← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

توجيه الصحوة السؤال يقول الأخ: نجد أن هناك صحوة إسلامية، فما هو العمل لتوجيه هذه الصحوة؟ الجواب أهم شيء هو العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وانتهاج منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله ، والتعاون الواعي بالواقع ودراسته دراسة عقلية دون العواطف، انهزمت الشيوعية، وأمريكا سوف تنهار، وليس على الله بعزيز أن تنهار في (٢٤) ساعة، لكننا نخادع أنفسنا عندما نقول: إن أمريكا سوف تنهار بالإيدز أو بالجريمة، نعم هي عوامل مدمرة، لكن فيها من عوامل البقاء ما يجعل حربنا معها حرباً ضروساً. فلا نخادع أنفسنا بل ندرس الواقع دراسة عقلية بعيدة عن العواطف.

стр. 352

أثر الوحدة اليمنية على جنوب اليمن السؤال ما هو أثر الوحدة اليمنية على الشيوعية في جنوب اليمن؟ الجواب هذه الوحدة لعبة من لعب الشيوعية، فـ الشيوعية مدت يدها للوحدة مع أوروبا الغربية، فكيف نستغرب أن أذناب الماركسيين في أي مكان يمدون أيديهم للوحدة مع أي دولة، فهذه لعبة ماركسية شيوعية يريدون بها بالذات في العالم الإسلامي القضاء على التوجهات الإسلامية التي بدأت تثمر في كل مكان. واليمن وهو ذخر وكنز للإسلام -بإذن الله كما جاء في الحديث، يقول ﷺ : ﴿إن الله أوحى إلي أن أستقبل الشام وأستدبر اليمن﴾ وقال: ﴿قد جعلت لك ما أمامك غنيمة وما وراءك ذخراً﴾ أو كما قال ﷺ : فالغنيمة هي بلاد الشام، بلاد المعارك، وستظل المعارك فيها مع الروم، والمنطقة التي تمد الإسلام بالرجال وبالعلم -إن شاء الله- هي هذه المنطقة وهي اليمن عموماً، ولا نعني بذلك اليمن السياسي بل اليمن الجغرافي، فالكثافة السكانية فيها موجودة، والفطرة أيضاً موجودة، فأكبر تجمع بشري في جزيرة العرب هو في هذه المنطقة، فهي -بإذن الله- كما أمدت المسلمين في الحروب مع الفرس والروم سوف تمدهم -أيضاً- في أي وقت، وقد انتشرت فيها الدعوة الإسلامية السُنية، لكن لأن ميزته أنه شعب قبلي أصيل انتشرت فيه بشكل أكثر -والحمد لله- ومن هنا يأتي الماركسيون وأذنابهم ليقضوا على هذه العودة، وعلى هذا التوجه، والله من ورائهم محيط، ونسأل الله أن ينصر إخواننا المسلمين هناك وفي كل مكان.

стр. 353

الحداثة وتفجير اللغة السؤال أخ يسأل عن تفجير اللغة الذي يدور في النوادي الأدبية؟ الجواب هذه الأسماء أسماء براقة لتفجير الإسلام والقيم والمعايير الثابتة، واللغة هي وعاء الرسالة، والله يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم:٤] ونحن لا نعرف القرآن والسنة إلا باللغة، والقرآن ما هو إلا كلام رب العالمين، والسنة ما هي إلا كلام رسول رب العالمين ﷺ ، فإذا فجروا اللغة تفجر كل شيء، ولم يعد لنا شيء، لكنهم عرفوا كيف يحتالون علينا، لما سموها حداثة تنكر لهم الناس بعد أن عرفوا خطر الحداثة فبدءوا يغيرون العناوين، فقالوا: تجديد وتفجير وتجريد وتطوير أي اسم، وكلما فقهنا اسماً غيروه، واللعبة على ما هي عليه، والاسم فقط يتغير.

стр. 354

هجرة المسلمين إلى فلسطين السؤال يقول الأخ: ماذا فعلنا نحن المسلمين ضد الهجرة اليهودية، ولماذا لا يكون لنا نحن المسلمين هجرة إلى فلسطين، وإلى متى ونحن صامتون، أم نحن نقول كلاماً؟ الجواب كيف نهاجر إلى فلسطين؟! ومن الذي سيعطينا جوازات للسفر؟! لكن نقول: نحن يجب أن نهاجر إلى الله ، لكن المشكلة أننا حاربنا الله، وأننا قطعنا العلاقة والصلة معه، فقطع الله عنا حبل نصره، وأوكلنا إلى هؤلاء المجرمين، فلنهاجر إلى الله كما قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠] ولو فررنا إلى الله ، وهاجرنا إليه، وهجرنا معاصيه، وكل دواعي الشر والفساد والشهوات، وتجردنا له ، لحقق الله لنا كل خير. وبهذه المناسبة بعض الصحف مثل جريدة المحرر ذكرت نكتة عدة مرات، تقول: العرب عندهم هجرة، لكنها ليست كالتي إلى إسرائيل، فإسرائيل تهاجر إليها العقول والطاقات من الاتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية، والمسلمون تهاجر إليهم البوذيات والنصرانيات، أي الخادمات والطباخات والمربيات والماشطات إلى آخره، وفي بعض الإحصائيات وقد لا تصدقون -أظن ذلك في عام (١٤٠٣هـ) إن لم تخني الذاكرة- كان عدد الخادمات اللاتي استقدمنَ للمملكة (٣٠٠. ٠٠٠) خادمة، معنى ذلك أنهم الآن يقاربون الـ (١. ٠٠٠. ٠٠٠) وفي بعض البيوت فيها خمس أو ست، هذه خادمة، والأخرى خياطة، وتلك طباخة إلى آخره، فماذا سيربون؟!

стр. 355

الجهاد المنظم في فلسطين السؤال ألا يوجد أمل لجهاد منظم كالجهاد الأفغاني لاسترداد القدس الإسلامية من اليهود؟ الجواب يجب أن نعلم أن كل شيء يسبقه خطوات، أي أن الجهاد المنظم قبله أشياء، ومع ذلك فإن الجهاد المنظم موجود الآن في فلسطين، فالموجود في فلسطين الآن نوعان من الجهاد: الجهاد الذي يستخدم الرصاص والمقاومة، وقد تفجر أول ما تفجر في غزة، بل من الجامعة الإسلامية ومن دعاة على منهج السنة، أو من المنتمين إلى جماعة الجهاد في مصر، والمقصود أن أول ما تفجر هناك، وهذا هو القائم هناك. والنوع الآخر: هو جهاد الحجارة وهو الأكثر وجوداً في الضفة الغربية، وهم الذين لا يستخدمون الرصاص، وإنما يستخدمون الحجارة فقط. فهذا وهذا كلٌ له دوره، فنحن نقول: الجهاد موجود، من يمده؟ ومن يساعده؟ هذه مشكلة مليار مسلم! وما استطعنا أن نوجد قناة لإيصال المال، ونحن مطمئنون إلى إخواننا المجاهدين هناك، وأنا سألت: كيف نوصل لهم؟ بعض الناس أحرجونا يقول: عندي (١٠٠٠) أو (٢٠٠٠) ريال على قدر الحال، فقلت: اسأل، فسألت فقالوا: إن دخل شيء أو وصل شيء فإنه يحول عن طريق أمريكا أو دول أوروبية، ألف مليون لا يوجد عندنا وسيلة لنعطيهم شيئاً، وكل يوم عندهم إضرابات واضطرابات وتدمير، من أين يأتيهم المال؟ ومن أين يأكلون؟ ومن أين يشربون؟ فضلاً عن أن نقول: من أين يجاهدون؟ فهم تفتك بهم الأمراض، فمن يعالجهم؟ والله المستعان، فقبل هذه الخطوة نحتاج إلى خطوات.

стр. 356

الإعلام الإسلامي السؤال ما هو دور الإعلام الإسلامي تجاه هذا الغزو السوفيتي اليهودي؟ الجواب أقول: أين الإعلام الإسلامي؟ ثم بعد ذلك نقول: ما دورهم؟

стр. 357

عداوة منظمة الذكرى لليهود الروس السؤال لماذا تعادي منظمة الذكرى اليهود الروس، هل هو من أجل السيطرة على الحكم، أم أنه حرب بين يهود ونصارى؟ الجواب الله ذكر أنهم مختلفون، والخلاف بين اليهود والنصارى قديم، وما جمعهم علينا إلا فرقتنا نحن وتفرقنا وذلنا، والعداوة قائمة بينهم فإن هؤلاء القوميين الروس لما فتح لهم المجال قليلاً بـ الديمقراطية يريدون إعادة بلدهم، وأخذتهم الغيرة على أمتهم وعلى بلادهم أن يسيطر عليها اليهود الذين أكثرهم من أوروبا، بينما الروس كثير منهم وكثير من متكلميهم من الجزء الأسيوي، أي: من الاتحاد السوفيتي -كما يسمى- فلا غرابة أن تكون هناك دعوة كما في أمريكا، فإن فيها يهوداً يعدون بالملايين يمكن (٣. ٠٠٠. ٠٠٠) تقريباً، يقفون ضد الأكثرية اليهودية الموالية لإسرائيل، لكن ليس هناك من يستثمر هذا الخلاف أصلاً، ولهذا هم متفقون علينا مهما اختلفوا، لأنه ليس هناك من يستثمر هذا الخلاف.

стр. 358

مذهب المجاهدين في روسيا السؤال يقول الأخ: قرأت في بعض المجلات أن المسلمين الثوار في الاتحاد السوفيتي من الشيعة، هل هذا صحيح؟ الجواب في بعض المناطق يوجد شيعة، وذلك في المناطق القريبة من إيران كـ أذربيجان، وإن كانت في الأصل سنة، فـ أذربيجان فتحت في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، ولكن في أيام الصفويين -الحكومة الشيعية التي كانت في إيران - أبيدوا إبادة تامة تقريباً، وأصبحت منطقة شيعية أو شبه شيعية، أما تركستان والمناطق الإسلامية الكبرى فكلهم -والحمد لله- من السنة.

