← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

المشتاقون إلى الجنة اسمع إلى الأولين كيف كانوا يشمرون إلى هذه الجنة، وانظر لنفسك هل أنت من المتسابقين إليها؟ أم أنت ممن تستمع إلى بعض صفاتها، ثم بعدها ترجع إلى حالك السابق، أغاني، وزمر، وطرب، ونوم عن صلاة، وقلة ذكر، وعدم قراءة قرآن.

стр. 1122

قصة أبي قدامة مع امرأة وابنها يقول أبو قدامة الشامي: خطبت في الناس وكان وقت جهاد في سبيل الله، فتكلمت في فضل الجهاد، وحث الناس على الجهاد، فلما نزلت من الخطبة جاءتني امرأة فنادتني فقالت: يا شيخ! فالتفت فإذا بامرأة، فتركتها، فقالت: يا شيخ! قال: فالتفت فإذا هي تنادي فتركتها، فقالت لي: يا شيخ! والله لتقف، فوقفت واستمعت إليها، ماذا تريد فقالت لي: يا شيخ! سمعت خطبتك عن الجهاد، فوالله لا أملك شيئاً أجاهد به إلا هذا الظرف فخذه واستعمله في الجهاد في سبيل الله، يقول: فأخذت هذا الظرف، وذهبت المرأة، يقول: ففتحت هذا الظرف فإذا فيه ظفيرتان، قد قصت شعرها ووضعته في ذلك الظرف، لا تملك غيره، وأي شيء أعظم عند المرأة من شعرها، ما عندها مال، ولا دارهم، ولا تستطيع أن تجاهد فقصت شعرها، ووضعته في ذلك الظرف، ليستخدم في الجهاد في سبيل الله. يقول: فربطت به فرسي، وصعدت على الفرس لأذهب إلى الجهاد، يقول: فلما ذهبنا، فإذا بصبي يناديني، فقال لي: يا شيخ! قلت: ماذا تريد؟ قال: يا شيخ! قلت: ماذا تريد؟ قال: احملني معك للجهاد في سبيل الله، قلت: يا بني أنت صغير والله قد عذرك، قال: أقسمت عليك لتحملني معك للجهاد في سبيل الله، يقول: فقلت له: بشرط واحد، قال: وما هو الشرط، قال: إنك إذا مت ولقيت الله جل وعلا أن تشفع لي عند الله؛ لأن الشهيد يشفع في سبعين من الناس يا عبد الله! يقول: فقال لي: نعم، فحملته على فرسي، ردفته، يقول: ودخلنا في الجهاد، وبدأت المعركة، وحمي الوطيس، وفي أثناء المعركة ناداني ذلك الغلام الصبي، فقال لي: يا شيخ! فقلت: ماذا تريد؟ فقال: أعطني سهماً، قال: اترك السهم لأهله، قال: أعطني سهماً، يقول: فأعطيته ثلاثة أسهم، يقول: فوضع السهم في النبل، ثم قال: باسم الله، فرمى السهم فأصاب به نصرانياً فقتله، وأخذ الآخر فقال: باسم الله، يقول: فرمى به الآخر فقتله، يقول: وأخذ الثالث فقال: باسم الله، فرمى الثالث وقتله، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. يقول: وبعد الثلاثة أصيب بسهم في صدغه، فسقط من على الفرس، فنزلت إليه أسعفه، فنظرت إليه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة يحتضر، فقلت له: يا غلام يا غلام لا تنسى العهد الذي بيني وبينك أن تشفع لي عند الله، فقال: يا شيخ! خذ هذه وأعطها لأمي، يقول: فأخذت خرقة، فقلت له: ومن أمك يا بني؟ فقال ذلك الغلام: يا شيخ! أمي صاحبة الظفيرتين، أمي صاحبة الظفيرتين، أمي صاحبت الظفيرتين، وفارق الدنيا. يقول: فرجعنا من المعركة، وطرقت الباب، فخرجت لي بنت، فقلت لها: أين أمك؟ فقالت هذه البنت: بشرنا يا شيخ! عن أخي، فقال: أخوك قد استشهد في المعركة في سبيل الله، فقالت البنت: الحمد لله، الحمد لله، مات أبي فاحتسبناه عند الله، ثم مات أخي الكبير فاحتسبناه عند الله، الآن يموت أخي الصغير فنحتسبه عند الله، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الله أكبر كيف كانوا يتسابقون إلى الجنة ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].

стр. 1123

حنظلة وشوقه إلى الجنة أسمعت بـ حنظلة يا عبد الله؟! هذا الصحابي الجليل، في ليلة عرسه، وأي ليلة أعظم من هذه الليلة لأهل الدنيا؟ في ليلة عرسه يجامع الزوجة، فإذا به يسمع صيحة الجهاد، حي على الجهاد، حي على الجهاد، يا خيل الله اركبي، يا خيل الله اركبي، فينتفض من فراشه، ثم يقوم فيركب على فرسه، ثم يذهب إلى الجهاد في سبيل الله فيقاتل حتى يموت ويستشهد، يقول ﵊: (الله أكبر لقد رأيته بين السماء والأرض تغسله الملائكة). عبد الله: هلا كنا كأمثال هؤلاء، الواحد منهم يشم رائحة الجنة وهو على الدنيا.

