← Джавами‘

Джавами‘ · id 7716

دروس للشيخ سفر الحوالي

سفر الحوالي

Полный текст (2 843 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أحكام أهل الذمة إن الشريعة الإسلامية منهج شامل لكل ما يتعلق بمصالح البشر، ولقد اهتمت هذه الشريعة بعلاقة العباد مع بعضهم البعض، حتى إنها لم تغفل العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين من أهل الديانات الأخرى. ولقد ركزت الشريعة في الأحكام المتعلقة بغير المسلمين بمن هم بين ظهراني المسلمين، والذين يسمون أهل الذمة، فقد تناول أحكامهم المتعلقة بهم عدد من أعلام المسلمين، منهم العلامة ابن القيم ﵀ ومن ضمن هذه الأحكام: منع استعمال أهل الذمة في مناصب يمكنهم من خلالها الاطلاع على أسرار المجتمع المسلم. وقد أظهر التاريخ الأثر الخطير الذي يترتب على مثل هذا العمل، وما يمكن أن يجره من ويلات على المسلمين. ولقد بين ابن القيم المنهج الصحيح في التعامل مع أهل الذمة، حيث أورد الأمثلة على ذلك من حياة النبي ﷺ ، ومن جاء من بعده من الخلفاء الراشدين، ثم أردف ذلك بذكر أمثلة على عداوتهم للمسلمين، وسعيهم لتقويض أركان الدولة الإسلامية.

стр. 562

حكم ولايات أهل الذمة يقول الإمام ابن القيم ﵀: "فصل: في المنع من استعمال اليهود والنصارى في شيء من ولايات المسلمين وأمورهم". ثم بدأ بذكر روايات عن الإمام أحمد كعادته فقال: قال أبو طالب: سألت أبا عبد الله: يستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ قال: لا يستعان بهم في شيء. ثم قال: قال أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا مالك بن أنس، عن عبد الله بن زيد عن عروة عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ : ﴿إنا لا نستعين بمشرك﴾ إلى أن قال: عن عروة عن عائشة ﴿أن رسول الله ﷺ خرج إلى بدر فتبعه رجل من المشركين فلحقه عند الحرة فقال: إني أريد أن أتبعك وأصيب معك، قال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع، فلن أستعين بمشرك؛ ثم لحقه عند الشجرة، ففرح بذلك أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان له قوةً وجلداً، فقال: جئت لأتبعك وأصيب معك، قال: تؤمن بالله ورسوله؟ قال: لا، قال: ارجع فلن أستعين بمشرك؛ ثم لحقة حتى ظهر على البيداء فقال له مثل ذلك، قال: أتؤمن بالله ورسوله؟ قال: نعم، فخرج معه﴾ رواه مسلم في صحيحه بنحوه. وفي مسند الإمام أحمد من حديث حبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: ﴿أتيت رسول الله ﷺ وهو يريد غزواً وأنا ورجل من قومي وكنا لم نسلم، فقلنا: إنا نستحيي أن يشهد قومنا مشهداً لا نشهده معهم، فقال: أسلمتما؟ فقلنا: لا، قال: فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين، قال: فأسلمنا وشهدنا معه﴾.

стр. 563

أهل الذمة في العهود الإسلامية الأولى:

стр. 564

أهل الذمة في عهد العمرين قال بعد ذلك: وقال عبد الله بن أحمد بسنده عن أبي موسى ﵁ قال: [[قلت لـ عمر ﵁: إن لي كاتباً نصرانياً، قال: مالك؟ قاتلك الله! أما سمعت الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] ألا اتخذت حنيفاً -أي: مسلماً- قال: قلت: يا أمير المؤمنين! لي كتابته وله دينه، قال: لا أُكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله]]. وكتب إليه بعض عماله يستشيره في استعمال الكفار، فقال: [[إن المال قد كثر، وليس يحصيه إلا هم -أي: أن الجبايات والخراج والواردات كثرت وهم عندهم حذق وفهم في أعمال المحاسبة- فاكتب إلينا بما ترى، فكتب إليه: لا تدخلوهم في دَيْنِكُم، ولا تسلموهم ما منعهم الله منه، ولاتأمنوهم على أموالكم، وتعلموا الكتابة فإنما هي للرجال أو فإنما هي حلية الرجال]]. هو بهذا يحث هذه الأمة أن تتعلم الحساب. وكتب إلى عماله: [[أما بعد: فإنه من كان قِبله كاتب من المشركين، فلا يعاشره، ولا يؤازره، ولا يعتضد برأيه، فإن رسول الله ﷺ لم يأمر باستعمالهم ولا خليفته من بعده]] أي: لم يرضه. وورد عليه كتاب معاوية بن أبي سفيان [[أما بعد: يا أمير المؤمنين! فإن في عملي كاتباً نصرانياً، لا يتم أمر الخراج إلا بهذا النصراني فكرهت أن أقلده دون أمرك -أي: أنه يريد استثناءً لهذا الكاتب- فكتب إليه: عافانا الله وإياك، قرأت كتابك في أمر النصراني، فأما بعد، فإن النصراني قد مات! والسلام]]، أي افترض أنه قد مات فهل تتعطل الأمة؟ فإذاً لا بد أن تتخذ غيره؛ فمعنى كلامه أنه لا توجد ضرورة لهذا الكاتب. وكان لـ عمر ﵁ عبد نصراني، فقال له: ' أسلم حتى نستعين بك على بعض أمور المسلمين؛ فإنه لا ينبغي لنا أن نستعين على أمرهم بمن ليس منهم، فأبى فأعتقه وقال: اذهب حيث شئت '. وكتب إلى أبي هريرة: [[أما بعد فإن للناس نفرة عن سلطانهم فأعوذ بالله أن تدركني وإياك، أقم الحدود ولو ساعة من نهار، وإذا حضرك أمران أحدهما لله والآخر للدنيا، فآثر نصيبك من الله، فإن الدنيا تنفد والآخرة تبقى، وعُد مرضى المسلمين، واشهد جنائزهم، وافتح بابك، وباشرهم، وأبعد أهل الشر، وأنكر أفعالهم، ولا تستعن في أمر من أمور المسلمين بمشرك، وساعد على مصالح المسلمين بنفسك، فإنما أنت رجل منهم؛ غير أن الله تعالى جعلك حاملاً لأثقالهم]]. قال ابن القيم ﵀: 'ودرج على ذلك الخلفاء الذين لهم ثناء حسن في الأمة كـ عمر بن عبد العزيز والمنصور والرشيد والمهدي والمأمون والمتوكل والمقتدر ' ونحن نذكر بعض ماجرى. قال: 'فأما عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى فإنه كتب إلى جميع عماله في الآفاق أما بعد: فإن عمر بن عبد العزيز يقرأ عليكم من كتاب الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فجعلهم الله حزب الشيطان ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:١٠٤،١٠٣]، واعلموا أنه لم يهلك من هلك من قبلكم إلا بمنعه الحق، وبسطه يد الظلم. وقد بلغني عن قوم من المسلمين فيما مضى أنهم إذا قدموا بلداً، أتاهم أهل الشرك، فاستعانوا بهم في أعمالهم وكتابتهم، لعلمهم بالكتابة والجباية والتدبير، ولا خيرة ولا تدبير فيما يغضب الله ورسوله، وقد كان لهم في ذلك مدة، وقد قضاها الله تعالى؛ فلا أعلمن أن أحداً من العمال أبقى في عمله رجلاً متصرفاً على غير دين الإسلام إلا نكلت به، فإن محو أعمالهم كمحو دينهم؛ فأنزلوهم منزلتهم التي خصهم الله بها من الذل والصغار. وأمر بمنع اليهود والنصارى من الركوب على السروج إلا على الأكف -جمع إكاف- وليكتب كل منكم بما فعله من عمله'. فهكذا كانت كتب عمر بن عبد العزيز ﵁، إلى جميع ولاته وكتب مثل ذلك إلى حيان عامله على مصر باعتماد ذلك، فكتب إليه ' أما بعد: يا أمير المؤمنين! فإنه إن دام هذا الأمر في مصر أسلمت الذمة -أي لو استمرينا على كلامك هذا أسلم أهل الذمة- وبطل ما يؤخذ منهم فتقل الموارد، فأرسل إليه رسولاً، وقال له: اضرب حيان على رأسه ثلاثين سوطاً أدباً على قوله، وقل له: من دخل في دين الإسلام، فضع عنه الجزية، فوددت لو أسلموا كلهم؛ فإن الله بعث محمداً ﷺ داعياً لا جابياً '. وأمر أن تهدم بيع النصارى المستجدة، فيقال: إنهم توصلوا إلى بعض ملوك الروم، وسألوه في مكاتبة عمر بن عبد العزيز، أي رجعوا إلى أصولهم ملوك الروم وقالوا لهم: عمر فعل ذلك بنا، فكتب إليه: أما بعد ' يا عمر! فإن هؤلاء الشعب سألوا في مكاتبتك؛ لتجري أمورهم على ما وجدتها عليه، وتبقي كنائسهم، وتمكنهم من عمارة ما خرب منها؛ فإنهم زعموا أنَّ من تقدمك فعل في أمر كنائسهم ما منعتهم منه؛ فإن كانوا مصيبين في اجتهادهم فاسلك سنتهم، وإن يكونوا مخالفين لها فافعل ما أردت'. فهذا يدل على أن وساطة ملك الروم وشفاعته كانت مهذبة؛ لأنه لا يريد أن يواجه عمر ﵁ لأنه يعرف قوته وصلابته. فكتب إليه عمر: [[أما بعد فإن مثلي ومثل من تقدمني كما قال الله تعالى في قصة داود وسليمان: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الأنبياء:٧٩،٧٨]]]. فما أراد أن يطعن في حكمهم؛ لأن هذا عدو للإسلام والمسلمين، فلم يقل: إن الذين كانوا قبلي ليس فيهم خير، وأتى بنبيين من أنبياء بني إسرائيل، يؤمن النصارى بنبوتهما وجعل الحكم وهو معلوم عندهم في التوراة ومعلوم عندنا في القرآن أن كلاً منهم قد اجتهد، ولكن مَن من المجتهدين المصيب؟ فكأنه يقول: أنا الذي فهمت الحق وأصبت وأما الذين قبلي فهم مخطئون ولكنهم معذورون. وكتب إلى بعض عماله: ' أما بعد، فإنه قد بلغني أن في عملك كاتباً نصرانياً يتصرف في مصالح الإسلام، والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٥٧] فإذا أتاك كتابي هذا فادع حسان بن زيد -أي ذلك الكاتب- إلى الإسلام؛ فإن أسلم فهو منا ونحن منه، وإن أبى فلا تستعن به، ولا تتخذ أحداً على غير دين الإسلام في شيء من مصالح المسلمين فأسلم حسان وحسن إسلامه '.

