Полный текст (2 843 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
أخطار السفر إلى بلاد المشركين
قال الشيخ: سفر الحوالي حفظه الله.
موضوع السفر إلى بلاد المشركين أو السفر إلى البلاد التي تنتشر فيها البدع والرذيلة -وإن كانت بلاد إسلام في الأصل- هذا الموضوع ما هو إلا حلقة من حلقات التأثير على الأسرة المسلمة، والبيئة المسلمة لكي تتحلل من عقيدتها ودينها وأخلاقها وعاداتها الحميدة، وتصبح تبعاً للبيئات التي حكم الله سبحانه تعالى عليها بالكفر والذل والخزي في الدنيا والآخرة، والمسلمون وكما هو واضح لمن يقرأ كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هم أمة التوحيد، أمة مجتباة ومصطفاة، أُهِّلت لتكون من أهل الجنة بإذن الله.
ونحن نعلم أنه لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة، ولا أهل التوحيد والشرك، ولا أهل الطاعة والمعصية، ولا أهل السنة وأهل البدعة، ومن هنا كان من أوضح الدلائل على أن الإنسان قد أسلم وجهه لله وآمن بكتاب الله هادياً، وبمحمد ﷺ نبياً، أن يفارق المشركين من جهتين: أولاً: المفارقة القلبية: فيفارق قلبه عقائدهم وأديانهم، وتفارق جوارحه أعمالهم وعباداتهم، وكل ما هو من شعائر دينهم.
ثانياً: المفارقة الجسدية: فلا يختلط بهم، ولا يعيش معهم، ولا يندمج في بيئتهم، ولهذا يقول النبي ﷺ : ﴿أنا بريء من مسلم أقام بين ظهراني المشركين.
قالوا: يا رسول الله، ولم؟ قال: لا تتراءى ناراهما﴾ لأن البيئة العربية التي بعث فيها النبي ﷺ هي في الأغلب بيئة بادية، والأعراب ينزلون في الأودية، هذا يوقد ناراً، والآخر يوقد ناراً على مسافة ما، فيقول النبي ﷺ : ﴿لا تتراءى ناراهما﴾ أي: لا يرى المسلم نار المشرك، ولا يرى المشرك نار المسلم، فيبتعد عنه ابتعاداً شديداً ويغيب عنه في شعب الجبال، ومن أجل ذلك شرعت الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وكما كان المهاجرون الأولون يهاجرون إلى المدينة، وكان الذي يرجع عن الهجرة في أول الإسلام يعتبر مرتداً، أو في حكم المرتد، والنبي ﷺ عاهد أصحابه في أكثر من موضع على مفارقة المشركين، وعلى البيعة على الهجرة، وهذا في أحاديث كثيرة صحيحة متفق عليها، منها أن النبي ﷺ كان يبايعهم على الهجرة والجهاد إلى أن فتحت مكة فقال: ﴿لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية﴾، أي: لا هجرة من مكة إلى المدينة، وأما ماعدا ذلك، فإن الهجرة باقية من بلد الكفر إلى بلد الإيمان.
стр. 597
الأخطار العقائدية
شرعت الهجرة لأن الإنسان يتأثر ببيئة الشرك، يتأثر بما يقوله المشركون وما يعتقدونه هو وأبناؤه وأهله وذووه، والمؤمن مأمور أن يُمَحِّصَ إيمانه وعلاقاته وروابطه وأواصره، ولهذا أنزل الله تبارك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة:١] وكانت بعد ما تم صلح الحديبية.
ومع ذلك فإن الله في هذه السورة قطع تلك الأواصر والعلاقات إلا علاقة الإيمان، فقال في حكم المؤمنات المهاجرات: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة:١٠] وكما بين في أنه لا علاقة بين المسلمين والكافرين، إلا في التعامل الحسن للذين لم يؤذوا المسلمين، ولم يخرجوهم من ديارهم، ولم يظاهروا على إخراجهم.
ولذلك فإن كثيراً من الفقهاء نصوا على أن المسلم الذي أسلم في بلاد الكفار ولم يخرج إلى بلاد المسلمين، بل بقي معهم أو رئى في صفهم وقتل فإنه كافر!! فالأمر ليس بالأمر الهين، وما ذلك إلا لأن المسلم يجب أن يتميز عن هؤلاء الكفار والمشركين، فإذا أسلم الشخص، وكان في بيئة كافرة، ويجب عليه أن يفارق بيئتهم، وينتقل إلى بيئة الإسلام.
ولكن الذي يحصل -مع الأسف- هو العكس فالمسلمون -وهم في بيئة الإسلام وفي بلاد الإيمان- هم الذين يختارون -طوعاً ورضاً- الذهاب إلى بلاد الكفار، وأن يقيموا ويعيشوا فيها لغير ضرورة ولا حاجة! وهذا بلا شك إحدى العلامات التي تدل على ضعف الإيمان أو على فقدانه.
وقد ذكر العلماء أنه ما من قضية أو أمر من الأمور -بعد التوحيد وبعد النهي عن الشرك- أكثر وروداً في الكتاب من الأمر بموالاة المؤمنين، والنهي عن موالاة الكافرين، فمن تلك الآيات قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر﴾ [آل عمران:١١٨] وقوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، وقوله جل شأنه: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [النساء:١٠١] وقوله : ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠].
وآيات وأحاديث كثيرة وعاها المسلمون الأولون المجاهدون الذين كانوا مع رسول الله ﷺ ومن بعده، فكانوا لا يحلون الإقامة في بلاد الكفار، ولا يذهبون إليهم، إلا لضرورة أو حاجة ملحة، مثلاً: للدعوة إلى الله ويعودون، أو يذهبون رسلاً من المسلمين إلى تلك البلاد، أو يذهبون للتجارة.
ولها أيضاً ضوابط محددة لا بد أن يلتزم بها المسلم كما يلتزم بها أولئك الكفار إذا قدموا إلى ثغور الإسلام، كل ذلك لأن البيئة لها تأثيرها، ولأن المؤمن لا يكون مؤمن حقاً إلا إذا قطع صلته بالمشركين، وهجرهم وترك موالاتهم.
واختلاطه بهم، وعيشته في بيئتهم مما يدفعه إلى أن يواليهم ويحبهم، وقد يمنعه ويحول بينه وبين إظهار دينه، فيرضى بالذل مع أنه مسلم! فتكون النتيجة أن الإسلام قد ذلَّ بذلِّ ذلك المؤمن الذي يقيم في بلاد الشرك، فهو لا يستطيع أن يجاهر بتكفيرهم أو بما هم عليه من الضلال، أو يجاهر بدعوتهم إلى التوحيد وإلى الحق.
ولا شك أن من أكبر العوامل في هدم الأمة الإسلامية، وهدم الأسرة المسلمة بالذات، هو ما ارتكبه بعض المسلمين من ذنب عظيم، وهو: استحلالهم واستمراؤهم أن يسافروا إلى بلاد المشركين ويقيموا فيها، وأول ما يفكرون فيه هو معصية الله تعالى، والتخلي عن العادات والأخلاق الإسلامية الظاهرة، ويعقب ذلك التحلي بالعقائد الباطلة شيئاً فشيئاً -عافنا الله وإياكم- فالمرأة المسلمة منذ أن تركب الطائرة، تبدأ تتجرد من الحجاب، وتتزيا بزي الكافرات! حتى إذا نزلت هناك أصبحت مثلهن، والرجل كذلك يتزيا بزيهم، ولا شك أن المشابهة بهم في الظاهر يورث التشبه بهم في الباطن؛ كما نص على ذلك شَيْخ الإِسْلامِ في موضوع المشابهة في كتاب: اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، فهذه المشابهة في الظاهر تؤدي إلى الاندماج والمشابهة في الباطن شيئاً فشيئاً، وهذا ما قرره علماء الاجتماع وعلماء النفس في العصر الحاضر، بناء على تجارب ملموسة واضحة.
стр. 598
السفر والانسلاخ من الدين
يذهب الإنسان إلى تلك البلاد فيُضيِّع أول ما يضيع دينه! لأنها بلاد كفر، وليس بعد الكفر ذنب، فهي بلاد تعلن أن الله تعالى غير موجود، أو أنه ثالث ثلاثة -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً- ويضيع المؤمن فيها ويشعر بالغربة الشديدة، فإذا كان المتمسك بدينه يشعر بالغربة في بلاد الإسلام! فكيف بتلك البلاد التي لا مساجد فيها ولا أذان ولا صلاة تقام؟! ويرى غلبة الكفر وقوته، ويرى بهرج الحياة الدنيا وزخارفها التي هم عليها، والتي لا توجد في بلاد المسلمين إلا النزر القليل إن وجد.
فيكون مما يثبط عزيمته، ويضعف إيمانه، وينبهر ويُخدع بهذا المتاع الفاني الزائل، ويظن أنه كان مخدوعاً مغروراً، وأنه ما وعده الله ورسوله إلا غروراً -كما قال ذلك المنافقون- وأن هؤلاء الكفار في عزة ومنعة وهم على كفرهم، فيظن أن الكفر هو مصدر هذه العزة، أو أنه لا يتعارض مع العزة، وهذه من أكبر الأمراض القلبية التي تصيب المسلم دون أن يستشعر ذلك عقلياً، وتدخل إلى قلبه وأحاسيس نفسه وهو لا يدري.
وإذا كان أهله معه فإنها مصيبة كبرى؛ يرون المناظر المتبرجة، ويرون الخمر علانية، والفسق والانحلال والعادات الرذيلة الذميمة يرونها أمام أعنيهم، فإن كانوا ممن ذهبوا لنيل هذه الشهوات! فقد غرقوا وهلكوا وأهلكوا، وإن كانوا من المخدوعين الذين يذهبون من أجل الفسحة وقضاء الوقت، فإنهم سوف يصابون بأمراض القلوب، وأقل ذلك أنهم يرون أنفسهم في تمسك وإيمان، فإذا رأى الإنسان تلك البيئات فإنه يقول: أنا مؤمن وأنا متمسك، وبيئتي مؤمنة وعظيمة، ولكنه يرجع معظِّماً لتلك البلاد، محقِّراً لبلاد الإسلام، متهاوناً بالمعاصي، وكأن لسان حاله يقول: كلنا سواء، المؤمن والكافر، بل هم أكثر معصية منا، فلماذا تنزعجون من وجود المنكرات؟ أو من الاختلاط أو التبرج أو انتشار المخدرات أو ما أشبه ذلك؟ وهذه من أعظم الدلائل على أن مثل هذا قد أصيب في عقيدته؛ لأنه شتان بين المؤمنين والكافرين، ومن يعقد المقارنة بينهما فإنه لا يعرف حقيقة التوحيد ولا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وإلا فإن الصحابة الكرام كانوا إذا ابتلوا أو اضطروا إلى أن يروا مشركاً، فكأنَّ الرجل منهم رأى رجلاً من أهل النار خرج إلى هذه الحياة الدنيا أمام عينيه! فلو تصور المؤمن أن هؤلاء أهل النار، فهل سيغتر بما لديهم من زخارف الحياة الدنيا؟! هل سيغتر بما أعطوا من النعمة والعافية أو الحضارة؟! هل سيغتر بما هم عليه من عزة ظاهرة أو من نعمة خادعة؟ هل سيكون ذلك سبباً في أن يجاريهم في عاداتهم وأخلاقهم ويتأثر بها هو وأبناؤه؟ لو كان يعلم حقيقة أن هؤلاء من أهل النار، وأنه ليس بين هذا الذي أمامه وبين النار إلا أن يموت، وما أقرب الموت، وكل آت قريب، وأن هؤلاء أعداء الله ونحن المسلمين أولياء الله لو علم ذلك لعلم أنه لا يستوي أعداء الله وأولياؤه.
بل أدهى من ذلك أن يأتي أحدهم ويقول: إن تلك البلاد فيها نظام وأخلاق وفيها وفيها، فيكون ممن يمدح الكافرين ويذم المسلمين! وبعضهم يقول علانية: الكافرون أفضل وخير من المسلمين! وهذا من الكفر الصراح الذي يصادم كتاب الله ، وسنة رسوله ﷺ .
والحمد لله أن بعضهم يذهب، ولكنه يعود وهو في منعة وحصانة، يذهب مخدوعاً فيعود بعقل سديد، حتى أن بعضهم قال: أقسمت بالله أنني إذا عدت إلى بلادي أن أسجد شكراً لله ! وفعلاً نزل من سلم الطائرة في مطار جدة، وسجد لله فرحاً أنه عاد من تلك البلاد، وقال: والله ما ذهبت إليها إلا لأنها بلاد حضارة ورقي وتقدم، فلما رأيت ما رأيت، أقسمت على نفسي ونذرت أن أفعل هذا، وألا أعود إليها، فإذا كان هذا ضميره مستيقظاً، فكم من ضمائر ماتت، وكم من قلوب قد أصابها المرض وقتلها، فهي كالحجارة أو أشد قسوة، حتى أن أولئك في تلك البيئات أصبحوا يأتون بما يندى له الجبين، يفتحون البارات والخمارات والمراقص، ويكتبون عليها باللغة العربية دار مكة! أو مرقص مكة! أو ملهى المدينة ليصطادوا المسلمين إليها، وقد قال بعض إخواننا إنه رأى ذلك بأم عينه.
ولا شك أنه لا يرضى بذلك ولا يرتاح إليه إلا من خلا قلبه من الإيمان، فتلك البيئات لا يجوز للمسلم أن يسافر إليها، لا في عطلة ولا في غيرها، إلا من اضطر للعلاج، أو من أضطر لدارسة معينة تنفع المسلمين، ولا يوجد له ملجأ إلا تلك البلاد، فيجوز للضرورة.