стр. 359

اللجوء إلى المنظمات الدولية السؤال الأخ ينتقد لماذا الأمة الإسلامية يركضون وراء الشرق والغرب، ويذهبون إلى الأمم المتحدة من أجل السلام؟ الجواب هذا جزء من واقعنا الذي نسأل الله أن يغيره إلى خير منه، وإذا أوجدنا الأسرة المسلمة فهي النواة للمجتمع المسلم ثم للدولة المسلمة -بإذن الله- أما إذا فتحنا سيل الشهوات والشبهات، وظللنا نتلهف ونتحسر، والشباب يغرق في هذه الرذائل، ووسائل الإعلام تدفعه إليها، والإباحية الإعلامية تدفعه إليها، فلن نتقدم خطوة واحدة، ففي الحقيقة أن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة.

стр. 360

سياسة الوفاق الدولي السؤال بعض الزعماء العرب حذروا من سياسة الوفاق؟ الجواب نعم! لمعرفتهم بخطرها، ولكن لعل هذا من حسنات هذا التغيير على ما فيه من مساوئ. فالوضع الدولي يقتضي تغيير بعض الواجهات في العالم الإسلامي، ولا أتوقع أن التغيير يكون إلى الأفضل، لكن مما ذاقت الأمة الإسلامية من بعض المجرمين الذين تسلطوا عليها بباطنيتهم وشيوعيتهم وإلحادهم أكثر من عشرين سنة، لعل في الخلاص منهم فرجاً -إن شاء الله- ولعله يكون قريباً، ولعل ذهابهم فرصة ألا تجتمع الأمة بعد ذلك على ضلالة -بإذن الله- بل سيكون فيها من يدعو إلى الخير ومن ينصره الله، ويكون فيها من سيتلاءم مع الوضع الجديد الذي يريده الوفاق الدولي. لكن فيما يبدو لي -والعلم عند الله- أن الوفاق الدولي غير راضٍ على بقاء هذه الأوضاع كما هي، ولا سيما بعض القيادات التي استهلكت واستنفدت كل الشعارات، وكان المؤمل أن تتراجع هي كما تراجعت أوروبا الشرقية، ولكنهم لا يريدون أن يتراجعوا عن شيء، بل ما يزالون يسكرون أحلام الناس بالإنجازات الثورية الضخمة الهائلة، وهي إنجازات معروفة للجميع لا تخفى على أحد! هذا وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعل أعمالنا جميعاً خالصة لوجهه الكريم، وأن ينفعنا جميعاً بما نسمع ونقول. وأسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.

стр. 361

مقومات المجتمع المسلم المجتمع المسلم له مقومات يقوم عليها لأداء رسالته، وهذه المقومات قد بينها الشيخ في هذه المادة، فذكر من هذه المقومات التوحيد وما يتضمنه من التحاكم إلى شرع الله مستدلاً بالكتاب والسنة، ثم ذكر المقوم الثاني وهو اتباع السنة وترك البدعة، وبين أن الإسلام حث على اتباع السنة وترك البدعة، مدعماً ذلك بذكر ما ألحقه الله بأهل البدع من العقوبة، ثم ذكر المقوم الثالث وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبين أنه من خصائص هذه الأمة موضحاً أهميته ومكانته في الدين، وما هو الواجب نحو هذه الشعيرة، وأما المقوم الرابع فهو العدل، الذي تجسد في معاملة المسلمين، وذكر كيف كانت معاملتهم فيما بينهم ولمن كان تحت أيديهم من غيرهم إبّان قوة دولة الإسلام، ثم ذكر المقوم الخامس وهو حسن الخلق بين المسلمين، وضرب بعض الأمثلة التي تبين أثر وأبعاد حسن الخلق في المجتمع المسلم.

стр. 362

المقوم الأول: تقديم أمر الله الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:- رأى بعض الإخوة الكرام -أثابهم الله- أن نحدثهم عن موضوع مهم وعظيم، وهو مقومات المجتمع المسلم، وليس بإمكاننا أن نحيط بهذه القضية ولا بهذا العنوان من جميع جوانبه، ولكن نظراً لما تعيشه هذه الأمة اليوم من فقدانٍ لمقومات اجتماعها وذهابٍ لشخصيتها وذاتيتها التي تميزها بين الأمم، فنحن في حاجة بلا ريب إلى أن نعرف مقومات مجتمعنا -ولو على سبيل الإجمال- التي يفترق بها عن غيره من مجتمعات الكفر والضلالة، فإن الدنيا اليوم قد تقاربت، تقارب الزمان والمكان، نتيجة وسائل الإعلام ووسائل الاتصال والنقل، حتى أصبحت -كما يسمونها- قرية إعلامية، فأصبحت الأمة الإسلامية أحوج من ذي قبل إلى معرفة مقومات اجتماعها، مع ما اعتراها من ضعفٍ وتراخٍ وتحللٍ وافتراقٍ وغير ذلك؛ من دواعي ضرورة معرفة مقومات هذا المجتمع المؤمن الذي ميزنا الله ﵎ وشرفنا به. إن مقومات المجتمع المسلم هي القضية الأولى التي لا يمكن أن نتجاوزها في الحديث أبداً. إننا عندما نتحدث عن المقومات، فإننا نتحدث عن أول الواجبات، وعن أول ما فرض الله ﵎، مما جاءت به رسل الله الكرام، وإن مما يجب علينا أن نصرف همنا في الدعوة إليه هو توحيد الله وحده لا شريك له، فهذه أعظم ميزة وأعظم مقوم، وأول منازل الطريق التي لا يجوز ولا ينبغي بحالٍ من الأحوال أن نتجاوزها أبداً. إن الإسلام إنما أُخِذَ من الاستسلام لله ﵎ بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك، وأهله، وهذه دعوة الله ﵎ بعث بها أنبياءه جميعاً، فما من نبي بعثه الله ﵎ إلا قال لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣] كما قص الله ﵎ علينا من كلام أنبيائه فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [هود:٢]، وغير ذلك من الآيات، وكذلك لما بعث النبي ﷺ رسوله معاذ بن جبل الصحابي الجليل والداعية العظيم إلى اليمن قال له: ﴿فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله﴾ وفي رواية: ﴿إلى عبادة الله﴾ وفي رواية ﴿إلى توحيد الله﴾ وكلها روايات صحيحة تدل على أن المعنى واحد كما سمعنا في الآيات. إن أساس القضايا وأولها جميعاً هو الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، أي: إلى توحيد الله، وأن لا يعبد إلا الله ﵎ والتي عليها جاهد رسول الله ﷺ ، وعليها أُسِسَ هذا البيت الذي شرفت به هذه المدينة، بل شرفت به الدنيا كلها، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً﴾ [الحج:٢٦] فالأساس هو ترك الشرك، والبراءة منه ومن أهله. وهذه البلدة الطاهرة -والحمد لله- قامت على ذلك وستظل كذلك بإذن الله، فلقد انتشر نور الإيمان والتوحيد حتى عم ما شاء الله ﵎ أن يعم مما زوى الله ﵎ من الأرض لنبيه محمدٍ ﷺ ، وأراه كيف سيبلغ ملك أمته، وأين تبلغ دعوته، كما بشَّر ﷺ أن هذا الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وهذا الدين هو التوحيد.

стр. 363

التحاكم إلى شرع الله إن هذا المقوم هو جزء من التوحيد، وهو مقوم مهم من مقومات المجتمع المسلم الذي يحفظ له انتماءه وتحقيقه لإسلامه وانتسابه إليه، ألا وهو التحاكم إلى شرع الله تعالى، وإن من أعجب العجب أن المسلمين في العصور المتأخرة يدّعون الإسلام اسماً، ولكنهم أتوا بعقائد ونحل ومبادئ وضعية سواءً أكانت شرقية أم غربية، ثم جعلوا هذه العقائد هي التي يستمدون منها المناهج والقيم والمعايير في الاقتصاد والسياسة والإعلام وسائر جوانب الحياة، وحصروا دين الله والعبادة والتوحيد، وضيقوا عليها في شعائر معينة، فتوهم العامة أن في إمكان الإنسان أن يكون موحداً أو عابداً؛ ومع ذلك يعتقد بعض هذه العقائد، كأن يكون اشتراكياً أو ديمقراطياً أو بعثياً أو ما أشبه ذلك من الضلالات والكفريات، عياذاً بالله ﵎. إن التحاكم إلى ما أنزل الله، ونبذ كل شرعةٍ تخالف شريعة الله، هو جزءٌ من توحيد الله ﵎ ومن عبادته وحده، ففي سورة الأنعام ذكر الله هذه القضايا وفَّصل فيها، فجعل الله اتخاذ الولي والحَكَم من دونه، كل ذلك لا يجوز ولا يليق، وإنما الولي والرب والإله والحَكَم هو الله وحده لا شريك له، فقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١]، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النساء:٦٠]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة:٤٥]، وفي الثالثة: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة:٤٧]، وغير ذلك من الآيات التي تدل على أن من أهم مقومات المجتمع المسلم وتحقيقه لتوحيد الله أن يكون الحكم لله ﵎ بالرد إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله ﷺ .