стр. 1124

أنس بن النظر وشوقه إلى الجنة أسمعت بـ أنس بن النضر في غزوة أحد، ينظر إلى سعد جالساً فيقول ل سعد: [يا سعد! ما الذي أجلسك؟ فيقول: لقد مات رسول الله، فيقول: وماذا تصنع بالحياة بعد رسول الله؟ قوموا فموتوا على ما مات ﵊، فيتقدم في المعركة ويقول لـ سعد: يا سعد! واه لريح الجنة، واه لريح الجنة، إني أجدها دون أحد] ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:١٠ - ١٢]. أتظن أن الشهيد إذا مات فإنه في حفرة ضيقة؟ لا. إن روحه معلقة في الجنة، في حواصل طير يطير في الجنة إلى أن تقوم الساعة، يا عبد الله! لا تظنهم أمواتاً ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]. لقد ذهب الناس، ولقد سبق المفردون، ولقد وصل بعض الناس وهو على الدنيا يمشي لقد وصل إلى الجنة. (يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) أتعرف ما صفة هذا الرجل الذي مشى على الدنيا وكتب من أهل الجنة؟! (إذا نام فإنه لا يحمل في قلبه على أحد من المسلمين غشاً، أو حسداً، أو غلاً) أهل الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] تعرف كيف دخل الجنة؟! سلَّم صدره على المسلمين، وأحسن الظن بإخوانه، وأحب في الله جل وعلا، ولم يبغض إلا لله جل وعلا، لا لحظوظ نفسه ولا لهواه. عبد الله: أهل الجنة دخلوا الجنة بصلاة آخر الليل، وبصيام أول النهار يا عبد الله! فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم وحي على روضاتها وخيامها وحي على عيش بها ليس يسأم فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قريب ستندم أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم وتشهد أعضاء المسيء بما جنى كذاك علا فيه المهيمن يختم عبد الله: ونحن في هذه الليلة المباركة، ما يدريك لعلك في هذه الليلة يكتبك الله من أهل الجنة، وماذا تريد من الدنيا إذا كتبك الله من أهل الجنة؟! عبد الله: جاهد نفسك ألا يمر رمضان إلا وقد غفر الله ذنبك (رغم أنفه من أدرك رمضان ولم يغفر له). عبد الله: جاهد نفسك ألا تمر هذه الليلة، إلا وقد أعتقك الله من النار. عبد الله: أتعرف ما هو السبيل، السبيل دمعتان آخر الليل، أو في سجود، وأنت رافع يديك إلى الله، تذكر ذنوبك السابقة، ثم ترجو رحمة الله، ثم تدمع العين، ثم يتوب الله عليك.

стр. 1125

قصص رجال تابوا إلى الله اسمع إلى هذا الرجل، يقول عن هذا الشاب الذي قد أهلته الدنيا وأضاعته بين الشهوات، والملذات، كيف ختم الله له. اسمع يا عبد الله ولعلك تكون من هؤلاء الرجال، يقول: رأيته يكلم فتاة في الطريق، فأتيت لأنصحه، يقول: لما اقتربت منه هربت الفتاة، فجئت لأنصح هذا الشاب، فإذا به يستمع، يقول: وأنا أنصحه لمدة نصف ساعة، يقول: فلما ختمت الكلام ذرفت عيناه بالدموع، بكى، (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) هل لك أن تبكي من خشية الله، يا عبد الله؟ إذا أردت الجنة هذا طريقها، يقول: فبكى، ثم قلت له: يا فلان أعطني رقم هاتفك، يقول: فأعطاني رقم هاتفه، يقول: وبعد أسبوعين تذكرته، فاتصلت عليه، فقلت: فلان تذكرني؟ قال: نعم، قال: وكيف أنسى صوتاً كان سبباً لهدايتي، قال: الله أكبر اهتديت، قال: والله منذ تلك الكلمات وقد شرح الله صدري، لا أفارق المسجد ولا القرآن، قلت: أزورك الليلة، قال: متى؟ قلت: بعد صلاة العصر، قال: فشغلني شاغل، وجئته في الليل فطرقت الباب، فقلت: أين فلان؟ قالوا: من تريد؟ قلت: فلان، قالوا: دفناه قبل ساعة ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٩] فقال لي هذا الشيخ الكبير: ومن أنت؟ قال: عرفت ابنك قبل أسبوعين، قال: دعني أقبل رأسك قال: لِمَ؟ قال: دعني أقبل رأساً أنقذ ابني من النار. عبد الله: لا تضمن أنك ستخرج من هذه الخيمة، ولا تتيقن أنك سترى الشمس تطلع، ولا تضمن نفسك أنك إذا نمت أن تصحو من نومك. يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا وفي كل يوم لنا ميت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا يا نفس ما لي وللأموال أتركها خلفي وأخرج من دنياي عرياناً أبعد خمسين قد قضيتها لعباً قد آن أن تقصري قد آن قد آنا ما بالنا نتعامى عن مصائرنا ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا نزداد حرصاً وهذا الدهر يزجرنا كأن زاجرنا بالحرص أغرانا أين الملوك وأبناء الملوك ومن كانت تخر له الأذقان إذعانا صاحت عليهم حادثات الدهر فانقلبوا مستبدلين من الأوطان أوطانا خلو مدائن كان العز مفرشها واستفرشوا حفراً غبراً وقيعانا يا راكضاً في ميادين الهوى مرحاً ورافلاً في ثياب الغي نشوانا مضى الزمان وولى العمر في لعب يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا عبد الله: البدار البدار، السباق السباق، واعلم يا عبد الله أن من الناس من كتب الله له الجنة وهو يمشي على الأرض، فكن من هؤلاء النفر. نسأل الله أن يعتقنا وإياكم في هذه الليلة من النار، وأن يكتبنا في دار الأبرار، وصلى الله وسلم على سيد الأبرار وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1126