стр. 599
واجبنا تجاه ظاهرة السفر إلى بلاد الكافرين
يجب علينا جميعاً أن نفكر ونتعاون لنمنع هذه الظاهرة السيئة، وأن نأخذ على أيدي أولئك الذين يخالفون حكم الله الواضح، كالذين يدعون إلى تخفيضات في تكاليف السفر إلى تلك البلاد، والذين ينشرون الدعايات التي تُطمع الشباب وترغِّبهم في الذهاب إلى تلك البلاد التي فيها الصلبان، وفيها الشيوعية والإلحاد، وفيها العراة وما لا يخطر على بال، ويجب أن نتعاون ونسد كل المنافذ المؤدية إليها، ومنها منفذ الابتعاث، وأن نوجد الوسائل التي من شأنها ألا يُبتعث الطالب المسلم إلى تلك البلاد، فلو تعاونا جميعاً في ذلك- من مسئولين ومربين وآباء- لاستطعنا أن نقاوم أثر تلك البيئة.
ولنضرب مثلاً بـ اليابان، تلك البلدة الشرقية التي تفوَّقت تكنولوجياً حتى غزت أمريكا نفسها، اليابان عندما بعثت أول دفعة إلى أوروبا عادت وقد مسخت شخصيتها، فعادت باللبس الأوروبي والكلام الأوروبي والعادات الأوروبية، فجيء بهم إلى ميدان عام، وجمع أكثر الشباب أمامهم، وحكم عليهم بالإعدام ذلك لأنهم فقدوا الشخصية اليابانية.
فابتعثت بعد ذلك عدة بعثات، فكان الرجل يذهب وينزل في أي بلد من أوروبا ويمشي ويأكل على الطريقة اليابانية، والنساء يلبسن الزي الياباني، ويرجع وهو ياباني التفكير والعادات، ولكنه قد اكتسب العلم الذي عندهم، فما هو إلا عقد من الزمن، وإذا بـ اليابان تتفوق على كثير من الدول الأوروبية التي كانت أرقى دول العالم صناعياً في ذلك الوقت، فإذا كان هؤلاء المجوس والبوذيون على هذه الحال، فما بالكم بأمة الإيمان وأمة القرآن؟ نسأل الله تعالى أن يردها إليه رداً حميداً، إنه سميع مجيب.
стр. 600
أخطار استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين
قال الدكتور عدنان غلام: أثبتت الدراسات أن السبب الرئيسي في نقل الأمراض التناسلية من الأماكن الموبوءة إلى غيرها، هو السفر ومقارفة الحرام -الزنا- وأن الحالات المكتشفة كانت في أولئك الذين ذهبوا إلى بانكوك عاصمة تايلاند أو غيرها من البلدان الموبوءة.
بل إن هناك مرضاً جديداً ظهر في الرياض يعرف بمرض بانكوك، غير الأمراض الأخرى كالإيدز والزهري والسيلان -عافنا الله وإياكم منها- وأنها تنتقل إلى الأسرة عبر الزوج، فتحطم الأسرة والمجتمعات!! وللتأكد من ذلك تزار عيادة للأمراض الجلدية والتناسلية لينظر كم عدد الحالات في اليوم الواحد! لا أقول في الشهر ولا في السنة.
قال الشيخ سفر: والاستقدام -غالباً- يكون لثلاثة وظائف، وهي: الخادم -ويشمل الرجل والمرأة- والسائق والمربية.
هؤلاء الذين نستقدمهم لهم أكبر الأثر في هدم الأسرة المؤمنة، وقبل أن أستعرض الآثار الحديثة لا بد أن أرجع بكم إلى التاريخ قليلاً، وأذكر حديث حذيفة بن اليمان الذي رواه مسلم في صحيحه أنه سأله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن الفتن وأخبره بقول النبي ﷺ : ﴿تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب رفضها نكتت فيه نكتة بيضاء، حتى تصبح القلوب على قلبين: أبيض خالصاً، وأسود مرباداً كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً﴾ ولكن هذا لم يكن هو السؤال الذي سأل عنه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فقال: ﴿ليس عن هذا سألتك! فقال: تسألني عن الفتن التي تموج كموج البحر؟ قال: نعم.
فقال حذيفة: مالك ولها إنَّ بينك وبينها باباً مغلقاً.
فقال عمر بن الخطاب: أيفتح الباب أو يكسر؟ قال: لا، بل يكسر.
فقال عمر: وددت لو أنه يفتح﴾ أراد أنه قد يغلق في المستقبل، أما أن يكسر فلا أمل في إغلاقه.
ثم قام ﵁، وخاض الناس في هذا الباب الذي يقف في وجه الفتن، وتكاثرت الأقوال، فلم يجدوا بداً من أن يسألوا صاحب الحديث أمين السر حذيفة بن اليمان ﵁ فقالوا: ﴿من الباب يا حذيفة؟ فقال: عمر.
فقلنا لـ حذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم, كما يعلم أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط﴾.
فإذا نظرنا من الذي قتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؟ ومن الذي فتح هذا الباب للفتن؟ أليس هو أبا لؤلؤة المجوسي، ألم يكن خادماً مستقدماً؟ إن خطر الاستقدام كان من بداية الإسلام، من بداية تحرك هذه الأمة ووجودها، كان مع أطول خليفة راشد، فلم يكسر هذا الباب إلا عمالة أجنبية مستقدمة.
стр. 601
ظهور الفواحش
وإذا نظرنا في عصرنا الحاضر فسنجد أن من أخطار استقدام غير المسلمين الفاحشة -الزنا- والتي قد يقع فيها الزوج أو الزوجة أو الأبناء؛ لأن النبي ﷺ حذرنا من الخلوة بقوله: ﴿ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما﴾ ولأن الرجل بطبيعته وبفطرته التي فطره الله عليها يميل إلى المرأة، والمرأة تميل إلى الرجل، فالخلوة حرام سواء في السيارة أو غيرها، وهذه فتوى الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز في ذلك، لأنه يمكن أن يذهبا إلى أي مكان، ويمكن أن يتكلما في أي موضوع، سواء حديث حب وعشق، أم غيرها من المحرمات.
وقد وقعت قصة عجيبة في هذا الشأن، حصلت في مركز شرطة جدة، وهي أنه قدم إليهم رجل فلبيني وامرأة إندونيسية، وأتت بهم العائلة التي استقدمتهما، أحدهما سائق، والأخرى خادمة، فرب العائلة يتهم هذه المرأة بأنها زنت مع هذا السائق، وأنها حامل من الزنا، وبعد التحقيق اعترف الرجل بأنه زنى، ولكنه لم يعترف أنه زنى بالخادمة، وإنما اعترف بحصول الزنا مع ربة الأسرة، واعترفت الخادمة بأنها حملت من رب الأسرة، فهذا مثال واقعي وصريح في الجانبين.
مثال آخر: رجل من أهل الخير في الرياض، يقيم مع ولدين شابين له في سن المراهقة، استقدم الرجل خادمة شابة إلى بيته، ولكنه بعد فترة من الزمن اكتشف أن هذه الخادمة لا تنام في غرفتها! فلما تتبع الأمر، وجد أنها تبيت ليلة عند هذا وليلة عند هذا! فأراد تسفيرها، فوقف في وجهه ولده، وقال: والله لا تسافر أبداً بل تبقى في بيتنا! فخرج الرجل وهو يبكي ويشتكي ويقول: إن ابني عصاني بعدما عصى الله ، فلو أن الولد رُبيَّ التربية الإسلامية الصحيحة، ومُنِعَت عنه أسباب هذا الفساد لما حصل هذا، فلا نضع عود الثقاب المشتعل أمام البنزين، ثم نقول للنار: لا تشتعلي! بل حتى في تاريخ الأمم السابقة يقص الله علينا قصة يوسف ﵇ وهو معصوم، فيقول تعالى عن الفتنة التي تعرض لها: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف:٢٤] فقوله ((وَهَمَّ بِهَا)) قال العلماء: لو لم يقل الله: (وَهَمَّ بِهَا) لاتهم يوسف في رجولته ﵊؛ لأن الرجل الذي لا يميل للمرأة يسمى خنثى -لا رجل ولا امرأة- وهي منقصة، لكن يوسف - النبي المعصوم- عندما ابتعد عن المرأة -وهي صاحبة الشأن وصاحبة الدار والسلطان والجمال- إنما كان بشراً لديه فطرة ولديه ميل نحو المرأة -كأي بشر- ولكنه استعلى على هذه الشهوة وارتفع بإيمانه عنها.
الشاهد من هذه القصة أن الفتنة لا بد حاصلة، ولا يعصم الإنسان منها شيء، فلا يقل: (أنا نفسي طيبة، وأنا أختلف عن غيري)؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
وقد يستدل بعض الناس على جواز وجود الخادم أو الخادمة أو المربية بقوله في سورة النور: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنّ﴾ [النور:٣١] إلى أن قال: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور:٣١] فيدخل السائق ونحوه وكأنه من التابعين غير أولي الإربة.
وهذا غير صحيح لأن العلماء قالوا: إن المقصود من الآية هو المخنث الذي ليس له شهوة في النساء.
وقال بعضهم: هو الأحمق الذي لا يعقل الفرق بين الرجل والمرأة.
وقال بعضهم: هو المخصي -الذي ليس له خصية- فلا تثور له قائمة.
وقال الإمام الشوكاني ﵀ في تفسيره: 'المراد بالآية ظاهرها، أي من يتبع أهل البيت، ولا حاجة له في النساء، ولا يحصل منه ذلك في حال من الأحوال '.
وهذا كلام دقيق، لأنه قد يأتي -هذا التابع- في فترة من الفترات ولا يكون له إربة بداية؛ لأنه يكون محتاجاً إلى العمل أو يفكر في أسرته التي تركها في بلده، فلو رأى ربة البيت لا يميل ابتداءً، لكنه إذا استقر به الحال واستأمنه الرجل وبدأ يخلو، أتته الشهوة، كقصة الرجل التي رواها الإمام مسلم -رحمة الله عليه- عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قالت: ﴿أنه كان رجل في عهد النبي ﷺ يدخل على أزواج النبي ﷺ فكان يدخل عليهن ويعتبرونه من التابعين غير أولي الإربة حتى دخل النبي ﷺ ذات مرة، والرجل مع بعض أزواجه، وكان الرجل يصف امرأة ويقول: إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان.
فسمع النبي ﷺ ذلك فنهى أزواجه من أن يظهرن على هذا الرجل﴾.
стр. 602
تغيير العقائد
يستقدم بعض الناس للوظائف المنزلية أشخاصاً لا يدينون بالإسلام، وإنما يدينون بـ الهندوسية، أو النصرانية، أو البوذية، ولهذه الديانات أشد الأثر على الأسرة المسلمة، وبالأخص الأطفال، فلو تُرك طفل مع مربية -أقل ما فيها أنها لا تذكر اسم الله تعالى- لتربيه، فلن تربيه على ذكر الله إذا أراد أن يأكل -مثلاً- ولن تقرأ عليه آية الكرسي أو أذكار النوم إذا أراد أن ينام، وإنما ستقرأ عليه نصوصاً من الإنجيل أو قصصاً من خرافات دينها، سواء كان ذلك مع الأطفال في البيوت، أو مع المرضى في المستشفيات، وسيخرج الأطفال بتربية غير إسلامية في عقائدهم وتصوراتهم.
стр. 603
التدهور الأخلاقي
وإذا نظرت إلى جانب الأخلاق والسلوك، فستجد أن كثيراً من المسلمين والمسلمات -فضلاً عن غيرهم- لا يعرفون كيف يتوضئون، ولا كيف يصلون؟ فكيف سيكون حال الأطفال في الأسرة التي نطمح أن يخرج أبناؤها مجددين ومصلحين ويبنون هذا المجتمع، ويعيدون لهذه الأمة قيادتها ورئاستها في الدنيا، بل الذي يقع أن يتعلموا السرقات والجرائم التي تحدث في البيوت، بل أصبح بعضهم أشبه بالعصابات يقتحمون الشقق والفلل في غياب أهلها.
стр. 604
إضعاف اللغة العربية
قال حافظ إبراهيم في اللغة العربية:
وسعت كتاب الله لفظاً وغايةً وما ضقت عن آي به وعظات
اللغة العربية هي اللغة التي نفهم بها ديننا، وهي التي نزل بها القرآن، وتكلم بها الله ، فاللغة العربية يجب علينا أن نصونها من الركاكة، فلا نتكلم مع الخادم أو الخادمة، فنجعل الرجل امرأة، والمرأة رجل، ولا نقول للرجل: أنتِ روحي أو أنتِ افعلِ كذا، وللمرأة العكس مقابل أن تفهم هذه الخادمة أو ذلك الخادم.
بل يجب علينا أن نعلمهم بالطريقة الصحيحة، فلا يحاول المتكلم أن يركك في لغته مقابل أن يفهم هذا الذي أمامه، ولكن يحاول أن يرتفع به ليكون قريباً من اللغة العربية الفصحى.
стр. 605
انتشار الأمراض
قضية أخرى أخيرة، وهي الأمراض التي يحملونها، وينبغي أن يكون هناك كشف طبي لهؤلاء المستقدمين، لكن بعض الناس لا يقدر أهمية هذا الأمر، وأن المرأة التي تأتي وتطبخ في البيت، لو كانت حاملة لمرض معدٍ أو مرض من الأمراض الخبيثة، فإنها يمكن أن تنقله إلى الأسرة، وهذه الأسرة تنقله إلى غيرها، فيجتنب هذا بالكشف الطبي من المستشفيات الرسمية؛ لأن هؤلاء بيئتهم بيئة فقر، وبيئة هابطة، ولا شك أن كثيراً من هذا الأوبئة منهم، وأنتم ترون في الحج وما يأتي وينتشر في بلادنا عن طريق هؤلاء الحجاج القادمين من تلك البيئات، سواء من الهند، أو الباكستان، أو سيريلانكا، أو الفلبين، أو تايلاند، وكلها دول تحمل الأمراض المعدية، وأكثر ما يتأثر بها الأطفال؛ لأنهم أقل مناعة من الكبار.
стр. 606
إفساد الدين والأخلاق
هؤلاء الناس إذا دخلوا إلى بلاد المسلمين عامة فضلاً عن هذه الجزيرة، فإنهم يبنون الكنائس -وهذا أمر معروف- وقد بنوا الكنائس في أطراف جزيرة العرب، ولو سمح لهم أن يبنوها في أقرب بقعة إلى مكة لفعلوا، ولكنهم لا يسمح لهم ولن يسمح لهم بإذن الله .