стр. 565

أهل الذمة في عهد أبي جعفر المنصور والمهدي قال: "وأما أبو جعفر المنصور، فإنه لما حج اجتمع جماعة من المسلمين إلى شبيب بن شيبة، وسألوه مخاطبة المنصور أن يرفع عنهم المظالم، ولا يُمكن النصارى من ظلمهم وعسفهم في ضياعهم، وأن يمنعهم من انتهاك حرماتهم وتحريهم؛ لكونه أمرهم أن يقبضوا ما وجدوه لبني أمية، فقال شبيب: فطفت معهم عند الكعبة فشبك أصابعه على أصابعي، فقلت: يا أمير المؤمنين! أتأذن لي أن أكلمك بما في نفسي؟ فقال: أنت وذاك، فقلت: إن الله لما قسم أقسامه بين خلقه، لم يرض لك إلا بأعلاها وأسناها، ولم يجعل فوقك في الدنيا أحداً؛ فلا ترض لنفسك أن يكون فوقك في الآخرة أحد!! يا أمير المؤمنين، اتق الله! فإنها وصية الله إليكم جاءت، وعنكم قبلت، وإليكم تؤدى -أي: الوصية بالتقوى- وما دعاني إلى قولي هذا إلا محض النصيحة إليك، والإشفاق عليك، وعلى نعم الله عندك اخفض جناحك إذا علا كعبك، وابسط معروفك إذا أغنى الله يديك يا أمير المؤمنين! إن دون أبوابك نيراناً تتأجج من الظلم والجور، لا يعمل فيها بكتاب الله ولا سنة نبينه محمد ﷺ . يا أمير المؤمنين! سلَّطت الذمة على المسلمين، فظلموهم، وعسفوهم، وأخذوا ضياعهم، وغصبوهم أموالهم، وجاروا عليهم، واتخذوك سلماً لشهواتهم، وإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاًَ يوم القيامة فقال المنصور: خذ خاتمي فابعث به إلى من تعرفه من المسلمين وقال: يا ربيع، اكتب إلى الأعمال، واصرف من بها من الذمة، ومن أتاك به شبيب فأعلمنا بمكانه لنوقع باستخدامه'. أي: خذ هذا الخاتم فأتني بولاة من الثقات وأنا أصرف النصارى وأجعلهم محلهم، فقال شبيب: يا أمير المؤمنين! إن المسلمين لا يأتونك، وهؤلاء الكفرة في خدمتك، فإن أطاعوهم أغضبوا الله، وإن أغضبوهم أغروك بهم، ولكن تولي في اليوم الواحد عدة، فكلما وليت رجلاً عزلت آخر' قال: 'وأما المهدي فإن أهل الذمة في زمانه قويت شوكتهم، فاجتمع المسلمون إلى بعض الصالحين، وسألوه أن يعرفه بذلك وينصحه، وكان له عادة في حضور مجلسه، فاستدعي للحضور عند المهدي، فامتنع، فجاء المهدي إلى منزله وسأله السبب في تأخره -أي: أن الشيخ لم يحب أن يذهب إلى المهدي فانقطع عن مجلسه- فجاءه الخليفة وقال له: لماذا لم تأتِ إلى مجلسي 'فقص عليه القصة، وذكر اجتماع الناس إلى بابه متظلمين من ظلم الذمة، ثم أنشده: بأبي وأمي ضاعت الأحلام أم ضاعت الأذهان والأفهام؟! من صد عن دين النبي محمدٍ أله بأمر المسلمين قيام؟! إن لا تكن أسيافهم مشهورةً فينا فتلك سيوفهم أقلام! ' يقول: هذا حين كان النصارى يحاربون الإسلام بالأقلام؛ لأنهم يكتبون في الدواوين فقط، فكيف إذا كان أكثر؟! ثم قال: يا أمير المؤمنين! إنك تحملت أمانة هذه الأمة، وقد عرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها ثم سلمت الأمانة التي خصك الله بها إلى أهل الذمة دون المسلمين! يا أمير المؤمنين! أما سمعت تفسير جدك - عبد الله بن عباس - لقوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] أن الصغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة؟! فما ظنك بأموال المسلمين وأماناتهم وأسرارهم؟! وقد نصحتك وهذه النصيحة حجة عليَّ ما لم تصل إليك، فولَّى عمارة بن حمزة أعمال الأهواز وكور دجلة وكور فارس، وقلد حماداً أعمال السواد. وأمره أن ينزل إلى الأنبار وإلى جميع الأعمال، ولا يترك أحداً من الذمة يكتب لأحد من العمال، وإن علم أن أحداً من المسلمين استكتب أحداًَ من النصارى، إلا قطعت يده فقطعت يد شاهونة، وجماعة من الكتاب'، الذين أبوا إلا أن يكونوا كتاباً قطعت أيديهم، حتى لا يقول أحد من المسلمين: إن هذا عنده خبرة، فلماذا لانستخدمه ونستكتبه؟! قال: 'وكان للمهدي على بعض ضياعه كاتباً نصرانياً بـ البصرة، فظلم الناس في معاملته، فتظلم المتظلمون إلى سوار بن عبد الله القاضي -ويلاحظ دائماً أن الأمة في أي وقت تقع عليها المصائب والمشاكل، فيرجعون بعد الله تعالى، إلى العلماء والقضاة فهذا واجبهم- فـ سوار بن عبد الله كان قاضي البصرة فأحضر وكلاء النصراني واستدعى بالبينة، فشهدت على النصراني بظلم الناس وتعدي مناهج الحق ومضى النصراني فأخذ كتاب المهدي إلى القاضي بالتثبت في أمره، فجاء البصرة ومعه الكتاب وجماعة من حمقى النصارى، وجاءوا إلى المسجد، فوجدوا سواراً جالساً للحكم بين المسلمين. فدخل المسجد، وتجاوز الموضع الذي كان يجب الوقوف عنده؛ لأن عنده كتاباً من الخليفة فتعدَّى وتجاوز فمنعه الخدم، فلم يعبأ بهم وسبهم ودنا حتى جلس عن يمين سوار، ودفع له الكتاب، فوضعه بين يديه ولم يقرأه، وقال: ألست نصرانياً؟ فقال: بلى، أصلح الله القاضي، فرفع رأسه، وقال: جروا برجله، فسحب إلى باب المسجد، وأدَّبه تأديباً بالغاً، وحلف ألَّا يبرح واقفاً إلى أن يُوفِّي المسلمين حقوقهم. فقال له كاتبه: قد فعلت اليوم أمراًَ يخاف أن يكون له عاقبةً -أي: يخشى أن يكون له عاقبة عند النصارى، أو عند الخليفة، فقال: أعز أمر الله يعزك الله ولا تخف من أحد".

стр. 566

أهل الذمة في عهد الرشيد والمأمون قال ابن القيم ﵀: 'وأما هارون الرشيد فإنه لما قلَّد الفضل بن يحي أعمال خراسان، وجعفراً أخاه ديوان الخراج، أمرهما بالنظر في مصالح المسلمين، فعمرت المساجد والجوامع والصهاريج والسقايات، وجعل في المكاتب مكاتب لليتامى، وصرف الذمة عن أعمالهم، واستعمل المسلمين عوضاً عنهم، وغيَّر زيهم ولباسهم، وخرَّب الكنائس، وأفتاه بذلك علماء الإسلام'. قال ابن القيم: 'وأما المأمون؛ فقال عمرو بن عبد الله الشيباني: استحضرني المأمون في بعض لياليه ونحن بـ مصر وقال لي: قد كثرت سعايات النصارى وتظلم المسلمون منهم، وخانوا السلطان ثم ذكر قصتهم وكيف ملكوا إلى أن قال: وفيهم يقول خالد بن صفوان من قصيدة له يمدح فيها عمرو بن العاص ﵁، ويحثه على قتلهم ويغريه بهم: يا عمرو قد ملكت يمينك مصرنا وبسطت فيها العدل والإقساطا فاقتل بسيفك من تعدى طوره واجعل فتوح سيوفك الأقباطا فبهم أقيم الجور في جنباتها ورأى الأنام البغي والإفراطا عبدوا الصليب وثلثوا معبودهم وتوازروا وتعدو الأشراطا وبقي في نفس المأمون منهم، فلما عاد إلى بغداد اتفق لهم مجاهرةٌ في بغداد بالبغي والفساد على معلمه علي بن حمزة الكسائي، فلما قرأ عليه المأمون، ووصل إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١] قال الكسائي: يا أمير المؤمنين! أتقرأ كتاب الله ولا تعمل به؟! فأمر المأمون بإحضار أهل الذمة، فكان عدة من صرف وسجن (ألفين وثمانمائة) وبقي جماعة من اليهود منحازين إلى حماية بعض جهاته، فخرج توقيعه بما نسخته: أخبث الأمم اليهود، وأخبث اليهود السامرة، وأخبث السامرة بنو فلان، فليقطع ما بأسمائهم من ديوان الجيش والخراج إن شاء الله تعالى. ودخل بعض الشعراء على المأمون، وفي مجلسه يهودي جالس! فكان من مصائب المأمون أنه كان يدني اليهود والنصارى ويجالسهم، ويأتي بهم إلى مجلسه على أنهم أدباء وحكماء وأطباء ومن باب الفلسفة، وعلم الكلام الذي كانوا يتفننونه، فدخل عليه شاعر مسلم مؤمن أخذته الغيرة لله ولرسوله والحمية لدين الإسلام، فأنشده: يابن الذي طاعته في الورى وحكمه مفترضٌ واجب إن الذي عُظمت من أجله يزعم هذا أنه كاذب أي ما عُظِّم المأمون إلا لأجل الرسول ﷺ ، ولأنه من أهل البيت ومن بني العباس وأنه خليفة المسلمين. قال: إن الذي عُظمت من أجله وهو الرسول ﷺ يزعم هذا اليهودي أنه كاذب فقال المأمون لليهودي: أصحيح ما يقول؟ قال: نعم، فأمر بقتله".

стр. 567

أهل الذمة في عهد المتوكل والمقتدر بالله قال: 'وأما المتوكل: فإنه صرف أهل الذمة من الأعمال، وغيَّر زيَّهم في مراكبهم وملابسهم، وذلك أن المباشرين منهم للأعمال كثروا في زمانه، وزادوا على الحد وغلبوا على المسلمين، لخدمة أمه وأهله وأقاربه، وذلك في سنة (خمس وثلاثين ومائتين) هـ ثم ذكر بعض ماعملوا. ثم قال: وعُرِضَ على المتوكل، فأُغري بهم، وظن ما أوجبوا من ذلك حقاً، وأن المال في جهاتهم كما أوجبوه. أي أنهم أوجدوا وقيعة بينه وبين المتوكل، والقصه طويلة، فنختصرها. قال: فدخل عبيد الله بن يحي على المتوكل، فعرفه مأثمة أهل الذمة على المسلمين وغيرهم، وأوقفه على خط سلمه، وقال: هذا قصده أن يخلو أركان دولة أمير المؤمنين من الكُتَّاب المسلمين، ويتمكن هو ورهطه منها. وكان المتوكل قد جعل في موكبه من يأخذ المتظلمين ويحضرهم بين يديه على خلوة، فأحضر بين يديه شيخ كبير، فذكر أنه من أهل دمشق، وأن سعيد بن عون النصراني غصبه داره فلما وقف المتوكل على قصة الشيخ، اشتد غضبه إلى أن كادت تطير أزراره، وأمره أن يكتب إلى صالح عامله برد داره. قال الفتح بن خاقان: فقمت ناحية لأكتب له بما أمرني، فأتبعني رسولاً يستحثني، فبادرت إليه، فلما وقف على الكتاب، زاد فيه بخطه، نُفيتُ عن العباس فلئن خالفتَ فيما أمرتُ به لأوجهن من يجيئني برأسك! ووصل الشيخ بألف دينار، وبعث معه حاجباً. قال: وكثر تظلم الناس من كُتَّاب أهل الذمة، وتتابعت الإغاثات، وحج المتوكل تلك السنة فرئي رجلٌ يطوف بالبيت، ويدعو على المتوكل، فأخذه الحرس وجاءوا به سريعاً، فأمر بمعاقبته، فقال له: والله يا أمير المؤمنين ما قلت ما قلته، إلا وقد أيقنت بالقتل، فاسمع كلامي، وأمر بقتلي، فقال: قل. فقال: سأطلق لساني بما يرضي الله ورسوله ويغضبك يا أمير المؤمنين، فقد اكتنفت دولتك كتاباً من الذمة، أحسنوا الاختيار لأنفسهم، وأساءوا الاختيار للمسلمين، وابتاعوا دنياهم بآخرة أمير المؤمنين، خِفْتَهم ولم تَخَفِ الله، وأنت مسئول عما اجترحوا، وليسوا مسئولين عما اجترحت؛ فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك؛ فإن أخسر الناس صفقة يوم القيامة، من أصلح دنيا غيره بفساد آخرته، واذكر ليلةً تتمخض صبيحتها عن يوم القيامة، وأول ليلة يخلو المرء في قبره بعمله. فبكى المتوكل إلى أن غشي عليه، وطُلِبَ الرجل فلم يُوجَدْ، فخرج أمره بلبس النصارى واليهود الثياب العسلية -على زي خاص- وألَّا يُمكنوا من لبس الثياب، لئلا يتشبهوا بلبس المسلمين، ولتكن رُكُبُهُم خشباً -أي: لا يركبوا السروج كالمسلمين- وأن تُهدَّمَ بِيعُهُمْ المستجدة، وأن تطبق عليهم الجزية، ولا يفسح لهم في دخول حمامات المسلمين، وأن يُفْرَدَ لهم حمامات خدمها ذمة -أي: أن يكون الخدم في هذه الحمامات من أهل دينهم- ولا يستخدموا مسلماً في حوائجهم لنفوسهم. أي: لا يجوز أن يستخدم الكفار أي مسلم في حوائجهم، فيكون خادماً أو عاملاً في خدمة الكفار. وأفرد لهم من يحتسب عليهم من أهل الحسبة -وهم الذين نسميهم الآن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- فأفرد المتوكل قسماً خاصاً بالاحتساب على النصارى ليتأكد على قيامهم بهذه الأمور ومن تلبسهم بالذل والصغار وكتب كتاباً نسخته: أما بعد: فإن الله اصطفى الإسلام ديناً، فشرَّفه وكرمه، وأناره ونصره، وأظهره، وفضَّله، وأكمله، فهو الدين الذي لا يقبل الله تعالى غيره، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] ثم ذكر الآيات الكثيرة في حكم أهل الكتاب، ومما ذكره الله تعالى عداوتهم للمؤمنين وآخرها. قال: وقد انتهى إلى أمير المؤمنين أن أناساً لارأي لهم ولا رَوِيَّةَ يستعينون بأهل الذمة في أفعالهم، ويتخذونهم بطانةًَ من دون المسلمين ويسلطونهم على الرعية، فيعسفونهم، ويبسطون أيديهم إلى ظلمهم وغشهم، والعدوان عليهم؛ فأعظم أمير المؤمنين ذلك وأنكره وأكبره وتبرأ إلى الله تعالى منه، وأحب التقرب إلى الله تعالى بحَسْمِه والنهي عنه. ورأى أن يكتب إلى عماله على الكُوَرِ والأمصار وولاة الثغور -الكور: جمع كورة وهي القصبة أو الناحية أو المنطقة- والأجناد في ترك استعمالهم للذمة في شيء من أعمالهم وأمورهم، والإشراك لهم في أماناتهم، وما قلدهم أمير المؤمنين واستحفظهم إياه، وجعل في المؤمنين الثقة في الدين والأمانة على إخوانهم المؤمنين، وحسَّن الرعاية لما استرعاهم، والكفاية لما استُكْفُوا، والقيام بما حملوا، مما أغنى عن الاستعانة بالمشركين بالله، المكذبين برسله، الجاحدين لآياته -وهذا كله كلام الخليفة- الجاعلين معه إلهاً آخر، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، ورجاء أمير المؤمنين بما ألهمه الله من ذلك، وقذف في قلبه جزيل الثواب، وكريم المآب، والله يعين أمير المؤمنين على نيته في تعزيز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وحزبه، فليُعلم هذا من رأي أمير المؤمنين، ولا يستعانن بأحد من المشركين، وإنزال أهل الذمة منازلهم التي أنزلهم الله تعالى بها، فاقرأ كتاب أمير المؤمنين على أهل أعمالك، وأَشِعْهُ فيهم، ولا يعلمنّ أمير المؤمنين أنك استعنت ولا أحدٌ من عمالك أو أعوانك بأحد من أهل الذمة في عملٍ، والسلام'. قال ابن القيم ﵀: 'وأما المقتدر بالله، فإنه سنة (خمسة وتسعين ومائتين) عزل كُتَّاب النصارى وعمالهم -فيتكرر العزل وما ذلك إلا إذا أتى من يقيم فيهم أمر الله، ثم يأتي بعد ذلك من يدعهم يتسلطون فيأتي من يرجعهم- وأمر ألَّا يُستعان بأحد من أهل الذمة، حتى أمر بقتل أبي إياس النصراني عامل أبي مؤنس الحاجب. وكتب إلى نوابه بما نسخته: 'عوائد الله عند أمير المؤمنين توفي على غاية رضاه ونهاية أمانيه، وليس أحد يُظْهِرُ عصيانه إلا جعله الله عظةً للأنام، وبادر بعاجل الاضطلام والله عزيز ذو انتقام'. فمن نكث وطغى وبغى وخالف أمير المؤمنين، وخالف محمداً ﷺ ، وسعى في إفساد دولة أمير المؤمنين، عاجله أمير المؤمنين بسطوته، وطهر من رجسه دولته، والعاقبة للمتقين، وقد أمر أمير المؤمنين بترك الاستعانه بأحد من أهل الذمة في عمل من الأعمال، فليحذر العمال تجاوز أوامر أمير المؤمنين ونواهيه'.

