Полный текст (2 843 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
سورة الحجرات ومقومات المجتمع المسلم
السؤال
سورة الحجرات تضمنت بعض المبادئ التي يجب أن يقوم عليها المجتمع المسلم فنرجوا توضيحها؟
الجواب
أشرنا إلى بعضها، وأنبهكم إلى قراءتها وإلى قراءة تفسيرها، وهناك من كتب فيها موضوعاً مستقلاً.
وفي الأخير أسأل الله الكريم، رب العرش العظيم، أن يرزقني وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وأن ينفعنا بما نسمع وما نقول، إنه سميعٌ مجيب.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 387
الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح
في هذه المادة تحدث الشيخ حفظه الله تعالى عن الديانة النصرانية، وذكر أحوال النبي ﷺ في دعوته لمعتنقيها، ثم ذكر نبذة عن تحريف العقيدة النصرانية، وانتشارها في أوروبا.
متطرقاً لصلب الموضوع وهو الحديث عن كتاب (الجواب الصحيح) لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وبين أهمية الكتاب، وتكلم عن بعض مباحثه، ثم استعرض نشرة خاصة عن التنصير والمنصرين في العالم، موضحاً جهود النصارى ومحاولاتهم -قديماً وحديثاً- لتنصير المسلمين ولا سيما في جزيرة العرب, مستعرضاً وسائلهم في ذلك, وأماكن تواجدهم.
ثم تحدث الشيخ عن فكرة تنفيذ مشروع ترجمة كتاب شيخ الإسلام (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح) إلى لغات العالم, ومن ثم يكون نواة لأعمال أخرى لمقاومة التنصير ومحاربته.
стр. 388
نبذة عن النصرانية
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد القائل: ﴿والذي نفسي بيده لا يسمع بي يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا كان من أهل النار﴾ وبعد: فالحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً على ما أفاء به علينا من النعم، ومن أعظمها نعمة الإسلام فهي أعظمها جميعاً، ونعمة اتباع سنة رسول الله ﷺ ، وإن الاجتماع واللقاء الحافل الحاشد الذي حصل كان اجتماعاً عظيماً مباركاً، كما عبر عنه فضيلة العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، فقال: 'لا أعلم في تاريخ المنطقة حفلاً مثله' وهذه شهادة من هذا العلامة الثقة على كبر سنه وغزارة علمه، نعم إنه حفل لا نقول: إن المنطقة لم تشهد مثله قط، بل نقول: إنه لم تشهد مثله منطقة أخرى، فنسأل الله ﵎ أن يبارك جهود القائمين عليه، وأن يوفق جميع العاملين لإحياء سنة رسول الله ﷺ ، وأن يحقق لهم نصره المبين الذي وعد به عباده المؤمنين ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] وإنني لأعجز كل العجز مهما كانت العبارات عن شكركم وعن تقديري لحفاوتكم، وإكرامكم البالغ الذي لا أستحق جزءاً يسيراً منه، ولكنه طبعكم الكريم، فأسأل الله ﵎ أن يجازيكم عن هذا خير الجزاء، وأن يجعلنا جميعاً خداماً وجنوداً لدينه، ولدعوته.
ولقد كان من توفيق الله ﵎ لهذه الفكرة التي نريد في هذا الدرس أن نعرضها على هذه الوجوه الخيرة الطيبة، أن يأتي هذا اللقاء بعد ذاك اللقاء الحاشد، وهذا من فضل الله ﵎.
وحفظ سنة رسول الله ﷺ ، كما تعلمون يكون على نوعين: أما النوع الأول: حفظها في ذاتها واتقانها.
والنوع الثاني: هو حفظها بالذب عنها، والدفاع عن حوضها، ودفع شبهات المبطلين الذين يكيدون لها، وهذا هو الجانب الذي أرجو أن يكون ما أعرضه في هذا الدرس كافياً في حدود طاقتنا البشرية، لكي نسد هذا العجز والخلل بإذن الله ﵎، فإن سنة رسول الله ﷺ ودينه وشرعه لها علينا حق عظيم، فهي الأمانة التي حُملنا إياها نحن معاشر طلبة العلم، وهي الميثاق الذي أخذه الله ﵎، وهي الميراث الذي أورثنا إياه رسول الهدى ﷺ ، ولذلك فإنه من الواجب علينا أن نجتهد في حفظها كل الاجتهاد ولا نألوا في حفظها.
وحفظ السنة والشريعة والدين بدفع الصائل عليها، وإقامة الحجة عليه، وجهاده بالقرآن جهاداً كبيراً، هذا يستدعي جهوداً عظيمة نعجز عنها، ولا سيما من كان في هذا الزمان والله المستعان، ولكن الله بفضله وجوده ومنَّه وكرمه منَّ علينا بوسائل عظيمة، ومنَّ علينا بعلماء أفذاذ في الماضي قاموا بهذا الواجب قياماً عظيماً، ولو أننا قمنا بإحياء ما كتبوه ونشره وشرحه وإيضاحه لكان ذلك عملاً عظيماً، ثم نسد ما بقي مما استجد من ضلالات وشبهات وغيرها مما يقتضي الحال أن نبينه، وأن نكون قائمين لله ﵎ بالحجة في عصرنا الذي نحن فيه.
والأعداء الذين يكيدون لسنة رسول الله ﷺ هم كثيرون جداً، وعلى رأسهم أهل الكتاب الذين ذكر الله ﵎ عداوتهم وحسدهم ومكرهم وغيظهم لنا -لأن الله تعالى بعث النبي ﷺ من العرب الأميين- في غير ما موضع من كتابه، يقول الله ﵎: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] ويقول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠] فهذا شأنهم، وهذا دأبهم في جميع العصور منذ أن بعث الله محمداً ﷺ ، وأقام عليهم ﷺ الحجة، ولا سيما النصارى الذين هم موضوع هذا الدرس.
فقد أقام رسول الله ﷺ عليهم الحجة عندما أتاه وفد نجران، وقرأ عليهم ما أنزل الله ﵎ عليه من الحجج العظيمة في صدر سورة آل عمران، وكذلك كتابه ﷺ إلى هرقل والمقوقس وغيرهما من ملوك النصارى، وجهاده ﷺ للنصارى معروف كما حدث في غزوة تبوك، وأمثال ذلك مما يظهر به عداوة هؤلاء، ويظهر به أيضاً أن النبي ﷺ قام بأمر الله وبمجاهدتهم وإقامة الحجة عليهم؛ فإنهم كانوا أول كافر به، وبالذات اليهود، ثم إنهم عادوه ﷺ ، ولذلك حذر أمته من عداوتهم، وأخبر عن ذلك بأنهم في آخر الزمان سيجتمعون وينزلون بـ الأعماق أو بـ دابق لمقاتلة المسلمين، والأحاديث في الفتن والملاحم كثيرة، ولن تنتهي هذه المعركة مع أهل الكتاب إلا بنزول المسيح ﵇ عبد الله ورسوله، الذي ألهوه وعبدوه من دون الله، فإذا نزل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَم وكسر الصليب، وقتل الخنزير، ورفع الجزية، وقتل المشركين هؤلاء، حينئذٍ يظهر الحق، وتتطهر الأرض من شرك هؤلاء المنتسبين إليه زوراً وظلماً وعدواناً.
إن الكلام في هذا الموضوع -أيها الإخوة- طويل، وحقيقة الأمر أن موضوعنا في هذا الدرس إنما هو غرفة من بحر شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، وهو كذلك عمل بطريقة أو بطرق -لأنها قد تكون أكثر من طريقة- مما اقترحه فضيلة أخونا الشيخ سلمان بن فهد العودة -حفظه الله- في مقاومة التنصير، ومن هنا كان لا بد أن نتعرض بشيء من العجلة للبداية التاريخية لهذه العداوة ولهذا التنصير، ثم للكتاب الذي هو الموضوع الرئيس في عملنا، ثم نوجز لكم شيئاً مما نريد أن نعمله إن شاء الله.
стр. 389
تحريف العقيدة النصرانية
العقيدة النصرانية حُرِّفت وبُدِّلت وغُيِّرت كما أخبر الله ﵎ وكما يشهد بذلك الواقع، فكثرت الأناجيل بعد رفع المسيح ﵇ كثرة عجيبة، حتى إنه في نهاية المائة الثانية الميلادية أقرت المجامع الكنسية الأناجيل الأربعة الموجودة والمعروفة الآن، وهي أربعة من ضمن ما يزيد على سبعين إنجيلاً متفاوتة مختلفة، وهي في ذاتها متناقضة ومختلفة في كثير من الأمور بل في أعظم الأمور، كدعوى الألوهية للمسيح ودعوى البنوة وصلبه ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧] غير أن من أعظم ما وقع فيها من تحريف وهو الذي يهمنا بسبب الحديث عن التنصير أن بولس الذي يدعون أنه بولس الرسول أو شاؤل اليهودي كما كان يسمى، قد بدل دين المسيح وحوله من دين محدود في بني إسرائيل فقط إلى دين عالمي، والله ﵎ بيَّن في كتابه أن عيسى إنما هو رسول إلى بني إسرائيل ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيل﴾ [آل عمران:٤٩] ولم يبعث الله تعالى قبل محمد ﷺ رسولاً إلى العالمين كافة، بل هذا من خصائصه ﷺ كما ثبت ذلك في أكثر من حديث وآية، والمقصود أن المسيحية كما تسمى وهي النصرانية أو ما جاء به المسيح ﵇ من الحق والدين والدعوة إنما كانت محصورة في بني إسرائيل، وبذلك تنطق الأناجيل الموجودة إلى الآن بين أيديهم، فإنها تذكر أن المسيح ﵇ جاءت إليه امرأة فينيقية أو سورية، وتختلف الأناجيل في قصتها، ولكن المقصود أنها جاءت إليه ﵇ فرَّدها، وقال: إنما بعثت إلى خراف بني إسرائيل الضالة، أي أنه لم يبعث إلا إلى بني إسرائيل، ومع ذلك فإن بولس قد ذهب إلى عدة بلاد وأرسل الوعاظ في أماكن كثيرة من العالم لنشر هذا الدين، وأهم جزء نُشر فيه هذا الدين وانتشرت فيه عقيدته هو أوروبا، العدو اللدود للإسلام والمسلمين منذ ذلك الحين وإلى قيام الساعة، وهي التي كانت تعرف بالدولة الرومية، أو الامبراطورية الرومانية البيزنطية، كما يعرفونها.
стр. 390
نشر الديانة النصرانية في أوروبا
هنالك في مجمع نيقيه في سنة ٣٢٥ م عُقِدَ المجمع وقُرِّرَتْ العقيدة الباطلة، واعتنق قسطنطين ملك الروم دينهم، وعُمِّدَ وانتشر هذا الدين، ثم اجتاحت أوروبا بعد ذلك موجات من الغزو البربري الذي يسمونه الغزو الهمجي من قبل شعوب الشمال النورمانديين وأمثالهم، اجتاح هؤلاء الامبراطورية الرومانية، ودمروا روما حوالي سنة ٤١٠م، ومن ٤١٠م إلى ١٢١٠م وهي قرابة ثمانمائة عام لم تعرف أوروبا علماً ولا هدى، ولم يؤلف فيها كتاب واحد على الإطلاق، والكتاب الوحيد المعروف والمقروء فيها خلال الثمانية قرون هو الكتاب المقدس -التوراة والأناجيل فقط- وفي هذا الظلام الدامس نشأت الأفكار، ونشأت الضلالات، ونشأت البدع، ونشأت الفرق، إلا أن أمراً واحداً لم يتغير وأجمعت عليه كل الفرق والطوائف وهو عداوة الإسلام والمسلمين، ومن ثم كانت الحملات الصليبية التي تعلمون وقائعها، ولا داعي للتفصيل فيها، عندما قامت تلك الحملات ولأول مرة في تاريخ أوروبا، تنفتح أعين الأوروبيون على النور، وعلى الحق، وعلى الخير، وعلى الإنسانية، فإنها لم تكن تعرف للإنسان أنه إنسان حتى جاء أولئك إلى العالم الإسلامي المتمدن المتحضر، حينئذٍ بدأ ما يمكن أن نسميه الغزو الفكري أو الغزو التنصيري في العالم الإسلامي.
стр. 391
مباحث من كتاب (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)
ومن أعظم من ألف في بيان تحريفات النصارى، وتنافضاتهم: شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه: الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح
стр. 392
سبب تأليف الكتاب
وسبب تأليف شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ لكتابه: هو أن أحد بطارقتهم وعلماء دينهم اجتاز بعض أنحاء العالم الإسلامي في تركيا وغيرها، وعاد إليهم وأخذ يخطب ويقول: 'إن المسلمين على دين باطل محرف، وإني قد قابلت علماءهم وناظرتهم، فأفحمتهم وأبطلت دينهم، وحطمت شبهاتهم' إلى آخر ما افترى وكذب به هذا المفتري، فلما بلغ ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ أخذته الغيرة الإيمانية، فجرد سيف الحق على هذا الباطل، وسيف الحجة الإيمانية على تلك الشبهات المفتراة الداحضة، ففندها واحدة واحدة، وأبطل كلامهم، وجاءنا بهذا الكتاب الفذ الذي لم يكتب قبله مثله ولا بعده.
ورحم الله شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية هذا العلم العلامة الجهبذ الفهامة، كم من طواغيت قد حطمها! طاغوت المنطق فنده ودمره قبل أن تعرف ذلك أوروبا بأكثر من خمسة قرون، لأن هيجل المعروف في التاريخ الأوروبي بأنه دمر أو قضى على منطق أرسطو لم يكتب شيئاً مما يقارب عشرة أو عشرين في المائة مما كتبه شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀، ونقول: هذا والحمد لله عن علم واطلاع، والغربيون يسمون هيجل إله العلم أو إله الفكر، تعالى الله عما يقولون! ولو اطلعوا على كلام شَيْخ الإِسْلامِ ونظروا بعين الإنصاف والتجرد لكانوا يؤمنون بالله وبرسوله ﷺ ، هذا فقط في المنطق، وأيضاً رد على المتكلمين، وتعلمون كتابه العظيم درء تعارض العقل والنقل، وكتابه الآخر نقض التأسيس وغير ذلك ورد على الأشعرية، ورد على المؤولة، ورد على الرافضة بكتابه العظيم المشهور منهاج السنة، وهنا رد على اليهود والنصارى في هذا الكتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، وهكذا ﵀.
