← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الإيمان بالغيب أول صفات المؤمن فالإيمان بالغيب عندهم يشمل القول والعمل، ويشمل إيمان القلب، وإيمان اللسان وإيمان الجوارح، ومن ثم كان الإيمان بالغيب هو الحقيقة العظمى التي جعلها الله ﵎، فوصف بها عباده في أول سورة من القرآن الكريم بعد الفاتحة، قال تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:١ - ٣]. فهذا أول وصف، وما بعد ذلك فهو تبع له؛ فإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والإيمان بالآخرة، والإيمان بكل ما أخبر الله تعالى به في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ مما لا يعلم إلا من طريق الوحي؛ كل ذلك إنما هو تفصيل لما أجمله في قوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] فأول علامة من علامات المؤمنين، وأول صفة من صفاتهم: أنهم يؤمنون بالغيب، وهذا مفرق الطريق بينهم وبين الكافرين والملحدين والمنحرفين.

стр. 457

حقيقة الإيمان بالغيب إذاً: كيف يكون الحال؟ فالمؤمنون بالغيب منهم من لا يؤمن بالغيب على الحقيقة، والمنكرون للغيب كثيرٌ منهم لا ينكر الغيب على الحقيقة. إذاً: القضية أن الإيمان بالغيب في عرف الشرع، وفي حقيقة دعوة الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- أن يسلم الإنسان بقلبه إلى الله ﵎، وأن ينيب إليه؛ فكل ماجاء من عند الله ﵎ صدق به، وأقر وظهر أثر ذلك الإيمان على لسانه؛ فيؤمن لسانه وتؤمن أيضاً جوارحه، ولهذا يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. نعم العلماء الذين يؤمنون بالغيب على حقيقته، ويعلمون ويعرفون ربهم، وصفاته على الحقيقة، هم أكثر الناس خشية، فكأنه لا يخشاه تعالى إلا هم؛ لأنهم عرفوه .

стр. 458

حال الأمم مع الإيمان بالغيب لذلك أنكر الجاهليون ما جاء به النبي ﷺ من الوحي، فأنكروا الوحي، والوحي من الغيب؛ فقالوا: كيف يتنزل هذا القرآن على هذا الرجل؟ هذا لا يمكن أبداً! ولذلك قالوا له: إنما أنت مفتر، وقالوا عنه: ساحر، وقالوا عنه: كاهن، وقالوا عنه أيضاً: شاعر، وقالوا: إنما يعلمه بشر، وقالوا: أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً، فَلِمَ كُل هذا اللجاج وكل هذا العناد؟! كل ذلك حتى لا يؤمنوا بأن الله اختص هذا النبي الأمي بهذه الرسالة؛ فأنزل وأرسل إليه الروح الأمين بهذا الوحي، وهل في ذلك ما يخالف الفطرة أو العقل السليم؟ كلا. لا شيء من ذلك، ولكنه العناد والجحود، فقد جحدت الأمم وعاندت من قبل، كما فعل ذلك فرعون وقومه، ولهذا أخبر الله عنهم بقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل:١٤]. فطمأن الله نبيه ﷺ بذلك، فقال: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] أي لا تهتم بقولهم لك: إنك كاذب؛ فإنهم في حقيقة أنفسهم لا يعتقدون كذبك، بل يعلمون -في أنفسهم- أنك صادق؛ ولكنه الجحود. فهل نفعهم هذا الإقرار القلبي المجرد؟! هل نفعتهم هذه المشاعر الذهنية العامة بأن هنالك عالماً آخر هو عالم الغيب بخلاف عالم الشهادة؟ لا. لم ينفعهم ذلك أبداً.

стр. 459

الإيمان بإقرار الذهن فقط أما مجرد الإقرار الذهني فقط فقد كان موجوداً حتى عند العرب في الجاهلية، فكان العرب في الجاهلية يؤمنون بشيء من الغيب، فقد كانوا يؤمنون بوجود الله، ولم يكن ينكر ذلك أحد في العصر الجاهلي! بل ولا في سائر العصور، إلا عند طائفة شاذة مارقة مكابرة ومعاندة، وكان في العرب -أيضاً- من يؤمن بيوم الحساب مجرد إيمان، ورد ذلك في شعرهم كما قال زهير: فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى ومهما يكتم الله يعلم يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم إذاً: كان لدى العرب شعور وإحساس بأن هنالك عالماً آخر، وأنه قد يكون هناك يوم آخر؛ ولكن ليست القضية في أنه هل يوجد أو لا يوجد يوم آخر؟ وإنما المسألة: أن يكون الإيمان بالغيب هو الإيمان الذي يريده الله ﵎ على الحقيقة، والذي من أجله بَعثَ الرسل، وأنزل الكتب، وهذا هو محل النزاع؛ لأنه يقتضي التسليم المطلق والمجرد لله ﵎، والإنابة إليه بالقلب، والإخبات إليه .

стр. 460

الكفر بالغيب وأسبابه إن الله ﵎ قد بين الأسباب التي تجعل المعاندين والمنكرين ينكرون عالم الغيب، ولا يؤمنون به فقال الله ﵎ في ذلك: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس:٣٩]. هذه الآية لو تدبرناها وعقلناها وفهمناها كما هو السائر في آيات القرآن الحكيم؛ لوجدناها وحدها كافية لبيان أسباب ضلال هؤلاء القوم: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس:٣٩]

стр. 461

عدم الإحاطة بعلمه من أسباب التكذيب وردِّ ما جاءت به الرسل من أمور الغيب: أنهم لم يحيطوا بعلمه، وكما قال ﵎ عنهم: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل:٦٦] أي أن كثيراً من الناس عادةً يريدون أن يصدقوا -فقط- بما يمكن أن يعلموه، أو يستدلوا عليه، أو بما يمكن أن يصلوا إليه بفكرهم وعقولهم فالسبب الأول هو: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس:٣٩].

стр. 462

لا يعلمون تأويله والسبب الآخر: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس:٣٩]. فإن الناس يصدقون بالمشاهد المحسوس، ويكذبون بالغيب المكتوم، والتأويل -كما تعلمون- له معان؛ ففي هذه الآية جاء بمعنى: الوقوع: أي: وقوع حقيقة الشيء المخبر عنه سابقاً، كما قال يوسف ﵇: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠] أي هذه حقيقة الرؤيا التي قد وقعت، كانت رؤيا في عالم الغيب أخبر بها؛ فلما أن تحقق ذلك ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً، كان ذلك هو وقوع الرؤيا وهو تأويلها ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ [يوسف:١٠٠]، فهؤلاء الجاحدون يريدون أن يروا الملائكة، وأن يروا الله، وأن يروا الجنة والنار؛ فإذا رأوا ذلك آمنوا؛ وهذا مما يطلبه الجاحدون والظالمون، ولكن! هل يلبى لهم ذلك؟ لا، فهم يريدون أن يؤمنوا بشيءٍ يمكن لعقولهم أن تصل إليه، وهذا هو الذي لايمكن؛ وهم يريدون أيضاً أن يؤمنوا بشيء يمكن لعقولهم أن تستدل عليه، وأن تعرفه؛ والله إنما أرسل الرسل لعالم الغيب، وهو عالم لا يمكن أن تحيط العقول البشرية به علماً؛ وإنما غاية الأمر أن تستدل عليه وأن تؤمن به وتثبته في الجملة. فكل إنسان في فطرته الإيمان باليوم الآخر، ولو أنه فكر لوجد أن الإيمان باليوم الآخر ضرورة عقلية لا بد منها، لكن هل يمكن أن يؤمن عن طريق العقل المجرد بالميزان، أو بالصراط، أو بالحوض، أو بدرجات أهل الجنة والنار أو بالصحف أو بأمثال ذلك مما لا يمكن أن يُعلم إلا عن طريق الوحي، وخبر السماء عن الله ﵎؟ إن عالم الغيب الذي يريد الناس أن يحيطوا به علماً لا يمكن أن يكون بهذه المثابة؛ بل لا يمكن أن يكونوا مؤمنين أو عبيداً لله إلا إذا آمنوا بما أمر به الله، وصدقوا بما أنزله الله ﵎؛ وإن لم يكن مما تدركه عقولهم أو تحيط به. فليس من حقك إذاً أيها الإنسان المخلوق الضعيف العاجز ألا تؤمن إلا بما أدركه علمك وأحاط به فكرك، إن هذا الكلام عندما نعرضه لنبين أسباب تكذيب الكفار؛ فإنما نبين هذه الحقيقة؛ لأن في المنتسبين إلى الإسلام من الفرق الضالة، وأصحاب الانحراف في القديم والحديث، من وقع في هذه القضية، وفي هذا الخلل أو الخطأ أو الشبهة ولو جزئياً.

стр. 463

من مظاهر الإيمان بالغيب وهنا قضية أخرى ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس:٣٩] وهذه متعلقة بالذين يقولون: لا نؤمن إلا بما نشاهده، وبما نحس به، وبما نراه؛ فإذا وقع آمنوا، وليس الأمر كذلك؛ فإن فرعون آمن لما أدركه الغرق، وكذلك المحتضر حين تأتيه الملائكة لتقبض روحه يؤمن حينئذ، ولكن هل ينفعه إيمانه في تلك اللحظة بالذات؟ جزماً لا.

стр. 464

متى تنقطع التوبة فلا ينفع الإيمان حينئذٍ، ولا يقبل أن يأتي الإنسان فيقول: الآن أتوب، بعد طلوع الشمس من مغربها! ولا مجال للمعصية، فهذا يقال له: لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت، هذه حالة أو لم تكن كسبت في إيمانها خيراً وهذه هي الحالة الثانية. إذاً يجب على الإنسان: أن يؤمن بعالم الغيب في عمره المحدود، وقبل تلك اللحظات، وكذلك يجب على الإنسانية جمعاء، أن يؤمنوا بالله ، ويؤمنوا بالغيب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، وأن يتوبوا إلى الله ﵎. فالإيمان بالغيب شامل لكل ما جاء في الكتاب، وصح به الخبر عن رسول الله ﷺ فالإيمان بالله، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر، والإيمان بالجنة والنار، وتفصيل ذلك كله من الإيمان بالغيب، وأن قوله تعالى في الآية: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] فسرها الصحابة الكرام كـ ابن مسعود وابن عباس وفسرها أبو العالية وقتادة وغيرهم من السلف أنها تعني: كل أمور الإيمان وكل أمور الغيب.

