؟! وكيف نعزهم وقد أذلهم الله ؟! وكيف نأتي بالكافر ونعطيه من الأموال، وربما كان سائقاً أو خادماً أو خادمة فيطلع على الأعراض، وأخذ الأموال، وربما نهب العرض، وقتل النفس؟ وكم فُعل ذلك، لكن لا نعتبر من تلك الأحداث، بل نعصِ الله تعالى، ولا أحد يعصي الله إلا ويذوق جزاء معصيته لله تعالى. فإن كانوا كفاراً لا يجوز أن يُستقدموا، بل يجب أن يرحلوا فوراً إلا في الأمور الاختصاصية الدقيقة، ولاسيما ما كان من الشئون العامة من أمر يتعلق بالحكومة، أو بولي الأمر ويرون أن هذا اختصاص لا بد منه، أما مشاريعنا وأعمالنا العادية فما الاختصاص الذي لا يجيده إلا كافر؟ ليس عندنا أبداً شيء من هذا. ثم إن الخادمات والسائقين لهم مصيبة أخرى: وهي ما يحدث من الاختلاط، وما يحدث من انتهاك الأعراض، ومن الدمار الخلقي والاجتماعي وما أكثر ما وقع من ذلك، ولكن من الذي يعتبر، وأقل ما فيه أن الخلوة موجودة، حتى لو كانت مسلمة كبيرة في السن ومتمسكة بالدين، لكن الخلوة موجودة ولا محرم لها، ولا نعني أننا نأتي لهما بمحرم ونفرد لهما مكاناً مستقلاً، لكن نقول للذي يستقدم خادمة أو سائقاً -ولو كان كبيراً-: الخلوة حرام. يقول سعيد بن المسيب رحمة الله عليه إمام التابعين وهو من الإيمان والتقوى يقول: [[لو استأمنت على خزائن الدنيا جميعاً لأمنت نفسي عليها، ولا آمنها على جارية أو على عجوز شوهاء بنت ثمانين سنة]] لا أستأمن نفسي على المرأة، لأن هذه رغبة جنسية، وهذا الدافع لا يمكن للإنسان -أحياناً- أن يحول وأن يقف دونه أبداً، فقد يأمن الإنسان نفسه أن لا يغش ولا يكذب ولا يخون أو كذا، لكن لا أحد يأمن نفسه أن يقع في الزنا، ولهذا قال ﷺ : ﴿ما خلا رجل بامرأة -رجل مطلق، لأن (رجل) نكرة- إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ ولا يقول أحد: أنا قلبي نظيف، فرسول الله ﷺ قال ذلك في صيغة العموم، وقال للصحابة: ﴿على رسلكما إنها صفية قالا: سبحان الله! أفيك نشك يا رسول الله؟! قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم﴾ وأمور كثيرة جداً، واسألوا الواقع عن هؤلاء الخدم والسائقين. والحمد لله، نحن لا نحتاج إلى الخادمات، حتى لو أن الأسرة تساعدت فيما بينها فلا يوجد حرج، فعندما يكون الناس في الدوام أو في المدارس، تنفع أهلك ثم تذهب. وأيضاً: أين البنات وأين القريبات؟ فإذا قال شخص: إن زوجته أو أمه مريضة أو عنده ولادة، فهل لا بد من خادمة؟ ونحن نجد أنه إذا ولدت امرأة فإنهم يأتون لها من أطراف القرية، وهذا معروف، فهذه تأتي بالثيران والبقر، وهذه تأتي بالأكل، وهذه تطبخ، وهذه تكنس البيت. سبحان الله!! كل يوم يمرون عليها ويتعاونون فيما بينهم، وهذه عادات طيبة وصلة رحم، أما الآن فإنها تريد أن تجلس أمام التلفاز ولا تعلم شيئاً عن عمتها أو خالتها، ويقولون: احضر خادمة، سبحان الله!! تركنا صلة الرحم وتركنا العادات الطيبة ونريد أن نعصي الله.

стр. 300

بعض المحاذير الشرعية في العزاء السؤال العزاء عند أهل الميت وإعداد الولائم من القادرين وغير القادرين على ذلك لمدة ثلاثة أيام، فما هو حكم الإسلام في ذلك أثابكم الله؟ الجواب هذه بدعة منكرة ولا يجوز أن تقر من أهل العلم والدعوة والصلاح، فحسبنا أن نعلم أن: ﴿كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار﴾ وأن: ﴿من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد﴾ ويترتب على ذلك من محظورات شرعية منها: ١ - تكليف أهل الميت مالا يطيقون مع أنه يجب أن نواسيهم وأن نعزيهم. ٢ - ومنها أن ينفق على هذه الولائم من تركة الميت وهذا حرام، وقد نهانا الله عن ذلك: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾ [البقرة:١٨٨]، وقال رسول الله ﷺ : ﴿لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه﴾ فهذا المال من التركة هو من حق الورثة، وقد يكونون أيتاماً أو عجائز ضعفاء، والبعض يأخذ من التركة وينفق على الذين يأتون من أطراف الدنيا، لا يجوز ذلك، بل يكتفى -كما كان الحال أولاً- بشيء من القهوة أو الشاي من الأمور العادية التي لا مشقة فيها بالنسبة للمستقبلين، بل ينبغي أن يعلم أن السنة أن يصنع طعام لأهل الميت كما في الحديث: ﴿اصنعوا لآل جعفر طعاماً﴾ فنأتي ونعطيهم نوعاً من الطعام، ولا نأتي بالغنم معنا، ونقول: اصنعوا طعاماً؟ لا ليس هذا، بل نذهب إليهم بما يكفيهم للغداء أو العشاء، ولا نأتي بالذبائح ونجلس نأكل معهم، ونقول: نطبق السنة، لا إذا كنا لا نطبق سنة إلا ببدعة كبيرة فنترك السنة هذه، فهذا ليس من السنة، فالسنة أن تأتي إليه ومعك شيء من الطعام وتعطيه أهل الميت، أو شيء من الفاكهة أو الطعام المطبوخ -مثلاً- وتعطيهم إياه، هذه هي السنة إن شاء الله.

стр. 301

الاحتجاج بالقدر على المعصية السؤال البعض يحتج بالقدر حينما ينصح بالهداية إذا كان غير مهتدٍ، ويقول: هذا من قدر الله، فما هو تعليقكم على ذلك؟ الجواب نعم؛ كل شيء بقدر الله، فإن أصيب العبد بمصيبة، وقال: هذا بقدر الله، أي: يجب عليّ أن أصبر وأن أحتسب وألَّا أقنط فهذا حق، وهذا الذي أمر الله به عباده الصالحين حتى يؤمنوا بالله، وهو أن يؤمنوا بالقدر خيره وشره من الله : ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣] لأن كل ذلك في كتاب عند الله. أما إذا كان الإنسان يفعل المعصية ويُصر عليها، ويقول: كل هذا بقدر الله، فهذا لا يقولها من باب الإيمان بالقدر، بل يقولها من باب الاحتجاج بالقدر، وهناك فرق بين الإيمان بالقدر وبين الاحتجاج بالقدر، فهذا لا يقول: آمنا بالله بل كما قال المشركون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] وهذا صحيح، فلو شاء الله ما أشركوا، والله قال في نفس الآيات بعد ذلك: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام:١٠٧] لكن: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام:١٤٩] لماذا؟ لأن كل شيء بمشيئة الله، لكن ما قالها الكفار بناءً على حزن وعلى ندم، فلو أن أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه عندما تأخر عن الإسلام، قال: لو شاء الله لآمنت أول ما يأتي النبي ﷺ إلى المدينة، فإننا نقول: هذا صحيح، لماذا؟ لأنه يعزي نفسه على تأخر إسلامه ﵁. أما من يقول: لو شاء الله أسلمت، وهو مشرك ومصر على الشرك، ويحتج بالقدر ويعبد الصنم، ويقول: لو شاء الله ما أشركت، فهذا كإبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٣٩] الإنسان المسلم لا يقول: ما دام الله أغواني فسوف أستمر، وما دام الله لم يرد أن أصلي فسوف أستمر ولا أصلي! فإنه يكون بهذا من القدرية الإبليسية أو القدرية المشركية الذين يحتجون بالقدر، إما على الاستمرار في المعصية، كما فعل إبليس وكما قال قائلهم: ما دام أن الله لم يهدني فسوف أستمر في ترك الصلاة، وهذه هي القدرية الإبليسية. وأما القدرية المشركية فهم الذين يحتجون بقدر الله على أمر الله، ويعارضون قدر الله بأمره، ولهذا قال بعد هذه الآيتين في سورة النحل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل:٣٦]. إذاً من هدى الله هداه توفيقاً منه ، ومن ضل وحقت عليه الضلالة فهذا جزاء كفره، ولو أنه تعالى يُقر الشرك ما بعث في كل أمة رسولاً يدعوهم إلى التوحيد، ولو أنه يقر ترك الصلاة ما أمرنا وشرع لنا أن نصلي وهكذا. فلا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعايب والذنوب، وإنما يحتج بالقدر على النكبات والمصائب: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]. فإذا قيل لشخص: لماذا مات ولدك؟ قال: الحمد لله، هذا قدر الله، وهذا أمر الله، فإن هذا حق، أما إذا قيل لشخص: لماذا لا تصلي؟ قال: هذا قدر الله، وهذا أمر الله، نقول: كذبت، إن الله تعالى أمرك أن تصلي، وصحيح أن هذا بقدر، لكن لو صليت لكان هذا -أيضاً- بقدر الله. فنسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من المؤمنين بالله وكتبه ورسوله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.

стр. 302

شبهات وشهوات تكلم الشيخ حفظه الله عن العمر وأهمية المحافظة عليه باستغلال الأوقات، موضحاً فوائد اللقاء مع الإخوة في الله، ثم تكلم عن مرحلة طلب العلم وأهميتها في حياة الشباب، ووضح حاجة الأمة إلى الدعوة، وإمكانية الدعوة من خلال المساجد، مبيناً أهمية تصحيح المفاهيم والمعايير المتعلقة بذلك على ما جاء في الكتاب والسنة.