стр. 568

أهل الذمة في عهد الراضي بالله والآمر بأمر الله وقال ابن القيم: 'وكذلك الراضي بالله، كثرت الشكاية من أهل الذمة في زمانه، فكتب إليه الشعراء في ذلك، فممن كتب إليه مسعود بن الحسين الشريف البياضي -أحد الشعراء الغيورين- يقول: يا ابن الخلائف من قريش والألى طهرت أصولهمُ من الأدناس قلدت أمر المؤمنين عدوهم ما هكذا فعلت بنو العباسِ حاشاك من قول الرعية إنه ناسٍ لقاءَ الله أو متناسِ ما العذر إن قالوا غداً: هذا الذي ولَّى اليهود على رقاب الناسِ أتقول: كانوا وفروا الأموال إذ خانوا بكفرهم إله الناسِ لا تذكرنْ إحصاءهم ما وفروا ظلماً وتنسى محصي الأنفاسِ وخف الإله غداً إذا وُفِّيَت ما كَسَبَتْ يداك اليوم بالقسطاسِ في موقفٍ ما فيه إلا شاخصٌ أو مهطع أو مُقْنعٌ للراسِ أعضاؤهم فيه الشهود وسجنهم نارٌ وحارسهم شديد الباسِ إن تمطل اليومَ الديون َمع الغنى فغداً تؤديها معَ الإفلاسِ لا تعتذر عن صرفهم بتعذر الـ متصرفين الحذَّقِ الأكياسِ ما كنت تفعل بعدهم لو أُهلِكوا فافعل، وعُدَّ القومَ في الأرماس وكأنه تذكر قول عمر ﵁ لمعاوية: اعتبر أنهم ماتوا وأنهم ما وجدوا. يقول: وكتب إليه وقد صرف ابن فضلان اليهودي وابن مالك النصراني، يقول: أبعد ابن فضلان توليِّ ابن مالكَ بماذا غداً تحتج عند سؤالك خف الله وانظر في صحيفتك التي حوت كل ماقدمته من فعالك وقد خط فيها الكاتبون فأكثروا ولم يبق إلا أن يقولوا كذلك فوالله ماتدري إذا مالقيتها أتوضع في يمناك أو في شمالك يقول: ما بقي إلا أن يقول الملائكة: فذلك، آخر عبارة تقال عادةً في كتب الأقدمين، ولهذا يقال الآن: الفذلكة، والفذلكة هي آخر الجملة ومختصر الكلام. يقول: وكذلك الأمر بأيام الآمر بأمر الله، امتدت أيدي النصارى، وبسطوا أيديهم بالجناية، وتفننوا في أذى المسلمين وإيصال المضرة إليهم، واستعمل منهم كاتب يعرف بالراهب، ولقب بالأب القديس، الروحاني النفيس، أبي الآباء، وسيد الرؤساء، مقدم دين النصرانية، وسيد البتركية، صفي الرب ومختاره، ثالث عشر الحواريين. فانظر كيف استنكر الناس والعلماء أن النصراني يلقب بلقب تشريف، كما قال النبي ﷺ : ﴿لا تقولوا للمنافق: سيدنا، فإنه إن يكن سيدكم، فقد أسخطتم ربكم ﴾. يقول: فصادر اللعين عامة مَنْ بالديار المصرية من كاتب وذكر بعض أعماله الخبيثة، وبعض أقواله الشنيعة. ولا بأس أن نورد بعضاً من كلام هذا النصراني القبطي، حيث يقول: 'نحن ملاك هذه الديار، حرثاً وخراجاً، ملكها المسلمون منا -هذه دعوى الكفار دائماً- وتغلبوا عليها، وغصبوها، واستملكوها من أيدينا، فنحن مهما فعلنا بالمسلمين فهو قبالة مافعلوا بنا -انظر! ماذا يقول المجرم- ولايكون له نسبة إلى من قتل من رؤسائنا وملوكنا في أيام الفتوح، فجميع مانأخذه من أموال المسلمين وأموال ملوكهم وخلفائهم حلٌ لنا، وبعض مانستحقة عليهم'. وصدق الله إذ يقول: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران:٧٥]. قال: فإذا حملنا لهم مالاً كانت المنة لنا عليهم، واستشهد بأبيات-: بنت كرم غصبوها أمها وأهانوها فديست بالقدم ثم عادوا حكَّموها فيهمُ ولنا هيك بخصمٍ يحتكم فضرب مثالهم بالخمر، فالعنب تهان وتداس وتعصر بالأقدام، لكن بعدما تصبح خمراً يحكِّمونها في عقولهم. أي: أن الأقباط النصارى أهانهم المسلمون، ثم بعد ذلك أصبحوا هم المتحكمين عليهم. ويقول ابن القيم ﵀: ' ثم انتبه الآمر من رقدته، وأفاق من سكرته، وأدركته الحمية الإسلامية، والغيرة المحمدية، فغضب لله غضب ناصر للدين وبار بالمسلمين، وألبس الذمة الغيار، وأنزلهم بالمنزلة التي أمر الله أن ينزلوا بها من الذل والصغار، وأمر ألَّا يُولَّوا شيئاً من أعمال الإسلام '. ثم كتب كتاباً فيه عبر آيات أحاديث، ومواعظ، وهو طويل جداًَ يبلغ عشر صفحات في مثل حجم خطبة الجمعة، وهو كتاب عجيب كتبه هذا الخليفة أو كتبه له أحد العلماء.

стр. 569

عداوة أهل الذمة للمسلمين ثم يُعقِّب ابن القيم ﵀: فصل في سياق الآيات الدالة على غش أهل الذمة للمسلمين وعداوتهم، وخيانتهم وتمنيهم السوء لهم، ومعادة الرب تعالى لمن أعزهم أو والاهم أوولاَّهم أمور المسلمين، وذكر آيات كثيرة في أربع صفحات، ثم ذكر بعد ذلك حكم التولية. ثم قال: ولو علم ملوك الإسلام بخيانة النصارى الكُتَّاب، ومكاتبتهم الفرنج أعداء الإسلام، وتمنيهم أن يستأصلوا الإسلام وأهله، وسعيهم في ذلك بجهد الإمكان، لثناهم ذلك عن تقريبهم وتقليدهم الأعمال. ثم ذكر الأمثلة على ذلك من قصة أحد الملوك الذي كان يُسمى الملك الصالح، فقال: دخل بعض العلماء ليعظه والعلماء كانوا يعظون كلاً بحسب فهمه وعقله، فالخليفة العالم يكتبون إليه آيات وأحاديث وعلم وفقه، وهذا الملك الصالح لم يكد يفهم الآيات والعبر، فوعظه هذا العالم بموعظة تناسب فهمه وهو في مجلس الكُتَّاب والقضاة والعلماء، فقال له: إن النصارى لا يعرفون الحساب ولا يدرونه على الحقيقة؛ لأنهم يجعلون الواحد ثلاثة، والثلاثة واحداً، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣] وأولو أمانتهم وعقد دينهم: باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد، فأخذ هذا المعنى بعض الشعراء وقال في قصيده له: كيف يدري الحساب من جعل الـ ـواحد رب الورى ثلاثة ثم قال: كيف تأمن أن يفعل في معاملة السلطان كما فعل في أصل اعتقاده، ويكون مع هذا أكثر النصارى أمانة؟! وكلما استخرج ثلاثة دنانير دفع إلى السلطان ديناراً، وأخذ لنفسه اثنين، ولاسيما وهو يعتقد ذلك قربةً وديانة!! فانصرف القوم، واتفق أَنْ كَبَتْ بالنصراني فطنته، وظهرت خيانته، فأريق دمه، وسلط على وجوده عدمه إلى أن يقول: وفيهم يقول عمارة اليمني وذكر قصيدةً له. وعلى كل حال؛ فكتاب أحكام أهل الذمة لـ ابن القيم ﵀ موجود، وهذا بعض ما فيه حول تولية اليهود والنصارى واستعمالهم والاستعانة بهم.

стр. 570

الأسئلة

стр. 571

خبر صفقة كيماوية للمجندات الأمريكيات هذا الخبر نقرأه من غير تعليق، نقرأ ترجمته، في عرب نيوز ١٤١١هـ (ص ٢٠). صفقة كيماوية لمجمع التسويق كيمار، تتكون هذه الصفقة من خمسة آلاف زجاجة من كريم منعم للجلد، وألفين وأربعمائة علبة لطرد الحشرات والناموس، وخمسة آلاف وخمسمائة أنبوبة مرطب شفايف، وخمسه آلاف وخمسمائة علبة بودرة أقدام، وخمسه آلاف وخمسمائة زجاجة لكريم الجلد ضد الشمس. تقول الصحيفة: فهذه صفقة خيالية ماكان يحلموا بها اشتروها في طريقهم إلى الخليج.

стр. 572

الشباب الصالح ودوره في الأحداث السؤال سمعنا بمقاومة في الكويت من الشباب الصالح فهل هذا صحيح؟ الجواب الذي سمعته أن الشباب المسلم ليس له مقاومة عسكرية في الكويت، وإنما قاموا بدور عظيم جداً، وهو الذي تسمعونه في الإذاعة، مع من يتقابلون في الإذاعة أحياناًَ، وهو أن هؤلاء الشباب قاموا بنوع من التنسيق بين الأسر وبين الناس، وخاطبوا المعتدين، وخاطبوا بعض الناس أنه لابد أن يحتسبوا لإيصال الطعام والماء إلى البيوت التي قطع عنها، ولإيصال المرضى إلى المستشفى، والقيام بأعمال إغاثة، وخدمات ضرورية لحياة الناس، فقاموا بذلك جزاهم الله تعالى خيراً، واحتسبوا ما يلقون من الأذى، بل ربما القتل أو البطش في سبيل ذلك. ولكن القيام بهذه الأعمال قامت بفضل الله، ثم بفضل هؤلاء الشباب، وأرجو أن يكون هذا دافعاًَ -إن شاء الله- لأن يلتف الناس حولهم، وأن يعلموا من الذي يحبهم ومن الذي يشفق عليهم أهم الراقصون، والراقصات، وأصحاب المجلات وأصحاب الشاليهات وأصحاب الدعارة على الشواطئ، وأصحاب الأشياء التي لا تخفى؟! أم هذا الشباب المتدين المتمسك الذي ربما كان كثير منهم يحتقره في وقت الرخاء، ولا يحب أن ينظر إليه، والآن في وقت الشدة يجد هذه الخدمات منهم، وكما نسمع في برنامج الإذاعة أو التلفزيون أن الناس يقولون: "الإخوان المتدينين أعطونا الماء وأعطونا الطعام، وقدموا لنا الخدمات حتى خرجنا". وهذا من فضل الله على هؤلاء الشباب. أنا أنصح الإخوة، بألَّا يقوموا بأية مقاومة عسكرية، فهذه ليس لها أية قيمة في الحقيقة، فهي مجرد انتحار؛ لأنهم أفراد قليلون، وأنا أرى أن المقاومة الحقيقية تكون في شكل مقاومة سلبية، وذلك بأن يعيشوا هناك دون أن يقروا بهذا الواقع، وأن يعيشوا معهم عيشة الداعية الذي يدعو الناس إلى الخير عن طريق هذه الخدمات، ويدعو أولئك الجنود أيضاً. وقد بلغني عن بعضهم أنهم دعوا بعض الجنود، وقالوا: أنتم مسلمون، وأنتم عرب وأخذوهم بالنخوة، وقالوا لهم: لماذا لا تصلون؟ فأصبحوا يدخلون بعض المساجد ويصلون، وهذا -والله- مكسب كبير، وربما بعض الذين عبروا بدباباتهم إلى الأراضي السعودية وهم عدد كبير، ربما يكون من هذا النوع الذي أوقظت فيه الغيرة الإيمانية. ورأى أنه حرام أن يعتدي على إخوانه المسلمين، وحرام أن يهاجمهم، وقال: إذاً أفر بديني ونفسي، فجاءوا بدباباتهم ودخلوا إلى السعودية، كما سمعنا في نشرات الأخبار. فالأمة المسلمة فيها خير، حتى وإن كانوا جنوداً للكفرة وجنوداً للبعثيين، أو لمن هو أكثر من البعثيين، فسيظل الخير في هذه الأمة -بإذن الله تعالى- باقياً إلى قيام الساعة، ولهذا لو خوطبوا بالدعوة إلى الله، ولو وُجِّهت إليهم موجات إذاعية معينة أو نشرات أو كتيبات -في الكويت أو خارجها أو في أي مكان، أو أن تبث عليهم برامج تذكرهم بالله، لكان ذلك من أقوى العوامل أن يتركوا هذا المجرم أو ينقلبوا عليه أو -على الأقل- يهربوا ولا ينفذوا أوامره. وثبت لديكم أن كثيراً منهم أول ما وصل إلى الكويت يطرق الباب، يريد ثوباً كويتياً، يختفي فيه عن الجند، فيظنوا أنه فقد أو مات, أو شيئاً من هذا فيختفي، فكثير منهم أجبروا، وأكثر الشعوب في العالم مقهورة، مجبورة مظلومة، وإن كانت نتائج الانتخابات تصل إلى (٩٩. ٩٩%) فهي ليست ذات معنى. والحمد لله، أن المسلمين المؤمنين المتقين ليس من أصلهم الظلم أو الجور أو البغي، وخاصةً أن هذه الحرب فادحة وخسائرها واضحة ومعاركها لا هدف لها، لكن من يذكرهم بالله؟ فليتنا بدل الأغاني والمسلسلات نُوجه في إذاعتنا نداءات إيمانية إسلامية إلى هؤلاء، ونسلط عليهم موجات معينة، ليلتقطوها كما سلط هذا المجرم وحزبه إذاعات ليلتقطها الناس هنا.