فالكتاب لا نظير له في بابه لأنه من تأليف هذا العلامة ﵀ رحمة واسعة، وإن كان شَيْخ الإِسْلامِ في الحقيقة لا يحتاج هو ولا كتبه إلى تعريف، ولكني رأيت أن أعرض لشيء مما في هذا الكتاب لسبب أراه مهماً، وهو أن بعض طلاب العلم إن لم أقل الكثير ممن عرفته وسألته وناقشته عند بداية فكرتنا هذه ومشروعنا هذا يقولون: إنهم لم يقرءوه، ووقع لي أن سبب ذلك أن كثيراً من الإخوة طلاب العلم أو العلماء بارك الله فيهم جميعاً يقولون: إن الكتاب يتحدث عن الأقانيم وعن الصلب وعن فرق النصارى وغير ذلك من أمور قد لا يكون من الضروري أن يطلع عليها إلا من يريد التجرد للرد على هؤلاء، وربما لا يكون كثير من هؤلاء لديه هذا الاهتمام بهذا القدر.
لذلك أحببت أن أطلعكم على بعض ما أرى من نقول، وأرجو ألا أطيل فيها عليكم -إن شاء الله- لكنها تبين لكم غزارة ما في هذا الكتاب من علم، وتنوع موضوعاته، فالكتاب في الحقيقة ليس فقط فيما يتعلق بالنصارى، بل هو يقرر تقريراً عجيباً عظيماً حقائق قد لا توجد ولا أظنها توجد في أي كتاب آخر غيره، إنها علوم جمة يحتويها هذا الكتاب، فهو دائرة معارف أو معلمة في علم مقارنة الأديان.
стр. 393
مباحث في علم العقيدة
وهو يحوي من ضمن ما يحوي: علم العقيدة وهو أشرف العلوم وأفضلها، توحيد الأسماء والصفات، وفيه قواعد عظيمة ذكرها رحمه الله تعالى.
من ذلك القاعدة العامة في توحيد الأسماء والصفات المعروفة، إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ ، إلى آخره مع شرحها، ومن ذلك بيان حقيقة ما يضاف إلى الله ﵎، والتفريق بين ما يضاف إليه من ذوات قائمة بنفسها، وبين ما يضاف إليه تعالى من المعاني التي لا تقوم إلا بغيرها، لأن النصارى يحتجون بكون المسيح كلمة الله أو روح الله، فقرر هذه القاعدة ﵀ وبين أن الذوات القائمة بنفسها، كما في قول الله ﵎: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف:٧٣] أو في قولنا بيت الله أو ما أشبه ذلك، فهذه لا تكون صفاتاً لله، وأما ما لا يقوم بنفسه من المعاني فإنها تكون صفاتاً لله، وفصل القول في هذا ﵀.
ثم تعرض لتوحيد الألوهية، وبين فيه حقائق عظيمة فيما وقعت فيه الصوفية وأشباههم، والنصارى من تعظيم الموتى والغلو فيهم إلى حد عبادتهم، وما أحدثوه من البدع عند القبور والتصوير وغير ذلك في مواضع كثيرة، وكيف وقع فيها النصارى ومن تبعهم من المسلمين، وهذا أيضاً جانب عظيم، ولا يخفى على أمثالكم أنه لو كتب للمسلمين اليوم أو ترجم أو حقق لهم كتاب، عن الغلو في الموتى وحكم الاستغاثة بهم ودعائهم، لربما رفضه الكثير وقالوا: هؤلاء وهابية أو هؤلاء لا يؤمنون بكرامات الصالحين أو ينكرون حق الأولياء أو ما أشبه ذلك، لكن إذا قدم إليهم هذا ضمن الرد على النصارى.
تقبلوه لشدة حاجة المسلمين اليوم كما تعلمون إلى الرد على النصارى، فإذا قرأه المسلم، فإنه يقرؤه من باب معرفة باطل هؤلاء النصارى والرد عليهم، فيستفيد أنه يصحح عقيدته هو أيضاً، فتكون الفائدة مزدوجة، وسماحة الوالد الشيخ عبد العزيز ﵀ لما عرضت عليه الفكرة، سُرَّ بها جداً، وقال: هذا عمل عظيم (عصفوران بحجر واحد) وهذا مما سيحققه هذا الكتاب إذا ترجم بإذن الله كما سنبين.
стр. 394
النبوات
وهناك علوم عظيمة من أعظمها ما يتعلق بالنبوة وإثباتها وحقيقتها والمعجزات، فقد ذكر ﵀ في هذا الكتاب أن معجزات النبي ﷺ أو الآيات الدالة على صدقه تزيد على الألف، وذكر منها منها نماذج عظيمة لا توجد مجموعة بهذا الإيضاح وهذا الأسلوب وهذه القوة وهذه الحجة في أي كتاب آخر؛ فهو من أعظم الكتب في دلائل النبوة وإثبات نبوة رسول الله ﷺ .
стр. 395
التفسير
وفي الكتاب -أيضاً- مباحث وموضوعات عظيمة: في علم التفسير، كما في الآيات التي تتعلق بأهل الكتاب وأحكامهم، وكما هو مثلاً في موضوع الصلب أو رفع المسيح، أو كون ما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته وما أشبه ذلك من آيات قد تشكل وتتعلق بأنبياء قبله، كما في ذكره ﵀ لقصة موسى ﵇ وذهابه إلى مدين، وهل كان صهره هو شعيب النبي أم غيره؟ وأمثال ذلك من مواضع، وتعلمون شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ إذا حقق المسألة كيف يبدع، وكيف يغوص في الأعماق.
стр. 396
علوم أخرى
كما أنه تعرض فيه كثيراً لعلوم كثيرة: كعلم الحديث، وعلم المصطلح، ومسائل فقهية عظيمة النفع جداً، وربما لا تجد التحقيق هذا في آي كتاب آخر من كتب الفقه، وكذلك تعرض لعلم النفس ولعلم الاجتماع ولعلم الحكم ولعلم السياسة، وقارن أحوال المسلمين في ذلك بأحوال الروم؛ بل إنه تعرض لعلم المنطق ونقده، ونقد الفلاسفة وفند شبهاتهم في معرض رده على النصارى، وما احتجوا به من شبهات فلسفية، وأيضاً تعرض ﵀ لعلم الطبيعة، وله في هذا كلام قد نورد بعضه، وكذلك تعرض لعلم اللغة ولعلم الترجمة عندما تعرض للإنجيل والتوراة وأشباهها.
ثم إن الكتاب يتضمن فوائد علمية من نواحي أخرى، مثلاً: يتضمن الرجوع إلى مصادر مفقودة، أو ربما تكون نادرة أو مخطوطة في هذا الزمن، مما يكشف اطلاع شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ اطلاعاً عظيماً ودقيقاً واسعاً على واقع عصره وعلى أحواله، وعلى الفرق التي هي فيه من أمور ثبتت صحتها الآن، عندما يسر الله ﵎ وجمعت العلوم، واستطعنا أن نعرف الكتب في أي مكتبة في العالم مما كتب عن الإسلام أو ضده.
стр. 397
نماذج من الردود والحجج
وذكر كثيراً من الردود والحجج فمن ذلك مثلاً أنه ﵀ تعرض للرد على النصارى، وإبطال دينهم وإثبات أنهم على باطل بحجج عظيمة أذكر شيئاً منها إجمالاً:
стр. 398
إبطاله لدين النصارى
عندما بين أن دين النصارى باطل سواءٌ صدقوا رسول الله ﷺ أم كذبوه، إن آمنوا به أو لم يؤمنوا فدينهم باطل، وإن قالوا: إنه مبعوث إلى العرب خاصة -كما هو قول بعضهم- أو أنه ليس بنبي مطلقاً، فعلى أي التقديرين فدينهم باطل، ثم بين ذلك؛ لأنه إن كان ﷺ دينه حقاً -وهو كذلك- فهو قد أخبر ﷺ وبلغ عن ربه أن دينهم باطل، فيلزمهم اعتقاد أن دينهم باطل، هذا موجز وإلا فالكلام نفيس جداً، وإن كانوا يقولون: إن دينه ﷺ باطل كما هو قولهم الآن فإنه يلزم من ذلك لأي عاقل منهم أن يكون دينهم باطلاً؛ لماذا؟ لأنه ما من طريقة وما من وسيلة تثبتون بها صحة دينكم إلا وقد ثبتت في حق دين رسول الله ﷺ أعظم وأكبر وأقوى، فإذا بطلت هذه فقد بطل الأضعف والأقل والأدنى، فعليه يكون دينكم باطلاً، وهي حجج عظيمة في هذه الصفحات، ويضرب أمثلة تدل على علم وعلى اطلاع، فيقول: 'من قال: إن هارون ويوشع وداود وسليمان كانوا أنبياء، وموسى لم يكن نبياً، فهذا من هذا القبيل؛ لأن نبوة موسى ﵇ أعظم، أو من قال: إن داود وسليمان ويوشع ويحيى كانوا أنبياء، والمسيح لم يكن نبياً، فهو أيضاً باطل؛ لأن دلائل نبوة المسيح أظهر فكذلك من قال: إن هؤلاء جميعاً أنبياء ولكن محمداً ﷺ لم يكن نبياً، فحجته داحضة؛ لأن دلائل ظهور ذلك أعظم وأظهر'.
ثم أخذ يضرب أمثلة لطيفة جداً، فيقول: 'لو قال قائل: إن زفر وابن القاسم والمزني والأثرم كانوا فقهاء وكل واحد منهم ينتمي إلى مذهب من المذاهب الأربعة وإن أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد لم يكونوا فقهاء، أو قال: إن الأخفش وابن الأنباري والمبرد كانوا نحاة، والخليل، وسيبويه والفراء لم يكونوا نحاة فهذا مستحيل، ولا يوافقه أحد من أهل هذا الفن، وأيضاً لو قال أحد: إن صاحب الملكي والمسيحي ونحوهما من كتب الطب كانوا أطباء، ولكن بقراط وجالينوس ونحوهما لم يكونوا أطباء، فقوله مردود عند الأطباء وأصحاب كل فن يعرفون المتقدم في هذا الفن، ولا يمكن أن يقروا بصحة علم الأدنى، ويتركوا الأفضل أو الأعلى' ثم قال: 'ولو قال: إن كوشيار والخرقي ونحوهما كانوا يعرفون علم الهيئة -الجغرافيا- وبطليموس ونحوه لم يكن لهم علم بالهيئة -الجغرافيا الفلكية- لكان قوله في غاية البطلان' ثم تكلم بكلام نفيس لولا الإطالة لأكملته، ولكن حسبكم أن تراجعوا الكتاب.
стр. 399
الاستدلال على ثبوت الإسلام بالتواتر
ويستدل -أيضاً- على بطلان دينهم بدليل عقلي لا يستطيع أي عاقل مهما كان دينه أن يرده، وهو الاستدلال بعدم التواتر فيما من حقه أن يثبت متواتراً في عرف الناس والعقلاء أجمعين، فمثلاً يقول: لو ادعى مدع أنه يوم الجمعة أو يوم العيد قُتِلَ الخطيب ولم يصلِّ الناس الجمعة أو العيد، فإنه لا يصدق قوله؛ لأن الأصل فيه أن ينقل متواتراً وأن يشتهر عند الناس ويستفيض، أو ادعى أن بعض الملوك قتل علانية، وهو في موكبه مثلاً فهذا لا يمكن أن ينقله واحد فقط؛ لأنه يستفيض ويشتهر، أو ادعى أحد أنه بعث نبي بين المسيح ومحمد ﷺ أو جاء بعد محمد ﷺ كتاب مثل القرآن، أو ادعى أحد أن قريشاً أو غيرهم عارضوا القرآن وجاءوا بكتاب يماثل القرآن، أو ادعى أن محمداً ﷺ أمر بحج بيت غير البيت العتيق، أو أوجب صوم شهر غير شهر رمضان، أو أوجب صلاة سادسة وقت الضحى وهكذا فكل هذه لا يمكن أن تسلم للمدعي، لأنها لو حدثت فعلاً لاستفاض نقلها واشتهر أمرها.
وفي معرض الرد على النصارى، يرد على طوائف الضلال جميعاً وهذا شأنه ﵀، فإنك تذهب لتريد فائدة معينة، وإذا بك تخرج بفوائد عظيمة مركبة.
ثم يبين أن أهل العلم بأحوال رسول الله ﷺ يقطعون بكذب الأحاديث التي فيها الوصية لأحد بعد النبي ﷺ علانية بين الناس من دون اشتهار ذلك وتواتره بناء على هذه القواعد العقلية المقررة، والتي هم أهلها وأخبر الناس بها، فمثلاً يقطع من يعلم مغازي رسول الله ﷺ أنه لم يقاتل في غزوة تبوك وأنه لم يغز العراق ولا اليمن بنفسه ﷺ ، وأنه لم يحج بعد الهجرة إلا حجة الوداع، وهكذا؛ فلو أن أحداً أخطأ وروى حديثاً بهذا الشأن فإن العلماء يعلمون قطعاً أن هذا الحديث باطل، ويستدلون به على أحد أمرين: إما أنه أخطأ، وإما أنه تعمد الكذب على رسول الله ﷺ وهكذا.
ثم ذكر أمثلة منها: الحديث المشهور في الوضع ﴿لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل﴾ لما زاد عليه بعضهم (أو جناح) عُلمَ أن هذه اللفظة موضوعة وهكذا، ثم يستطرد في ذكر علوم كثيرة فلا تريد وأنت تقرأ أن تفارق هذا الكتاب أبداً.
