← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الغربيون بين التنكر لدين الفطرة والاعتراف به وهذا الكلام على مستوى النظريات، فما هو أثره على مستوى الحياة الفردية في الإنسان؟ لقد ترك الناس الكنائس والمواعظ، وتركوا قراءة الأناجيل، وقالوا: كل هذا خرافة، إذاً فكيف يعيشون؟ فلا يمكن للإنسان أن يعيش من دون هدف؛ فكانت فرحة الانبهار بالعلم، وما حقق من منجزات تغشى الأعين قليلاً قليلاً؛ إلا أنه وجِد شعراء وأدباء، ووجِد أناس يفكرون؛ لأن هذا سؤال فطري في كل نفس. فقالوا: هل من المعقول أن يكون الإنسان قد وجد هكذا وليس له هدف ولا غاية؟ فكانت الحيرة الكبرى التي وقع فيها الإنسان الغربي عامة -الأوروبي منهم والأمريكي- هي أننا ليس لوجودنا معنى. إذاً: فما هو الحل؟ تعددت الإجابات.

стр. 492

الانتحار نتيجة الضلال عن حكمة الوجود ومن الظواهر العجيبة التي أثارت اهتمام العلماء من هذا النوع؛ ظاهرة انتحار الحيتان، وقد تتعجبون لماذا تنتحر! فهي في أعماق المحيط فتخرج جماعات ضخمة من أعماق المحيط فتنتحر على الشواطئ، وترمي نفسها حتى تموت، ومعلوم أن أحرص شيءٍ عند الحيوانات المائية؛ أن تعيش في الماء، فإذا أخرجتها من الماء حاولت أن تتدحرج حتى ترجع إلى الماء؛ فكيف يقذف الحوت نفسه عامداً متعمداً على الشاطئ ليموت؟ فأخذوا يفكرون! وكان مما قيل: إن الحيتان بدأت تشعر أن وجودها لا معنى له، ولا حكمة من وجودها، ولذلك رمت نفسها، لتموت. وكذلك فقد وجد آلاف من البشر ينتحرون، فلماذا ينتحرون؟! ففي السويد وبعض دول اسكندنافيا -وهي أكثر الدول رقياً وتقدماً كما يقولون- وضعوا مستشفيات خاصة للانتحار؛ فالذي يريد أن ينتحر عليه أن يسجل اسمه ويذكر أسباب الانتحار. فقد يكون السبب أن العشيقة طردته، أو لأنه لم يرق في العمل -أو أي سبب كان- فيكتب هذه المعلومات، ويدخلونه في غرفة خاصة، ويقتلونه بطريقة معينة. ويقولون: هذا القتل أفضل من أن يذهب إلى الشواطئ، فيعكر الصفو على المصطادين والسواح، أو أن ينتحر من مبنىً شاهق فيعكر على النزلاء. وهكذا فالآلاف من البشر الأوروبيين -عموماً- يشعرون بأن حياتهم ليس لها معنى، وأن وجودهم لا حكمة من ورائه، وأنهم حيارى ضائعون لا يدرون لماذا جاءوا وإلى أين يذهبون؟ كما عبر الشاعر النصراني، شاعر المهجر إيليا أبو ماضي: جئت لا أعرف من أين ولكني أتيت ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت كيف جئت؟! كيف أبصرت طريقي؟! لست أدري ولماذا لست أدري لست أدري! فهو لا يدري ولا يدري لماذا لا يدري؟ فهو يعبر عن الحياة التي عاشها بنو دينه النصارى، والتي يعيشونها إلى اليوم في أكثر أنحاء العالم؛ فلم يجدوا حكمة لهذا الوجود، فماذا كانت النتيجة؟ إن الانتحار هو ما اختاره كثير منهم! فقد كونوا جماعات كبيرة، منها الجماعة التي انتحرت قبل عشر سنوات بشكل جماعي -وكان عددهم أكثر من ثمانمائة شخص- في الأمازون، وهم من أمريكا ولما وقعت هذه الحادثة أوصى الكونجرس بدراسة هذه الظاهرة في الولايات المتحدة. فكانت نتيجة الدراسة: أنه يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية (ألفان وخمسمائة نحلة ودين وجماعة) من هذا الشكل ممن يبلغ أتباعها المليون أو أقل من ذلك، وكلهم بهذا الشكل لا يدرون لماذا جاءوا؟ وإلى أين يذهبون؟ ولا يعرفون قيمة ولا طعم الحياة. وقد تكونت من هذه الجماعات عصابات تذهب إلى البلاد التي تشعر بالطمأنينة في نظرهم، ويسألون عن أي البلاد أكثر انحطاطاً وتأخراً في الحياة لماذا؟ لأنهم تصوروا أن التكنولوجيا والتقدم (الطائرات، والصواريخ، والرفاهية) هي السبب في ضياعهم، أي أن الحضارة هي السبب، فقالوا: نبحث عن أحط بقاع العالم في الحضارة ثم نعيش فيها. ولذلك يذهبون إلى نيبال -وهي دولة داخلية في شمال الهند تعيش حياة شبه بدائية- فالأمريكان في نيبال كثيرون وشبه عراة، لكنهم يقولون: المهم أننا فارقنا نيويورك وشيكاغو، فارقنا تلك المجتمعات المتحضرة حضارة متعقدة لكي نعيش في جو الطمأنينة، وفي جو إنساني حتى نموت. فهم لا يبحثون عن شيء إلا راحةً قليلةً قبل أن يأتيهم الموت، ويحقنون أنفسهم بالمخدرات! إنها حيرة متناهية! فهم لا يدرون لماذا جاءوا؟ ولماذا خلقوا؟ وإلى أين يذهبون؟ فلا يدرون ولا يخطر على بالهم أن في إمكانهم أن يعرفوا ذلك أو يعلموه؛ لأن المجتمعات التي لفظتهم هي مجتمعات التقدم والعلم والتكنولوجيا، فما قيمة هذا العلم وهذه الحضارة المادية بغير إيمان بالله ؟! لم يجدوا لذلك أي قيمة، وهذا الداء قد وصل إلى بلاد المسلمين، ولو تحدثنا عنه في بلاد الغرب لطال الحديث جداً، فأنتم تقرءون في المجلات الغربية عن عدد المنتحرين، بسبب الحياة العابثة التي يعيشها الغرب.

стр. 493

أولاً: التنكر فمنهم من قال: العلم لا دخل له في الفلسفة؛ فنحن في المعمل نبحث عن وجود الأشياء والظواهر العلمية، وكذلك علماء الاجتماع يبحثون عن الظواهر الاجتماعية، ولكن لا شأن للعلم بالفلسفة؛ فنحن لا نبحث لماذا جاء الكون؟ فهذا لا يهمنا. فهذا سؤال فلسفي وهم يعاندون الفطرة؛ لأنه كلما بحثوا في شيء من الكون؛ يأتيهم السؤال لماذا جاء هذا؟ فيعاندون ويقاومون الفطرة بهذا الحل، وهو أنهم يجعلون هذا من مسئولية غيرهم، فالباحث في الأحياء أو الفلك أو الطبيعة؛ لا دخل له بغيره، وغيره هو الذي يجيب على هذا السؤال، أما هو فيجيب فقط عن خواص المادة، وكيف تتركب، وكيف تتكون، وهذا يكون في حدود علمه. فأصبح الإنسان يجد عالماً فيزيائياً، أو فلكياً -كبيراً- يتكلم عن دقة الكون وعن عجائب النبات، وعن عجائب خلق الله ؛ فإذا سألته وماذا وراء هذا؟ وكيف نشأ هذا؟ يقول: لا تحول الموضوع إلى فلسفة؛ فنحن نتكلم كلاماً علمياً فقط، وكأن العلم عدو للبحث عن الحقائق الأساسية. فحالهم هو كما قال بعض العلماء: كمثل الإنسان الذي كان في فناء بيت من البيوت، وهو يرى البيت من بعيد، يعجب به! ويقول: هذا البيت لا بد أن له صاحباً عمله وبناه وهندسه وصرَّفه ودبره، فلما أن دخل هذا البيت كلما فتح باباً قال: الآن أيقنت أن هذا البيت ليس لأحد، ولم يبنه أحد ولا هندسه أحد، فكيف وهو في الخارج يؤمن بأن هذا البيت لا بد أن له مهندساً وأن له مالكاً وله موجداً، ولما دخل ورأى النقوش والزخارف، والتخطيط العجيب الدقيق أنكر؟! فكلما ازداد في معرفة دقة البيت ونظامه وهندسته، يقول: الآن ازددت قناعة أنه ليس لهذا البيت مالك ولا مهندس؟! فهذا هو حالهم! فالإنسان عندما كان أُمياً ساذجاً لا يعرف من هذا الكون إلا المظاهر، يرى السحاب ويظن أنه ملتصق بالسماء، ويرى النجوم ويظن أنها عبارة عن لمبات صغيرة في الكون؛ كان يعتقد أن لهذا الكون إله، ولما تعمق في الكون ورأى المجرات والآفاق البعيدة قال: الآن أيقنت أنه ليس لهذا الكون إله كيف يكون هذا والفطرة والعقل الصحيح عكس ذلك؟! فالعقل الصحيح يقول: كلما تشاهد الدقة تزداد يقيناً بأن الذي صنع هذا أعظم مما كنت تتخيل بكثير جداً، وهكذا نسي أولئك هذا الشيء.