стр. 465

متى يتحول الغيب إلى شهادة إن الله ﵎ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، وهذا من رحمة الله ، فما دام الإنسان في عالم الغيب -ولو كان على فراش الموت- فإن الله يقبل إيمانه، ويقبل توبته، وهذا من سعة رحمته ، ومن سعة كرمه وجوده أنه يمهل الإنسان ليتوب إلى آخر تلك اللحظة؛ لكنه إذا عاين الحق وحضر الموت فقال: إني تبت الآن فليس لهذا الإنسان توبة أبداً. إذ أنه الآن لم يعد مؤمناً بعالم الغيب، بل أصبح مؤمناً بعالم الشهادة؛ لأنه يرى الملائكة عياناً أمامه، إذاً: ما الفرق بينه وبين الكفار الذين طلبوا أن يروا ربهم، أو يروا الملائكة؟! فإذا لم يعد هناك إيمان بالغيب، فلا توبة حينئذ، وكذلك الجنس الإنساني، أو البشرية كلها أيضاً هذا هو حالها، وهذا هو شأنها قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ [الأنعام:١٥٨]. فالإنسان في مفرده إذا حضرته ملائكة العذاب لا ينفعه الإيمان، وكذلك العالم بأكمله إذا احتضر وإذا جاءت النهاية الحتمية لهذه الدنيا وما عليها، وأذن الله بانقضاء هذا العالم، وجاءت العلامات التي جعلها الله حداً فاصلاً بين هذه الدنيا وبين الدار الآخرة، وهي مقدمات يوم الفزع الأكبر؛ هنالك -أيضاً- لم يعد الأمر أمر إيمان بالغيب؛ بل أصبح إيمانٌ بالمحسوس. وهذه الآية صح الحديث في تفسيرها، بأنه طلوع الشمس من مغربها أي: إذا طلعت الشمس من مغربها لم يعد ينفع نفساً إيمانها لم تؤمن من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً، ولأن النبي ﷺ قد أخبر بذلك، والناس يعلمون أن هذا من أعجب مايرون، ومن أبعد ما يمكن أن يقع؛ فإذا وقع قال الناس: هذا ما أخبر به الرسول محمد ﷺ ، الآن نؤمن به! لكن بعد ماذا! بعد أن تطلع الشمس من المغرب تؤمنون به؟!!

стр. 466

إنكار الغيب وعلاقته بالنهضة العلمية إن إنكار الغيب ما اشتهر أمره، وظهر وأصبح ظاهرة عالمية إلا في العصر الحديث؛ وذلك نتيجة لأن العالم الإنساني أصبح الآن متقارباً ومتلاحماً، حتى أن أي فكرة في الشرق تصل إلى الغرب -أو العكس- في يوم واحد، أو في أسابيع، وإن أبرز سمة في هذا العالم الذي نعيش فيه اليوم هي: السمة المادية، فهو عالم لا يؤمن إلا بالمحسوس، ولا يؤمن إلا بالماديات، فينكر الغيب، ولا يؤمن إلا بما يدر عليه نفعاً في هذه الدار الفانية؛ ولهذا كان لا بد لنا أن نعرج على أسباب ضلال هؤلاء القوم، ثم نرى بعد ذلك أثر الإيمان بالغيب في حياة المؤمنين، وأثر فقدان الإيمان بالغيب عند الكافرين. فلماذا كفرت أوروبا، وكفر مفكروها بالغيب؟ وهل هم في الحقيقة كافرون بالغيب؟ أم أنهم كافرون وجاحدون بالرسل وبما جاءت به الكتب؟ ولما قلنا أنه لا يكاد يوجد إنسان يؤمن على الحقيقة بالغيب، بل يؤمن بأنه لا شيء وراء هذا المحسوس، فكيف ذلك؟ وهل كل ما يؤمن به أكثر الماديين -غلواً وعتواً- هو كل ما يشاهدوه ويروه أو يلمسوه ويدركوه بعقولهم؟ الجواب على هذا السؤال ينقلنا إلى أن نعود إلى أسباب انتشار المادية لنعرف الجواب.

стр. 467

بداية ظهور النظرية المادية وسببها عندما كان الناس في القرن السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر الميلادي، كان العالم الإسلامي -الذي ينبغي ويجب أن يكون هو قائد العالم -وكانت الأمة الإسلامية- التي كان يجب أن تقود العالم إلى الخير والفلاح؛ الأمة التي تؤمن بالغيب، ولديها الغيب الحقيقي- غارقة في الأوهام والخرافات، إلا ما رحم الله ﵎؛ فكانت بعيدة التأثير على العالم الغربي. وأما العالم الغربي، فكان -في تلك اللحظة- تفيض فيه، وتعج براكين وفيضانات، من التمرد على الدين الذي كانت عليه الكنيسة، دين البابا، ودين القسيسين الغربيين النصارى عموماً، مما جاء في الأناجيل، وفي رسائل الرسل وما سوى ذلك، فثار أولئك على هذا الدين؛ لأنه خرافة، ولأنهم وجدوا أنه لا يتفق مع العلم، ومع التجربة التي وصلوا إليها، وأخذ الناس يتحولون في كل يوم ويكتشفون -في هذا الكون- أمراً جديداً يثبت لهم أن ما كانت تعتقده هيئة رجال الدين (الكنسية) باطل وضلال، وأن ما وصل إليه الإنسان بالتجربة، وبالعقل وبالحس هو الصحيح؛ وكل يوم كان يزداد ذلك؛ فأصبحوا يبتعدون قليلاً قليلاً عن عالم الغيب، في نظرهم على الأقل، إذ ليس لديهم من الغيب إلا ذلك، فلم يعرفوا الإسلام ولم يبلغوه، وإنما وصلتهم صورة مشوهة عنه. فأخذوا ينقلون إيمان الناس من الإيمان بالغيب إلى الإيمان بالمحسوسات المجردة، وهذه هي النقطة التي نريد أن نصل إليها. كان الرجل المادي يقف ليخطب أو يتكلم ويدعو الناس فيقول: آمنوا بالحقائق ولا تؤمنوا بالخرافات. إذا سئل ما هي الحقائق، وما هي الخرافات؟ فيقول لهم: الحقائق هي هذه الأمور المشاهدة: أترون السماء، أترون الجبال، أترون الأرض أترون هذه الأشياء المادية؟ إنها حقيقة، فآمنوا بها وآمنوا بكل الماديات، وجربوا، واخترعوا، واكتسبوا، ويقول: أما الغيب فهو ما جاء عن الرب -والرب عندهم يسوع- وما جاء في الأناجيل عن اليوم الآخر، وما جاء فيها من معجزات، أخبار، كل ذلك لا تؤمنوا به ولا تصدقوه؛ لأن العقل والعلم ينفيه. فكان الناس يحتارون، إما أن يصدقوا بالخرافات الموجودة -والتي يظنون أنها هي الدين- وإما أن يتبعوا هذا، وفي كل مرة تصدق ثلة منهم وتنحاز إلى المادية، وتترك ركب الإيمان -الذي هو إيمان خرافي محرف ومبدل- ومع الزمن أصبح الناس يظنون أنه لم يعد هناك من داعٍ إلى الإيمان بالغيب مطلقاً، وأنه على الإنسان أن يؤمن بهذه الماديات المحسوسة.