لكن في تلك البلاد التي قد تهاونت في الموضوع قد بنوا الكنائس الضخمة، ومن ذهب منكم إلى تلك الديار لا بد وأنه قد رآها، يبنون المعابد البوذية وقد بنيت معابد بوذية في أطراف جزيرة العرب على دين البوذية ليتعبد فيها البوذيون، ينشرون أديانهم الباطلة، يحاولون أن يدعوا الناس إلى أديانهم: النصراني إلى نصرانيته، والبوذي إلى بوذيته، وما انتشار مذهب البهائية إلا من أوضح الأدلة على ذلك، وما من بلد يسمح أن يقيموا فيه ويأخذوا فيه حريتهم، إلا وينشئوا النوادي الماسونية: إما نوادي عالمية كالروتاري وما أشبهها، وإما نوادي سرية تحت ستار الحفلات، وستار نشر الثقافة وستار المسرح، بأي شكل من الأشكال.
لا بد أن ينشروا هذه النوادي الماسونية وينشروا الفكر الماسوني في بلاد المسلمين، وهناك من أبناء المسلمين من ينخرط في صفوف هذه النوادي والأحزاب الكافرة الملحدة، وإنما انتشرت الشيوعية بتأثير هؤلاء المجرمين عندما دخلوا بلاد المسلمين، وكل النحل الباطلة والضالة فهذا حالها أيضاً.
دخولهم أيضاً في بلاد المسلمين فيه أعظم الإفساد لأخلاق المسلمين، لأن المسلم الذي لم يكن يرى في بلاده إلا امرأة محجبة أصبح يرى امرأة كافرة متبرجة، فبعد حين يستهين المسلم بذلك، ثم يكثر ويتناقل الداء حتى تصبح المحجبة هي الشاذة -نسأل الله السلامة والعافية- بل إنه كما تلاحظون -وهو أمر واقع- أن هؤلاء النساء في بلادهن لا يأبهن بأي شيء، ممكن أن تقف على قارعة الطريق وتركب مع أي إنسان يمر ويذهب بها إلى حيث شاء وليس لديها أي تفكير في أن هذا فيه حرج أو عيب أو عار، وهذا أمر مشاهد لمن تفطن ولمن تأمل له؛ فما ذلك إلا لاستقدامهم ولإدخالهم في بلاد المسلمين، ولتعمدهم أحياناً أن يفسدوا عقائد المسلمين.
وفي دخولهم أيضاً إفساد الذوق العام عند المسلمين: إن المسلمين لهم دين ولهم حياء ولهم مروءة، وهناك أمور كثيرة حتى من الحلال مروءة المسلم تمنعه منها، هل رأيتم أحداً من آبائنا في أيام العادات الحسنة الطيبة مهما كانت قلة علمه بالدين يأكل هذا السندوتش على قارعة الطريق؟! والله ما يفعل هذا آباؤنا أبداً! يستحون من ذلك، وما كان أشد منه فإن حياءهم منه أشد، أما هؤلاء فإنهم يجاهرون بما يفسد الذوق العام، فيجعل مظهر البلد وذوقه العام مظهراً غربياً أوروبياً، حتى إنك تجد المسلم المتخلق بآداب الإسلام في لباسه وهيئته وزيه شاذاً ونادراً في بلد الإسلام، فإذا كان المسلم في بلد الإسلام يشعر بالغربة؛ فما بالكم بمن يدفع ويزيل تلك الغربة بالإتيان بهؤلاء الكفار واستقدامهم إلى بلاد المسلمين؟!
стр. 607
نتائج أخرى
هناك قضايا كثيرة قد نغفل عنها وهي في صميم الموضوع، كموضوع البناء: مثلاً، فعندما استقدمنا مهندسين كفرة، ومنظمين ومخططين للمدن من الكفار، أو من تلقى على أيديهم، أصبحت مدننا مدناً غربية بالفعل، وفقد الطابع الإسلامي لها، ولا نفرق بين البناء الإسلامي وغيره، الحياة الإسلامية والحياةُ عامةً أجزاء وعناصر عضوية متماسكة.
أصبحت بيوت المسلمين تستر بالزجاج! وما كان آباؤنا يعرفون هذا الزجاج أبداً، فأصبح الزجاج والألمنيوم من جميع الجهات، فلم يكفنا أن تبرجت النساء حتى تبرجت العمارات أيضاً، فأصبح الإنسان يرى المرأة ويرى الناس وهم في أعماق البيت عن طريق هذا الزجاج! والأوروبيون إذا وضعوا الزجاج، فلأنهم يكادون لا يرون الشمس، فيفرحون ويحلمون أن يروا الشمس، والشعراء الأوروبيون لهم قصائد ودواوين في الشمس؛ لأن عندهم ضباباً طيلة السنة، فيفرح إذا رأى الشمس، فيجعل للبيت زجاجاً، فإذا أتت الشمس يتلذذ بها ويتنعم بها، ونحن في بلاد الحر الشديد نرى الشمس طوال العام، فنفرح ونتغنى إذا رأينا سحابة! هؤلاء القوم جاءوا وخططوا لنا فجعلوا العمائر متراصة عالية، والشقق متجاورة ضيقة، وضعفوا الزجاج في جميع الجهات ومن جميع الأطراف، وكذلك الشرفات التي تسمى البلكونات لم يعرفها آباؤنا أصلاً، فبيوت المسلمين في القديم كانت النوافذ عالية ومستترة، والباحات أو الساحات في داخل البيت، أما هؤلاء فهم في داخل البيت كالعلبة المعلبة، فأين تخرج المرأة؟ أين تنشر الملابس؟ وأين إذا أرادت أن تنادي أبناءها أو تعمل أي شيء، وكذلك الأولاد، فمن الشرفة، وما بين الشرفة والشرفة الأخرى إلا قليل من الهواء، فلو وضعت خشبة لأمكن أن يسير عليها الإنسان من هذه الشرفة، إلى تلك الشرفة، وينتقل إلى ذلك البيت، إما سارقاً أو زانياً أو لصاً أو ما شاء، والمصيبة أننا جعلنا عادات بلادنا وذوقنا العام وسكننا تحت تأثير هؤلاء الذين بأموالنا وبأنفسنا استقدمناهم ووليناهم ليخططوا لنا كيف نعيش، وكيف ننظم حياتنا، وكيف ننشئ بيوتنا.
فالقضية خطيرة، وهي تمس كل بيت وكل إنسان وكل من يخاف الله -وهو حريص على هذه البلاد الطاهرة المقدسة التي لم يبق للتوحيد قلعة إلا هي- فإنه والله يغار ويهتم لمثل هذه الأمور، ويجِدُّ في البحث عن الحل وعن المخرج، وهو بين أيدينا؛ وعندما نعرض هذه المآسي أو هذا الواقع، فإنما نذكر بأمر مشاهد محسوس؛ لنستثير همم أهل الإيمان والغيرة أن يغيروا وأن يبدءوا بأنفسهم وبمن حولهم.
فأقول: إنهم أفسدوا حتى الذوق العام في مظاهرنا العامة، في سكننا، حتى في لغتنا وفي لهجتنا -كما ذكر الأخ الدكتور- بل إنكم لتشاهدون اللوحات، اذهبوا إلى بلد من بلادهم، وانظروا إلى اللوحات واللافتات في بلاد المسلمين، مع الأسف الشديد كأنها ثوب رقع من سبعين رقعة؛ هذه اللوحة من لغة كذا، هذه من لغة كذا، وهذه بلغة كذا، وأصبح الإنسان لو فتح محلاً صغيراً جداً لا يأتيه ولا يشتري منه إلا طبقة من العمال الذين لا يقرءون أية لغة، ومع ذلك لو وضع له عنواناً فسوف يكتبه بغير العربية، إما بالإنجليزي أو بلغة أخرى؛ لأن عبوديتهم ليست في المظهر والمخرج، لكنها في الباطن وفي المخبر، أصبحنا متأثرين بهم إلى هذا الحد.
وأدهى من ذلك أننا نستعير أسماء فجارهم -وكلهم فجار- ونضعها عناوين ولافتات في بلاد الإسلام، من أعجتبه مطربة أو مغنية أو ممثلة عاهرة داعرة، جعل اسمها عنواناً لمحله أو لشركته أو لمطعمه أو لمخبزه أو لما أشبه ذلك، فنجعل من بلادنا معرضاً للدعاية لمشاهير الكفر ومشاهير الفجار من شتى الأصناف ومن جميع البلاد كالمطربين والممثلين ولاعبي الكرة والمصارعين والرياضيين عموماً بينما في تلك البلاد رغم أنها لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا تخاف أن الله سيعذبها يوم القيامة ولا تعرف شيئاً اسمه موالاة الكفار، رغم ذلك لا يسمحون بأن يمجَّد اسم في بلدهم إلا ما كان على لغة البلد، ومن له بطولة وطنية -كما يسمونها- بخلاف ما نحن عليه للأسف الشديد.
ونحن قد تكلمنا وأشرنا، وما هي إلا إشارات إلى ما يهدد الأسرة من هذا الغزو الفكري الرهيب، ومن هذا الخطر الزاحف الداهم، سواء كان خطر ذهاب المسلمين إلى بلد الكفار أم خطر استقدام الكفار إلى بلاد المسلمين، وعلى كلا الحالين يجب علينا أن نعيد النظر في أنفسنا وفي مجتمعاتنا مما يتعلق بهذا الشباب المسكين.
стр. 608
الشباب والفساد
لو صح أن أحداً يعصي الله وهو مظلوم لقلنا: إن شبابنا مظلوم، نعم هذا الشباب مهما فجر ومهما فعل لو نظرنا بالمقياس الشرعي الصحيح لوجدنا أن حالنا معه كما قال الشاعر:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
لا نجد مجلساً إلا ويشتكى من الشباب: الشباب فسد، الشباب أدمن المخدرات، الشباب فعل وفعل، الشباب هذا كيف وكيف، شكوى! ولكن هل واقعنا وحياتنا العامة تدفع هذا الشباب إلى الخير أم تدفعه إلى ما هو أشد من ذلك، وإلى ما هو أوحش وأفحش من ذلك؟ ليس هناك أحد يعذر في معصية إلا من عذره الله، ويجب على هذا الشباب أن يتمسك بدينه، لكن كيف نفتح له جميع منافذ الشر، ثم نقول له بعد ذلك: لا تعص! دعايات تنشر في مجلات كثيرة: تعال إلى حيث المتعة، تعال إلى الليالي الدافئة في بانكوك وكذا وكذا، تخفيض أربعين في المائة على قيمة التذاكر، الفنادق والحجز وكذا وكذا موجود، ترونها جميعاً ونراها جميعاً، تدفع بهذا الشاب المتلهف المتعطش في قوة الشهوة وفي قوة الشبق وقوة الشباب تدفعه وتجذبه، نضمن لك كذا وكذا من أساليب المتعة والرفاهية في العطلة، وقد تنظم مواعيد الرحلات على مواعيد العطل، فمن أراد ذلك فهو لا يحتاج أن يخرم عمله، الأمر منظم ومرتب على مواعيد العطل الأسبوعية أو السنوية، ثم تبدأ تلك الجموع تذهب إلى هناك، فإذا جلس الإنسان هنا، وبلغه خبر أن جثة زميله فلان قد جاءت من مانلا -كما حصل قبل فترات وكما تعلمون ذلك- قال: هذا فاسد، وهذا مجرم وقمنا نتشكى.
نعم هو مجرم، لكن هل نحن مبرعون؟ هل نحن غير مؤاخذين أمام الله ؟ أم أننا قد دفعناه إلى الجريمة وهيأناها له وفتحنا له أبوابها؟ وكذلك ما يقع داخل البيوت من الشجار ومن الخصام ومن عقوق الأبناء، قلما تجد أباً أو مدرساً أو مربياً إلا ويشكو من عقوق هذا الشباب، ويشكو أنه شباب متمرد، لا يهتم بشيء، لا يبالي بخير أو شر! ولكن نسأل أنفسنا أولاً: على أي شيء ربيناهم نحن؟ إذا كان الأب الذي تربى على الدين وعلى الأصالة وعلى الخلق يُرى فيه التهاون في أعظم أمر، وهو أمر الغيرة وأمر العرض، فيدع المرأة والبنت تذهب مع السائق، فكيف تلوم الابن لو ارتكب أكبر من ذلك؟! فأنت تعصي الله فيه وفي الأسرة جميعاً بهذا الخادم وهذا السائق، وتريد ألا يعصى الله فيك بالعقوق؟! لا يمكن هذا أبداً.
فهؤلاء الشباب لا ندافع عنهم، ولكن نقول: إننا مسئولون مثلهم أو أكثر، وإنهم قد يكونون مظلومين في كثير من الأحيان؛ لأنهم لم يعرفوا الحق ولم يعرفوا الخير، وإنما وجدوا أنهم يساقون سوقاً إلى الفاحشة وإلى الفساد وإلى الإجرام، فانساقوا في هذا التيار الجارف، ولذلك - وهذه والحمد لله من بشائر الخير - تجدون الشباب الذي يهتدي ويرجع إلى الإسلام، وهذا الذي يسمى شباب الصحوة الإسلامية الجديدة الذين نراهم في كل مسجد، وفي كل حي، وفي كل مدرسة، بعضهم لما اهتدى بدأ يصرح يقول: والله لأول مرة أسمع أن الغناء حرام، وأن مشاهدة المرأة في الفيديو أو التلفاز حرام، وإذا به اهتدى، وجاء إلى المسجد، وحضر ندوة وندوتين، ثم التحى وترك الفساد.
إذاً لماذا نظلم الشباب؟! فلو أنهم ربوا تربية سليمة لكان فيهم خير عظيم، ولو كانوا يهتدون بأشياء عارضة قليلة، فكيف لو كان التوجيه العام كله على ما أمر الله وعلى ما أمر رسول الله ﷺ ، ونزع هؤلاء الشباب من أيدي الذين يريدون أن يتبعوا الشهوات، ويريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا.