стр. 494

ثانياً: الاعتراف النوع الآخر: اتجهوا إلى أن هذا الكون له حكمة، والوجود له غاية؛ لكنهم لما كانوا لا يؤمنون بالله الإيمان الصحيح، ولا يؤمنون بالإسلام الذي يملك الإجابة الصحيحة على كل شيء؛ أخذوا يتخبطون أو يأتون بإجابات مجملة، ومن ذلك: أن كثيراً من العلماء الذين أقروا على الإيمان بالله ، على أساس أن لهذا الكون إله، ولكن ماذا يعمل الإنسان؟ لم يجدوا الجواب، فأخذوا يقولون: عليه أن يحقق السلام، وعليه أن يبحث عن الطمأنينة، وعليه أن يفعل كذا. فهم لا يجدون الإجابات؛ لأنهم لا يملكون ذلك؛ فتركوها وأعرضوا عنها. ومن هؤلاء العلماء الذين أدهشتهم دقة الكون وعجائب الكون أحد العلماء الأمريكيين الكبار، صاحب الكتاب الذي ترجم باسم: العلم يدعو إلى الإيمان وهو كريس مرسون، فهذا الرجل رد على هكسلي زعيم الإلحاد، فقد كتب هكسلي كتاباً اسمه: الإنسان يقوم وحده؛ فرد عليه هذا بكتاب الإنسان لا يقوم وحده، وترجم باسم العلم يدعو إلى الإيمان. فذكر فيه أموراً عديدة، وتفصيلات دقيقة لحكمة الأحياء؛ لكنه لم يذكر فيه شيئاً عن حكمة وجود الإنسان؛ لأن هذا لا يملكه الإنسان الغربي، وقد تكلم عن الهداية فيقول -مثلاً-: إن الطيور التي تعشعش في بيوتنا، في فصل ما من الفصول، تهاجر وتقطع آلاف الأميال فوق البحار في فصول أخرى، ثم تعود إلى نفس العش، هذا شيء يثير الانتباه '. ومنها أن الثعابين المائية -على نوعين: ثعبان الماء الأوروبي، وثعبان الماء الأمريكي- التي تهاجر من المحيط الأطلسي -إذا تجمد- إلى اتجاه المناطق الاستوائية الدافئة إلى مثلث برمودا، تهاجر وتموت هنالك؛ ولكنها تبيض في المناطق الاستوائية؛ والذي يحصل أن الثعابين الصغيرة المولودة -بعد أن تكبر- تعود وتهاجر إلى المناطق التي كان فيها آباؤها في أوروبا أو في أمريكا؛ بحيث أنه إذا ذهب الثلج وجاء الفصل المعتدل؛ نجد أن كل بحيرة فيها الثعابين المائية. إذاً هناك نوع من الهداية، لأن الثعبان يعود إلى المكان الذي كان فيه أبوه، ولا يذهب إلى بحيرة أخرى. وأكثر من ذلك! المسافة التي يقطعها الثعبان الأوروبي فهي -بطبيعة الحال- من شواطئ غرب أوروبا إلى برمودا، أكبر وأطول من أمريكا؛ ووجدوا -أيضاً- أن عمر الثعبان الأوروبي أطول بأشهر من الثعبان الأمريكي؛ وكأن هذا حساب للمسافة الزمنية، فكل شيء له حسابه ونظامه الذي يختص به دون غيره. ثم نظر إلى النمل وقال: إنه وجد أن هذا النمل أنواع، فهناك نوع من النمل يطحن الطعام، أي: أن النمل يجمع الطعام فيأتي النمل الطحان فيطحن الطعام؛ فيطحن الحب ويجمعه، وإذا انتهى الطحن، وجاء موسم الأكل من المخزون؛ يقوم النمل الآخر فيقتل النمل الطحان، لأنه لو بقي لأكل مما طحن فلا حكمة من وجوده. إذاً: يموت، وغيرها من الأشياء العجيبة!! وذكر -أيضاً- نوعاً من العناكب التي تعيش في الماء، فهذه العناكب تغوص وتبني عشها في أي شيءٍ ثابتٍ في قعر البحر، ثم تصعد إلى سطح الماء؛ لتحتفظ بفقاعة من الهواء، ثم تعود فتضعها في العش، وهكذا. حتى تأتي بفقاعات ينتفخ بها العش من الهواء، ويكون فيه البيض والمواليد التي تضعها هذه العنكبوت في جو في قاع البحر بعيدٍ عن العواصف وبعيد عن الأخطار؛ وفي نفس الوقت الأكسجين موجود؛ لأن العنكبوت قد أخذت الأكسجين من الهواء الطلق، وهذا الأكسجين يكفي لأن تعيش العناكب حتى تكتمل، فإذا اكتملت تخرج وتصبح مثل الأم؛ تسبح في الماء وتبدأ تصنع أعشاشاً جديدة. إذاً فكل شيءٍ له حكمة وكل مخلوق له نظام، كما قال : ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه:٥٠] وكل شيء له نظام يمشي عليه. أما إذا انتهت الغاية من وجود هذا الشيء؛ فإنه ينتهي وجوده تلقائياً، وكأنه لا مبرر لبقائه.

стр. 495

من وسائل نقل أمراض الغرب إلينا كيف وصلت هذه العدوى إلى البلاد التي أُرسل إليها محمد ﷺ ؟ وإلى أمةٍ تتلوا القرآن وتقرأ السنة؟ ثم لا تدري لماذا جاءت، وإلى أين تذهب.

стр. 496

مشاهدات واضحة إن الدراسات التي يقوم بها العلماء الأوروبيون عن أي دين من الأديان كثيرة: فهم يذهبون إلى علماء الهند -علماء البرهمية - يزورونهم ويجالسونهم ويسألونهم عن الدين، وكيف ينظرون إلى الأمور؛ فيكتبون عنهم المصادر الموثقة، ويكتبون عن بوذا وغيره بأنهم رجال مصلحون عظماء فقد فعلوا وفعلوا. لكن إذا أرادوا أن يكتبوا عن دين الإسلام: هل رأيتم مستشرقاً جاء إلى علماء المسلمين وأخذ يسألهم عن الإسلام؟ وهل يأخذ الحق من مصادره الصحيحة؟ وهل يستدل بتفسيرٍ صحيحٍ للقرآن ويستشهد به؟ لا. بل تجده يخبط خبطاً عجيباً جداً ويفتري أشياء لا وجود لها في القرآن، أو في السنة، أو حتى عند المسلمين. فمثلاً أصحاب دائرة المعارف الإسلامية، وهؤلاء هم أرقى طبقة من المستشرقين؛ فالغربُ كله يقدرهم ويجل أعمالهم العلمية، ولكن مع ذلك فلهم افتراءات عجيبة، وسأضرب أمثلة بسيطة جداً على ذلك: فمثلاً يقولون في قصة إبليس: في القرآن أن إبليس يبيض ثلاث بيضات، ومن كل بيضة يطلع نوع من أنواع الشياطين. ففي أي سورة وفي أي آية نجد هذا؟! ومع ذلك فهم علميون محترمون لا يتكلمون إلا من منطلق العلم والبحث العلمي -كما يزعمون- فلماذا إذا تكلموا عن الإسلام فإنهم يختلقون ما شاءوا من الأكاذيب، وإذا تكلموا عن غيره فبالاتزان والهدوء والمراجعة؟ لماذا لا يذكرون صحيح البخاري ولا يستشهدون به؟ وإنما يستشهدون بكتب ككتاب الأغاني، وألف ليلة وليلة أو بالكتب السخيفة التافهة التي لا قيمة لها علمياً؟! إنما ذلك لأن الحقد في قلوبهم. فهذا من الناحية العلمية. ومن الناحية الواقعية؛ فإنه إذا حدث حدثٌ في الهند أو الصين أو في أي بلد من بلدان العالم فإننا نلاحظ كيف تتعامل معه النفسية الغربية؟! إنهم ينظرون إليه نظرة مجردة، فيأخذون الأخبار من مصادرها، ويجرون المقابلات مع زعماء الطوائف الانفصالية أو الثوار أو غير ذلك، حتى لا يقولون عنهم إلا القول الذي أخذوه عنهم، أو يقولون: تنسب الحكومة إليهم كذا، حتى لا يكونوا مفترين. فإذا كان الأمر في بلاد المسلمين لفقوا التهم كما يشاءون عن المسلمين، ولا يسألون أبداً، ولا يستفسرون مِن صاحب الشأن من المسلمين: ما رأيك في كذا؟ ولماذا قلت كذا؟ ولهذا فإن كثيراً من القضايا الإسلامية لا نعرف حقيقتها إلا إذا جاءت مجلة أو صحيفة إسلامية، وقد تكون متأخرة جداً، فتعرف أن حقيقة الموضوع كذا وكذا؛ بينما سمعنا في الإذاعات والصحف الغربية أن الأمر يختلف تماماً! والأمثلة في هذا كثيرة. المهم أن هؤلاء الذين لا يدرون لماذا جاءوا؟ ولماذا خلقوا؟ ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؛ لا يمكن أن يريدوا لنا الخير؛ وبذلك لا يمكن أن يعيشوا في أنفسهم عيشة إنسانية. وكما قلنا: إن الحيوان هو الذي يعيش عمره لحظة بلحظة، ولا يفكر فيما مضى ولا فيما هو آتٍ، وإن أكثر هؤلاء الناس لو سألناهم؛ لوجدنا أنهم يعيشون كالحيوان، يفكر في ذلك اليوم وكيف يسهر، وكيف يلعب، وكيف يترفه (في حدود ذلك اليوم) ولا يدري لماذا أتى؟ وإلى أين أذهب؟ فيجب أن نعلم أنها تربية عامة وليست تربية غربية. ولذلك فإن البيان الشيوعي الذي قامت عليه الشيوعية والعالم الشرقي ينص على أن مطالب الإنسان الرئيسية هي الغذاء والمسكن والجنس -أي: المطالب الحيوانية فقط- وكذلك العالم الغربي، ففي أي مجال ننظر وندرس سواء كان ذلك في مجال العلاقات العامة، أو مجال الدراسات الاجتماعية، أو مجال البحوث الاقتصادية، فإننا نراهم يقولون: الغاية التي تسعى إليها المجتمعات والدول والأفراد هي الرفاهية الاقتصادية، والسعي إلى تحقيق أكبر ربح مادي وأكبر نسبة من التنمية ومن التقدم والاقتصاد، فهذه غاية الشرق والغرب، إنها مطالبٌ حيوانية، ونظرة حيوانيةوليس للإيمان بالله فيها أي أثر.

стр. 497

سبب انتقال هذه الأمراض كثيرٌ من الشباب وصل به الأمر إلى هذا الحال؛ بل إنهم يتابعون ويلهثون وراء أولئك الضائعين الذين لا يدرون لماذا جاءوا وإلى أين يذهبون، وأكثر من ذلك أنهم ربما يعظمونهم ويجلونهم ويقدرونهم ويقتدون بهم في مناهج الحياة. فهؤلاء الصم البكم الذين لا يعقلون، والذين لا يسأل الواحد منهم نفسه لماذا جئت إلى هذه الحياة، وإلى أين نذهب بعد الموت هؤلاء يتبعهم بعض شباب المسلمين ويقولون لهم: تعالوا نظموا لنا حياتنا! ونريد أن تكون حياتنا العلمية والاجتماعية، بل كل أمورنا على ما تسيرون عليه وهل يمكن للحيران الأعمى أو التائه الضائع الذي لا يجد حلاً لنفسه أن يعطي لغيره الحل؟! وسبب هذه المصيبة أن الإنسان الغربي لما نظر وتصور أن دينه هو أفضل الأديان، وأنه قد ترك دينه فقال: إذاً أنا فعلاً لديَّ هداية؛ وأصحاب الأديان الأخرى التي هي أقل من ديني يجب أن يأخذوا مني؛ لأن عندي تجربة إنسانية في بعض مناحي الحياة، وديني قد تركته؛ فمن الطبيعي أن أصحاب الديانات الأخرى يتبعوني ويأخذون ما عندي؛ لأنهم يتصورون أنه إذا كانت النصرانية ملأى بالخرافات؛ ففي الإسلام أضعاف أضعاف ذلك من الخرافات عياذاً بالله تعالى. فهكذا هي نظرتهم، ونحن نصدق نظرتهم حين نتبعهم، ونقتفي آثارهم، ثم نسير عليها ونكِّيف أنفسنا وفقها، هذا هو الواقع شئنا أم أبينا؛ كأننا الآن نقول للعالم الغربي: لم نتخذك قدوة إلا لأنك تملك من الحق ما لا نملك، ولأنك تركت خرافات النصرانية ونحن -أيضاً- نترك خرافات الإسلام عياذاً بالله. فهذا واقع الحال، وإن كان بعض المقلدين لهم يقولون: لا. نحن لا نأخذ منهم الدين! إذاً فما الذي تأخذ منهم؟ ألست تأخذ منهم منهج حياتك كلها؟! وهذا هو الدين وهم لا يملكون غير ذلك، أما دينهم فقد تركوه؛ إلا ما بقي من تعصب له ضد الإسلام. فإذا قورن دينهم بالإسلام، فكلهم يتعصبون لدينهم ويقولون: ديننا صحيح والإسلام باطل، وأما إذا قلت لهم: ما رأي العلم في دينكم؟ قالوا: ديننا باطل، من الجهة العلمية والعقلية؛ لكن من جهة مقارنته بالإسلام؛ فهو الحق وهو الصحيح؛ لأنه لا يُجوِّز تعدد الزوجات، ولأنه لا يحرم المرأة من الفواحش وغير ذلك؛ ويقولون: إن الإسلام هو الذي يقف حجر عثرة أمام الحضارة والرقي وأمام التقدم. ومن هنا نعلم لماذا حذَّرنا الله من انتهاج طريق الذين كفروا، ومن اتخاذهم أولياء عندما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]. فحذرنا الله من هؤلاء، ولو أنهم أرادوا أن يعطونا الهداية والحق؛ فإنهم لا يملكونه، كيف وهم يحملون علينا الحقد ولا يريدون إلا الكيد والمكر وسوء العاقبة، ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة؟! فلو أقسموا الأيمان المغلظة على أنهم يريدون مصلحة الأمة الإسلامية؛ لكانوا كاذبين، ولو فرض أن بعضهم أراد الخير؛ فإنه لا يملكه، فهو مثل إنسان جاهل زعم أنه طبيب، ولو أخلص وأراد أن يعالج أحداً لقتله؛ لا لأنه يريد أن يقتله؛ لكن لأنه ليس بطبيب. فهؤلاء الغربيون ليسوا بأطباء؛ بل هم قتلة متعمدون لهذا الدين، فلا يريدون أن تعود هذه الأمة إلى مجدها لحظة واحدة، وأنا أضع أسباباً حتى يُعلمَ أن الحائر الضائع الذي لا يدري لماذا جاء وإلى أين يذهب لا يمكن أن يهدي أحداً غيره.