стр. 468

فشل النظرية المادية واختلاف علمائها لكن ما الذي جرى؟! يقول الله ﵎: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، أخذوا هذه المادة (قطعة حديد) فآمنوا بها؟ لأن (الحديد) موجود ومحسوس، فآمنوا بالحديد، وصنعوا منه ما صنعوا، واخترعوا ما اخترعوا، وفعلوا ما فعلوا. ثم بعد ذلك يأتي السؤال المحير الذي لا بد منه، ولا بد أن يطرأ على أذهان البشر، وهو: ما هو هذا الحديد؟ وعندما أرادوا معرفة حقائق الأشياء وكنهها، ووضعوا الحديد تحت المجاهر الكبيرة؛ لم يستطيعوا أن يؤمنوا بعد ذلك بشيء واحتاروا! فقيل لهم لماذا تحتارون؟ ألم تكونوا تقولون: نكفر بالغيب ونؤمن بالمادة المحسوسة والمشاهدة؟ قالوا: لا، ليست هذه هي القضية؛ إنه عندما اكتُشِفَتْ الذرة، واكتشفت المجاهر الكبيرة جداً؛ أصبحنا لا نرى حديدة، بل أصبحنا نرى فراغات هائلة تشبه الفراغات التي بين أفراد المجموعة الشمسية: الأرض، والكواكب الأخرى حول الشمس، هذه هي المادة وهذه هي الحديدة؛ فإذاً ما هي المادة؟ قالوا: لا نستطيع أن نقول لكم شيئاً. فيقال لهم: كنتم تطالبوننا أن نكفر بالإنجيل، ونؤمن بالمادة فما هي المادة؟ قالوا: لا نستطيع معرفة ذلك. فاختلفوا في ذلك إلى الآن، وكلما تقدموا في العلم فإنهم يجهلون ما هي المادة؟ ما هي حقيقتها؟! وعندما يقال لهم: أنتم إذاً تؤمنون بالغيب؟ يقولون: نحن لا نؤمن بالغيب كيف ذلك؟ لأن الغيب عندهم هو تلك الخرافات التي لا يريدون أن يؤمنوا بها، سواء عرفوا هذه الحديدة أم لم يعرفوها. لكن هذا الغيب الجديد، وإن صح التعبير (الغيب العلمي) كما يسمونه أحياناً، فهم يؤمنون به ولم يروه، ويقولون لا نستطيع أن نراه، إنما هو أمر غيبي. فالكهرباء -مثلاً- قالوا: إنها من عالم الغيب، فإذا قيل لهم: أنتم هل تؤمنون بالغيب؟ قالوا: لا نؤمن بالغيب، لكننا في الحقيقة لا ندري ما هي الكهرباء؟ إننا ندرك آثارها ونستخدمها في كل بيت وفي كل شأن تقريباً؛ لكننا لا ندري ما حقيقتها!! وقس على ذلك كثيراً من الأمور كالجاذبية، فما هي الجاذبية؟ لا يدرون! مع أنهم يعرفون قانون الجاذبية؛ ولكن ما هي الجاذبية على الحقيقة؟ يقولون: لا ندري. إذاً: ماذا استفاد الإنسان!! فقد صعد إلى السماء فتاه في هذا الفضاء بين الأجرام، حتى إنه لم يعد يدري عن شيء، ودخل إلى أعماق الذرة الصغيرة فتاه في أعماقها، وقال: إن الفراغات التي توجد بين الهواء وبين ما يدور حولها تشبه الفراغات التي بين الكواكب. إذاً فأين يعيش الإنسان؟ وكأن حصيلة هذا الجهد الإنساني، وحصيلة هذا العلم لاشيء! وهذه هي الحقيقة أيها الإخوة، فالإنسان بغير الإيمان بالله وبغير الإيمان بالغيب صفرٌ فارغٌ لا حقيقة له، ولا يستطيع أن يؤمن بأي شيء، فلم يعد هناك في الغرب -بين العلماء الغربيين- اتفاق على شيء، إلا على شيء واحد، إن اتفقوا عليه وهو: أنه لا يصح لك أن تصدر أحكاماً مطلقة، سواء كنت عالم فيزياء أم كيمياء أم أحياء أم في علم الاجتماع أم في علم النفس، فلا تصدر أحكاماً مطلقة وتقول الحق كذا، إذاً فمعنى ذلك: أن الإنسان لم يعلم شيئاً أبداً، فجهد وتعلم، وإذا به يجد أنه لا يرى ذلك الذي تعلمه على الأرض.

стр. 469

أثر الإيمان بالغيب على المؤمن والكافر إن الإنسان لا يستفيد شيئاً، ولا يعلم شيئاً، ولا يرى الأشياء على حقيقتها، إلا إذا آمن بالله، وإذا آمن بالغيب. وهذه الحقيقة -يا إخوة- ليست مجرد راحة للفكر والقلب، وأنه عندما يعتقد أو عندما يصدق، فإنه يتحرر من الشك، ويترك الحيرة التي يقع فيها العلماء عادة إذا لم يعرفوا الأجوبة على أسئلة معينة، لا؛ فالمسألة أكبر من ذلك جداً، فهي مسألة طمأنينة القلب، أو المعيشة الضنك، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤].

стр. 470

اطمئنان المؤمن وسعادته بالمقابل نجد أن أسعد جيل على وجه الأرض، وأكثره طمأنينة وراحة وأماناً في الحياة الدنيا هم جيل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. فالمؤمن مطمئن، فإن جاءه الخير فهو مطمئن، وإن جاءه الشر فهو مطمئن، ومهما وقع له فهو مطمئن، فإن ظلم فإيمانه بالله وباليوم الآخر يجعله يطمئن، ويصبر احتساباً، فهو يعلم أن الله سوف ينتقم له ممن ظلمه، وليس بقدرته الذاتية، وإن منع حقاً له فهنالك أيضاً اليوم الآخر الذي توفى فيه كل نفس ما كسبت. أيضاً فإن عالم الدنيا مهما كبر فإنه يصغر عند الإنسان، وذلك عندما يؤمن بعالم الغيب؛ فما قيمة الدنيا عند المؤمن الذي يؤمن بأن موضع سوط في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس! فلماذا نتصارع على هذه الدنيا؟ ولماذا نتتطاحن؟ ولماذا نتشاحن؟ ولماذا البغضاء؟ ولماذا الأحقاد؟ ولماذا العداوات؟ ولذلك فإن المؤمن يطمئن ويرتاح عندما يرى الكفار أو الفجار أو الظلمة قد أخذوا ما أخذوا؛ فبهذا يستقر؛ وإن أُعطي حمد الله ، ولم يشغله ذلك عن اليوم الآخر، وعلم أن هذا المتاع فان وزائل، وأنه إن تمتع بشيء منه فهو يتذكر متاع الآخرة؛ فيجتهد ويعمل لها، ويؤجر على هذا العمل؛ لأنه مشروع، ولأنه فعل المأمور فعف نفسه -بهذه الشهوة مثلاً- أو عف أهله إن كانت شهوة مال وما أشبه ذلك. فيعيش الإنسان والمجتمع المسلم في طمأنينة كاملة، وما ذلك إلا نتيجة الإيمان بالله والإيمان بالغيب، وليس كما يرى بعض المسلمين الإيمان بالغيب في حين أنهم ينقضونه بتصرفات وأعمال عديدة.

стр. 471

ضنك الكافر وشقاؤه إن العالم الغربي يعيش -لعدم الإيمان بالغيب- في حالة الضنَك؛ وفي العيشة الضنك بل في الشدة يلهث ويجري، وتتقطع أوصال الفرد وأوصال المجتمع وهو يكدح في هذه الحياة، ولكن من غير هدف، ومن غير راحة، ومن غير اطمئنان على الإطلاق؛ فسبحان الله! هل يطمئنون وهم لا يؤمنون بالآخرة؟ وهل يمكن أن يطمئن قلب وهو لم يعرف الله ؟! هل يمكن أن يسعد إنسان وهو لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر؟! كيف يكون ذلك؟ فبأي شيء يعيش، وهو لا يعلم شيئاً، ولا يجد إلا الصراع في الحياة كلها. الحياة كلها شقاء، كُلها نكد، فدول كبرى تصارع دولاً كبرى أخرى، وشركات، تصارع شركات وأفراداً يصارعون أفراداً وينافسونهم، والأسرة تحطم الأسرة، والمرأة تتكتل ضد الرجل، والرجل يتكتل ويتعصب ضد المرأة، الطبقة الغنية تتكتل وتتحزب ضد الفقراء، وللفقراء أيضاً نقابات واتحادات تتكتل ضد الأغنياء، صراعات وانقسامات وفوضى رهيبة لا يستقر فيها الإنسان على الإطلاق، ولا يهدأ له بال أبداً، لماذا؟ إنه عدم الإيمان بالغيب. فهم لا يؤمنون بالقدر، ولا يؤمنون بأن الله قد كتب كل شيء، وأنه لن يبلغ الإنسان إلا ما كتبه الله ﵎ له، فكل ذلك لا يؤمنون به؛ ولهذا نجد أنهم في الشقاء وفي الضنك.

стр. 472

الأسئلة

стр. 473

إسلام من لم يتلفظ بالشهادة السؤال ما حكم من أدى بعض الأعمال الإسلامية وهو لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بلسانه؟ وهل يعتبر مسلماً؟ الجواب هذا الذي لم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله -بلسانه- لا يعد مسلماً بإجماع أهل السنة والجماعة والسلف الصالح؛ لا يكون مسلماً لا ظاهراً ولا باطناً؛ ولا يجرى عليه حكم من أحكام الإسلام إلا بإعلانها، كما قال ﷺ ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله﴾ فما دامو لم يفعلوا ذلك أي: الشهادتين والصلاة والزكاة؛ فإنهم يقاتلون قتال ردة.

стр. 474

القدر وتعدد الأسباب السؤال يقول الشاعر: (تعددت الأسباب والموت واحد) هذا شطر من بيت شعري فهل يكون سبباً من هذه الأسباب معارضاً للقدر، أم أنه موافق له؟ وهل هذا السبب مكتوب في اللوح المحفوظ؟ الجواب نعم، فكل ما يقع إنما يكون وفقاً لما كتب الله ﵎، فكل مصيبة كما يقول تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢]. فكل شيء قد كتبه الله علينا قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة؛ ولا يقع إلا ما كتبه الله؛ فهو من القدر، ولا يكون مخالفاً للقدر.

стр. 475

نزول عيسى وانقطاع التوبة السؤال نزول عيسى من العلامات الكبرى. فهل لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، مع العلم أنه يكسر الصليب، ويضع الجزية، ويدعو إلى الإسلام هذا على ما بلغنا من علم؟ الجواب نعم فما بلغك هو الصحيح، ولكن! أولاً: جاء في تفسير الآية (بأنها الشمس عندما تطلع من مغربها) ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام:١٥٨]. أي إذا طلعت الشمس من مغربها، وقد جاء هذا نصاً في نص الحديث الصحيح. الأمر الآخر: أن ذلك يكون بعد نزول عيسى، وبعد أن يؤمن به من يؤمن، ويكفر به من يكفر؛ ولهذا قال من قال من السلف: إن طلوع الشمس من مغربها: هي أول الآيات الكبرى (أي أول الآيات غير المألوفة) فنزول عيسى ﵇ مألوف؛ وإنما يكون طلوع الشمس من مغربها بعد نزوله ﵇.

стр. 476

الكتب التي تحدثت عن مسائل الغيب السؤال ما هي الكتب التي تتكلم عن الإيمان بالغيب، والبعث والنشور والصراط، وغيرها من أمور الغيب قديماً وحديثاً؟ الجواب من هذه الكتب: كتاب الله أولاً، وكذلك فإن في صحيح البخاري، وصحيح مسلم أبواباً في الإيمان والتوحيد، وكذلك معارج القبول للشيخ: حافظ الحكمي ﵀ فقد جمع في ذلك أحاديث، وأدلة عقلية ونقلية؛ فجزاه الله خيراً وأثابه، والمؤلفات في ذلك كثيرة.