ثم يستطرد فيصل إلى القضية المهمة -قضية النبوة- فيقول: 'لو قيل: إن مسيلمة الكذاب لم يُقَاتل، لأن النصارى يدعون ذلك ليستشهدوا على أن النبوة قد ظهر من يدعيها، أو الرافضة تقول: إنما قوتل مسيلمة؛ لأنه لم يؤد الزكاة، وهذا رد عليه ﵀ في منهاج السنة، فهو هنا يرد رداً مجملاً فإنهم لما قالوا: إن الخليفة أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم تجمع الأمة على خلافته، بدليل أن بني حنيفة لم يبايعوه، فيقول شَيْخ الإِسْلامِ: هؤلاء اتبعوا مسيلمة الكذاب الذي ليس من الإسلام في شيء لا هو ولا من آمن معه ولا من اتبعه، فلا يكون قولهم هذا حجة' ثم يستطرد في الكلام عنه وعن الأسود العنسي إلى آخر كلامه في هذا الباب.
стр. 400
دلائل الاستدلال بالخبر
ثم يأتي إلى موضع آخر، وهو يعطينا أيضاً قوة حجته وقواعد عظيمة في فنون كثيرة لا تجدها بهذا الجمع والاتقان والإجمال -كما في هذا الكتاب-، إلا في غيره من كتبه ﵀، وهي: معرفة صدق الخبر ولو كان خبراً واحد، وكيف نعرف صدق الخبر وكيف لا نعرفه؛ ليبين أن النصارى يقعون في ضلال كبير بسبب هذا، فيصدقون الكاذب أو يكذبون الصدوق، فيبين أن من يخبر بالخبر قد يكون كاذباً وقد يكون صادقاً، ولا يجزم بأن أحداً صادق مطلقاً ولا أن أحداً كاذب مطلقاً إلا بالقرائن التي تحف به وبخبره وبإفادته له، فيقول: 'الناس يعلمون أن خبر الواحد قد يقوم دليل على صدقه فيعلم أنه صدق وإن كان خبرا واحدا، وقد يقوم الدليل على كذبه، فيعلم أنه كذب وإن كان قد أخبر به ألوف -فالقضية ليست قضية عدد فقط، إنما هي قرائن وموازين عقلية سليمة لا بد منها، ثم يقول: وتلك القرائن والدلائل قد تكون صفاتاً في المخبر من جهة علمه ودينه وتحريه الصدق، بحيث يعلم قطعاً أنه لا يتعمد الكذب -ثم يستطرد ويمثل بعلماء الحديث ﵃ وأرضاهم، فيقول:- كما يعلم علماء أهل الحديث علماً يقينياً قطعياً أن ابن عمر وعائشة وأبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأمثالهم، لم يكونوا يتعمدون الكذب على رسول الله ﷺ ، فضلاً عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إلى آخره، بل يعلمون علماً يقينياً بأن الثوري ومالك وشعبة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل والبخاري وأبا زرعة وأبا داود وأمثالهم لا يتعمدون الكذب في الحديث' هذا جانب.
والجانب الآخر أنه قد تكون الدلائل هي صفات في المخبَر به أي: في الحقائق التي يخبر بها المخْبِر، التي يُعلم بها أن ذلك المخبر لا يكذب في مثل ذلك الخبر، ويضرب لذلك أمثلة عقلية فيقول: ' كحاجب الأمير إذا قال بحضرته لعسكره: إن الأمير قد أذن لكم بالانصراف، أو أمركم أن تركبوا غداً أو قال: قد أمرَّ عليكم فلاناً ونحو ذلك، فإنهم يعلمون أنه لم يتعمد الكذب في مثل هذا وإن لم يكن بحضرته، فكيف إذا كان بحضرته؟! وإن كانوا قد يكذبونه في غير هذا، مع أن هذا الحاجب قد يكون كذاباً لكن إذا قال هذا بحضرة الأمير أو الملك أو الخليفة عُلم صدقه كل هذه الدلائل العقلية يركب عليها ﵀ فيما بعد صدق رسالة رسول الله ﷺ '.
стр. 401
رده عليهم في احتجاجهم بالمتشابه
ثم يأتي في ضمن إبطاله لحججهم مثلاً: عندما ينقلون نقولاً متشابهة -وهذا ما يسمى الاستدلال بالمتشابه وترك المحكم- واليهود والنصارى والكفار والملحدون وأهل البدع قديماً وحديثاً مشكلتهم الرئيسة هي هذا، لأن كلامهم لو تجرد من الدليل ما قبله أحد، لكنهم يستدلون بمتشابه وبشبهات ويتركون المحكم، فمثلاً ما يقوله النصارى في مواضع: إن الله في المسيح، أو إن الله في قلب فلان مثلاً، يقول شَيْخ الإِسْلامِ: 'هذه لا تقتضي الحلول كما تزعمون -ثم يأتي بتقسيم عقلي عجيب، يقول:- إن وجود الأشياء على أنواع، فالشيء له وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان' أو وجود عيني، ووجود علمي، ووجود رسمي، ووجود لفظي وهذا كلام عجيب ولا بد من شرحه.
فالموجود في الأعيان: هو الشيء الخارج، أي الأجسام الخارجة.
والموجود في الأذهان: هو تصور هذا الشيء في الذهن.
والموجود في اللسان: هو نطقك به، كما تقول لم يرد البخاري فهذا هو الوجود اللفظي، فإذا قلت: البخاري هنا، فأنت تعني أن البخاري مكتوب هنا، فهذا الوجود الرسمي، فيقول: من أي نوع من أنواع الوجود عندما نقول: إن الله في قلب فلان؟ ثم يوضح فيقول: 'ليس وجوداً ذاتياً يقتضي الحلول بل وقع في هذا الحلول النصارى ووقع فيه الصوفية، ويستطرد ويذكر الذين قالوا من الصوفية بكلمات تعني عقيدة الحلول كمثل: سبحاني، أو ما في الجبة إلا الله، أو ما أشبه ذلك من الكفريات الشطحية ' ويقول: 'إنه إذا قيل: إن الله في قلب فلان أو ما في قلب فلان إلا الله قالها بحسن النية، فالمقصود بذلك محبته والإخلاص له والتقرب إليه، وهذا لا يقتضي الوجود الذاتي' وهكذا.
стр. 402
تناقض كتب النصارى وحيل رهبانهم
ومن التحقيقات البديعة التي تجدونها في هذا الكتاب وشهد لها المؤلفون المعاصرون، أنه ﵀ يقول لبيان تحريف النصارى: 'إن أصح ما عندكم بإجماع أهل الكتاب جميعاً هي التوراة، التي هي الأسفار الخمسة -ثم ما بني عليها على اختلاف كبير فيما بينهم في هذا، يقول:- هذا هو أصح الكتب عند أهل الكتاب نسخة السامرة غير النسخة الموجودة الأخرى، حتى في الكلمات العشر أو الوصايا العشر' وفعلاً الآن توجد كتب محققة عن التوراة السامرية يظهر مخالفتها للتوراة اليهودية المعروفة، وهذا من بديع التحقيق والاطلاع لديه رحمه الله تعالى رحمة واسعة، ثم يقول: 'وكذلك رأينا في الزبور نسخاً متعددة يخالف بعضها بعضاً مخالفة كثيرة في كثير من الألفاظ والمعاني يقطع من رآها أن كثيراً منها كذب على زبور داود ﵇، وأما الأناجيل فالاضطراب فيها أعظم من الاضطراب في التوراة' ثم يأتي بعد ذلك إلى إكمال الموضوع.
أيضاً مما يدل على معرفته للواقع من جهة، واطلاعه على المؤلفات من جهة أخرى، قوله ﵀ مثلاً: 'وقد صنف بعض الناس مصنفاً في حيل الرهبان، وقد ذكر عجائب منها.
أن يجعلوا في الماء زيتاً على المنارة ثم يوقد فيظنون أن الماء انقلب زيتاً'، والحيلة أنهم يجعلون الزيت في الأعلى لأنه يطفو فوق الماء ويصبون الماء، فإذا ظهر في المنارة وقدح فيه أصبح زيتاً، وقالوا: هذا من كرامات العذراء ومن كرامات الراهب، وهذا من الحيل.
وذكر من الحيل أيضاً: النخلة التي يقال إنها تصعد إلى الراهب وقد بين أن هذه النخلة مغروسة في سفينة، وأن هناك سداً، فإذا أريد -كما يزعمون- أن تُرى هذه المعجزة: فتح الماء فتعلو السفينة فترتفع النخلة إلى محاذاة الراهب، فإذا أجري الماء نزلت، فيقال: إنها ارتفعت إليه وأكل من جناها ثم هبطت!! وغيرها من أنواع الحيل والمخاريق.
ولم يكتف بالحيل عند النصارى، بل يأتي أيضاً بما عند المسلمين، وهذا من عدله ﵀، فيذكر أن هذا الشطح وهذا الدجل أيضاً موجود عند الصوفية وأمثالهم، وأن هذه الأحوال الشيطانية والمخاريق البهتانية، يوجد عند أهل الإلحاد المبدلين لدين محمد ﷺ مثلها.
ثم يتعرض في أثناء كلامه إلى تكلم الجني على لسان المصروع، وأنه يتكلم بكلام لا يعرفه ذلك المصروع ولا يدري عنه؛ لأن المتكلم هو الجني أو الشيطان المتلبس به، وقد يخبر بعض الحاضرين بما في قلبه، ويكون ذلك من الشيطان، فإذا فارق الشيطان ذلك الشخص لم يدر ما قال، وهذا هو الواقع كما ذكر ﵀.
стр. 403
سبقه إلى العلوم ونقده لعلم المنطق
ثم يأتي إلى تقسيم العلوم، وكيف أن اليونانيين قسموها إلى علوم طبيعية، وعلوم رياضية، وعلوم إلهية أو ما بعد الطبيعة، ثم يقسم العلوم وأحوال الناس فيها فيبين أن العلوم هناك علوم تجريبية، وعلوم عقلية، وعلوم حسية إلى آخر الأنواع التي لم يُسبق ﵀ إلى تفصيل القول فيها، ولا عرفه الأوروبيون ولا الغربيون إلا في العصر الحديث فقط.
وشَيْخ الإِسْلامِ يبين ذلك ويريد منه أن يبطل قولهم في التثليث.
أيضاً نقد المنطق، وإن كنت لا أريد الإطالة فيه، لأن كثيراً من الإخوان ربما لا يهمهم ذلك؛ لأنه لا يحتاج إليه الذكي، ولا ينتفع به البليد، لكن في علم المنطق موضوع مهم جداً وهو في التعريفات، ونحتاجه في جميع العلوم، وهو أنهم يفرقون في التعريف بين الذاتي الذي هو جزء الماهية، وبين العرضي اللازم للماهية، فيأتي شَيْخ الإِسْلامِ هنا ويبطل هذا الكلام بحجج عجيبة، ويقول: لا فرق بين هذا وهذا، يقول: 'إن ما يسمى تمام الماهية، والداخل في الماهية، والخارج عنها واللازم لها، يعود عند التحقيق إلى ما يدل عليه اللفظ بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام'.
الدلالات الثلاث المعروفة عندنا، فيقول: كل ما يقولونه يرجع إلى هذه الثلاثة، فليست المسألة تمام الماهية أو داخله في الماهية، أو عرض لازم للماهية، ويطيل في هذا وفيه كلام طويل ينقد به المنطق نقداً بديعاً عجيباً؛ ليصل به إلى نقد قولهم في الجوهر، وأن الأقانيم مركبة، وأن الجوهر ذاتي، وكلام في طبيعة المسيح إلى غير ذلك.
стр. 404
رده على من قال بنسخ الجهاد
ثم يأتي ﵀ بعد ذلك يناقش قضية مهمة، وهي قول بعض العلماء: إن آيات جدال أهل الكتاب منسوخة بآيات الجهاد، ونحن في هذا الزمن مع هذا الإفك الذي يسمونه الحوار الإسلامي المسيحي الآن يقولون بالعكس، يقولون: لا قتال ولا جهاد، وإنما القضية فقط هي الحوار، أطراف متساوية تتعاون لتحقيق خير البشرية -كما يقولون-، يُقتِّلُون المسلمين في كل مكان، ويريدون أن يخرجوهم من دينهم في كل مكان، ويستغلون جوعهم وفقرهم ومرضهم، وهو أسوأ وأبشع أنواع الاستغلال الإنساني، لإخراجهم من الحق إلى الباطل ومن النور إلى الظلمات، ثم يقولون: حوار بين الأديان من أجل مصلحة الإنسانية.
يرد شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ على هذا كالعادة، ولا يكتفي بالقول بأن المجادلة لا تعترض مع المجاهدة، وله في ذلك عدة ردود، بل يستطرد ليبين ما حقيقة النصر، ويعطينا مواضع مفيدة جداً وعظيمة ترد على من ينكر النسخ مطلقاً.
كما تعلمون أن بعض الأصوليين ينكر النسخ مطلقاً، والبعض يكثر منه جداً، فهو يأتيك بمواضع محددة هي الأدلة الصحيحة للنسخ وما عداها فهو يحتمل مثلاً.
стр. 405
قاعدة في المناظرة
أيضاً في علم المناظرة والمجادلة والبحث وهو من العلوم العظيمة النافعة، ولا سيما والشيخ رحمه الله تعالى يجادلهم، ويقرر قواعد وأصولاً عظيمة نافعة، فمثلاً القاعدة المعروفة عند كثير من الناس، كما ذكر ﵀ أن النافي لا دليل عليه، يقول الشيخ: لا؛ بل إن النافي للشيء يجب عليه الدليل على ما ينفيه، كما أن المثبت للشيء يجب عليه الدليل على يثبته، وأما ما يحكم بأن النافي ليس عليه دليل، أو التفريق بين العقليات والشرعيات وإيجاب ذلك في العقليات دون الشرعيات، فيقول: هذا خطأ، وهؤلاء اشتبه عليهم النافي بالمانع المطالب.