стр. 573

مصطلح الأمة العربية وعدالة التوزيع السؤال إنسان مسلم ومؤمن وملتزم، لكن يؤمن أن وحدة الأمة العربية خير من الفرقة في ضوء نفاق الدولة، والمشاركة والشورى مطلب الأمة، وعدالة التوزيع بين الأمة واجب ديني؛ فهل هذا يعتبر نقص في إيمانه؟ الجواب أخشى أن يكون هذا متستراً، وعلى أية حال لا يوجد شيء اسمه الأمة العربية، أين توجد الأمة العربية؟ قبل الإسلام كان يقال: العرب أو قبائل العرب، فإذا صح أن نستخدم مصطلحاتنا الحالية، فنقول: إن الأمة العربية ما كان لها هذا الاسم إلا قبل الإسلام، أما بعد أن بعث الله سيدنا محمداً ﷺ بالنور المبين، وأنزل عليه الذكر الحكيم، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وأنزل عليه قوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨] فأصبح اسمنا المسلمين، والعرب جزء من الشعوب المسلمة. ولم يوجد في تاريخنا -وهذه كتب التاريخ عندنا وكتب الفرق والفقه والآثار وغيرها- شيء اسمه الأمة العربية إلا لما ظهر ساطع الحصري وميشيل عفلق وفارس النمر ومن قبلهم النصارى وأمثالهم جاءوا بهذه الكلمة، وأكثرهم ليسوا عرباً وليسوا أيضاً مسلمين، فجاءوا بهذا المصطلح، فأصبحنا نقول: الأمة العربية، والقضية العربية، والبيت العربي. فمثلاً جامعة الدول العربية من الذي أنشأها؟ ومن الذي أسسها؟ فكما هو معلوم أنه أنطوني أيزن، الذي كان وزير خارجية بريطانيا ثم أصبح رئيساً لوزرائها، فـ بريطانيا أنشأتها لتضمن لها الهيمنة مثل: الكومنولث، ثم بعد ذلك سلمت أمر المنطقة إلى أمريكا وريثتها في حماية واستعباد المنطقة، فلا يوجد شيء اسمه (الأمة العربية). ونحن دائماً نخطئ في وسائل الإعلام فنقول: (الأمتان: العربية والإسلامية) فهل جعلها الله أمتين أم أمةً واحدة؟! كل المؤمنون أمة واحدة من لدن آدم ﵇، والمسلمون أمه واحدة كمثل الجسد الواحد -كما لا يخفى علينا- ولازلنا كذلك والحمد لله. وأما أن المشاركة والشورى مطالب الأمة، فهذا ليس فيه نقاش، ولكن هل هي على الطريقة الديموقراطية أم على طريقة الشورى الإسلامية؟ فهذا هو الفرق، فعلينا ألَّا يقودنا الكلام العام إلى الخطأ، ومن خلال ذلك نحتاج إلى تفصيل أكثر فإن كان المطالب بهذا يريد أن تكون عدالة التوزيع والشورى إسلامية، فيوضح ويقول: نريد حكم الله ورسوله، ولا أحد يعترض عليه من المسلمين أبداً، وإن كان يتستر على مطالب الأمة الشورية من أجل الديموقراطية، وإظهار الحزبية التي يريد، يتستر بكلمة عدالة التوزيع من أجل الاشتراكية التي يريد، فنحن برآء منه، وديننا -والحمد لله- واضح ولا يحتاج لهذه الشعارات.

стр. 574

مقالة هذه المقالة لإخواننا من مجلة الحرس، عن الوفاق بين أمريكا وروسيا ويقول فيها: 'لو كان ما جرى من الأمريكان في الخليج قبل سنة من الآن لرأيتم العجب العجاب من روسيا، فتحريك جندي أمريكي واحد كان يثير روسيا أكبر الإثارة، أما الآن فإن روسيا بسفنها وبجنودها تبع للغرب وتبع لـ أمريكا، فهذه ثمرة من ثمرات الوفاق'. أشكر الأخ الذي أعطانا مجلة الحرس الوطني التي فيها مقال عن هذا الموضوع.

стр. 575

حكم الاستعانة بالنصارى وإعلان الهدنة معهم السؤال بعض أهل العلم عفا الله عنهم يستدلون بقتال خزاعة مع الرسول ﷺ في حنين أو في فتح مكة وأنه استعان بقوم كانوا كفاراً مشركين أن يقاتلوا معه، يستدلون بهذا على جواز الاستعانة بالكفار في القتال فهل هذه صحيح؟ الجواب لا، الحقيقة أن قبيلة خزاعة كانت عام الحديبية عام الصلح كما في صحيح البخاري عن الزهري كانت خزاعة مؤمنهم ومشركهم في عهد رسول الله ﷺ . فدخلوا في حلف النبي ﷺ عام الحديبية؛ لأن الدولة الإسلامية لم تكن قد شملت المنطقة، فالدولة كانت في المدينة، ويحكمها رسول الله ﷺ كما امتدت إلى ما حولها، وبقيت قبائل ومناطق بعيدة غير داخلة في الدولة الإسلامية، وأيضاً ليست داخلة ضمن قيادة قريش، فلما عقد الصلح بين النبي ﷺ وبين قريش، تراضوا على بند من بنود الصلح أن من أراد أن يدخل في عقد محمد وعهده فليدخل، ومن أراد أن يدخل في عقد قريش وعهدها، فليدخل فهذا في عام الحديبية. ثم كانت قصة الفتح، وسببها نقض قريش للعهد، إذ إنها أعانت حلفاءها بني بكر على خزاعة فجاء عمرو بن سالم من خزاعة موفداً إلى النبي ﷺ وقال قصيدته المعروفة ومن ضمنها: وقتلونا ركعاً وسجدا خزاعة كانت مسلمة لأنه يقول: وقتَّلونا ركعاً وسجدا، فمعنى ذلك: أن الصلح قد انتقض، فلما تقدم النبي ﷺ ودخل مكة كانت معه خزاعة، وكانت قد أسلمت جميعاً، وكما قرأنا في الأحاديث بأن النبي ﷺ كان يشترط أنه لايدخل معه إلا من أسلم، وهي أحاديث صحيحة فليس هناك مجال للاحتجاج بهذه القصة. وأما حديث الروم فقد سبق وأن تكلمنا عنه، وإن شاء الله تتاح لنا فرصة فنتكلم عن الروم من خلال الأحاديث؛ لأن الملاحم قائمة مع الروم إلى قيام الساعة، وهناك أحاديث كثيرة جداً في الملاحم، وأن الروم يقاتلون المسلمين. ففي صحيح البخاري، حديث عوف بن مالك ﵁: ﴿انتظر ستاً قبل الساعة ومنها: هدنهٌ تكون بينكم وبين بني الأصفر، ثم يغدرون بكم ويقاتلونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً﴾. هذه الهدنة تكون بيننا وبينهم ثم يغدرون، الرواية التي في مسند أحمد وسنن أبي داوود وغيرها، وذكر فيها النبي ﷺ أنكم ﴿تصالحون الروم وتقاتلون معهم عدواً فتسلمون وتغنمون -قال في آخره-: فإذا برجل من الروم يقول: غلب الصليب، يرفع شعار الصليب فتقع المعركة فيغدرون بكم﴾ والروايات الأخرى في البخاري وغيره تفسر هذا الحديث، وأنه بعد الهدنة وبعد الصلح يكون الغدر. فلو قرأنا الحديث إلى آخره وقرأنا الأحاديث الأخرى معه، فهل نفهم من هذا الثقة في الروم أو الغدر؟ لا. لن نفهم منها إلا الغدر! فإذاً لا يوجد حديث حجة يصلح للاستشهاد به هنا.

стр. 576

المجلات الداعرة السؤال أطلت علينا بعض المجلات الداعرة وجهاً قبيحاً هذه الأيام مثل مجلة ألوان ومجلة الشراع، وأظن أنها كانت ضمن الممنوع، فماذا حصل في الأمر؟ الجواب أظن أن الذي حصل هو أن النهضة واليقظة والمجالس اختفت، فأرادوا أن يعوضوا فجاءت هذه؛ لأن المخطط لابد منه، فعوضوا بإعادة بعض ما منع أو بكثرة الطبعات مما منع، فكانوا يفسدونا عن طريق الصحافة الكويتية، ولما انتهت حاولوا أن يعيدوها، وحاولوا أن يأتوا بصحافة أخرى بديلة ولاحول ولاقوة إلا بالله.

стр. 577

من إذاعة البعثيين حدثني شخص وأرجو ألا يكون واهماً، لكن أقسم بالله بأنه متأكد أنه في إحدى إذاعات البعثيين غير إذاعة بغداد كان يقدم في برنامج الإفطار في رمضان موعظة دينية يلقيها محمد بن عبد الوهاب المطرب وهو يقول: 'هناك علاقة وثيقة بين الدين والفن'، ومن جملة ما يقول: 'إن الغناء أول ما نشأ في أحضان المشايخ مثل الشيخ سلامة حجازي وسيد درويش وزكريا أحمد '. فانظر إلى الحرب علينا من هنا ومن هنا، وتكلم حتى عن الشعراوي، وفي الحلقة الثانية يقول: 'الدين حياة كاملة' في حوار ديني مع موسيقار الأجيال محمد بن عبد الوهاب لتعرفوا منه رأي الشيخ محمد عبد الوهاب في المشايخ، فرأيه في الشيخ الشعراوي أنه يحاور الناس ولا يحاضرهم، ورأيه في الشيخ الغزالي أنه عالم بأحكام الدين في عصر سريع التغيرات، ويرى فتاوى الشيخ الغزالي سريعة التغير، فقال: إن الشيخ عالم بعصر سريع التغيرات، والشيخ عبد الحليم محمود يجمع بين السلفية والعصرية، وشر البلية ما يضحك.

стр. 578

المجندات الأمريكيات وهذه مجلة الجمهورية يتحدث فيها أحدهم أنه رأى امرأة كاشفة عن نحرها وعن شعرها ونصف الذراع وهي مجندة أمريكية ضمن القوات الأمريكية الموجودة في السعودية، وتمسك بندقيتها وهي ترتدي شيرت؛ لأنه قد صدرت تعليمات للمجندات بارتداء ملابس وقورة مراعاة للتقاليد السعودية، فهذه المرأة لم تلبس التي شيرت إلا من أجل التقاليد، وإذا لم تكن هناك أوامر عسكرية فكيف يكون الحال؟ فلا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 579