أين المصير ؟ إن الذي يتفكر في حال من مضوا يعلم يقيناً أن مصيرهم إما إلى نار تلظى أو إلى جنة عرضها السماوات والأرض، والله قد بين لنا كلا الطريقين، فمن أراد أن يكون مصيره الجنة فالطريق واضح ولكنه شاق، ومن أراد أن يكون مصيره النار فالطريق أيضاً واضح وسهل، فالجنة قد حفت بالمكاره والنار بالذي النفس تشتهي.

стр. 1127

ضرورة التفكر فيمن مضوا الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه. وبعد: مر عمر بن عبد العزيز ﵀ بعد أن صلى الناس العيد -وكان في وفد، وهو على بغلته، وكان أميراً للمؤمنين- على مقبرة فقال للوزراء وللحشم والخدم: انتظروا قالوا: إلى أين؟ قال: إلى المقبرة، فذهب إلى المقبرة ووقف عندها وأخذ ينظر إلى القبور، إلى الذين مضوا من الناس، فقال ﵀: أتيت القبور فناديتها فأين المعظم والمحتقر تفانوا جميعاً فما مخبرٌ وماتوا جميعاً ومات الخبر فيا سائلي عن أناسٍ مضوا أما لك فيما مضى معتبر تروح وتغدو بنات الثرى فتمحوا محاسن تلك الصور فجثا على ركبتيه وأخذ يبكي ﵀. أما تعتبر أيها الأخ! أناسٌ مضوا، كم من قريبٍ لك سمعت خبره فإذا هو قد قضى، وكم من صاحبٍ لك كان يضحك ويمشي ويلعب كان يبني الآمال، وكان يحلم أنه سوف يتزوج ويبني ويحصل على الأموال، وسوف يسافر، وينجب، ويفعل ويفعل ولكن الموت كان أسرع من هذا، قضى حياته ولم يكمل أعماله وأشغاله في الدنيا، ألا تعتبر؟! سوف نتكلم بهذه الكلمات أيها الأخ العزيز! وحاول أن تصبر معي، فإنك بإذن الله في مجلسٍ من مجالس الرحمن، وفي روضة من رياض الجنان، فاستمع واصبر لعل الله أن ينفعك بهذه الكلمات، وما يدريك لعلنا أن نقوم من هذا المجلس فيقال: (قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات) وما يدريك لعل الله يطلع علينا في هذا المجلس فيغفر لجميعنا حتى من أتى لحاجة، فتقول الملائكة: (يا رب إن فيهم فلاناً إنما أتى لحاجة، فيقول الله : هم القوم لا يشقى بهم جليسهم) ولو كان لحاجة. أين المصير؟! انظر إلى الناس من حولك: هذا يعلب ويلهو، وهذا يصلي ويسجد ويركع، هذا يذهب ويسافر للزنا وللخنا، وهذا يسافر للعمرة وللجهاد، وهذا يجمع المال لينفقه في المعاصي، وهذا يجمعه لينفقه في الطاعات. أين المصير؟!

стр. 1128

التذكير بالذنوب يوم القيامة إنه يوم الجمع ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩] سوف نبدأ معكم -هذه الليلة- في جلسة نتكلم فيها عن المصير، مصير مَنْ؟ مصير الناس جميعاً، المؤمن والفاجر، المسلم والكافر، سوف نتكلم عن مصيرهما في هذه الدقائق باختصارٍ شديد، واسمع وسل نفسك أي المصيرين تختار؟ أخي العزيز: سل نفسك ماذا تريد، هذا المصير أو ذاك؟ في أي الفريقين تريد أن تكون ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]؟ يأتي ذلك العبد المذنب الفاجر الذي أمضى ليله ونهاره في المعاصي، يستمع إلى الأذان فيولي، يدعوه ربه للزكاة فيمنع ويجمع، يأمره الله بالطاعة، بالذكر بالصلاة بالعبادة بالصيام فيصد ويولي، طالما أتاه رجلٌ صالح، فقال: يا أخي! اتقِ الله، وأعطاه شريطاً، وأهداه كتاباً، وزاره ونصحه ووعظه، لكنه أدبر واستكبر وأصر على المعاصي. يلقى الله يوم القيام، فيقول له الرب ﵎: عبدي! ألم أصح لك جسدك؟ ألم أسقك من الماء البارد؟ أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر يوم أن ذهبت في تلك الليلة وواعدتها ولقيتها ففعلت ما فعلت؟ أتذكر تلك الليلة التي دخلت فيها في البيت وفتحت التلفاز ونظرت، أتحسب أنني لم أكن أراك ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة:٧٨] عبدي! ألم تذكر ذلك الموقف الذي أهداك ذلك الرجل الصالح شريطاً أو كتاباً، أو نصحك أو بلغك أو وعظك، فصددت واستهزأت واستكبرت وأصررت على المعاصي، أتذكر كذا أتذكر كذا؟ ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] وأنت تقول: رب أبصرت، رب أيقنت، نعم إن هذا لهو الحق، يا رب رأيت النار ورأيت الجنة، يا رب إن هذا لهو الحق المبين، أرجعني أعمل صالحاً غير الذي كنت أعمل، ولكن هل ينفعه الندم؟ وهل تنفعه الحسرة؟ كلا. وإنما يعض على كلتا يديه ويقول: ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٨].