стр. 498

الأسئلة

стр. 499

تربية الأبناء على العبادة الصحيحة السؤال كيف نربي أبناءنا على فهم العبادة بمفهومها الصحيح؟ الجواب من المهم في التربية أن نربي أنفسنا وأبناءنا على العبادة بمفهومها الصحيح، فبعض الناس لا يفهم من الإسلام إلا بأنه عدو للدنيا يحارب الرفاهية والمال والزوجة، يُحارب كذا وكذا إلخ. وهذه ليست العبادة الصحيحة، ومن هذا الباب يأتي الإنسان الضال فيقول: الأفضل أن أعيش متنعماً ومترفهاً، وأجمع المال وأعمل وأعمل إلخ. فلا نكون مثل هذا الإنسان. وبعض الناس لا يفهم أيضاً من الدين إلا أن الدين يسر، وكلما كلمته في شيء، قال لك: الدين يسر. وإذا سألته: ما حكم هذا الشيء؟ يقول: ليس فيه شيء، فالدين يسر. الاختلاط؟ الدين يسر. الربا؟ الدين يسر. أكل مال اليتيم؟ الدين يسر لا تتشدد ولا تفعل إلخ. فهذا يبيح كل شيء، وهذا يحرم ما أحل الله، فتكون حيرة المجتمع وحيرة الناس من هذا ومن ذاك، وهذا يرد على هذا، فهذا يقول له: إن النبي ﷺ عاش عيشة الزهد والتقشف والتواضع وكذا وكذا وذاك يرد عليه إن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢] وأنه ما يشادّ الدين أحد إلا غلبه فهذا عنده أدلة وهذا عنده أدلة، فهذا أخذ بجزء من الحق وهذا أخذ بجزء من الحق وأما العبادة الصحيحة لله ، والتربية الصحيحة فهي أننا نأخذ الحق كله، كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة:٢٠٨] أي: ادخلوا في الإسلام كله، فهو يضمن لك الحياة الصحيحة في الدنيا، ويحثك على العمل، وينهاك عن الاغترار بالدنيا، فيبيح لك الطيبات؛ لكنه ينهاك عن الانغماس فيها ونسيان الآخرة، فهو توازن في جميع الأمور. فالعبودية لله تكون: بأن تكون كل أمورنا في الحياة على وفق الإسلام؛ فلا يغلو طرف على الطرف الآخر؛ وبذلك تكون حياتنا صحيحة، وعبادتنا لله صحيحة، وجميع حياتنا عبادة لله ؛ حتى اللقمة يرفعها الرجل إلى فيِّ امرأته له فيها أجر، حتى وهو يأتي أهله ففي بضع أحدكم صدقة، حتى وهو يفكر ويعمل في أمور تنفع المسلمين ولمصلحتهم فله في ذلك أجر وهكذا. فلا نحارب الدنيا لمجرد أنها دنيا، ولا نحارب أيضاً التزهد والترفع عن متاع الدنيا وزخارفها؛ لمجرد أن ديننا دين يسر وأنه يحل الطيبات ويحرم المحرمات. والحمد لله رب العالمين.

стр. 500

الرد على نظرية دارون السؤال كيف يمكن الرد على نظرية دارون؟ الجواب الرد على هذه النظرية وعلى غيرها له جانبان: الجانب الأول: نحن المسلمين إيماناً منا بديننا وبصحة ما نحن عليه من الكتاب والسنة -والحمد لله- الأصل أننا لا نتأثر بها على الإطلاق؛ لأنها لا تجد في بلاد المسلمين موضع قدم، ولأننا نعلم جميعاً أن الله ﵎ خلق آدم ﵇، ومن ثم تناسلت السلالة الإنسانية أو الجنس البشري من ذرية آدم وحواء -وهذا لا شك فيه عند أي مسلم عالم أو جاهل- أما ما يتعلق بالأحياء الأخرى، فهذا لا يهمنا كثيراً. فإذا أثبتوا أن الله تعالى هو الذي خلقها لكنه جعل بعضها ينتج من بعض، فلا مانع. وأما إذا قالوا: هذه نتجت من ذاتها عن طريق التولد الذاتي أو عن طريق الخرافات التي يقولونها؛ فهنا نرد عليهم. فالجانب الأول هو الرد الديني بالكتاب والسنة، وهذا معروف لدى كل مسلم، ومن شك في ذلك فهو كافر؛ لأنه يكذب صريح القرآن. الجانب الثاني: وأما من الناحية العلمية المجردة فقد رد عليها كبار علماء الغرب، ومن الردود العلمية عليها: أن نظرية التطور تقوم أساساً على أن الأنواع تتطور عضوياً بحيث تنتج أنواعاً جديدة، وكل نوع ينتج نوعاً آخر فعن طريق الوراثة المتسلسلة المتتابعة تنتج أنواعاً جديدة، وهذا ملخص النظرية الذي يرد بها العلماء المعاصرون على هذه النظرية. يقولون: إن دارون لما كتب هذه النظرية؛ لم يكن يعلم هو ولا علماء عصره شيئاً عن ناقلات الوراثة -الجينات- فهذه لم تكتشف إلا بعد دارون بزمان، وهذه الخلايا كل خلية تحمل كل خصائص الجنس، أي: أن الخلية الإنسانية كأنها مصغر للإنسان ككل، ولهذا يقولون -مثلاً-: التوائم تتشابه لأنها لخليتين حيتين متقاربتين انتجت التوائم، لكن لا يوجد شخصان متشابهان في كل شيء أبداً، فلا بد من فروق عضوية. فناقلات الوراثة هي علم جديد اكتشف، وفيه من العجائب ما يبهر الألباب. ولم يكن دارون ومن معه يعرفون هذا العلم؛ وإنما نظروا نظرة ظاهرية فقط، وهي أن هناك تشابه بين بعض الحيوانات وبين بعض. فقالوا: يمكن أن هذا أصله من هذا، فحكموا من الشكل الخارجي فقط، ولكننا عندما ننظر إلى الحقائق الدقيقة العلمية، والخلايا وما يتعلق بها، فإننا نجد الفروق المختلفة المتباينة جداً، بحيث لا يمكن ولا يصح بأي حال من الأحوال أن يقال إن هذا الجنس هو أصل لذلك الجنس أبداً. وهذا رد من ردود كثيرة جداً يقولها علماء الأحياء الكفرة الغربيون على نظرية دارون.

стр. 501

التمسك بالدين سلاح المواجهة في وجه الأعداء السؤال كيف يمكن مواجهة الإعلام الغربي وحملاته على الإسلام هنا وفي بلاد الغرب؟ الجواب هذا السؤال يجرنا إلى قضية كبيرة جداً أكبر من هذا السؤال وأكبر من هذا الموضوع، وهي: أننا دائماً نسأل كيف نقاوم الشيوعية، ونقاوم الإلحاد، وكيف نقاوم النظريات الوافدة، ونقاوم التشويه الذي يقوم به الإعلام الغربي، كيف وكيف وكيف إلخ. وأنا أقول: إنه لا يمكن أبداً أن نقطع ألسنة الناس عنا أبداً، ولا يمكن أبداً أن نصل إلى مرحلة نأمن فيها من شر الشرق أو الغرب أبداً، فقد قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] وقال أيضاً: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [الفرقان:٣١] فلا يمكن ذلك. ونحن اليوم -كما يقول بعض العلماء- ندفع ضريبة الانتماء للإسلام، كيف؟! ليس فينا من الإسلام إلا -ما يعلمه الله- شيءٌ قليل جداً، لكن الغرب ينظر إلينا على أننا مسلمون. فبعض المسلمين صاروا شيوعيين ماركسيين تماماً؛ لكن الشيوعي الروسي يعاملهم على أنهم ذيل؛ فالشيوعي الأوروبي درجة أولى، والشيوعي الأسيوي أو الأفريقي درجة ثانية، أما الشيوعي الذي هو من بلد مسلم فهو آخر الشيوعيين وأحطهم. وكذلك في الغرب، فإذا وجد إنسان وقد صار أمريكياً تماماً في فكره وحياته وكل شيء؛ فإنه لا يعتبر أمريكياً ولا ينظرون إليه على أنه مثل الأمريكي الآخر؛ وإنما هو من درجة بعيدة؛ بل إن أحط درجة من درجات الحياة الأمريكية هي التي يعيشها هذا الإنسان. ولذلك نقول: كيف نقاوم: الإعلام والزنا والنوادي الإباحية والاختلاط، وهل هذا ممنوع في أمريكا؟ لا. هل سمعتم أن أمريكياً يُعيَّر أنه عضو في نادٍ مختلط مثلاً؟ لكن لماذا إذا ذهب مسلم إلى هذه الدعارات شوهتموه؟ نقول: الحمد لله! هذه نعمة! لأن هذا المسلم يحمل ضريبة الانتماء للإسلام، فضريبة ذلك أن تنسب إليه جميع التهم، وإن كانت في نظرهم ليست بعيب ولاتهمه أو عار، فنحن ندفع هذه الضريبة. ولا يمكن -أبداً- أن يسكت عنا الأعداء؛ لا بالإعلام أو بغير الإعلام، ولا يجوز لنا أن نلوم أعداءنا، وكما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]. فنحن مسئولون أمام الله وأمام أنفسنا عن كل هذه الأمور؛ فيجب أن نؤمن بالله وأن نتمسك بديننا، وهذا هو الذي يدفع عنا كل شر، ومع ذلك سيشهرون ويتكلمون، لكن لا نبالي بهم، المهم أنه لا طريق لنا إلا أن نعود إلى ديننا، ولو استأجرنا مئات الإذاعات في أوروبا ومئات الصحف في أمريكا لتثني علينا، لما تغيرت صورتنا عندهم أبداًَ! ولو أنفقنا لهم ملايين الدنيا ليسكتوا عنا لسكتوا إلى حين أو إلى مصلحة ثم شهروا بنا من باب آخر. فالله لما خلق الناس جعل منهم مؤمنين وكافرين، وجعل هذا عدواً لذاك، فنحن نخطئ خطأً كبيراً جداً إذا ظننا أننا نستطيع أن نسترضي الكافر أو نستعطفه أو نسترحمه بأي شكل من الأشكال؛ والصحيح أننا نطبق فيه حكم الله وشرع الله ونعامله كما أمر الله تعالى، فهذا الذي يقينا شره كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ [آل عمران:١٢٠] أي: بالصبر والتقوى، وأما بوسائل الإعلام أو أشياء أخرى؛ فهذه لا يمكن أن تكفهم عنا أبداً.