معيار العقيدة عند حزب البعث العراق يعلن الحرب على التبرج هذا عنوان كبير يذكر أن التبرج ممنوع بقرارات رسمية، وممنوع عمل الرجل في كوافير السيدات، ومحظور دخول الشباب دور اللهو. وهذا عنوان آخر (حملة لحث طالبات الجامعة على ارتداء الحجاب) حتى إذا قلنا: قال الله وقال رسوله في البعثيين، لم يصدقنا أحد. ونقول لكم: إن الرئيس بوش قال: 'إن صدام ملحد فلا تصدقوه إن أعلن الجهاد'. فعلينا بعد الآن أن نعتمد رسمياً أن صدام ملحد؛ لأن بوش قد أعلن ذلك! فما ينبغي أن ننقلب عن هذا الرأي!! فكل كلام صدام دغدغة ونفاق، وأمة لاتعرف الإسلام ولا معنى الإيمان ولا النفاق، فمن الطبيعي أن يضحك عليها أي واحد ويقول: امنعوا الرجال من الكوافير! فهل هناك امرأة واحدة في بغداد متفرغة الآن للعمل في الكوافير؟ لكن هذا الكلام من أجل ذر الرماد في العيون، وما هو إلا سخرية بهذه الأمة. وربما يصدق بعض الناس فيقول: هذا داعية، أو مصلح على الأقل، ويقول لماذا نقاتله؟! وخاصةً إذا كان المقاتل من الأمريكان، فالواحد في هذه الأيام لا يدري على من يدعو، أعلى صدام أم على أمريكا؟ سبحان الله! فهذه الفتن لا تحتاج حيرة، ولكن الحيرة لهذه الأمة جاءت من ضعف الولاء والبراء عندها، ومن عدم معرفتها بحقيقة لا إله إلا الله، ومن عدم معرفتها من هو المسلم، ومن هو الكافر؟ ومتى كان البعثيون مسلمين؟! فأنا لاأخص بعثياً واحداً فالبعثيون في جميع البلاد الإسلامية متى كانوا مسلمين؟! ومتى كانوا مؤمنين؟! ومتى كان في مبادئهم الجهاد؟ أو الإصلاح أومنع الفساد؟! فكيف مشى هذا الأمر علينا؟! لأننا سنوات طويلة نخفي هذه الحقيقة ولانتكلم إلا عن بطولاتهم في الجبهة والبوابة الشرقية والقادسية إلخ. أقول: نحن السبب، البيان على العلماء وعلى الدعاة فرض ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:١٨٧] فهذا عهد الله وميثاقه الله، وأما من خُدِعَ بأن حزب صدام من الحركات الإسلامية، فيؤسفني جداً أن يقع منهم هذا الشيء، ولا أخاطبهم خطاب العاطفة أنه أهلك، وسفك،، لا. فليست هذه هي القضية، فقد يكون المسلم سفاكاً وسفاحاً ولكن افترض أن صداماً لم يرق قطرة دمٍ إلا من دماء اليهود، وافترض أنه دمر إسرائيل، ودمر الروافض، وفعل ما فعل وهو بعثي، أيكون مسلماً؟ المعيار معيار العقيدة فليست قضية أنه فعل أو لم يفعل، فحتى لو أقام مجد الأمة العربية كما يقولون، من المحيط إلى الخليج، وقضى على اليهود والنصارى، وفعل كل شيء، أيكون مسلماً وهو بعثي؟. لا. فالمعيار إذن بالعقيدة، فنحكم على الناس من خلال العقيدة فليس العبرة بأنه قتل وفعل وفجر. فالواجب أن نبين عقيدة هؤلاء القوم، وخطرهم وضررهم، وكل من دان بعقيدتهم في أي بلد، فحكمه حكمهم، لا نفرق ولا نجزئ حتى لا نكون قد كتمنا العلم. والحمد لله رب العالمين.

стр. 580

أخطار تهدد الأسرة المسلمة (ندوة) بعد أن عجز أعداء الإسلام من هزيمة الأمة الإسلامية وغزوها عسكرياً بالعدة والسلاح، لجئوا إلى المكر والخديعة وتغريب الشباب عبر الغزو الفكري. وقد جاءت هذه الندوة لبيان الغزو الفكري الذي تعددت أسلحته المتمثلة في الصحف والمجلات، والقنوات الفضائية، وما تبثه من برامج خليعة، وأفلام عنف وجريمة، مبينة آثاره النفسية والعضوية، ثم تحدثت عن أخطار السفر إلى الخارج والمخاطر الناجمة عن استقدام العمالة الاجنبية من غير المسلمين.

стр. 581

مقدمة مقدم الندوة قال مقدم الندوة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد بن عبد الله وعلى آله وأزواجه وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. نسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وخالصاً من كل رياء وسمعة، ونسأله أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٨]. فهنا خطاب من الله لنا يلزمنا أن نضعه نصب أعيننا، وأن نتذكر ونتدبر في كلامه ، وأن نمضي أيامنا في أن نتعلم، ونَعْلَمَ وَنَفْهَمَ ديننا، ونثقف أنفسنا، ونصلح ما اعْوَجَّ منها، لأن أمامنا مسئوليات كثيرة، وأمانات تحملناها ببشريتنا قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] هذه الأمانة كما قال ﷺ في الحديث الذي يرويه ابن عمر ﵁ -وهو في صحيح البخاري - أن رسول الله ﷺ قال: ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته، الرجل راعٍ في أهله ومسئول عن رعيته﴾. وهذا ما سنتناوله في موضوع بعنوان: (أخطار تهدد بناء الأسرة المسلمة) هذه الأسرة المسلمة هي أسرنا جميعاً، وهم أمانة في أعناقنا، من زوجات، وذريات، ولهم واجب عظيم علينا لابد أن نقوم به، فكل إنسان بطبعه يقوم بأداء الواجبات المادية، ولا يقصر فيها حتى الجاهل، فهو يقوم على الأكل والشرب والملبس والمسكن، ولكن هناك ناحية عظيمة جداً، هي أهم من هذه الأمور هي مسئوليتنا التي قال الله عنها في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦] فلا أحد يحب أن يكون أهله وقوداً لهذه النار. ومن هذا المنطلق، نبحث في الأخطار التي تهدد بناء هذه الأسر التي نحن مسئولون عنها أمام الله، والمجال في هذا واسع. فهناك أخطار معنوية، وهي شرٌ خبيث، وداء وبيل، يتسرب إلينا بحذر، قد يكون أحياناً لذيذاً، ولا ننتبه له. وهناك أخطار مادية، نراها أمامنا متجسدة، ولكن قد يغض الكثير عينيه عنها. وهناك أخطار زاحفة زحفاً قوياً تريد أن تقوِّض بناء هذه الأسرة المسلمة. نحن جيلٌ سنمضي قريباًَ، ونرحل عن هذه الأرض، وسيخلفنا من بعدنا ذريتنا، وإذا تدبرنا آيات القرآن، نجد أن الله يذكر عن الإنسان ما يهمه في هذه الدنيا بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ [الأحقاف:١٥]، وهذا همّ كل من عرف الله ، وعرف عبء الأمانة الملقاة عليه، بل إن الله -من لطفه وعنايته ورحمته بنا- خلق مخلوقات عظيمةً جسيمة، وذكر أنهم يدعون للذين آمنوا، أولئك هم حملة العرش ومن حوله، ومن دعائهم لنا: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [غافر:٨] فنحن متقلدون مسئولية إصلاح ذرياتنا وأزواجنا وتقويم أسرنا. وفي هذا سيتناول كلٌ من الشيخ: سفر الحوالي، والطبيب الجراح الدكتور: عدنان غلام الذي يستطيع أن يمدنا بأمور قرأناها عادةً من قصص وحكايات الجرائد، ولكن سيخبرنا بما هو في مجال اختصاصه، فلنتلق ولنأخذ منه ما سيخبرنا به بقلوب واعية. وأول ما نحب أن نتعرف عليه من هذه الأخطار هو الخطر العظيم، الذي لم يتنبه له بعض الناس، وهو الخطر الفكري أو الغزو الفكري الذي تتعرض له أسرنا وبيوتنا, ونحن لا ندري عنه إلا قليلاً. إن وسائل الإعلام تنوعت هذه الأيام: فمن قصص، ومجلات متداولة في كل مكان، وزاوية، وشارع، إلى المذياع وأشرطته، وما أكثر المحطات التي تبث من كل سوءٍ! إلى هذا الدخيل الذي دخل كل بيت إلا من سلم الله، وهو هذا الرائي، وتبعته أشرطته، وفيها ما فيها من أفكار -فإن مجال هذه الوسائل هي الأفكار- وهو ما سيتناوله الشيخ سفر، وسوف يستعرض لنا المستوى الغالب لهذه الوسائل، ويبين قوة تأثيرها وما هي الآثار التي تخلفها علينا وعلى مجتمعاتنا.

стр. 582

خطر الغزو الفكري قال الشيخ: سفر الحوالي. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فقد اقتضت رحمة الله ﵎ أن تكون نواة هذه البشرية وأصل هذه الجماعة الإنسانية التي تعد اليوم بالملايين، هو ما ذكره الله : ﴿مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات:١٣]، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، فالأسرة هي النواة التي تتكون منها الجماعة الإنسانية عامة، والأسرة في كل مجتمع هي حجر الزاوية في بناء أي مجتمع، وسواء علينا تحدثنا عن الأسرة، أم تحدثنا عن المجتمع والأمة؛ فلا فرق بين أن نتكلم عن المخاطر التي تهدد الأسرة، أو أن نتكلم عن المخاطر التي تهدد الأمة والمجتمع. ومن هنا نعلم ونتبين من كتاب ربنا تلك الحكمة البالغة العظيمة، حين نجد أن كل ما يتعلق بالأسرة وبنائها وضمان عقيدتها وسلامة فضيلتها، قد فصله الله تفصيلاً في الكتاب وفي السنة، ولم يدع مجالاً ولا ناحية من نواحي تنظيم الأسرة، إلا وجعل الأحكام فيها مفصلة، ابتداءً من الخطبة، حين يريد الإنسان أن يخطب: ماذا يفعل؟ بأي أمرٍ يبدأ؟ ومن يخطب؟ ومن يتزوج؟ ثم إذا تزوج: كيف يعاشر تلك الزوجة؟ وفي أخص دقائق هذه الأمور جاء أيضاً البيان من الكتاب والسنة، ثم منذ لحظة الولادة: كيف نربيه؟ وكيف تنشأ الأسرة؟ وكيف تستمر؟ إلى أن يموت الأب، ويأتي الجيل الذي بعده، ماذا يفعل بأبيه؟ وماذا عليه بعد موته؟ أحكام لا يتسع المقام لشرحها وإيضاحها، كأحكام العشرة بين الزوجين، وآداب الأسرة، وحق الزوجين، وتربية الأبناء، وكل ما من شأنه أن تكون الأٍسرة به متماسكة، قوية في إيمانها، وأخلاقها، وفضيلتها، وفي ترابطها الدنيوي. فقد أوضح الله تعالى الأحكام المالية التي تتعلق فيما بين الزوجين، وما بين الأبناء والآباء، كل ذلك فصله الله ﵎، لكيلا يحوجنا إلى التسول على موائد الشرق والغرب، فلا نريد أن نأخذ منهم المناهج الهدامة، والأنظمة المدمرة. فهذه الأسرة التي اهتم ديننا بها، والتي يحرص علماؤنا ومفكرونا وكتابنا دائماً على أن يحدثونا عنها، لابد أن نعي دورها، وأن نعي قيمتها، وأن نعي أهميتها.

стр. 583

دمار الأسرة بالغزو الفكري إن أي خطر يهدد الأسرة، فإنما هو دمار للأمة، وكل داعٍ يدعو بطريقٍ مباشر أو غير مباشر إلى تدمير الأسرة، فإنما هو يدعو إلى تدمير الأمة، سواء قال بلسان الحال، أو بلسان المقال: (دمروا هذه الأسرة) (فرقوا بين الزوج والزوجة) (أضيعوا الأبناء)، أو قال: (دمروا هذه الأمة)، (مزقوها بالصواريخ والقنابل)، الحال لا يختلف، ولكن أعداء الله ﵎ يمكرون ومكرهم خفي، وهم بهذا جنود الشيطان الرجيم، عدو بني آدم، وعدو هذه الأمة المسلمة بالذات، الذي أحب من لديه و ﴿أفضل جنوده، هو الذي يأتي إليه فيقول: مازلت بفلان حتى فرقت بينه وبين زوجته﴾. إذا هدم البيت، وهدمت الأسرة، ضاع الأطفال، وضاع الزوج، وضاعت الزوجة، ثم ضاعت الأمة وضاع المجتمع، وهذا ما يريد أن يتوصل إليه أصحاب الغزو الفكري، حيث إن مفكرين غربيين من الذين يفكرون على مدىً بعيد في هذه القضية قد أيقنوا -وكتبوا ذلك- أن تدمير الأسرة هو تدمير للأمة، وأن بناء الحضارات وبقاءها واستمرارها إنما يكون باستمرار الأسرة. أرنولد توينبي المؤرخ الإنجليزي المشهور الذي كتب عما يقارب عشرين حضارة مندثرة منقرضة أو باقية، أَوْلهَا آثارٌ في الوجود، وجد من الظواهر المشتركة في انهيار جميع الحضارات أنها تنهار عندما ينتشر الترف، وتخرج المرأة من البيت، وتنشغل عن تربية الأبناء، هذا ما كتب!! وكما وضح ذلك أيضاًَ المؤرخ الألماني المشهور الذي يدعى شبنجلر الذي كتب وتنبأ بسقوط الحضارة الغربية في حوالي عام (١٩٢٠م) تقريباًَ قبل أن تبلغ قوتها التي هي عليها اليوم، وقبل أن تظهر علامات الانهيار الموجودة اليوم، يقول: ' إن كل حضارة من الحضارات تنهار وتتدمر إذا خرجت المرأة، واهتمت بشهواتها ونزواتها، وتركت الأسرة، فضاعت الأسرة، وضاعت الفضيلة من المجتمع '.