стр. 477

معرفة الطب لنوع الجنين السؤال يدعي الطب في الغرب معرفة الجنين في بطن أمه هل هذا صحيح؟ الجواب الأمر الأول: أن الله ﵎ قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] ولم يقل: يعلم الجنين ذكراً أو أنثى؛ فمعرفة كون الجنين ذكراً أو أنثى جزء من معرفة ما في الأرحام، وما في الأرحام شيء عجيب جداً! فإلى الآن حار العلماء فيه في الظلمات الثلاث، وفي عملية التحول من مرحلة إلى مرحلة، في أمور كثيرة ماتزال مدار الجدل والبحث في العالم الغربي، حول عالم الطب، إلى الآن، فالمسألة أعم من ذلك. الأمر الثاني: كل ما في العالم من غير المدركات العقلية، وكل ما أدرك بالحس؛ فإنه لم يعد من عالم الغيب، فلو أن رجلاً قال: أنا أعلم ما في بطن هذه البقرة الحاملة، أو يقول: أنا ولي، وأنا تأتيني كرامات، فهذا كاهن عراف كاذب، من صدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد. لكن لو أن طبيباً قال: أنا أعرف ذلك؛ لأني أعمل أشعة وأعرف ذلك، نقول: هذا ليس فيه شيء؛ لأنه لم يدعِ علم الغيب؛ وإنما استطلع شيئاً ما بشيء محسوس؛ فهذا خرج من عالم الغيب ولم يعد منه، وليس له وسيلة غيبية كما يدعي ذلك الآخر، وأيضاً لو أن إنساناً شق بطن هذه البقرة الحامل وأخرج ما في بطنها وعرف ما فيها، فهل نقول هذا عالم الغيب؟ لا؛ بل قد رآه، فليس المقصود بعلم الغيب كل ما غاب أو خفي عن الإنسان. فإذاً: عرفوا أم لم يعرفوا فليس فيه تأثير أبداً لأن هذا من الخمس الأمور التي اختص الله ﵎ بعلمها.

стр. 478

المدرسة العقلانية السؤال ما موقف العقلانين من الإيمان بالغيب؟ وكيف يُرد على من أنكر بعض المغيبات بحجة أن العقل ينكرها؟ الجواب العقلانيون مدرسة -في الأصل- ظهرت بتأثير الفلسفة اليونانية، وقد تبناها المعتزلة، والخوارج، والرافضة وكل المتكلمين؛ ثم ظهرت بشكل حديث في فكر الشيخ محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ومن تتلمذ عليهما؛ وماتزال إلى اليوم متمثله في المدرسة المسماة (المدرسة العصرية) أي التي تفسر الإسلام تفسيراً عصرياً يتناسب مع العلم ومع العصر الحديث بزعمهم. وأما موقفهم من عالم الغيب فإنه متناقض، فكل واحد منهم يثبت مالا يثبته الآخر، أو ينفي ما لا ينفيه الآخر وهكذا؛ لأنهم لا يرجعون إلى معيار ثابت سديد، فحسب الإنسان أن يخرج عن الطريق المستقيم، وعن الجادة؛ لأنه بعد ذلك ستتشعب به الطرق، ويذهب كل مذهب، فهؤلاء -مثلاً- ينكرون بعض الأشياء بحجة أن العقل أو أن العلم ينكرها، ويكفي هؤلاء أن يعلموا أن الله قال لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء:٤٥]، فالوحي من عند الله ، ولم يأت النبي ﷺ بشيء من عنده قط. ولو أن العقول وحدها تكفي؛ فلماذا بعث الله ﵎ الرسل؟ ألم تكن فلسفة أرسطو وأفلاطون وسقراط وأمثالهم موجودة ومترجمة! فما الحال إذا لم يبعث الله ﵎ الرسل! وأصبح الناس يستغنون بهذه الفلسفات؟ فلسفات وثنية ضالة حائرة، ولذلك يأتي فيلسوف فيهدم ما قاله الأول، وكما قال أحد السلف الصالح: 'من جعل دينه عرضة للخصومات؛ أكثر التنقل' وقال الإمام مالك ﵀: 'لأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله؛ خيرٌ من أن يبتلى بعلم الكلام' فهذه العلوم هي التي صرفت الناس عن الإيمان بالله والتسليم بخبره إلى القضايا العقلية والذهنية المجردة. والحقيقة أن العقلانيين المعاصرين ما هم إلا امتداد للمذهب الذي ظهر في أوروبا وأشرنا إليه، فالشيخ محمد عبده -وهو رأس هذه المدرسة- يعتبر تلميذ الفلسفة الوضعية، الذي وضعها الفيلسوف الفرنسي المعروف أوجست كولد والذي يقرر فيها أن العالم الإنساني تطور إلى ثلاث مراحل: مرحلة السحر، ثم مرحلة الدين، ثم مرحلة العلم، فجاء الشيخ ليوفق بين هذا الكلام، وبين ما يعتقده من دينه. فقال: إنه الآن وفي هذه المرحلة الجديدة يجب أن نحدث في الإسلام إصلاحاً، ونجرده من كل ما يتنافى مع هذه المرحلة ويقصد بها: مرحلة العلم، ومن هنا أنكر الطير الأبابيل، وأنكر الشياطين أو الجن وغيرها، وقد أفضى إلى ربه وقدم عليه.

стр. 479

المحتضر من أهل عالم الشهادة السؤال قلت في حديثك أنه لا تقبل توبة المحتضر؛ لأنه أصبح في حياة الشهادة، فهل تتفضل بشرح هذه العبارة؟ الجواب المحتضر: هو الذي رأى الملائكة، أو الذي عاينهم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ [الفرقان:٢٢]، فالإنسان إذا رأى الملائكة، لم يعد مؤمناً؛ لأن المؤمن هو الذي يؤمن بالغيب؛ فإذا رآه عياناً بالعين لم يعد مؤمناً به، فإذا انتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهادة فهو مؤمن بشيء محسوس. فمثل هذا كمثل الذين يقفون على النار أو يقفون بين يدي ربهم يوم القيامة فيقولون: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:٢٧] إذاً: ففي هذا الحال لا ينفع الرجوع، ولا ينفع التمني؛ لأنهم رأوا النار، ورأوا الجنة، ورأوا ما كان في عالم الغيب.

стр. 480

ضعف اليقين من أسباب انحطاط المسلمين السؤال هل إيمان المسلمين بالغيب نظرياً وعدم تطبيقه عملياً يعتبر من أسباب تخلفهم وانحطاطهم عن خيريتهم التي ميزهم الله بها؟ الجواب نعم، فما دام أن الإيمان بالغيب: هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر؛ فبلا شك أن ضعف إيمان المسلمين بذلك هو السبب الأساسي في الانحطاط، والتأخر الذي حصل للمسلمين، وكذلك هو سبب في ضعفهم وتسلط الأعداء عليهم، وتفرق كلمتهم، وهوان أمرهم على الناس، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 481