стр. 502

الهندوسية والبوذية وغيرها ديانات باطلة السؤال هناك عدة ديانات مثل: الهندوسية والبوذية، يقال: إن هذه الديانات كان أصلها ديانات سماوية ولكنها حرفت وبادت، مع العلم أنها تتفق مع ديننا في الإيمان بعالم الأرواح، فنرجو منكم التوضيح. الجواب يقول الله ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤] فلا يوجد أمة من الأمم إلا وقد بعث الله ﵎ إليها: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]. ولكن بعض هذه الأمم حرفت وغيرت وبدلت والموجود الآن من الأديان في الأرض لا ندري هل هو تحريف لذلك الدين، الذي هو التوحيد والشرائع التي أنزلها الله ﵎ أم أنها تحريفات متوالية، أي أن القرون توالت والتحريف موجود لكن هناك تحريفات توالت، وهناك بدع أحدثت، وأديان أحدثها البشر ونسبوها إلى الأديان الأولى التي حرفت. فتراكمت الانحرافات والضلالات حتى وصلت إلى الحالة التي هي موجودة عليها اليوم؛ فلذلك لا ندري! هل بوذا نفسه كان نبياً، ونسب إليه هذا، أم أنه كان من أتباع بعض الأنبياء، وكان محرفاً للدين وابتدع البوذية؟ فهذا الله تعالى أعلم به، وهذا تاريخ سحيق ولا نملك فيه إلا أن نقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤] وأن نعتقد أن الدين الحق عند الله هو الإسلام، وما عداه فهي أديان باطلة لا يقبلها الله ﵎ ولا يدخل من دان بها الجنة أبداً، بل هم من أصحاب النار.

стр. 503

الإقرار النظري بحكمة الوجود لا يكفي السؤال الإنسان مخلوق للعبادة، وهي عبادة الخالق ، ما حكم من يقر بهذا الأمر ويفعل خلافه؟ الجواب إذا كان كل مسلم لو سألته لماذا خلقت؟ وما الحكمة من وجودك؟ يقول: خلقت لعبادة الله، لكن هل يكفي هذا؟! وانظر إلى واقع كثير من المسلمين. فإذا كان هذا نظرياً فهو يعيش حياة الذين لا يؤمنون؛ ولذلك لا يكفي الإقرار النظري، وإنما يجب أن يتحول إيماننا بهذا الإقرار إلى عقيدة صادقة، تغير حياتنا وتحرك أعمالنا، وفق ما أمر الله ﵎ به من الإيمان الصحيح، والالتزام بدين الله كما شرع. هذا هو الإيمان الصحيح، وهذا الذي تحتاجه الأمة الإسلامية اليوم؛ أما مجرد الإقرار أن للوجود حكمة، ولي حكمة وهي العبادة، دون أي عمل؛ فإن هذا يحول الإيمان إلى مسألة ذهنية فلسفية، يمكن حتى للإنسان الأوروبي أن يؤمن بها، ولكن لا أثر لها في حياته.

стр. 504

الدين والحضارة السؤال كيف نرد على من يقول: إن الدين عقبة في التقدم الحضاري والتكنولوجي بالذات، لأن هذا هو الذي نراه من كثير من المسلمين قديماً وحديثاً؟ الجواب هذا السؤال الإجابة عليه تحتاج إلى أن نستفصل ما هو الدين؟ فإذا قال الإنسان الأوروبي: الدين عقبة في سبيل الحضارة، وإذا قال كذلك الإنسان الهندي: الدين عقبة في سبيل الحضارة، وإذا قال الإنسان البوذي في الصين أو غيره: الدين عقبة في سبيل الحضارة؛ فنقول: نعم. دينكم عقبة؛ لأنه دين أنتم وضعتموه، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣١] وليس هو الدين الذي أنزله الله ﵎. أما الإسلام فلماذا أنزله الله؟ قال سبحانه: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:١ - ٢] أي ما أُنزل هذا الدين ليشقى أبداً، بل: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣]. إذاً: هذا الدين أنزله الله ﵎ لسعادتنا، فإذا كان من سعادتنا أننا نتقدم بالتكنولوجيا، فبدلاً من أن نركب الجمال؛ نركب الطائرات فهل يُحرِّم الدين ذلك؟ إن دين الله تعالى الغني غنىً مطلق عنا، الكريم كرماً لا حدود له على الإطلاق، الذي خلق لنا ما في الأرض وأمرنا أن نمشي في مناكبها كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥] وأحل لنا الطيبات جميعاً، وأمرنا بالتفكر في الكون، وأمرنا أن نتخذ كل وسيلة فيها خيرٌ لنا كما قال ﷺ : ﴿احرص على ما ينفعك﴾ وندعو ربنا ﵎ كما كان النبي ﷺ ﴿أكثر ما يدعو ربه يقول: اللهم آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فالدين يحثنا على العمل الدنيوي، وعلى حسنة الدنيا وخير الدنيا؛ ويريدنا أن نكون قادة للعالم نتحكم فيه بالحق والعدل والهدى الرباني؛ فكيف يكون عقبة في طريق الحضارة والتقدم؟ هذا إذا كانت حضارة حقيقية. وأما إن كانت الحضارة شيئاً آخر أو كانت حضارة التعري؛ فالإسلام عقبة كبرى في سبيل التعري، وإن كانت الحضارة إدمان المخدرات والتكبر على عباد الله بهذه القوة التكنولوجية؛ فالإسلام يقف ضدها؛ لأنها تؤدي إلى شقاء الإنسان ولا تؤدي إلى سعادته. أما الله ﵎ الغني الحميد، فإنه قد شرع لنا ما هو خير لنا في دنيانا وأخرانا، وهو أكرم وأجل وأفضل من أن يشرع لنا ما يضرنا وما يضيق به علينا، وليس للمسلم فقط؛ بل وللكفار الذين يرضون بالطاعة، ويدخلون في طاعة المسلمين، ويدفعون الجزية، يمتعهم الإسلام المتاع الحسن ويقبل منهم الجزية، ويعيشون مطمئنين، ويتعبدون كما يريدون. فإذا كان ديننا يحقق الحياة الكريمة، لمن لا يؤمن به؛ لأنه خضع ظاهراً للدين؛ فكيف بالمسلم الذي يطبق هذا الدين؟ فهذا يجب أن يكون قائداً للإنسانية، ويجب أن يكون موجهاً للأمم جميعاً، وهذا لا يكون إلا بالتمسك بهدى الله وشرعه.

стр. 505

الحضارة التي تسعد الإنسان السؤال لقد اهتممت بموضوع الحضارة وأثرها في المجتمع، فهل سوف ترجع الدنيا كما كانت؟ وما هي الحضارة التي تسعد الإنسان وترقى به إلى كمال الإنسانية؟ الجواب قوله: هل سترجع الدنيا كما كانت، بمعنى أن الإنسان سوف يفقد الحضارة الموجودة اليوم. أقول: إن الحياة الإنسانية مد وجزر؛ حتى إن بعض الباحثين من الأوروبيين يرون أنه لا يستبعد أن تكون قد وجدت حضارات من قبلنا أرقى منا مادياً ثم تدمرت لأي سبب من الأسباب، إما انفجارات نووية أو غيرها. وأما الجانب الشكلي من الحياة: -جانب الرقي المادي التكنولوجي أو عدمه- فإنه يرتفع وينخفض على مستوى الإنسانية جميعاً، وعلى مستوى الشعوب أيضاً، فيمكن أن يكون شعب من الشعوب هو قائد العالم في الحضارة المادية، وقد يسلم القيادة إلى شعب آخر وهكذا. ولهذا فـ الولايات المتحدة -مثلاً- كانت تخشى من اليابان؛ والآن اليابان وأمريكا تخشيان من كوريا وهذه لا علاقة لها بالدين ولا بالهداية، فمن الممكن لأي شعب أن يُمكَّن له مادياً ولكن هل يدوم؟ إن هذا لا يدوم. إلا إذا كان على الإيمان والتقوى. فإذا كانت الحضارات التي تقوم على الإيمان والتقوى واتباع أمر الله تسقط إذا انحرفت وارتكبت المعاصي والترف والفجور؛ فما بالك بالحضارات التي قامت من أصلها على المادية والإلحاد، فإنها تذهب وتعود إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. وقد تقوم الساعة والناس في قمة من الحضارة المادية، وقد تقوم وهم دون ذلك بكثير، وقد تقوم وهم أنواع أو أخلاط، وإن كانت الأحاديث الصحيحة الواردة -مثلاً- في قتال المسلمين للروم في آخر الزمان حين يقرب خروج الدجال، ومن ثم انتهاء هذا العالم، يقول النبي ﷺ : ﴿إني لأعرف أسماء خيولهم -لأنهم سوف يقاتلون على الخيول- ويربطون خيولهم على الزيتون﴾ وهذا يدل على أن وسائل القتال سوف تكون بالوسائل المادية المعروفة سابقاً، وليست الوسائل الحديثة، والله تعالى أعلم، فهذا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. فالمهم هو أن الحضارة التي تُسعد الإنسان وترقى به إلى كمال الإنسانية، هي الحضارة التي تقوم على الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] وأما على أي دين آخر فلا يمكن أن توجد أبداً؛ لكنها تقوم على الإسلام، على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعلى عقيدة أهل السنة والجماعة وليس أي إسلام، بل على الاعتقاد الصحيح. فهذه هي التي يسعد الإنسان فيها في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٢ - ١٢٤] فالإسلام هو سبب النجاح والسعادة في الدنيا والآخرة، والإعراض عنه سبب الهلاك في الدنيا والآخرة أيضاً.

стр. 506

أسباب النصر تحدث الشيخ حفظه الله تعالى في درسه هذا عن الأسباب الحقيقية للنصر، مبيناً ضرورة رجوع المسلمين إلى دينهم الذي يعد السبب الرئيسي لتنزّل النصر على الأمة، ثم ذكر بعض الوسائل المعينة على النصر، مبيناً ضرورة العمل على تحقيقها في واقع الأمة، وبذل قصارى الجهد في ذلك، ومن ثم انتظار نصر الله الذي لا يخلف وعده، وذكر الوسائل المُعينة على النصر، وأخذ يوضحها بإسهاب، ثم ضمنها بشعر حول الأوضاع الراهنة من تأليفه.