стр. 584

سيطرة الغزو الفكري على المجتمعات نحن في عصر الغزو الفكري، في زمن الخطر الذي يسميه الغربيون: التدفق المستطير للمعلومات، يقولون: إن العالم أصبح قرية إعلامية، ولاسيما بعد أن تطورت وسائل الإعلام بواسطة الأقمار الاصطناعية الذي جعلته كله قرية إعلامية، فما يحدث في أطراف القرية، يعلم به أبناء قرية أخرى، ومن الصعب جداً مقاومة التأثير الإعلامي، أو مقاومة التدفق المستطير للمعلومات، إلا بوجود قوة وعقيدة داخلية. الأمم البوذية شكت من هذا التدفق المستطير، وبسبب الغزو الفكري أصبحت دول جنوب شرقي آسيا -وهي بوذية - متطبعة في حياتها وثقافتها وفنها بطابع الغزو الفكري الغربي، فأصبحت تلبس الزي الغربي، وتتذوق الموسيقى الغربية، وتعيش الحياة الغربية! وضج من ذلك أهل ذلك الدين وعقلاء تلك الأمم كما حصل في الهند. وأعجب من ذلك كله أن تضج فرنسا من هذا الغزو الإعلامي! وصرح بذلك وزير الثقافة الفرنسي منذ فترة فقال: ' إن فرنسا تتعرض لخطر الغزو الفكري الأمريكي، فإن الأفلام وأنماط الحياة والملابس الأمريكية قد غزت فرنسا وهذا خطر ونذير شر، ويجب على الأمة الفرنسية أن تتحصن بتقاليدها وبتراثها وبفنها ضد هذا الخطر '. ونذكر هذا لأن من أبناء جلدتنا، وممن يتكلمون بلغتنا، لا يرون في هذا أي خطر. الأمة الفرنسية والأمة الأمريكية، ما الفرق بينهما؟ أي انحلال يوجد في أمريكا ولا يوجد في فرنسا؟ حياة غربية وثقافة غربية تعود للجاهلية اليونانية، الاتجاه العام في الحياة واحد، لا إيمان بالآخرة، لا تفكير فيها، الكل يعيش ويأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام، والنار مثوىً لهم، إلا من آمن منهم، كما أخبر بذلك الله ﵎، ومع ذلك يشعرون بالخطر! فأي خطر يداهم ويزحف على أمة الإسلام وعلى أمة الأيمان؟! كيف يجب أن تكون مقاومة هذه الأمة التي تؤمن بالله رباً، وبكتاب الله منهجاً وشريعةً، وبمحمد ﷺ نبياً ورسولاً؟! هذه الأمة التي كما قال الله ﵎ عنها: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١١٠] هذه الأمة التي تُسْأَل عما يُفْعَل في تلك البلاد من الموبقات، لأنها لم تُبَلِّغْهم رسالة الله الأخيرة، ولم تُبَلِّغْهم بشريعة محمدٍ ﷺ ! كيف يكون الحال إذا هي استقبلت ورضيت وامتصت هذا الغزو الفكري حتى مسخت نفسها ومسخت شخصيتها وذابت فيه؟!! والإعلام ما هو إلا واجهة ونافذة من نوافذ ذلك الغزو، ولا حرج على الإطلاق على أية أمة من الأمم أن تضع الوسائل، وأن تضع سياجاًَ كبيراً للمحافظة على ذاتيتها وشخصيتها من طغيان التأثير الإعلامي، فما بالكم بالأمة التي جعل الله ﵎ لها هذا المنهج الرباني؟! الأمة التي تسير في علاقاتها وفي شئون حياتها -ويجب أن تكون كذلك- على ما أنزل الله ﵎؟! التي علاقة الزوجين فيها إنما تكون بكلمة الله، كما قال رسول الله ﷺ : ﴿واستحللتم فروجهن بكلمة الله﴾ فبكلمة الله تم عقد الزواج، وعلى منهج الله تمت هذه العشرة، وعلى ذكر الله يربى هذا الطفل منذ أن يولد، وكل حياتنا إنما هي على ذكر الله، كيف يجب أن نقاوم هذا الغزو المستطير بشتى أنواعه: من المجلات، والأفلام، والصحافة المقروءة، وكل الوسائل التي تبث الإعلام وتنشره، وما أكثر سمومه!

стр. 585

آثار الغزو الفكري على الأسرة لا شك أن الذي يتتبع المجتمعات الإسلامية، ويقارن حالها قبل أن تخضع لهذا التدفق المستطير بحالها الآن، سوف يجد البون شاسعاً وكبيراً، لقد هُدِّدَتْ الأسرة المسلمة في عقيدتها؛ حيث إن كثيراً من برامج ومجلات الأطفال لا تكتفي بأن تشغل الطفل المسلم عما يجب أن يكون عليه من التربية الإسلامية، بل إنها لتنشئه تنشئة غريبة جداً عن العقيدة الإسلامية، وتزرع في نفسه ما يضاد هذا الدين وهذا الإيمان. ويكفينا أمر واحد وهو: هل سمعنا أو رأينا في أي مجال من هذه المجالات حديثاً عن اليوم الآخر؟ إنما الكلام فيها منصب على الدنيا، وهذا لو فرضنا أنه في الحلال مع انعدام الحرام، فإغفال الآخرة إغفالاً مطلقاً ما معناه؟ معناه: أنها أمة لا تؤمن بالله واليوم الآخر، فهي مثل البهائم التي تعيش على الحضارة الغربية. وقد يتعرض هؤلاء إلى نظرياتٍ في نشأة الكون، أو في نشأة الحياة، أو في سر الروح، أو في النبوة، فيصبغون صفات الله على ما يرونه في هذه الأفلام، وما أكثر الحديث عن هذا الجانب.

стр. 586

انتشار الفاحشة هو تدمير للأسرة الجانب الآخر جانب الفاحشة، الذي أخبر الله عنه في كتابه فقال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧] وقال في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النور:١٩]. أدرك أعداء الله أن نشر الفاحشة في المجتمع هو عن طريق هدم الأسرة بهذه الوسائل، واليهود خططوا لذلك منذ القدم، وأول ما ابتدأ اليهود قالوا: لابد من تدمير النصرانية؛ لأنها كانت العدو المباشر لهم في الغرب، فقالوا كما في البروتوكولات: لابد من نشر الرذيلة وهدم الفضيلة بين النصارى، وما زالوا يمكرون بهم مكر الليل والنهار، حتى أصبح من الشائع جداً -والعياذ بالله- في بلاد الغرب أن تنكح المحارم. بل إن جرائدنا أحياناً تنشر هذه الأخبار -وإن كانت قد لا تعلق إلا في النادر- كيف يأتي الإنسان محارمه! وليس ذلك نادراً عندهم، بل هي حالات منتشرة، وبنفس القوة يراد لها أن تنتشر في بلادنا حيث اتجهوا جميعاً يهوديهم ونصرانيهم إلى تدمير المجتمعات الإسلامية عن طريق هذه الأفلام، والمجلات، والكتب، عن طريق طمس الأخلاق الإسلامية وإحلال الأخلاق النفعية الغربية المادية محلها، فينشأ الطفل الذي لا يؤمن بخلقٍ ولا دين، إلا من خلال ما يتلقاه ويستقبله من الأفلام، فتنهدم الأسرة. وكم من أسرةٍ هدمت نتيجة لذلك، كم من رجلٍ طلق زوجته، كم من زوجة هجرت زوجها تطبيقاً لما رأته أمام عينها، أو لما رآه هو بعينه من مشاهد، أو من مسلسلات، أو قصص، وما أشبه ذلك، وبذلك استطاع هذه الغزو أن ينقل المجتمع الإسلامي نقلةً بعيدة من مجتمعات محافظة يضرب بها المثل في العالم كله، إلى مجتمعات لا تكاد تفترق عن المجتمعات الغربية إلا ما رحم الله، وإلا من كان لديه بقايا من هذه المحافظة.

стр. 587

ضياع الوقت وأقل ما يأتي من ضرر من هذه الوسائل، ومن هذا الغزو هو: إضاعة الوقت فيما لا ينفع، فالمؤمن الذي يؤمن بالله ويؤمن باليوم الآخر، ويعلم علم اليقين أن هذه الحياة ما هي إلا عبور، وأن الدار الآخرة هي الحيوان، وأنه لا خلود له في هذه الحياة، وأنه محاسبٌ عليها، وأنه ما من ساعة تمر به لا يذكر الله ولا يصلي على النبي ﷺ إلا كان ذلك حسرةً عليه يوم القيامة، فكيف يضيع الأوقات في هذه المجلات، أو الأفلام التافهة؟! حتى ولو افترضنا أنها تخلو من أي محرم، إلا أن فيها إضاعة للوقت فيما لا خير فيه وفيما لا يهمنا من الأمور، وهذا العمر محدود، والعقل إناء، فإن ملأته بالخير قبله، وإن ملأته بالشر لم يتقبل الخير. وأنت الآن تجد الناس يعيشون على هذه الأمور ويتنافسون فيها، وأكثرهم يجهل أركان الإسلام، وخاصةً الأطفال والنساء، فهم لا يعلمون أركان الإسلام ولا أركان الإيمان، ولا يقدرون أن يأتوا بتعريف بسيط بالنبي ﷺ ! سورة من قصار السور لا يحفظونها! أسماء الأنبياء لا يعرفونها! وتنشأ الأسرة على التفاهات، ويختلط الآباء بالأبناء ولا يتحدثون إلا عنها!

стр. 588

انتشار العنف والجريمة من أسباب دمار الأسرة العنف والجريمة أحد المخاطر التي تتعرض لها الأسرة، ومن ثَمَّ المجتمع، فأفلام وقصص وكتب العنف والجريمة والجاسوسية وما أشبه ذلك، هي أيضاً من معاول الهدم التي تهدم الأُسْرةَ، ومن ثَمَ تهدم المجتمع، وتجعله بعيداً جداً عن الطمأنينة والأمن الذي لا يجلبه إلا الإيمان. ما رأيكم في طفل فسق وفجر أبوه، وفجرت أمه؟! ولو كان يعيش في عهد التابعين مع أبٍ فاجر وأم فاجرة، ولا يتلقى التربية الصحيحة، كيف تكون نظرة الناس إليه؟ أليس ذلك مدعاةً للرحمة وللرثاء وللشفقة به؟ وهو في الجيل النظيف؛ إن ذهب إلى المسجد أو خرج، فلن يرى منكرات، أينما ذهب فإنه لا يجد إلا الخير والسلامة، ومع ذلك العصر تعد هذه مأساةً. فكيف في عصر الفتن الذي تقوضت فيه الأسرة، وتهدمت فيه الفضيلة، أين يذهب الطفل؟ يذهب إلى المدرسة! فماذا يتلقى في المدرسة؟! يذهب إلى الشارع! ماذا سيجد في الشارع؟! يذهب إلى المقهى! ماذا سيجد في المقهى؟! فمسكينة هذه الأجيال التي سوف تتعرض لهذا الغزو، والآباء في غفلة، والموجهون والعلماء والدعاة في غفلة عن التصدي له، فنسأل الله سبحانه أن يقي أمتنا شره، وأن يبصرنا جميعاً بخطورته، وأن يجعل كل واحدٍ منا يعي مسئوليته التي أخبر عنها النبي ﷺ فـ ﴿كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته﴾، والحمد لله رب العالمين.

стр. 589

كلمة للمقدم جزى الله الشيخ سفر على ما بين من عظم تأثير وسائل الإعلام، وقوة الغزو الفكري الذي يمثله هذا الكم الهائل من التدفق المستطير للمعلومات. في الواقع نحب أن نسلط الضوء أكثر على جانب واحدٍ من وسائل الإعلام، ألا وهو التليفزيون، وما انبثق عنه من أشرطةٍ. إن الأسرة في غالب الأحيان لا تجلس مجتمعة إلا قليلاً، وكذلك قد لا تستمع إلى الأشرطة مجتمعة بل فرادى، ولكن هذا التلفاز يجمع الأب والأم والابن، وقد يجمع الجد والجدة والأحفاد في مجلس واحد مُسمَّرةُ أعينُهم على هذه الشاشة الفضية، وهي تبث ما تبث، ومن هذه الزاوية نرجو من الأخ عدنان أن يتطرق إلى بحث وإيضاح الآثار النفسية التي تتركها هذه الوسيلة على المتفرجين، وكذلك ما ينتج من آثار جسدية عضوية أخرى من جراء الجلوس أمام هذه الوسيلة، ونود منه بصفةٍ خاصة أن يوضح لنا تأثير دخول هذه الوسيلة إلى بيوتنا على العلاقات الموجودة بين الأسرة، وعلى النواحي التي لا يمكن أن تقوم إلا بتواجد الأسرة وأفرادها في مجلسٍِ واحد.

стр. 590

من الآثار السيئة للإعلام قال الدكتور: عدنان غلام. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن دعا بدعوته واقتدى بهديه إلى يوم الدين. وبعد: حديثي سيكون باختصار شديد، وسأحاول التركيز على أشياء يثيرها الناس في هذه الأيام.

стр. 591

الأثر الأول: الكبت من الآثار النفسية التي تظهر لهذا الإعلام ما يسمونه بالكبت، فالكبت هذا كثيراً ما تكلم عنه علماء الغرب، وهو ظاهرة موجودة في كل شباب الأمة الغربية، وللأسف بدأت تظهر نسبة كبيرة من هذا الكبت في شبابنا، نراها في حياتنا العملية في المستشفيات، في العيادات النفسية، وفي كثير من الأماكن. فما هو الكبت؟ ببساطة هناك طاقة لدى الإنسان يريد أن يخرجها، ولكنه لا يستطيع أن يخرجها، من فطرة الإنسان ميل الرجل نحو المرأة، الشاب هذا أو الشابة يسمع ويرى أشياء تثير فيه الغريزة، وتحفزه وتدعوه إلى الجريمة، ماذا يستطيع هو أن يفعل؟ قد لا يستطيع أن يتزوج، ويأخذ هذه الأمور بطريق الحلال، وليس أمامه إلا الانحراف، أو أن يكبت هذه النفس كما هو حاصل كثيراً، هذا الأثر ليس باليسير؛ لأن وجود هذا الكبت في هذا الشاب أو في هذه الشابة يعطله. قد يصبح حياً صحيحاً بين الأحياء، يذهب إلى عمله من الصباح، ويعود بعد الظهر، أو يذهب إلى دراسته، أو يذهب إلى جامعته، لكن تركيزه وتفكيره وأعصابه ونفسيته في مكان آخر، بل هو -كما يقول العامة- صفر على الشمال، لا قيمة له في هذا الواقع! فلا شك في أن لهذا الذي تبثه وسائل الإعلام، أثراً عظيماً في تحطيم كيان هذه الأسرة والمجتمع المسلم.