إنكار الغيب بين الوسوسة ورد الأحاديث السؤال الإنسان المسلم بطبيعته يؤمن بالغيب، ولكنه أحياناً يطرأ عليه إنكار باطني لبعض الغيب فما هو الحل؟ الجواب إن كان المقصود بالسؤال هو الشك الذي يلقيه الشيطان أو الوسوسة، فلا تبالي بها يا أخي؛ لأن الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم وهم أكثر الناس إيماناً من هذه الأمة، قد شكوا ذلك إلى النبي ﷺ وقالوا: ﴿يا رسول الله! إن أحدنا يجد في نفسه ما يتعاظم أن يتكلم به فقال لهم النبي ﷺ : أو قد وجدتموه، قالوا نعم قال ذلك صريح الإيمان﴾ وفي حديث آخر: ﴿الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة﴾ أي رد كيد الشيطان، فلم يجعلنا مشركين نشرك بالله ونكفر برسله؛ وإنما رد كيده للوسوسة، وتكون هذه الوسوسة عندما يغفل المؤمن عن ذكر الله ؛ فإذا غفل؛ ضعف الإيمان في القلب، فيجد الشيطان الفرصة، فيدخل ويلقي شيئاً من الوسوسة؛ فإذا أفاق المؤمن أفاق الإيمان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]. فإذا قال المؤمن: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، كيف جاءني الشيطان، وشككني في إيماني؟! تركه الشيطان وألقاه، فاستمر المؤمن في طاعة ربه وفي الإيمان به؛ وهذا من أنواع الجهاد، وهذا الإيمان يعطيه -بإذن الله- مناعة، فيأتيه الشيطان مرة ثانية وثالثة فلا يقدر عليه، وذلك مثل إنسان تطرده ثلاث مرات فإذا جاءك مرة رابعة تكون أقوى منه، وكذلك لو أنك غلبت إنساناً ثلاث مرات ثم أتاك مرة أخرى، فإنك لا تبالي به؛ لأنك قد غلبته عدة مرات، وهذا من فضل الله علينا. فالإيمان يزيد وينقص، ونحن إذا جاهدنا الشيطان، ورددنا هذه الوسوسة بالإيمان الصادق؛ فإنها تصبح لا شيء، ولهذا اجتهد الشيطان في أن يرد الصحابة الكرام إلى الشرك فلم يستطع إلى ذلك سبيلاً؛ لما رسخ الإيمان في قلوبهم، وهذا ما يجب أن يكون عليه جميع المؤمنين، فإنما يحاول الشيطان الدخول في القلوب المؤمنة؛ ولهذا لما قيل لبعض السلف لماذا يوسوس المسلمون ولا يوسوس اليهود والنصارى في صلاتهم فقال: 'وما يفعل الشيطان في البيت الخرب' فاليهود والنصارى لا يوسوس الشيطان في صلاتهم سواء صلوا أم لم يصلوا لأنه لا صلاة لهم، ولا إيمان لهم، ولا عمل لهم، فماذا يعمل الشيطان بهم؟! ولذلك فإنه يدعهم. وأما المسلم المؤمن فقد ترفعه هذه الصلاة درجات عالية عند الله ، وقد لا يكتب له منها إلا العشر، وقد لا يكتب له منها شيء. إذاً: ها هنا الامتحان، وها هنا عمل الشيطان، فهو عند هذا الذي يرتقي به الإيمان إلى درجة عليا يوسوس له حتى يُضعف ذلك الإيمان، أو يذهبه. وأما إذا كان المقصود من السؤال: أن هناك من ينكر بعض أمور الغيب، فنعم. وهذا موجود، فمن الناس من ينكر السحر، أو ينكر أن النبي ﷺ بالذات قد سحر، فيقول: أنا لا أصدق، وعقلي لا يحتمل أن الإنسان يقدر على السحر، أو عقلي لا يصدق أن النبي ﷺ قد سحر، وهذا كما يقوله الإباضية من الخوارج، وكما يقوله المعتزلة، يقولون: العقل لا يصدق أن للميزان كفتان توزن فيهما الأعمال، فهذا لا يمكن، كذلك الصراط قالوا عنه العقل لا يصدق أن الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف. سبحان الله! لو أن الله تعالى وكل الأمر إلى مثل هذه العقول، فجئت أنا وقلت: عقلي لا يقول بهذا، وجاء الآخر وقال: عقلي لا يقول بهذا، وكل واحد يرد ما يشاء؛ فإنه سيضيع الشرع، ألا ترون لماذا يتجادل الناس ويختصمون؟! فسبب ذلك هو تفاوت العقول، فمثلاً: أنا آتي بقضية فأقول: هذا ليس معقولاً أبداً؛ فيأتي أحدهم فيقول: بل هذا هو المعقول تماماً، اختلفنا هذا الاختلاف، فمن الذي يحكم في الموضوع؟ وكذلك لو أن الله تعالى وكل الإيمان بالغيب إلى العقول ما آمن أحد منَّا بشيء، أو آمن بعضنا بشيءٍ ولم يؤمن البعض الآخر به تماماً، فكيف يحاسبنا الله ؟ من المتقون منا إذاً، ومن الفجار؟! ولو أننا سلمنا لهولاء الناس أن إنساناً يقول: عذاب القبر لا أستطيع أن أصدقه، وآخر يقول: أنا لا أصدق السحر، وآخر يقول: أنا أنكر الصراط، وآخر: أنا أنكر الميزان، فما الذي يبقى بعد ذلك في ديننا؟! ما هو شان المؤمنين مع ربهم ومع رسولهم ﷺ ؟ كيف أخبر الله عنهم؟ قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥]. فلا بد أن المسلم يسلم بكل ما يحكم به الرسول ﷺ ، وبكل ما يحكم به الله، الحكم القدري، والحكم الشرعي، الأخبار والأوامر والنواهي كلها؛ فيجب أن نؤمن بأحكام الله التي أنزلها في كتابه، أو ما جاء عن رسوله ﷺ وإلا: فلا إيمان إذاً. فكثير من الناس يثيرون بين الحين والحين قضايا من هذا الشأن، وعلى سبيل المثال البسيط: القضية التي تتردد هذه الأيام، وهي ليست بذات الأهمية لكن التنبيه عليها ضروري، فمثلاً: من الناس من ينكر أن الجني يتلبس في الإنسي، ويدخل فيه، وقد كتب في ذلك سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله ونفعنا بعلمه، وأتى بالأدلة والبراهين من ظواهر الآيات، ومن السنة، ومن فعل السلف، ومن الواقع المشاهد -أيضاً- ومع ذلك يقول البعض: إن عقلي لايصدق وأنا لا أتصور ذلك، فسبحان الله! إذاً: أنت بهذا الكلام تفتح المجال لكل من يدعي العقل، وإلا فلا عقل لمن خالف الحق وخالف الوحي، فكل من لديه مسكة من عقل، أو يدعي أنه عاقل -ينكر مايشاء وكما يشاء- يقول: أنت تنكر السحر، إذاً: إذا كُنْتُ أنا أنكر الشيطان بالكلية، أو أنت تنكر دخول الجني بالإنسي، وآخر أنكر الوسوسة والشيطان بالكلية، فإن هذا الإنسان قد يقع في حيرة؛ فإن قال لك أحدهم: يجب عليك أن تؤمن بهذا؛ لأن الله أخبر به في القرآن، ولأن النبي ﷺ أخبر به في الأحاديث، فقل له: وأنت -أيها الآخر- لماذا ترد ما جاء في القرآن وماجاء في الحديث؟ قد يقول لك: لا، فالعقل يدل على وجود الشيطان. فإن مثل هذا إن لم يغلبه الملحد؛ فإنه سيحيره. ولهذا قال شَيْخ الإِسْلامِ عن أهل الكلام: 'لا للفلاسفة كسروا، ولا للإسلام نصروا' فلم ينفعوا لا هنا ولا هناك؛ لأنهم استسلموا للمقدمات العقلية التي يحتج بها أولئك الملاحدة، وبدءوا يصدقونهم فضاعوا. ولكن عندما يكون المعيار هو النص، فنقول له: لماذا تنكر الشيطان وقد جاء ذكره في القرآن؟ فإنه يسكت إن كان مؤمناً، وإما إن كان كافراً فهذا فيه كلام آخر، إذاً: فكل ما جاء به الخبر، أو صح به الحديث؛ فإننا نؤمن به، وإن قل وإن دق، لا نرده؛ لأن رد الأمر الواحد ينبني عليه رد الشيء كله. أضرب لكم -أيضاً- مثلاً آخر: هناك من ينكر حديث الذباب، فيقولون: كيف نصدق بأن الذباب إذا وقع في الشراب، فإننا نغمسه، ثم نلقي به، ثم نشربه، هذا لا يمكن، فيقال لهم: إن الحديث في صحيح البخاري. يقولون: وإن صح فإننا ننكره، فسبحان الله!! وكذلك إذا جاءت أحاديث في عذاب القبر، قالوا: نحن ننكرها ونردها وإن صحت، كيف تلزمهم بالإيمان بعذاب القبر؟ وكيف تلزمهم بالإيمان بالحوض وغيره من الأدلة، وكذلك أيضاً، إذا نحن رددنا حديثاً، أو إذا أنكرنا الغيب في قضية واحدة فقط؛ فمعنى ذلك أننا فتحنا الباب لإنكار الغيب كله، وهذا هو سر عظم المسألة ومكمن الخطورة فيها.

стр. 482

الإيمان بلاعمل يدل على ضعف الإيمان بالغيب السؤال بعض الناس يترك الأعمال من أوامر ونواهٍ، ويقول: أنا مؤمن، ولو كان مؤمناً لاستعد لذلك اليوم العصيب، فهل هذا بتكذيبه العملي يعتبر مكذباً بالغيب؟ الجواب هذا في الحقيقة لا نسميه مكذباً بالغيب، ولكننا نقول: إنه ليس مؤمناً بالغيب إيماناً حقيقياً، أو إيماناً كاملاً؛ لأن المؤمن بالغيب يظهر أثر ذلك على جوارحه، وعلى أعماله، فالإيمان عند أهل السنة والجماعة: ظاهر وباطن، قول وعمل، ولا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ وحسبنا في ذلك أن نعلم كيف آمن الصحابة الكرام بكل ما أخبر به النبي ﷺ من الجنة أو النار، فظهر أثر ذلك -كما تعلمون- في حياتهم رضوان الله تعالى عليهم كاليقين، فإنها أثر من آثار الإيمان كما قال علي رضي الله تعالى عنه: [[رأيت الجنة والنار قيل: كيف؟ قال: رأيتهما بعيني رسول الله ﷺ الذي قال الله ﵎ عنه: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]]] فرؤية النبي ﷺ للجنة والنار التي كانت ليلة الإسراء، والتي كانت في مرات أخرى، حتى لما مثلت له الجنة والنار في الحائط وقال: ﴿ما رأيت مثل اليوم في الخير والشر﴾ وأخبرهم بما رأى ﷺ . ومرات كثيرة يرى النبي ﷺ شيئاً من ذلك أو يمثله الله له في اليقظة، والناس لا يرون؛ فيخبر أصحابه بذلك، فينتقل هذا الإيمان مباشرة في قلوب الصحابة الكرام إلى خوف من الله وخشيته، وإلى تقوى وجهاد وإيثار للآخرة، ورغبة فيها، وعزوف عن الدنيا وشهواتها، وعن مطامعها المحرمة، إلى الاستقامة على دين الله ، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الذي يقتضيه الإيمان الحقيقي للغيب.

стр. 483

حكمة الوجود من أهم الأسئلة التي ترد على الفطرة البشرية في القديم والحديث السؤال عن الحكمة من وجود الإنسان على هذه البسيطة، ومثل هذه الأسئلة لا يوجد لها جواب شافٍ إلا في شريعة الإسلام الخالدة. وما انتكس الغرب، وما زاغت الحضارة الحديثة إلا حين فشلت في الإجابة على مثل هذا السؤال، فنتج عن ذلك تنكّر أمم الغرب والشرق لدينها بحجة أنه يمنعها من اللحاق بركب الحضارة، فصارت تلك الأمم تعيش حياة أقرب إلى البهيمة، رغم ما تتشدق به من تمدن.

стр. 484

الحكمة من الوجود إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فإن موضوع حكمة الوجود مما لا يخفى على كل مسلم، ولولا أن الله ﵎ أمرنا بالتذكير، وبيَّن لنا ما في التذكير والذكرى من الخير والفائدة، لما تُحدث عن مثل هذا الموضوع، ولكن الإنسان قد يتعمق في العلم، ويتعمق في العمل -أياً كان العمل- وينسى الهدف والأساس والمنطلق لذلك العلم والعمل. ومن هنا يحتاج المرء دائماً إلى التذكير، وهذه الأمور بديهية لا تحتاج إلى تذكير، لكن هذا الأمر البدهي لو فكر فيه الإنسان وتأمل؛ لوجد أنه يغير حياته كلها بناءً على تفكير جديد في ذلك الأمر البدهي المعهود.