стр. 507

المستقبل لهذا الدين الحمد لله الذي كتب العز والنصر والتوفيق لمن أطاعه واتقاه، وكتب الذل والخزي والعار على من خالف أمره وعصاه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد القائل: ﴿بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وكتب الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم﴾ وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: إن الأحداث التي تعيشها الأمة الإسلامية هي ملء السمع والبصر، وإنها لأحداث ينطبق عليها قول رسول الله ﷺ كما في الحديث الصحيح حديث زينب بنت جحش ﵂ لما ذكرت أنه قام ﷺ فزعاً محمر الوجه من نومه ذات يوم وهو يقول: ﴿لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعيه السبابة والوسطى﴾. إنها لفتنة عظيمة، وسوف نبين -إن شاء الله- من خلال هذا الموضوع ما يجب على هذه الأمة حيال أسباب النصر المستنبطة من كتاب ربنا ومن سنة نبينا ﷺ الذي ما من خير إلا وقد دلنا عليه، وما من شر إلا وقد حذرنا منه إلى قيام الساعة، فصلى الله وسلم وبارك عليه، فهو نبي الرحمة ونبي الملحمة، جاء بهذه وهذه، ودلنا على الخير كله، ونهانا عن الشر كله، وما أصابنا من خير فمن الله وباتباع سنته ﷺ ، وما أصابنا من شر فمن أنفسنا وبمخالفتنا لأمره وسنته ﷺ . إن النصر للإسلام، وإن المستقبل لهذا الدين بإذن الله ، وإن الله قد وعد عباده المؤمنين بالنصر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢] وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] وقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]. فالنصر -بإذن الله- والمستقبل للإسلام، وما هذه المحنة إلا حلقة من محن كثيرة ومصائب كبيرة يحفل بها تأريخنا الإسلامي، فأي صفحة من تأريخنا ليس فيها وقائع ومعارك وأعداء يتكالبون؟! أي صفحة من تأريخنا ليس فيها دماء وفتن ومصائب؟! وهذا هو قدر هذه الأمة، وهذا هو ما أراده الله ﵎ لها، وهذه سنة الله فيها، فيبلوها ويبتلي بها. فهذه هي إرادة الله في الدنيا كلها قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١] ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ [الحج:٤٠]

стр. 508

العاقبة للمتقين إن من سنن الله في الحياة أنها كفاح، وصراع، ومعركة دائمة، ولكن العاقبة للمتقين، والعاقبة للتقوى، وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ ، في أحاديث كثيرة بأن العاقبة -فعلاً- لهذا الدين، كما في قوله ﷺ : ﴿ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله ﵎ بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله الإسلام، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل الله به الكفر﴾ فلن يبقى بيت -ولا سيما في هذه الجزيرة وما حولها- إلا ويدخل الله ﵎ فيه هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، وهذا من فضل الله ﵎ على هذا الدين، وسوف يبلغ ما بلغ الليل والنهار. إن هذا العالم الجديد -كما يسمونه- الأمريكتين وما جاورهما، واستراليا - لم يكتشف إلا قريباً، ولم يكن الصحابة والتابعون ومن بعدهم يعلمون عنها شيئاً، وسوف يبلغها هذا الدين بإذن الله، وسوف يدخلها ويحكمها شرع الله -بإذن الله-؛ لأن هذا ما وعد به رسول الله ﷺ .

стр. 509

فتح القسطنطينية وقد أخبر ﷺ في الحديث الآخر من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ لما سئل عبد الله بن عمرو أي المدينتين تفتح أولاً مدينة هرقل يعني القسطنطينية أو روميه فقام عبد الله بن عمرو ليؤكد للسائل وللحاضرين ما قال، وأتى بصندوق له فيه حلق وفتحه وأخرج منه كتاباً وقرأه، فإذا فيه: ﴿بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ سئل ﷺ أي المدينتين تفتح أولاً؟ فقال ﷺ : مدينة هرقل تفتح أولاً﴾ أي: القسطنطينية، وإلى الآن لم تفتح المدينة الأخرى، وهي مدينة رومية -أي روما عاصمة إيطاليا ومقر الفاتيكان - وسوف تفتح وتدخلها جيوش الإيمان، وترفع فيها راية لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ .

стр. 510

الفتوحات التي بشر بها النبي ﷺ ورد في صحيح مسلم من حديث جابر بن سمرة، ونافع بن عتبة ﵄ في آخره يقول جابر ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: ﴿تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله ، ثم تغزون فارس فيفتحها الله ، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله﴾ فقال نافع: يا جابر أرى أن الدجال لا يخرج إلا بعد فتح الروم. فالدجال لا يخرج إلا بعد فتح الروم، وهذه الجملة تصدقها أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، من أن المسلمين يفتحون القسطنطينية وهي عاصمة الروم في القديم، وهي أكبر مدينة في الامبراطورية الرومية الشرقية كما كانت تسمى. وقد جاء في حديث أبي هريرة ﵁ في صحيح مسلم: ﴿أن المسلمين يفتحونها -ولعله في إحدى المرات- بالتكبير، فيأتون إلى المدينة نصفها في البر ونصفها في البحر، فيقولون: لا إله إلا الله، فيسقط النصف الأول الذي في البحر، ثم يقولون: لا إله إلا الله، فيسقط النصف الآخر الذي في البر﴾. وهناك أحاديث كثيرة تدل على أن هذه الأمة منصورة وغالبة، ومظفرة، وأن الله سوف يفتح لها الأرض، وأنه مهما اعتراها من خلل، ومهما دخلها من عوج، ومهما كان فيها من دخن، فإن العاقبة للطائفة المؤمنة المنصورة، وهذه الطائفة موجودة فيها، وستظل ظاهرة وغالبة على الحق، حتى يُظهِر الله عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزمان حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويضع الجزية، ويقتل الخنزير، وتترك القلائص -وهي الإبل الثمينة- لأن الناس ينصرفون عن الدنيا إلى الجهاد، كما قال ﷺ : ﴿ويدعو إلى المال -أي عيسى ﵇ حتى لا يجد من يأخذه﴾ وفي هذه الأثناء تكون الطائفة المؤمنة والعصبة المنصورة، في بلاد الشام. فيأتي عيسى ﵇ إليها، فيقدِّمه الإمام فيأبى إلا أن يصلي وراءه، وفي ذلك يقول ﷺ : ﴿وإمامكم منكم تكرمةً من الله تعالى لهذه الأمة﴾ فيصلي عيسى ﵇، خلف إمام من هذه الأمة ومع هذه العصبة المؤمنة، ويصبح ﵇ -وهو من أولي العزم من الرسل، وهو الذي تعبده النصارى وتشرك به من دون الله معدوداً ضمن الطائفة المنصورة التي هي من هذه الأمة تكرمةً من الله تعالى لهذه الأمة، لأنه يحكم بشريعتها، ويكون كواحد منها، ويصلي خلف إمامها. فالأحاديث كثيرة، والعبر كثيرة، فما من زحف ابتلى الله ﵎ به هذه الأمة إلا وَرُدَّ على أعقابه خاسراً حسيراً مقهوراً بإذن الله .

стр. 511

وما النصر إلا من عند الله أما القضية الأخرى فهي أن النصر من عند الله، وهذا -أيضاً- صريح كلام الله وما دلت عليه سيرة النبي ﷺ ، كما قال الله ﵎ لعبده وصفيه وخليله محمد ﷺ : ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران:١٢٥] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦] وقال في موضع آخر: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ [آل عمران:١٢٠]. سبحان الله! عندما يقترن الصبر والتقوى في مواجهة الأعداء نغلبهم -بإذن الله ﵎ كما قال : ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران:١٢٥ - ١٢٦] وقال تعالى في آية الأنفال: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال:١٠] إذاً فالنصر من عند الله، مهما تكالب الأعداء، ومهما كانوا أقوى عدداً أو عدة، فالنصر من عند الله يهبه لمن يشاء، وما يهبه إلا لعباده المؤمنين إذا اتقوا وآمنوا وصبروا وتحقق فيهم ما أمر الله ، فالله سبحانه هو الحافظ والناصر. ولهذا قال ﷺ : ﴿احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، وإذا اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك﴾ فالعدة والعدد إنما هي وسائل قد أمر الله ﵎ بها فقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]. وقد قال ﷺ : ﴿ألا إن القوة الرمي﴾ والرمي يشمل أي نوع، وما يزال الرمي -إلى اليوم- هو الحاسم في المعارك، ولكن كل هذه العدة والعدد لا تعني أن النصر من عند البشر مهما كان هؤلاء البشر؛ بل هو من عند الله سبحانه، فهو ينصر من يشاء ويؤيد من يشاء. وقد ذكر الله في الآيات السابقة أنه أيد المؤمنين بالملائكة، ومن نظر إلى الجيش الذي فيه رسول الله ﷺ والمؤيد بالملائكة، وهم جند الله الذي لا يقهر ولا يغلب، ومع ذلك لم يسمح المؤمنون لأنفسهم وهم يقرءون هذه الآيات أن يعتقدوا أن النصر من عند رسول الله ﷺ أو أن النصر من عند ملائكة الله؛ لأن الله لا يرضى بذلك.

стр. 512

تفرد الله تعالى بالتأييد بالنصر نصت الآيات السابقة على أن النصر من عند الله وحده، وليس من عند رسوله ﷺ وهو أكرم الخلق عليه، ولا من عند ملائكته، وهم الذين يدبر الله بهم هذا الوجود، كما قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً﴾ [الصافات:١ - ٢] وقال: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ [المرسلات:١] وقال: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ [النازعات:٥] وقال: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً﴾ [الذاريات:١] كل هذه الصفات ذكرت الملائكة التي يدبر الله تعالى بهم ملكه وأمره، وهم كما قال الله ﵎ فيهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فهؤلاء هم العباد المكرمون الذين يشفعون عند الله ﵎ لقيمتهم ولمنزلتهم يشفعون، ولكن ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، ومع ذلك لا يرضى الله ﵎ أن ينسب النصر إليهم، وإنما النصر من عند الله ﵎، فيريد الله أن يعلمنا أن النصر من عنده وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١]، فهو إن شاء أرسل ملائكة وإن شاء أرسل ما شاء، كما قال ﷺ : ﴿نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور﴾ فالريح دمر الله ﵎ بها أعتى أمة ظهرت على هذه الدنيا -عاد إرم ذات العماد- والتي لم يخلق مثلها في البلاد، أهلكهم الله ﵎ بالريح، ولو جاءهم عدو محسوس يرونه لربما صارعوه وغالبوه، ولكن الريح لا يستطيعون أن يقاوموها أبداً، فأتت عليهم، فدمرت كل شيء بأمر ربها، فأصبحوا كما قال تعالى: ﴿لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٥] وأصبحوا كما ذكر الله ﵎ ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠]. وكذلك نصر الله ﵎ رسوله ﷺ على جيش الأحزاب الذي أحاط بـ المدينة النبوية إحاطة السوار بالمعصم، وسلط على هذا الجيش ريح الصبا، فهذا من جند الله ﵎. ومن جنود الله ﵎ الماء، وقد أغرق به قوم نوح الأمة العظيمة الأولى، أول أمة خالفت أمر الله ، وكذبت أول رسل الله فعذبها الله ﵎ بالماء والطوفان، وأغرقهم الله به، فأمر السماء أن تأتيهم بالمطر، قال تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١٢]. وقد حدثنا بعض إخواننا الثقات، الذين كانوا مع المجاهدين في أفغانستان ببعض العجائب، أذكر منها ما يتعلق بالغاز السام الذي خفنا من ذكره، قبل أن نراه ولن نراه إن شاء الله قالوا: والله لقد رأيناه ولقد ألقي علينا، وكنا نتضرع ونلجأ إلى الله ﵎. قال أحدهم: والله إنه انعقد مثل الغمامة فوق رءوسنا، وجاءت الريح وأخذته وألقته على رءوس الكفار، والحمد لله رب العالمين. ويقول الآخر: أصابنا دوار شديد وتعب شديد، وكنا نظن أننا سنموت، فتضرعنا إلى الله ﵎، فأذهب عنا ما بنا بعد يوم أو يومين، وعدنا كما كنا، وقد ظنوا أنه لم يبق منا بشر. فهذه هي أعتى وأقوى دولة في العالم بعد أمريكا، ومع ذلك لم تقف قوتها أمام الريح التي يسوقها الله ﵎، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] فالنصر -إذاً- من عند الله ، وهذا ما يجب أن نربي عليه الأمة، فإذا علمناها أن المستقبل لها وأن العاقبة لها، وأن النصر لها، فلتلجأ ولتتضرع إليه، ولتدعوه، ولتطلب منه نصرها، فإننا نكون قد جعلناها في المسار الصحيح.