стр. 364

عدم تقديم أمر بين شرع الله ورسوله إن ذلك يشمل أيضاً ترك التعصب المذموم المقيت لآراء الرجال، والتأدب مع رسول الله ﷺ ومع سنته، وألا يقدم بين يدي الله ورسوله كلام أحدٍ كائناً من كان، وإن كان صحابياً جليلاً أو إماماً متبوعاً أو عالماً مجتهداً، فالتقديم والاعتماد والاستدلال إنما يكون أولاً من كلام الله ثم كلام رسوله ﷺ ، ثم ما وافقهما، وإذا كانت المسألة موضع اجتهاد وتنازع فقد أُمِرْنَا أن نرد النزاع إلى الله وإلى الرسول فيما وقع فيه التنازع، ثم يجتهد كلٌ منا في تحقيق ما أمر الله، وما حكم به رسول الله ﷺ ، وبعد ذلك لا مانع من أن تختلف الاجتهادات. إذا اتفقنا على منهج الاستدلال، ومنهج الاستمداد والتلقي من الله ورسوله ﷺ ، لم نقدم عليه قول أحد كائناً من كان، لا شيخ طريقة كما يفعل الضلال من الصوفية وأمثالهم، ولا رأي متكلم كما يفعل أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية وأشباههم، ولا كلام الأئمة المزعومون أنهم معصومون -كما يفعل الروافض والباطنية وأشباههم-، ولا المذاهب الوضعية الباطلة التي انتسب إليها كثير من المسلمين في هذا الزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إن المجتمع المسلم هو المجتمع الذي يحكمه شرع الله، ودين الله، وتقام فيه حدود الله، كما شرع الله، ولن يقوم هذا المجتمع أبداً إذا لم تقم فيه حدود الله -كما شرع الله- على الشريف والضعيف وعلى الرفيع والوضيع، وأن تقام لوجه الله ﵎ لا من أجل رياءٍ ولا سمعة، ولا لمجرد الحفاظ على الأمن والحياة -وإن كانت مطلوبة- ولكن الأساس من ذلك هو عبادة الله ﵎ ولا يصح إيمان المجتمع إلا بتحقيق هذه العبادة، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. ولو نظرنا إلى مجتمعاتنا التي انحرفت عن شرع الله وأتت بالقوانين الوضعية، كيف حالها؟ وكيف مآلها من التفسخ والتفكك؟! حتى أصبحت كلمة الإسلام إذا أطلقت غريبة عندهم، ومن يدعو إلى الإسلام أصبح غريباً في بعض المجتمعات التي تدَّعي أنها إسلامية والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فالواجب على جميع المسلمين أن يتحاكموا إلى ما أنزل الله ﵎ وقد أخبر النبي ﷺ أن ترك التحاكم إلى الشرع من أسباب هلاك الأمم فقال: ﴿إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق - وهذا ينطبق على غير السرقة - فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد﴾ فإذا كانت إقامة الحدود على بعض الناس دون بعض، والمحاباة فيها والمجاملة فيها سبباً للهلاك، فما بالكم إذا نُحيِّ شرع الله ﵎ بالكلية، واحتكم إلى الدساتير الوضعية التي يضعها البشر، كما عبَّر عنها سماحة الإمام الشيخ الداعية محمد بن إبراهيم رحمة الله تعالى عليه المتوفى عام (١٣٨٩م) -مفتي هذه الديار قبل سماحة الوالد الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀ والذي سمى هذه القوانين: 'زبالة الأذهان، وحثالة الأفكار' فهم يضعون ويغيرون ويبدلون كما يشاءون، ويأمرون الناس أن يحتكموا إليها، ويطلبون منهم ذلك، ويلزمونهم بها إلزاماً، ولذلك فإنه ﵀ جعل فتح المحاكم الوضعية وتهيئتها للناس، وأن يكون لها سجلات ومراجع ومستمدات كما للمحاكم الشرعية، نوعاً من أنواع الكفر الأكبر، ذكر ذلك في رسالته القيمة على صغر حجمها رسالة تحكيم القوانين.

стр. 365

المقوم الثاني: اتباع السنة وترك البدعة إن أعظم وصية أوصى الله ﵎ بها، ورسوله ﷺ بعد توحيد الله، هو اتباع السنة وترك البدعة.

стр. 366

الحث على اتباع السنة وترك البدعة وتأتي البدعة البدعة في المرتبة الثانية بالنسبة إلى أعظم المحرمات، فاتباع البدع هو في الدرجة الثانية بعد الكفر وقبل الكبائر العملية، والكبائر الاعتقادية العلمية هي أشد وأعظم جرماً من الكبائر العملية، كالزنى أو السرقة أو شرب الخمر، ولهذا نهانا الله عن اتباع الهوى، وأمرنا كما قال ﵎: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣]. والعبد المؤمن يقول في كل ركعة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] فبعد أن وحدنا الله ﵎ وأفردناه بالربوبية والألوهية وآمنا به وحده ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] نطلبه وندعوه أن يثبتنا على الصراط المستقيم، وهو السنة، وما ورد فيه من أقوالٍ أخرى فهي لا تخرج عن ذلك، فالقرآن، أو السنة، أو طريق الشيخين، أو طريق الصحابة؛ المقصود بها كلها كلمة السنة بمعناها العام، التي تعني هدي رسول الله ﷺ في كل شأن وفي كل أمر ابتداءً من التوحيد، وانتهاءً بأقل درجات المندوبات بل المباحات. فالاتباع يكون لرسول الله ﷺ ، وكما قال ﷺ : ﴿افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة﴾ ولهذا أوصى الله بها، وأوصى بها رسوله ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]. وهذه وإن كانت تشمل كل أنواع التفرق، إلا أن أعظم وأشد أنواع التفرق جرماً هو التفرق في الدين، وهذا ما حذَّرنا الله ﵎ منه حتى لا نشابه المشركين الذين قال عنهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء﴾ [الأنعام:١٥٩] فالأمم قبلنا جميعاً، من اليهود والنصارى وغيرهم قد وقعوا في الشرك جميعاً، وفرقوا دينهم، وكانوا شيعاً، أما نحن فأمرنا باتباع سنة النبي ﷺ التي أوصى ووعظ بها صلوات الله وسلامه عليه، ونهى عن البدع والمحدثات، وقال: ﴿عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار﴾.

стр. 367

عقوبة أهل البدع كان السلف الصالح رضوان الله عليهم ينكرون أشد الإنكار على ما ظهر من بدع في أيامهم كما أنكر عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه على بدعٍ في التسبيح فعلها بعض القراء، ثم لما ظهرت الفرق المبتدعة وتميز أهل السنة، رأينا كيف كانت عقوبتها، فإن علياً رضي الله تعالى عنه -وهو إمام زمانه وخليفة عصره- لما خرجت الرافضة -التي تنتسب إليه إلى اليوم- لم تكن عقوبتهم عنده إلا الحرق، وهذا ما أنكره عليه عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، ولكن المقصود أنهم اتفقوا على القتل وإن اختلفوا في كيفيته، ولهذا قال: لما رأيت الأمر أمراً منكرا أججت ناري ودعوت قنبرا وقال شاعرهم: لترميني بنا المصائب حيث شاءت إذا لم ترم بي في الحفرتين وهي الحفر التي أوقدها من النار لما قالوا: أنت هو! قال: ومن هو؟ قالوا: الله، تعالى الله عما يشركون. والطائفة الأخرى التي خرجت في زمن الخلفاء الراشدين هي: الخوارج، وهؤلاء أيضاً قاتلهم علي ٌ رضي الله تعالى عنه، وفرح وسر هو والصحابة الكرام بقتالهم، وابتهجوا بذلك، وجعلوا ذلك من آيات الله الدالة على صدق رسالة نبيه ﷺ ، كما في حديث ذي الثدية، وجعلوه دليلاً على صحة إمامة علي رضي الله تعالى عنه وأن ذلك من كراماته؛ لأنه وُفقَ إلى قتل هؤلاء الذين قال فيهم النبي ﷺ : ﴿لو أدركتهم لقتلتهم قتل عاد﴾ فكانت معركة النهروان وغيرها ممن قتل فيها هؤلاء. فعقوبة أهل البدع -وإن لم يدعوا إلى الشرك الصريح- كعقوبة الخوارج، أما إذا دعو إلى الشرك كما دعا إليه الروافض الأولون والمتأخرون، وكما يدعوا إليه المتصوفون في هذا الزمان، وفي كل الأزمان، الذين اتبعوا الطرق والسبل التي نهى الله ﵎ عن اتباعها وأصبحوا ينعقون بالشرك الأكبر، ويزعمون أن مع الله إلهاً آخر، فهؤلاء خرجوا عن حد الابتداع ودخلوا في حد الشرك، حيث يقولون: إن هناك من يعلم الغيب غير الله، وإن رسول الله ﷺ هو الأول والآخر والظاهر والباطن، تعالى الله عما يشركون، فأعطوه خصائص الألوهية، وأسماء الله تعالى وصفاته وغير ذلك. فلو كان المُشرَك به مع الله ﵎ أفضل خلقه وأحبهم إليه وهو محمد ﷺ أو أفضل الملائكة وهو جبريل ﵇، فإن الله ﵎ لا يرضى ذلك أبداً، فكيف بعبادة من دونهم من الأولياء أو الصالحين، فكيف بضلالات وبدع وشركيات وخرافات عند من ليس لهم حظٌ من الولاية، وإنما هم مفترون، وإن كثيراً من الأضرحة التي تزار وتعبد في أنحاء العالم الإسلامي اليوم ليس فيها أحد أصلاً، بل ربما يوجد فيها من ليس له في الإسلام حظ من الولاية، فإذا كنا ننكر على من يأتِ بالشرك عند قبر رسول الله ﷺ ، أو قبر أحد من الصحابة، أو أي أحد من الأنبياء، فكيف بمن يفعله عند من لا حظ له من الولاية أصلاً، فكله شركٌ وباطل نسأل الله ﵎ أن يحمي هذه الأمة منه إنه سميع مجيب.

стр. 368

المقوم الثالث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن من مقومات المجتمع المسلم والأمة المسلمة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال الله ﵎: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]

стр. 369

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصائص هذه الأمة ولا شيء يتقدم على الإيمان بالله أبداً، لكن هذه الآية تتحدث عن خصائص هذه الأمة التي تفرقها عن غيرها، فقدم ما يخصها عما تشترك فيه مع غيرها، ولقد وجد في الأمم قبلنا من يؤمن بالله، لكن خاصية هذه الأمة أنها أُخرجت للناس، وأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ولذلك هذا المقام في الدنيا يحق لها به المقام الآخر في اليوم الآخر، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] فهذا مقوم عظيم من مقومات المجتمع، ومقومات الأمة والدولة، كما ذكر الله ﵎: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] فلا تصلح حياة الأمة الإسلامية ولا تقوم أبداً إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 370

أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن هذه الشعيرة العظمى يراد طمسها، وإذا طمست فلن يبق بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات الكافرة أي فرق؛ بل تنتشر الضلالات والبدع والشركيات ويتحول المجتمع المسلم إلى مجتمعٍ مشرك، أو متسم باسم الإسلام ظاهراً فقط، ولا فرق بينه وبين غيره، يعلن صاحب الإلحاد بإلحاده، وصاحب البدعة ببدعته، ويتنصر من تنصر، ويتهود من تهود، ويعبد الأصنام من يعبدها، فلا أحد ينكر على أحد، فلو تركت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكان هذا هو المآل في النهاية عياذاً بالله. وانظروا إلى حال المجتمعات المسلمة التي تركت هذه الشعيرة، ألم يصل بهم الأمر إلى هذه الحالة، لقد أصبح الرجل يدَّعي أي مذهب، وينتحل ما شاء من النحل، وجاهر اليهود والنصارى بمذاهبهم، وأصبحت لهم المناصب الكبيرة في الدولة، وجاهر أهل البدع ببدعهم، وكل من لديه نحلة ضالة أعلن بها وجاهر لفقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولهذا يسعى أعداء الله والمجرمون إلى أن يطمسوه بالكلية، وخاصةً في هذه البلاد، ولكنها والحمد لله لم تترك ذلك أبداً. إن الناس -والحمد لله- لا يمكن أن يتخلوا عن دينهم في هذه البلاد خاصة ً، بل والحمد لله قد عادت الصحوة وعمت كل مكان، فلا يمكن للمسلمين أن يتخلوا عن دينهم، ويتخلوا عن هذه الشعيرة العظيمة.