стр. 485

نظرة الجاهلية الأولىللوجود والجاهلية الأولى التي بعث النبي ﷺ فيها -نعني بها جاهلية قريش والعرب- ماذا كانت نظرتهم للوجود؟ لقد كانوا يقولون: ما هي إلا أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر. وقال قائلهم: أموتٌ ثم بعثٌ ثم حشرٌ حديث خرافة يا أم عمرو فكانوا لا يتصورون أن لهذا الوجود حكمة ولا غاية؛ إنما هي أرحام تدفع، أي: "تنتج المواليد"، ثم أرض تبلع في النهاية؛ ولذلك قالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات:١١ - ١٢] أي كيف -بعد أن نكون عظاماً نخرة- نعود إلى حياة جديدة؟! فالوجود عندهم ينتهي بهذه الحياة الدنيا فقط، والدهر -أي: مرور الأيام والليالي- هو الذي يهلك والذي يفني، ولا شيء وراء ذلك. فهكذا كانت غفلتهم، والعمى الذي ضربه الله تعالى على قلوبهم. ومع ذلك فالفطرة تلح عليهم إلحاحاً شديداً، وقد كان منهم الشعراء وهم أكثر إرهافاً وإحساساً؛ فالشعراء كانوا يتخيلون أنه لا يمكن أن يكون وراء هذا العالم إلا شيء آخر، وكذلك الخطباء وأمثالهم من أصحاب الإرهاف في الحس، يقولون: لا بد أن وراء هذا العالم عالماً آخر، ولا بد أن لهذا الوجود حكمة وغاية أكثر من مجرد أنها أرحام تدفع، وأرض تبلع، وهذا موجود في أشعارهم. ولما أرسل الله النبي ﷺ بهذا الدين العظيم؛ جاءت الهداية الكبرى من عند الله ﵎، وقضت على ما شاء الله تعالى أن تقضي عليه من الضلال والحيرة والاضطراب الذي كان يسود الأرض أو معظمها من أجل: لماذا جئنا؟ ولماذا خلقنا؟ لقد كان الناس إما أن يتدينوا على باطل، كحال اليهود والنصارى وأتباعهم، أو يتيهون ويحارون ولا يدرون بمَ يتدينون، وقصة سلمان الفارسي ﵁ معروفة، فقد رفض النار التي كان يعبدها أبوه، ثم هاجر إلى العراق، فوجد راهباً هنالك وتعلم الدين عنده، وتعبد بدينه؛ ثم سلمه الراهب عند الموت إلى راهب آخر؛ ثم ذهب إلى الآخر؛ ثم إلى آخر؛ ثم بيع رقيقاً. ثم أتى إلى المدينة -كل ذلك وهو يبحث عن الحق- فكان يشعر أن لله ديناً، وأن هذا الدين حق، وهو غير ما يتدين به، وغير ما يسمع، وغير ما عند اليهود والنصارى والمجوس، حتى عرف الحق ووفقه الله ﵎ له، وأمثال سلمان رضي الله تعالى عنه قليل؛ فأكثر الناس يأكل ويشرب وينام ولا يفكر على الإطلاق، ولا يبالي بهذا السؤال وبالإجابة عليه. لقد كانت ظاهرة البحث عن الدين الحق ومعرفة سر الوجود؛ مقتصرة على أفراد قلائل؛ لأن الناس كانوا يعيشون -إلى حد ما- في طمأنينة بما يدينون به من معتقدات، وهذه نقطة مهمة في التاريخ؛ فاليهود والنصارى، والمجوس، والبراهمة، وكل الأديان التي كان يعتنقها الناس كان لديهم اطمئنان إلى أنها هي الدين الصحيح؛ ولهذا لا يبحثون عن الحكمة من الوجود خارج هذا الدين.

стр. 486

أسئلة تراود الإنسان عن هذا الوجود ماذا وراء هذا الوجود؟ ولماذا خلقنا؟ ومن أين جئنا؟ وإلى أين نذهب؟ كل هذه أسئلة تراود كل إنسان من حيث هو إنسان لا من حيث كونه متحضراً، أو متعلماً أو مؤمناً أو كافراً، فلا علاقة لهذه الصفات كلها، فكل إنسان بما أنه إنسان؛ فإنه تراوده هذه الأسئلة دائماً في أي زمن عاش فيه، سواء في الأزمان السحيقة الغابرة، أم في هذا القرن، أم في قرون قادمة، أم في أي بيئة أو زمان؛ فلا بد من أن يلح هذا السؤال على الإنسان، من أين جئت؟ وما هدفي في هذه الحياة؟ وإلى أين أذهب؟ وهذه فطرة أودعها الله ﵎ في قلوب جميع العباد. إلا الحيوان؛ فهو المخلوق الذي لا يفكر إلا في اللحظة التي هو فيها، مهما كان ذكياً فهو يفكر في اللحظة التي هو فيها فقط، كيف يأكل العشب في هذه اللحظة، ولذلك ليس للحيوان تأريخ، لا في الحيوان كفرد، ولا في القطيع كنوع؛ لأنه لا يفكر في تأريخه، ولا يفكر في ماضيه، وأيضاً لا يفكر في مستقبله وإلى أين سيذهب؟ وما هي نهايته؟ وما هي نهاية هذا الجنس أو هذا النوع؟ فهو لا يفكر في شيءٍ من ذلك؛ وإنما يفكر في اللحظة التي هو فيها -إن سمينا عمله تفكيراً- وينتهي الأمر عند هذه الحدود. ولكن الإنسان ميزه الله ﵎ عن الحيوان بميزات عظيمة جداً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠] وقال أيضاً: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:٤] أي تكريم عظيم بخصائص عضوية خلقية وتكوينية، وخصائص عقلية روحية، وكل أنواع الخصائص التي ميز الله ﵎ بها الإنسان. فمن ذلك أنه يفكر هذا التفكير، ويسأل نفسه هذا السؤال؛ ولكن الاهتداء إلى الجواب الصحيح ليس من شأن كل إنسان، إنما هو فضل من الله ﵎ يؤتيه من يشاء.

стр. 487

حكمة الوجود مركوزة في الفطرة أما القضية ذاتها فإنها مركوزة في الفطر، يقول الله ﵎: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:١ - ٣] ويقول على لسان نبيه موسى ﵇ لما قال له الطاغية فرعون: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٤٩ - ٥٠]. فالله ﵎ أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى -خلق فسوى وقدر فهدى- فأصل الهداية قد تكفل الله ﵎ بها، وهذه نعمة كبرى وفضل من الله ﵎؛ فلم يكلنا إلى أنفسنا، بل تكفل لنا بهذا الشيء العظيم الذي بدونه لا تكون الحياة حياةً إنسانيةً أصلاً. وهل معنى هذه الهداية أن كل إنسان يعرف الجواب الصحيح؟ لا. لكن معناها أن كل إنسان ميسر له أن يعرف الجواب الصحيح؛ فقد فطر الله ﵎ العباد جميعاً على الإيمان به وعلى معرفته، وعلى التوحيد كما قال جل شأنه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠]. فلا يمكن بأية حال من الأحوال أن يولد إنسان إلا وهو على هذه الفطرة، كما قال النبي ﷺ : ﴿ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة -وفي رواية: على الملة - فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه﴾ وكل الروايات تدل على أن كل مولود يولد على الإسلام وعلى التوحيد؛ تحقيقاً للعهد الذي أخذه الله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢]. فكل إنسان ميسر له أن يهتدي إلى الجواب؛ وهو أن يعرف أن الله خلقه لعبادته، وأن معرفة الله هي أعز ما يسعى إليه كل مخلوق، وهي الغاية التي ليس بعدها غاية أبداً، لكن الذي حدث هو الابتلاء من الله ﵎ وهذا ما دل عليه القرآن كما قال الله ﵎: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣]. فهو ﵎ مع بيانه لحكمة الوجود، ومع أنه فطر الناس على الهداية والاهتداء إليه؛ لكنه جعل مكان الابتلاء ومحل الابتلاء ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] وهكذا يمكن أن يكون الإنسان: ﴿إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣].

стр. 488

التحول من كفر الخرافة والجهل إلى كفر الطبيعة والعلم ثم تحولت القضية، وأصبحت ظاهرة عامة، وبدأ ذلك في أوروبا خاصة؛ لأن أوروبا تعرضت لما لم يتعرض له غيرها من الأمم، فقد تعرضت أوروبا لتأثير الحضارة الإسلامية وتأثير الإسلام عامة، وهذا التعرض جعلها تكتشف أن ما هي عليه من الحياة؛ إنما هي حياة لا إنسانية؛ بل همجية ووحشية؛ فأخذوا بما يسمى (النهضة الأوروبية)، فشرعوا في النهضة. إلا أن العداء للإسلام منعهم من أن يعتنقوا الإسلام فينعموا بعدالة الإسلام وهدايته وطمأنينته؛ واستفادوا من المسلمين في (سلوك المنهج التجريدي العلمي) واستفادوا من المسلمين في (النظر والبحث العقلي) في حين كانت الهيئة الدينية المسماة بالكنيسة تفرض عليهم كل شيء فرضاً وقسراً وقهراً وإن لم يقبله العقل؛ وهل يقبل العقل شيئاً من خرافات النصارى؟! لا يقبلها. ولكن العقل الأوروبي أُرغم على أن يقبلها؛ فلما استفاد من الحضارة الإسلامية بصيصاً من الحق والنور؛ رفض حضارته ودينه -وإن كان لم يدخل في دين المسلمين- فتزعزعت ثقة الإنسان الأوروبي فيما كانت الكنيسة تمليه عليه من حكمة الوجود وسبب الوجود، فقد كان الأوروبي يؤمن بأن الغاية من الوجود هو التكفير عن الخطيئة. وذلك أن الله تعالى خلق آدم، فأكل من الشجرة، ووقع في الخطيئة؛ فرأى أن يفتدي العالم، فأرسل ابنه الوحيد -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- ثم صُلِبَ؛ ليكفر عن الخطيئة، ومن أراد طريق الخلاص من هذه الحياة الدنيا والنجاة فيها، فعليه أن يقتفي نهج المسيح، ويؤمن بأنه هو المخلِّص والمنقذ، فهذا ملخص ما كانت النصرانية تقوله وإلى الآن يدينون به، وكانوا يعتقدون أن الإنسان هو سيد المخلوقات، وهذا يعطي القناعة والرضا بالوجود مع عدم السؤال عن حكمة هذا الوجود. فالذي حصل في أوروبا أن الناس فقدوا الثقة في هذا كلِه، قليلاً قليلاً، فكان أول ما تزحزحت في أذهانهم حكمة الوجود وغايته.