стр. 513

كيف نحيي الدين في أنفسنا القضية الثالثة التي أحب أن أتطرق لها، هي: كيف يأخذ المسلمون بأسباب النصر؟ وكيف يرجعون إلى دينهم؟ لأن النبي ﷺ قال: ﴿إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم بأذناب البقر، واشتغلتم بالزرع أو بالضيعة، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه أو لا يضعه حتى ترجعوا إلى دينكم﴾. إذاً: فلا بد أن نفكر كيف نرجع إلى ديننا، وكيف نأخذ بالأسباب التي ننتصر بها على أعدائنا، ومن هذه الأسباب:

стр. 514

الضراعة إلى الله ﵎ قال تعالى في قصة قوم يونس: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا﴾ [يونس:٩٨] فهم آمنوا فكشف الله ﵎ عنهم العذاب، عندما خرجوا وتضرعوا إلى الله، بأطفالهم ونسائهم ومواشيهم أيضاً، فتضرعوا إلى الله تعالى، كما ذكر المفسرون من السلف أربعين ليلة، بعد أن واعدهم يونس ﵇ عذاب الله، وذهب مغاضباً وقال لهم: سيأتيكم العذاب بعد ثلاث، فعلموا أنه نبي، وأن النبي لا يكذب؛ فتضرعوا إلى الله، فكشف عنهم العذاب، ومتعهم إلى حين. فالضراعة سبب عظيم لا يجوز أن نغفله ولا أن ننساه، ولنعلم أن الضراعة ليست هي مجرد الدعاء، وليس التضرع -فقط- أن ندعو الله ﵎، ولكن الدعاء هو أول ما يدخل في مسمى وفي مدلول التضرع.

стр. 515

التوبة من الذنوب يجب علينا أن نتوب إلى الله ﵎ من كل ذنب، وأن نعد العدة لدفع أسباب هذا البلاء، فإن كان عدواً فلنعد العدة لجهاده، وإن كان -أيضاً- جدباً أو قحطاً فلنزرع الأرض، ونعد العدة لها، ونأخذ بالأسباب وهكذا، فالمقصود أن التضرع ليس هو مجرد الدعاء، وإنما هو المدخل للتوبة والإنابة والاستغفار، وما ذكرناه من مراجعة النفس ومحاسبتها، وكل بحسبه وكل في موقعه.

стр. 516

تحكيم شرع الله يجب على الحكام والأمراء أن يراجعوا أنفسهم، ويحكموا الناس بشرع الله ليذهب الله تسلط الأعداء علينا كما أخبر النبي ﷺ في الحديث: ﴿وما لم يحكم أئمتهم بكتاب الله إلا سلط الله عليهم عدواً يأخذ بعض ما في أيديهم﴾. إذا فالقضاة، والأمراء، والمدراء، والرؤساء، وكل من ولاه الله ﵎ أمراً يجب عليه أن يتقي الله فيه، وأن يكون كما أمر الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨]، فلنراجع أنفسنا، ولنتلاف كل تقصير فينا.

стр. 517

تذكر واجب العلماء العلماء واجبهم عظيم، وهم -كما نص السلف الصالح - من أولي الأمر، الذين أوجب الله ﵎ طاعتهم، قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ [النساء:٥٩] وقد ذكر شَيْخ الإِسْلامِ أنهم الأمراء والعلماء، فالعلماء هم -أيضاً- ولاة على الأمة في أمر عظيم. لأنهم الحارس والرقيب؛ ولأنهم الأمين والمؤتمن على كل ما يتعلق بالأمة. إن لدى الدول الجاهلية والوضعية برلمانات ومجالس شيوخ ومجالس نواب؛ من أجل هذه الرقابة، إضافة إلى السلطة الشوروية أو التشريعية أو الرقابية إلى غير ذلك، كما يسمونه في القوانين الوضعية. أما أمة الإيمان والإسلام والتوحيد، فعندها العلماء، الذين أمرهم الله ﵎، فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧]، وإن كان بعض العوام أو بعض الناس من المقصرين، لا يريد بيان ذنوبه وعيوبه. التي يجب عليه أن يتركها، ولكن يجب على العلماء أن يبينوا الحق كما ذكر الله ﵎ فقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥] فواجب العلماء أن يقودوا الأمة -أيضاً- في أي موقف، وأعظم المواقف هي مواقف الجهاد، فقد كان ﷺ ، يقود المعارك بنفسه وهو نبي الله ورسوله وأكرم الخلق على الله، وكان صحابته من بعده كذلك. ومن المعلوم أنه ﷺ قد أقسم أنه لولا أهل الأعذار لما تخلف عن سرية تخرج في سبيل الله قط، وكذلك أبو بكر وعمر لم يمنعهما من الخروج؛ إلا أن يكونوا فئة للمسلمين يتحيز إليها كل جيش يجابه من هنالك، وليمددوا المؤمنين، وقد أراد عمر ﵁، أن يخرج لقتال فارس، فقيل له: يا أمير المؤمنين! ابعث إليهم وابق هنا، فإن أصيبوا فأنت فئة لهم، ولكن إن أصبت ذهب الإسلام فكان ﵃ هذا شأنهم. كذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية شارك بنفسه في بيان ضلال التتار وكفرهم وخروجهم عن الشريعة، وشارك بنفسه في المعركة، فواجب العلماء عظيم، والحمد لله الذي منَّ علينا في هذه البلاد الطيبة الطاهرة بهؤلاء العلماء الذين هم على منهج السلف الصالح -ولله الحمد- دعوة، وعملاً، وعقيدة، وعلماً، وجهاداً، فهذا من فضل الله ﵎ علينا. ولكن بقي واجبنا نحن طلبة العلم، ونحن عامة المسلمين، وهو أن نشد من أزرهم وأن يكون المسلمون جميعاً يداً واحدة وقيادة واحدة، وهدفاً واحداً وغاية واحدة، فلا مجال لمن يندس، ولا مجال للدخيل، ولا مجال لمن يبث الفرقة فيما بيننا، فالهدف للجميع واحد، كما قال ﷺ : ﴿من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله﴾ فالغاية هي هذه، والوسيلة واحدة وإن تنوعت وسائطها، فلنكن في الجهاد في سبيل الله ومقاومة أعداء الله صفاً واحداً، كأننا بنيان مرصوص، كما أمر الله ﵎.

стр. 518

وحدة الصف إنَّ الصف يجب أن يكون واحداً، فيما نسميه نحن اليوم "الجبهة الداخلية"، وتعتبر ضرورتها أكيدة، فوحدة الجبهة الداخلية واجتماعها، وإقناعها بحقيقة المعركة وتصوير الأمر لها على حقيقته؛ لتقف صفاً واحداً متراصاً خلف العلماء، وخلف القيادة المؤمنة، فهذه -أيضاً- ضرورة لا بد منها. ومن هنا كان الواجب علينا أن نُبصِّر المسلمين جميعاً -خاصتهم وعامتهم- بما فيهم من خلل وخطأ وتقصير، فعندما يتهافت العامة على الطعام والشراب في وقت كان الواجب عليهم فيه أن يفكروا في حمل السلاح والجهاد في سبيل الله ودفع المعتدين المجرمين، فهذا دليل على نقص وخلل عندهم، والواجب علينا -نحن طلاب العلم والدعاة- أن نصلحه، لأن فينا الخطيب أو الداعية أو المدرس أو الواعظ أو الإمام. لا بد أن نقوم بواجبنا -نحن- في تماسك هذه الجبهة، من أجل ألا يكون فيها من يعذبنا الله ﵎ أو يُسَلِّطْ علينا بسببه، حتى لو كان الجيش يقوده رسول، كما كان ﷺ ، وكما كان موسى، حيث وجد الغلول في الجيش: وهو الأخذ من الغنيمة، وهذا مما يسبب ويجلب الهزيمة، وكذلك إذا وجدت الخيانة والزنا أو الفساد، فإنه يسلط علينا الأعداء نسأل الله العفو والعافية. وقد ذكر المفسرون في قصة موسى أمراً عظيماً، وهو أن الذنوب يجب أن يتطهر الجيش والناس منها، فالذين يسمون الجبهة الداخلية لابد أن يتطهر كل فرد منهم من هذه المعاصي ومن أدران الذنوب، ويجعل ولاءه خالصاً لله ، وهدفه إعلاء كلمة الله ﵎، ويكون الجميع قيادة وعلماء ودعاة وجيشاً وعامة يداً واحدةً -كما أمر الله ﵎ على كل كافر وفاجر وظالم ومعتد. فإذا أخذنا بهذه الأسباب، وأحكمنا -فعلاً- هذه الجبهة الداخلية، وجمعناها على الحق، وجعلناها يداً واحدة، وتمسكنا جميعاً بكتاب الله ﵎ واعتصمنا بحبله، فسوف نجد أننا في موقف لا يستطيع أي معتد أو مجرم أو غاصب أن يمني نفسه بهذه البلاد؛ بل بأية بقعة من بقاع العالم الإسلامي؛ لأنه يعلم أن للحمى حرّاساً أشداء.