стр. 371

الواجب تجاه هذه الشعيرة إن من أوجب ما يجب على طلاب العلم إحياء هذه الشعيرة، بأن تحيا في البيت والشارع، والمدرسة، وفي كل مكان، بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى أينما كنا، لا ينبغي أن نتحرج أن نقول لمن في بيتنا، أو لقريبنا، أو لجارنا، أو لمن في الشارع، أو الدكان؛ بالأسلوب الحكيم الحسن: صلِّ، أو اتق الله، أو هذا حرام، أو هذا منكر، أو خذ هذا الكتاب، أو هذا الشريط النافع، أو هذا إعلان لمحاضرة، أو أي عمل من أعمال الخير؛ بل يجب أن تحيا النصيحة في المجتمع، وفي الإدارات الحكومية، وفي كل مكان، بحيث يشعر أصحاب المنكر بأنهم يرتكبون المنكر، وأن الأمة تحتقرهم، وأن الأمة ترذلهم لا لكبرٍ عنهم؛ أو لأنهم أصحاب مالٍ أو ثراءٍ أو منصب؛ ولكن لأنهم يعصون الله ، فإذا تركوا المنكر فهم إخوة وأحبة لنا، إذا رأى الناس ذلك عظموا أمر الله ، وأحبوا الله وتمسكوا بدينه. وتجد بعض الناس يرتكب المنكر وهو لا يزال في بدايته في أول الطريق، ولو وجد من يقول له: لِمَ تفعل كذا؟ لرجع، وبعضهم قد بدأ قليلاً، ولو وجد من قال: لِمَ، وزاد عليها: كيف تفعل كذا وكذا لرجع، وبعضهم أيضاً لو وجد كتاباً أو شريطاً أو حديثاً حسناً لرجع، وبعضهم قد غاص في البدع والضلالات أو في المنكر والفسق فهذا أمرٌ آخر، لكن كثيراً من الناس قريبون من الخير أو هم على حافة الخير، فإذا حركتهم ولو قليلاً يبتعدون عن الشر بإذن الله ، فهذه من أعظم مقومات المجتمع المسلم التي يحفظه الله ﵎ بها.

стр. 372

المقوم الرابع: العدل ومن أعظم وأهم مقومات المجتمع المسلم العدل؛ لأن السماوات والأرض إنما قامت بالعدل، وأمر الله تعالى به في القول، وأمر به في العمل، وأمر به في كل شيء، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢]، وقال: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]، وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٧ - ٩]، وغير ذلك كثير، فهذه الأمة أمة العدل. ولذلك كان من سنة الخلفاء الراشدين ما أمر به عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه حين جعل مكان بعض العبارات التي لا تليق في خطب الجمعة هذه الآية الكريمة العظيمة الجامعة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠]. فالعدل مطلوب من هذه الأمة بالذات، بل من كل أحد، وهو محببٌ إلى النفوس جميعاً، وتطلبه كل الفطر والعقول في المجتمعات كافة، الكافر منها والمؤمن، فكلها تريد العدل، وكلها تدَّعيه، وتحبه وتنشده، ولكن الأمة التي تعرف الحق وهديت إلى الحق وبه يعدلون هي هذه الأمة والحمد لله، التي أعطاها الله العدل لا مبادئ عامة -كما يزعمون- ولكن حقائق وأحكاماً تفصيلية، مفصل لك كيف تعدل في بيتك وكيف تعدل في عملك وكيف تعدل في ولايتك إذا كنت قاضياً أو أميراً؟ فالحكم واضح أمامك. كل الأحكام فصَّلها الله تفصيلاً في كتابه أو في سنة نبيه ﷺ ، ومن سيرة الخلفاء الراشدين، فهي الأمة التي تستطيع وحدها أن تقوم بالعدل في هذا العالم الظالم المظلم الذي أحدقت به الظلمات والمظالم من كل مكان. وأي أمة في الدنيا الآن تملك العدل أو تستطيع أن تعدل بين أفرادها فضلاً عن العدل بين الناس؟! إن أفضل ما لدى الغرب: هو ما يزعمونه من الديمقراطيات، وأي عدلٍ في الديمقراطيات؟! إننا نأسف أسفاً شديداً أن تصبح هذه الديمقراطيات هي الهدف الذي يتطلع إليه بعض المسلمين! الذين أعطاهم الله كل هذا العلم والحقائق، وأنزل إليهم الكتاب مفصلاً، فكيف تطلبونها؟! إن الرجل الذي لا يملك المال، لا يملك النفقة الانتخابية، وبالتالي لا يمكن أن يرشح، وبالتالي لن يصل إلى شيء في هذا العالم، فبقدر رأس مال الإنسان في الدول الديمقراطية الغربية، تكون مكانته وقيمته، فأين العدل إذاً؟ إن الضعفاء من العمال ومن طبقة صغار الموظفين مسحوقون مظلومون لا يؤبه لهم بشيء، نعم هناك مبادئ وضعوها وأجمعوا عليها ويحاولون أن يصلوا إلى شيء من العدل وأنَّى لهم ذلك. إن هذا العدل يجب أن نحييه في هذه الأمة في بيوتنا لنكون من المقسطين كما قال ﷺ : ﴿إن المقسطين على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين وهم الذين يعدلون في أهليهم وما ولوا﴾ هكذا يجب أن نكون، وهذا عدلٌُ تغنَّى به الناس قديماً وحديثاً. إن ما يعيشه العالم اليوم فهو جاهلية، وإن شئت فقل هذه مثل تلك سواء، من لم يعرف الله أو من جهل الله فهو في جاهلية في أي عصرٍ كان وفي أي مصرٍ عاش. كان العرب في الجاهلية يتغنون في أشعارهم بعدل كسرى الذي لم يشملهم يوماً واحداً من حياتهم بعدله، مثلما نجد اليوم العالم الإسلامي والدول العربية تتغنى بعدل الديمقراطية وتفرح بها مع أنه لم يشملها شيء من خيرها إن كان فيها خير، ويقولون لما قتل: همُ قتلوه كي يكونوا مكانه كما غدرت يوماً بكسرى مرازبه إلى آخر ما تغنوا به، حتى جاء الله بهذا الدين، فعرف الناس حقيقة العدل، ورحم الله من قال: أتى عمر فأنسى عدل كسرى كذلك كان عهد الراشدين نسي الناس عدل كسرى، فما هو عدله بالنسبة إلى عدل عمر رضي الله تعالى عنه وإلى عدل من بعده؟ والقضية ليست قضية عمر، إنها قضية الدين والإسلام الذي حول أولئك الجاهليين من جفاة غلاظ الأكباد إلى أمة رحيمة مشفقة عادلة. وجاء حفيده عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، وحدث ما حدث من فتح بعض المدن التي هي اليوم ضمن ما يسمونه الاتحاد السوفيتي، ودخل الجيش المسلم بقيادة قتيبة بن مسلم، واقتحم المدينة بعد أن صالح أهلها لكثرة ما غدروا به، فعلم أهلها أن المسلمين أمة العدل وأنهم لا يقرون الظلم، فأتوا إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه، وقالوا: بلغنا عنكم العدل، وقد صالحنا قائدكم ثم غدر بنا وفتحها، فلما تبين عمر رضي الله تعالى عنه ذلك؛ أمر الجيش المسلم أن يخرج من المدينة بعد أن فتحها، وقد غدروا به ولم يقل هذا جزاء غدرتكم، فلما خرجوا ورأى أهل المدينة ذلك عياناً، عجبوا لهذا العدل، فقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ودخلوا في الإسلام وما زالت بلاد إسلام، ونسأل الله ﵎ أن يفك أسرها. كان الناس يرون عدل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كما رأت الدنيا كلها هذا العدل الذي هو أحوج ما تكون إليه الأمة اليوم، وظل العدل -ولله الحمد- شيمة هذه الأمة وإن قل عمَّا كان في الصدر الأول. ولا يزال تاريخ الصليبيين الأوائل عندما اجتمعت أوروبا الصليبية أول مرة -ولا زالت تجتمع في كل مرة- ينطق بعدل صلاح الدين ,ونور الدين وقد عجبوا من هذه الأمة كيف تعيش هذه الحياة الكريمة؟ وكيف تعدل هذا العدل الذي هو من شيم الأنبياء لا من شيم ملوك الدنيا كما عبَّروا هم بذلك، وكثيرٌ منهم بقي في بلاد العالم الإسلامي، وأسلم لما رأى تلك الحياة الكريمة، وتلك العدالة التي تنشدها النفوس ولم تجدها إلا في ظل هذا الدين.