стр. 1129

عذاب النار الآن يبدأ المصير، والآن تبدأ الجلسة، والآن استمع وتخيل، وإياك إياك عبد الله أن تتواكل على رحمة الله وتنسى أن الله شديد العذاب، يقال له -والله ينظر إليه ويكلمه-: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٠ - ٣٢] سلسلة كل حلقة منها كحديد الدنيا، تدخل هذه السلسلة في منخره وتخرج من دبره، ثم يجر على وجهه إلى جهنم، فلما يقترب منها ينظر إلى الملائكة تستقبله في النار، فتقول له الملائكة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٧١] فتذكر هذا المجلس، وتذكر هذه الكلمات -التي أنت تسمعها الآن- إن لم يوفقك الله للتوبة. يدخل النار الفاجر فماذا يرى فيها وقد فتحت أبوابها؟ أول ما يدخلها يجدها سوداء مظلمة، لا يستطيع أن يرى فيها شيئاً، نارٌ سوداء والعياذ بالله ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٢ - ٣٣] إذا دخلها الفاجر يتذكر ذنوبه في الدنيا، ما نفعته تلك المرأة! أين أمواله التي كان يجمعها؟ ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩] ما نفعه ذلك الجاه! أين منصبه؟ أين خدمه؟ أين حرسه؟ أين ذلك المنزل الذي كان لطالما ترك الصلاة لأجله؟ كان يجلس في البيت فيؤذن المؤذن فيستمر في تنظيفه وتلميعه وترتيبه، فينسى ذكر الله والصلاة، هل نفعه البيت؟ أم نفعته تلك الأرصدة التي كان يعدها عداً؟ المسكين يحسب أن ماله أخلده! أم تنفعه تلك المرأة التي كان يتبعها ويلحقها ويركض خلفها، وينسى ذكر الله والصلاة والعبادة وقيام الليل والدعاء؟ نسي كل هذا، ثم أول ما يرى جهنم ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ﴾ [الفجر:٢٣] يتذكر ماذا؟ ذنوبه في الدنيا ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] يتذكر يوم كان أمام الناس صالح، أما إذا جلس لوحده في البيت يفعل ما يفعل، كلما خلا بمحارم الله انتهكها، لا يرده عن ذلك شيء، إنما كان يعبد الناس لا يعبد الله، كان إذا صلى يرائي، وإذا تصدق يرائي، وإذا حج يرائي، وإذا اعتمر يرائي، وإذا صام يرائي، كل أفعاله رياءٌ في رياء، فإذا اختلى بمحارم الله انتهكها، الآن يبدأ مصيره، إذا دخل النار -أعاذنا الله وإياكم منها- ماذا يجد في النار؟ ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:٣٨] يرى أصحابه في النار، من هم؟ الذين كانوا يصدونه عن الذكر وعن الصلاة. وعندما قرر في يوم من الأيام التوبة وعزم عليها، وقال: إني تبت الآن، وقال: يا رب عوداً إليك، هذا عهد جديد بيني وبينك فلما ذهب إلى الصلاة ناداه صاحبه فقال: يا فلان عندنا سهرة! يا فلان تعال معنا نسافر! تقول له: أصلي، يقول لك: تصلي وأنت الآن شباب! لا تضحك على نفسك، لا تتعقد ولا تتزمت، تعال معنا وتشبب، قال: أريد أن أذهب إلى الصالحين، قال: إنهم معقدون، إنهم إرهابيون، إنهم متشددون، تعال معنا نتمتع بالحياة. ثم إذا دخل إلى النار رأى صاحبه قد سبقه إليها ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف:٣٨] الآن اجتمعوا كلهم في النار، ماذا يطلبون؟ ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف:٣٨] يا رب! هذا الذي أضلني، يا رب! لطالما كنت أريد التوبة فصدني عنها، يا رب! كلما أردت التوجه إليك صدني ومنعني وأغراني بالمعاصي، يا رب! يا رب! ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]. فيرد الله عليهم جميعاً: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨] كل واحد منكم سوف نزيده الضعف في العذاب لماذا صددت عن ذكر الله؟! فصاحبك ما ربطك؟ وما قيدك؟ وما منعك من الصلاة؟ وما كان له عليك من سلطان إلا أن دعاك فاستجبت له أيها الضال الكافر! ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]، وإذا دخل أهل النار النار يحترقون فيها ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى﴾ [المعارج:١٥]. يا عبد الله! يا من أغرته الملاهي! يا من أغرته الأغاني! يا من كان طوال حياته يجمل وجهه! يتزين أمام المرآة! ويذهب إلى دولٍ كثيرة يطلب الصحة والعافية! يا من كان يجمع المال ويعده عداً، أتعرف ماذا يأكل أهل النار؟ أم ماذا يشرب أهل النار؟ أم كيف يعيش أهل النار؟ عبد الله: إياك إياك أن تكون موقناً أنك لست من أهلها، إن الرجل العاقل هو الذي يخاف من النار ويخاف أن يقع فيها. أما لباسهم فقد قال الله عنه: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم:٥٠] نحاس مذاب، أرأيت النحاس المذاب كيف يكون حاراً لا تستطيع أن تضع يدك عليه؟ إنهم يلبسونه لبساً ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩]. أما الفرش: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ [الأعراف:٤١] ينامون على النار، ويلبسون النار، فماذا فوقهم؟ ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] أتريد ظلاً؟ أتريد برداً؟ ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر:١٦] النار من فوقهم، ومن تحتهم، وعن أيمانهم، وعن شمائلهم، النار يلبسونها لبساً. أما طعامهم فيخبر الله عنه بقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة:٧٤] أما الطعام فإنه النار نعوذ بالله، قال بعض السلف: "إن عذاب الجوع في النار يعدل عذاب النار كله" يجوعون فيطلبون الطعام فيعطيهم الله طعاماً أتعرف ما هو؟ يا من أغراه طعام الدنيا فأكل الحرام وقد أغناه الله بالحلال! يا من كان لا يكفيه طعام الدنيا، فيأكل من هذا، ويتلذذ بهذا، حتى وصل إلى الحرام فبدأ يأكل منه! أتعرف ما عقوبة أهل النار وماذا يأكلون؟ يأكلون من الزقوم: (لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم) كيف بمن يكون طعامه؟! عبد الله: إن الأمر حقيقة، لا تظن أن الأمر هزل ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة:٤٠] ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:١٤]. ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤] يأكلونها، أتعرف ما الذي يحصل بعدها؟ ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥] إذا أكلوا الزقوم فإن البطون تغلي ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٦] ثم ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٤٧] يدفع دفعاً، ويسحب سحباً إلى وسط الجحيم، ثم بعد هذا ماذا؟ ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٨] ثم بعد هذا ماذا؟ ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩] كنت عزيزاً في الدنيا، كنت في الدنيا إن دخلت مجلساً قام الناس لك، وإذا مررت في مكان هابك الناس، وسلموا عليك ولم يستطع أحدٌ أن يتكلم في مجلسك؛ لأنك أنت العزيز الكريم، والآن ذق إنك كنت في الدنيا تتكبر على الناس وتتفاخر عليهم، أما اليوم فذق إنك أنت العزيز الكريم. يجوعون فيأكلون طعاماً، واسمع إلى هذا الطعام ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:٦] نباتٌ فيه شوك، يأكلونه، أتعرف ماذا يحدث لهم؟ ﴿وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً﴾ [المزمل:١٣] تغص به الحلوق، فلا يستطيع أن يخرجه ولا أن يبتلعه، فيطلب من الله الماء ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩] أردت الماء؟ تُعطى الماء ولو كنت من أهل النار، فلما يقترب من الماء تسقط فروة رأسه من شدة حره -الأمر حقيقة- ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩]. عبد الله: هل لا زلت مستمراً على الأغاني؟! أبعد هذا لا زلت تصر على ترك الصلاة؟! أبعد ما سمعت من عذاب أهل النار لا زلت تصد عن ذكر الله؟! إن أنت إلا في غرور، إي والله إنك في غفلة، توشك أن تكون ميتاً. استمع أيضاً إلى عذاب أهل النار ولعلك إلى الآن لم تستجب، وإلى الآن لم يرق القلب، وإلى الآن المسكين يظن أنه يقوى على عذاب النار. أما إن سألت عن أهل النار وعما يحصل لهم من عذاب؟ إنهم في النار ينظرون إلى أهل الجنة يتنعمون، وهو في النار يقول الله له: انظر هذا مكانك في الجنة؛ ليزداد حسرة على حسرة ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ:٣٣] كل هذا الحر وكل هذه النار وكل هذا الجحيم، ومع هذا توضع الأغلال في عنقه، يشوى في النار كما يشوى الجراد والسمك، أرأيت كيف يشوى على النار؟ (ناركم هذه جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم). أسمعت عن صرخات أهل النار؟ يقول تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧] ربي أرجعني إلى الدنيا، والله لن آكل درهماً ربا، سوف آمر زوجتي وبناتي بالحجاب، وأؤدي زكاة مالي، ولن أتخلف عن صلاة الفجر يوماً واحداً، يا رب أرجعني إلى الدنيا وسوف وسوف فيرد الله عليه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧]. فهم في النار قد أنهكهم حرها ولهيبها، وباتوا من الجوع والعطش يأكلون -أجاركم الله- من صديد أهل النار، إن جلودهم تتشقق فيخرج منها الصديد فيأكلونه قبل أن تحرقهم النار ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٥ - ١٦] أتعرف ما معنى: نزاعة للشوى؟ ينفصل الجلد واللحم عن العظم من شدة حرها ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] إلى متى؟ هل يخف العذاب في النار؟ لا. ولكن يقول الله: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَاباً﴾ [النبأ:٣٠]. ثم ينظرون إلى مالك خازن النار ويقولون له: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] يا مالك! نتمنى أن نكون تراباً في النار يا مالك! نريد الموت. يا مسكين! ما طلب الله منك شيئاً، وإنما أراد منك خمس صلوات في اليوم والليلة فأبيت إلا النار! ما أراد الله منك إلا جزءاً يسيراً من المال تؤدي به زكاة مالك فأبيت إلا النار، ما طلب الله منك شيئاً، أحل لك النعم كلها وحرم عليك بعضها، أحل لك النكاح فأبيت إلا الزنا، أحل لك جميع أنواع الشرب والمشروبات فأبيت إلا الخمر أن تشربها، ما طلب الله منك شيئاً لكنك أبيت إلا النار. ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] فيرد عليهم مالك بعد ألف سنة فيقول لهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] إنكم ماكثون في هذه النار، والسبب: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الزخرف:٧٨] أتذكرون ذاك اليوم في ذلك المجلس؟ أتذكرون تلك الخطبة؟ أتذكر ذلك الشريط الذي استمعت إليه؟ أتذكر ذلك المجلس الذي جلسته وحدثك به رجلٌ صالح؟ أتذكر صاحبك الذي مات فلم تتعظ؟ أتذكر يا فلان؟! ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨]. لا ملجأ من الله إلا إليه، ليست هناك رحمة إلا رحمة الله، ليس لهم إلا الله فيلجئون إليه، ويدعون الله وهم في النار، فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] الآن تعترف، الآن لا ينفع الندم، فلطالما طلب منك الصالحون أن تلتزم وتهتدي ولكنك كنت تصر وتستكبر وتعاند، ثم الآن تعترف: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] ماذا تريدون؟ ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] أعطوا الله العهود والمواثيق، ووعدوا الله : يا رب أخرجنا من النار فإن عدنا إلى ذنبٍ واحد فإنا ظالمون، يا رب أرجعنا إلى الدنيا فإن عصيناك معصية واحدة ولو كانت صغيرة إنا ظالمون، ما هي الإجابة؟ ماذا تتوقعون أن يرد الله عز جل عليهم؟ ماذا تظنون أن الله يجيبهم وهم يحترقون في النار، وهم يصطلون بحرها ونارها وسمومها وجحيمها وزقومها، والغسلين والغساق، ماذا تتوقعون أن يجيبهم الله بعد قولهم؟ ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] تأتي الإجابة بقوله : ﴿اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] وبعد هذا لا ينطقون، بعد هذا يعلمون أنه خلود فلا موت، خلودٌ يا عبد الله! هل لك أن تتصور ولو لدقائق ما معنى خلود في هذه الحياة؟ ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ [الأعلى:١٣] أتظن أنك تستطيع أن تتحمل ذلك الحر؟ أم ذلك الجحيم؟ أم تلك النار؟ إن فروج الزواني لتسيل بالدم والقيح فيأكله أهل النار، إن في الجحيم عذابٌ والله لو نتخيله لا يستطيع أحدنا أن ينام الليل، إن أهل النار ليبكون ثم يبكون ثم يبكون فتنقطع الدموع فيبكون الدم؛ من شدة حسرتهم ومن الندم الذي يصيبهم. عبد الله: هذا مصير مَنْ؟ مصير أهل الأغاني والطرب، مصير الذين صدوا عن الصلاة وعن ذكر الله، مصير الذين ألهتهم الحياة الدنيا، وغرتهم زخارفها وزينتها.