стр. 519

جهاد الطلب إن واجبنا كما أمر الله ﵎ ليس فقط جهاد الدفع، بل هو جهاد الطلب، وهو أن يطارد الكفار والمرتدون والمجرمون ويغزون في عقر دارهم؛ لينضموا تحت راية لا إله إلا الله وتحت كلمة الحق، حتى تكون كلمة الله هي العليا، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإذا لم نحرك مشاعر الأمة، ونستحثها بهذه الغاية العظيمة فإننا سنظل مقصرين في هذا الجانب. إن الأمم الكفرية أو المرتدة، أو الضالة خلقت لمتاع الدنيا، فتتنافس في الدنيا، وتجد أن اقتصادها في زينتها وفي زخارفها، أما أمة الإسلام فغرضها وعملها الأساس هو الجهاد، كما قال ﷺ : ﴿وجعل رزقي تحت ظل رمحي﴾ فهذه الأمة يبني أعداؤها ويشيدون ويجمعون ويتحضرون كما يشاءون، ثم يجعلهم الله ﵎ غنيمة للمسلمين، فمثلاً: الحضارة الرومانية ظلت ألف سنة أو أكثر وهي تبنى فجعلها الله غنيمة للمسلمين، وكذلك الحضارة الفارسية ظلت أكثر من ذلك، فجعلها الله ﵎ غنيمة للمسلمين. وكذلك جيش فارس، فقد كانت الرتب العسكرية ليست كحال الناس اليوم، يصنعونها من المعادن؛ إنما كانت الرتب العسكرية في جيشهم من اللؤلؤ، وبقدر ثمن اللؤلؤة التي يضعها القائد على التاج -على رأسه- تكون رتبته، فالقادة الكبار مثل ماهان ورستم وجابان، كان ثمن لؤلؤة كل واحد منهم مائة ألف دينار، وثمن لؤلؤة من يليهم عشرة آلاف دينار، فكانت رتبهم بهذا الترف والبطر، ولما جاءهم أمر الله ﵎، وجاء جيش التوحيد، أخذوا بتيجانهم وعروشهم. وكانوا كما قال ﷺ : ﴿إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ﴾ ثم فتحت كنوز كسرى وقيصر وأنفقت على جهاد الصين وجهاد بلاد ما وراء النهر، حتى إن موسكو -التي هي عاصمة روسيا اليوم- ظلت قروناً تدفع الجزية للمسلمين، وهذا من فضل الله ﵎. وكذلك الروم بنوا في مصر وفلسطين وبلاد الشام الطرق الرومانية الشهيرة، وبنوا المدن والمآثر الرومانية المعروفة في التاريخ مثل مدينة دمشق، وغيرها من المدن العظيمة، فعندما جاء جيش الإيمان والتوحيد ملكوها والحمد لله وملكوا مزارعها، وضربوا عليهم فيها ما أمر الله ﵎ به من الجزية، أو من الخراج، بحسب الأحكام الشرعية المعروفة، وكانوا لقمة سائغة لهذه الأمة والحمد لله، فبنوا وشادوا وأعدوا، فجعلهم الله تبارك وتعالىغنيمة للمسلمين وأورثهم أرضهم وديارهم. لقد خرجوا من هذه الجزيرة ومن هذه الصحراء التي جعلها الله في كل العصور -ولله الحمد- حصناً منيعاً ترتد عليه رماح المعتدين على أعقابهم خاسرين، خرجوا منها حفاة عراة، وإذا بهم يستوطنون الأندلس، وأواسط آسيا، وشمال الهند التي يقال فيها جنة الدنيا لما فيها من الجمال. فكل ما في هذه الدنيا من خير ونعمة أوتوه -ولله الحمد- بالتقوى وبالإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥]، فهذا وعد من الله لعباده الصالحين أنه سوف يورثهم الأرض في هذه الدنيا والله على كل شيء قدير. المخاطب -طبعاً- في هذه الأبيات تعرفونه جميعاً أو سوف تعرفونه كما تحدثنا: طلعة المجد في رباك تجول وسنا الحق في ذراك يصول في مدار الأفلاك تعرج والشرق والغرب تهافت وأفول الرسالات من ربوعك قامت ولخير الهداة أنت الرسول عجز الشعر عن ثنائك والدهر إذ الشعر فيك شأن يطول هذه المعجزات أتعبت العدُ وعاد التأريخ وهو ذهول فاسأل الدردنيل واسأل بواتيه وروما فما تراها تقول تلك أطلالهم تماثيل شؤم شاحبات فما تعد الطلول كل عرش في قبضتيك أسير كل كنز إلى يديك يئول فاهطلي أيها السحابة هنداً أو على الصين ليس منك غلول سيفك الحق في الوهاد صريخ ليس في معمع القتال نكول كلما در شارق يتهادى طلب العتب منك مجد أثيل كلما خر كوكب يتهاوى بين جفنيك حلم عز طويل أنت فوق الورى ورأس الذرى وأنت الإصرار والمستحيل تعبد الله وحده وتعالى أذن الحق فاخرسي يا طبول قل لمن أرجفوا مماتك زوراً أو ما يعتري الجواد الذهول أو ما تخفق الشواهب للأرض وإن كان في السماء تجول لا تلمني في ساعة الفر إلا إن تراخى من بعد كر يهول فاعصفي يا رياح بالدرب هولاً أو تأني فعزمتي لا تزول يرعب الراجمات مقلاع طفلي وشراعي يهابه الأسطول عز للسيف نبوة في جهاد سنة للكماة هذا الرسول أنت أنشودة الحياة وملحمة الدهر فماذا عليك إن لم يقولوا أنت إن قمت غير عابئ شيء فالطواغيت كلهن هزيل وإذا الحق سل منك حساماً فالشعارات كلهن قتيل أنجبتك البطحاء وهي ولود وغدتك الشام وهي بتول كلهم سوف يغلبون جميعاً كلهم عن حماك سوف يزول رب فوج يقود للروع فوجاً وخيول تجرهن خيول موكبٍ ترهب المنايا سراه رابط الجأش للدماء نهول هذه الصافنات أورين قدحاً فالنواصي شهيدة والذيول وأدتها رمالنا البيد وأمست نعوشهن التلول كلما أظلمت من الرهج البيد أضاء السماء سيف صقيل وطئت بالسنابك الصم أحلام هولاكو وأودى الصليب والمستطيل أنت أوثقت من جبابرة الكفر قروماً فكلهن ذليل ما عتاب الكريم إن عثر الجد زماناً ولم يجد من يقيل إن تكن غضبة فصفح جميل أو تكن محنة فصبر جميل والحمد لله رب العالمين.

стр. 520

الأسئلة

стр. 521

تارك الصلاة السؤال ذكرت أنه يجب على الجبهة الداخلية تصحيح النية، فكيف يكون ذلك، وأنا أعرف أناساً لا يعرفون الصلاة البتة, وعندهم من الذنوب والمعاصي ما عندهم، نسأل الله للمسلمين الاستقامة على دينه؟ الجواب جزاك الله خيراً، إن تارك الصلاة قد أخبر النبي ﷺ أنه من غير المسلمين، فليس بمسلم ولا حظ له في الإسلام، وإذا وجد في الأمة تارك صلاة فهذا مما يوهن قوتها، ويضعف تمسكها، ويغري بها ويطمع فيها عدوها. إن تماسك الجبهة الداخلية يجب أن يكون بالكف والإقلاع عن كل الذنوب؛ بل بالصبر والمصابرة والمرابطة على جميع الطاعات والواجبات، فالذين يشتغلون بالغيبة والنميمة والنفاق والحسد في مجالس المسلمين عليهم أن يتوبوا، والذين يفرقون بين المرء وزوجه عليهم أن يتوبوا، والذين يقطعون الأرحام عليهم أن يتوبوا ويستغفروا الله ﵎، والذين يأكلون الربا عليهم أن يتقوا الله وأن يكفوا عن محاربته، حتى ينصرنا على من نحارب من أعدائه. والذين يفتحون دور اللهو والفساد، وما يسمونه الكوافير، وأماكن التجميل، ومشاغل الخياطة المختلطة، وكل اسم من هذه الأسماء التي تتعرى فيها المرأة المسلمة وتخلع ثيابها في غير بيت زوجها، معرضة نفسها لوعيد الله ﵎ وقد يراها الأجنبي أو تكلمه أو تختلط به، فكل هؤلاء القوم عليهم أن يتقوا الله وليعلموا أننا في معركة لا مجال فيها لهذا اللهو العابث، وكذلك المعلمون والمدرسون الذين كانوا يضيعون الوقت على الطلاب إما فيما لا ينفع أو في العبث فعليهم أن يتقوا الله ﵎. ولتكن دروسنا جميعاً في التربية على الجهاد والفضيلة والخلق القويم، ولنراجع مناهج تعليمنا -أيضاً- لتكون جميعاً كذلك، ولنراجع وسائل إعلامنا المسموع منها والمقروء والمرئي لتكون جميعاً في موضع يستحق أن تكون جزءاً من هذه الجبهة التي يجب أن تتماسك بحيث تتطهر من كل ما حرم الله ﵎، ويكون المعيار والضابط لما يعرض أو يذاع أو يقرأ هو شرع الله ﵎، وهناك أشياء كثيرة جداً، ولكن كلٌ منا حسيب نفسه، يعرضها ويحاسبها ويزنها قبل أن توزن. فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزن، وتهيؤوا للعرض الأكبر على الله ﵎، فهناك تبلو كل نفس ما أسلفت.

стр. 522

القتال من أجل الوطن السؤال هل هناك فرق بين القتال من أجل الوطن والقتال في سبيل الله ﵎ نرجو التوضيح؟ الجواب لما سئل النبي ﷺ : ﴿الرجل يقاتل حمية، ويقاتل عصبية، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله﴾ فهذا هدفنا وهذه غايتنا وهذا طلبنا ولا سيما في جهاد الطلب، وأما في جهاد الدفع، فلا شك أن من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، فالواجب -إذاً- على الإنسان أن يجعل هدفه وغايته وهمه من الجهاد هو إعلاء كلمة الله ﵎، ولتكون كلمة الله ﵎ هي العليا، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٩٣]. أما إذا اعتدي عليه ودافع عن نفسه فمات أو قتل فهو شهيد كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، ومنه دفع الصائل أو دفع المعتدي، فهو نوع من أنواع الجهاد، وهو -أيضاً- إذا صلحت النية يعتبر في سبيل الله ﵎، ويدخل ضمن ما قاله رسول الله ﷺ .

стр. 523

الطائفة المنصورة السؤال عرف فرقة الطائفة المنصورة، هل هي في بلد معين، أو جماعة معينة، أم من جميع بلاد المسلمين وكيف تجتمع إن كانت من بلاد متفرقة؟ الجواب الطائفة المنصورة عرفها النبي ﷺ كما في حديث الافتراق، وهو حديث متواتر لكثرة طرقه، ويشد بعضها بعضاً، قال ﷺ : ﴿افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة﴾ فلما سئل عنها النبي ﷺ -قال في رواية-: ﴿الجماعة﴾ وقال في رواية: ﴿من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي﴾ فهذه علامتها. وأيضاً جاء في وصفها في نفس الأحاديث الصحيحة التي أخبر فيها النبي ﷺ بوجودها كما في حديث جابر بن سمرة ومعاوية وأبي هريرة وغيرهم ﵃، في نفس الأحاديث قال ﷺ : ﴿يقاتلون على أمر الله﴾، وقال: ﴿قائمين على أمر الله﴾، إذاً فحقيقتها أنها على ما كان عليه النبي ﷺ ، وهي قائمة ومستقيمة ومتمسكة بهذا المنهج. أما من هم؟ فقد قال الإمام أحمد: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم -أي: من كان متمسكاً بالسنة، عندما تفرقت الأمة إلى خوارج وروافض ومعتزلة وباطنية وبقي أهل السنة أو أهل الأثر أو أهل الحديث الذين هم أهل السنة والجماعة، ولا يقصد بذلك مجرد من يشتغل بعلم الحديث؛ بل من يتبع منهج الحديث؛ لأن القرآن كلٌّ يدعيه ولكن الحديث يميز بين أهل السنة وبين أهل البدعة وأهل الفرق الضالة الأخرى. إذاً هذه هي صفتهم، أما مكانهم فليس لهم مكان معين، ولكن كما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ ﵀ أن الأحاديث تدل على أنه في آخر الزمان يكون اجتماعهم في الشام، وقد ورد في الحديث الصحيح: ﴿إن الإيمان ليأرز إلى المدينة أو ما بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها﴾ أي: كما تعود الحية إلى جحرها، فهذه إشارة في أن هذه البلاد المقدسة المدينة ومكة أو ما بين المدينتين سوف تكون مأوى الإيمان -بإذن الله- إلى قيام الساعة. ولكن الشام موطن المعارك ولا انفصال بين الأمرين؛ لأن الأمة واحدة، والبلد واحد، وهذه الدويلات عارضة، فالأصل أن المسلمين جبهة وأمة واحدة، فـ الشام هو موضع الملاحم، وأما مأوى الإيمان وبقاؤه ومجمعه، فإنه يكون في هذه البلاد -بإذن الله- ويكون -أيضاً- في وسط الجزيرة في مساكن بني تميم الذين أخبر عنهم النبي ﷺ في الحديث الصحيح فقال: ﴿هم أشد أمتي على الدجال﴾. فإذا ضممنا الأحاديث بعضها إلى بعض، نجد أن النبي ﷺ ذكر أن الساعة تقوم والروم أكثر الناس، وكون الملاحم مع الروم، وخروج الدجال بعد الملاحم، فتكون الأمة أحوج ما تكون إلى أن تقاتلهم، وتكون المعركة في بلاد الشام -في الأعماق أو دابق، وكذلك يكون اليهود هنالك ويقاتلهم المسلمون. إذاً: فالجبهة الداخلية القوية والفئة التي تنحاز إليها الجيوش ستكون -إن شاء الله ﵎ بين المدينتين.