стр. 373

المقوم الخامس: حسن الخلق هناك مقوم آخر مهم من مقومات المجتمع المسلم وهو حسن الخلق بين المسلمين، ونحن طلبة العلم أحوج ما نكون إلى حسن الخلق، فقد كان ﷺ كما وصفته أم المؤمنين عائشة: ﴿كان خلقه القرآن﴾، وكما قال ﷺ وكفى بذلك فضلاً: ﴿إن الرجل ليبلغ درجة الصائم القائم بحسن خلقه﴾ فبحسن الخلق مع الأخ، والزوجة، والابن، ومع الصديق، والعدو يبلغون تلك الدرجة العظيمة، حتى كان كثير من الناس من العصاة والفجار والفساق يرون من حسن خلق الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم ومن بَعَدهُم ما يجعل قلوبهم ترق وتلين ويتركون ما كانوا عليه من الفسق والفجور، وهذا كثيرٌ جداً في عهد الصحابة والتابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. ومنها قصة صلة بن أشيم رضي الله تعالى عنه -وهو من التابعين-، لما كان يذهب إلى الصحراء في الليل ويمر بشباب يلهون ويعبثون -مثل ما نرى الشباب هذه الأيام في الكازينوهات والملاعب- في الليل، فقال: [[إن قوماً -يضرب لهم مثلاً وهو يمشي- كانوا مسافرين قضوا الليل في اللعب وغفلوا في النهار فأنى يدركون الطريق أو فأنى يصلون]] يضرب لهم المثل أول الليل ويمشي، وفي اليوم الثاني قال أحدهم: والله إنه ليريدنا ويعنينا، ويقول لنا: نحن أمامنا طريق، وأمامنا سفر وهو الانتقال إلى الدار الآخرة، ومع ذلك نضيع هذه الأوقات، فأفاقوا من غفلتهم، وكانوا قرابة العشرين شاباً فأصبحوا من خيار شباب الإسلام. لقد استيقظوا بحسن الخلق في الدعوة، وبحسن التعامل وبالرفق، وبعض المحدثين كما يُذكر عن شعبة رضي الله تعالى عنه، وهو الإمام المحدث المشهور الثقة، الذي قال عنه الإمام أحمد بن حنبل ﵀: 'كان أمةً وحده في هذا العلم'، كان ماراً في طريق مجتازاً يحيط به طلاب العلم من كل جهة ويحتفون به، فخرج رجلٌ من شرار الناس، من الفساق -كما هم في كل زمان ومكان- فقال: من هذا؟ احتقاراً له، قالوا: هذا شعبة المحدث، قال: محدث! قالوا: نعم، فأمسك بتلابيبه، وقال: حدثني استهزاءً وسخريةً. فأراد طلابه أن يبطشوا به؛ وكان موقفاً حرجاً، رجل عليه أمارات الفسق وليس به من سمات الخير شيء، وبكل هذه الوقاحة ويعرض له في الطريق ويقبض عليه، حدثني حدثني، فأراد أن ينفلت منه، فقال: لست من أهل هذا العلم، فقال: لا إلا أن تحدثني، فقال: حدثنا فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ أنه قال: ﴿إذا لم تستح فاصنع ما شئت﴾ فوقع في قلب الرجل موقعاً عظيماً، وعرف أنها موعظة له، وليس مجرد تحديث. فعاد إلى بيته وبدأ يغير حاله، فقال: والله لا بد أن أغير حالي، والله لقد حدثني حديثاً عظيماً، والله لأستحين من الله، ثم عقد العزم وتاب واستغفر الله وأناب ورحل إلى مالك رضي الله تعالى عنه، وأصبح من كبار المحدثين، ثم كان يقول ما رويت عن شعبة إلا هذا الحديث، وبقيت روايته عن مالك وأصحابه رضي الله تعالى عنهم. أقول: إن هناك نماذج لحسن الخلق في الدعوة والصبر، والتحمل، ونجد -والحمد لله- حسن الخلق بين الشباب المسلم، وإن كان بحاجة إلى أن نحث عليه، لكن قد نفتقده مع غيرهم، فأحسنوا وارفقوا حتى بأهل الفسق والفجور، واصبروا وتحملوا، وأبشروا بالعاقبة بإذن الله ﵎، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، ولهذا قال عباد الله المرسلون لأممهم ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ [إبراهيم:١٢] توعدوهم بالأذى فوعدوهم بالصبر. فحسن الخلق -أيها الإخوة- من أعظم المقومات كما قال الشاعر: وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا ومن أعظم ذلك حسن الخلق مع المدعوين، ومقابلة إساءتهم بالإحسان، ومقابلة أذاهم بالصبر والتحمل كما أوصى العبد الحكيم ابنه ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. والحمد لله رب العالمين.

стр. 374

الأسئلة

стр. 375

الاختلاط وأثره السيئ السؤال هل عدمت المستشفيات من الطبيبات حتى يدخل الطبيب على المرأة في الولادة ويدخل عامل النظافة إلى قسم النساء بدون رقيب؟ نريد حلاً لهذه القضية المؤلمة التي بدأت تكثر في هذه الأوقات، ولماذا لا يتعاقد مع جهاز طبي نسائي كامل يخصص للنساء؟ الجواب الأمم بإرادتها، وتلك سنة من سنن الله ﵎، حيث جعل الله في الإنسان -فضلاً عن الأمة- من الطاقات ما لا نظير له في أي مخلوق، فمن الممكن أن يحقق الفرد أو الأمة أشياء عجيبة جداً لا تخطر على البال، ولهذا يوجد من الأفراد من هو أمة بذاته مما يحقق من الأعمال، وأصل ذلك كله الإرادة التي تعني: العزيمة الصادقة ولا سيما على الرشد وعلى أمر الله . إن أمة لديها إرادة أن تعبد الله وحده لا شريك له، ولديها إرادة أن تكون أمة متميزة مستغنية عن غيرها، وتكون أمة قائمة على أمر الله كما شرع الله تستطيع ذلك بإذن الله، ولا نقول: لا يوجد كوادر، فمهما قلنا ذلك إذا وجدت الإرادة وجد كل شيء، ليس في هذه المسألة فحسب؛ بل إن صدقنا مع الله وإن أردنا حقاً أن نقضي على الربا، والله لنقضين عليه قضاءً مبرماً، ونعيش بعد ذلك عيشةً سعيدةً هنيئةً فيها البركة والنماء لا المحق والخسارة. إن أردنا الحجاب والعفاف والصون والله نستطيع ذلك، وما الذي يمنعنا؟ ماذا علينا لو آمنا بالله واليوم الآخر حق الإيمان، ماذا علينا لو تمسكنا بما كان عليه السلف الصالح؟ والله ليس علينا شيء. لكننا لا نريد! وهنا المشكلة يعتذرون بقلة الطاقات، أو ليست المستشفيات مختلطة؟ افصلوا هذا عن هذا، ويعتذرون أحياناً بالمال، أوَلسنا نسخِّر المال في لهوٍ ولعب؟ فخير وأوجب وأولى ما يسخر فيه المال في حفظ العرض وصون الشرف، والعفاف والفضيلة والطهارة، حتى لو كانت نساء ذميات كتابيات في ظل الدولة الإسلامية وجب أن ينفق المسلمون من بيت المال ما يحفظون به عفافهن، وحرمتهن، حتى لا ينتشر الفساد في الأرض، فكيف بالمؤمنات الحرائر العفيفات الطاهرات، اللواتي يكتبن رسائل تدمي القلب. إحداهن تقول: والله إنني لا أذهب إلى السوق أو إلى أي مكان -إذا اضطررت أن أخرج من البيت- إلّا متغطية متحجبة حجاباً كاملاً لا يرى مني ظفر، فإذا جاءت الولادة فإنه يأتي الطبيب الأجنبي -وقد يكون كافراً أو ملحداً- فيرى مني كل شيء حتى عورتي، أين غيرتكم يا دعاة ويا علماء ويا طلبة علم؟! إلى هذا الحد حتى عامل النظافة يدخل، سبحان الله العظيم! لماذا لا نعين من يقوم بهذا العمل؟ فكل من يفتح مستوصفاً أو مستشفىً نسائياً متخصصاً نعينه، ونمده بالمال والطاقات وبكل جهد، فإن هذا من إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا من أوجب الواجبات، والحمد لله فليس هذا بغريبٍ علينا، وانظروا تعليم البنات عندما قام ووضعت له ضوابط، كان فيه خير كثير والحمد لله، رغم ما دخله من خلل، لكن فيه خير كثير، فلِمَ لا يكون الحال في المستشفيات كذلك؟ عجيبٌ جداً أنه إذا قبض على الرجل والمرأة مختليين، -وكان هذا الرجل مدرساً -مثلاً- وهي مدرسة- فإنه ينكر عليهما لأنهما اختليا، أما إذا كانا طبيباً وطبيبة، أو طبيباً وممرضة، فنحن الذين نهيئ لهم الغرفة والخلوة، ونهيئ لهم كيف يختليان، فكيف يقع هذا التناقض؟ من الذي حرَّم هذا وأحلَّ هذا؟ أليست الخلوة حراماً على كل أحد وكيفما كان؟! المدِّرسة لا تأتي إلا بمحرم، والممرضة تأتي بغير محرم هذا أمر عجيب، قانونان ونظامان في بلد واحد، وفي أمة واحدة، لماذا هذا؟ أليست هذه الممرضات أقرب إلى الفسق من المدِّرسات؟ وخاصة أن كثيراً من معاهد المعلمات وكليات البنات منفصلة حتى في خارج المملكة، فسبحان الله! هذه بحجاب وصون وأوامر مشددة، وتلك منفلتة لا يماثلها إلا ما يسمونه بالمضيفات خادمات الطائرات. يجب علينا أن نتق الله، فلا عذر لنا في معصية الله ونحن أمة تملك أعظم الموارد المالية، وتملك أكبر الطاقات البشرية، والله لو أردنا أن نشتري أكبر العقول في الغرب -ليس في الشرق فقط- التي تصنع القنابل النووية لاشتريناها؛ وجاءتنا راغمة. فالمال موجود، والغيرة موجودة -إن شاء الله- لكن علينا أن نغير بقدر الاستطاعة، فهذا يطالب وهذا يخاطب، وهذا يخطب الجمعة، وهذا يكتب في الجريدة، وسيأتي الخير بإذن الله، وما ضاع حق وراءه مطالب، وهذه قضية حافظ عليها العرب في جاهليتهم، وحافظ عليها أجدادنا قبل أن تبلغهم دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وقبل أن يروا نور التوحيد، إنهم كانوا يسمون المرأة وإلى اليوم بالعار، وكلمة العار تطلق على المرأة وهذا من المجاز في اللغة؛ لأن أي شيء يمسها فهو العار. والآن أصبحنا نتهاون بهذه القضية، بعض الأزواج أو المحارم -أياً كان- يرمي بها عند باب المستشفى ويذهب ولا يعلم ماذا يُصنَع بها، عجيب! إلى هذا الحد، فإذا رخصت عندك امرأتك أو عرضك إلى هذا الحد، فما الذي تعظم؟ وما هو أغلى شيء عندك؟ وأعني بعد إيمانك؛ لكن نتكلم عن هذا الأمر الظاهر الذي تغار له القلوب، فالمسلم لا يرضى بذلك، وإن المؤمن لا يرضى لكافرٍ أن يرى عورة كافرة لا تحل له، وليست من محارمه، فكيف نرضى أن ترى عورة المرأة المسلمة من فجار أو فساق أياً ما كانت العلل في ذلك، ما عدا الضرورات القصوى التي يجب أن يوضع لها ضوابط، ولا تنفلت هكذا، والله أعلم.