فنسأل الله تعالى أن يردنا إليه رداً حميداً وأن يبصرنا في ديننا وأن يفقهنا فيه؛ حتى نعلم مقدار ما شرفنا الله تعالى به من التوحيد، ومقدار ما أذل الله تعالى به أعداءنا من الشرك، فلا نواليهم ولا نحبهم، ولا نسافر إلى بلادهم، ولا نستقدمهم إلى بلادنا، ولا نعاملهم بأية معاملة إلا على وفق ما شرع الله في حالة الاضطرار التي أباحها الله ﵎، ونسأل الله لنا ولكم ذلك وما هو خير منه، والحمد لله رب العالمين.
стр. 609
خاتمة
قال مقدم الندوة: أذكركم بما بدأنا به الندوة بالحديث عن الغزو الفكري، وتأثير استخدام وسائل الإعلام هذا الاستخدام الجائر الذي نتج عنه ما سمعتم في هذه الندوة من أمور فاحشة تأثر بها هذا المجتمع، وسمعتم أيضاً ما ذكره الشيخ سفر من حال أجدادنا وكراهيتهم معايشة أهل الكفر والشرك والفجور والباطل، وكيف أنه كان كثير من الرحالة الكفرة يقتلون في هذه الجزيرة عند محاولة اكتشافها، أجدادنا ينظرون للكفرة وللمشركين هذه النظرة التي تحملهم على قتلهم، ونحن نعاشرهم ونصاحبهم ونصادقهم في مكاتبنا وفي بيوتنا! نستقدمهم إما عمالة على أنهم خبراء وعلماء، وإما عمالة رخيصة على أنهم خدم وسائقون! هذه الآثار التي تحدث عنها في هذه الندوة وفي الندوة السابقة ما كانت إلا نتيجة لأول ما بدأنا به الغزو الفكري الذي جاء نتيجة لاستخدام هذا الإعلام استخداماً لا يرضي الله ، والذي لم يسخر لخدمة دينه .
وفي الختام نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم فاستغفروه.
стр. 610
تصحيح مفهوم العمالة
كان أبو لؤلؤة المجوسي عبداً رقيقاً للمسلمين، ولم يكن عاملاً مستقدماً، وتعلمون أن المسلمين إذا حاربوا أمة كافرة، فإنهم يغنمونهم ويأسرونهم، ومن أسر منهم يجوز أن يُسترق، فيصبح عبداً للمسلمين؛ لأنه رفض أن يكون عبداً لله ، فحكم الله تعالى أن يكون عبداً لعبيده الصالحين، ففرقٌ بين العبد وبين العامل المستقدم؛ لأن الأدلة في تحريم دخول اليهود والنصارى إلى جزيرة العرب كثيرة.
ولهذا لما طُعن الفاروق عمر رضي الله تعالى عنه [[قال: من فعل بي ذلك؟ قالوا: أبو لؤلؤة المجوسي، قال: الحمد لله الذي جعل ميتتي على يد رجل لم يسجد لله سجدة]] ثم قال: [[وقد كنت نهيتكم أن تكثر العلوج بـ المدينة]] لأن عمر كان ينهى أن تكثر العلوج في المدينة أي: أن هؤلاء أرقاء وملك للمسلمين، فالمسلم إذا ملك عن طريق الجهاد رقبة من رقاب الكفار، فإنه يستخدمها كما يستخدم الدابة، ومن هنا يجوز له أن يأتي بها، ولو لـ جزيرة العرب باستثناء مكة.
стр. 611
جزيرة العرب للمسلمين
أما إذا كان هذا الرجل حراً، وإنما جيء به من أجل عمل من أعمال الدنيا، فهذا هو الذي ينطبق عليه ما قاله ﷺ : ﴿لا يجتمع في جزيرة العرب دينان﴾، وقال ﷺ ﴿لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلماً﴾ وهذا في آخر حياته، فهو حكم ناسخ لما قبله.
وهذا يبطل استدلال من يستدل أن أهل خيبر صالحهم النبي ﷺ على أن يقيموا فيها ويزرعوها، فيكون لهم النصف وللمسلمين النصف، فإن أهل خيبر كانوا أرقاء لأنهم استسلموا في الحرب، فكانوا مما يسمى برقيق الأرض.
ولما أوصى النبي ﷺ في آخر حياته بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب نفذ ذلك الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وظهرت له خيانة اليهود التي لا بد أن تقع، فأجلى يهود خيبر إلى أذرعات من بلاد الشام، وفرقهم في البلاد، وطهر جزيرة العرب من رجس هؤلاء الكفار، وبقي هذا أمراً مألوفاً لا يخرمه ولا يخرقه أي خارق أي أن جزيرة العرب بلد للمسلمين فقط لا يساكنهم ولا يعاشرهم فيها أحد.
بقي هذا أربعة عشر قرناً إلى أن جاء الاستعمار الحديث، ودخل الإنجليز والبرتغال أطراف الجزيرة، أما قبل ذلك فلم يكن أي كافر يأتي إليها إلا متخفياً، بل إن بعض الرحالة الأوروبيين الذين جاءوا لاكتشاف جزيرة العرب قتلوا على أيدي الأهالي، لأنهم رأوا أن هذا كافر يهودي أو نصراني، ولا يجوز له أن يدخل إلى جزيرة العرب، وهذا موافق لما جاء به النبي ﷺ .
وسبق أن تعرضنا لقضية التجارة وحكمها، وقد نحتاج ذلك لأننا نتاجر مع الكفار وبما يأتون إلى ثغور المسلمين أو موانئهم وأطراف بلادهم، وقد يُحتاج أن يدخلوا ببعض تجاراتهم إلى بلاد المسلمين، فإذا احتاج المسلمون للتعامل مع الكافرين في بعض الأمور-كالتجارة- فعليهم أن يفعلوا مثلما أوصى الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كما روى أبو عبيد في كتاب الأموال إذ جعل لأهل الروم ولمن تاجر من أهل الكتاب ثلاثة أيام، يأتون بتجارتهم مما يلزم المسلمين إلى ظاهر المدينة، ولا يدخلون إليها، فيأتي إليهم المسلمون، فيشترون منهم البضائع لمدة ثلاثة أيام ثم يعودون.
أما أن يستخدموا ككتبة أو مستشارين أو خبراء، فهذا حرام، ولو كان في بلاد ما وراء النهر، أو في الأندلس، أو في أي مكان، وقد بلغ الفاروق عمر أن أبا موسى الأشعري استخدم كاتباً نصرانياً، فكتب إليه يعاتبه أشد العتاب ويقول: [[كيف تأمنونهم وقد خونهم الله؟! وتكرمونهم وقد أهانهم الله؟!]].
وله مع المغيرة بن شعبة قصة -وكان المغيرة في العراق ليس في داخل جزيرة العرب - إذ كتب المغيرة إلى عمر: إنني استخدمت هذا النصراني، وإنه رجل نبطي، ولا يجيد الحساب غيره، فكأنه يقول: وجود الرجل ضروري لنا، فكتب إليه الفاروق كلمتين، قال له: [[هب أن النصراني مات، والسلام]].
فيقطع الجدال والنقاش في هذا الموضوع، فـ جزيرة العرب لا يجوز أن يجتمع فيها دينان في أي حال من الأحوال، ومن هنا نعلم لماذا علماؤنا -جزاهم الله خيراً- الشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ عبد الله بن حميد في فتواهم المسجلة والمقروءة يذكروننا دائماً بهذا الحكم، يقولون: 'لا يجوز للمسلم أن يستقدم الكفار إلى جزيرة العرب '.
стр. 612
حدود الجزيرة العربية
وقبل ذلك قد تقولون: وما هي جزيرة العرب؟؟! جزيرة العرب تشمل من أطراف العراق والشام شمالاً إلى بحر العرب جنوباً، ومن الخليج وبحر عمان شرقاً - خليج البصرة الذي اختلفوا فيه: هل هو فارسي أو عربي؟ العرب المسلمون كانوا يسمونه خليج البصرة أو بحر البصرة - فمن الخليج شرقاً إلى البحر الأحمر غرباً، فيدخل في ذلك بطبيعة الحال الكويت والإمارات واليمن وعمان.
فكل ذلك من جزيرة العرب التي لا يجوز أن يدخلها الكفار فضلاً عن الحجاز، فهو أمر متفق عليه ولم يخالف في ذلك أحد، وكل من تكلموا في حدود الجزيرة لم يختلفوا في أن الحجاز من جزيرة العرب وأنه أولى الأماكن بألا يدخلها يهودي ولا نصراني؛ حتى إن بعض العلماء جعلوها على نوعين محرم مغلظ ومحرم غير مغلظ، أي يحرم أن يدخلوا جزيرة العرب عامة، لكن دخولهم إلى أرض الحجاز محرم حرمة مغلظة، فحرمته مغلظة دائمة؛ لأنها كما قال النبي ﷺ ﴿إن الإيمان ليأرز بين المسجدين﴾.
فيجب أن تظل بلد إسلام وأن تحمى من هؤلاء الذين يسبون الله أعظم السب، ولو أن أحداً سب أبا أحدنا كل يوم فلن يرضى أن يعاشره أو يخالطه، فكيف بالكافر الذي يسب الله ، فالنصارى يسبون الله حين يقولون: إن له ابناً ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ [الإسراء:٤٣] هذا سبٌ لله ، والبوذيون يقولون: إن بوذا هو إلههم، وبعضهم يقول: إن بوذا هو ابن الله، وفي هذا سبٌ لله ، وكلهم أعداء الله، وكلهم لا يجوز أن يوالوا، ولا أن يدخلوا إلى جزيرة العرب.
стр. 613
من دخول الكفارة إلى بلاد المسلمين
ولا بد أن إدخالهم إليها وإلى غيرها من بلاد المسلمين يؤدي إلى فساد عريض، ويجب أن نضع هذه القاعدة في أذهاننا ولا ننساها: (وكل أمر نعصي فيه الله ، فلا بد أن تصيبنا بسببه العقوبة) وذلك كما بين النبي ﷺ حين ذكر الخمس التي أمرنا أن نستعيذ بالله منها، وأنها إذا وقعت وقعت نتيجتها، ومنها: ﴿وما انتشرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا أصابهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن من قبلهم﴾.
فإذا عصينا الله فلا بد أن ندفع ضريبة المعصية من أجسادنا ومن سعادتنا ومن أمننا في الدنيا، وكذلك عقوبة الآخرة: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:١٢٧]-عافنا الله وإياكم من ذلك- فما تفضل به الدكتور عدنان من هذه الأمراض والمشاكل، إنما هو نتيجة لمعصيتنا لنبينا ﷺ ، فكانت هذه عقوبة بالمعصية: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤] ولا بد من هذا.
стр. 614
الأسئلة
стр. 615
البديل الإسلامي لوسائل الإعلام
أجاب على هذا السؤال الشيخ سفر الحوالي.
السؤال
في الواقع هنا نقطة نحب أن نعود فيها إلى الأخ الشيخ سفر في موضوع التلفاز، والبرامج التلفزيونية، والفيديو وما شابه ذلك، فالبعض يريد أن يوقف هذا السيل الجارف بأن يأتوا بأفكار، ويقولون: لماذا لا نعمل أشياء إسلامية؟ لماذا لا نعمل أفلاماً إسلامية؟ لماذا لا نعمل أفكاراً إسلامية؟ لما لا نعمل أفلام كرتون إسلامية -مثلاً- ولا نشك أبداً أن هناك مغرضين مندسين وراء هذا، ولكن الظاهرة موجودة الآن؛ فالناس قسمان -إلا من رحم ربي- إما أناس متجهون خاضعون لهذا الغزو الفكري ولا يرون به بأساً، بل يرونه عين الحضارة، وهو المطلوب، وهو المراد، وهذا والله فيه الدمار، وآخرون رأوا في هذا البديل سلامةً لهم، الأمهات يتضجَّرن من الأطفال في البيوت، وتعلمون حال البيوت هذه الأيام وصغرها وحبس الأطفال فيها، فالأم تريد من طفلها أن يكون ساكنا ساكتاًَ، لاكما أراده الله طبيعياً متحركاً نشطاً، فتريده أن يجلس أمام التلفاز ساعتين، أو ثلاثاً، أو أربعاً، وهي تقضي ما تقضي من أمورها، فتصر على شراء التلفاز، فيرضخ الأب ويقول: إذن نأتي بأفلام إسلامية أو برامج إسلامية، فنريد من الشيخ سفر: توضيح الحقيقة، لما في هذا الحل من مخاطر، حتى نكون على بصيرةٍ من أمرنا؟
الجواب
الحمد لله رب العالمين، إن الإجابة على هذا السؤال ليست بالأمر الهين، لأن القضية أخطر من أن يدرسها فرد بذاته، هذه مشكلة كل بيت يريد أن يحافظ على البقية الباقية من الأخلاق والفضيلة، ولكنه يواجه غزواً منظماً مسيطراً، ومن هنا يجب أن تتردد الآراء فيها -ولا نعني أي آراء- ولكن نعني آراء أهل العلم، ورأي أهل الخبرة، ورأي رجال التربية الإسلامية الذين يمارسون الدعوة إلى الله .
إنه لا حرج شرعاً من حيث المبدأ أن توجد أفلام إسلامية نافعة مفيدة، لو سئلنا نظرياً عن ذلك لقلنا: قد يكون واجباً أن يوجد البديل، ولكن يجب أن نتنبه إلى مخاطر كثيرة تحف هذه القضية: الأمر الأول: أن البديل عن أي شيء في كثير من الأحيان فيه نوع من الإقرار بالأمر الواقع، بمعنى أن البديل قد يكون مظهراً للعجز عن المقاومة، فأنا لم أستطع -مثلاً- أن أحفظ بيتي وأبنائي وأغرس وأربي في أنفسهم مقاومة هذا الغزو، وأن هذه الأمور حرام، فقلت: لابد أن آتي بالبديل، بينما توجد الأسر التي تستطيع ذلك، ولو أننا جعلنا الأصل والأساس هو أننا نقاوم هذا الغزو، ونجعل البديل أموراً صالحة، ليس شرطاً أن تكون من جنس ذلك الغزو، كالطفل الذي يأتي -مثلاً- من المدرسة بعد الظهر يتغدى ثم يرتاح قليلاً، يذاكر للعصر، يذهب للمسجد، يحفظ القرآن إلى العشاء، بعد العشاء ينام إجبارياً، ليستيقظ مبكراًَ، هذا الطفل إذا ربي تربية سليمة على أن هذه الأشياء أقل ما فيها أنها تضيع وقته، وأنه لا يستطيع أن يتلقى معلوماته فيها، فسيترك هذه الأمور وما فيها من حرام وما قد تجره إليه من فساد، فهو يقتنع بذلك وإن كان صغيراً مع التربية السليمة، وماذا يربح الإنسان إذا خسر أسرته، مهما كان نجاحه مالياً أو مادياً أو حتى لو دعوياً، نجح في أن يدعو طائفة كبيرة من الناس للإسلام، لكنه ضيع أطفاله وضيع زوجته، فهذا خسران، لا يرضاه إلا من كتب الله عليه الغواية.