وهناك فرق بين النافي وبين المانع المطالب، فإن من أثبت شيئاً فقال له آخر: أنا لا أعلمه ولا أوافقك عليه ولا أسلم لك حتى تأتي بالدليل، كان هذا مصيباً، ولم يكن على هذا المانع المطالب بالدليل دليل، وإنما الدليل على المثبت بخلاف من نفى ما أثبته غيره فإن عليه بالدليل؛ إلى آخر ما قاله وهو كلام نفيس جداً لا يمكننا الإطالة فيه.
стр. 406
قاعدة تاريخية
من بديع التحقيق، وهو يدل من ناحية أخرى على تبحره واطلاعه ﵀: الاطلاع على علم التاريخ والاستدلال به، فعندما يثبت النصارى -وإلى الآن كما تعلمون- ويسمون البابا: الرسول، ويسمون مندوبه: القاصد، ويدَّعون أن أحبارهم رسل، والله قد بين حال هؤلاء فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٤]، وهذا حال أكثرهم كما رأى ذلك سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه في بعضهم، والمقصود أنهم يقولون: إن الرسل المذكورين في سورة يس، هم من رسل المسيح، وأرسلهم المسيح فيقول شَيْخ الإِسْلامِ ﵀: 'لا؛ بل الرسل هؤلاء مرسلون من عند الله ويستدل استدلالاً علميا واضحا بالتاريخ فيقول:- إن الله ذكر بعد ذلك أنه عذبهم وأنه أهلكهم، حتى قال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس:٢٩]، ومعلوم عند الناس أن أهل أنطاكية لم يصبهم ذلك بعد مبعث المسيح لأنهم قد آمنوا به' أي بعد الميلاد لم تدمر أنطاكية.
ثم يعقب بعد ذلك بذكر قاعدة عظيمة جداً في التاريخ قل من يتفطن لها من المؤرخين إلا من كان يربط التاريخ بالعلم والإرث النبوي، يقول: 'ومما يبين ذلك أن المعروف عند أهل العلم أنه بعد نزول التوراةلم يهلك الله مكذبي الأمم بعذاب سماوي يعمهم كما أهلك قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وفرعون وغيرهم، بل أمر المؤمنين بجهاد الكفار' فهذه من قواعد التاريخ التي يجب أن تعلم: أن الله منذ أن أنزل التوراة لم يهلك أمة من الأمم المكذبة برمتها، وإنما فرض الجهاد على أهل هذه الكتب التوراة أو الإنجيل أو القرآن، فهم الذين يجاهدون وليس العذاب من عند الله، وهذا مما يدل عليه قول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ [القصص:٤٣] فبين الله تعالى أنه أهلك القرون الأولى، ثم أنزل الكتاب، وبعد ذلك لم يهلك قرناً أو أمة بعامة.
стр. 407
الكلام على البينات وعلم اليقين
وفي موضع آخر يأتي ﵀ بكلام نفيس قل أن يوجد له نظير، أو أظن أنه لا نظير له في كتب الفقه وهو ما يتعلق بالقضاء والبينات، ومتى تكون البينة على المدعي، ومتى تكون على المدعى عليه، وما الحكم إذا نكل هذا أو حلف هذا، كلام نفيس جداً لكنني لا أريد الإطالة فيه.
وفي علم النفس يتعرض ﵀ إلى الحديث بأن غاية علم الفلاسفة أو ما يسمونه الحكمة العملية هو: أن النفس فيها شهوة وغضب من حيث القوة العملية، ولها نظر من جهة القوة العلمية، ثم يقررون أن كمال الشهوة في العفة وكمال الغضب في الحلم والشجاعة، وكمال القوة النظرية في العلم، وهكذا يكون كلامهم كله في حدود ما يفكرون وما تقترحه عقولهم، فيأتي ﵀ فيقول: وما ذكروه من العمل متعلق بالندب، لكنهم لم يثبتوا خاصية النفس، ما هي؟ وما هو الذي به تكون حقيقتها وتزكوا وتطهر وتكمل؟ يقول: هو محبة الله وتوحيده؛ فإن كل علم النفس المتجرد عن ربط هذه النفس بخالقها ﵎ وتوحيده وكمال الذل والخضوع والمحبة له، هو باطل، وهو لغو، وهو إنما يتعرض لأمور خارجية عرضية شكلية مما يمكن أن يعمله الناس.
ثم يقول: 'إن محبة الله ﵎ وتوحيده هو الغاية التي فيها صلاح للنفس وهي عبادة الله وحده لاشريك له، فلا صلاح للنفس ولا كمال لها إلا في ذلك، وبدون ذلك تكون فاسدة لا صلاح لها' ثم يطيل في بسط ذلك ﵀.
стр. 408
كلامه ﵀ في علم الطيران
ولعل من طريف ما نختتم به من الأمثلة أن شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ تكلم حتى في علم الطيران، وقد يقول قائل: ما المناسبة بين علم الطيران وكتاب الجواب الصحيح؟ فأقول: إن موضوع رفع المسيح ﵇ ينكره الفلاسفة، ويقولون: إن الجسم الثقيل لا يمكن أن يرتفع أو يصعد في الفضاء، فيرد عليهم شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ ويقول: 'إن هذا القول ضعيف في غاية الضعف، فإن صعود الأجسام الثقيلة إلى الهواء مما تواترت به الأخبار في أمور متعددة، مثل عرش بلقيس الذي حمل من اليمن إلى الشام في لحظة، عندما قال سليمان: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل:٣٨] ومثل حمل الريح لسليمان ﵇، ومثل حمل قرى قوم لوط ثم إلقاؤها في الهواء، ومثل المسرى إلى بيت المقدس ' وهذا من حكمته ﵀ أنه بدأ بالأمثلة التي يعرفونها؛ لأنه يخاطب كفاراً، وهي في كتبهم، وفي الأخير ذكر مسرى رسول الله ﷺ ومعراجه، وأيضاً لا بد أن يستطرد وأن يصحح العقيدة، فيقول: 'ورجال كثيرون في زماننا وغير زماننا يُحملون من مكان إلى مكان في الهواء -وهو ما تفعله الشياطين مع الصوفية وأشباههم ثم يقول: ومعلوم أن النار والهواء الخفيف تحركه حركة قسرية فيهبط' يذكر قانوناً من قوانين الفيزياء.
'والتراب والماء ثقيلان يحركان حركة قسرية فيصعد، وهذا مما جرت به العادة' ولعل فيما تقدم كفاية من حيث أهمية الكتاب، واشتماله على علوم جمة وموضوعات غزيرة متفرقة، وأصول وقواعد عظيمة في علوم شتى، ولننتقل الآن إلى ما نريد أن نعمله تجاه هذا الكتاب القيم العظيم.
стр. 409
طرح مشروع ترجمة الكتاب وإيضاح خطر التنصير
والفكرة المبدئية هي: أننا نريد أن نترجم هذا الكتاب إلى كل اللغات الحية في العالم، وما ذلك -بإذن الله تعالى- بعزيز ولا صعب المنال إذا خلصت النية -نسأل الله لنا ولكم ذلك- وصحت العزيمة وكان التعاون من إخواننا المسلمين على هذا العمل، ولا نريد الاكتفاء بالترجمة فقط، بل لا بد من الشرح والتعليق والإيضاح؛ لأن كثيراً مما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ يحتاج إلى إيضاح وإلى بسط بلغة العصر، ثم نحتاج إلى ما لا بد منه، وهو الفِرَق التي ظهرت بعد شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀ من النصارى، فلا بد أن نوضحها ونبين حالها، ونرد على شبهاتها التي ربما لم ترد في هذا الكتاب، وكل ذلك يجب أن ينشر في العالم كله لأسباب لا تخفى على مثلكم.
لكن لعلي أن أوجز لكم بعض البواعث التي حركت هذا المشروع الذي أساسه هذا الكتاب: أولاً: أننا ننظر إلى أننا نعيش في مرحلة كتلك المرحلة التي كانت الأمة الإسلامية تعيشها في أيام شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀، فعندما كتب ذلك الراهب أو الأسقف، وافترى ما افترى نحن الآن نجد الكذب العظيم الذي تتناقله وسائل الإعلام في كل مكان وفي كل آن بمثل هذا القول المفترى الباطل الداحض، والأمة الإسلامية -ولله الحمد- هي الآن في حالة صحوة ويقظة ونهضة كما نهضت في عهد شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، وكان لها ما كان من مقاومة الصليبيين والتتار بالجهاد بنوعيه: الجهاد بالقرآن، والجهاد في الميدان، فالحال كالحال، وما أشبه الليلة بالبارحة! وما أحوجنا الآن؛ بل الحاجة أعظم وأعظم إلى أن ينشر هذا الكتاب، كما كانت كتبه ﵀ في تلك الحقبة التاريخية المهمة من حياة وتاريخ الأمة الإسلامية.
نحن الآن نعيش هذا التحدي الصليبي المعاصر الذي يريد أن يدمر وجودنا، وأن يسحق كياننا، وألا يبقي لهذه الأمة وجوداً على الإطلاق، يريدون أن يملكوها عقيدة وسياسة واقتصاداً وإعلاماً ومناهجاً وفي كل منحىً من مناحي الحياة، وأن تصبح جزءاً من ممتلكاتهم العريضة، وتصبح تابعاً ذليلاً لهم لا تملك مجرد مقوم من مقومات الذات أو الشعور بالذات، وإنما أجزاء ممزعة ممزقة تابعة للغرب في ظل ما يسمونه بالنظام الدولي الجديد، وهذا التحدي جعلهم يتطاولون على ديننا وعلى رسولنا ﷺ وعلى هذه البلاد التي يعتبرونها مقر الإسلام الأول، وأنها لا بد أن تدمر ويقام فيها دينهم، فتدمر العقيدة الصحيحة فيها لينتشر فيها دينهم الباطل، ولذلك كانت لهم جهود خاصة لنشر دينهم في هذه البلاد.
ومن أشهر ما يجب أن يُذكر أن صومئيل زويمر الخبيث المبشر والمنصر المعروف، والذي كان رئيساً لمؤتمر القدس عام ١٩٠٦ ثم استقر في البحرين كما تعلمون، وكان يريد في الأصل أن يستقر في جدة، وخطط لإنشاء معهد تنصيري فيها، وذلك لينفذ منه إلى مكة وإلى المدينة، ووضع الخطة لذلك إلا أن الدولة العثمانية وهذا مما يحسب لها من حسناتها لم تكن تسمح بدخول النصارى واليهود جزيرة العرب على الإطلاق، وكل المستشرقين الذين دخلوها، وكتبوا عن الإسلام والمسلمين فيها إنما دخلوا متنكرين كأنهم مسلمون وكأنهم حجاج وهم أفراد قلة، ولم يظفروا في هذه الجزيرة بموضع قدم ولا بإقامة على الإطلاق مدة حكم الدولة العثمانية، ولذلك ذهب إلى البحرين لأنها كانت مستعمرة بريطانية، وأنشأ المركز الذي لا يزال إلى الآن منطلقاً لنشر النصرانية في هذه البلاد الطاهرة.
وأحدثكم عن تجربتي أنا، فقد جاءتني باسمي الشخصي وعلى عنواني رسائل تنصيرية، واحدة منها اسمها البذور، تتكلم عن الأناجيل، ويريدون مني أن أدخل في دينهم الحق كما يزعمون، نعم هذا أنا ولا أقوله عن غيري، وجاءت مئات من الرسائل، وجاءت رسالة أخرى ليست بهذا الشكل، ولكنها رسالة للحوار، كتبها أحد الذين درسوا الأديان، وذكر اسمه وولايته وعنوانه وأنه يريد نوعاً من المحاورة والمناظرة، وأثبت أنه يكفر بكثير مما في الأناجيل، وأن لديه شك فيما يعتقده المسلمون في بعض الأمور، ويريد أن نقدم له الرأي -رأي الإسلام كما يقول- في مثل هذه الأمور وهكذا.
ولا يخفى عليكم كم تأتي في البريد مما قد يتلف كثير منه فلا يدخل، لكن الذي يصل إلى الإخوة مما يتجاوز الرقابة البريدية، كمٌ من الأناجيل.
وكتاب عاصفة الصحراء الذي كتب بعد الحرب الأخيرة بين الغرب والعراق، يريدون بالعاصفة جانباً آخر وهو نشر دينهم، والذي رد عليه الشيخ أحمد ديدات بنفس العنوان.
فذكروا بما لا يتسع المقام الآن لشرحه أنهم يطمعون في تنصير أبناء هذه البلاد.
ثانياً: الحقيقة التي يجب أن أضيفها هنا وهي أيضاً من البواعث على الترجمة، أنني دعوت الإخوة منذ أكثر من سنتين إلى أن كلاً منا يبدي رأيه في كيفية محاربة التنصير.
والحمد لله جمعت لدي رسائل كثيرة، واقتراحات عظيمة ونافعة، ثم جاء أخونا الشيخ سلمان حفظه الله (ولا عطر بعد عروس) فتعرض لهذا الموضوع وقلت له: كنت أريد أن ألقي محاضرة عن صانعي الخيام في نفس الأسابيع وأنا أتحدث عن هذا المشروع، فلما ظهرت أشرطته اكتفيت بذلك، وذلك دون أن ينسق بعضنا مع بعض، أو يكلم بعضنا بعضاً؛ لأن الإحساس بالخطر واحد، ولأن ما يأتي إليه يأتي إليَّ مثله، لأن المسلمين الآن يضجون في هذه البلاد -ولا أقول في غيرها- من هذا الخطر التنصيري الدامي، فجاء الشعور واحداً مشتركاً، فجاءتني عدة اقتراحات وحلول، وكان منها أن نقوم بعمل علمي، إذ نحن لا نستطيع أن نجاهدهم بالسيف، ولا نستطيع أن ننشئ جمعيات ذات الأموال العريضة كما يفعلون، فما الحل إلا أن نجاهدهم بالعلم والبيان، فكان أن اخترت وعزمت -بفضل الله وتوفيقه- على أن نترجم هذا الكتاب.