стр. 376

حكم عمل الكفار في جزيرة العرب السؤال رجل يعمل في مستشفى حراء، ومستشفى حراء خارج مكة -خارج الحرم- وكأن كل شيء خارج الحرم فهو حلال؟ الجواب من قال هذا؟ ما حرم الله فهو الحرام، في خارج الحرم وفي جدة، وفي جزيرة العرب بالذات ثم في كل مكان، ومن ذلك استقدام الكفار، فلا يجتمع في جزيرة العرب دينان أبداً، هذه وصية رسول الله ﷺ ، وقد انعقد عليها إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه، فأصبحت إجماعاً لا يجوز أن يخرق، وعليها والحمد لله فتاوى علمائنا. وقد قرأتم الفتوى الطويلة لسماحة الشيخ عبد العزيز ﵀ له في فتاواه المنشورة مؤخراً عن استقدام العمال الكفرة في الجزيرة كلها وهي من نهر الفرات ونهر العاصي، وأطراف الشام إلى قعر عدن، ومن الخليج أو بحر البصرة -كما يسمى قديماً- إلى البحر الأحمر، هذه جزيرة العرب فلا يجوز أن يدخلها نصراني ولا يجتمع فيها دينان. فكيف يكون كما قال السائل: ممرض ورئيسة قسم التمريض في المستشفى كله -وليس في القسم فقط- امرأة فلبينية نصرانية صليبية متعصبة جداً -هذا كلامه- ويكفي أنها كافرة حتى لو لم تكن متعصبة، المهم أنها نجس ورجس وتعمل رئيسة للتمريض، فكيف نتوقع أن يكون التمريض؟ المسلم الفاسق لا يجوز أن يتولى إمامة الصلاة مع وجود الأخيار إلا إذا كانوا كلهم فساقاً فيؤم أمثلهم، ولا يولى الأب على ابنه إذا كان فاسقاً، وتنتقل الحضانة إلى الخيِّر الصالح، فكيف بالكافرة تُولى على التمريض كله في مستشفى في بلد الله الحرام؟ الله المستعان، هذا من المنكرات. ويقول السائل: إنها ترأسني وتتحكم فيّ. أقول: ما دام أنها رئيسة فلا بد أن تتحكم، وهذه من المنكرات التي يجب أن نتعاون على إنكارها، وأنا إن شاء الله سأحتفظ بهذه الورقة وأتأكد من الموضوع، ونحاول ما نستطيع في إنكار هذا المنكر.

стр. 377

واجبنا نحو انتشار المنكرات السؤال ما واجب العلماء والشباب نحو انتشار المنكرات في مكة، خاصةً محلات الأزياء والبنوك، ومحلات تسجيل الأغاني والفيديو وغيرها؟ الجواب يجب علينا جميعاً أن ننكر المنكرات، ولا نقول: العلماء، أو الدعاة، أو الجهة الفلانية! لا، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، ربما يأتي أمر شديد اللهجة من وزارة الداخلية بعدم التبرج، وإقفال الملاهي الساعة الحادية عشرة ليلاً أو الكازينوهات، ولا يعمل به في بعض المناطق أو بعض المدن، وربما تذهب أنت الشاب طالب العلم في مقتبل العمر، وتعظ وتنصح صاحب الكازينو ومن فيه، فيفتح الله على يديك فيقبل وربما يهتدي ويقفله بالكلية، فلا نجعل الأمور كلها دائماً من فوق وبأوامر وبعلماء وبوسائل ضغط، لِمَ لا نبذل نحن وسيلة الدعوة؟ بالزيارات، والمناصحة، والكتابة، والشريط، والهاتف. وكثير من المنكرات تغير بالهاتف، ماذا عليك لو اتصلت بصاحب محل، وقلت له: لماذا كذا وكذا؟ يا أخي! اتق الله أنا أخوك في الله مسلم أنصحك فقط، فإن صاح أو كشر، فضع السماعة ولم يضرك شيء، ولا يستطيع أن يضربك، فأنت بعيد عنه، وإن سمع منك فالحمد لله، فعلينا بتقوى الله، فالله تعالى يقول لنا يوم القيامة: ما منعك أن تنكر ذلك المنكر؟ فتقول: يا رب! خوف الناس -أعوذ بالله- ماذا يقول لك الله تخاف الناس ولا تخافني، إلى هذا الحد، ابذلوا جهدكم بما تستطيعون، فكم من صاحب منكر سمع وقبل النصيحة بالدعوة إلى الله. ثم -أيضاً- يكتب العلماء إلى كل من له سلطة وتقام عليه الحجة في إنكار هذه المنكرات ولا سيما في هذا البلد الحرام الذي جعل الله له من المنزلة والمكانة حيث قال: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥].

стр. 378

طرق الوصول إلى مقومات المجتمع المسلم السؤال بعد ما عرفنا مقومات المجتمع المسلم ولله الحمد، ما هي أفضل الطرق لسلوك هذه المقومات؟ الجواب هو طريق طلب العلم والدعوة إلى الله ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد اشتملت على هذه المقومات وعلى ما هو أعم منها.

стр. 379

التمسك بالقديم ليس من أسباب التخلف الاجتماعي السؤال ندرس في مدارسنا في المرحلة الثانوية مادة الاجتماع، وفي هذه المادة موضوع بعنوان (أسباب التخلف الاجتماعي) ومن ضمن هذه الأسباب سببٌ يقول: إن التمسك بالقديم من أسباب هذا التخلف، ولذلك يجب تركه ونبذه؟ الجواب أحب من الأخ الفاضل أن يصور الورقة أو الصفحة التي فيها هذا الكلام ويصور غلاف الكتاب ويأتيني به إن شاء الله حتى تكون العبارة أكثر دقة، وأنا لا أستبعد أنها موجودة، ولا أتهم الأخ، لكن حتى إذا تكلمنا -إن شاء الله- نتكلم عن بينة، وإلا فحقاً هناك دعوى عريضة قائمة في الدنيا اليوم أن التمسك بالقديم من أسباب التخلف، والقديم يعنون به (القرآن والسنة) وعمل الصحابة، وحتى التقاليد والعادات الطيبة المأثورة عن الآباء والأمهات والأجداد؛ كل ذلك يجعلونه قديماً، لكن ما دام أنه في منهج، فيجب أن ينكر عليه بلجنة إدارة التطوير التربوي في الوزارة، فعلى الأخ أن يصور الغلاف ويطبع هذه الصفحة، ويأتيني بها، وإن شاء الله نكتب عليها بإذن الله أو نتخذ ما نراه إن شاء الله تعالى.

стр. 380

منكرات النساء في الأفراح السؤال كما تعلمون أنه في وقت الإجازة تكثر الزواجات، وعند النساء منكرات كثيرة مثل: الغناء، ولبس القصير، والغيبة، والنميمة، فما حكم الذهاب إلى الأفراح والزواجات نأمل توجيه نصيحة وجزاكم الله خير؟ الجواب يكفي أن أنقل هذه النصيحة للرجال أن يتقوا الله فإن الله سائلٌ كل راعٍ عما استرعاه، وقد استرعاكم على هؤلاء النساء، وأمركم بحفظهن وصونهن.

стр. 381

المشجع على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السؤال نرجو من فضيلتكم بيان المقومات المساعدة لتقوية الشجاعة في قلب الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر؟ الجواب إذا أردت أن تكون شجاعاً في قول كلمة الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعليك بشيء واحد فقط هين ولكنه عظيم، اعرف الله ، وتذكر الله، وعظمته، وتذكر أن الله هو الذي يملك الضر والنفع وإليه المنتهى، وبيده خزائن كل شيء، وأن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه لك، ولو اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه عليك، واقدر ربك حق قدره. ثم تفكر في نعمته عليك، وأن هذه النعم لو أعطاك أحد من الناس عشر معشارها؛ وطلب منك أن تضرب أحداً، أو تأمر أحداً، أو تتكلم عمن تكلم فيه؛ لفعلت ذلك إكراماً لعطيته، والله تعالى قد أعطاك هذه النعم جميعاً، وأمرك أن تقول كلمة الحق من كتابه ومن سنة نبيه ﷺ . ثم انظر إلى المدعوين أنهم مثلك بشر، لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، ولا يملكون موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، كلهم مفتقرٌ إلى الله، وكلهم بحاجة إليه في كل أمر من الأمور، ولا يملك أن يضرك أحد بشيء. فأنكر عليهم بالأسلوب الحسن والحكمة كما أمر الله، والحكمة وضع الشيء في موضعه، فالقوة تكون في موضع القوة، والقول في موضع القول، والصمت في موضع الصمت، والشدة في موضع الشدة، وهكذا فإذا عرفت ربك وقدَّرته حق قدره، وعرفت نعمته عليك، وعرفت ضعف المخلوقين وافتقارهم إليه وأنهم كلهم عبيده، وأن أمرهم ونواصيهم بيده، فما يمنعك أن تنكر عليهم، والله لا يمنعك حينئذٍ شيء بإذن الله، وهذا يحتاج إلى ممارسة وإلى تمرين، نسأل الله أن يعيننا عليه لنبلغه.