الأمر الثاني: أن هذه البدائل فيها -كما ذكره الأخ عدنان - أخطار من النواحي العضوية، فما ينتج عن ذلك في النظر، أو في الأعضاء، أوفي عدم الحركة، أو ما أشبه ذلك، كل المساوئ العضوية موجودة سواءٌ كان هذا الشيء صالحاً أو سيئاً، وأنا قرأت وسمعت أيضاً ندوة إذاعية أن بعض دول أوروبا وفي بعض الولايات الأمريكية، حددت مشاهدة الأطفال للتلفزيون بساعة واحدة في اليوم فقط، وجعلت ذلك تشريعاً إلزامياً في الدولة وفي الولاية، فيلزم الأطفال ألا يروا التلفزيون إلا ساعة واحدة، ثم بعد ذلك يتحدثون عن محتوى هذه الساعة وما سيكون، لكن يشترطون ألا تزيد عن ساعة واحدة، فكيف بنا نحن الذين لا بد من مفارقتنا لهم، بمقتضى أن أصحاب الصراط المستقيم يخالفون أصحاب الجحيم، فهؤلاء رأوا الأضرار العضوية التي تنتج عن المشاهدة للتلفزيون وإدمان ذلك، فقالوا: لابد أن يحدد ذلك بساعة واحدة من أربعة وعشرين ساعة.
الأمر الثالث: هي أن ما يوجد اليوم باسم الأفلام الإسلامية، أو ما قد يوجد هو كأي أمر من أمور حياتنا -نحن المسلمين- يخضع لذوق ولرغبة المشتري، كما هو خاضع لعلم وفقه المنتج، بمعنى أن المنتج الذي لا يعرف الحلال من الحرام، أو لا يتقيد بكثير أو ببعض أحكام الإسلام، قد ينتج أفلاماً فيها محرمات كثيرة وواضحة، وكثير من الآباء لا يدركون الفرق بين الحلال والحرام في هذه الأمور؛ لأن الدعوة العامة وعلم الفقه الشرعي في المجتمعات الإسلامية ضعيف محدود، فئة محدودة فقط هي التي تستطيع أن تنتقي وتختار، ومن هنا فإن هذا المنتج مع حسن نيته -افتراضاً- سوف ينتج لنا أشياء ضارة على أنها نافعة، وهذه قد تتقبلها الأسرة بحجة أنها إسلامية، وقد رفضت تلك التي ليست إسلامية، وفي ذلك خطره وضرره.
وكذلك قضية الرقابة، قد يقول قائل: نخضع هذه الأشياء للرقابة، وأنتم تعلمون أن الأفلام غير الإسلامية فيها الكثير من المحرمات مع وجود الرقابة، وفيها أمور لا تخضع للرقابة، فإذا قلنا: الأفلام الإسلامية تخضع للرقابة، فإن الحال سيكون كحال هذه الأفلام التي تخضع للرقابة من جهتين وأنتم ترونها، بل بالعكس الرقابة -إن وجدت فرضاً- ستجد نفسها أنها أمام شيء عادي جداً، فأحدهم مطالب بأن يراقب مئات من الأفلام الخليعة الفاجرة، ويأتيه فيلم إسلامي فيقول: هذا إسلامي، فلا يراقبه، فنتيجة ذلك تنتشر في المجتمع أخطار قد تكون أكثر خطراً من الأفلام الواضحة أنها للفسق والدعارة.
وأنا أضرب لكم أمثلة واضحة: أنتم تشاهدون ما يسمى -أحياناً- بالتمثيليات والمسلسلات الإسلامية، ولاسيما في رمضان أو في موسم الحج، والحق يقال، كلمة نقولها لله : لو أنه وضعت مكان هذه الأفلام أفلام ما يسمونه حباً وهو فاحشة -الأفلام العادية من الغرام والعشق العادي- لكان والله أسلم من هذه الأفلام، والله لقد رأيت بعيني في موسم من مواسم الحج فيلماً في قصص الأنبياء، والقصة كانت عن داود ﵇، الممثلة تمثل زوجة داود ﵇ -الذي أثنى الله عليه في القرآن الكريم: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٣٠]- زوجة نبي كاشفة الصدر والنحر كله، وتختلط بالأجانب، وتكلم طالوت، وتكلم فلان، ووزوجة من هي؟ زوجة داود!! هذا والله أفحش مما لو كانت هذه زوجة فلان من الناس وتختلط بغيره.
وكذلك على هامش السيرة الذي عرض في سنة من السنوات على أنه سيرة النبي ﷺ ، ظهرت فيه أخطاء كبيرة في سيرة النبي ﷺ ، وفيلم الرسالة وما أدراك مافيلم الرسالة، وقد سمعتم عنه الكثير، وكذلك تمثيلية موسى بن نصير شيء عجيب جداً أن يكون الفاتحون المسلمون لايفتحون البلاد إلا عن طريق العشق والغرام والعلاقات مع بنات الروم! أيضاً في سنة من السنوات كان الموضوع عن أبي عبيدة بن الجراح، أمين الأمة المصطفاة: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر:٣٢] فهل في الأرض، أمة أكثر أمانةً وحقاً وعدلاً من أمة الإسلام، وهذا أمين الأمة الأمينة، يفتح دمشق بناءً على علاقات غرامية مع بنت ملك الروم!! فإذا كان هذا أميننا، فمَنْ منا الأمين؟! نحن أمة خائنة إذن، ولاشك أن من رضي بهذه الخيانة فهو خائن، وهذا شيء ليس بالخفي، بل شاهده الملايين، وهذا من قبيل توضيح الخطأ لا التشهير ولا الافتراء، لأن هذه الأمور شاهدها الجميع.
فالحقيقة أن هناك خطراً مبطناً مدسوساً فيما يسمى بهذه الأفلام الإسلامية أو المسلسلات الإسلامية في المواسم الإسلامية، وفي تمثيلة ابن تيمية وغيرها.
ولكي يبرزوا شجاعة الصحابة يأتون بسيوف من الخشب، ويقولون: هذا خالد بن الوليد! والطفل الصغير يقول: رأيت خالد بن الوليد، ولا يقول: رأيت ممثلاً يمثل خالد بن الوليد، يقول: رأيت عمرو بن العاص، رأيت معاوية، لأنه يرى شيئاً أمامه، نحن الكبار ننسى الموضوع، ونتصور أن هذا خالد، فكيف بالطفل الصغير؟! وأشد من ذلك أن يأتي في فيلم آخر نفس ذلك الممثل الذي يمثل خالد بن الوليد أو أبا عبيدة، وإذا به لص من أكابر المجرمين، ويأتي في فيلم آخر، وإذا به داعر من أكبر الزناة ومدمني المخدرات، وهو نفس ذلك الرجل!! كيف ينطبع هذا في نفس ذلك الطفل؟ لو بقي ينظر إلى هذا الرجل في كل هذه الأفلام على أنه داعر، زانٍ، فاسق، غشاش، لبقيت صورة واحدة في ذهنه، لكن يأتي يمثل صحابي بهذه الصور! هذا هو التناقض الحاد الذي أشار إليه أخونا الدكتور عدنان، وهذا مما يسيء ويفسد سمعة الصحابة، وبالتالي يفسد الشباب المسلم عن طريق هدم القدوة الذي يجب أن نتأسى بها، وقارنوا بين طفل في الرابع الابتدائي أو الخامس يسمع بصوت الدكتور عبدالرحمن رأفت الباشا -رحمة الله عليه- وهو يتحدث عن صور من حياة الصحابة أو صور من حياة التابعين، كيف يتأثر عندما يسمع عن الصحابة؟! ولكن انظروا واسألوه لو رأى فيلماً من هذه الأفلام، حتى تجد الفرق بين الإعلام النظيف والإعلام المغشوش.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 616
مخاطر عمل المرأة
أجاب على هذا السؤال الشيخ: سفر الحوالي ثم الدكتور: عدنان غلام.
السؤال: الموضوع مهم جداً، ويمس الناس أجمعين، وقَلَّ أحد إلا وهو متأثر به، لذا فإنها مسئوليةٌ عظيمة، هذا الغزو الفكري أو الخطر الفكري الذي يهدد أسرنا المسلمة يجب أن نعيه، وأن نهتم به، وأن نوجد الحلول، وأن نبعد هذا الخطر عن أنفسنا بكل ما نملك.
نود أن ننتقل الآن إلى خطر آخر يهدد الأسرة المسلمة، وكما قلت لكم سابقاً، هذه الأخطار الفكرية تتسلل إلينا وقد يكون للبعض العذر في عدم الاطلاع عليها، لأنها تغزو الفكر، وتأتي قليلاً قليلاً، ومع هذا فالعلماء والدعاة يُحَذِّرون، ولكنْ هناك خطر مادي يَمْثُلُ أمامنا، ونراه يتحرك، ونراه يزداد، ونحن غافلون! إن الله عندما خلق الذكر والأنثى، أعطى لكلٍ منهما مهمة في هذه الحياة، كلف الرجل بالقوامة، فجعله قيماً، وألزمه بالإنفاق، وهذا يشغل كثيراً من الوقت، ثمان ساعات في النوم، ومثلها أو أكثر منها في العمل، لنقوم بجزء القوامة، للإنفاق على أسرنا وعلى من نعولهم، وكلف الله المرأة بعمل آخر لا يحسنه البتة أحدٌ غيرها، وإن تواطأ عليه الإنس والجن.
إن بقاء هذا الجنس البشري مرهون في أن تحمل المرأة وأن تلد، وبعد أن تلد تحضن أولادها، وتحنو عليهم، وترضعهم سنتين، ثم تربيهم وتغذيهم غذاءً مادياً وفكرياً، حتى يشبوا عن الطوق، ويخرجوا إلى المجتمع، وقد بلغوا شيئاً من العقل.
الخطر المادي الذي نراه متمثلاً أمامنا قد اجتاح أمماً كثيرة، بل اجتاح الأمم كلها في مشارق الأرض ومغاربها، ووراءه مقولة خطيرة، لو سمعها الإنسان لأول وهلة، يقول: صحيح، نصف المجتمع عاطل، النساء في البيوت، ماذا يعملن؟ إنتاجية المجتمع هابطة، لو اشتغل هذا النصف الموجود في البيوت، لازددنا ارتقاءً، وازددنا حضارةً، وكنا أكثر في القوة المادية، وهذا يخدع الكثيرين، وقد خدعت مجتمعاتٌ كثيرةٌ بهذه المقولة، ووجهٌ آخر من هذه المقولة يَخُصُّ الفردَ نفسه، يقولون له: امرأتك عاطلة في البيت، هذه الأسرة يمكنها أن تزيد من دخلها، لماذا لا تخرج المرأة، وتعمل بضع ساعات، وهي تنفع الوطن وتنفع الأسرة بزيادة الدخل؟ فبدلاً من أن يكون للأسرة دخل خمسة آلاف ريال، يصبح لديها سبعة آلاف ريال أو ثمانية آلاف ريال.
إن مسألة عمل المرأة وخروجها من بيتها، ومزاحمتها الرجال، سواءٌ في الأعمال أم في الأسواق مسألة خطيرة، تهدد الأسرة المسلمة، ونود من شيخنا سفر -جزاه الله خيراً وثبته- أن يبين لنا تفاصيل هذه المقولة؟ وكذلك خطأها من صوابها، وما حدث في الأمم التي مشت في هذا الاتجاه؟
الجواب
هذه قضية كبيرة وخطيرة، وهي قضية عمل المرأة، ولن نستطيع أن نعطيها حقها، ولكن حسبنا أن نشير إلى ما يوفقنا الله إليه في هذه القضية.
يكفيكم من كل أمر حامله وداعيه لتحكموا عليه!! من الذي يدعو إلى أن تخرج المرأة، وإلى أن تشارك في بناء الوطن كما يقولون؟ من الذي يدعو لذلك؟ فكل دعوة تأتيك يجب عليك أن تنظر إلى قائلها وحاملها.
لقد جاء النبي ﷺ وأنزل الله ﵎ عليه الشريعة الكاملة الخالدة التي تكفلت بصلاح العباد إلى قيام الساعة، فما وجدنا فيها هذه الدعوى، بل وجدنا ضدها، وهذا كتاب الله بين أيدينا، وهذه سنة النبي ﷺ بين أيدينا، وهناك نص صريح محكم في ذلك وهو قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فلا يستطيع بشر أن ينسخ حكماً من أحكام الله ، المرأة أساساً حياتها في بيتها، وخير لها ألا ترى الرجال ولا يروها، وإن كانت في طريقها إلى المسجد، وصلاتها في قعر بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، مع عدم الاعتراض عليها إن رغبت أن تذهب إلى المسجد في حالات معينة، وفي شروط معينة، لكن الأصل في صلاة المرأة هو البيت، وهي الصلاة! وهي العبادة!! هذه قاعدة، ولا ننظر إلى واقعنا مهما ابتعد عنها، لكن هذا هو الأصل، أربعة عشر قرناً والأمة الإسلامية على هذه الحالة الفطرية، مهما انحرفت أو ابتعدت في تقاليد أو ما أشبه ذلك من انحراف، لكن تبقى القاعدة في ثبات، وهو أن المرأة عملها في البيت، ودروها عظيم في إنجاب الأطفال، وفي تربيتهم، وفي أعمالٍ في البيت تستطيع أن تعملها، والرجل عمله خارج البيت، وعلى ذلك سارت الحياة.