стр. 303

قيمة العمر الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن من نعمة الله علينا أن يجد الإنسان إخوة في الله يسكنون متجاورين متعاونين على تقوى الله وطاعته، يتواصون بالحق ويتواصون بالصبر، ويُذكِّر بعضهم بعضاً، فالعمر محدود، والرحيل قريب، والراحلون إلى الدار الآخرة يزيدون المؤمن إيماناً بضرورة الجد والعمل وقصر الأمل، ويذكرون الغافل عن الله وآياته، والمضيع للعمر في اللهو واللعب وما لا يجدي بحتمية هذا المصير. فإذا وُجِدَ الإنسان إخوة في الله يدرس ويسكن معهم، فإنهم يعينونه على تقوى الله وما يقرب إليه، ويذكِّرونه بأمر الله، فهي نعمة كبرى خاصة في هذا الزمن، الذي تكالبت فيه الفتن واشرأبت بأعناقها من كل مكان، وحوصر الشباب المسلم في نفسه وما حوله من كل جهة لكي ينجرف وينحرف وراء الشهوات والضلالات والبدع، فجديرٌ بنا في هذا العصر أن نتآخى في الله، وأن نتعاون في ذاته، وأن نضحي لكي ينقذ كل منا نفسه وأخاه. والمتأمل في عمر الإنسان يجده معدوداً محدوداً قصيراً؛ إذ أن سنوات الطالب الجامعي أربع سنوات، وهي قليلة جداً في حساب الزمن، فإذا نظرنا إلى العمر وأنه قليل، فإنها تكون قليلة من ذلك القليل. فعلى الإنسان أن يتقي الله في هذا العمر، وأن يجعل هذه السنين مناسبة عظيمة، وفرصة كبرى، وغنيمة يغتنمها؛ لكي يتعلم ما ينفعه، ويقربه إلى الله، ولكي يستعد للدعوة إلى الله على منهاج رسول الله ﷺ ، فالآن تستطيع أن تسأل وأن تتردد على حِلَقِ الذكر، وتذهب إلى من تريد لتستفيد منه علماً وخيراً، وتستطيع أن تدعو إلى الله، وإن أخطأت أو تجاوزت فإن ذلك يكون في هذه الفترة مقبولاً منك؛ لأنك في مرحلة الطلب. وأنت أيضاً -غالباً- متفرغ للدراسة، فلا مشاغل عائلية، ولا أعباء ولا مشكلات، ولكن حالك إذا تخَّرجت وعدت إلى بلدك سيتغير، فستخرج إلى الحياة العامة، وستنشغل بالأهل وأعباء الحياة، وستكثر عليك المسئوليات، وعندئذٍ ستندم على ساعات أو ليالي أو أيام مضت في السكن لم تستفد منها، فالعاجز يندم على تفريطه، والمجد يندم على عدم اجتهاده أكثر، وهي تجربة يشعر بها كل من مر بها، ويندم ويتأسف على تلك الأيام أن لو اغتنمناها أكثر فأكثر، حيث ثورة الشباب والفراغ، وحيث الإخوة في الله، وإمكانية التقويم والتصحيح، وحيث إمكانية السؤال.

стр. 304

شباب الجامعة وواجبات الدعوة ونحن أبناء جامعة أم القرى يجب علينا أن نتقي الله في أنفسنا، وأن نكون صادقين، وصرحاء مع حقوق الله علينا، فلابد لنا من التأثير في مجتمعنا وما حول جامعتنا، بل لا بد أن نعد العدة لأن نقوم بها خارج هذه البلدة أيضاً. فكل شاب مسلم في أي بلد في العالم يلام إن قصَّر في الدعوة إلى الله، ولكن طالب جامعة أم القرى إن قصر كان اللوم في حقه أعظم، وإن عمل كل أحد فالواجب عليه أكبر وأكثر. تضم هذه الجامعة حسب الإحصائيات الأخيرة ما يقارب (١٥٠٠٠) طالب وطالبة. فيا سبحان الله! لو فرضنا أن منهم (١٥٠٠) فقط دعاة، فهل يكون حالنا كهذا الحال؟! أقول: دائماً يجب أن نكون صرحاء، ولا سيما إذا لم يكن فينا غريب، وليس غير الإخوة في الله، فلنكن صادقين في انتهاز الفرص، وأن نتحدث نحن منتسبي هذه الجامعة وهذه الكليات الشرعية، ونحن وحدنا عن الشباب الضائع، فالشباب الضائع اللاهي الذي يعبث حول الجامعة لابد من نصيحته ودعوته إلى الله، فالمساكن القريبة والمقاهي والملاهي لابد من بذل الجهد في نصيحتها، فإقامة الدعوة في السكن شيء طيب لكن لا نكتفي به.

стр. 305

أهمية الدعوة إن نسبة معينة فقط من الشباب هي التي تشارك وتفيد وتستفيد، أما البقية فإنها لا تفعل ذلك، مع أنه لا بد لطالب العلم -الذي يتعلم ليدعو إلى الله- من أن يكون له برنامج للدعوة خاصة في هذا الزمن. هذه جامعة أم القرى، وهذا هو الطالب الذي لو سألته: أتطلب العلم لوجه الله؟ هل تطلب العلم لتدعو إلى الله؟ فسوف يجيب: نعم! ولا شك، وأنا أقول بصراحة: لو سألنا هذا السؤال في أحد الاختبارات فمن سيجيب بلا؟ لا أحد، وفي الواقع الذي يطبق قلة: فكأننا نكذب على الله ، ماذا عملنا في هذا البلد الحرام؟ وكيف هو حال ما حول مكة؟ أتعلمون أنه يعرض كثيراً، ومما عرض أخيراً على سماحة والدنا الكريم، وشيخنا الفاضل: الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله وأطال عمره، ونفعنا بعلمه، عرض عليه تقريرات، أو تقارير عن مناطق تبعد عن مكة ما بين (٣٠ - ٤٠) كيلومتر فقط؛ وبعضهم يأتي إلى مكة، وهم لا يحسنون قراءة الفاتحة، ولا يعرفون الأصول الثلاثة: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ حتى أن فضيلة الشيخ عبد الله الفنتوخ مدير عام الدعوة هو بنفسه قال: أنا سألت واحداً منهم: من ربك؟ فقال: محمد! وهذا في الأماكن القريبة، فأقول: لابد أن نجلس وحدنا، لنكون صادقين وصرحاء مع أنفسنا، ولا نكذب، قد نخدع أي أحد -ونعوذ بالله أن يكون فينا أحد مخادع- لكن لا يخادع الإنسان نفسه، ولا ينبغي أن يخدع نفسه، لأن هذا مصيرك، وهذه مسئوليتك بين يدي الله ، أين دعوتك؟ وأين تبليغك لدين الله؟ وما العذر في ذلك؟ يذهب الشاب منا إلى أهله، أو إلى بلده، أو قبيلته في العطل، في مدة تطول أو تقصر كم منا الذين يدعون إلى الله ويصبرون، ويبلغون قومهم إذا رجعوا إليهم؟ أليس هذا هو واجبنا جميعاً؟ وإلا فلم التحصيل؟ ولم الاستكثار من حجة الله علينا؟! لما سئل أحد السلف عن طلب الزيادة في العلم، فقال: هل عملت بما قد علمت؟ قال: لا. قال: فلم تستكثر إذن من حجة الله عليك؟! وأقول: لم نكمل الجامعة إلا وكلٌ منا يريد أن يواصل الدراسة، لنستكثر من الحجة، ماجستير ثم دكتوراة، وماذا بعد ذلك؟ قد يموت الإنسان ولم يكمل شيئاً من هذه المراحل، وأكثر من يموت هم الشباب، قال بعض السلف الصالح: ' أكثر من يموت الشباب، ومن أراد أن يعرف صدق ذلك فلينظر إلى قلة الشيوخ '، فكم عجوزاً ترى في هذا البلد؟ وكم ترى إنساناً مسناً محدودب الظهر؟ إنهم قليل جداً؛ لأن الناس يموتون، وهم ما يزالون أقوياء، وفي سن الشباب، وما حوله، إذن فماذا ننتظر؟! سبحان الله العظيم!

стр. 306

من فوائد صلاة الجماعة الأمة تجتمع عندنا خمس مرات في اليوم، دع الذي لا يصلي، وانظر إلى الذين يجتمعون عندك في اليوم خمس مرات ماذا قدمت لهم؟ هل دعوتهم إلى الله ليكون لك مثل أجورهم دون أن ينقص ذلك من أجرك شيئاً؟ ولا أزال أتذكر كلمة ذلك المجرم الأثيم لينين، الزعيم الشيوعي المعروف، عندما اقتحمت جحافل الثورة الشيوعية المدن والدول الإسلامية التي تزيد مساحتها على مساحة الدول العربية مجتمعة، تركستان، وبلاد ما وراء النهر، اجتاحها أولئك الشيوعيين، واجتاحوا الدول التي تدين بـ النصرانية، فأذعنت وسلمت، ودول تدين بأديان أخرى من المشركين فأذعنت وسلمت. لكن المسلمين قاموا وجاهدوا أكثر من ثلاثين سنة، لا أحد يدري عنهم، فكثير من مشاكل المسلمين لا يدرى عنها؛ لأن الأمة في لهوها ولعبها وغفلتها، فقال لينين: لم هذه المقاومة؟ وما السر؟ قالوا: إن المسلمين يجتمعون، قال: فرقوهم، فشحن أعداداً هائلة إلى سيبيريا، وإلى المصانع في الشمال، فما نفع ذلك، فسائل المجرم عن السر في ذلك؟ فقالوا له: هؤلاء يجتمعون في اليوم الواحد خمس مرات، وفي كل حي يجتمعون في الأسبوع مرة، ولا يكاد يغيب منهم أحد، وهذا من دينهم، فعجب هذا المجرم والطاغوت، وقال: لو اجتمع الناس عندي خمس مرات في اليوم لجعلت العالم كله شيوعياً! خمس مرات يأتيك الناس، أنا لا أطلب منك أن تلقي خمسة مواعظ بعد كل صلاة! لكن تسلم على هذا، وتكلم هذا، وتنصح هذا، تعظهم جميعاً، وأحياناً تكلمهم جميعاً، وتنشئ علاقات صداقة ومحبة معهم، لتقربهم إلى الخير، لترى ما عندهم، هذه هي التي من أجلها بنيت المساجد، وشرعت الجماعة، وعبادة الله بأداء الصلاة أمر عظيم، لكن لا نفوت الحكم والمصالح، فكلها متداخلة متشابكة، فنجد منافع عظيمة في الصلاة، والحج، والزكاة، والصيام، كلها فيها المنافع، وهي لا تنفصل، وهي لمصلحتنا، وإلا فالله تعالى غني عنا، فمن الخير لنا أن نسجد لربنا ، لتطمئن قلوبنا بذكره، ولننسى هذه القسوة والغفلة التي يكابدها الناس الذين شغلوا بالحياة الدنيا، ثم يذكر بعضنا بعضاً ليكسب الأجر. إذا قام في ذهن الشاب المسلم هذا الإحساس بضرورة الاستفادة من العمر، واستغلال الوقت للأجر، ولما يقربه من الله، ولزيادة الحسنات، تجده شعلة من الحركة، والدعوة إلى الله. كان بعض الصحابة رضوان الله تعالى عليهم إذا أثقلته العبادة، أو القراءة، أو الجلوس مع أهله وزوجاته، يخرج إلى السوق، ليجد شيئاً يكسب به الأجر، فيخرج يسلم على الناس، فإذا رأى منكراً أنكره، وإن لم ير المنكر، فيلقي ﵈: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والآخر يرد عليه، فيكون كسب: ثلاثين حسنة، ومن غيره ثلاثين وهكذا، فلا يرجع إلى البيت إلا وقد كسب هذه الحسنات العظيمة، وكان فيها نوع من الصلة لإخوانه المسلمين، والتعرف على أحوالهم، وكان فيها نوع من إنكار المنكر، فلو لم يكلم الناس فإنهم إذا رأوا مثل هذا الإنسان، يستحيون أن يظهروا المنكر أمامه. أمَّا نحن فقد غفلنا عن مدارسنا، وأسواقنا، وغفلنا عن مقاهينا، وغفلنا عن قبائلنا، وربما عن أسرنا، وربما يكون فينا من يغفل حتى عن نفسه. إذن ما فائدتنا؟ وما قيمتنا في هذه الحياة؟ هل للشباب وللجامعات من قيمة إلا بقيمة العلم والدعوة إلى الله ؟!