стр. 382

الواسطة والتوكل على الله السؤال من مقومات المجتمع المسلم العدل، والعدل والواسطة، بشكلها الحالي ضدان لا يتفقان، سؤالي هو: ما موقف الشباب المسلم من استخدام الواسطة التي عمت وطمت حتى إننا لا نستطيع الحصول على أي حق من حقوقنا كبر أو صغر في أي جهة أو مؤسسة إلا عن طريق من يعرف ذلك الشخص المسئول مما أفقدنا لذة ومعنى التوكل على الله، فهل هي منافية لهذا التوكل، وما موقفنا منها؟ الجواب الشفاعة نوعان: شفاعة حسنة ومن يشفعها يكن له نصيب منها، وشفاعة سيئة ومن يشفعها يكن عليه كفلٌ منها، والإنسان قد يحتاج للإنسان، والكل يحتاجون إلى الله ، ولكن المشكلة أنه خرج الأمر من طور طلب المساعدة أو الحاجة إلى طور الواسطة -كما تسمى- التي تسقط الحقوق أو تجلب ما ليس للإنسان من الحقوق، وتفشت هذه الظاهرة، فكانت في أول الأمر نادرة، وبالذات عند المسئولين، ثم أصبح الأمر عادياً جداً، فكل من يأتي لمعاملة فأول ما يسلِّم على المدير يعطيه الورقة، ثم بعد ذلك يحدثه عن الموضوع، وربما بعض الأمور تخبر بالتلفون وهي تحتاج إلى ملفات وأوراق -من أجل الواسطة- ويتعطل من لا شفيع له، وإن كان مستوفياً أو مستكملاً لكل الإجراءات النظامية. هذه إحدى العلل التي ابتلي بها المسلمون عندما فقدوا التمسك بالإيمان بالله ، والعدل والإنصاف، وهذا داء يجب أن يعالج من الجميع. أما منافاته للتوكل، فنعم قد ينافي التوكل؛ لأن منافاة التوكل قد تكون مما ينافي أصله، فهذا شرك، كمن يتوكل على غير الله ﵎ أو يدعوه أو يستغيث به، وقد ينافي كمال التوكل، وأقل ما في هذا أنه ينافي كمال التوكل وربما ينافي الكمال الواجب لا الكمال المستحب، فيقع الإنسان في كبيرة، نسأل الله العفو والعافية.

стр. 383

حصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بعض المنكرات السؤال إن من المقومات الأساسية للمجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكننا نجد من يحصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقصد أو بغير قصد في بعض المنكرات كترك صلاة الجماعة وغير ذلك، ونحن نرى المنكرات تبث عبر وسائل الإعلام بشتى أنواعها وفي الكتب والمناهج، ثم ينكَر على من ينكِر ذلك، فهل من كلمة حتى نحافظ على تماسك المجتمع وجزاكم الله خيراً؟ الجواب نسأل الله ﵎ أن يحفظ لأمتنا ومجتمعنا تماسكه، وإيمانه، ووحدته في ظل كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولا شك أن ترك صلاة الجماعة من أعظم المنكرات، لكن الاقتصار عليه وحده واعتبار أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خاص فقط بالصلاة، هذا نتيجة انحراف منا، وخلل في التطبيق، انحصرت دعوتنا وإنكارنا قليلاً قليلاً حتى أصبح هذا حالنا. أول ما كانت الهيئات قبل حوالي عشرين سنة، كانت تفتش المطارات، والجمارك وكانت تقوم بما تقوم به البلديات اليوم، من الكشف في الأسواق عن الغش والتحايل والتلاعب -وهذا من عمل المحتسب الذي ورد في أعمال المحتسب التي نص عليها الفقهاء-، وكانت تقوم بأعمال الشُرط وأعمال المحاكم وغيرها، من الأعمال التي كانت أقرب إلى ديوان الاحتساب المعروف في التاريخ الإسلامي. ثم تقلص العمل شيئاً فشيئاً، فبعد ذلك تقلص المبدأ، وأصبح المبدأ هو أن الإنكار فقط على ترك الصلاة، وإن كان ترك صلاة الجماعة لا شك أنه منكر، لكن كل منكر يجب أن ينكر، المنكر ما أنكره الله وأعظمه الشرك، والمعروف هو ما جعله الله ﵎ معروفاً وأعظمه توحيد الله .

стр. 384

تفكك الاتحاد السوفيتي السؤال نسمع هذه الأيام ما يدور في الاتحاد السوفيتي من سقوط بعض أحزاب الشيوعية، ولا نسمع شيئاً عن الجمهوريات الإسلامية؟ الجواب المسلمون كما قال الشاعر: ويقضى الأمر حين تغيب تيمٌ ولا يستأمرون وهم شهود ما دخل المسلمين في الموضوع؟ المسلمون فرحوا وهللوا بعودة جورباتشوف والحمد لله وأيدنا. هذه القضية، وفرحنا أن دول البلطيق ستستقل إن شاء الله، ولكن ماذا عندنا؟ هذا الذي يهمنا، أما مائة مليون مسلم، وبلاد إسلامية مساحتها أكثر من مساحة الدول العربية، اثنا عشر مليون كيلو متر مربع، احتلها هؤلاء المجرمون؛ ولا يستطيعون أن يقيموا من شعائر دينهم شيئاً، اضطهاد، وعذاب، وفتنة، ودمار، دمروا اللغة العربية، والحرف العربي، يدرسوهم الإلحاد مكان الدين. فلما جاء جورباتشوف والبروستريكا ماذا غير؟ حول أو أراد التحول -إلى الآن ما تحول تحولاً كاملاً- من الشيوعية إلى الصليبية، فهو صليبي ينادي ويصرخ بصرخات صليبية، منها الصرخة التي أطلقها مع بداية البروستريكا وهي أنه يجب على حكومة الولايات المتحدة أن تضع يدها في يد الاتحاد السوفيتي لضرب الحركة الأصولية في العالم الإسلامي، وضرب الدعوة. هذا جورباتشوف الذي بعث الكاثوليكية وذهب يتذلل إلى البابا ليكسب ولاءه، ماذا فعل مع المسلمين؟ سحقت الدبابات المناطق الإسلامية في أذربيجان وفي غيرها، أما لتوانيا وأخواتها فالتذليل والتبشير ووعد الاستقلال، وكل ما تريدون. حتى المساعدات التي تقدم للاتحاد السوفيتي والهبات والعطايا من الغرب أو من غيره، إنما تنفق بالدرجة الأولى على الشعوب الأوروبية، أما الشعوب الآسيوية وإن كانت غير مسلمة، فهي على درجة ثانية، أما المسلمين فإن كان لهم شيء فهو أتفه نصيب، ولكن نحن أمة أصبحنا، كأننا ليس لنا ذات مستقلة، ولا شخصية، وإنما لما رأينا هذه الدولة تسقط وتتفكك، هرعنا وهلعنا، ولماذا يتفكك؟ سبحان الله العظيم! ما كأننا سقطت منا أمم، ذهبت الأندلس ونسيناها، ثم ذهبت الهند بأكملها، وقد كانت تحت حكمنا، بل موسكو دفعت الجزية للمسلمين أكثر من قرنين، وكانت تحت حكم المسلمين، وضيعنا إفريقيا ووضيعنا دولاً كثيرة يحكمها الصليبيون، ثم نقول: كيف يتفكك الاتحاد السوفيتي؟ ثم تسدي جرائدنا النصيحة الفاضلة القيمة لـ جورباتشوف يجب عليك أن تعمل كذا، وانتبه من كذا، نصح عجيب جداً لهم، فبعض الجرائد ثمان صفحات تكتب عن جورباتشوف، وما كتبوا عن القضية الأفغانية ربما ولا سطر أو سطرين. وبالمناسبة فإننا نطلب منكم التبرع لإخوانكم المجاهدين الذين تكالبت عليهم قوى الكفر فلو أننا أمة تعرف الله وتعرف دينه، وتعرف من توالي ومن تعادي، لكان موقفنا من هذه الأحداث غير هذا الموقف تماماً.

стр. 385

النظام الدولي الجديد وحربه ضد الإسلام السؤال صراحة وحقيقة في ظل الوفاق الدولي الجديد الجهاد الأفغاني اليوم هو بالدرجة الأولى قضية أمريكية وليس قضية سوفيتية ولهذا لم تكن تتغير الصورة كثيراً؟ الجواب بعد عودة جورباتشوف لم يتغير شيء، لكن لو لم يعد، لربما كان هناك شيء من التغير، نقول: ربما لكسبت بعض الشعوب المضطهدة أو المستضعفة، لكن ما كان ذلك، وقدر الله ولعل في ذلك خير على أية حال، فالقضية هي قضية أمريكية باسم النظام العالمي الجديد، والقوى الصليبية كلها اليوم تقف ضد المسلمين في أفغانستان والفلبين، والحبشة وأرتيريا والصومال وفي كل مكان. وقد توعدوا -ونسأل الله أن يخلف وعدهم وظنهم- بأن المرحلة القادمة بعد إحلال السلام فيما يسمى في بالشرق الأوسط، وإخضاع المنطقة لهم سينقلون الميدان إلى القارة الهندية وإلى إندونيسيا؛ ليقضوا على القوة البشرية للمسلمين في هذه المناطق والقوة العلمية، العالم الصليبي اليوم هو الذي يتحكم في العالم الإسلامي بهذا التحكم، فـ الاتحاد السوفيتي جزء الآن مما يسمى بالنظام الدولي الجديد؛ والخطة بالأساس تضعها أمريكا، ثم تتبعها المجموعة الأوروبية، ثم بالدرجة الثالثة الاتحاد السوفيتي.

стр. 386

سورة الحجرات ومقومات المجتمع المسلم السؤال سورة الحجرات تضمنت بعض المبادئ التي يجب أن يقوم عليها المجتمع المسلم فنرجوا توضيحها؟ الجواب أشرنا إلى بعضها، وأنبهكم إلى قراءتها وإلى قراءة تفسيرها، وهناك من كتب فيها موضوعاً مستقلاً. وفي الأخير أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن ينفعنا بما نسمع وما نقول، إنه سميعٌ مجيب. والحمد لله رب العالمين.

стр. 387

الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح في هذه المادة تحدث الشيخ حفظه الله تعالى عن الديانة النصرانية، وذكر أحوال النبي ﷺ في دعوته لمعتنقيها، ثم ذكر نبذة عن تحريف العقيدة النصرانية، وانتشارها في أوروبا. متطرقاً لصلب الموضوع وهو الحديث عن كتاب (الجواب الصحيح) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وبين أهمية الكتاب، وتكلم عن بعض مباحثه، ثم استعرض نشرة خاصة عن التنصير والمنصرين في العالم، موضحاً جهود النصارى ومحاولاتهم -قديماً وحديثاً- لتنصير المسلمين ولا سيما في جزيرة العرب, مستعرضاً وسائلهم في ذلك, وأماكن تواجدهم. ثم تحدث الشيخ عن فكرة تنفيذ مشروع ترجمة كتاب شيخ الإسلام (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) إلى لغات العالم, ومن ثم يكون نواة لأعمال أخرى لمقاومة التنصير ومحاربته.