стр. 489

اكتشاف النظريات قديماً لما كتشف أحدهم -هو كوبرنيك - موعة الشمسية تدور حول الشمس، وأن مركز المجموعة هو الشمس وليس الأرض. كانت هذه القضية خطيرة جداً عند الغربيين؛ لأنهم من خلالها فكروا وقالوا: إذاً ما دامت الأرض ليست هي مركز الكون، فيمكن أن يكون الإنسان ليس هو سيد المخلوقات ولا سيد الكون؛ لأن الأرض تابع، والإنسان يسكنها فهو تابع، وقد يكون هناك مركز آخر ومخلوقات أخرى. ولكن رجال الكنيسة حاربوا هذه النظرية حرباً شديدة، على أساس أن المسيح ما نزل وصلب إلا على هذه الأرض؛ فالأرض هي مركز الكون، وكل الكائنات تدور حول الأرض، أو هي مركزها الأساس؛ فلما تبين لهم أن ما تقوله الكنيسة باطل، وأن الأرض هي التي تدور حول الشمس؛ فلم يعد للأرض وللإنسان تلك القيمة. إذاً: لماذا جاء الإنسان؟ فلا خطيئة ولا شيء، وبدءوا يفكرون، هل هذه الخطيئة حق أو باطل؟! وهل المسيح حقاً هو ابن الله؟ فدءوا يفكرون ويفقدون ثقتهم في هذا الوجود. ثم بعد ذلك جاءت نظرية الجاذبية لمكتشفها نيوتن فقالوا: إن هذه النظرية فسرت الوجود تفسيراً آلياً -والتفسير المكنيكي كما يسمونه- فالوجود يتحرك مع بعضه البعض ويتفاعل بطريقة آلية حسب قوانين الجاذبية، وهي قوانين رياضية لا تخطئ، فازدادوا بُعداً عما كانت تقوله الكنيسة ورجال الدين والأناجيل، وأخذوا يتعلقون بهذه النظريات العلمية الجديدة.

стр. 490

اكتشاف النظريات الجديدة بعد ذلك ظهرت في القرن التاسع عشر، نظريات أكثر زادت البُعد والشقة بين ما كان يؤمن به الإنسان من نظرته إلى هذا الوجود، وبين ما جاءت به هذه النظريات. ومن جملة هذه النظريات نظرية التطور العضوي -نظرية دارون - فقالوا: إن الأحياء كلها تتسلسل، تبدأ من الكائن ذو الخلية الواحدة إلى أن تصل في النهاية إلى الإنسان، تسلسلاً تدريجياً طبيعيا. أي: أنه وجد هكذا بدون إرادة وراءه ولا هدف أو غاية، فأصبح كل ما تقوله الكنيسة ورجال الدين لا قيمة له إزاء هذه النظرية العلمية كما يزعمون! إذاً لم يعد في حس الإنسان الأوروبي شيءٌ اسمه خطيئة أو صلب أو مسيح؛ إلا وهو من جملة الخرافات -وبالأخص عند المثقفين- إذاً فالإنسان تطور -كما يزعمون- وهذه هي النظرية الصحيحة. وما دام أن الأمر كذلك فليس هناك آدم ولا خطيئة، ولا يحتاج الأمر إلى تكفير أو أي شيء. فتغيرت نظرة الإنسان الأوروبي إلى الوجود تغيراً كلياً، فكفر بكل الأديان. والمصيبة أن الإنسان الأوروبي الذي آمن بهذه النظرية وأمثالها؛ هو الإنسان الذي يقود العالم في تلك الفترة، فقد كان الإنسان الأوروبي من الإنجليز والفرنسيين والألمان وغيرهم يستعمرون معظم الدنيا؛ فكأن هذا هو خلاصة رأي البشرية والإنسانية. ومن ثم نقلوه إلى معظم الدول التي احتلوها ومنها العالم الإسلامي، وأصبحوا ينادون في كل مكان بأن الإنسان ليس له غاية، وليس لوجوده حكمة، كما يقول زعيم الإلحاد في هذا العصر وهو ألدوس هكسلي صاحب النظرية الداروينية الجديدة، يقول: إن هذا التطور هو الذي جعل الإنسان سيد المخلوقات، فجاء الأمر صدفة واعتباطاً، ولو أنه حل محل الإنسان الضفدع أو الفأر، لأمكن أن يكون هو سيد المخلوقات؛ فالأمر عندهم سواء، فأفقدوا الوجود كل حكمة وكل معنى.

стр. 491

الغربيون بين التنكر لدين الفطرة والاعتراف به وهذا الكلام على مستوى النظريات، فما هو أثره على مستوى الحياة الفردية في الإنسان؟ لقد ترك الناس الكنائس والمواعظ، وتركوا قراءة الأناجيل، وقالوا: كل هذا خرافة، إذاً فكيف يعيشون؟ فلا يمكن للإنسان أن يعيش من دون هدف؛ فكانت فرحة الانبهار بالعلم، وما حقق من منجزات تغشى الأعين قليلاً قليلاً؛ إلا أنه وجِد شعراء وأدباء، ووجِد أناس يفكرون؛ لأن هذا سؤال فطري في كل نفس. فقالوا: هل من المعقول أن يكون الإنسان قد وجد هكذا وليس له هدف ولا غاية؟ فكانت الحيرة الكبرى التي وقع فيها الإنسان الغربي عامة -الأوروبي منهم والأمريكي- هي أننا ليس لوجودنا معنى. إذاً: فما هو الحل؟ تعددت الإجابات.

стр. 492

الانتحار نتيجة الضلال عن حكمة الوجود ومن الظواهر العجيبة التي أثارت اهتمام العلماء من هذا النوع؛ ظاهرة انتحار الحيتان، وقد تتعجبون لماذا تنتحر! فهي في أعماق المحيط فتخرج جماعات ضخمة من أعماق المحيط فتنتحر على الشواطئ، وترمي نفسها حتى تموت، ومعلوم أن أحرص شيءٍ عند الحيوانات المائية؛ أن تعيش في الماء، فإذا أخرجتها من الماء حاولت أن تتدحرج حتى ترجع إلى الماء؛ فكيف يقذف الحوت نفسه عامداً متعمداً على الشاطئ ليموت؟ فأخذوا يفكرون! وكان مما قيل: إن الحيتان بدأت تشعر أن وجودها لا معنى له، ولا حكمة من وجودها، ولذلك رمت نفسها، لتموت. وكذلك فقد وجد آلاف من البشر ينتحرون، فلماذا ينتحرون؟! ففي السويد وبعض دول اسكندنافيا -وهي أكثر الدول رقياً وتقدماً كما يقولون- وضعوا مستشفيات خاصة للانتحار؛ فالذي يريد أن ينتحر عليه أن يسجل اسمه ويذكر أسباب الانتحار. فقد يكون السبب أن العشيقة طردته، أو لأنه لم يرق في العمل -أو أي سبب كان- فيكتب هذه المعلومات، ويدخلونه في غرفة خاصة، ويقتلونه بطريقة معينة. ويقولون: هذا القتل أفضل من أن يذهب إلى الشواطئ، فيعكر الصفو على المصطادين والسواح، أو أن ينتحر من مبنىً شاهق فيعكر على النزلاء. وهكذا فالآلاف من البشر الأوروبيين -عموماً- يشعرون بأن حياتهم ليس لها معنى، وأن وجودهم لا حكمة من ورائه، وأنهم حيارى ضائعون لا يدرون لماذا جاءوا وإلى أين يذهبون؟ كما عبر الشاعر النصراني، شاعر المهجر إيليا أبو ماضي: جئت لا أعرف من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت كيف جئت؟! كيف أبصرت طريقي؟! لست أدري ولماذا لست أدري لست أدري! فهو لا يدري ولا يدري لماذا لا يدري؟ فهو يعبر عن الحياة التي عاشها بنو دينه النصارى، والتي يعيشونها إلى اليوم في أكثر أنحاء العالم؛ فلم يجدوا حكمة لهذا الوجود، فماذا كانت النتيجة؟ إن الانتحار هو ما اختاره كثير منهم! فقد كونوا جماعات كبيرة، منها الجماعة التي انتحرت قبل عشر سنوات بشكل جماعي -وكان عددهم أكثر من ثمانمائة شخص- في الأمازون، وهم من أمريكا ولما وقعت هذه الحادثة أوصى الكونجرس بدراسة هذه الظاهرة في الولايات المتحدة. فكانت نتيجة الدراسة: أنه يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية (ألفان وخمسمائة نحلة ودين وجماعة) من هذا الشكل ممن يبلغ أتباعها المليون أو أقل من ذلك، وكلهم بهذا الشكل لا يدرون لماذا جاءوا؟ وإلى أين يذهبون؟ ولا يعرفون قيمة ولا طعم الحياة. وقد تكونت من هذه الجماعات عصابات تذهب إلى البلاد التي تشعر بالطمأنينة في نظرهم، ويسألون عن أي البلاد أكثر انحطاطاً وتأخراً في الحياة لماذا؟ لأنهم تصوروا أن التكنولوجيا والتقدم (الطائرات، والصواريخ، والرفاهية) هي السبب في ضياعهم، أي أن الحضارة هي السبب، فقالوا: نبحث عن أحط بقاع العالم في الحضارة ثم نعيش فيها. ولذلك يذهبون إلى نيبال -وهي دولة داخلية في شمال الهند تعيش حياة شبه بدائية- فالأمريكان في نيبال كثيرون وشبه عراة، لكنهم يقولون: المهم أننا فارقنا نيويورك وشيكاغو، فارقنا تلك المجتمعات المتحضرة حضارة متعقدة لكي نعيش في جو الطمأنينة، وفي جو إنساني حتى نموت. فهم لا يبحثون عن شيء إلا راحةً قليلةً قبل أن يأتيهم الموت، ويحقنون أنفسهم بالمخدرات! إنها حيرة متناهية! فهم لا يدرون لماذا جاءوا؟ ولماذا خلقوا؟ وإلى أين يذهبون؟ فلا يدرون ولا يخطر على بالهم أن في إمكانهم أن يعرفوا ذلك أو يعلموه؛ لأن المجتمعات التي لفظتهم هي مجتمعات التقدم والعلم والتكنولوجيا، فما قيمة هذا العلم وهذه الحضارة المادية بغير إيمان بالله ؟! لم يجدوا لذلك أي قيمة، وهذا الداء قد وصل إلى بلاد المسلمين، ولو تحدثنا عنه في بلاد الغرب لطال الحديث جداً، فأنتم تقرءون في المجلات الغربية عن عدد المنتحرين، بسبب الحياة العابثة التي يعيشها الغرب.