стр. 307

دعوة إلى تصحيح المعايير والمفاهيم هل يصح أن تكون معاييرنا هي معايير ذلك الإنسان الذي لا يعرف الله واليوم الآخر، أو من العامة الذين لم يتعلموا ما تعلمنا؟ انظروا إلى المعايير التي علَّمها النبي ﷺ أصحابه، وعلَّمها القرآن للمؤمنين! وانظروا إلى معايير الناس، وانظروا هل معاييرنا نحن كما عليه الناس، أم كما عليه الوحي والدليل؟ فالفائز في أذهان كثير من الناس هو الذي ربح في تجارته، والذي ربح في اللهو واللعب، والذي غنم أي شيء من متاع الدنيا الفانية، فهذا الذي يُسَّمى الفائز، لكن الفائز عند الله ، والفائز في معايير القرآن والسنة هو كما قال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠] هذا هو الفائز، والمفلس عند الناس الذي لا درهم عنده ولا متاع، وليس عنده مال، وهذا مفهومهم، لكن عند طلبة العلم في منهج الوحي، المفلس هو الذي أخبر عنه النبي ﷺ وتعلمون الحديث. من العالم؟ العالم عند الناس من حفظ وحوى، وتحَّدث وتفلسف، هذا هو العالم عندهم، لكن في ميزان الشرع العالم هو العالم بالله ، وبحق الله، وإن كان غيره أحفظ منه، لكنه يحفظ ويقرأ، ويعلم ويعرف ربه ، ويعلم ما خلقه الله لأجله ويقتدي به الناس بدعوته إلى الله . أما من أوتي علماً، فطلب به الدنيا، وتكسب به، وطلب العاجلة، وأخلد إلى الأرض، فلا خير فيه ولا في علمه، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٦]. وقد استشهد الله بالعلماء وجعلهم شهداء على ألوهيته، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨]، ولم يستشهد من أهل الدنيا أحداً إلا هؤلاء، أهل العلم. وقال في الآية الأخرى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [الشعراء:١٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف:١٠] فالعلماء يشهدون في الأمور العظيمة، وهؤلاء الذين يستشهدهم الله ، فهذا هو العالم الحقيقي، لكن عند الناس غير ذلك، وكذلك السعيد عند الناس هو الذي جمع المال والأولاد، والذي حاز زهرة، وفتنة الحياة الدنيا، مع أنه قد يُعذب بهذه الأموال والأولاد، فإنما هي فتنة في الدنيا، لكن عند الله في ميزان الوحي، من السعيد؟ ومن المطمئن؟ وهكذا. يجب أن نصحح معاييرنا، ومفاهيمنا ونتوجه إلى الله بقلوبٍ صادقة وعزيمة ثابتة، وبإقبال على الآخرة وانصراف عن ملهيات الدنيا، ولا نكون كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، ولا نكون كالشباب الخاسر، وكل إنسان خاسر كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر:١ - ٢]، فكل الجنس الإنساني بهذا القسم في خسارة ماحقة: الملوك، والأغنياء، والأثرياء، والوزراء من أهل الدنيا، وكل ما ترى أمامك، كلهم خاسرون، إلا من استثنى الله، وقد ذكر صفاتهم، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر:٣]، فأول صفتهم الإيمان. وثانيها: العمل الصالح ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر:٣]. وثالثها: التواصي بالحق، فهم لا يجهلون الحق، يعرفونه كلهم، ويتواصون به أيضاً؛ لأني قد أعرف الحق وأضعف عنه، وقد أعرفه وأجبن عنه، قد أعرفه وأنساه وأغفل عنه، فتوصيني وتذكرني وأنا أذكرك، لا نقول: هذا يفهم ويعرف كل شيء، كما أن كل مسلم يعلم أن الصلاة حكمها كذا، وحكم تاركها كذا، لكن أكثر الناس لا يصلون، يعلمون لكن يفعلون، فلذلك قال تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [العصر:٣]، فيذكر بعضهم بعضاً، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:٣]. ورابعاً: التواصي بالصبر، فلا يقول له: إذا رأيت أن الموضوع صعب فاتركه: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، اصبر واستمر وادع إلى الله . فيجب أن ينصح بعضنا بعضاً، وأن ننتهز كل فرصة نجد أنفسنا فيها معاً لنتذاكر بواجبنا في هذه الجامعة، ومسئوليتنا أمام الله ، سواء ونحن ندرس، أو بعد التخرج نسأل الله أن يوفقنا وإياكم لكل خير، إنه سميع مجيب.

стр. 308

الأسئلة

стр. 309

المنهج الصحيح في التعامل مع المبتدعة السؤال ما هو المنهج الصحيح في التعامل مع مبتدع يحاول نشر بدعته من خلال مؤلفاته، نرجو توضيح ذلك من خلال مواقف السلف الصالح مع المبتدعة، وجزاكم الله خيراً؟ الجواب التعامل مع المبتدعة ليس له صورة، ولا حالة واحدة، بل إن كل أمور التعامل والمعاملة هكذا دائماً تختلف صورها؛ لأن البيئات، والأحوال تختلف؛ فالمبتدع الذي ينشأ أو يأتي ببدعة في بيئة مؤمنة عارفة بالحق، ويريد أن يضلها، ويصد عن سبيل الله، ويشذ بذلك عن جمهور الأمة، يختلف حكمه عن مبتدع نشأ في بيئة مليئة بالبدع، ليس للحق فيها صولة، وليس لـ أهل السنة فيها كلمة، ولكن هم قلة. أي: إن كان أهل السنة في قوة، وكان أمرهم ظاهراً، وكان بيدهم أن يردعوا صاحب البدعة، فإذا استطاعوا باليد فلا يؤجلوا ولا ينزلوا إلى درجة اللسان، وإذا استطاعوا باللسان فلا ينبغي لهم التراجع إلى الإنكار عليه بالقلب. أما إذا كان أهل السنة قلةً، وكانت البيئة مليئة بالبدع كما هو حال بعض الدول في هذا الزمان، وكان أهل السنة لا يستطيعون أن يظهروا سنتهم ودينهم وقولهم الحق، فإن الحكم حينئذٍ يختلف، والتعامل يختلف، فأي كتاب من كتب العقيدة تقرءون فيه تجدون قضية هجر أهل البدع واضحة جداً، بل إن سيرة الكثير من السلف الصالح رضوان الله عليهم تنبئنا عن معاملتهم لأهل البدع وأنهم هجروهم، فلا كلام لهم يسمع، ولا كتب لهم تنشر أو تقرأ، وكان بعضهم يقسم بالله ألَّا يظله هو والمبتدع سقف واحد، كما فعل ميمون بن مهران رضي الله تعالى عنه، وكان أيوب السختياني لا يسمح لأحد من المبتدعة أن يتكلم عنده أبداً، وغيرهم كثير، خاصة في عصر التابعين، حيث ظهرت أول البدع: الخوارج، والمرجئة، والقدرية، وتعلمون ماذا قال ابن عمر رضي الله تعالى عنه كما في حديث جبريل ﵇، وماذا قال ابن عباس -أيضاً- في أهل القدر. وبالجملة فهي مواقف كثيرة جداً تمتلئ بها كتب العقيدة وكتب السير في مثل هذه الحالة. لكن إذا كان الحال والأمر، كحال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه، مع أهل الفتنة في زمنه عندما يكبل أهل السنة بالأغلال، ويرتفع شأن البدعة، فإنه لا ينفع الهجر، فإنما يهجر الإنسان لكي يرتدع، أما إذا كانت الأكثرية ضده، وإذا كان من يهجره قليل الشأن، ضعيف العدد، فإنه لا يأبه له، فالمجتمع حوله كثير، يعيش فيه، ويعبث كما يشاء، فما فائدة الهجر؟ وقد نص على ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ في أكثر من رسالة له وفي أكثر من موضع: أن الهجر يتبع المصلحة، والنبي ﷺ -كما تعلمون في أول الإسلام- في بدر وأحد لم يعاقب ولم يهجر من تخلف عن الغزو؛ لأن الأمة في أول أمرها، لكن بعد غزوة تبوك تعلمون حالة الثلاثة الذين خلفوا، وكيف كان مصيرهم، وكيف عوقبوا تلك العقوبة، فالهجر له أحكام، سواء في حق المبتدع أو العاصي. ولكن في جميع العصور، والأوقات، وبحسب الطاقة والإمكان، يجب أن يكون هناك لله قائم بالحجة، وهذا أمر تكَّفل الله تعالى به، ولا بد أن يكون بإذن الله، لكن يجب أن يجتهد أهل السنة، وكل إنسان ليكون من أولئك، وليكون ذلك الرجل الذي يقوم لله تعالى بالحجة؛ لأنه كما قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه: 'إذا سكت العالم تقية، وسكت الجاهل لجهله، فمتى يظهر الحق؟! '. فلا بد أن يتحمل أناس من أهل السنة حتى يظهروا كلمة الحق ويصدعوا بها، وأن يقفوا موقف الأنبياء مهما كلفهم ذلك، لكي يكونوا مرتكزاً لمن يرغب في الحق، وليكونوا مناراً لأهل الحق، وحجة قائمة على أهل البدعة والضلال. فيجب أن يقام ذلك بحسب الطاقة، والإمكان، وهو على الأمة فرض كفاية، لكن كل إنسان بذاته، يُعادى ويوالى أو يُهجر بحسب المصلحة، وأيضاً يختلف الحال بين من له ولاية، ومن ليس له ولاية، فالسلطان كما كان المأمون مع الإمام أحمد، أو الأب مع ابنه، لا يعامل كما يعامل أي مبتدع آخر في الشارع، لأن له عليك حقاً، أو له عليك ولاية، فيجب أن تراعي هذا الحق، وهذه الولاية، وأن يكون إنكارك عليه وعلى بدعته بأفضل وأحسن الطرق، وبما يختلف عن معاملة أي إنسان آخر.