стр. 388

نبذة عن النصرانية الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد القائل: ﴿والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار﴾ وبعد: فالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً على ما أفاء به علينا من النعم، ومن أعظمها نعمة الإسلام فهي أعظمها جميعاً، ونعمة اتباع سنة رسول الله ﷺ ، وإن الاجتماع واللقاء الحافل الحاشد الذي حصل كان اجتماعاً عظيماً مباركاً، كما عبر عنه فضيلة العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، فقال: 'لا أعلم في تاريخ المنطقة حفلاً مثله' وهذه شهادة من هذا العلامة الثقة على كبر سنه وغزارة علمه، نعم إنه حفل لا نقول: إن المنطقة لم تشهد مثله قط، بل نقول: إنه لم تشهد مثله منطقة أخرى، فنسأل الله ﵎ أن يبارك جهود القائمين عليه، وأن يوفق جميع العاملين لإحياء سنة رسول الله ﷺ ، وأن يحقق لهم نصره المبين الذي وعد به عباده المؤمنين ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] وإنني لأعجز كل العجز مهما كانت العبارات عن شكركم وعن تقديري لحفاوتكم، وإكرامكم البالغ الذي لا أستحق جزءاً يسيراً منه، ولكنه طبعكم الكريم، فأسأل الله ﵎ أن يجازيكم عن هذا خير الجزاء، وأن يجعلنا جميعاً خداماً وجنوداً لدينه، ولدعوته. ولقد كان من توفيق الله ﵎ لهذه الفكرة التي نريد في هذا الدرس أن نعرضها على هذه الوجوه الخيرة الطيبة، أن يأتي هذا اللقاء بعد ذاك اللقاء الحاشد، وهذا من فضل الله ﵎. وحفظ سنة رسول الله ﷺ ، كما تعلمون يكون على نوعين: أما النوع الأول: حفظها في ذاتها واتقانها. والنوع الثاني: هو حفظها بالذب عنها، والدفاع عن حوضها، ودفع شبهات المبطلين الذين يكيدون لها، وهذا هو الجانب الذي أرجو أن يكون ما أعرضه في هذا الدرس كافياً في حدود طاقتنا البشرية، لكي نسد هذا العجز والخلل بإذن الله ﵎، فإن سنة رسول الله ﷺ ودينه وشرعه لها علينا حق عظيم، فهي الأمانة التي حُملنا إياها نحن معاشر طلبة العلم، وهي الميثاق الذي أخذه الله ﵎، وهي الميراث الذي أورثنا إياه رسول الهدى ﷺ ، ولذلك فإنه من الواجب علينا أن نجتهد في حفظها كل الاجتهاد ولا نألوا في حفظها. وحفظ السنة والشريعة والدين بدفع الصائل عليها، وإقامة الحجة عليه، وجهاده بالقرآن جهاداً كبيراً، هذا يستدعي جهوداً عظيمة نعجز عنها، ولا سيما من كان في هذا الزمان والله المستعان، ولكن الله بفضله وجوده ومنَّه وكرمه منَّ علينا بوسائل عظيمة، ومنَّ علينا بعلماء أفذاذ في الماضي قاموا بهذا الواجب قياماً عظيماً، ولو أننا قمنا بإحياء ما كتبوه ونشره وشرحه وإيضاحه لكان ذلك عملاً عظيماً، ثم نسد ما بقي مما استجد من ضلالات وشبهات وغيرها مما يقتضي الحال أن نبينه، وأن نكون قائمين لله ﵎ بالحجة في عصرنا الذي نحن فيه. والأعداء الذين يكيدون لسنة رسول الله ﷺ هم كثيرون جداً، وعلى رأسهم أهل الكتاب الذين ذكر الله ﵎ عداوتهم وحسدهم ومكرهم وغيظهم لنا -لأن الله تعالى بعث النبي ﷺ من العرب الأميين- في غير ما موضع من كتابه، يقول الله ﵎: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] ويقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠] فهذا شأنهم، وهذا دأبهم في جميع العصور منذ أن بعث الله محمداً ﷺ ، وأقام عليهم ﷺ الحجة، ولا سيما النصارى الذين هم موضوع هذا الدرس. فقد أقام رسول الله ﷺ عليهم الحجة عندما أتاه وفد نجران، وقرأ عليهم ما أنزل الله ﵎ عليه من الحجج العظيمة في صدر سورة آل عمران، وكذلك كتابه ﷺ إلى هرقل والمقوقس وغيرهما من ملوك النصارى، وجهاده ﷺ للنصارى معروف كما حدث في غزوة تبوك، وأمثال ذلك مما يظهر به عداوة هؤلاء، ويظهر به أيضاً أن النبي ﷺ قام بأمر الله وبمجاهدتهم وإقامة الحجة عليهم؛ فإنهم كانوا أول كافر به، وبالذات اليهود، ثم إنهم عادوه ﷺ ، ولذلك حذر أمته من عداوتهم، وأخبر عن ذلك بأنهم في آخر الزمان سيجتمعون وينزلون بـ الأعماق أو بـ دابق لمقاتلة المسلمين، والأحاديث في الفتن والملاحم كثيرة، ولن تنتهي هذه المعركة مع أهل الكتاب إلا بنزول المسيح ﵇ عبد الله ورسوله، الذي ألهوه وعبدوه من دون الله، فإذا نزل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَم وكسر الصليب، وقتل الخنزير، ورفع الجزية، وقتل المشركين هؤلاء، حينئذٍ يظهر الحق، وتتطهر الأرض من شرك هؤلاء المنتسبين إليه زوراً وظلماً وعدواناً. إن الكلام في هذا الموضوع -أيها الإخوة- طويل، وحقيقة الأمر أن موضوعنا في هذا الدرس إنما هو غرفة من بحر شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، وهو كذلك عمل بطريقة أو بطرق -لأنها قد تكون أكثر من طريقة- مما اقترحه فضيلة أخونا الشيخ سلمان بن فهد العودة -حفظه الله- في مقاومة التنصير، ومن هنا كان لا بد أن نتعرض بشيء من العجلة للبداية التاريخية لهذه العداوة ولهذا التنصير، ثم للكتاب الذي هو الموضوع الرئيس في عملنا، ثم نوجز لكم شيئاً مما نريد أن نعمله إن شاء الله.

стр. 389

تحريف العقيدة النصرانية العقيدة النصرانية حُرِّفت وبُدِّلت وغُيِّرت كما أخبر الله ﵎ وكما يشهد بذلك الواقع، فكثرت الأناجيل بعد رفع المسيح ﵇ كثرة عجيبة، حتى إنه في نهاية المائة الثانية الميلادية أقرت المجامع الكنسية الأناجيل الأربعة الموجودة والمعروفة الآن، وهي أربعة من ضمن ما يزيد على سبعين إنجيلاً متفاوتة مختلفة، وهي في ذاتها متناقضة ومختلفة في كثير من الأمور بل في أعظم الأمور، كدعوى الألوهية للمسيح ودعوى البنوة وصلبه ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧] غير أن من أعظم ما وقع فيها من تحريف وهو الذي يهمنا بسبب الحديث عن التنصير أن بولس الذي يدعون أنه بولس الرسول أو شاؤل اليهودي كما كان يسمى، قد بدل دين المسيح وحوله من دين محدود في بني إسرائيل فقط إلى دين عالمي، والله ﵎ بيَّن في كتابه أن عيسى إنما هو رسول إلى بني إسرائيل ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيل﴾ [آل عمران:٤٩] ولم يبعث الله تعالى قبل محمد ﷺ رسولاً إلى العالمين كافة، بل هذا من خصائصه ﷺ كما ثبت ذلك في أكثر من حديث وآية، والمقصود أن المسيحية كما تسمى وهي النصرانية أو ما جاء به المسيح ﵇ من الحق والدين والدعوة إنما كانت محصورة في بني إسرائيل، وبذلك تنطق الأناجيل الموجودة إلى الآن بين أيديهم، فإنها تذكر أن المسيح ﵇ جاءت إليه امرأة فينيقية أو سورية، وتختلف الأناجيل في قصتها، ولكن المقصود أنها جاءت إليه ﵇ فرَّدها، وقال: إنما بعثت إلى خراف بني إسرائيل الضالة، أي أنه لم يبعث إلا إلى بني إسرائيل، ومع ذلك فإن بولس قد ذهب إلى عدة بلاد وأرسل الوعاظ في أماكن كثيرة من العالم لنشر هذا الدين، وأهم جزء نُشر فيه هذا الدين وانتشرت فيه عقيدته هو أوروبا، العدو اللدود للإسلام والمسلمين منذ ذلك الحين وإلى قيام الساعة، وهي التي كانت تعرف بالدولة الرومية، أو الامبراطورية الرومانية البيزنطية، كما يعرفونها.

стр. 390

نشر الديانة النصرانية في أوروبا هنالك في مجمع نيقيه في سنة ٣٢٥ م عُقِدَ المجمع وقُرِّرَتْ العقيدة الباطلة، واعتنق قسطنطين ملك الروم دينهم، وعُمِّدَ وانتشر هذا الدين، ثم اجتاحت أوروبا بعد ذلك موجات من الغزو البربري الذي يسمونه الغزو الهمجي من قبل شعوب الشمال النورمانديين وأمثالهم، اجتاح هؤلاء الامبراطورية الرومانية، ودمروا روما حوالي سنة ٤١٠م، ومن ٤١٠م إلى ١٢١٠م وهي قرابة ثمانمائة عام لم تعرف أوروبا علماً ولا هدى، ولم يؤلف فيها كتاب واحد على الإطلاق، والكتاب الوحيد المعروف والمقروء فيها خلال الثمانية قرون هو الكتاب المقدس -التوراة والأناجيل فقط- وفي هذا الظلام الدامس نشأت الأفكار، ونشأت الضلالات، ونشأت البدع، ونشأت الفرق، إلا أن أمراً واحداً لم يتغير وأجمعت عليه كل الفرق والطوائف وهو عداوة الإسلام والمسلمين، ومن ثم كانت الحملات الصليبية التي تعلمون وقائعها، ولا داعي للتفصيل فيها، عندما قامت تلك الحملات ولأول مرة في تاريخ أوروبا، تنفتح أعين الأوروبيون على النور، وعلى الحق، وعلى الخير، وعلى الإنسانية، فإنها لم تكن تعرف للإنسان أنه إنسان حتى جاء أولئك إلى العالم الإسلامي المتمدن المتحضر، حينئذٍ بدأ ما يمكن أن نسميه الغزو الفكري أو الغزو التنصيري في العالم الإسلامي.
следующие страницы →