стр. 410
نشرة أبحاث عن التنصير والمنصرين
هذه النشرة إحدى النشرات التي وزعت وربما رأيتموها، وهي بعنوان: هل تعلم وسأقرؤها عليكم على عجل، وهي من إصدار الندوة العالمية للشباب.
عدد النصارى في العالم: مليار وسبعمائة وواحد وعشرين مليوناً.
- عدد المنظمات التنصيرية في العالم: أربعة وعشرون ألفاً وخمسمائة وثمانين منظمة هذا قبل ثلاث سنوات وهذه المنظمات بعضها يمتلك مئات الملايين من الدولارات.
- عدد المنظمات التنصيرية العاملة في مجال الخدمات: عشرون ألفاً وسبعمائة منظمة تعمل في مجال الخدمات العامة، والطب، والإغاثة، وما أشبه ذلك.
- عدد المنظمات التنصيرية التي ترسل منصرين: (يتخرجون من معاهد لاهوتية عليا، ويذهبون للتنصير) ثلاثة آلاف وثمانمائة وثمانين منظمة.
- عدد المعاهد التنصيرية التي تخرج القساوسة والدعاة: ثمانية وتسعون ألفاً وسبعمائة وعشرين معهداً!! نحن نفرح والحمد لله أن يوجد مركز في العالم الإسلامي، أو مقر لتحفيظ سنة رسول الله ﷺ ، أو مقر لتحفيظ القرآن أو ما أشبه ذلك، لكن المعاهد عند هؤلاء تقارب مائة ألف معهد، وإذا توقعنا أن يفتحوا في خلال الثلاث السنوات معاهد أخرى، فالمائة ألف تكون رقماً واقعياً، مائة ألف معهد يخرج القساوسة لنشر هذا الدين.
سبحان الله العظيم! والله الذي لا إله غيره لولا أن هذا الدين حق لما بقي له قائمة، ولولا أن دينهم باطل لما بقي على ظهر الدنيا إلا نصراني، جهود عظيمة: مائة ألف معهد! وهذه هي المعاهد الثابتة، وأما الدورات الطارئة فإنها لا تحسب! ولهم دورات ولهم جولات وأمور أخرى، لكن هذه فقط هي المعاهد الثابتة.
- عدد المنصرين في البلدان الخارجية غير الأصوليين الإنجيليين في أمريكا وأمثالها: مائتان وثلاثة وسبعون ألفاً وسبعمائة وسبعين منصراً، وهؤلاء أيضاً المتفرغون للتنصير!! ونحن نفرح عندما تقوم مؤسسة بكفالة عشرة دعاة! والحمد لله بدأت مؤسسات تقوم هنا في المملكة تكفل عشرة دعاة، أو عشرين داعية يدعون إلى الله، فمثلاً: الرئاسة العامة للإفتاء والدعوة والإرشاد عندها ثلاثمائة داعية، والرابطة يمكن أن يكون فيها مائتين أو ثلاثمائة، والحمد لله على ذلك.
لكن هؤلاء وهم على الباطل عندهم هذه الآلاف، وهذا في الخارج غير الداخل، وهذا في حالة التفرغ الكلي، أما في الإجازات -وهذا شيء يعرفه الإخوة المسلمون- فإنه في أمريكا يمكن أن يسمحوا لأي موظف أمريكي أن يتبرع بسنة أو سنتين أو أكثر للعمل التنصيري الخيري، فيرسل إلى تلك البلاد، وتسهل له كافة الإمكانات، ويظل راتبه وخدمته تمشي في قطاع العمل الذي يعمل فيه كما كان يعمل، ثم يرجع بعد ذلك إلى عمله، بعد أن يقوم بالخدمة التي أراد، وهذا أمر معلوم.
وإذا أراد أحد أن يتبرع، فما يتبرع به فإنه يقتطع من الضرائب التي تستحق عليه، وتأخذها الحكومة منه، فسواءً أُعطيت الحكومة ضرائب أو أُعطيت للكنيسة فلا فرق عندهم نظامياً، ولهذا يلجأ الناس إلى أن يدفعوا إلى الكنائس، وسوف نذكر لكم كم يدفعون لها:- - عدد الكتب المؤلفة لأغراض التنصير: اثنان وعشرون ألفاً ومائة كتاب، وهذا بجميع اللغات؛ بل بجميع اللهجات، وقد وزع ورأيته في جدة، فقرأت من الأناجيل بجميع اللهجات، باللهجة المصرية واللبنانية والجزائرية، وغيرها، ومن كثرة تعمقهم ترجم الإنجيل إلى ألف ومائتان لغة، ولم ينتهِ الأمر إلى هذا الحد، بل أخذوا يترجمون إلى اللهجات.
المجلات والدوريات والنشرات: ألفان ومائتان وسبعون نشرة ومجلة، وبجميع اللغات، والبعض منها يطبع ملايين النسخ، ولا نقول عشرات الألوف، بل ملايين النسخ إما شهرياً وإما أسبوعياً.
- محطات الإذاعة والتلفاز العاملة لأغراض التنصير: ألف وتسعمائة محطة، وبعض هذه المحطات ينشر عبر الأقمار الصناعية إلى مائة بلد أو أكثر.
- الوسائل: الكمبيوتر، الأقمار الصناعية، الطائرات!! رأيت فلماً عن التنصير -عجيباً- بالطائرات، يطير مجموعة من الدعاة المنصرين بطائرة خاصة، حتى يقعوا على مكان في الغابة أو في أعلى الجبل فيه أناس من الهنود الحمر مثلاً أو غيرهم، فيأتون إليهم وهم في قذارتهم وعريهم، فيغسلونهم بأيديهم، يغسلونهم بالشامبو والصابون وينظفونهم ويلبسونهم، ويعالجون أمراضهم، ثم يدعونهم إلى النصرانية، فكل الوسائل مهيأة لهم بشكل قد لا نصدقه نحن، مطارات، ومستشفيات، ومطاعم، وأمور عجيبة؛ ومع هذا فإنهم قد يبقون في البلد الواحد عشر سنوات ولا ينصرون شخصاً، تضحيات وجهود مبذولة، مع أن النتائج غريبة في الضآلة، ونحن والحمد لله إذا نشر كلمة أو شريط يسلم أناس كثيرون والحمد لله، ففي الدرس الماضي، عدد الذين أشهروا إسلامهم: أربعة عشر، من عرض بسيط للإخوة قاموا به لهذا الدين، وقد افتتح في المدينة الصناعية في جدة مركز خاص لهؤلاء، ونسأل الله أن يوفقنا وإياهم لما يحب ويرضى.
- مجموع التبرعات الكنسية لأغراض التنصير: مائة وواحد وخمسون ألف مليون دولار.
وإذا قدرنا ميزانية المملكة العربية السعودية بما يعادل خمسة عشر ألف مليون دولار، فمعنى ذلك أنه في عام واحد وفي سنة واحدة فقط يتبرعون للتنصير بما يعادل ميزانية المملكة عشرة أضعاف وأكثر! ونحن إذا فكرنا في إنشاء مشروع، وقلنا هذا المشروع يكلف عشرة ملايين، وضع الناس أيديهم على رءوسهم: من أين لنا ذلك، نعم من أين؟! لكن أقول: هذا المشروع سنعرضه على الأمة ونطرحه عليها، وهي وغيرتها وشيمتها وإيمانها، إنما الذي علينا نحن أن نتقن الترجمة ونقدمها، ثم لا بد أن نطبعها بإذن الله وأن ننشرها، لكن العجيب فعلاً أن تكون مثل هذه المليارات للكفر والباطل ونحن لا نقدم شيئاً لديننا، فيا سبحان الله!!
стр. 411
إنشاء مركز للبحث والترجمة
بناء على ما تقدم: قررنا فكرة إنشاء مركز للبحث والترجمة، ويبدأ أول ما يبدأ بتحقيق وترجمة كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، ويكون مقره في مدينة جدة، وأهدافه كما رسمت: أولاً: ترجمة ونشر الكتاب إلى اللغات الحية في العالم.
ثانياً: تأسيس معلمة أو دائرة معارف فكرية في الأديان والفرق والمذاهب الفكرية المعاصرة، بجميع اللغات أيضاً إن شاء الله.
ثالثاً: الرد على الشبهات والافتراءات التي يثيرها المستشرقون والمنصرون التي نستقبلها من جميع أنحاء العالم وبجميع اللغات على المدى البعيد.
رابعاً: الدعوة إلى الإسلام وتقديم الخدمات العلمية المتنوعة للداخلين فيه حديثاً.
خامساً: متابعة ورصد النشاط التبشيري أو التنصيري في العالم الإسلامي وغيره من الحركات الهدامة.
سادساً: إنشاء مركز بالوثائق والمعلومات التي تخدم الدعوة والدعاة.
سابعاً: تشجيع البحوث والدراسات، ولا سيما الدراسات العقدية المقارنة.
ثامناً: تقديم الاستشارات العلمية في مجال الأديان والفرق والمذاهب الفكرية المعاصرة.
وهذا النشاط يشمل ترجمة، ويشمل نشراً وتوزيعاً وإهداء، وأضرب لكم مثلاً: الجامعات الأمريكية والمعاهد تقدر بعشرة آلاف، ونريد بإذن الله تعالى أن نهدي لكل جامعة في أمريكا وأوروبا وغيرها، ما لا يقل عن نسختين إهداء، فضلاً عما قد يكون بسعر التكلفة، لكن لا بد من إهداء وبتجليد فاخر معين، وهذا يقتضي كماً كبيراً من الآلاف، وهذا رقم لا شك تدركون ضخامته، وأيضاً نصدر رسائل تؤخذ من الكتاب أو من غيره ترد على الشبهات وتناقشها، وتنشر أيضاً بجميع اللغات، وتنسيق الاتصال بين المراكز المختلفة التي تُعنى بهذا الشأن، وتوفير المراجع والوثائق للدعاة في كل مكان.
وأما البداية وسنة التأسيس فتحتاج الانطلاقة فقط إلى مليون ريال بعد الضغط الشديد والاقتصاد، وإذا أردتم أن أضرب لكم -مثلاً- كم يحتاج طباعة الكتاب باللغة الإنجليزية، ونحن قد بدأنا في هذا والحمد لله، والمترجم أخ أمريكي مسلم، درس اللاهوت في بلاده، ثم هداه الله للإسلام وتعمق فيه والحمد لله، وأصبح يفهم كلام شَيْخ الإِسْلامِ فهماً جيداً، وقد كدت أن آتي به لكن كان الحجز والوقت غير مناسب، والآن بدأنا به باللغة الإنجليزية لنجعلها أصلاً، ثم بعد ذلك يستعين بها من يترجم إلى غيرها مما هو قريب منها من اللغات اللاتينية.
إذا أردنا أن نطبع خمسمائة ألف نسخة، وعدد المجلدات ستة مجلدات تقريباً، وتكلفة المجلد الواحد يساوي تقريباً عشرة ريالات، فمعنى ذلك أن ترجمته إلى الإنجليزية فقط، يكلف ثلاثين مليون ريال، وإذا أردنا الإنجليزية والفرنسية فتكون ستين مليون ريال، وقس على ذلك بقية اللغات، وقد عرضنا الموضوع على مشايخنا الكرام، فأيدونا كل التأييد وهذا تأييد سماحة الشيخ عبد العزيز ﵀، ومما قاله فيه عن الكتاب: 'والعمل عظيم، ونافع للمسلمين وغيرهم -كما تقدم- والكتاب عظيم ونفعه كبير، والمؤلف معروف لدى العلماء وغيرهم، بإمامته وعلمه الغزير، وقيامه بالرد على طوائف المشركين والمبتدعة ﵀ رحمة واسعة- وأسأل الله أن يضاعف لكم المثوبة إنه جواد كريم'.
وأيضاً شيخنا: الشيخ محمد العثيمين زكى المشروع وقال: 'قرأت كتابكم المتضمن ترجمة كتاب شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ الجواب الصحيح، ولا شك أن نشر مثل هذا الكتاب فيه فائدتان: إحداهما: دفع الشبهات التي قد يظن بها من يظن من المسلمين، والثانية: بيان الحق لمن أراد الله تعالى هدايته من النصارى إذا قاموا صادقين ونظروا بعين العدل والإنصاف، وهم إذا اهتدوا إلى الإسلام وكانوا من أهله فيرجى أن يؤتوا أجرهم مرتين -ثم يقول:- وأنا أؤيد مشروعكم هذا لما فيه من الخير الكثير والنفع العميم، وفقنا الله وإياكم لما فيه رضاه ونفع عباده' وشكر الله لفضيلته.
والحقيقة أن الشيخ محمد هو أول من تبرع نقدياً لهذا المشروع جزاه الله خيراً، وأما سماحة الشيخ عبد العزيز فتعلمون ولا يخفى عليكم أيضاً كرمه، فإنه كتب لبعض التجار ويريد أن يجمع مبالغ تودع لذلك يقدمها لنا، فكتب باسمه ﵀ إلى عدد من التجار والأعيان والمسؤولين وكل من يرى أن يكتب له؛ ليجمع المبلغ لما رأى أنه بهذه الضخامة، ولا شك أن المشروع يحتاج إلى الجهد العلمي وإلى الجهد المادي، وإلى التعاون من جميع جوانبه من الإخوة الكرام المسلمين في كل مكان.
стр. 412
جهود التنصير في الجزيرة العربية
الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً، ولم تكن له صاحبة، ولم يكن له شريكٌ في الملك، والحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجا، وأمره بأن يقول للذين جعلوا لله ولدا: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾ [آل عمران:٦٤].
وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وحطم الأصنام وقضى على الطواغيت ورفع راية التوحيد, وأعز الله ﵎ به ملة إبراهيم ودين إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط الذين كانوا جميعاً لا يعبدون إلا الله، ولا يؤمنون إلا بالله وحده لا يجعلون له صاحبة ولا ولدا.