стр. 310

أسلوب الدعوة السؤال نحن شباب ملتزم، ونريد أن ننصح بعض الإخوان لدينا في السكن، فما هو الأسلوب الذي ننتهجه؟ وهناك في السكن من لا يصلي، فكيف نتعامل مع مثل هؤلاء الشباب حتى يَصِلُوا إلى طريق الهداية والنور والفلاح؟ الجواب الحمد لله على وجود هذا الشعور الدعوي، وهكذا يجب أن يكون كل متبع للنبي ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فمن كانوا من أتباعه ﷺ فلا بد أن يدعوا إلى الله، ولا سيما الإخوة في السكن، وتعلمون أن الدين النصيحة، وأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يبايعون النبي ﷺ على النصح لكل مسلم، فمن يرضى أن يكون أحد من إخوانه المسلمين من أهل النار؟! بعض السلف الصالح رضوان الله عليهم وصلت به الحساسية إلى حد أن يقول: 'وددت أن جسمي قد قرض بالمقاريض، وأن أحداً لم يعص الله '. فهؤلاء الذين تأخذهم الغيرة على محارم الله، والغيرة أن يُعصى الله ، وهو الذي خلق هذا الإنسان الضعيف، العاجز، المسكين، هذا الذي لو دخلت في رجله شوكة لصرخ، ولدعا الله، ولاستغاث بالله، هذا المسكين لا يؤدي حق الله، ولا يصلي وهو طالب علم، وفي جامعة أم القرى، فتلك مصيبة عظمى! فينبغي أن تشفق عليه أكثر، ويجب ألاَّ تدَّخر وسعاً في إيصال الحق إليه، بالصبر الطويل، والصبر الجميل، والصفح الجميل، بأي أسلوب حتى لو وصل الأمر إلى القوة، فإن القوة من الحكمة، ولا ينكر ذلك إلا جاهل بسنة النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، فالقوة من الحكمة، والحزم، والزجر كله من الحكمة. المهم أن يكون في موضعه؛ لأن الحكمة: هي وضع الشيء في موضعه، فكل ما كان في موضعه فهو حكمة، وإن كان قوة، أو حزماً، وردعاً، وإن كان تأديباً، أعني من المسئولين القائمين على الإسكان أو الكلية، أو ما أشبه ذلك، لكن لا نبدأ بذلك، وهذا شيء آخر. والمقصود أن نستفرغ طاقتنا وجهدنا في نصيحة هؤلاء الإخوة، وفي تذكيرهم بالله ، وفي بيان أننا لا نريد لهم إلا الخير، ولا نريد منهم شيئاً، كما أمر الله رسوله ﷺ : ﴿قل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الأنعام:٩٠]، وكما يقول عن نوح: ﴿وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً﴾ [هود:٢٩]، ﴿ومَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:٤٧]. سبحان الله! لأنه إذا علم أنك لا تريد له إلا الخير، وبالأسلوب الحسن، ولا تريد منه أي مطمع، فإنه حينئذٍ إما أن يستجيب، وإما ألا يكون لديه عذر، بخلاف ما لو رأى فيك رغبة في التشفي، أو شدة، أو غلظة، أو عنفاً، أو تكون النصحية كأنها نوع من حظ النفس والاستعلاء والتسلط عليه، فإن هذا يكون حائلاً بينه وبين الحق. فيجب أن نبذل جهداً، وأن نأخذهم بأرق الأساليب أولاً، ثم نُنوع تارةً موعظةً، وتارةً تخويفاً بالله ، وتارةً ترغيباً فيما عند الله، وتارةً بزيارة، وتارةً بهدية، وتارة بحديث طيب وهكذا. وهذه أمور تعامل واحتكاك مستمر، فكلما كنت أكثر مقدرة على الصبر، وعلى تنويع الأسلوب، واستيعاب تنوع النفوس وأحوال المدعوين المخاطبين، كنت أكثر نجاحاً في الدعوة، على أن الإنسان قد يضيق صدره كما أن النبي ﷺ قد ضاق صدره، وعلى أن الإنسان قد يألم، ولا بد أن يألم الداعية، وقد يتعرض لما لا يطيق، ولكن نرجو إذا اجتهدنا وصبرنا أن الله لن يضيع جهودنا، ولن يخيب آمالنا.

стр. 311

الجدال أضراره وعلاجه السؤال نحن شباب في هذا السكن، ونواجه من بعض الشباب كثرة الجدال، وتضيع كثير من الفوائد التي نحب أن نستفيد منها، نرجو منكم -أيها الشيخ- توضيح ذلك؟ الجواب الجدل من الأمراض التي يُصاب به الناس إذا انحرفوا، قال ﷺ : ﴿ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل﴾، والعياذ بالله. فالضلال علامته الاختلاف والجدل والتفرق ولا بد، وهما مقترنان، لأن المختلفين لا بد أن يتجادلا، ونقصد به: الجدل المذموم، وهذا لا يحدث إلا إذا مرضت القلوب، فيضيع الوقت في أمور لا خير فيها ولا فائدة. وأقول: إن مما يدَّخره الشيطان ويعده للقضاء على هذه النبتات الطيبة، وعلى هذا الشباب الغض الناشئ في عبادة الله أن يلقي بينهم الخلاف والجدل حتى في الأمور العلمية، فقد يظن المتنازعان أنها مما شرع الله، وأن الغرض الوصول فيها إلى الحق، ويكون هناك هوىً خفي لم يشعروا به. ثم إن هناك هدىً سنهُ لنا صحابة رسول الله ﷺ ، فكم من المسائل اختلفوا فيها! وانظروا إلى نسبة الاختلاف في المسائل، وقد وقع بينهم خلاف، لكن كلما جاءت العصور، اتسعت شقة الخلاف وتوسعت، حتى وصلت الآن إلى ما ترى الحال عليه بين المسلمين، حالٌ يرثى لها، أمَّا هم فكانوا أقل الناس تكلفاً، وجدالاً؛ لأنهم قوم شُغِلُوا أولاً بأنفسهم، وشغلوا بالعمل عن الجدال، أما طلب الحق ومعرفته، وبيانه للناس، والتفاهم مع الإخوة في الله للوصول إلى الحق فلا بأس في ذلك، لكن إذا وصل للمراء وللجدال الذي هو إضاعة للوقت، وإن خُيِّل إلينا أنه حق، فلا! حتى في المسائل العلمية. مثلاً: مسألتان فيها قولان للعلماء منذ الصحابة إلى الآن، فلم الجدال فيها؟! أنت تأخذ طرفاً، وهذا يأخذ طرفاً آخر. وأقول: هناك مسائل قد علم فيها الخلاف وهو قديم، ولا جديد فيها، لن تأتي أنت بجديد، ولن يأتي الآخر بجديد فيها، فيكون موقفنا في مثل هذه المسائل أن كُلاَّ منا يتقي الله، ويأخذ بما يرى أنه الحق، ولا يجادل الآخر في ذلك، وإذا شُغلنا بدعوة الناس، ودعوة أنفسنا، وإلزامها بطاعة الله وبالحق الواضح الصريح الذي لا جدال فيه ولا خلاف، فوالله لن نجد وقتاً لمثل هذه الأمور أبداً. فالجدال هو من الدعوة إلى الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، والمجادلة بالتي هي أحسن هي من أساليب الدعوة إلى الله، لكنه كدفع الصائل، فإذا صال عليك تقاتله، ولا تجعله أسلوب الدعوة الأول، فما بالك بالجدال الذي هو مراء مذموم لا خير فيه؟ إن هذا المراء الذي لا خير فيه، من تركه وهو محق، فهو مُبشر ببيت في الجنة، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، ليؤدبنا وليعلمنا ألَّا نجادل، وأن نترك المراء وإن كنا محقين، فما بالك إذا كانت شبهات وأمور مشتبهة بين متجادلين؟! ونحن -مع الأسف- في مناهجنا العلمية نؤتى العلم، ونؤتى القرآن قبل الإيمان، وهذه من أسباب هذه المشكلات، فيأتي الطالب من الثانوية -وكلنا كذلك نأتي بشهادات ثانوية- فيدخل الجامعة، فيقرأ في التفسير خلافات، ويقرأ في الفقه والحديث خلافات، وهو لم يفقه الحق بعد، ولم يعرف الأمور المجمع عليها، ولم يعرف الأساسيات واليقينيات التي ترسخ في قلبه، ويبدأ بالجدل، فلا بد أن يُؤثر ذلك على حياته. ولهذا انظروا كيف يكون تأثير الجدال، أو الخلاف على العامة، حتى في أمور علمية هي حق! لو قلت للعامة في أيام الحج: اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في التمتع، وفي كذا، فإنه يتعجب من اختلاف الصحابة أولاً، ومن اختلافهم في الحج ثانياً، ولأنه يرى أن ذلك لا يتناسب مع مقامهم ولا مع ركنية الحج مع أن كلامك حق وواقع، لكن نحن طلبة العلم لم نعد نبالي، فلو قرأنا أن في مسألة من المسائل عشرة أقوال أو خمسة أقوال، فلن نستغرب، لأننا قد تعودنا الجدال، والخلاف، فلم يعد هذا الامر غريباً علينا. وهذه مشكلة في الحقيقة، مشكلة من حيث تربيتنا، لأنه حتى العلماء الذين اختلفوا في المسائل، لا نتصور كما يتصور بعض العامة: أن الأئمة الأربعة كانوا جالسين مع بعض، وهذا يقول كذا، وهذا يقول كذا، وهذا يناقش الثاني؛ فهذا جهل، وليس الأمر كذلك، فأحدهم اجتهد وقال رأياً، ولم يلزم الناس به، والآخر في خراسان أو في مصر اجتهد وقال رأياً، فجاء من بعدهم وجمع الأقوال، وقال: قال الشافعي وقال مالك وقال ابن حزم فيجد نفسه في متاهة من الخلافات سبحان الله! ما هكذا كان يطرح العلم! أقول: الذي يريد أن يتعمق في العلم -ولا بد أن يتعمق وأن يجتهد ويعرف الأدلة- يجعل ذلك بعد أن يفقه الضروريات، ولهذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩]: [[الرباني هو الذي يعلم الناس صغار العلم قبل كباره]]، فلا تشغل الناس بالفروع قبل أن يعرفوا الأصول الثلاثة، فتعرض عليهم خلافات شرعية، لكن خذ الناس بالأساس أولاً، فاشرح لهم معنى لا إله إلا الله، وبين لهم أحكام الصلاة الأساسية، ولا تناقش في جلسة الاستراحة وأن فيها خلافاً، فأنت ترى كيف علَّم الرسول ﷺ المسيء صلاته، والذي أساء صلاته أمام النبي ﷺ ، وأكثر المسلمين اليوم كذلك إلا ما رحم ربك. اعرض عليه ما يقيم صلاته من الأركان والواجبات وهكذا، ثم بعد ذلك إذا تفقه وتعلم، أو جاء الوقت المناسب فأعطه الشيء الضروري بقوة وبإصرار وبوضوح، والشيء الواجب بأقل من ذلك، والشيء الذي هو من النوافل أعطه إياه بما يناسب أنه نافلة؛ لأننا إذا تجادلنا في المندوبات فلا شك أننا سننسى الأصول والأركان والضروريات. وهذه مشكلة الشباب المتعلم الآن وهي من المشاكل التربوية، والمنهجية المهمة، ونحن نشكر للطلاب توجههم إلى طلب العلم، لكن منهج طلب العلم ليس بهذه الطريقة، وكذلك إثارة الخلافات التي تقع بين العلماء، فأحدهم يقول: ما رأيك في كلام الشيخ فلان؟ والآخر يقول: أنا مع فلان، ولست مع فلان! فمن أنا؟! ومن أنت؟! ففلان لا يزداد بكوني معه، وفلان لا ينقص بكوني لست معه، فلنتأدب مع علمائنا المعاصرين أيضاً، ولينظر الإنسان في الأدلة، وليتق الله، وليتبع ما يرى أنه الحق، ولا يجادل، ولا يلزم الآخرين إلا بأمر هو يعلم أنه سنة، وأن الآخر على بدعة، أو هو على حق، والآخر على باطل، أو من باب النصح يرى أن هذا هو الأفضل، فيبين له على سبيل النصح لا على سبيل المجادلة، وأرجو ألاَّ يُفهم هذا الكلام خطأً، فكثير من هذه الأمور المنهجية قد تفهم خطأً.