стр. 524

نصيحة للمقصر في جنب الله السؤال ذكرتم -حفظكم الله وأثابكم- أنه يجب النصح للناس، ولا سيما في هذه الأوقات، فهل على المقصر في جنب الله أن يقوم بالنصح والإرشاد؟ الجواب هذا السؤال وجيه، فكثير من الإخوة يقول: أنا مقصر، فهل أنصح غيري، ونقول: إن هناك حديثاً وإن كان في سنده ضعف، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ﴿مروا بالمعروف وإن لم تفعلوه، وانهوا عن المنكر وإن فعلتموه﴾ ولكن الظاهر أنه لا يصح مرفوعاً عن النبي ﷺ ، ولكن يصح من حيث المعنى ومن حيث عمل الصحابة والتابعين ﵃، وقد يصح أنه من كلام أبي هريرة ﵁، بمعنى أن شعب الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، فإذا لم يأمر الإنسان بالمعروف ولم ينه عن المنكر إلا إذا استكمل شعب الإيمان جميعاً، فربما انقطعت هذه الشعيرة، ولم يوجد من يقوم بها. ولا ينبغي للعبد المؤمن أن يجمع بين ذنبين، بين تقصيره في طاعة الله من جهة، وبين ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة أخرى، فإذا وجد في الإنسان تقصير في بعض الطاعات وفي بعض الجوانب، فيجب عليه أن ينصح الناس، وأن يرشدهم وأن يذكرهم ليرجعوا إلى الله ﵎ ومع ذلك يخوف نفسه كما قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤]. ويتذكر حديث الرجل الذي يجر أقتابه وقصبه في النار -نسأل الله العفو والعافية- والناس ينظرون إليه يقولون له: مالك! ألم تكن تأمرنا! ألم تكن تنهانا! قال: بلى، ولكن كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه -نسأل الله العفو والعافية! فهو في حال دعوته للناس، يعظ نفسه أيضاً، والإنسان يستحي من الله ﵎ أن يعظ الناس بخير ولا يفعله، أو ينهاهم عن شر ويأتيه، وهذه من نعم الله ﵎ على الدعاة. ولهذا كان الدعاة إلى الله ﵎ من أكثر الناس اهتماماً بهذا الأمر؛ لأنهم يأمرون وينهون، فأنفسهم تلومهم ولا تلوم غيرهم؛ لأنهم يقولون: كيف تقولون ما لا تفعلون؟! وتأمرون وتخالفون الناس إلى ما تنهونهم عنه؟! فمن هنا كان من واجبنا الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان فينا ما فينا من تقصير مع السعي الحثيث إلى استكماله إن شاء الله ﵎، وهو المعين.

стр. 525

حكم القنوت في جميع الصلوات السؤال ما حكم القنوت في جميع الصلوات بسبب المحن؟ الجواب القنوت مشروع في النوازل، وقد قنت النبي ﷺ على أحياء من العرب والقبائل التي كانت قد عصت الله ﵎ ورسوله ﷺ وآذت المسلمين، وفي هذه الأيام نرى القنوت مستمراً، والحمد لله، قد كنت صليت مع سماحة الوالد الشيخ ابن باز فصلى بنا الإمام صلاة المغرب وقنت، وقنتنا خلفه، فالقنوت مشروع، لكن إذا كان في كل الصلوات، فأنا أخشى أن يدخل السأم على العامة، فعلينا بالتضرع إلى الله، فهو من أرجى ما يكون، فكل منا يتضرع إلى الله ﵎ في السر والخفاء وفي أوقات الإجابة. وكذلك يشرع القنوت ولكن ربما كان التضرع أرجى، لأن الإنسان يكون صادقاً ومخلصاً أكثر، ويكون في حالة القرب من الله ﵎ والضراعة إليه، وهو إن أطال في تضرعه ودعائه فهو وحده لا يمل منه أحد ولا يسأم منه أحد، وهذه قضيتنا، فحق لنا والله أن تكون أيدينا مرفوعة وعيوننا باكية في كل لحظة وفي كل حين حتى يدفع الله ﵎ عنا هذا البلاء، وجدير بنا أن نكون كذلك دائماً وفي كل وقت. وجدير بنا أن نذكر إخواننا المسلمين في كل مجلس وما أكثر اللغط، وما أكثر اللهو في المجالس، فيجب علينا أن نذكرهم بالدعاء وبالاستغفار، لأنه من لزم الاستغفار جعل الله ﵎ له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً. فالأمة -الآن- تعاني من هذا الضيق ومن هذه الأزمات، فلنستغفر الله ولنتب إلى الله ﵎ كما أمر، وإذا استقمنا على أمر الله يكون الخير كما ذكر الله بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] وكما قال الله ﵎: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة:٦٦]. لكن في الجانب الآخر، إذا تركنا الضراعة، والإنابة والاستغفار، فيكون حالنا -عياذاً بالله- كما ضرب الله ﵎ مثلاً: ﴿قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:١١٢].

стр. 526

أحداث الجزائر إن أعداء الأمة الإسلامية يدأبون باستمرار في تعزيز قضايا الاختلاف والفرقة في الأمة الإسلامية، لتشتيت شملها، والسيطرة على ثرواتها، وأوضح دليل على ذلك ما تعيشه البلدان العربية والإسلامية من الفرقة والاختلاف، وفي هذه المادة يتحدث الشيخ عن إحدى هذه البلدان ألا وهي بلاد الجزائر، فيتحدث عن ملابسات الوضع والاختلاف القائم بين الجبهة الإسلامية وجبهة التحرير، مبيناً أسبابه وحقيقته، وموقف الغرب وإعلامه إزاء هذه القضية، مختتماً كلامه بما ينبغي أن يكون عليه موقف المسلم من هذا الصراع، داعياً خلال ذلك إلى العمل على ترسيخ مفهوم الأخوة الإسلامية.

стр. 527

فتوى ابن عثيمين في تتبع الصحف والرد على أخطائها الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، هناك بعض الأسئلة، حبذا لو نبدأ -كالعادة- بما له علاقة بالموضوع، وإن كانت بعضها مفيدة جداً، لكن لعلنا نرد عليها إن شاء الله. نبدأ بهذه الفائدة القيمة، وهي عبارة عن فتوى في هذه الورقة تقول: 'بسم الله الرحمن الرحيم. المكرم فضيلة شيخنا محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فإننا نود أن نعرف رأي فضيلتكم فيما يقوم به بعض الإخوة من طلاب العلم، من تتبع المجلات والصحف الداخلية والخارجية، بغرض جمع المواد المخالفة للإسلام، ومن ثم الرد عليها، وتحذير الناس منها، وهل هذا من جهاد المنافقين الذي أمر الله به رسوله ﷺ ، أفتونا مأجورين؟ " فكان الجواب بخط فضيلة الشيخ أثابه الله، وبارك في حياته ونفعنا بعلمه فقال: "بسم الله الرحمن الرحيم وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. رأيي أن هذا لا بأس به، نظراً لما يكثر في بعض الصحف والمجلات من المسائل التي تحتاج إلى التنبيه عليها، ولكن أرى أن يُتصل أولاً بالكاتب، وينبه على ما حصل منه من أخطاء، ويوعظ ويطلب منه أن يكتب تصحيح ما أخطأ فيه في نفس المكان الذي كتبه فيه، لأن ذلك أنفع له، وأجدى للقارئين، وأقطع للجدال بالباطل. فإن حصل ذلك منه فهو المطلوب، وإلا فليُكتب الرد عليه في نفس الصحيفة، أو المجلة التي كتب فيها ذلك الخطأ". وهذا قد ينطبق -غالباً- على المجلات الداخلية أو الصحافة الداخلية فقط، وأما الخارجية فلا يهمها أنك كتبت، ولا يهمها أن ترجع عما كتبت من الباطل غالباً. وأما غير الإسلامية -من الصحف والمجلات- في الخارج أو الداخل فإن لها وضعاً آخر، فقد يكون ذلك من باب الخطأ، لكن المقصود هو كل ما فيها من الخبث والفجور، بل وأحياناً الكفر والإلحاد. ويقول الشيخ أيضاً: "ثم إن هاهنا أمر أُحب أن أنبه عليه، وهو أن يكون الرد لقصد الإصلاح لا الانتقام" وهذا تنبيه حسن أثابه الله، فهو ينبه إلى أن يكون رداً يقصد به الإصلاح، فلعل الله أن يصلح ذلك الكاتب، أو الجريدة أو المجلة، وأن الرادَّ على ذلك لا يريد إلا الحق، لا الانتقام الذي قد تغلب عليه العاطفة أحياناً، فالشيخ -أثابه الله- يعرف العواطف، وكيف تتغلب، فتعصف ببعض الشباب، قال: ' فإنه إذا كان القصد في ذلك الإصلاح كانت صياغة الرد هادئةً مقبولة ' أي: مع أنها خيرٌ عند الله فإنه أيضاً يؤثر في صياغة الرد، ويكون هادئاً مقبولاً. ثم قال: 'وأما قول السائل: هل هذا من جهاد المنافقين؟ فلا ريب أن بيان الحق وإظهاره، وإبطال الباطل وبيانه؛ من الجهاد بالعلم، ولا يخفى أن الله تعالى جعل طلب العلم قسيماً للخروج في جهاد السلاح، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]، أسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعاً من دعاة الحق وأنصاره، وأن يهب لنا رحمةً منه إنه هو الوهاب، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم '. كتبه/ محمد الصالح العثيمين في ٢٦/ ٦/١٤١١هـ، وتحته التوقيع، أثابه الله وجزاه خيراً.

стр. 528

الجمع بين الخوف والرجاء السؤال كيف نجمع بين الخوف والرجاء والرغبة والرهبة؟ الجواب هذا له علاقة بما قاله الإمام ابن القيم: 'الرهبة: هي إمعان في الهرب من المرهوب، وضدها الرغبة'، إذاً فكيف نجمع بين اللفظتين في قول النبي ﷺ : ﴿اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبةً ورهبةً إليك إلخ﴾ فنجمع بين الرغبة والرهبة، بأن نقول: إن الله يُرهَب عذابه، ويُرهَب جانبه من جهة أنه ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة:١٩٦] وأنه ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران:٤] ويُرغَب فيما عنده من جهة أنه ودود، وكريم، وغفور، ورحيم، فكل هذه من أسمائه وصفاته فتجتمع الرهبة والرغبة معاً، وليس فيها شيء يناقض بعضه.

стр. 529

الكلام على أحوال المسلمين في الجزائر السؤال ما حقيقة الوضع في الجزائر في ظل الأحداث التي تعصف بها عصفاً؟ الجواب إنه لما كثرت الطلبات، والتساؤلات سواء بالرسائل أو الأسئلة المباشرة، وذلك من قبل الكثيرين المهتمين بأحوال الأمة، مضمونها كلها حول الجزائر، وما حدث فيها، ولعلنا نعطي كل هؤلاء موجزاً عن ذلك، وعما نراه في ذلك.

стр. 530

قضية الجزائر قضية إسلامية إن مما أمرنا الله به من بيان الحق في هذا الأمر ما يلي: أولاً: أن نقول للناس جميعاً: إن الله ﵎ أمرنا بالعدل، ففي كل جمعة -تقريباً- نسمع الخطيب وهو يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل:٩٠] فنحن مطالبون بالعدل في كل الأحوال، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢]، وقال تعالى أيضاً: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٧ - ٩]. ثانياً: إن الله ﵎ أمرنا بمحبة إخواننا المؤمنين، والتآزر معهم، والتعاطف معهم في قضاياهم، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وقال رسول الله ﷺ : ﴿مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى﴾ فهذا أصلٌ عظيم، وأدلته كثيرة، لا تخفى عليكم. ومن منطلق ما أمر الله تعالى به من العدل، ومن موالاة المؤمنين، ومحبتهم، والاهتمام بأمورهم، نقول: إن ما حدث ويحدث إلى الآن في الجزائر هو مصيبة، ونازلة، وفاجعةٌ عظيمة حلت بالإسلام والمسلمين، وليست بأشخاص معينين، ولا بجبهة معينة، ولا بحزب مقصود لذاته أبداً لماذا؟
следующие страницы →