стр. 592

الأثر الثاني: الانفصام والتناقض وجود نوع من الانفصام والتناقض في حياة الكثير من شباب الأمة، وأخص الأطفال بالذات؛ لأن هذا الشاب أو هذا الطفل يطلب منه أمور مثلاً: يوجهه والده إلى أمر، أو توجهه المدرسة إلى أمر، فيأتي إلى واقع المجتمع، وينظر إلى ما حوله، فيجد خلاف ذلك، قد يستطيع الكبير أن يستوعب هذا التناقض، لكن الصغير لا يستوعب، الصغير بفطرته، يصدق كل ما يسمع، يصدق كل ما يقال، لو أخبرته أن البحر عبارة عن شيء من السماء لصدق؛ لأنه ليس لديه خبرة في هذه الحياة، فإذا قيل له: افعل كذا، ثم وجد خلاف ذلك، كما لو جلس مع والده يشاهد فيلماً -فيما يسمى بالفيديو- فوجد أن شاباً يقبل فتاة في هذا الفيلم، الأب يشاهد هذا ولا ينكره، الطفل ماذا يسمع من والده، هل يسمح له والده بأن يقبل فتاة؟! أو يسمح له المجتمع فعل ذلك؟ لا. فيقول: إذاً كيف أشاهد هذا؟! وكيف يقر والدي هذا؟! ووالدتي بجانبي، وأسرتي بجانبي، وأنا لا أرى هذا يطبق، ولا أرى هذا شيئاً مسموحاً به، فهنا ينشأ شيء من التناقض، وفي هذه السن بالذات يؤدي هذا إلى شلل ومشاكل لهذا الطفل. ومن أخطر نقاط التناقض التي تبثها وسائل الإعلام -سواء المقروءة أم المسموعة أم المرئية- التناقض العقائدي، الذي تكلم عنه الشيخ سفر الحوالي -جزاه الله خيراً- ولكن أنا أذكر ذلك من خلال مثال: حيث إن كثيراً من الأطفال ينشأ عنده ما يسمى بحماة الكون، ومن قبل كان هناك الرجل الجبار الذي يسمونه سوبرمان وغيره، وهي شخصيات خيالية، أدخلت إلى عقول الأطفال، والطفل كل همه أن يصبح مثلها. ولكن أتكلم عن حماة الكون، هؤلاء مجموعة يحمون هذا الكون، أين هذا التصور الذي يُغرس في عقل هذا الطفل من قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر:٤١] أين هذا من الذي يسمع ويقال له: إن هناك حماةً للكون: فلان، وفلان، وفلان، ولديهم القدرة، ثم يأتي ويقرأ في كتاب الله أنه لا يمكن أن تستقيم أمور هذه السموات والأرض، إلا إذا أمسكتها يد الله ، ولا يمكن أن تستقيم بغير هذا، فهذا التناقض العقائدي من أخطر الأمور التي يواجهها الطفل المسلم.

стр. 593

الأثر الثالث: السلبية وعدم الإيجابية ومن الآثار النفسية التي ترد على الجيل الناشئ قضية السلبية وعدم الإيجابية، فالذي يتلقى من وسائل الإعلام إنما يسمع فقط ويتلقى لا يناقش، هذا شيء أمامك تقرؤه أو تسمعه أو تراه، وتسلم به، وهو مصدرك في التلقي: فأين العقلية الابتكارية؟ أين حب الابتكار؟ أين حب الاختراع؟ هذا كله لا يمكن أن يناله هذا النشء بهذه الطريقة. لا يمكن لإنسان يقف هكذا فقط ويتلقى، ويقال له: (افعل كذا، افعل كذا، الأمر هذا صحيح، وهذا خطأ) لا يمكن في يوم من الأيام أن يكون له دور، أو تكون له عقلية متفتحة متنورة، لا يتفق هذا مع هذا. هذه الأمور الثلاثة هي من أبرز القضايا النفسية التي تؤثر فيها وسائل الإعلام على البيت والمجتمع المسلم.

стр. 594

الأثر الرابع: الآثار العضوية أما عن الآثار العضوية: فكثير من البحوث والنشرات تكلمت حول ما يخرج من إشعاعات ملونة من هذا التلفاز، وخصوصاً الملون منها، وأنه يؤثر على شبكية العين، وأن لديه أخطار، هذا من ناحية الرؤية، وأما من ناحية الأمور العضوية الأخرى، فمثلاً منها: الجلوس، وأيضاً طريقة الاستماع، تجد الولد، أو الشاب لا يستطيع أن يجلس أمام التلفاز جلسة سليمة، أو صحية، وإنما يجلس جلسة اعتيادية، فقد يشوه هذا أعضاءً فيه ويؤثر عليه. من القضايا العضوية التي تؤثر على الشباب: الحد من نشاطهم الطبيعي، فالشاب أو الطفل بطبيعته متحرك لا يمكن أن يبقى الطفل في مكان واحد ولو لدقائق معينة تجده يلعب بهذا ويتحرك هنا، ينقلب على وجهه وعلى ظهره، حتى لو كان عمر الطفل شهراً أو شهرين، فإنه، لا بد أن يتحرك، لكن هذا الطفل وهو يشاهد أفلام الكرتون، ربما لا يتحرك لساعات. فالحركة هذه التي يتحرك بها الطفل، هي نوع من التجارب، والخبرة، والنمو الطبيعي للطفل؛ فكلما زادت حركة الطفل، وتحرك وأتى وذهب وجاء وتعلم، ولمس هذا وأمسك بهذا، كان نموه طبيعياً أكثر، وكان أقرب إلى أن يكون تفكيره سليماً نتيجةً لتربيته العضوية السليمة، هذه أيضاً مجمل للآثار العضوية التي نراها نتيجة وسيلة الإعلام.

стр. 595

الأثر الخامس: قتل الأوقات تبقى هناك قضايا اجتماعية أكبر من هذه بكثير، وهي قتل الوقت كما تكلم عنها الشيخ سفر، فالوقت له ردود فعل على علاقة الأسر فيما بينها، فالأسر إن لم تجد ما يربطها بالبيت، فسيكون لها بدائل لتمضيه وقتها، ستذهب في زيارة الجيران، ستذهب لزيارة الأقارب، فتزيد الصلات بين الناس والمحبة والألفة، لكن وجود ما يربطها بالبيت، من الساعة الرابعة مثلاً، أو أثناء الصباح إلى منتصف الليل، فإنه يحد من نشاط هذه الأسرة، وتجدها باقية في البيت فقط؛ فمثلاً: تجد عمارة كبيرة ضخمة، فيها أربعون أو خمسون شقة، وقلة منهم الذين يعرف بعضهم بعضاً، وقد يكون الباب للباب، ولا يعرف الجار جاره، ولا يفكر الجار أن يخرج ويزور الجار، لكن لو وجد وقت فراغ يخرج فيه، ويستفيد منه لخرج بالفعل، لكن وجود ما يربطه بالبيت، أدى لقطع الصلة بينه وبين الناس. وهناك دراسة قامت بها مؤسسة، اسمها مؤسسة (باين) في عام (١٩٣٠م)، أي قبل سبع وخمسين سنة، عرضت دور السينما (مائة وخمسة عشر فيلماً) تتحدث عن الجريمة والبوليس، ووجدت الإحصائية أن (٤٠٠) جريمةٍ حدثت ممن شاهدوا هذا الفيلم! -هذه المائة وخمسة عشرة فيلماً أدت إلى أكثر من أربعمائة جريمة- واستحقت هذه الجرائم أن يكون هناك حدود جنائية ضدها، وهناك عدد ليس بالقليل من حالات الشروع في الجناية، ولم يكن هناك إجرام بالفعل، وهذا كان في حوالي ثلاثة وأربعين حالة من تلك الحالات. وحق لكم أن تستغربوا كيف يعيش هذا المجتمع إلى الآن، ولكنه منهار بإذن الله تعالى، ولا يغركم ما حوله من الهالة المضيئة، فإنه من الداخل منهار، ولا شك أنه سينهار! الدولة الرومانية من قبل أخذت في بنائها ألف سنةٍ، وبلغت من العظمة ما بلغت، وانهارت أخلاقياً، فانهارت في خمسين سنة! في خمسين سنة فقط انهارت تلك الدولة ببساطة، وذلك بانهيار هذه الأمور المهمة فيها، فالأسرة هي القاعدة! أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين.

стр. 596

أخطار السفر إلى بلاد المشركين قال الشيخ: سفر الحوالي حفظه الله. موضوع السفر إلى بلاد المشركين أو السفر إلى البلاد التي تنتشر فيها البدع والرذيلة -وإن كانت بلاد إسلام في الأصل- هذا الموضوع ما هو إلا حلقة من حلقات التأثير على الأسرة المسلمة، والبيئة المسلمة لكي تتحلل من عقيدتها ودينها وأخلاقها وعاداتها الحميدة، وتصبح تبعاً للبيئات التي حكم الله سبحانه تعالى عليها بالكفر والذل والخزي في الدنيا والآخرة، والمسلمون وكما هو واضح لمن يقرأ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هم أمة التوحيد، أمة مجتباة ومصطفاة، أُهِّلت لتكون من أهل الجنة بإذن الله. ونحن نعلم أنه لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، ولا أهل التوحيد والشرك، ولا أهل الطاعة والمعصية، ولا أهل السنة وأهل البدعة، ومن هنا كان من أوضح الدلائل على أن الإنسان قد أسلم وجهه لله وآمن بكتاب الله هادياً، وبمحمد ﷺ نبياً، أن يفارق المشركين من جهتين: أولاً: المفارقة القلبية: فيفارق قلبه عقائدهم وأديانهم، وتفارق جوارحه أعمالهم وعباداتهم، وكل ما هو من شعائر دينهم. ثانياً: المفارقة الجسدية: فلا يختلط بهم، ولا يعيش معهم، ولا يندمج في بيئتهم، ولهذا يقول النبي ﷺ : ﴿أنا بريء من مسلم أقام بين ظهراني المشركين. قالوا: يا رسول الله، ولم؟ قال: لا تتراءى ناراهما﴾ لأن البيئة العربية التي بعث فيها النبي ﷺ هي في الأغلب بيئة بادية، والأعراب ينزلون في الأودية، هذا يوقد ناراً، والآخر يوقد ناراً على مسافة ما، فيقول النبي ﷺ : ﴿لا تتراءى ناراهما﴾ أي: لا يرى المسلم نار المشرك، ولا يرى المشرك نار المسلم، فيبتعد عنه ابتعاداً شديداً ويغيب عنه في شعب الجبال، ومن أجل ذلك شرعت الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وكما كان المهاجرون الأولون يهاجرون إلى المدينة، وكان الذي يرجع عن الهجرة في أول الإسلام يعتبر مرتداً، أو في حكم المرتد، والنبي ﷺ عاهد أصحابه في أكثر من موضع على مفارقة المشركين، وعلى البيعة على الهجرة، وهذا في أحاديث كثيرة صحيحة متفق عليها، منها أن النبي ﷺ كان يبايعهم على الهجرة والجهاد إلى أن فتحت مكة فقال: ﴿لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية﴾، أي: لا هجرة من مكة إلى المدينة، وأما ماعدا ذلك، فإن الهجرة باقية من بلد الكفر إلى بلد الإيمان.