стр. 312

الخروج من أماكن المنكر السؤال هل يجب أن نخرج من المكان الذي يوجد فيه منكر حتى نكون ممن أنكر بقلبه؟ الجواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مراتب، والأحوال تختلف، فالكلام في إنكار المنكر قريب مما يُقال في التعامل مع أهل البدع؛ لأن البدع من المنكر، فالأحوال تختلف، فلم تخرج؟ إن قلت: أخرج لأنني لا أستطيع أن أنكر باليد ولا باللسان، وقد رأيت هذا المنكر، وغاية ما أستطيع أن أنكر به أن أخرج، فعليك أن تسأل نفسك أولاً: هل هناك مفسدة أو لا؟ أما إن كنت تخرج، وأنت تستطيع أن تتكلم، أو تنكر باليد فلا تخرج، أنكر ثم اخرج إن رأيت المصلحة في ذلك، وكذلك بالعكس، والإنسان الذي يخرج وفي خروجه مفسدة أكبر من ذلك المنكر، أو قد يحدث منكر أكبر من ذلك المنكر، إما من الجالسين، وإما من غيرهم، فيجب عليه ألاَّ يفعل، ونحن نعيش في واقع، فلا نكون بعيدين عن هذا الواقع، وهذا له أمثلة كثيرة، لكن أضرب لكم مثالاً: أكثر الناس مبتلون بالتدخين، فإذا جلست أنت معهم وهم يدخنون وهم من أقربائك، أو من زملائك، وتعلم أنهم يُدخنون، أو رأيت أحدهم يدخن، وتعلم أنك لو خرجت لارتكبوا محرمات أكثر، كإضاعة الصلاة أو اللهو أو اللعب أكثر من ذلك، فعليك أن تتحمل هذا في سبيل تحقيق مصلحة أخرى، إذا جزمت أو علمت أنك لو خرجت ارتكبوا منكراً أعظم، ولا شك أن ترك الصلاة أعظم من شرب الدخان. فإذن يجب أن تُفكر والصور كثيرة جداً في الواقع. وبالعكس لو تصورت أن خروجك سيجعلهم يألمون ويأسفون ويعتذرون، ويكفون عن المنكر، فحينئذٍ تخرج، فهذه الأمور دائماً مرتبطة بالمصلحة، وهذا مرجعه إلى حكمتك وخبرتك أنت في مجال الدعوة، واستعن بالله فإن أخطأت فلك أجر، وإن أصبت فلك أجران.

стр. 313

إحياء ليلة السابع والعشرين من رجب السؤال في شهر رجب تزدحم مكة بالزوار والمعتمرين، وعندما سألنا بعضهم عن سبب مجيئهم، أجاب بقوله: لقد أتينا لنحيي الليلة الرجبية، وهي ليلة السابع والعشرين، ونحن نأتي لأداء العمرة فيها، حيث إن لهذه الليلة فضيلة عظيمة، فنرجو منكم التوضيح، هل قيام هذه الليلة وأداء العمرة فيها ورد فيه دليل؟ الجواب هذا الدين قام على أصلين عظيمين: الأصل الأول: ألاَّ يُعبد إلا الله . والأصل الثاني: أن يعبد الله تعالى بما شرع ولا يُعبد بالبدع. والناس إن حققوا الأول فكثيراً ما ينسون الثاني، ولهذا قال ﷺ : ﴿من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد﴾ والجار والمجرور هنا متعلق باسم فاعل، بمعنى حاكم: ﴿ليس عليه أمرنا﴾ أي: ليس أمرنا حاكماً عليه وضابطاً له ومهيمناً عليه، ﴿فهو رد﴾ أي: مردود على صاحبه، وإن ظن أنه يحسن صنعاً بذلك، فإن الرهبان من البوذيين والنصارى وغيرهم الذين حبسوا أنفسهم عن ملذات الدنيا ومتاعها، لا نشك في أنهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً، وأنهم يعبدون الله بزعمهم، ولكنَّ عملهم خاسر، فهؤلاء هم الأخسرون أعمالاً، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]، وحين ننظر هل ورد في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ ما يدل على فضل هذه الليلة أو على تفضيل شيء من العبادة فيها، فلا نجد، وهكذا كَتَبَ وقرَّر علماء الحديث وعلماء أهل السنة، بل علماء البدع -إن صح أنهم علماء وفيهم من هو عالم ولكن أضله الله على علم- لا يجدون دليلاً على ذلك، وإذا أردت أن تعرف أهل البدع، أو أردت أن تعرف أن ما يعملونه بدعة، فانظر إلى أدلة أهل البدع، لترى العجب العجاب فإن أدلتهم تتنوع إلى ما يلي: الدليل الأول: عمومات بعيدة ليست في موضع النزاع، وليست فيما اختلف فيه، لكنهم يدخلون ما يشاءون ضمن هذا التعميم الأول. والدليل الثاني: الحديث الموضوع. والدليل الثالث: فعل المشايخ. والدليل الرابع: إجماع الأمة في العصور المتأخرة عليها. فتقرأ أدلة كثيرة كلها لو دققت فيها فهي لا شيء، وليس منها دليل في الحقيقة، وهذه من علامات أهل البدع، في هذه البدعة وفي غيرها، وهذا منهجهم، وهذه طريقتهم. أما الرجل من أهل السنة فإنه يقول: فعلت كذا لأن رسول الله ﷺ فعله، وقلت كذا لأن الله تعالى قال كذا، فالحق واضح مثل الشمس، فهؤلاء ليس عندهم أي دليل على اختصاص هذا الشهر بعبادة معينة، لا دليل على الإطلاق، بل القرآن الكريم الذي يقرؤه كل أحد، قال الله فيه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة:٣٦] فما الذي نفعله فيها قال: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦] أي: أن الأشهر الحرم لها فضل زماني عند الله ، وقد شرع الله لنا أموراً لها فضل زماني، كما شرع أموراً لها فضل مكاني، فـ مكة -مثلاً- لها فضل مكاني ولها حرمة، والزمن له حرمة، فما الذي شرع في هذا المكان، أو ما الذي شرع في هذا الزمان؟ قال تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]، أي: إذا كان الإنسان لا يُؤدِّي الصلاة جماعة، نقول له: حتى في الشهر الحرام لا تؤديها جماعة، فالذي لا يُؤدي الصلاة جماعة آثم في جميع السنة، وهو في الشهر الحرام وفي البلد الحرام أكثر إثماً، والذي لا يغض نظره، فكلما رأى امرأة شاردة أو ورادة ينظر إليها فنقول له: يا أخي! اتق الله، أنت في البلد الحرام. وكذلك يا أخي! اتق الله، فأنت في شهر حرام، فهذا هو المقصود من قوله تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة:٣٦]. فإذا كنت حريصاً على طاعة الله، فليكن حرصك على طاعة الله في الشهر الحرام، أو في البلد الحرام أكثر، فلا يوجد خصوصية معينة إلا ما شرعه الله -مثلاً- في البلد الحرام، كالطواف، والحج، والعبادات المشروعة فيه، وهذه خاصة به، لكن غير ذلك، فالظهر في البلد الحرام أربع ركعات، وفي غيرها أربع ركعات، فلا أزيد على ذلك، وألتزم بالصلاة على وقتها في البلد الحرام أكثر، وأكون حذراً من تفويتها فيها أعظم مما أكون في غيره، وكذلك في الشهر الحرام. والناس يغفلون عن مسألة الحرمة للزمان أو المكان، ويأتون بما لم يشرعه الله ، فيدَّعون لـ مكة، أو لـ منى من الحرمات ما لا حقيقة له، وفي الجانب الآخر -أيضاً- يدَّعون لبعض الأشهر أو بعض الأيام المفضلة أو المحرمة ما لا حقيقة له، والمقصود أن هذه الليلة لم يثبت في فضلها أو خصوصيتها شيء.