ثم أما بعد: فإن الموضوع الذي نريد الحديث عنه في هذا الدرس -نسأل الله ﵎ أن يوفقنا في ذلك، وأن يتقبل منا ومنكم- هو تكملة لحلقة تقدمت عن هذا الكتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، وما منكم إلا ويعلم أن هذا هو عنوان الكتاب العظيم الذي ألفه وكتبه الشيخ الإمام العلامة المجاهد شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية , رحمه الله تعالى ورضي عنه وأرضاه وجزاه خير الجزاء على ما قدم لهذه الأمة من جهود في كل ميدان من ميادين العلم، وما رفع الله ﵎ به من رايات الحق، وما نكَّس بكتاباته وبعلمه من رايات الباطل، وهذه هي الحلقة الأخيرة في هذا الموضوع.
وإن الموضوع أو المشروع الذي نتحدث عنه في هذا الدرس هو منكم وإليكم, وتعلمون جميعاً أننا قد ذكرنا أكثر من مرة أن كل أخ لديه أي اقتراح أو فكرة لمقاومة التنصير ومجابهته فليتقدم بها, وقد جمعت بالفعل, وقد أفدت منها فائدة عظمى, وأشكر كل أخ بذل جهده وكتب لنا شيئا من ذلك، وأشكركم جميعاً على تعاونكم وعلى غيرتكم في هذا الشأن، وانبثاقاً وانطلاقاً من واقع نعلمه ونشهده هنا من أعمال التنصير وجهوده ومما اقترحتم وكتبتم -وفقكم الله جميعاً- كان هذا المشروع وبرز, وسوف نحدثكم عنه إن شاء الله في آخر المحاضرة.
стр. 413
تحريف الدين النصراني
إننا نواجه غزواً فكرياً وسلوكياً عظيماً جداً يقوم به هؤلاء الوثنيون، يدَّعون الإيمان بالمسيح ﵇ وهم منه براء, وهو منهم بريء يجعلون لله ﵎ ولدا، ويقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] ويقولون: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:١٧].
واتخذوا المسيح وأمه إلهين من دون الله، فهذه العقائد الوثنية المرفوضة، والتي بيَّن علماء الأديان والمؤرخون قديماً وحديثاً أنها ليست من عند الله ﵎ في شيء وشهد بذلك كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فالبحوث جميعاً تُجمِع على أن ما يعتقده هؤلاء هو من بقايا الوثنيات السابقة التي أدخلها عليهم بولس الذي كان يسمى شاؤل اليهودي، فغير الدين الذي جاء به المسيح ﵇، ومع ذلك فإنهم مع شركهم ووثنيتهم وإلحادهم وسبهم لله ﵎ وقولهم فيه ما لم يقله أحد إلا من شابههم من قبل من المشركين الأولين -مع ذلك كله- فإنهم أشد الأمم في الأرض اليوم حرصاً على نشر هذا الدين الباطل.
وأعجب من ذلك أنهم أشد ما يكونون نشراً له وحرصاً على تبليغه في بلاد المسلمين، بين المؤمنين الموحدين الذين يشهدون: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ , وهم يريدون هذه البلاد بالذات.
стр. 414
جهود التنصير قديماً
وأذكر عن جهودهم في تنصير العالم الإسلامي أمثلة عابرة، وسوف ينصب الحديث عن جهودهم في تنصير هذه الجزيرة بالذات، ومدينة جدة على وجه الخصوص، فمتى بدأ هذا العمل؟ من الناحية التاريخية: نجد أطماعهم قديمة للدخول في هذه البلاد، ففي أيام الحروب الصليبية حاولوا ذلك مراراً, وأوضح مثالٍ على ذلك أن إحدى الحملات الصليبية في أيام صلاح الدين ﵀ استطاعت أن تدخل إلى ميناء ينبع , ومن هنالك اقتحم بعض أفرادها الجبال وتوغلوا فيها، وحاصرهم المسلمون، وأُبيدوا عندما وصلت طائفة منهم قرب مدينة رسول الله ﷺ , وكان غرضهم إغاظة المسلمين، بنبش قبر رسول الله ﷺ وإحراق جثته قاتلهم الله وقبحهم، ولكن خيب الله فَأْلَهُمْ وظنهم.
ومن هنا انصب اهتمام صلاح الدين ﵀ على تقوية الموانئ الإسلامية على البحر الأحمر بجانبيه الشرقي والغربي، وينتهي عهده، ويأتي بعد ذلك بأمد عصر المماليك، وتبدأ أوروبا تفكر في الالتفاف حول العالم الإسلامي عن طريق الكشوفات والرحلات التي ابتدأها البرتغاليون، ومن هنا ظهرت لهم فكرة جديدة، وهي الدخول إلى جدة واحتلالها، ومن ثم اقتحام مكة والمدينة.
وقد حاول البرتغاليون ذلك في زمن المماليك ثم في زمن الدولة العثمانية، ولكن الدولة العثمانية تصدت لهم، وهذا من أعمالها المشكورة في التاريخ، ولما عرفت هذه الأطماع أعلنت أن البحر الأبيض المتوسط كله بحيرة إسلامية، وأن البحر الأحمر كله بحيرة إسلامية، ومنعت دخول السفن والبواخر النصرانية في البحر الأحمر من أوله إلى آخره، ووسعت ميناء عدن، وجعلته مقراً لاستقبال كل البواخر التي تقدم من أوروبا وغيرها للنصارى، وآخر مدى يمكن أن تصل إليه سفنهم هو ميناء المخا في اليمن جنوب الحديدة، ولا يمكن أن يتعدوا ذلك شمالاً؛ بل يفرغون حمولتهم في سفن إسلامية تحملها إلى جدة أو ينبع أو السويس حتى لا يقربوا البحر الأحمر بتاتاً.
وكذلك عملت الدولة العثمانية على ألا يدخلوا الخليج مطلقاً, فبذلك استطاعت أن تحفظ الجزيرة بحرياً، لأنهم لم يستطيعوا في ذلك الحين أن يدخلوها أو ينفذوا إليها.
وظل هذا العمل حتى سقطت الدولة العثمانية، وجاء الاستعمار الذي خلفها، وجاءت الحملات الصليبية تحت رايات الاستعمار الجديد, وحينئذٍ عادت إلى أذهانهم فكرة اقتحام هذه الجزيرة، وهذه الأماكن المقدسة، وجاء المُنَصِّر المشهور الذي لا يخفى اسمه على أحد في عالم التنصير والذي باسمه اليوم تسمى كليات ومعاهد في التنصير في أمريكا وغيرها وهو زويمر، فجاء بالفكرة وأحياها، وأراد أن يتخذ من جدة مقراً له في أواخر الدولة العثمانية, وفي ظل الحكم البريطاني الذي كان يدعي المهادنة والمصادقة للدولة العثمانية، فلم يستطع الإقامة في جدة؛ لأن هذه البلاد من طبعها في تلك الأيام أن ترفض كل من لا يدين بالإسلام، ليست الحكومات بل الشعوب، وعلم أن كثيراً ممن جاءوا إلى هذه الجزيرة من قبله قد قتلوا ورجموا, فرجم بعضهم في اليمن , ورجم بعضهم في نجد , ورجم بعضهم في الحجاز، ولم يستطع أحد أن يدخل هذه الديار إلا من تزيَّا بزي المسلمين، وادعى أنه اعتنق الإسلام ودخله, وكثير من هؤلاء دخلوا تحت شعار وستار اكتشاف جزيرة العرب.
ولكم أن تقرءوا الكتاب المعروف الذي حققه وأخرجه حمد الجاسر بعنوان (اكتشاف جزيرة العرب) يعتبرون ذلك اكتشافاً، منهم بلجراف وهوجارث، ومنهم كذلك امرأة تدعى جروترد بل وكانت نائبة للمندوب السامي في العراق , وأمثالهم ممن كانوا يجمعون بين الجاسوسية والتنصير تحت شعار التنقيب عن الآثار.
وكان زويمر يعلم أن من تقدموه لقوا حتفهم ولاقوا مصيراً غير حسن, فبدأ عمله في البحرين، وقال كلمة مشهورة، قال: 'عن طريق الخليج نستطيع الوصول إلى الحجاز ' فبدأ العمل في البحرين، وأسس هنالك مركزاً للتنصير الذي لا يزال إلى اليوم من أكبر أوكار التنصير في جزيرة العرب، وكانت تحت حكم الإنجليز، فبدأ زويمر هنالك عام (١٩٠٥م)، ثم عقد في عام (١٩١٠م) مؤتمر أدمبره في بريطانيا، وهو مؤتمر ضخم مشهور كبير جداً، وكان من أهم المواضيع التي عقد من أجلها كيفية الدخول إلى الحرمين واقتحامهما، وأعاد زويمر في المؤتمر الفكرة وطرح الموضوع وقال: لا بد من ذلك، واقترح لذلك أن ينشأ تحت الانتداب البريطاني وفي ظله معهداً خاصاً للتنصير في جدة، لأنها كما قال: بوابة مكة والمدينة؛ ولكن المشروع أيضاً تعثر، وكانت الأحداث التي جاءت من بعده وهي الحرب العالمية الثانية جديرة بأن لا يفتح وينفذ هذا المشروع، ولكن العمل استمر في الجانب الآخر -أي في الخليج - فأنشئوا في الكويت وأنشئوا في الموانئ التي تسمى الآن دولة الإمارات مراكز تنصيرية، وكذلك في البصرة في جنوب العراق.
فكانت جدة كما ترون هي محط أنظار هؤلاء، ولكنهم لم يستطيعوا أن يصلوا إليها في ذلك الحين، فبقيت لديهم محفوظة في قلوبهم، لكنهم لم يستطيعوا ذلك عملياً إلا عن طريق السفارات أو القنصليات؛ أما الوسيلة التي اتخذوها للتنصير في الخليج، فكانت قوية وفعالة، وكان من أعظم الوسائل في ذلك أنه عندما تفجر النفط في المنطقة الشرقية، جاءت الشركات الأمريكية الأربع، التي وحدت باسم أرامكو.
وعندما جاءت أرامكو جاء معها المنصرون والمستشرقون، بل إن الذي أبرم العقد أول الأمر وجاب المنطقة كان مستشرقاً يتكلم اللغة العربية، ودرسها في بلاد الشام مع الإرساليات التنصيرية، فهو من المستشرقين، والشريط الذي توزعه شركة أرامكو عن تاريخها ونشأتها يظهر فيه ذلك بوضوح.
ولما نزلت أرامكو بَنَتْ أكبر مستوطنة تنصيرية في العالم، وإلى الآن لا يوجد أكبر منها، وتبلغ مساحتها حوالي ١٦٠ كيلو متر مربع، ولها منفذ على البحر، ولا يستطيع أحد أن يدخل إليها إلا من يريدون، وكانوا يمارسون كل شعائر دينهم كما يريدون، ويخططون كما يريدون، ولا أستطرد في ذلك، لكن أذكر لكم مثالاً واحداً مما عملته شركة أرامكو أول ما نزلت، وهو يبين أنها لم تكن مجرد شركة بترول، وذلك أنها أرسلت مندوبيها لجمع المخطوطات، فكانوا يتجولون في المساجد: في المنطقة الشرقية , وفي الرياض , وفي القصيم، وفي مناطق أخرى، حتى جمعوا كل ما وجدوه في المساجد أو عند بعض الأشخاص, وشروا المخطوطات بثمن بخس، وجمعت جميعاً في مكتبة أرامكو في الظهران، وأرسل بعضها إلى مكتبة الكونجرس في أمريكا ولا تزال هنالك، فهي شركة ذات عمل مزدوج، وكان لأتباع زويمر والقائمين على منهجه اليد الطولى في أن تظل مستوطنة كبرى لهم، ينفذون من خلالها إلى الخليج كله، وتحت ستار وشعار البترول، لكنهم يعملون في حذر شديد جداً، وبشكل سري لا بشكل مكشوف؛ لأنها وصية بولس لهم، عندما كانوا في ظل الاضطهاد الروماني، قال لهم بولس في رسائله: 'إذا عجزتم أن تكونوا وعّاظاً، فكونوا من صانعي الخيام' فاذهبوا إلى القرى والأرياف، وكأنكم تصنعون الخيام وتبيعونها، وعظوهم بهذا الدين ومن هنا أصبح المصطلح المشهور عنهم، وهو صانعو الخيام، أو الخيامون.
وليست الخيام وحدها، بل أي عمل, أو أي حرفة, أو أي مهنة فهي داخلة تحت وصية بولس، فدخلوا بهذا الاتجاه، ولذلك اسألوا أي موظف من قدماء الموظفين في الشركة، كانوا يحرصون على النصراني، إن كان مصرياً أو سورياً أو ليبياً أو عراقياً قبل أي عربي غير نصراني، حتى في الهند تجد أن كثيراً من موظفي أرامكو الهنود نصارى, رغم أن النصارى في الهند لا يشكلون إلا واحداً بالمائة من السكان، لأنها شركة تنصيرية، ومكتبها في نيودلهي يشترط بأن يكون المتقدم نصرانياً في الدرجة الأولى.
كانت هذه هي المركز الوحيد, حتى شاء الله تعالى وجاءت الطفرة الهائلة في هذه البلاد جميعاً, والقفزة العمرانية, والتوسع الكبير في الحياة الدنيا ومباهجها, ومفاتنها، وهي نعمة لا شك والحمد لله على ذلك، لكنها في جانبها الآخر نقمة.