ولم تظهر هذه الدعوى إلا في العصر الحديث، بعد قدوم الاستعمار وبعد انحطاط الأمة، وأول من دعا إلى خروج المرأة ومشاركتها -وسموه تحرير المرأة- هم النصارى الأقباط في مصر ونصارى لبنان الذين أنشئوا جرائد ومجلات، وكانت صحفهم أول ما صدر من الصحف في العالم العربي، وكانت مجلات وصحف نصرانية، أنشأها أولئك الذين تلقوا تعليمهم وحياتهم في مدارس الإرساليات التبشرية، كالكلية الإنجيلية، التي سميت فيما بعد بالجامعة الأمريكية في بيروت، هذه الكليات الإنجيلية أخرجت ذلك الجيل الذي كان أول جيل يطالب بحرية المرأة، ويصرح بأنه يريد لها أن تصبح كالمرأة الغربية، تماماًَ سواء بسواء.
ولو نظرنا إلى دعاة الخير، وإلى العلماء، وإلى أهل الغيرة والصلاح، فلن تجدهم يدعون إلى هذه الدعوة، إنك لو فتشت: لن تجد من يدعو إليها إلا من هو مشكوكٌ في إخلاصه لأسرته، ولبلاده ولدينه، لابد من ذلك، بل ممن يكتبون عن دعوى تحرير المرأة، أو خروج المرأة ومشاركة المرأة، منهم من له أمٌّ لم يزرها من سنة أو أكثر، منهم من تكون له زوجة، والعلاقة بينه وبينها أسوأ ما يمكن، ولا يسمح لها ولا يعطيها شيئاً مما يقول: إنه حرية، وتقر هي أيضاً أنه حريه، وقد تكون له أختٌ، وهو مقاطع لها غير زائر ولا واصل لها، ومع ذلك يكتب ويقول: نريد أن تخرج المرأة، لماذا؟! والله قد بين ذلك، فقال: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ)) [النساء:٢٧] وهذه الآية ذكرها الله من ضمن الآيات التي تتحدث عن موضوع العلاقات يبن الرجال والنساء: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء:٢٧].
يريد سكرتيرة أو زميلة أو صديقة في المكتب، امرأة متفرنجة متبرجة، يلهو ويعبث معها، ولذلك يقول: لابد أن تخرج المرأة، وأن تعمل المرأة، ليس غرضه أن ينمي اقتصاد بلاده، ولا أن يطور وطنه، ولا يهتم بوضع المرأة، ولا يرثي لها، إذ يسميها الحبيسة في بيتها، فهذا خروج على فطرة المرأة، حتى وإن كانت هذه المرأة كافرة أو مشركة، فالمجتمعات النصرانية واليهودية والبوذية، وكل المجتمعات التي تريد أن تحافظ على أخلاقها، تستغرب وتستنكر ذلك، والآن في العالم الغربي الذي خرجت فيه المرأة إلى أقصى ما يمكن، وجدت جمعيات تسمى (جمعية العودة إلى البيت) مكونة للنساء، ويطالبن بالعودة إلى البيت، وأن تقوم الأم برسالتها الحقيقية وهي الأمومة، فليس هناك رسالة أعظم منها، المرأة عاطفية بطبيعتها، مهما عملت، ومهما أخذت من مرتب، فأعظم وأعز شيء لديها أن تحتضن ابنها، لو قلت لها، ما رأيك احتضانك لابنك هذا وتقبيله، أفضل عندك أم هذا المرتب وهذا المنصب؟! فإنها سوف ترمي بالمرتب وبالمنصب مهما كان.
والآن أصبحنا نقرأ على صفحات الجرائد: المرأة التي تقول: لم يرغب فيّ ولم يخطبني أحد، لأنني جامعية، ولأنني موظفة، أنا مستعدة أن أترك العمل, وأن أرمي بالشهادة إذا وجدت الشاب الذي يقبلني زوجة!! في مجتمعنا أصبح هذا الشيء موجوداً، لماذا؟ لأننا أخرجنا المرأة عن طبيعتها وعما فطرت عليه، إن دعوى إخراج المرأة للعمل هدمٌ للأمة من نواحٍ كثيرة من ذلك: أنه يهدم الأمة بشرياً وعددياًَ، ونظراً لأن الذين يثيرون هذا الكلام، كثيرٌ منهم لا يريد أن يسمع كلام الله ولا ذِكْرَ الله، فلنضرب لهم الأدلة من واقع الدول الغربية.
في روسيا الشيوعية الملحدة التي تجاهر بإنكار وجود الله ، وتجاهر بأن الأسرة هي أثر من آثار البرجوازية القديمة، والتقاليد البالية، في روسيا المرأة التي تنجب -مثلاً- عشرة أطفال تُعْطَى وساماً معيناً تحمله، تركب الحافلات مجاناً، تدخل أي مطعم مجاناً، تخفيضات لها أينما ذهبت؛ لأنها بطله قومية، أنجبت للأمة عشرة أطفال، ونحن نقول: (يجب أن تخرج المرأة وأن تعمل).
في فرنسا: القضية تدرس دراسة عميقةً جداً وكذلك في ألمانيا في إيطاليا، وإن كان يبدو أن فرنسا تهتم أكثر، لأنها تريد أن تبقى قوة مسيطرة، لأن إنجلترا فقدت مكانتها كقوة دولية، وتريد فرنسا أن تستبقي ذلك، وهذا الموضوع من أخطر ما تدرسه فرنسا، موضوع تكثير النسل، وإيطاليا من أكبر الدول الأوروبية، ومع ذلك هناك إعانات مخصصة لكل طفل يولد، وحث مستمر على الزواج.
بيوت الزنا والدعارة، لا تنتج أطفالاً، إلا أطفالاً معروفاً وضعهم إن جاءوا، ولذلك يحثون على الزواج، ويحثون المرأة على أن تنجب الأطفال، ويأتون بالجوائز السخية، والإعانات لكل مولود يولد، لماذا!؟ لأنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، بل يؤمنون بالمادة، فيقولون: حتى تعوض المرأة، تقول: لو كنت أعمل سأحصل على ألف ليرة، مثلاً، لكن لو أنجبت أطفالاً، سأحصل على خمسمائة أو مائتي ليرة، فتوازن راحتها النفسية مع هذه الثلاثمائة، فتقبل الزواج والإعانة وتترك العمل، أصبحوا في واقع حالهم يضجون من واقع هذه المأساة الرهيبة التي يعيشونها.
ولكن في بلاد الإسلام، يأتي أناس فيقولون: نصف المجتمع معطل، ولابد أن تخرج المرأة من بيتها، أين مساهمة المرأة في تنمية بلادها، فهذا هدمٌ بشري أن تخرج المرأة، وأن يتعطل الإنجاب وأن يصبح المجتمع كما هو في
стр. 617
أسباب انهيار الأمم (ندوة)
إن من سنن الله الكونية على مدار التاريخ أن مكّن لكل الأمم في أرضه فجعلها مشتركة في توافر أسباب البقاء والاستمرار، وجعل لذلك مقومات ومبادئ، فكان من الأمم من عمل بشيء من هذه المقومات وأغفل مقومات أخرى، فتفاوتت فترات استمرار الأمم وفق ذلك.
ومن رحمة الله بالأمة المحمدية أن جعلها آخر الأمم لتستفيد من تجارب الأمم السابقة، وتتعرف على أسباب هلاكها وانهيارها؛ لتتجنب هذه الأسباب، ولتكون بذلك بعيدة عما يؤدي بها إلى غضب الله وسخطه.
وتتمثل الأسباب المؤدية إلى النجاة من سخط الله في طاعته تعالى، واتباع سنة نبيه، واجتناب المعاصي التي تؤدي إلى تقويض المجتمعات من ربا وزنا وغيرها.
стр. 618
القرآن يقص أنباء الأمم
يتحدث الشيخ عبد الله المحمدي عن الأمم السابقة ويعرض لنا شيئاً من أحوال هذه الأمم من خلال كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، أما بعد: يقول الله في كتابه الكريم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأنعام:١٢٣]، ويقول الله : ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام:١٣١] ويقول تعالى أيضاً: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف:٤] ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف:٥].
стр. 619
استدراج الله للأمم بالنعم
وقال الله أيضاً: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٤ - ٩٩].
إن هذه الآيات التي يبين الله فيها أنه ما أرسل من نبي في قرية إلا أخذ أهلها بالبأساء والضراء، ثم بدل مكان السيئة الحسنة، أي: أنهم أبدلت سيئاتهم وكربهم تلك بحسنات ونِعَم، ثم ماذا حصل لهم بعد ذلك؟ ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا، وقالوا: قد مس آباءنا السراء والضراء، كانوا يتكلمون مما عفى عليهم، يقولون: قد مس آباءنا في الماضي السراء والضراء، وهم منعمون وينزل عليهم من الخيرات الشيء الكثير، ماذا حصل لهم بعد ذلك؟ قال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف:٩٥] فالذي ينظر إلى واقع المسلمين اليوم، وينظر إلى مثل هذه الآيات يجدها تتمثل في واقعنا وحياتنا.
كان آباؤنا وأجدادنا قد مستهم البأساء والضراء، فبدلنا مكان السيئة الحسنة، حتى تنعم كثير من المسلمين، وعندها بدأ كثير منهم لا يرعوي لنعمة الله، ولا لكلام الله، ولا لما أعطاه الله من جزيل النعم في الدنيا، بل أنكر هذه النعم، وجعل يعفو عليها ويتبرم منها، ينكر هذه النعم، فلا نخشى أن تأتي المرحلة التي بعدها وهي: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف:٩٥].
فالنبي ﷺ قائد الغُرِّ المحجلين وأكرم الخلق الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ﷺ كان إذا رأى غيماً أو ريحاً، أو رأى رعداً أو برقاً يصفر وجهه ﷺ ، وكانت تسأله عائشة ﵂: وتقول له: ﴿يا رسول الله! إن الناس إذا رأوا السحاب ورأوا مثل هذا فرحوا واستبشروا، فقال لها: يا عائشة قد عُذب أقوام بالريح، وقد عذب أقوام بالمطر﴾ ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل:٥٨].
فإذا كان هذا هو حال رسولنا ﷺ ، فما هي حالنا اليوم وقد أغرقنا في الذنوب والمعاصي حتى فشت فينا كثير من الذنوب والمعاصي؟ ثم يقول الله مبيناً أمراً آخر: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦] عندما تكذب الأمم ويكذب الناس يأخذهم الله لا بظلم منه ، وإنما بما كانوا يكسبون، ولذلك يقول محذراً الأمة: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٢٥] فحذرنا من ذلك في القرآن، وبيَّن لنا، وأوضح لنا الطريق، وأوضح لنا سنته في الكون، وسننه تعالى في إهلاك الأمم، وإتيان الأمم من بعدهم، فيحل قوماً مكان قوم، وهذه هي سنة الله، وما ذهب القوم الأولون إلا بما كسبوا، وما أتى القوم الآخرون إلا ليستخلفهم الله فينظر ماذا يعملون.
стр. 620
الأمن من مكر الله
يقول الله : ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٧] أفأمنوا مكر الله عندما عملوا تلك المعاصي وجاهروا بها وأعلنوا الرذيلة والفاحشة في المؤمنين؟ ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
يقول الله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٨] وهم يلعبون في ناديهم، ومجتمعاتهم، وأعمالهم: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
ثم بين الله في الآية التي بعدها أمراً آخراً عظيماً ألا وهو قول الله : ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:١٠١] أي: أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها، أن أمة محمد قد ورثت الأرض من بعد الأمم السابقة التي أهلكها الله ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأعراف:١٠٠] أما يخافون؟ أما اهتدوا إلى هذه النقطة المهمة العظيمة بأن الذنوب والمعاصي سبب في إهلاك الشعوب والأمم جميعاً لا فرق! فهذا إنذار من رب العالمين: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الأعراف:١٠٠] نطبع على قلوبهم حتى لو رأوا الآيات والنذر فإنهم لا يؤمنون ولا يتبعون الحق؛ لأن الله قد طبع على قلوبهم: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف:١٠٠].
ثم بين بعد ذلك، قال: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ [الأعراف:١٠١] إلى آخر الآية، وآيات أخرى.
يقول الله : ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨] إذاً: لما آمنوا كانت النتيجة أن الله كشف عنهم عذاب الخزي ومتعهم إلى حين، وهذه هي نتيجة طاعة الله واتباع كتابه وسنة رسوله ﷺ .
стр. 621
اقتراب موعد الهلاك
فإذا كثر الفساد في الأرض وانتشر الخبث في الناس، فإنه ينذر بعاقبة وخيمة! عندما سألت إحدى نساء النبي ﷺ : ﴿أونهلك يا رسول الله وفينا الصالحون؟ قال: نعم.
إذا كثر الخبث﴾ فالخبث إذا كثر في أمة من الأمم فإنه نذير بأن تهلك هذه الأمة كما ورد ذلك في القرآن؛ إما بخسف أو بمسخ أو بريح أو بعاصفة أو بفيضان أو بزلزال أو ببركان أو بطاعون أو بمرض أو بغير ذلك من جند الله التي لا يحصيها إلا رب العالمين، يقول الله في هذا: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] فالشرط أن تكون ظالمة، ويقول الله ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:١١٦ - ١١٧].
فيقول الله : ﴿فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود:١١٦] أما إذا أُمر بالفساد وانتشر الفساد، ولم يوجد أولو بقية من الصالحين والطائعين ينهون عن الفساد في الأرض، فإنها عند ذلك تقع الطامة، فقوله: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود:١١٧] هؤلاء قليل، أما البقية الذين ظلموا فإنهم اتبعوا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين، مجرمين على أنفسهم، ومجتمعهم، وأسرهم، وديارهم التي كانوا يسكنون فيها، فإن العذاب لما حلَّ، حَلَّ بالجميع: قُلِبتَ الديار، وتضرر المجتمع، والأفراد، والأسرة، والدواب، والشجر، والحجر من تلك المعاصي التي كانوا يفعلونها.