стр. 493

أولاً: التنكر فمنهم من قال: العلم لا دخل له في الفلسفة؛ فنحن في المعمل نبحث عن وجود الأشياء والظواهر العلمية، وكذلك علماء الاجتماع يبحثون عن الظواهر الاجتماعية، ولكن لا شأن للعلم بالفلسفة؛ فنحن لا نبحث لماذا جاء الكون؟ فهذا لا يهمنا. فهذا سؤال فلسفي وهم يعاندون الفطرة؛ لأنه كلما بحثوا في شيء من الكون؛ يأتيهم السؤال لماذا جاء هذا؟ فيعاندون ويقاومون الفطرة بهذا الحل، وهو أنهم يجعلون هذا من مسئولية غيرهم، فالباحث في الأحياء أو الفلك أو الطبيعة؛ لا دخل له بغيره، وغيره هو الذي يجيب على هذا السؤال، أما هو فيجيب فقط عن خواص المادة، وكيف تتركب، وكيف تتكون، وهذا يكون في حدود علمه. فأصبح الإنسان يجد عالماً فيزيائياً، أو فلكياً -كبيراً- يتكلم عن دقة الكون وعن عجائب النبات، وعن عجائب خلق الله ؛ فإذا سألته وماذا وراء هذا؟ وكيف نشأ هذا؟ يقول: لا تحول الموضوع إلى فلسفة؛ فنحن نتكلم كلاماً علمياً فقط، وكأن العلم عدو للبحث عن الحقائق الأساسية. فحالهم هو كما قال بعض العلماء: كمثل الإنسان الذي كان في فناء بيت من البيوت، وهو يرى البيت من بعيد، يعجب به! ويقول: هذا البيت لا بد أن له صاحباً عمله وبناه وهندسه وصرَّفه ودبره، فلما أن دخل هذا البيت كلما فتح باباً قال: الآن أيقنت أن هذا البيت ليس لأحد، ولم يبنه أحد ولا هندسه أحد، فكيف وهو في الخارج يؤمن بأن هذا البيت لا بد أن له مهندساً وأن له مالكاً وله موجداً، ولما دخل ورأى النقوش والزخارف، والتخطيط العجيب الدقيق أنكر؟! فكلما ازداد في معرفة دقة البيت ونظامه وهندسته، يقول: الآن ازددت قناعة أنه ليس لهذا البيت مالك ولا مهندس؟! فهذا هو حالهم! فالإنسان عندما كان أُمياً ساذجاً لا يعرف من هذا الكون إلا المظاهر، يرى السحاب ويظن أنه ملتصق بالسماء، ويرى النجوم ويظن أنها عبارة عن لمبات صغيرة في الكون؛ كان يعتقد أن لهذا الكون إله، ولما تعمق في الكون ورأى المجرات والآفاق البعيدة قال: الآن أيقنت أنه ليس لهذا الكون إله كيف يكون هذا والفطرة والعقل الصحيح عكس ذلك؟! فالعقل الصحيح يقول: كلما تشاهد الدقة تزداد يقيناً بأن الذي صنع هذا أعظم مما كنت تتخيل بكثير جداً، وهكذا نسي أولئك هذا الشيء.

стр. 494

ثانياً: الاعتراف النوع الآخر: اتجهوا إلى أن هذا الكون له حكمة، والوجود له غاية؛ لكنهم لما كانوا لا يؤمنون بالله الإيمان الصحيح، ولا يؤمنون بالإسلام الذي يملك الإجابة الصحيحة على كل شيء؛ أخذوا يتخبطون أو يأتون بإجابات مجملة، ومن ذلك: أن كثيراً من العلماء الذين أقروا على الإيمان بالله ، على أساس أن لهذا الكون إله، ولكن ماذا يعمل الإنسان؟ لم يجدوا الجواب، فأخذوا يقولون: عليه أن يحقق السلام، وعليه أن يبحث عن الطمأنينة، وعليه أن يفعل كذا. فهم لا يجدون الإجابات؛ لأنهم لا يملكون ذلك؛ فتركوها وأعرضوا عنها. ومن هؤلاء العلماء الذين أدهشتهم دقة الكون وعجائب الكون أحد العلماء الأمريكيين الكبار، صاحب الكتاب الذي ترجم باسم: العلم يدعو إلى الإيمان وهو كريس مرسون، فهذا الرجل رد على هكسلي زعيم الإلحاد، فقد كتب هكسلي كتاباً اسمه: الإنسان يقوم وحده؛ فرد عليه هذا بكتاب الإنسان لا يقوم وحده، وترجم باسم العلم يدعو إلى الإيمان. فذكر فيه أموراً عديدة، وتفصيلات دقيقة لحكمة الأحياء؛ لكنه لم يذكر فيه شيئاً عن حكمة وجود الإنسان؛ لأن هذا لا يملكه الإنسان الغربي، وقد تكلم عن الهداية فيقول -مثلاً-: إن الطيور التي تعشعش في بيوتنا، في فصل ما من الفصول، تهاجر وتقطع آلاف الأميال فوق البحار في فصول أخرى، ثم تعود إلى نفس العش، هذا شيء يثير الانتباه '. ومنها أن الثعابين المائية -على نوعين: ثعبان الماء الأوروبي، وثعبان الماء الأمريكي- التي تهاجر من المحيط الأطلسي -إذا تجمد- إلى اتجاه المناطق الاستوائية الدافئة إلى مثلث برمودا، تهاجر وتموت هنالك؛ ولكنها تبيض في المناطق الاستوائية؛ والذي يحصل أن الثعابين الصغيرة المولودة -بعد أن تكبر- تعود وتهاجر إلى المناطق التي كان فيها آباؤها في أوروبا أو في أمريكا؛ بحيث أنه إذا ذهب الثلج وجاء الفصل المعتدل؛ نجد أن كل بحيرة فيها الثعابين المائية. إذاً هناك نوع من الهداية، لأن الثعبان يعود إلى المكان الذي كان فيه أبوه، ولا يذهب إلى بحيرة أخرى. وأكثر من ذلك! المسافة التي يقطعها الثعبان الأوروبي فهي -بطبيعة الحال- من شواطئ غرب أوروبا إلى برمودا، أكبر وأطول من أمريكا؛ ووجدوا -أيضاً- أن عمر الثعبان الأوروبي أطول بأشهر من الثعبان الأمريكي؛ وكأن هذا حساب للمسافة الزمنية، فكل شيء له حسابه ونظامه الذي يختص به دون غيره. ثم نظر إلى النمل وقال: إنه وجد أن هذا النمل أنواع، فهناك نوع من النمل يطحن الطعام، أي: أن النمل يجمع الطعام فيأتي النمل الطحان فيطحن الطعام؛ فيطحن الحب ويجمعه، وإذا انتهى الطحن، وجاء موسم الأكل من المخزون؛ يقوم النمل الآخر فيقتل النمل الطحان، لأنه لو بقي لأكل مما طحن فلا حكمة من وجوده. إذاً: يموت، وغيرها من الأشياء العجيبة!! وذكر -أيضاً- نوعاً من العناكب التي تعيش في الماء، فهذه العناكب تغوص وتبني عشها في أي شيءٍ ثابتٍ في قعر البحر، ثم تصعد إلى سطح الماء؛ لتحتفظ بفقاعة من الهواء، ثم تعود فتضعها في العش، وهكذا. حتى تأتي بفقاعات ينتفخ بها العش من الهواء، ويكون فيه البيض والمواليد التي تضعها هذه العنكبوت في جو في قاع البحر بعيدٍ عن العواصف وبعيد عن الأخطار؛ وفي نفس الوقت الأكسجين موجود؛ لأن العنكبوت قد أخذت الأكسجين من الهواء الطلق، وهذا الأكسجين يكفي لأن تعيش العناكب حتى تكتمل، فإذا اكتملت تخرج وتصبح مثل الأم؛ تسبح في الماء وتبدأ تصنع أعشاشاً جديدة. إذاً فكل شيءٍ له حكمة وكل مخلوق له نظام، كما قال : ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] وكل شيء له نظام يمشي عليه. أما إذا انتهت الغاية من وجود هذا الشيء؛ فإنه ينتهي وجوده تلقائياً، وكأنه لا مبرر لبقائه.

стр. 495

من وسائل نقل أمراض الغرب إلينا كيف وصلت هذه العدوى إلى البلاد التي أُرسل إليها محمد ﷺ ؟ وإلى أمةٍ تتلوا القرآن وتقرأ السنة؟ ثم لا تدري لماذا جاءت، وإلى أين تذهب.
следующие страницы →