стр. 314

دراسة التربية الفنية السؤال أنا طالب في الجامعة، وتخصصي التربية الفنية، وهذه هي السنة الثانية لي، وقد نصحني بعض الأصدقاء بالتحويل إلى كلية الشريعة، وأنا متأكد من حبهم لي وجزاهم الله خيراً، ولي رغبة أنا أيضاً في الشريعة، فما رأي فضيلتكم، وأنا أحب أن أدعو إلى الله، فهل يمكنني أن أدعو عن طريق التربية الفنية؟ الجواب ننظر إلى هذا الأمر من جانبين: الجانب الأول: هذه القضية في عمومها. والجانب الآخر: هذا الأخ في ذاته بخصوصه. أما مسألة وجود التربية الفنية، فنقول: لو استطعنا ألَّا يكون في مدارسنا تربية فنية أصلاً، أو في المجالات العامة على الأقل، لكان ذلك خيراً، ونحن الآن لا نستطيع أن نلغي قسم التربية الفنية من الجامعة عملياً. إذاً: يجب أن نخفف ما أمكن، ويجب علينا أن نجتهد لإصلاح المناهج بهذا القسم، ويجب علينا أن نلتزم في هذا القسم، وفي هذه المادة، بألا نخرج عن المباح، وفي المباح سعة والحمد لله، وقد يكون مجالاً للدعوة لو استغل، لأن أي مجال هو في أصله حلال، وليست الحرمة فيه من أصله، يمكن أن يستغل في الدعوة إلى الله، كالكيمياء أو الفيزياء أو أي مجال حتى التجارة. أي شيء ما لم يكن من أصله حراماً يمكن أن يُستغل ويستفاد منه في الدعوة إلى الله، فيمكن وببساطة أن توضع مناهج في قسم التربية الفنية لا منكر فيها، ويمكن إن كان ولا بد من تقرير مادة التربية الفنية أن تقرر بما لا منكر فيه، فالتربية الفنية منها الخط، ومنها ما لا روح فيه، ومنها الحديث عن المشاعر الإنسانية تجاه هذه الأمور. إذا كان الحديث عنها بما يتفق مع ما في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، كالاتعاظ بما يشاهده الإنسان في الكون من آيات الله، وأمثال ذلك، فهذه أمور قد تكون مجالاً خيِّراً للدعوة. لكن أن تصوَّر ذوات الأرواح، وخاصة إذا كانت باليد والنحت والتماثيل فهذا لا يجوز، وهذا منكر، فإذا كنت في هذا القسم لا تستطيع أن تتخلص من هذا المنكر، فحينئذٍ يجب عليك أن تتركه، وإذا كنت تستطيع أن تتجنبه أو أن تكون مجاهداً لتجنبه، ولمن بعدك أن يتجنبه، فأقول: نكون جميعاً يداًً واحدة من أجل إنكار هذا المنكر، ثم بعد التخرج إن كانت الوزارة لا يلزم منهجها بمحرم، فالحمد لله هذه نعمة، واجتهد وادع إلى الله، وإن كانت فيها ما يرتكب به الحرام فلنتعاون على أن نزيله، فإن عجزنا ولم يبق إلا أن نفعل المحرم فلا نفعله، فلا يجوز من أول الأمر أن نترك هذه الجوانب لغيرنا، من الفجار والفساق، يرسمون المناظر الخليعة، ويَعلمون الشباب ويفسدون عقولهم، يأتي أستاذ الفنية بعد أستاذ التوحيد -مثلاً- فينسخ ما قاله أستاذ التوحيد أو التفسير بصورة خليعة أو بمنظر قبيح أو بكلمة خبيثة. ويجب أن نتفطن إلى أمر آخر عظيم أكبر من مسألة التصوير، وهو أن المذاهب الفنية الآن عقائد إلحادية، وهي جزء مما يُسمى الحداثة، والحداثة كلمة جديدة لكن هي معنى كلمة: اللامعقول، أو الضياع، فإتجاهات الضياع والفلسفات الضائعة في العالم، منذ أكثر من مائة سنة في أوروبا، وصلتنا هنا -مع الأسف- فتجد الإنسان يرسم لك لوحة ويقول: أنا سريالي، والآخر يقول: أن واقعي، وهذا انطباعي، سبحان الله وأنت لا تدري ما القصة؟ نحن درسنا -مثلاً- في الابتدائي التربية الفنية، كنا نرسم منظراً، أو نرسم شجرة أو جبلاً مثل الجبل الذي خلقه الله، ونأخذ درجة وننجح. لكن الآن يأتي الإنسان بألوان عجيبة وخطوط متعرجة، ثم يقول لك: هذا حلم! ولا أفهم كيف رسمه حلماً، لكنه يقول لك: ذلك وإذا كنت سريالي، ومعنى السريالية ما فوق الواقعية، يقول لك: ليس الفن محاكاة الطبيعة، فحاكي الطبيعة يرسم مثل الطبيعة، لكن ارسم حلماً! ارسم الأمل حينما ينبعث من القلب! ولا أعرف كيف أرسمه في لوحة، وكل إنسان يمكن أن يقرأها أو يفهمها أو يفسرها على مزاجه، وكلما كانت أغمق وأعمق كانت أكثر إبداعاً في نظرهم، وهناك مذاهب كثيرة. فأصبح الطلاب في الثانوية يتعلم الإنسان منهم أن يكون سريالياً أو واقعياً، وبعض هذه الأفكار يسارية، وبعضها ثورية، وبعضها إلحادية، وكلها جاءتنا من بيئات كافرة وكلها غير إسلامية، وإن اختلفت في التسميات، فأقول: إذا كان هذا، فلا يجوز أن يترك هذا الجانب بالكلية، بل أحياناً قد يرتكب المنكر الأخف في مقابل دفع المنكر الأعظم، وأرجو أن تفهموها على عمومها في هذا المجال أو غيره، إذا كان ارتكابنا للمنكر الأخف يُؤدي إلى دفع المنكر الأعظم؛ فلا بأس بذلك إن شاء الله، وهكذا الحياة، وهكذا الدعوة إلى الله، لا بد فيها من تحمل أشياء، لا سيما في زمن الانحراف، فنحن قد لا نستطيع أن نفعل شيئاً من الحق إلا بارتكاب بعض الشيء مما يكون فيه بعض الخطأ أو بعض المنكر أحياناً. وأقول: إن الأمر كذلك، لأن الزمان قد فسد، ولا بد أن نختلط بالناس -مثلاً- ونحن نكره ذلك، وفيه ما فيه، لكن لا يمكن أن ندعوهم إلا إذا اختلطنا بهم، ولا بد أن نُشارك في بعض الأعمال، وإن كان فيها ما فيها، وأن ندخل بعض المجالات وإن كان فيها ما فيها، لكن ما دام لدينا هدف أعظم وأسمى، فلنصبر ولنتحمل ولنسلك هذه المجالات بعد ذلك على هذا الأخ في ذاته أن يستشير ويفكر، ونسأل الله أن يختار لنا وله الخير، إنه سميع مجيب.

стр. 315

حكم شرب الدخان وحلق اللحية ولعب البيلوت السؤال ما هو حكم شرب الدخان؟ وأيضاً حلق اللحية؟ ثم حكم لعب البلوت؟ الجواب أما التدخين فقد سّقَيْتُم بدعوة غيركم مع الأسف، فالأمة الإسلامية أمة خُلقت لتكون قائدة، وإذا بها مقودة، خلقت لتكون رائدة وإذا بها آخر الركب، كان همَّ السلف الصالح رضوان الله عليهم أن يقودوا العالم إلى الخير، فكانوا أئمة يهدون بأمر الله، صابرين، موقنين، فجئنا في آخر الزمان فجعلنا همنا أن نلتحق بركب الحضارة، وأن نتعلق بالذيل حتى في كل شيء، وقد جعلنا هذا هو همنا وهدفنا. ولهذا حرمت أمريكا التدخين، وحرمته بريطانيا، وحرمته اليابان، ومنعوا التدخين وحاربوه وكافحوه، فبدأ بعض الناس عندنا يُحارب التدخين ويمنع التدخين، لكن قبل سنوات كان التدخين من علامات الرجولة، فالذي بدأ يدخن يقال: إنه صار رجلاً، إذا جلس المجلس وأخرج السيجارة وبدأ يدخن، أو يشرب الشيشة فكأنها كانت علامات للالتحاق بركب الحضارة الأوروبية الفاجرة. فأقول: هل نعرض في تحريم التدخين الأدلة الشرعية؟ ونطبق قواعد الأصول عليه: أنه خبيث، وأنه ضار، وأنه يكلف الأمة كذا، سبحان الله! اسأل كل مدخن عن التدخين، ماذا يقول لك؟ هل فيهم من يقول: إنه لذيذ وصحي ومنعش؟! لا يمكن أبداً، وإن كانت الدعايات تزينه باسم المتعة والنكهة والحياة، وهذا كذب، وهو يعرف أنه كذب، ويقول: هذا شر، بل من الناس من يدفعه حياؤه من التدخين ألاَّ يُدخن إلا في دورة المياه -أعزكم الله- ولو كان شيئاً مما يحبه الله ويرضاه؛ لأخرجه أمام الناس، لكن إذا جاءه شخص مثله مدخن انبسط إليه لأنه مثله، وإذا جاء من يستحيي منه ذهب إلى حيث الشياطين، إلى بيت الخلاء! ونقول: ليست القضية قضية التدخين ومعرفة حكم التدخين، بل القضية هل القلوب حية أم ميتة ومريضة؟ هذه هي القضية، وعلامات القلب المريض كثيرة، ومن أوضحها: أنه أمامك يقول: هذا ضار، وهذا فيه. ثم يقول: لكنه مكروه، فتراه يُجادل في الدين، ويتكلم بما لا يعلم، فيزيد على ارتكاب المحرم أن ينصب نفسه مفتياً، ليقول: مكروه، فيجعل لنفسه عذراً أن يرتكبه، وهذا هو حال الذين يخادعون أنفسهم، ومريض القلب لا تأمن عليه أن يفتري على الله، وأن يقول الكذب على رسول الله ﷺ ، وأن يقول: هذا الدين كذا، والحق كذا، وهؤلاء المتشددون كذا، ويطيل في كلام يعلم أنه باطل، لكن أصل القلب مريض، والأمة مريضة. اليابان منعت وبحزم وقوة التدخين في القطارات، ولو كانت الرحلة من جنوب اليابان إلى شماله، ونحن أمة القرآن والإسلام، مع علمنا بأن التدخين مضر ويجب أن يمنع في كل الأوقات والأماكن، لكننا نجد بعض الناس يعترض على منعه لمدة ساعة وربع إذا كانت الرحلة داخلية وكأنهم يمنعون التدخين من أجل غيرنا لا من أجلنا نحن. ديننا يحرم علينا الخبائث ومع ذلك لم يمتنع الناس من التدخين، وهؤلاء ليس لهم دين، وتجد مع ذلك أن اليابان حرمتها في كل مكان، وأمريكا وبريطانيا نسبة انخفاض التدخين فيها (١٥%) سنوياً، والإحصائيات التي عرضها الدكتور محمد علي البار من مصادر عالمية أن في الدول الأوروبية ينخفض التدخين بنسبة (١٥%) سنوياً، لأن ضحايا التدخين في أمريكا مثلاً (٣٠٠. ٠٠٠) سنوياً، وأمريكا لم تخض حرباً خسرت فيها سنوياً (٣٠٠. ٠٠٠) ولا (٣٠٠٠)! لكن التدخين يقتل (٣٠٠. ٠٠٠) سنوياً فهي تحاربه أشد المحاربة، بينما نحن -مع الأسف- ترتفع احصائيات نسبة التدخين في سنوات في المملكة بنسبة (٨٥٠%) بسبب العمالة الوافدة والشباب المتأثر بالعادات السيئة نعم! هناك إجراءات للحد من التدخين لكنها غير شاملة ولا كافية، بل دون المتوسطة، فالصحافة الداخلية منعت من الدعاية للتدخين، لكن المجلات والصحف التي تأتي من الخارج فيها أضعاف أضعاف ما في الصحافة الداخلية. اللحية فيها حكم شرعي، وبعض الناس يقول: (أنا لا أهتم بالشكليات، وهذه أمور ظاهرية، ونحن يهمنا أن ندعو إلى الله، وأن نهتم باللب ونترك القشور!). وهذا فهم قاصر لأنه ليس في ديننا قشور ترمى! بل ديننا كله لب وخير نعم! فيه أهم ومهم، وركن وواجب ومندوب، لكن لا يقال: قشور!! ثم إن عادة الناس أن الشيء الشكلي يكون أسهل وأبسط من الأساسي، فمثلاً: لو كانت الجندية أن ألبس بدلة عسكرية فحسب لكان الأمر هيناً، أما أن أتمرن وأتدرب وأجري وأركض فهذا شيء صعب، فالشكل سهل لكن الحقيقة صعبة، فإذا لم يعمل الإنسان بالشيء السهل والهين فلا شك أنه على الواجب والأمر الشاق أضعف وأجبن. تقصير الثوب أرضى لربك وأطهر لثوبك، وهو لا يكلفك شيئاً إلا أن تأتي الخياط ليقصره قليلاً من ستين سنتمتر إلى ثمانية وخمسين سنتمتر، فتكون قد أبعدت نفسك عن الوعيد وعن مشابهة العصاة، وتأسيت بالنبي ﷺ وأصحابه، وإذا لم تفعل -وهو أمر سهل وشكلي وبسيط- فأنت عن فعل الواجب أضعف، ولتركه أحرى وأجدر. الإيمان بالله سهل وهين لكنه تكاليف وفيه الخير كما قال الله تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء:٣٩]، ماذا على الإنسان إذا آمن بالله وهو سهل التكاليف؟! بل إن أعباء الإيمان أسهل من أعباء الكفر والشرك والإلحاد! لأنك إذا لم تحارب في صف المؤمنين حاربت في صف الكافرين، وإن لم تتبع الرسول اتبعت أبا لهب وأبا جهل وفرعون، فهذه مشقة وتلك مشقة، لكن شتان بين هذه وتلك! ماذا يضيرك أن تعفي لحيتك كما كانت سنة النبي ﷺ ؟ والله لا يضيرك شيئا، ً بل هذه فطرة ورجولة فوق أنها سنة، بل الناس عندما كانوا على الفطرة لم يكن فيهم من يحلق لحيته، انظروا صور عظماء وأبطال العالم الغربي في القرن (١٩ و١٨م) فالزعماء والسياسيون والعلماء والمخترعون كلهم ملتحون، ولم يعرف حلق اللحية -حتى في الغرب- إلا منذ زمن قريب، ولم يعرف في البلاد الإسلامية إلا مع مجيء الإنجليز والفرنسيين، وكان أمراً لا يفعله أحد، وفي بلادنا أعجب وأعجب، فكل الناس -الذي يصلي والذي لا يصلي والذي يعرف الدين والذي لا يعرف الدين عندهم اللحية علامة الرجولة- فإذا عزمك وضع يده على لحيته، وإذا وعدك أمسك لحيته، إذا قالوا: كم قتلنا من بني فلان؟ قالوا: عشرين لحية، يعنون عشرين رجلاً لأن اللحية رمز الرجولة. هذا للتذكير بالفطرة، والفطرة في كل شيء وليس في شأن اللحية فقط، فكل من يُحب شخصاً فإنه يقتدي ويتشبه به وإن لم يأمره بذلك، والإنسان الذي يُحب اللاهين واللاعبين والمطربين والمجرمين يعجب بصورتهم وبأشكالهم وبكلامهم وبلباسهم، فيقتدي بهم وهو لم يأمره ولم يجبره على ذلك، وما أمر المجرم المطرب اليهودي الماسوني مايكل جاكسون وأمثاله ببعيد، إذ قيل له: إن العرب يسمعون أغانيك فقال: لو أعلم أن العرب يسمعون غنائي لاعتزلت الغناء! حقداً وبغضاً في العرب؛ لأنه يقول: أنا من شهود يهوه -منظمة يهودية معروفة- فصرح بأنه من هذه المنظمة اليهودية، ومع ذلك أعجبوا به! فبالله عليكم من يُحب رسول الله ﷺ -وأين الثرى من الثريا- ويريد أن يكون من أهل الجنة، ومن أهل الخير والفضيلة ومن الأئمة، وليس تبعاً ولا ذيلاً ألاَّ يقتدي ويتشبه به، وإن لم يأمره؟ فكيف وقد أمره ﷺ ؟! وأضف إلى ذلك أنه لم يأمره فقط، بل أخبره أن هذه شعيرة أعدائه، فقال: ﴿خالفوا المجوس﴾، وهم أشد كفراً من أهل الكتاب، ومع ذلك نفعله طواعية. وأما لعب البليوت فأين نحن من السلف الصالح؟! إذ كان أحدهم -أظنه طلحة بن مصرف ﵁ جالساً فدخلت عليه ابنته، وكان معه بعض العلماء من السلف من أصحابه يتحدثون ويذكرون الله، فدخلت ابنة له صغيرة، فقالت: يا أبتاه! أريد أن ألعب! فأعرض عنها، ثم قالت: يا أبتاه أريد أن ألعب! فأعرض عنها واشتغل، فأطالت الكلام لأن الطفل يلح ويلح، فقال له أحد أصحابه: قل لها: العبي حتى نستمر في الحديث وتذهب الطفلة، قال: 'لا أريد أن أجد في صحيفتي لعباً' وهو من المباح! لأن بعض السلف يرى أن كل ما يقوله الإنسان يكتب، وبعضهم يرى أنه لا يكتب إلا ما يتعلق بالحلال والحرام، فلا يريد أن يجد في صحيفته كلمة (العبي) فضلاً أن يلعب هو، بل لو قالها لقالها لطفلة صغيرة لا مؤاخذة عليها، ونحن أمة لاعبة لاهية في كل شيء حتى في حق الله. ومن هذا العبث أني مرة قرأت لأحد الوزراء -وكان وزيراً وشاعراً- يقول مستحسراً: لو كان الشاعر من الشعبية مثل لاعب الكرة! أي: كان هذا هو الذي ينبغي وهذا عجيب. سبحان الله! فأمة لاعبة لا يمكن أن تنتصر، ولا أن تحقق ما أراد الله ولا ما تريد هي لنفسها أبداً. بل تفكر في عمرك -وأكثر الأمة لا يجاوز عمرها الستين ونحوها- كم للنوم وللأكل والشراب؟ ما يقارب النصف، وقد أخبر النبي ﷺ أنه: ﴿لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه﴾، وهذا مما يسأل عنه، فإذا أبليت الساعات الطوال - البلوت لا بد من الطول فيه، بل أشواطه أطول من أشواط الكرة- وأفنيتها في اللعب واللهو فإنك لن تجد الحسنات يوم القيامة. والشاب الجاد لا يجد من الوقت ما يفعل به بعض الواجبات؛ فكيف باللعب؟ ولهذا قال بعض الصالحين لما مر على أناس وجدهم في ملهى -مثل المقهى الآن- تحسَّرِ، وقال لمن كان معه: (لو أن الوقت يُشترى لاشتريت من هؤلاء أوقاتهم). فهو يريد أن يكمل القرآن والتفسير، أو الحفظ، أو أن يقرأ من السنة، أو يعلِّم، أو يدعو إلى الله، أو يعمل أعباء