فما كان ليهلكها بظلم وأهلها مصلحون، ونجزم بذلك لِماَ نُؤمن به من وعد الله ألا يهلكهم الله .
ويقول الله مبيناً كيف قصم الأمم التي ظلمت أنفسها ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ * لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١١ - ١٥] فما زالت تلك دعواهم، أي ما زالوا يرددون ﴿يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:١٤] حتى جعلناهم حصيداً خامدين، والسبب هو: أنهم من قرية كانت ظالمة ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ [الأنبياء:١٢] لما أحسوا بالخطر والضياع والتشريد والدمار بدأت الصيحات وإنذارات الخطر تظهر يمنة ويسرة وأماماً وخلفاً، كلهم ينذرون صيحة الخطر ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٥].
стр. 622
غفلة الأمم عن عذاب الله لها
ويقول: الله مبيناً أن القرية التي ينذرها الله بعقاب بسيط أو بإنذار يسير لا ترجع إلى الله ، وأن القوم تمر بهم النكبات والويلات من حولهم، ولا يعتبرون ولا يتعظون بمن حولهم، قال الله : ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥] لا يرجعون إلى الحق والصواب، وكتاب الله وسنة رسوله ﷺ حرام عليهم؛ فعندما يرون عذاب الله، وعندما ينذرهم الله ببعض هزات خفيفة لا تؤثر فيهم الأثر العظيم ومع ذلك يبقون على ذنوبهم ومعاصيهم، حتى يأتيهم العذاب الأليم، هذه نُذُر كما قال النبي ﷺ : ﴿مثل المنافق مثل الحمار لا يدري فيم ربط ولا فيم أطلق﴾ فهؤلاء حتى مع إنذارالله لهم فإنهم لا يفقهون ولا يرجعون ولا يعقلون، نسأل الله السلامة والعافية.
وكذلك يقول الله : ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ﴾ [الرعد:٣١] فهذا إنذار قارعة تصيبهم أو تحل قريباً من دارهم.
هذه آيات الله فينا تتلى، نسأل الله أن يرزقنا الخشية والإنابة والتوبة والمعرفة والصدق والإخلاص.
ويقول الله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً * فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾ [الطلاق:٨ - ١١] فبيَّن الله مصير القرية التي عتت عن أمر ربها، وبين في الأخير الذين آمنوا به وبرسله، وبيَّن نعمته ومِنَّته على المؤمنين؛ إذ أرسل لهم رسولاً يدلهم على الخير والطريق المستقيم، ويُحذِّرهم من طريق الغواية، والآيات أكثر من ذلك وأعظم، ولكن نكتفي بهذا القدر لنتطرق إلى نقاط أخرى.
يقول الشيخ سفر بن عبد الرحمن الحوالي: الحمد لله الذي من رحمته وفضله بيَّن أسباب النجاة ويسرها وأوضحها وجلَّاها، وبيَّن أسباب الدمار والهلاك، لنجتنبها ونتوقاها، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد المبعوث رحمةً للعالمين، أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور ومن طريق الهلكة والدمار والخراب إلى طريق النجاة والسعادة والفلاح، وسدَّ من الحقوق والطاعات، كل طريق إلى الخير والنجاة والسعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة إلا من طريقه ﷺ ، وبعد: لو تأملنا كتاب الله وقرأناه، هذا الكتاب المهجور إلا ممن رحم الله! لوجدنا أن موضوعاته جميعاً تنحصر في ثلاثة: إما الأمر بالتوحيد وما يتبعه من الحقوق والطاعات مع النهي عن الشرك وما يتبعه من المعاصي والذنوب.
وإما خبر عما صار لأهل التوحيد والطاعة من النجاة والسعادة والفلاح، وخبر عما كان لأهل الشرك والمعاصي من الدمار والوبال والخسارة.
وإما حال هؤلاء، وهؤلاء عند البعث يوم القيامة.
فهذه هي موضوعات القرآن وكل ما في القرآن لا يخرج عن هذا.
стр. 623
فرحوا بما عندهم من العلم
الله خلق الإنسان وهو يعلم حاله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦] فهو يعلم أن هذا الإنسان ظلوم جهول، ولهذا احتمل الأمانة وقبلها بعد أن أبت منها السماوات والأرض ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:٧٢] هذا الظلوم الجهول لا بد أن يُذَّكر، وأن تتلو الذكرى ذكرى، والموعظة موعظة، ولكن ما أكثر العبر! وما أقل الاعتبار! والله قد قصَّ علينا من أنباء ما قد سبق، وذكر لنا حال الأمم، أين قوم نوح؟ أين عاد؟ أين ثمود؟ أين فرعون؟ أين تلك الأمم؟ وأين تلك الحضارات؟ وأين القرى التي عُمِّرت وسادت وبنت وأترفت في الحياة الدنيا حتى ظن أصحابها أنه لا يقدر عليهم أحد حتى الله ؟! ولهذا قالت أعتى تلك الأمم وهي عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾ [فصلت:١٥] فالله هو أشد منهم قوة ولكنها الغفلة.
لماذا تأتي هذه الغفلات؟ ولماذا نجد صورتها ما تزال حية واقعة إلى اليوم في هذه الدنيا؟ الله فصل ذلك وبينه.
من أعظم الأسباب التي تجعل القلوب تغفل عن الله ولا تتعظ ولا تعتبر: أن يفرح الناس بالحضارة والتقدم والإنتاج والصناعة وما هم فيه من الترف والنعيم! ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣].
يقولون: لماذا نطيع رسول الله ﷺ والعلم لدينا إذا قيل لهم: أيها الناس! اتقوا الله وذروا الزنا واللواط والفحشاء تنجوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة، قالوا: لا نطيع أمر الله ولا أمر رسول الله، لدينا الأطباء، والعلم كل يوم يبحث لاختراع علاج لمقاومة الإيدز وما أشبهه، ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سبأ:٤٥] أي: عشر العشر، فالحضارات الماضية بلغت الشيء الذي لم تبلغ هذه الأمة منه عشر العشر، كل أمة تظن أنها أرقى الأمم في الحضارة، وأن ما عندها من العلم كافٍ لأن تنكر أمر الله وتعترض عليه ولا تتبعه، إذا قيل لهم: إن الله حرم الربا، قالوا: لا، عندنا علماء اقتصاد وعندنا خطط، وعندنا خبرات تكفي لأن نتوقى المخاطر التي تنجم عن الربا.
﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر:٨٣] وظنوا أن هذا العلم يكفي لاجتناب ما ينزل من أخطار؛ حتى عندما هُددوا بالأعاصير والزلازل فرحوا بما عندهم من العلم، قالوا: أصبح بالإمكان مراقبة الإعصار وهو ما يزال في المحيط الأطلسي أو المحيط الهادي، فلا يأتي إلى المدينة، إلا وقد أخذت جميع الاحتياطات والاستعدادات، والزلازل يمكن أن ترصد وهكذا، لكن الله يملي لهم كما قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:٤٥] ولكن إذا جاء أمر الله تتبخر وتتبدد كل هذه الأوهام، ويذهب ذلك العلم والكبرياء فيه، ويركضون ولكن وراء السراب، حيث لا ينفع حينئذ إلا أن يتوبوا إلى الله وما أكثر الغافلين.
وأما قصة قوم يونس التي سمعتم ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:٩٨].
فهي قصة شاذة في تاريخ الأنبياء والأمم، أنَّ أمة تؤمن حال رؤية العذاب أو قرب رؤية العذاب، فمن رحمة الله أن يفتح الباب للتوبة وللاستغفار، ولكن قل من يتذكر.
стр. 624
أسباب انهيار الأمم
إذا تكبرت الأمم وطغت وانتشر فيها الفساد عاجلها الله بالعقوبة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر:٦ - ١٠] ماذا عملوا، وما صنعوا؟ ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر:١١ - ١٢] فكانت النتيجة ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٣ - ١٤] فما هو الفساد والطغيان؟ فأوجه الفساد والطغيان كثيرة، ولكن هل في البشرية من يتدبر ويعقل؟! العقلاء هؤلاء يرفعون العقيرة بالنذر، وهم قليل جداً في التاريخ.
وبما أننا في عصر قد عُظِّمت فيه أوروبا وحضارتها الغربية المسيطرة على العالم، والتي تقوده إلى الدمار والهاوية؛ فلننظر ماذا قال علماء وباحثو الغرب ومفكروه العقلاء -وهم قلة- لما رأوا أمتهم تمضي إلى هذا الدمار والانهيار، تفكروا في حال أممهم وبحثوا عن أسباب الانهيار؟ وأسباب الفساد الذي أدى إلى من قبل في انهيار الامبراطورية الرومانية، وانهيار الحضارات.
стр. 625
الإعلان بالفاحشة
هناك رجل غربي يعرفه كل مفكر غربي، وهو المعروف بـ أرنولد توينبي، ويعتبر توينبي أكبر مؤرخ في هذا العصر، فقد درس جميع الحضارات، وأحصى الحضارات القديمة التي يمكن أن تعرف، واستطاع أن يجد أن هناك أكثر من إحدى وعشرين حضارة من الحضارات، بعضها استمر ألف سنة، وبعضها خمسمائة سنة، في أنحاء مختلفة من الأرض، ومنها الحضارات التي نعرفها جميعاً: الحضارة اليونانية، الحضارة الرومانية، الحضارة التي يسميها هو الحضارة العربية، ثم الحضارة الأوروبية، هذه الأربع المعروفة الآن في التاريخ، وما قبلها مندثر منقرض، ومن آخر الحضارات حضارة لم تنقرض إلا قبل خمسمائة سنة في أمريكا الجنوبية، وما تزال أعلامها ماثلة إلى اليوم، فوجد أن كل هذه الحضارات في التاريخ المكتوب تنهار وتنقرض وتدمر بأسباب منها: أن تخرج المرأة وتترك وظيفة الأمومة، وينتشر التبرج والزنا، فمن تتبع سقوط هذه الحضارات وجد أن السبب هو هذه الظاهرة.
انقرض اليونان لأن المسارح أصبحت علناً، وانتشر فيهم الاختلاط والخمر والزنا والتبرج! وكذلك الحضارة الرومانية وقد كان من أسباب انهيار الحضارة الإسلامية في بغداد انتشار المعاصي والذنوب، كما شهد بذلك أعداء الإسلام وهم كفار، حتى أن الخليفة -الذي كان في بغداد لما دخلها هولاكو وحاصرها- كان قد كتب إلى أمير الموصل يقول: 'بلغنا أن مغنياً مشهوراً عندكم أوجد نغمات جديدة في السلم الموسيقي، فنريد أن تبعثوا به إلينا' وكان اسمه صفي الدين.
فسبق دخول هولاكو دخول ذلك المغني، فحصل الدمار، وقُتل من المسلمين على أيدي أولئك الوثنيين وبتعاون من الروافض الملاعين أكثر من مليون وقيل: مليوني رجل، وأقل ما قيل إنهم ثمانمائة ألف قتلوا من المسلمين في بغداد من أهل السنة ومن خيار أهل السنة، فلما انتشرت المعاصي وانتشر الترف والتبرج والغناء، كانت النتيجة هي الدمار والخراب.
وهذا رجل غربي آخر يدعى توينبي: " الحضارة الغربية اليوم سوف تنهار لأنه ينتشر فيها شرب الخمر" فذكر أحد الأسباب: شرب الخمر، والسبب الآخر الذي ذكره قال: ' إن أوروبا سوف تصبح أقلية بين الشعوب ولهذا تنهار أوروبا '.
стр. 626
الكفر بالله من أعظم أسباب الانهيار
نحن نعلم أن السبب هو: الكفر بالله ، وأما باقي ذكره فهي أسباب عرضية أو فرعية، فلماذا تصبح أوروبا أقلية؟ في جميع البحوث التي أجريت في أكثر من دولة أوروبية، تبين لهم أن السبب في نقص عدد السكان وكثرة عدد الوفيات بالنسبة للمواليد هو: خروج المرأة لتعمل ولتشارك الرجل في العمل، فلما خرجت لم تتزوج، واكتفت بالعشيق فلم تنجب، فكانت النتيجة أن عدد المواليد أقل من عدد الوفيات، وبالتالي ستصبح هذه الأمة أقلية، فمن سنن الله أنه لم يجعل الدمار والانهيار فجأة بغير مقدمات وبغير أسباب تؤدي إلى نتائج.
وأما أرنولد شبنجلر المؤرخ الألماني الذي أصدر كتاباً ضخماً في ثلاث مجلدات عن تدهور الحضارة الغربية وانحطاطها، مع أن هذا الرجل توفي عام ١٩٢٣م أو قريباً من ذلك، قبل أن يصل الفساد إلى ما نراه اليوم -يقول هذا الرجل: 'إن خروج المرأة من البيت هو المنعطف الخطير الذي إذا وصلت إليه أي حضارة من الحضارات بدأت بالسقوط، وبدأت بالانهيار'.
ويضرب لذلك مثالاً ببطلة إبسون - إبسون هو أديب من أدبائهم- يقول: ' إذا أصبحت بطلة إبسون هذه هي النموذج للمرأة الغربية، فالحضارة الغربية سوف تنهار ' وهذا ما وقع والانهيار حاصل، فقد أنطقهم الله لما تدبروا ولما تأملوا والأمثلة على ذلك كثيرة.
стр. 627
الترف من أسباب الانهيار
من أسباب الانهيار التي ذكرها الله : انتشار الترف، ولهذا فإن أول من يرد دعوة الأنبياء هم المترفون، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ:٣٤]، ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [الإسراء:١٦]، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾ [الأنعام:١٢٣] فأكابر المجرمين المترفين يردون الحق والدعوات وواعظ الخير، لأن ترفهم قد ران على قلوبهم، فالترفُ وحبُّ الدنيا يُقسِّي القلب، فلا يطيق صاحبه أن يسمع شيئاً عن الآخرة، هذا الرجل المترف الذي هذا حاله، لو جلست معه أو جلس أمام أي منظار أو مرآة أو مشهد ساعات فإنه لا يمل، ولو جاءه رجل يذكره بالموت خمس دقائق لملَّ ولخرج، لا يريد أن يسمع ذكراً للموت، ولا يريد أن يسمع ذكراً للآخرة -نسأل الله العفو والعافية- قست قلوبهم، حتى إذا جاءهم العذاب، فإنه يأتيهم وهم في تلك القسوة ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف:٢٤ - ٢٥] هكذا قسوة القلب ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُم﴾ [الأنعام:٤٣].