стр. 415
جهود التنصير حديثاً
عندما جاء عام (١٣٩٥هـ) بعد ارتفاع أسعار النفط، وما بعدها من الأعوام، بدأ الناس يتوافدون على هذه البلاد من جميع الأقطار, وفتحت الأبواب على مصراعيها؛ مع أنهم كانوا من قبل كذلك, لكن الانفتاح الكبير إنما حدث بعد هذا التاريخ، وكان أكبر مقر وأكبر مركز لهذا الانفتاح هو مدينة جدة بالذات، فسكنوها بمختلف الأديان والألوان والأجناس، حتى أصبح المسلم غريباً فيها، ولا أحد منكم إلا وهو يذكر ذلك، وإلى الآن هناك أماكن كثيرة من جدة أنت غريب فيها، لكن قبل بضع سنوات كنت إذا مررت في شارع قابل، أو شارع الملك عبد العزيز أو غيرها، ورأيت إنساناً يلبس شماغاً، فإنك تراه غريباً بينهم؛ لأنهم كانوا أكثرية، وجاءوا بتخطيط عميق وبعيد المدى، ومن هناك بدءوا يعملون في أكثر من مجال، لم يعد في إمكاننا أن نحصر المجالات التي بدأ التنصير يعمل أو يشتغل فيها, سواءً على الطريقة المكشوفة, أي: طريقة الدعوة السافرة الصريحة إلى دينهم، أم على طريقة الخيامين التي هي الدعوة المبطنة المتسترة التي تدخل إلى الناس وهم لا يشعرون، والتي من أساسياتها أن يخرج المسلم من دينه، هذه المرحلة الأولى, ثم بعد ذلك يدخل الجيل الثاني أو الثالث في دين النصرانية، لكن الجيل الأول مهمتهم معه أن يخرج من الإسلام وينسلخ منه, ويتزيا بزي الحضارة الغربية ظاهراً وباطناً.
وعندما توسع وانتشر هذا أصبح المسلم يحار! وأصبح في غربة! لا يدري كيف يقاوم هذا؟! لا يدري ماذا يفعل بهؤلاء الناس؟! فكثير منا أطرقوا رءوسهم, وقالوا: لا حرج في هذا وكثير لم يهتموا بالموضوع, لأن همهم هو الدنيا، حتى إن البعض إذا قيل له: لِمَ لَمْ تأت بعمال من المسلمين, يقول: يهمني إنجاز العمارة، أو المشروع، والمسلمون يصلون ويعتمرون وهم يتأخرون في العمل, لكن هؤلاء جادون في العمل!! فأهم شيء عند كثير من الناس الدنيا! وأصبحت الدنيا عندهم أعظم من الدين! والعياذ بالله، وصدق فينا قول النبي ﷺ : ﴿دينار أحب إلى أحدهم من صلاته﴾ وفعلاً صارت هذه القاعدة في تلك الأيام، ولا يزال لها أثر إلى اليوم، فتوغلوا في كثير من مجالات الحياة قبل أن تفيق الصحوة الإسلامية وتبدأ تمارس بعض المجالات الدعوية التي شهدتموها جميعاً, والحمد لله.
وعندما تأتي للدعوة إلى الله في هذا البلد, وقد قرأت في الكتب عن التنصير وأعماله، تفاجئ وأنت ترى هذه الأعمال أمام عينيك مكشوفة وواضحة في قطاعات كثيرة!! حتى إنني فكرت مرة, وقلت: لماذا لا نعرض على الإخوان بعض الإحصائيات عن الشركات التي يديرها نصارى؟ ثم قلت لنفسي: قد نكون بهذا العمل مثل الذي يعد نجوم السماء أو يعد موج البحر! هل أستطيع أن أحصي الشركات في جدة وحدها التي يديرها ويرأسها بالكامل مدراء نصارى، ولا يوظفون إلا نصارى، ويمنعون الشاب المسلم أو العمال المسلمين من الصلاة؟! لا أستطيع ذلك أبداً!! رغم ما جمع لدي من حقائق في هذا، فقلت: لا يمكن أن نستطيع ذلك، ولا نضيع وقت الإخوان بالحديث عنهم, أو ذكر أسمائهم أو أعمالهم أو وظائفهم, لكنها موجودة ومعروفة؛ إنما الذي يمكن في الجملة أن نشير إليه هو أوكار التنصير.
стр. 416
أوكار التنصير
فمن أوكار التنصير المستشفيات: وهي كثيرة جداً في جدة كما تعلمون، منها المستشفيات العسكرية, التي تديرها شركات من هؤلاء القوم، ومنها المستشفيات الحكومية العامة، ومنها: المستشفيات والمستوصفات الخاصة.
وهذا القطاع من أخطر القطاعات، وأين ما ذهبت فتجدهم فيه ظاهرين، وتجد أعمالهم إن كنت منقباً وكان لديك عينان كما في المثل: من كان له عينان نظر بهما رأيت في كل هذه المستشفيات أعمال التنصير ماثلة للعيان، ولا داعي للتعديد أو للتفصيل، ولعلنا نذكر نموذجاً واحداً وهو الذي تذكرونه في الدرس كما نبهنا عليه، وقلنا: نرجو أن نجد من ينكر لجرأتهم ووقاحتهم، أعني المنصرين فيه، وهو مستشفى الملك عبد العزيز، ولم يحدث شيء من ذلك، فأحببت أن أذكره كمثال فقط: المنصرون -زعماء التنصير- في مستشفى الملك عبد العزيز: ١ - د: صارفو: أخصائي النساء والتوليد: وهو قسيس وداعية للتنصير، وتعرض بدعوته لبعض المسلمين صراحة، فدعاهم إلى الإيمان بـ النصرانية صراحة، وهو يقيم في منزله وبالاشتراك مع أصحابه اجتماعاً تنصيرياً باسم الإخوة، أو الإخوان، يجتمعون فيه لمدارسة شئون التنصير في المستشفى, وفي هذا البلد، يرافقه ويعاونه: ٢ - د: بنكولي: أخصائي جراحة الأطفال، وهو يجتمع مع د/ صارفو، وزوجة الدكتور/ بنكولي تحمل على صدرها لافتة مكتوب عليها بالإنجليزية ما معناه: أنا أحب المسيح، وهذه الشعارات تباع في المستشفى ولدينا نماذج منها، وتباع ملصقات في السوبر ماركت أو السوق الصغير في المستشفى، وفيها شعارات ملصقة عن المسيح وما أشبه ذلك، وموجود منها نماذج معي أيضاً.
٣ - د: لايث: أخصائي المسالك البولية، انظروا الاختصاصات! توليد، أطفال، مسالك؛ لأنهم يريدون من وراء ذلك شيئاً، ولا أظن أنه يخفىعلى واحد منكم، ما حصل منه في التعقيم الذي ثبت في عدة حالات وفي عدة مستشفيات؛ وهذا الطبيب لايث، كان هو وزوجته في إيران ثم في البحرين، وقد استطاعت زوجته أن تنصر أربعة من المسلمين في البحرين، ثم ذهبوا إلى جنوب إفريقيا، ثم جاءوا إلى جدة، والزوجة نشطة جداً أنشط من الزوج، فأرادت أن تعمل في مدرسة خاصة من أجل أن تنشر هذا الدين، فاستطاعت أن تتعاقد مع دار الحنان، لتدرس اللغة الإنجليزية، المحببة لدى الجميع, والتي يراد أن تكون من الابتدائي, فتحت شعار اللغة تأتي هذه المرأة التي تدعى هيلين، وتدرس في دار الحنان، ومن هنالك بدأت في أعمالها التنصيرية مع الأطفال، حتى إنها تحرص على تعلم اللغة العربية، وإقامة علاقات قوية جداً مع العاملين والعاملات في المدرسة أو في خارجها، وتأتي بأفلام تنصيرية، أو دعاية للتنصير معها، ومن الأطفال الذين تهتم بهم: أسرة إنجليزية مسلمة, يرجع الأطفال إلى أمهم المسلمة, ويسألونها: لماذا لا يوجد عندنا إنجيل مثل كتاب أولاد هيلين؟! ولماذا -يا أماه- ليس عندنا صورة لعائلة الرب مثل هيلين وأبنائها؟!! وهذا دليل على أنها ناجحة ونشطة في عملها هذا، وغير ذلك كثير ولا نطيل بذكر الأمثلة.
والمهم أن المستشفيات هي أحد أوكار التنصير، ولهم أكثر من هدف في ذلك، وقد عملوا في عدة مناطق، وثبتت قضايا تعقيم قام بها أطباء أقباط، كما ثبتت أيضاً قضايا أخرى، ومنها محاولة تنصير بعض العوام من سكان المناطق النائية، ولولا أن الله تعالى قدر لتنصرت أسرة مسلمة بأكملها في إحدى المناطق، لا نريد أن نذكرها، وبعضكم يعرفها، ولا حول ولا قوة إلا بالله! أيضاً: المدينة الصناعية، وما أدراك ما المدينة الصناعية! - المدينة الصناعية التي في إحدى مصانعها بني مسجد وظل سنتين، والعمال المسلمون بجواره لا يستطيعون أن يصلوا فيه، ولا نسمي لكن القضية معروفة.
يوجد بها -كما قيل- عشرون ألفا أو ثمانية عشر ألفاً أكثرهم نصارى، من العمال والمهندسين ومن الخبراء إلى آخره، يسكنون فيها، ويقومون بتنصير من يعيشون معهم من البوذيين وأشباههم، فيأتي البوذي بوذياً ويرجع نصرانياً، واكتشفت عدة شبكات للتنصير في المدينة الصناعية، بعضها إيطالي كاثوليكي، وبعضها يتبع الجمعيات البروتستانتية الأمريكية، وبعضها الأرثوذكسي.
من الأوكار أيضاً: - جامعة الملك عبد العزيز , وقد تكلمنا عن هذا الموضوع، وقد وصلتنا الأدلة والإثباتات على ذلك، والمعاملة ذهبت ولا تزال تدور ولا ندري متى تنتهي، لكن هناك حقائق عن أعمال التنصير بين العاملات والعاملين في الجامعة من الفلبينيين وغيرهم، وبكل برود وعدم اكتراث، وعدم اهتمام, يبارك لهم رسمياً بأعياد الميلاد ويهنئون بها، بل ربما يحضر البعض حفلاتهم في ذلك ولا يبالون بشعائر دينهم!! - الخطوط السعودية، وهي وكر من أوكارهم، وأذكر لكم مثالاً واحداً فقط: الخطوط السعودية تعطي إعفاءات للأعمال الخيرية، وهذا شيء طيب في الحقيقة، لكن بعض الطيارين الأمريكان يجمعون من هذه البلاد التبرعات ويحملونها مجاناً في طيارات الخطوط السعودية، فإذا نزلوا في باكستان أو بنجلادش، أوصلوها إلى منظمة تنصيرية تستقبلهم في المطار أو يذهبون إليها، وهذا أيضاً ثابت، وتحدثنا عن هذه القضية فيما مضى، فلا نطيل وإنما قصدنا التمثيل، ويضيق الوقت عن الاستطراد.
- المدارس الخاصة -وهذه أمرها عجيب- ففي بعض المدارس الخاصة ثبت لدينا وتواتر أنها تقوم بنشاط تنصيري مكثف، بمدرسات أمريكيات ولبنانيات وغيرهن، وأنهم يقومون جميعاً بأعمال لا منهجية: نشاطات خارج المنهج، ورحلات إلى البحر يومين أو ثلاثة أيام، ورحلات إلى مناطق أخرى، ومن خلالها يربون الأولاد والبنات على الأفكار التنصيرية تدريجياً.
كذلك هناك معاهد التدريب، ومعاهد اللغات, ومعاهد الكمبيوتر, إلى آخره, وهي كثيرة.
ولدي وثائق وحقائق عن كثير منها، تنتشر في جدة، ويذهب إليها الناس ليتعلموا اللغة العربية، أو الكمبيوتر، أو دورة إدارية، أو ما أشبه ذلك.
وإنما يسيرون وفق خطط تنصيرية محددة الأهداف، ومبرمجة تماماً، والمناهج تدل على ذلك، والأسلوب يدل على ذلك، وسلوك المدرسين أو المدرسات يدل على ذلك، وفي النهاية يخرجون بثمرات واضحة ولا شك فيها، ولو لم يكن منها إلا الخطوة الأولى كما يقولون وهي: إخراج المسلم من دينه، ثم بعد ذلك الجيل الآخر يدخل في دينهم، وهنا تلتقي العلمانية والتنصير، أو جهود التغريب وجهود التنصير، فالتغريب خطوة إلى التنصير؛ ولذلك تتعاون المؤسسات والشبكات التنصيرية في جميع أنحاء العالم مع الحكومات, والمستعمرات، ومع وزارات الخارجية، ومع الاستخبارات الغربية؛ لأنهم يعتبرون أن هذا مقدمة لهذا, وأن هذا مصير إلى هذا، وكتاب (التبشير والاستعمار) وإن كان قديماً، لكنه مثال لعملهم الذي تطور فيما بعد وارتقى, وخاصة بعد مؤتمر كولورادوا الشهير الذي أصدر الكتاب المترجم الذي رأيتموه, الكتاب الضخم والذي لا بد أنكم اطلعتم عليه، ولديهم مؤتمر ضخم سيعقدونه بعد حوالي ثلاثة أشهر أو أربعة، لإتمام ما عقدوا من قبل.
- كذلك الأسواق والتجارة: وهي من أهم المنافذ التي ينفذون منها فهم خبثاء جداً، يهمهم أن يرتفع شعار الصليب على المباني, والرخام، وعلى صدور الشباب في الملابس, وعلى صدور النساء، في حِلق الأذان, وفي الأقلام، وفي أي شيء، صورة المسيح المصلوب كما يزعمون، أو على الأقل الصليب وحده, يهمهم أن تنتشر في كل مكان؛ لأن هذا يهيئ الأذهان للتنصير مستقبلاً.
وكذلك عن طريق الوكالات التجارية, وعن طريق البضائع, وعن طريق كثير من هذه المنافذ يدخلون أيضاً إلى عقول المسلمين ولا سيما المرأة.
стр. 417
الأوساط التي يعشعش فيها التنصير
وللتنصير مجالات كثيرة فمنها:
стр. 418
النساء
المجمعات السكنية: وكما تلاحظون في جدة مجمعات ضخمة, لا يدخلها أحد غيرهم, وهم يريدون ذلك، فمن خلال الباب لا يدخل أحد, وأما في الداخل فإنهم يفعلون كل شيء, حتى التنصير, حتى المخدرات, وكل أنواع الفساد، والذي يُدخلونه ممن يثقون فيه، فيدخل ويشاركهم في مثل هذه الأمور والعياذ بالله، وهي مجمعات كثيرة، بعضها تسمى قرية, وبعضها يسمى مجمع إلى آخر ما تعلمون، وهي في أماكن كثيرة من جدة، لا يتسع الوقت لحصرها.