стр. 1130

صفات الجنة وأهلها أما ذلك العبد الصالح -وأسأل الله أن يهديك لتكون صالحاً- الذي إن أذن المؤذن لصلاة الفجر وقال: الصلاة خيرٌ من النوم، وثب من فراشه وذهب إلى الصلاة وصلى وذكر الله. ذلك العبد الصالح لو كانت عنده من الأعمال ما عنده واستمع إلى (حي على الصلاة) رمى كل ما في يديه، ثم ذهب إلى المسجد يؤدي فريضة الله. ذلك العبد الصالح الذي إن جلس لوحده في البيت واختلى بمعصية من معاصي الله اتقى الله وصد وابتعد عن معاصي الله. ذلك العبد الصالح الذي إن جلس في مجلس يدار فيه منكر أنكره فإن لم يستطع خرج من ذلك المجلس. ذلك العبد الصالح ما تسمع منه إلا كل خير، إن نطق فبذكر الله، أو بغير معصية الله، ذلك العبد الصالح الذي أشغلته طاعة الله، وأشغلته محبة الله، ملأت قلبه طاعة الله ومحبته والشوق إلى لقائه، ذلك العبد الصالح ما مصيره؟ يقف بين يدي الله فيقول الله ﵎ له -وادع الله أن تكون من أولئك-: (عبدي أتذكر ذنب كذا؟ -ومن من الناس لا يعصي الله- أتذكر ذنب كذا؟ فيقول: أي ربي هلكت، فيقول الله له -لأنه تاب منها في الدنيا- سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يأخذ صحيفته بيمينه فيولي إلى الناس فيقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]). أيها الناس: في المحشر، ﴿اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] ماذا تجدون؟ إنها الصلاة، وذكر الله، والصدقة، والدعاء، والصيام، والعمرة، والجهاد. ماذا ترون؟ كل خير، إنها التوبة والاستغفار، إنه التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار. ماذا ترون؟ صلاة الضحى، وصلاة الوتر، والرواتب، والسنن، والنوافل. ماذا ترون؟ الدعوة إلى الله، وطلب العلم ونشره. ماذا ترون؟ ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩]. ثم يجتمع مع أصحابه في المحشر فيقول الله : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ [الزمر:٧٣] يجتمعون على أبواب الجنة، ماذا ينظرون؟ بل ماذا ينتظرون؟ ينتظرون نبيهم أفضل البشر يخرج من بينهم، ليفتح لهم باب الجنة، والجنة لها ثمانية أبواب وما يدريك لعلك تكون منهم؟ ما يدريك لعلك تكون من أول زمرة وأول فوجٍ يدخل الجنة؟ يأتي أفضلهم إلى باب الجنة وله حلقة فيأخذ بها ويطرق باب الجنة، والناس ينتظرون، إنهم يتشوقون، إنهم يتلهفون، إن ريحها تخرج منها من مسيرة سنوات طوال، ينظرون يريدون أن يدخلوها، فيفتح فيستفتح فيقول له الملك: من أنت؟ فيقول: أنا محمد، فيقول الملك: أمرت ألا أفتح لأحدٍ قبلك، فتفتح أبوابها، الله أكبر! ثم ماذا ترى؟ ترى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩] وجوه مستبشرة، ضاحكة فرحة، فإذا بباب الجنة يفتح، وإذا بالملائكة تنادي بالأسماء: أين فلان ليأتي من باب الريان؟ لأنه أكثر من الصيام أين فلان ليأتي من باب الصلاة؟ لأنه أكثر من الصلاة، وذاك أكثر من الصدقة، فيقال: أين فلان ليأتي من باب الصدقة؟ وذاك جاهد في سبيل الله، فيقال: أين فلان ليأتي من باب الجهاد؟ وبعضهم ينادى من بابين، الله أكبر! يختار أي البابين يدخل، وبعضهم من ثلاثة، وبعضهم من أربعة، وبعضهم من ينادى من أبواب الجنة كلها؟ أين فلان ليدخل من هذا الباب؟ أتعرف؟ أسمعت أن: (ما بين مصراعي باب الجنة مسيرة أربعين عاماً) تمشي من الطرف الأول للباب فلا تصل إلى الطرف الثاني إلا بعد أربعين عاماً وإنه ليأتي عليه يوم وإنه لكضيض، مزدحم بالناس، تخيل نفسك وقد أمر بك إلى الجنة، وأتيت إلى بابها، ووطأت قدماً فيها، فماذا ترى؟ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان:٢٠] تنسى هموم الدنيا كلها، أين تعب الصلاة؟ أم أين تعب الجهاد؟ أم أين تعب الصيام؟ والصدقة والنفقة؟ أين التعب كله؟ ذهب، بقيت الآن اللذة والسعادة، يدخل بقدم لا يأمن العقوبة، فإذا دخلت القدم الأخرى ودخل الجنة ماذا يرى؟! أما الأرض فبيضاء، أما إذا نظر إلى العلو فليس فيها شمس، كيف يرى الناس، أم كيف ينظرون؟ يأتي نورٌ من قبل عرش الرحمن، فيفيض على أهل الجنة نوراً. يدخلون الجنة فإذا الأرض بيضاء، تحت رجله ماذا يرى؟ حصباؤها اللؤلؤ، الياقوت، والزعفران تحت رجله يطأها بقدميه، يدخل في الجنة إلى أين يذهب؟ هل يعرف منزله؟ يعرف منزله أفضل مما كان يعرف منزله في الدنيا، يركض إلى منزله وقصره في الجنة، أتظنه كقصور الدنيا؟ لا. لبنة من فضة، والأخرى من ذهب، ثم من فضة، والأخرى من ذهب، وتخيل منظرها ليس كذهب الدنيا ولا كفضة الدنيا. يمر في الطريق ماذا يرى؟ يرى أنهاراً ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد:١٥] أتحسب أن أنهار الجنة أخاديد كالدنيا؟ لا، إن نهر الجنة يسكب على الجنة سكباً ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة:٣١] لا يجري في أخاديد بل يجري على الجنة هكذا، نهر من ماء غير آسن لا يتغير طعمه ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ﴾ [محمد:١٥] الله أكبر! هل لك أن تتصور نهراً من لبن؟ يجري ذلك النهر، وإذا أردت أن تشرب فاشرب، إذا أردت أن تغرف منه فاغرف منه ما شئت فإن هذا اللبن لا يتغير طعمه. ثم ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥] يا من استبدل خمر الجنة بخمر الدنيا، يا من استبدل الحلال بالحرام، أذكرك وأخبرك أن في الجنة يجري الخمر فيها جرياً، لذة للشاربين، ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩] يشربون من خمر الجنة ما شاءوا، أتستطيع أن تتخيل هذا؟ بل أزيدك نهراً رابعاً ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:١٥] هل تتخيل نهراً من عسل يجري؟ الله أكبر! الله أكبر! ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]. ثم يذهب إلى قصره فيرى عند القصر خيمة من لؤلؤة مجوفة، أتظنها كهذه الحجرة؟ لا. بل طولها في السماء ستون ميلاً، هل تظن أنك ترى آخرها؟ يدخلها صاحبها فإذا به يرى فيها أهلون، أتعرف صفتهم؟ أتعرف صفة زوجته؟ يعطى قوة مائة رجل، يجامع في اليوم الواحد مائة مرة ولا يتعب. قال ﵊: (لو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت على أهل الأرض لأضاءت ما بينهما -ما بين السماء والأرض- ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها -خمارها على رأسها- خيرٌ من الدنيا وما فيها) ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥] من الذي أنشأهن؟ إنه الرحمن ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ [الواقعة:٣٦] مهما تطأهن فإنهن أبكارا ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ [الواقعة:٣٧] متحببات لأزواجهن متساويات في الأعمار ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ [الواقعة:٣٧] لمن؟ ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٣٨] لأصحاب الصلاة، والصيام، وذكر الله، وقيام الليل، والجهاد في سبيل الله، ودين الله ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:٣٨ - ٤٠] إذا رأيت ساقها -وسوف أخبرك عن ساقها بلا حياء؛ لأنه أخبر بذلك ﵊ ترى مخ ساقها من وراء اللحم، ما أرقه، وما ألطفه، وما أنعمه، ترى العظم من وراء اللحم، أتظن كيف يكون شكلها؟ أم كيف يكون جمالها؟ يروى: أنه يجامع الحور فإذا به في لحظة يبزغ نورٌ عظيمٌ من فوقه يظن أنه الرحمن، فيقول: ما هذا؟ فتقول له امرأة وتنظر إليه فتقول: أما كان لنا فيك دولة؟ أي: أما اكتفيت بهذه فتأتي إلينا فتجامعنا، فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق:٣٥] فيجامعها فإذا به بعد لحظات يبزغ نورٌ عظيم فيقول: ما هذا؟ فتقول امرأةٌ ثالثة: أما كان لنا فيك دولة؟ فيقول: من أنت؟ فتقول: أنا من الذين قال الله فيهم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] على فرش من حرير، يلبسون الحرير، ينامون على الفرش، ويتكئون عليها، خدمهم كاللؤلؤ المنثور، ينامون على الأرائك. يشتهي ثمار الجنة، وفاكهة مما يتخيرون، لا يقوم من مكانه ليقطف الثمار، بل تأتي الثمار إليه ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان:١٤] تأتي الثمار فيقطفها، كُلْ ما شئت، واشرب ما شئت، وتمتع بما شئت، ثم وهو في ذلك النعيم يأتيهم منادىٍ فيقول: يا أهل الجنة! تريدون شيئاً أزيدكم؟ تريدون نعيماً غير هذا؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ فيكشف ربنا عن الحجاب فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم، وينسون به نعيم الجنة كله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣].