يقول الحسن البصري ﵀: [[يا أهل العراق لا تدفعوا عذاب الله بأيديكم وأرجلكم، ولكن ادفعوه بالتوبة إلى الله، فإن الله ﵎ يقول: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا﴾ [الأنعام:٤٣]:]] تضرعوا إلى الله وتوبوا إليه يكشف ما بكم من سوء ويبدل حالكم.
يقول مالك بن دينار: [[ذهب أهل البصرة يستسقون فلم يمطروا، فعادوا وقالوا: عجباً والله! استسقينا ولم نمطر، قال مالك: سبحان الله! ستبطئون المطر، أما والله إني لأستبطئ الحجارة من السماء]].
فالله ما جعل للمطر وللنعم سبباً إلا الاستغفار ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً﴾ [نوح:١٠ - ١٢] استغفروا الله وتوبوا إليه [[تستبطئون المطر، أما والله إني لأستبطئ الحجارة من السماء]] هكذا يقول مالك بن دينار ﵀ في عصر الخير، في القرن الأول أو بداية الثاني، وأين نحن من هذا؟! رسول الله ﷺ كان إذا رأى غيماً أو سحاباً يخاف ويصفر وجهه، وكأن عذاباً سينزل، وأولئك الذين قست قلوبهم يقولون: (عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) فلنقارن بين الحالين، ولننظر في واقعنا، هل نحن أقرب إلى حال رسول الله ﷺ من الخوف من عذاب الله وتوقع عذاب الله بسبب ذنوبنا ومعاصينا، أم نحن أقرب إلى قسوة عاد، ونظرتها إلى كل هذه الأمور أنها ليست إلا عوارض، أو أمور تنتهي؟
стр. 628
البطر من أسباب الانهيار
من الأسباب الأخرى والعوامل التي تنخر في كيان الأمم والشعوب البطر والملل من الحياة الرغيدة الهنيئة، فقد ذكر الله تعالى لذلك مثالاً لأمة عجيبة ذكرها القرآن تفصيلاً وهي سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٦] جنة عن يمين وجنة عن شمال كلوا واشربوا من هذه النِعم، بلدة طيبة معطاءة، ورب غفور يغفر الخطايا، استغفروا وكلوا وتمتعوا، فماذا كانت النتيجة؟ أعرضوا! وهذا الإعراض هو الذي دمر الأمم، فماذا كان من تلك الجنات؟ وأين ذهبت؟ ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦].
لقد رأيت هذا بعيني، وإنها لعبرة لمن يذهب إلى هنالك، وأنت ترى ما ذكره الله من الأثل والسدر القليل، في تربة يزيد سمكها عن عشرة أمتار، من أجود أنواع التربة، ولا ينبت فيها شيء إلا الأثل وشيء من سدر قليل، كما أخبر الله، والماء يجري إلى اليوم، وإذا جاء السيل فإنه يجري جرياناً كأنه نهر عظيم، والتربة خصبة ولا يوجد إلا أثل وشيء من سدر قليل، فالذنوب وأثرها يتعدى إلى الأرض فلا تنتج بل تجدب، يتعدى إلى الدواب، فتعذب البهائم بالقحط، وتعذب بالزلازل والغرق، فما ذنب البهائم؟! لا ذنب لها، ما الذنب إلا ذنب من عصى الله وجاهر الله ﵎ بالمعاصي وأعلنها، فهذا هو البطر.
ماذا قالت سبأ لما بطرت النعمة: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرىً ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨] حكمة من الله ورحمة منه أن أعاد لهم مرة ثانية شيئاً من الخير في الأرض، وجعل بينها وبين القرى التي بارك فيها - بلاد الشام - قرىً ظاهرة ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨] تجارة وأمن وقرى ظاهرة، تمشي في الصباح من قرية وتبيت في قرية، فماذا قالوا؟ ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ:١٩] يريدون المشقة والتعب ويريدون أن يتذوقوا متعة الرحلات.
فحالة البطر والملل التي تصيب الإنسان معروفة اليوم حتى عند علماء النفس والاجتماع، لو وجدت شاباً نشأ في ترف لا تصادفه أي مشكلة أبداً، كل شيء مهيأ له تجد أنه يحاول أن يفتعل مشكلة كبيرة يجرها على نفسه أو على أبيه أو على المجتمع، حتى يعاني من مشكلة، فهو لا يريد أن يعيش من دون مشاكل.
هذه حالة هؤلاء القوم ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سبأ:١٩] أين هم؟ لم يبق من أولئك القوم إلا أحاديث يتحدث بها في المجالس، ذكريات عابرة، هذا الذي بقي من أمة عظيمة كانت تطغى وتتجبر على خالق الأرض والسماء لما عصت الله ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّق﴾ [سبأ:٩] فهذه حالتهم.
стр. 629
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هناك أكابر المجرمين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، إذا تآمروا وإذا تُرِكَ لهم الحبل على الغارب، وأطلق لهم العنان، ولم يضرب على أيديهم، ولم يؤطروا على الحق أطرا، فهذا من أعظم أسباب دمار الأمم والشعوب.
يقول الله عن قوم صالح: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل:٤٨ - ٤٩].
فالذين كانوا يمثلون دور أكابر مجرميها، ودور مترفيها، كانوا تسعة، وقالوا: لا بد أن نقضي على صالح، ولا بد أن نقضي على الناقة، فانطلق أشقاها فضربها بسهمه، فماذا كانت النتيجة؟ ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل:٥١] دمر التسعة ومن معهم! وما ذلك إلا لأن العاقل لم يأخذ على يد السفيه، ولم يضرب عليه.
стр. 630
المحاباة في حدود الله
بيَّن النبي ﷺ سبباً عظيماً من أسباب هلاك الأمم ودمارها، يقول ﷺ : ' إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه﴾ إذا عطَّلنا أحكام الله مراعاةً لحال فلان (هذا قريب) (هذا بعيد) (هذا شريف) فتدخل الشفاعة في حدود الله، وتقام على الضعفاء ولا تقام على الكبراء، فهذا مما يمهد لكي يكون المترفون أكثر قوة وتمكناً، حتى أن أحدهم لا يخاف من أي شيء، لأنه مطمئن أن أي شيء يقع فبيده أن يتخلص منه، فإن خُوِّف بعذاب أو بأمر أو بعقوبة، قال: العقوبة أستطيع أن أدفعها، وإن خوف بالفقر فهو يرى أنه أغنى من في المجتمع أومن أغنى الناس، وهكذا البطر حين يأتي إلى هذه القلوب.
فالأمة التي تقيم حدود الله على ضعفائها ولا تقيمها على أشرافها أمة معرضة للهلاك والدمار، فلا بد من إقامة أمر الله وحدود الله على الصغير والكبير، حتى ينزجر الناس ويرتدعوا، فتسلم بذلك الأمة، وتنجو من عذاب الله ومن عقوبته، وبغير ذلك فإن الناس لا يزدادون إلا قسوة، مهما رأوا من نذر العذاب، فإن القلوب إذا قست وإذا غفلت عن الله لا يؤثر فيها عبرة ولا موعظة، فهذان مثلان حالهما واحد.
стр. 631
مجاهرة الله بالمعاصي
يقول سد سد قائد جيوش الانجليز في الحرب العالمية الثانية: ' لما كانت الطائرات الألمانية تضرب لندن كل يوم، وتنزل عليها الأمطار من القنابل، اضطر الناس إلى أن يضعوا المسارح والمراقص تحت الأرض ويقول العاملون فيها: إن الإقبال على المراقص وعلى المسارح وعلى شرب الخمر تضاعف، ويتضاعف عند القصف الألماني على البلد'.
وفي بلد آخر عربي ما هو منا ببعيد نفس المشكلة، يقولون: إن المراقص والمسارح تحت الأرض، فإذا تقاتلت المليشيات، ينزلون فيسكرون ويرقصون، فإذا أُعلنت هدنة مؤقتة عادوا إلى بيوتهم! لا تظن أن الإنسان إذا ابتعد عن الله يمكن أن يعظه أي واعظ أو أي زاجر، ولهذا لما ذكر الله الأمم التي أهلكها، وما تركت من آبار معطلة وقصور مشيدة قال بعد ذلك: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] فالقلوب إذا عميت ترى الآثار شاخصة ولكنها لا تعتبر ولا تتعظ، يمر بقصر مهجور، وببئر معطلة، ويمر بآثار العذاب -وقد يكون قريب منه ولكنه في غفلة، ولو عرضت عليه أسباب اللهو، لانتهزها فرصة، وترك العبرة والموعظة، وهذا لا يفعله حيوان، فالحيوان إذا رأى حيواناً يذبح فإنه يفر، ويخاف، وأما هؤلاء الناس فإنهم يرون الدمار والخراب، ويستمرون في معصية الله ويعرضون عن طاعة الله وذكره، ولهذا كان التهديد من الله: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ [الأعراف:٩٧] في أثناء هذا الليل الطويل من السكر والعربدة واللهو ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف:٩٨] اللعب العام، فحياتهم كلها لعب، أو اللعب الخاص حين يجتمع في الملعب خمسون ألفاً أو مائة ألف ليس فيهم من يصلي -نسأل الله العفو والعافية- فماذا يريدون؟ ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩].
نعوذ بالله من الأمن من مكر الله، ونعوذ بالله من الخسارة والدمار، ونسأل الله تعالى أن يحفظنا، وأمتنا، وإخواننا المسلمين من أسباب عقوبته وانتقامه، وأن يردنا إليه رداً حميداً؛ إنه سميع مجيب، والحمد لله رب العالمين.
стр. 632
وسائل الوقاية من الانهيار
يقول الشيخ عبد الله المحمدي: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، أما بعد: إن علاج هذا الموضوع بسيط جداً، ويتلخص في اتباع كلام الله، وسنة رسوله ﷺ ، وأول علاج هو عدم الشرك بالله، ثم عدم الابتداع في دين الله، ثم عدم الاختلاف بين المسلمين، وهذه سوف أترك الكلام فيها على الشيخ سفر، لكن أطرق علاج المشكلة من جوانب اجتماعية حذَّر منها الله ورسوله والإسلام.
стр. 633
محاربة الزنا
فأول هذه المشاكل الاجتماعية التي تؤدي إلى انهيار الأمم وإلى الخسف والمسخ هو الزنا، يقول النبي ﷺ فيما يرويه عنه ابن عباس: ﴿إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله﴾ رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما، ولم يخرجاه.
وكذلك يقول النبي ﷺ فيما يرويه ابن عباس: ﴿ما ظهر الغلول في قوم قط إلا ألقي في قلوبهم الرعب، ولا فشا الزنا في قوم قط إلا كثر فيهم الموت﴾.
وكذلك يقول النبي ﷺ فيما ترويه ميمونة ﵂: ﴿لا تزال أمتي بخير ما لم يفشُ فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا، فيوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده﴾ رواه الإمام أحمد.
ويقول ابن القيم ﵀: 'إن الزنا من أسباب الموت العام، والطواعين المتصلة، ولما اختلطت البغايا بعسكر موسى ﵇ وفشت فيهم الفاحشة، أرسل الله عليهم الطاعون، فمات في يوم واحد سبعون ألفاً' فعوامل انهيار الأمم تكمن في موتهم بطاعون أو بغير ذلك.
وإن أعظم نتائج الزنا اليومك انتشار الأمراض الجنسية وغيرها، من الزهري والسيلان والهربز والإيدز، هذه التي بدأت تفتك بالمجتمع الغربي اليوم حتى بدأت جذورها تنتقل إلينا.
إننا في معالجة هذا الموضوع لا بد أن نضع نصب أعيننا أن نمنع الفاحشة بين المؤمنين، فإن الفاحشة ما انتشرت في قوم إلا عمهم الله بعقاب أو عمهم بمرض أو طاعون، كما قال النبي ﷺ ، ويكمن ذلك في تطبيق حدود الله بجلد الزاني إن كان غير محصن، أو برجمه إن كان محصناً، فوجود هذا الأمر هو أكبر علاج في القضايا الاجتماعية.
стр. 634
محاربة الربا
لأن الله قال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩] فأسباب الهلاك أن نعاند الله وأن نحاربه فكم من ربا في ديار المسلمين، وكم من المسلمين ممن يتعامل بالربا، حتى أصبحت البنوك الربوية تتفاخر، وأصبح أحدهم يُعلن عن قيامه منذ خمسين عاماً، ويعلن الآخر عن قيامه منذ ستين عاماً، ويعلن له في جميع الصحف والمجلات، وأصبح الكثير منا يؤمن بالربا ويتعامل به، ويحث عليه، نسأل الله السلامة والعافية!! أليس هذا مرضاً خطيراً وداءً عظيماً، إن من أسباب العلاج إن أردناه أن ننبذ ما سوى شرع الله كالربا والزنا وكل ما حرم الله .
стр. 635
القضاء على شرب الخمر
الخمر أم الخبائث كما سماها النبي ﷺ ، وليس هناك مجال لأذكر لكم الآيات والأحاديث في تحريمها، ولكن أبين لكم الجانب الذي تهدم فيه الخمر الأمم والشعوب.
أذكر لكم إحصائيات في دول أوروبا حيث انتشرت هناك الخمر، إحصائية تقول: إن (٦٦%) من جنايات الاعتداء على الأشخاص مرتكبوها هم من مدمني الخمر؛ لأن الذي يشرب الخمر يعتدي ويقتل، فهذا سبب من أسباب انهيار الأمم، وإحصائية أخرى تقول: نسبة المدمنين من مجرمي العنف (٨٢%) وفي جرائم القتل (٥٣%) ممن قتلوا بسبب الخمر، وكذلك في التشريد، والمتشردين، والمتسولين (٨٠%) من الخمر.
следующие страницы →