وأضرب لكم مثلاً على دخولهم إلى عالم المرأة, لأنهم يعلمون أن كل امرأة تحتاج إلى الطبيخ, لأنه عمل النساء, خاصة في مجتمعنا هذا -والحمد لله- وأي بيت يريد أن يطبخ, فإنه لا بد له أن يحتاج إلى الزيت، وعن طريق زيت عافية -كما يسمونه- أرادوا أن يدخلوا إلى أسرار البيوت التي لا يعرفها أحد، فأنا وأنت لا نقدر أن نعرف ما اسم زوجة جارنا في الشقة, وما عملها, وكم عمرها, لكنهم وعن طريق نشرات بعنوان (عالم عافية للسيدات) التي وزعوها, ونشروها، استطاعوا أن يعرفوا الاسم, والعمر, والعنوان، والعمل, والهواية, ثم بعد التعرف تبدأ لقاءات في مطعم كذا أو في فندق كذا، ثم بعد ذلك الحديث عن التسريحات, وعن الأصباغ, وعن الفنون, ثم بعد ذلك القيام بالرحلات للخارج, وهنالك تستقبل عن طريق المنصرات, وهكذا! عمل بطيء ولكنه أكيد المفعول لإفساد المرأة المسلمة.
стр. 419
الأطفال
أما كيف يدخلون عالم الأطفال؟ فمن خلال هذا المثال -وسأضرب صفحاً عن الأمثلة المتعلقة بكبار السن، وكتب المرتدين التي توزع وأتكلم فقط عما يعملوه للأطفال- أحد أعمالهم هذه المجلة التي تسمى الأشبال.
مجلة الأشبال هذه, إذا تأملتها فإن أول ما تجد في الداخل، هو اسم الجلالة, كما هو مكتوب عادة عندنا في المساجد، فتظن أنها مجلة إسلامية، وكلمة (الأشبال): كلمة عربية, فتقول: هذه مجلة لأطفال المسلمين، ثم إذا بدأت تقرأ فيها تجد الموضوعات الأولى تتحدث عن خلق الله, وعن حياة النمل, وكيف يمكن للطفل أن يقوم ببعض التجارب مع النمل، فهي مسلية ومضحكة، فينجذب الطفل لمتابعة هذه المجلة، ثم بعد ذلك ينتقل إلى موضوع عن الصداقة والأصدقاء، وتقول: هذه الفقرة يحتاجها الشباب، ثم يتحدث عن قصة طويلة تشرح موضوع الغيرة بين الأطفال، وهذا موجود بين الشباب في العلاقات، هذا يصاحب هذا وهذا يعارض هذا، ثم يختتمون فقرات المجلة بقولهم: إن كلمة خالدة من كتاب الله الكريم فانتبهوا إلى قولهم: من كتاب الله الكريم، وما قالوا: الإنجيل، فأي طفل يقرأ هذا الكلام فسيظن أنه في القرآن، وكم رأينا من أناس يقولون: قال الله, ثم يأتي أحياناً بحكمة، ويأتي أحياناً بحديث! ويقول قال الله، فكيف بالأطفال؟! يقول: 'إن كلمة خالدة من كتاب الله الكريم، تنفعك لمثل هذه الظروف، من يكثر الأصحاب يخرب نفسه, ولكن يوجد صديق أقرب من الأخ, إن اسم هذا الصديق هو عيسى' ولا يقولون: هو ابن مريم, بل يكتفون بكلمة (عيسى) فيتساءل هذا الطفل عن عيسى هذا, من هو؟ من هذا الذي هو أقرب إليّ من جميع أصدقائي؟ وإذا سأل والديه فليس لهم وقت يرشدونه فيه.
وقد يفتح إذاعة أحياناً, كإذاعة مونتكارلو، ساعة الإصلاح، فإذا بها تتحدث أن عيسى هو الذي صلب من أجلنا, وخلصنا, وأنقذنا، فيتذكر أن هذا هو الذي يجب علي أن أصاحبه.
وهكذا, والمهم أنهم أثاروا في ذهنه قضية مهمة من خلال أصدقائك الذين تغار منهم أو يغارون منك.
وبعد ذلك يكتب عن موضوع (إنه حيران) موضوع الحيرة وكيف يمكن أن تحل حيرته، ثم يأتي بقصة، والقصة كما تعلمون مصورة كعادة مجلات الأطفال، ويبتدئون كتابتها بخط كبير.
فيقولون فيها: 'ذات مرة جاء واحد من علماء الدين -لاحظوا أنه لم يقل راهب أو قسيس كما هو في أصل القصة- إلى عيسى -وأيضاً ما قال ابن مريم-.
وسأله: يا معلم, ماذا أعمل لكي تكون حياة الخلود من نصيبي؟ فأجابه عيسى: أحب الله, وقريبك.
لكن هذا الرجل عاد وسأل: من هو قريبي؟ ' فأخبره عيسى بهذه القصة.
ثم يأتون بقصة، تصور وتشرح على أنها حكاية بين عالم الدين وبين عيسى، وهي قصة تنصيرية، غايتها وخلاصتها الرحمة والشفقة بالفقراء والضعفاء.
ثم بعد ذلك يعرضون في مجلة حقائق عن بلادنا: البلد: جمهورية موريتانيا الإسلامية الموقع: , اللغات: إلخ.
ثم يقول: في القرن الثامن الميلادي فتحها العرب، وفي سنة (١٩٠٢م) أصبحت مستعمرة فرنسية، ثم حصلت على استقلالها سنة (١٩٦٠م)، إذاً يقول: العرب فاتحون ومستعمرون، ولا نجد للإسلام أي ذكر.
بعد ذلك نجد -وهذا هو بيت القصيد- صور الأطفال الذين يراسلون هذه المجلة، وبعضهم لم يرسل الصور، والأطفال هم من المغرب، والسودان والجزائر، ومصر، وتونس، ونيجيريا، والأردن، وسوريا، واليمن، وعُمان، والسعودية، والكويت.
فيراسلونهم وتنشر صورهم هاهنا، وفي الأخير يكتبون إعلاناً مهماً مضمونه: أننا نعرف أن الكثيرين من أصدقائك سوف يتمتعون ويستفيدون إذا حصلوا على مجلة الأشبال، وأنت تستطيع مساعدتهم بالحصول عليها بواسطة إرسال خمسة أسماء من أصدقائك إلينا، مع عناوينهم وأعمارهم وصورهم إذا استطعت، ثم يرسلونها إليهم على عناوينهم، ولا يدري الطفل من أين جاءت إليه، وتأتيه بالمجان، ثم بعد ذلك يقولون له: هل لديك أية مشكلة؟ أو تفتش عن حل؟ نحن بعون الله تعالى وحده نعينك على هذا فاكتب لنا, ونحن نعينك على الحل أيضاً.
ويعرضون -أيضاً- في المجلة كلمة (لأشبالنا): 'تستطيع أن تتعلم الكثير عن الصداقة الحقيقية من خلال سيرة سيدنا عيسى المسيح' الآن بدأت كلمة سيدنا المسيح! في آخر المجلة!! في الأول: مذكور "عيسى" فقط وثم رجل دين، أو واعظ يعظ رجال الدين، بعدها سيدنا عيسى المسيح، وهنا يضع لك مبادئ ونقاطاً معينة، كيف تستخرج الصداقة والعلاقة منها، لكن من خلال سيرة سيدنا عيسى المسيح، وهنا بعض المبادئ عن الصداقة يمكنك أن تتعلمها من سيرته العطرة، ثم يذكر لك المثال.
وحقيقة إننا نريد أن نُذكر بأنواع وألوان هذا الغزو الذي تغلغل في عقول أطفالنا, ونسائنا, وصغارنا, وكبارنا, ونحن لا نعلم.
стр. 420
جنسيات المنصرين
قد تقولون: ما جنسيات هؤلاء المنصرين؟، أقول لكم: هم من كل الجنسيات.
стр. 421
العرب اللبنانيون والأقباط
وهم من أخبث أنواعهم، لأن كثيراً منا لا يفطن لهم، فإذا رآه يسلم عليه أو يكلمه ظن أنه مسلم, وهو نصراني: إما من الأقباط, وإما من اللبنانيين المارون، وهم من أخبث الطوائف، لأنهم يتغلغلون عند الكبراء، وعند التجار الكبار، وعند المسؤولين، ويتغلغلون بوسائل كثيرة جداً, منها المشروع, ومنها غير المشروع، ولا يبالون ولا يتورعون، فلو أتيت بواحد منهم وهو لا يملك ديناراً واحداً, ثم أتيته بعد سنة أو سنتين أو ثلاث، تجده قد ملك السيارة الفاخرة، والعمارة و، ما تدري من أين جاءوا بها، فيهم نوع من الذكاء والشيطنة والدهاء، ولا شك أنهم يتعاونون في هذا، وهؤلاء يجتمعون، ومثال على ذلك: اللبنانيون مثلاً يجتمعون، وتأتيهم الأشرطة, وتأتيهم الأفلام من بيروت، ويقيمون القُدَّاسات, ويحتفلون, ويصنعون ذلك في أكثر من مبنى من مباني الشركات وغيرها، وهذا أيضاً موجود بالوثائق.
стр. 422
الأوربيون والغربيون
وهؤلاء يتغلغلون في معظم الإدارات, وينفذون إلى الناس من خلال كونهم غربيين، فالإنسان الغربي لا يمس، وذاته مصونة مقدسة، ولا يستطيع أحد أن ينتقده، ولا يستطيع أحد في الطريق أن يفتشه، ولا يستطيع أحد أن يوقفه ولا يسأله، بل مجرد أن يُرى الدم الأحمر والشعر الأشقر فلا يُكلم، ولا يقال له: من أين جئت؟ ولا ماذا فعلت؟ ولا ماذا تصنع؟ الثقة المطلقة فيهم، وهم ينفذون في المجتمع من خلال هذا الأمر، ويفعلون ما يشاءون.
فأنشئوا نوادٍ خاصة للرجال، ونوادٍ للسيدات، ويقيمون رحلات في الإدارات التي يعملون فيها مع الموظفين وغيرهم إلى الأماكن التي يريدون؛ مثلاً: والرحلات تنطلق من جدة إلى خيبر وتنطلق من جدة إلى وادي فاطمة، وإلى الطائف، يفعلون كل شيء ولا يبالون.
ومن خلالهم لا يكون تنصير فقط، بل هناك رصد أيضاً لهذا المجتمع, ولمعرفة مكامن القوة فيه واتجاهاته.
وما الكلمات التي تكتب في الصحافة الغربية عن هذه البلاد والصحوة فيها، والأصوليون وما إلى ذلك إلا من آثار هؤلاء الذين بيننا، ونحن لا نعلم ولا ندري عنهم شيئاً، ولا يفتشون في دخول ولا خروج؛ فكل الوسائل لديهم متوفرة وممكنة!
стр. 423
الكوريون والفلبينيون وغيرهم
وقد تعجبون من كوريا التي ما دخلها الدين النصراني إلا من قريب، أن يكون منها منصرون يعملون في هذه البلاد لتنصير إخوانهم الكوريين وغيرهم.
وطبعة الإنجيل الكبيرة التي توزع في إفريقيا وغيرها بالملايين، هي طبعة كورية، طبعها النصارى الكوريون بدعم من المؤسسات التنصيرية.
وهناك حركة تنصيرية مضادة، ولها نشاط كبير في جدة مع الفلبينيين الذين أسلموا، تهاجمهم من أجل إرجاعهم إلى الدين الذي كانوا عليه.
بين السرلانكيين وغيرهم، فكل هذه الشعوب، يوجد بينها من يريد أن يردها عن الإسلام إلى النصرانية، أو يثبتهم على دينهم إن كانوا نصارى، أما إذا كانوا بوذيين أو غير ذلك، فهؤلاء من أسهل ما يكون أن يُدْعَوا إلى النصرانية في هذه البلاد.
ولعل هناك جوانب أخرى لا نستطيع الإطالة فيها، لأترك لكم المجال في الحقيقة، بعد أن نعرض المشروع بإيجاز للتساؤل عن المشروع بالذات.
стр. 424
من وسائل التنصير
إن للتنصير وسائل عدة منها:
стр. 425
توزيع النشرات التبشيرية
أرسلوا نشرات إلى بعض المدارس المتوسطة، كباراً وصغاراً، وذلك غير ما يتلف في البريد، ولا شك أن في البريد وفي المنافذ أخوة مخلصين، ويتلفون الكثير من ذلك، لكن هذا الذي يتسرب، ومن جملتها: نشرة بعنوان (شهادة القرآن)، وهذه وزعت أيام وجودهم هنا أيام الحرب.
ومنها نشرة تقول: في دعايتها للإنجيل: 'إن الإنجيل هو كلمة الله التي لم تتغير -وهذا من الكذب على الله, ثم يقولون:- إن الإنجيل قد ترجم إلى أكثر من ألف وأربع مائة لغة'.
ومن ذلك أنه ترجم داخل اللغة الواحدة إلى عدة لهجات -وقد قرأنا ذلك في درس سابق- ترجم باللهجة المصرية، واللهجة اللبنانية, ولهجة بدوية للبدو، وترجموه إلى جميع اللهجات حتى يقربوه إلى أفهام الناس, ثم يقولون في الدعاية: ' الرب أعطانا كلمته بدون ثمن, ونحن المسيحيين نحب أن نعطيها أصدقاءنا المسلمين بدون ثمن -ثم يقولون:- وما عليك إلا أن تعبئ البطاقة وتأتيك الأشرطة مجاناً' لأنهم كما أخذوها بغير ثمن يعطونها بغير ثمن!!
следующие страницы →