стр. 316

الغزو الفكري السؤال فضيلة الشيخ: إننا نحبك في الله ماهو الغزو الفكري؟ وما خطره على الإسلام؟ وما رأيكم في كتاب سلمان رشدي مصائد شيطانية الذي أحدث ضجة في العالم؟ والذي يدور حوله هذا الكتاب؟ الجواب الغزو الفكري شرحه يُذكرني بكتاب هارون الرشيد إلى نقفور لما كتب إليه كتاباً فردَّ هارون الرشيد عليه بقوله: [[الجواب ما ترى لا ما تسمع!]]. فالغزو الفكري هو واقع الأمة الذي نراه ونلمسه، أمة مغزوة في كل جانب، ما ترك أعداء الله وسيلة إلا واستهدفونا بها خاصة في هذه البلاد، لأننا نحن قلب العالم الإسلامي، ونملك من مقومات القيادة ما يجعل أعداء الإسلام يحقدون علينا وينقمون منا ويخططون لنا أضعاف ما يخططون لغيرنا؛ لأنه كلما كان العدو أقوى كان حرصك على تدميره أكثر، ونحن نمتلك من مقومات البقاء ما منَّ الله به علينا -ونسأل الله أن يديمه وأن يزيده قوة- ولهذا فهم يهدفون إلى تحطيمنا وتدميرنا بالشهوات والشبهات أكثر بكثير من غيرنا. انظر إلى ما حولك! واذهب إلى المكتبات ستجد الكثير من الكتب والمجلات تسهل الغزو الفكري، اذهب إلى المناهج ستجد الغزو الفكري دخل وتغلل فيها، اذهب إلى أمورنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية لترى آثار الغزو الفكري في كل مكان، في المرأة المسلمة، والتاجر، حتى الطفل جعلوا له مجلات خاصة، وبعضها يتكلم عن وحدة الوجود وعن ابن عربي والمعراج الروحي سبحان الله! حتى الصوفية الكافرة الحلولية الوجودية تذكر في مجلات الأطفال! وغير ذلك كثير. الأفلام ووسائل الإعلام العامة، حتى تفكير الناس واهتماماتهم تغيرت، كانوا قبل سنوات يهتمون بأمر الآخرة، أما الآن فقد شغلتهم الأعمال والمؤسسات والتجارات، ويا ليتهم يبنون لهذه البلاد ولهذا الدين! وإنما يفتخر هذا بأنه يبيع لليابان، ويفتخر هذا بأنه يبيع بضائع أمريكية! والمستفيد أعداء الله يأخذون أموالنا ويعطونها لأولئك وتكون لهم نسبة، وهكذا أصبحت حياتنا مغزوة من كل جانب، حتى المساجد لو استطاعوا أن يجعلوا فيها الصلبان لجعلوه فيها، ولو استطاعوا أن يعبثوا أكثر لعبثوا، ونحن في غفلة! فهم يخططون وبإحكام رويداً رويداً، ويأتون بقضية من القضايا ليروا رد الفعل، فإن أنكرها الناس سكتوا وأخروها، وإن سكت الناس، وقالوا: بسيطة وصغيرة أتوا بما هو أكبر وأكبر، فإذا استحكم الأمر نظر أهل الحق بعضهم إلى بعض، ووجدوا أنفسهم قلة فرادى حيارى لا حول لهم ولا قوة، وهكذا في كل أمر من الأمور. ترى أقلاماً صغيرة فيها صور خبيثة، وعلبة كبريت فيها صورة خبيثة، وعلبة الصابون كذلك، فكل شيء تراه في حياتك اليومية لا تجد فيه شيئاً يذكرك بالله، وإنما يذكرك بالشهوة، وبإضاعة العمر، وبكل ما يبعدك عن الله وعن اليوم الآخر، فقد دخل الغزو الفكري في كل المجالات. ولكن نسأل الله أن يوفق الدعاة والقائمين على أمر هذه الأمة من العلماء وكل من يهمهم أمرها إلى القضاء عليه ومحاربته ومكافحته، فنحن ما ترك سبيل إلا واستُهدِفنا به، وأذكر مثالاً واحداً وهو المخدرات، ففي أمريكا تباع بالملايين، ويقبض على العصابة بأشد الطرق تطوراً، وإذا قبض على كيلو أو كيلوين من الحشيش في أحد المطارات ثارت ضجة إعلامية حولها. لكننا نحن نستهدف بكميات كبيرة جداً وشبه مجانية؛ لأن وراء هذه المخدرات مجتمعات تعادي هذه البلاد وتعادي الإسلام، وتريد أن ينتشر هذا الداء ولو دفعوا من أجله، بل حتى أفلام الفيديو في أمريكا أغلى من هنا، وبعض المواد التي تحتوي على شحوم خنزير هناك غالية، وتأتي إلى بلاد المسلمين فتجدها رخيصة، وأشياء كثيرة لا يمكن أن تفسرها إلا أن هناك غزواً وتخطيطاً حتى في النواحي المادية، وهم يعبدون المادة يعبدون الدرهم والدينار والدولار، لكنهم يضحون بها من أجل أن يفسدوا شباب الإسلام في كل مكان. أما موضوع سلمان رشدي والقصائد الشيطانية والضجة التي أحدثها، فأنا أعجب من الضجة ولا أعجب من الكتاب ولا من المؤلف، فهو كاتب معادٍ للإسلام أو مرتد، سواء كان الاسم حقيقياً أو وهمياً، ومن أي بلد كان، ولم يأت بجديد، لأن الإسلام يستهدف ويكتب عنه في كل زمان ومكان. والذي أتعجب منه أن الرافضة يعلنون استنكارهم منه وردته وقتله، وتتأزم العلاقات مع بريطانيا من أجل ذلك، مع أن ما قاله سلمان رشدي أقل بكثير مما قالته الرافضة في كتابهم الكافي، بل فيه أضعاف أضعاف ما قاله سلمان رشدي من الاستهزاء والسخرية، وقذف أمهات المؤمنين وقذف الأنبياء والتطاول على الله . نحن المسلمون كما مثَّل مالك بن نبي عندما قال: إنه يمارس على المسلمين مثل ما يحدث في مصارعة الثيران: خرقة حمراء يلوح بها المصارع، والثور بقوته وعضلاته ينطح الخرقة، ويكرر ويكرر، ثم يطعنه المصارع من الخلف حتى يموت! كلما رأونا اتجهنا اتجاهاً صحيحاً رفعوا لنا خرقة حمراء فشغلونا بها، إما أن شغلونا بـ سلمان رشدي، أو بطفل الأنابيب، أو بأي أمر آخر، إنهم يريدون أن يشغلونا عن خططهم التي تفتك بنا في بلادنا. بل إنهم نجحوا في بلاد قريبة عربية في منع أي كتاب لـ ابن تيمية أو محمد بن عبد الوهاب بل ربما القرآن! وقد تتهم بذلك وتدخل السجن! هذا في بلاد فتحها الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- بل بعض هذه البلاد لا مصدر لها لمعرفة الدين والحق إلا برنامج (نور على الدرب!) وهناك أمم بأكملها بهذا المثابة لا تذكر، فإذا جاء مجنون في آخر الدنيا صحنا وشجبنا واستنكرنا. نعم! ينكر على من يقول في الله وفي رسوله مالا ينبغي وندين هذا الشيء، لكن لا نغفل عما هو أكبر وأشد وأعظم وأقرب أو نتناساه، بل لا بد أن يكون موضوع بحثنا دائماً عن هذا الخطر الداهم الساحق، وهو استئصال الإسلام في بلاد الإسلام الذي فتحها الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- ثم بعد ذلك أحوال المسلمين عامة كـ أفغانستان مثلاً وهي تمر بأخطر مرحلة في هذه الأيام. وأشير إلى معنى الدعاية -كاستطراد- فهي قد تطلق كلمة ويرادبها الحق، وقد تطلق ويراد بها الباطل، والنبي ﷺ لما كتب إلى هرقل وقال له: أدعوك بدعاية الإسلام. أي: دعاية الحق.