стр. 597

الأخطار العقائدية شرعت الهجرة لأن الإنسان يتأثر ببيئة الشرك، يتأثر بما يقوله المشركون وما يعتقدونه هو وأبناؤه وأهله وذووه، والمؤمن مأمور أن يُمَحِّصَ إيمانه وعلاقاته وروابطه وأواصره، ولهذا أنزل الله تبارك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١] وكانت بعد ما تم صلح الحديبية. ومع ذلك فإن الله في هذه السورة قطع تلك الأواصر والعلاقات إلا علاقة الإيمان، فقال في حكم المؤمنات المهاجرات: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠] وكما بين في أنه لا علاقة بين المسلمين والكافرين، إلا في التعامل الحسن للذين لم يؤذوا المسلمين، ولم يخرجوهم من ديارهم، ولم يظاهروا على إخراجهم. ولذلك فإن كثيراً من الفقهاء نصوا على أن المسلم الذي أسلم في بلاد الكفار ولم يخرج إلى بلاد المسلمين، بل بقي معهم أو رئى في صفهم وقتل فإنه كافر!! فالأمر ليس بالأمر الهين، وما ذلك إلا لأن المسلم يجب أن يتميز عن هؤلاء الكفار والمشركين، فإذا أسلم الشخص، وكان في بيئة كافرة، ويجب عليه أن يفارق بيئتهم، وينتقل إلى بيئة الإسلام. ولكن الذي يحصل -مع الأسف- هو العكس فالمسلمون -وهم في بيئة الإسلام وفي بلاد الإيمان- هم الذين يختارون -طوعاً ورضاً- الذهاب إلى بلاد الكفار، وأن يقيموا ويعيشوا فيها لغير ضرورة ولا حاجة! وهذا بلا شك إحدى العلامات التي تدل على ضعف الإيمان أو على فقدانه. وقد ذكر العلماء أنه ما من قضية أو أمر من الأمور -بعد التوحيد وبعد النهي عن الشرك- أكثر وروداً في الكتاب من الأمر بموالاة المؤمنين، والنهي عن موالاة الكافرين، فمن تلك الآيات قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر﴾ [آل عمران:١١٨] وقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، وقوله جل شأنه: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [النساء:١٠١] وقوله : ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠]. وآيات وأحاديث كثيرة وعاها المسلمون الأولون المجاهدون الذين كانوا مع رسول الله ﷺ ومن بعده، فكانوا لا يحلون الإقامة في بلاد الكفار، ولا يذهبون إليهم، إلا لضرورة أو حاجة ملحة، مثلاً: للدعوة إلى الله ويعودون، أو يذهبون رسلاً من المسلمين إلى تلك البلاد، أو يذهبون للتجارة. ولها أيضاً ضوابط محددة لا بد أن يلتزم بها المسلم كما يلتزم بها أولئك الكفار إذا قدموا إلى ثغور الإسلام، كل ذلك لأن البيئة لها تأثيرها، ولأن المؤمن لا يكون مؤمن حقاً إلا إذا قطع صلته بالمشركين، وهجرهم وترك موالاتهم. واختلاطه بهم، وعيشته في بيئتهم مما يدفعه إلى أن يواليهم ويحبهم، وقد يمنعه ويحول بينه وبين إظهار دينه، فيرضى بالذل مع أنه مسلم! فتكون النتيجة أن الإسلام قد ذلَّ بذلِّ ذلك المؤمن الذي يقيم في بلاد الشرك، فهو لا يستطيع أن يجاهر بتكفيرهم أو بما هم عليه من الضلال، أو يجاهر بدعوتهم إلى التوحيد وإلى الحق. ولا شك أن من أكبر العوامل في هدم الأمة الإسلامية، وهدم الأسرة المسلمة بالذات، هو ما ارتكبه بعض المسلمين من ذنب عظيم، وهو: استحلالهم واستمراؤهم أن يسافروا إلى بلاد المشركين ويقيموا فيها، وأول ما يفكرون فيه هو معصية الله تعالى، والتخلي عن العادات والأخلاق الإسلامية الظاهرة، ويعقب ذلك التحلي بالعقائد الباطلة شيئاً فشيئاً -عافنا الله وإياكم- فالمرأة المسلمة منذ أن تركب الطائرة، تبدأ تتجرد من الحجاب، وتتزيا بزي الكافرات! حتى إذا نزلت هناك أصبحت مثلهن، والرجل كذلك يتزيا بزيهم، ولا شك أن المشابهة بهم في الظاهر يورث التشبه بهم في الباطن؛ كما نص على ذلك شَيْخ الإِسْلامِ في موضوع المشابهة في كتاب: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، فهذه المشابهة في الظاهر تؤدي إلى الاندماج والمشابهة في الباطن شيئاً فشيئاً، وهذا ما قرره علماء الاجتماع وعلماء النفس في العصر الحاضر، بناء على تجارب ملموسة واضحة.

стр. 598

السفر والانسلاخ من الدين يذهب الإنسان إلى تلك البلاد فيُضيِّع أول ما يضيع دينه! لأنها بلاد كفر، وليس بعد الكفر ذنب، فهي بلاد تعلن أن الله تعالى غير موجود، أو أنه ثالث ثلاثة -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- ويضيع المؤمن فيها ويشعر بالغربة الشديدة، فإذا كان المتمسك بدينه يشعر بالغربة في بلاد الإسلام! فكيف بتلك البلاد التي لا مساجد فيها ولا أذان ولا صلاة تقام؟! ويرى غلبة الكفر وقوته، ويرى بهرج الحياة الدنيا وزخارفها التي هم عليها، والتي لا توجد في بلاد المسلمين إلا النزر القليل إن وجد. فيكون مما يثبط عزيمته، ويضعف إيمانه، وينبهر ويُخدع بهذا المتاع الفاني الزائل، ويظن أنه كان مخدوعاً مغروراً، وأنه ما وعده الله ورسوله إلا غروراً -كما قال ذلك المنافقون- وأن هؤلاء الكفار في عزة ومنعة وهم على كفرهم، فيظن أن الكفر هو مصدر هذه العزة، أو أنه لا يتعارض مع العزة، وهذه من أكبر الأمراض القلبية التي تصيب المسلم دون أن يستشعر ذلك عقلياً، وتدخل إلى قلبه وأحاسيس نفسه وهو لا يدري. وإذا كان أهله معه فإنها مصيبة كبرى؛ يرون المناظر المتبرجة، ويرون الخمر علانية، والفسق والانحلال والعادات الرذيلة الذميمة يرونها أمام أعنيهم، فإن كانوا ممن ذهبوا لنيل هذه الشهوات! فقد غرقوا وهلكوا وأهلكوا، وإن كانوا من المخدوعين الذين يذهبون من أجل الفسحة وقضاء الوقت، فإنهم سوف يصابون بأمراض القلوب، وأقل ذلك أنهم يرون أنفسهم في تمسك وإيمان، فإذا رأى الإنسان تلك البيئات فإنه يقول: أنا مؤمن وأنا متمسك، وبيئتي مؤمنة وعظيمة، ولكنه يرجع معظِّماً لتلك البلاد، محقِّراً لبلاد الإسلام، متهاوناً بالمعاصي، وكأن لسان حاله يقول: كلنا سواء، المؤمن والكافر، بل هم أكثر معصية منا، فلماذا تنزعجون من وجود المنكرات؟ أو من الاختلاط أو التبرج أو انتشار المخدرات أو ما أشبه ذلك؟ وهذه من أعظم الدلائل على أن مثل هذا قد أصيب في عقيدته؛ لأنه شتان بين المؤمنين والكافرين، ومن يعقد المقارنة بينهما فإنه لا يعرف حقيقة التوحيد ولا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وإلا فإن الصحابة الكرام كانوا إذا ابتلوا أو اضطروا إلى أن يروا مشركاً، فكأنَّ الرجل منهم رأى رجلاً من أهل النار خرج إلى هذه الحياة الدنيا أمام عينيه! فلو تصور المؤمن أن هؤلاء أهل النار، فهل سيغتر بما لديهم من زخارف الحياة الدنيا؟! هل سيغتر بما أعطوا من النعمة والعافية أو الحضارة؟! هل سيغتر بما هم عليه من عزة ظاهرة أو من نعمة خادعة؟ هل سيكون ذلك سبباً في أن يجاريهم في عاداتهم وأخلاقهم ويتأثر بها هو وأبناؤه؟ لو كان يعلم حقيقة أن هؤلاء من أهل النار، وأنه ليس بين هذا الذي أمامه وبين النار إلا أن يموت، وما أقرب الموت، وكل آت قريب، وأن هؤلاء أعداء الله ونحن المسلمين أولياء الله لو علم ذلك لعلم أنه لا يستوي أعداء الله وأولياؤه. بل أدهى من ذلك أن يأتي أحدهم ويقول: إن تلك البلاد فيها نظام وأخلاق وفيها وفيها، فيكون ممن يمدح الكافرين ويذم المسلمين! وبعضهم يقول علانية: الكافرون أفضل وخير من المسلمين! وهذا من الكفر الصراح الذي يصادم كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ . والحمد لله أن بعضهم يذهب، ولكنه يعود وهو في منعة وحصانة، يذهب مخدوعاً فيعود بعقل سديد، حتى أن بعضهم قال: أقسمت بالله أنني إذا عدت إلى بلادي أن أسجد شكراً لله ! وفعلاً نزل من سلم الطائرة في مطار جدة، وسجد لله فرحاً أنه عاد من تلك البلاد، وقال: والله ما ذهبت إليها إلا لأنها بلاد حضارة ورقي وتقدم، فلما رأيت ما رأيت، أقسمت على نفسي ونذرت أن أفعل هذا، وألا أعود إليها، فإذا كان هذا ضميره مستيقظاً، فكم من ضمائر ماتت، وكم من قلوب قد أصابها المرض وقتلها، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، حتى أن أولئك في تلك البيئات أصبحوا يأتون بما يندى له الجبين، يفتحون البارات والخمارات والمراقص، ويكتبون عليها باللغة العربية دار مكة! أو مرقص مكة! أو ملهى المدينة ليصطادوا المسلمين إليها، وقد قال بعض إخواننا إنه رأى ذلك بأم عينه. ولا شك أنه لا يرضى بذلك ولا يرتاح إليه إلا من خلا قلبه من الإيمان، فتلك البيئات لا يجوز للمسلم أن يسافر إليها، لا في عطلة ولا في غيرها، إلا من اضطر للعلاج، أو من أضطر لدارسة معينة تنفع المسلمين، ولا يوجد له ملجأ إلا تلك البلاد، فيجوز للضرورة.

стр. 599

واجبنا تجاه ظاهرة السفر إلى بلاد الكافرين يجب علينا جميعاً أن نفكر ونتعاون لنمنع هذه الظاهرة السيئة، وأن نأخذ على أيدي أولئك الذين يخالفون حكم الله الواضح، كالذين يدعون إلى تخفيضات في تكاليف السفر إلى تلك البلاد، والذين ينشرون الدعايات التي تُطمع الشباب وترغِّبهم في الذهاب إلى تلك البلاد التي فيها الصلبان، وفيها الشيوعية والإلحاد، وفيها العراة وما لا يخطر على بال، ويجب أن نتعاون ونسد كل المنافذ المؤدية إليها، ومنها منفذ الابتعاث، وأن نوجد الوسائل التي من شأنها ألا يُبتعث الطالب المسلم إلى تلك البلاد، فلو تعاونا جميعاً في ذلك- من مسئولين ومربين وآباء- لاستطعنا أن نقاوم أثر تلك البيئة. ولنضرب مثلاً بـ اليابان، تلك البلدة الشرقية التي تفوَّقت تكنولوجياً حتى غزت أمريكا نفسها، اليابان عندما بعثت أول دفعة إلى أوروبا عادت وقد مسخت شخصيتها، فعادت باللبس الأوروبي والكلام الأوروبي والعادات الأوروبية، فجيء بهم إلى ميدان عام، وجمع أكثر الشباب أمامهم، وحكم عليهم بالإعدام ذلك لأنهم فقدوا الشخصية اليابانية. فابتعثت بعد ذلك عدة بعثات، فكان الرجل يذهب وينزل في أي بلد من أوروبا ويمشي ويأكل على الطريقة اليابانية، والنساء يلبسن الزي الياباني، ويرجع وهو ياباني التفكير والعادات، ولكنه قد اكتسب العلم الذي عندهم، فما هو إلا عقد من الزمن، وإذا بـ اليابان تتفوق على كثير من الدول الأوروبية التي كانت أرقى دول العالم صناعياً في ذلك الوقت، فإذا كان هؤلاء المجوس والبوذيون على هذه الحال، فما بالكم بأمة الإيمان وأمة القرآن؟ نسأل الله تعالى أن يردها إليه رداً حميداً، إنه سميع مجيب.

стр. 600

أخطار استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين قال الدكتور عدنان غلام: أثبتت الدراسات أن السبب الرئيسي في نقل الأمراض التناسلية من الأماكن الموبوءة إلى غيرها، هو السفر ومقارفة الحرام -الزنا- وأن الحالات المكتشفة كانت في أولئك الذين ذهبوا إلى بانكوك عاصمة تايلاند أو غيرها من البلدان الموبوءة. بل إن هناك مرضاً جديداً ظهر في الرياض يعرف بمرض بانكوك، غير الأمراض الأخرى كالإيدز والزهري والسيلان -عافنا الله وإياكم منها- وأنها تنتقل إلى الأسرة عبر الزوج، فتحطم الأسرة والمجتمعات!! وللتأكد من ذلك تزار عيادة للأمراض الجلدية والتناسلية لينظر كم عدد الحالات في اليوم الواحد! لا أقول في الشهر ولا في السنة. قال الشيخ سفر: والاستقدام -غالباً- يكون لثلاثة وظائف، وهي: الخادم -ويشمل الرجل والمرأة- والسائق والمربية. هؤلاء الذين نستقدمهم لهم أكبر الأثر في هدم الأسرة المؤمنة، وقبل أن أستعرض الآثار الحديثة لا بد أن أرجع بكم إلى التاريخ قليلاً، وأذكر حديث حذيفة بن اليمان الذي رواه مسلم في صحيحه أنه سأله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن الفتن وأخبره بقول النبي ﷺ : ﴿تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب رفضها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصبح القلوب على قلبين: أبيض خالصاً، وأسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً﴾ ولكن هذا لم يكن هو السؤال الذي سأل عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ﴿ليس عن هذا سألتك! فقال: تسألني عن الفتن التي تموج كموج البحر؟ قال: نعم. فقال حذيفة: مالك ولها إنَّ بينك وبينها باباً مغلقاً. فقال عمر بن الخطاب: أيفتح الباب أو يكسر؟ قال: لا، بل يكسر. فقال عمر: وددت لو أنه يفتح﴾ أراد أنه قد يغلق في المستقبل، أما أن يكسر فلا أمل في إغلاقه. ثم قام ﵁، وخاض الناس في هذا الباب الذي يقف في وجه الفتن، وتكاثرت الأقوال، فلم يجدوا بداً من أن يسألوا صاحب الحديث أمين السر حذيفة بن اليمان ﵁ فقالوا: ﴿من الباب يا حذيفة؟ فقال: عمر. فقلنا لـ حذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم, كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط﴾. فإذا نظرنا من الذي قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؟ ومن الذي فتح هذا الباب للفتن؟ أليس هو أبا لؤلؤة المجوسي، ألم يكن خادماً مستقدماً؟ إن خطر الاستقدام كان من بداية الإسلام، من بداية تحرك هذه الأمة ووجودها، كان مع أطول خليفة راشد، فلم يكسر هذا الباب إلا عمالة أجنبية مستقدمة.
следующие страницы →