стр. 317

حكم التورية السؤال ما حكم التورية؟ وهل ورد ذلك عن رسول الله ﷺ ؟ الجواب التورية والمعاريض وردت في مواضع منها ما ذكر السؤال في السيرة ومنها غير ذلك، والضابط لها هو ألاَّ تكون كذباً صريحاً، بأن يفهم السائل أو المخاطب فهماً من النص، ولكن المتكلم يريد غير ذلك، ولكن ما فهمه صحيح من حيث اللفظ، والنبي ﷺ قال للرجل: ﴿نحن من ماء﴾، وهذه حقيقة فنحن خلقنا الله من ماء، لكن من ماء مهين، والأعرابي ظن من موضع فيه ماء، وكما قال الخليل ﵇: هذه أختي، ففهم المخاطب أنه يعني أخته شقيقته، وهو أراد أخته في الدين. فهذه اللفظة صحيحة من زاوية المتكلم ويقصد بها معنى آخر، ويظن بها المستمع معنى صحيحاً، وأمثال ذلك كثير، ونحن قد نحتاج إلى المعاريض، ولكن ليس أسلوب المؤمن هو المخادعة، ولا أسلوب السياسة الحديثة -الغاية تبرر الوسيلة- بل المؤمن إنسان صادق، لكن تأتي مواقف يضطر فيها إلى أن يقول بالمعاريض أو التورية؛ لأن المؤمن لا يكذب، ومع ذلك يُراعى ألاَّ يكثر من المعاريض؛ لأن الإكثار من أي شيء قد يخرج الإنسان عن الحد الشرعي له، وربما تجاوزه إلى المذموم.

стр. 318

المسلم والدين السؤال كان أخي في شركة مازدة أقام في الشركة الصلاة ولم تكن تقام فيها، وعندما جاء مسئول نصراني كان أول عمل عمله أنه طرده من الشركة؛ لأنه يزعجه بالأذان والإقامة؛ فكيف يحارب الإنسان في بلده؟ ولم جعلت السلطة في يد الكافر؟ الجواب الحقيقة أن هذا المسلم ضعيف؛ لأن السلطة ما جعلت للكافر على المسلم، لكن هناك أناساً باعوا دينهم بدنياهم من أصحاب الشركات والمؤسسات من الذين يهمهم الربح فقط، سواء كان العامل كافراً، أو رافضياً، أو صوفياً ملحداً لا يهمه، المهم تاجر يمشي بضاعته وتجارته، فلا يمكن في بلد الإسلام أن يطرد الإنسان لأنه يؤذن ويصلي إلا إذا كان هذا الإنسان ضعيف، أو أن تكون الهيئة في تلك البلد ضعيفة، أو لا يوجد أحد من أهل الخير ذو شخصية قوية، وعلى الأخ أن يتأكد مما قال، وأنا -إن شاء الله- سأبذل ما أستطيع، فلا يمكن أن يكون هذا الكلام صحيحاً بالإطلاق.

стр. 319

خطر الاختلاف السؤال نرجو من فضيلتكم كلمة تنصح بها بعض الشباب الذين نزغ الشيطان بينهما حتى تباغضوا وتحاسدوا، وحتى أصبحوا يتنازعون على الجزئيات فتعطلوا بسبب ذلك عن الدعوة في سبيل الله، جزاكم الله خيراً؟ الجواب أذكركم بأن هذه هي التي سماها النبي ﷺ الحالقة، فقال: ﴿لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين﴾ فالتفرق والبغضاء والشحناء نهى عنها الله ، فقال: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥]، فالتفرق يكون في الدين بالبدع، ويكون بالشحناء التي كانت غالباً ما تؤدي بأصحابها إلى البدع، حتى قال بعض السلف لما سئل ما الذي دفع أهل الأهواء من القدرية والمرجئة والرافضة إلى البدع؟ قال: الخصومات! فقد كانت البدعة فكرة يمكن أن يقولها الشخص ويمكن ألاَّ يقولها، لكن لما خاصمه فيها آخر اشتدت واشتدَّ، وأخذ يبحث عن أدلة وعن مؤيدين، فاشتد الآخر وأخذ يبحث عن أدلة ومؤيدين، فأصبح هذا على فرقة وهذا على فرقة، والأصل أنها كانت فكرة، أو كلمة عابرة كان يمكن أن توأد وتذهب، فاحذروا الخصومات، واحذروا الاختلاف. وأقول لكم: لو أن شباب أهل السنة الذين يؤمنون بالكتاب والسنة، ولا يدعون إلا إلى الله وحده، ولا يهمهم إلا اتباع الحق وهدي السلف الصالح لو يتركون كل الخلافات والجزئيات وما أشبه ذلك، ويجتمعون كلهم من جميع أنحاء العالم وقاوموا البدع لربما لم يستطيعوا أن يقضوا على بدعة واحدة! فما بالكم إذا تفرقنا واختلفنا وتجادلنا وأضعنا الأوقات؟! فالله المستعان! نسأل الله أن يبصرنا جميعاً في الدين ويجنبنا الفرقة والاختلاف.

стр. 320

طريقة طلب العلم السؤال هذا سؤال من شقين: الشق الأول يقول فيه: ما هي طريقة طلب العلم؟ هل هي بالقراءة أم أخذاً برءوس أقلام الفتوى وكفى أم ماذا؟ ثم في الشق الآخر: هناك بعض الشباب من يرى أن إصلاح المجتمع يكون بأن نتعلم ونجلس في غرفنا على الكتب، وعدم الحركة ثم بعد ذلك ندعو، والفريق الآخر يرى أن إصلاح المجتمع في التربية والاحتكاك ومناقشة المعارض، فأي الطريقين خير؟ الجواب طريقة طلب العلم ليس كما قال الأخ رءوس أقلام! فطلب العلم من الجهاد، والإنسان يطلب المزيد من العلم، وهذا الذي أمر الله تعالى به نبيه ﷺ وهو أعلم الناس بربه، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه:١١٤]، فالإنسان يحرص على طلب العلم، وهذا هو ميراث النبوة، وليس هناك أعظم من هذا الميراث، ويجب علينا أن نجتهد -حسب الطاقة والإمكان- في تحصيل العلم النافع الذي يُقرب إلى الله ، فلا نكتفي بالقراءة عن السؤال، ولا بالسؤال عن التمحيص والتدقيق والفهم والاجتهاد، ونشتغل بالعلم، وليكن ذلك هو طلبنا، وسير السلف الصالح عجيبة في هذا الشأن، فقد كانوا يتذاكرون ويقرءون ويتبادلون ويتساءلون، ويكتب بعضهم إلى بعض وغير ذلك، كما كتب الخطيب البغدادي وغيره في هذا الشأن. أما بالنسبة لاختلاف نظرة الشباب في إصلاح المجتمع، فواحد يقول: أتعلم أولاً ثم أدعو ثانياً، والآخر يقول: ندعو الآن، وبعضهم يقول: لا نحتاج للعلم، لأن العلم قد يُؤدي إلى الكبر والغرور، أو إضاعة الوقت، فندعو ولو على جهل! والمسلم وكل مسلم داعية بحسبه، حتى العامي داعية، مثلاً: إذا كان يمشي في الشارع ورأى شخصاً لا يُصلي، والناس يذهبون إلى المسجد، فهنا لا بد عليه أن يقول له: (يا أخي! قم صلِّ) فهو داعية في هذا الامر؛ لأن كل واحد يعلم أن الصلاة واجبة، والأذان قد أذن، والناس يدخلون المسجد، وهذا جالس! فالعامة يجب أن يأمر بعضهم بعضاً بالصلاة وما علم من الدين بالضرورة، أما إذا كنت تقصد بالعلم الإنكار على أهل البدع، والتصدي للغزو الفكري وما أشبه ذلك، فنعم؛ عليك أن تتبحر وتتوسع في العلم الشرعي لتقاوم به هذه الضلالات، ولكن لا تنس أن تقول للناس الأمور البدهية والمعروفة وتذكرهم وتعظهم ولو بما يعرفون، تذكرهم بالجنة وبالنار، ومعنى شهادة لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله، وبأركان الإسلام، وبالحث على الصلوات، وبر الوالدين، وأمثال ذلك من الأمور الواضحة. فكل مسلم هو داعية إلى الله بما علم، فإذا علمت آية واحدة فبلغها؛ لأن النبي ﷺ يقول: ﴿بلغوا عني ولو آية﴾ فإذا علمت حكماً واحداً، فادع إلى الله، وبين للناس هذا الحكم، فإن سألوك عما لا تعلم فقل: لا أعلم، لأنه لا يشترط إذا قلت للإنسان: (يا أخي! هداك الله، أذن المؤذن قم إلى الصلاة) أن أكون حافظاً لجميع أحكام الصلاة! فندعو إلى الله بما نعلم؛ كل بحسبه، وكل في موقعه، أما المسائل العميقة، والفتوى في الأمور الدقيقة، والنوازل العصرية، والفرق الضالة فلا بد من علم قوي، ولا بد أن يكون في الأمة من هو كذلك، لكن لو أن طاقاتي لا تؤهلني إلى ذلك، فإنني أدعو بما أعلم وبما أستطيع، وأحيل على العالم ما لا أستطيع وهكذا، فنكون جميعاً يداً واحدة متعاونة على الخير والعلم النافع إن شاء الله.
следующие страницы →