стр. 1131

الصدق في التوبة أيها الأخ العزيز: هل تفكرت في هذا المصير؟ سل نفسك أي الطريقين تختار؟ وأي الطريقين تريد أن تسير فيه؟ ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ [الإنسان:٣] بادر نفسك بالتوبة، ولا تقل: سوف أتوب من الغد، وما تدري فلعلك لا تدرك الغد، إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء. أخي العزيز: لا تقل يا رب تبت إليك ولا زلت مصراً على المعاصي، وعقدت في قلبك أن ترجع إليها، فإنك تستهزئ على الله، لا تقل: يا ربِ تبت إليك ولا زلت تحتفظ بالمعاصي في البيت، ولا زالت أموالك في بنوك الربا، ولا زلت تفعل المعاصي وتقول: يا رب أستغفرك وأتوب إليك، قال الله ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]. جعفر بن أبي طالب ﵁ وأرضاه في غزوة مؤتة يحمل الراية بيده اليمنى -انظروا إلى أولئك النفر الذين باعوا أنفسهم لله فإذا بها تقطع -لو كنت مكانه ماذا تفعل- ثم مسكها بيده اليسرى، ولسان حاله: أموت وتقطع يدي ولا تسقط راية الإسلام. فلما حملها بيده اليسرى قطعت يده اليسرى، فأصبح بلا يدين، وماذا تظنه فاعلاً؟ مسك الراية بعضديه وضمهما على الراية، فإذا بالرماح تكسر على ظهره، وهو يتلفظ أنفاسه الأخيرة ويقول: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردٌ شرابها والرومُ رومٌ قد دنى عذابها كافرة بعيدةٌ أنسابها وفاضت روحه إلى الله، قال ﵊: (لقد طار في الجنة). أقول هذا القول، وأصلِّ وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وجزاكم الله خيراً.

стр. 1132

مكر اليهود إن عقيدة الولاء والبراء من أوثق عرى الإيمان، فيجب علينا أن نتبرأ من أعداء الله، وعلى رأسهم اليهود الذين لعنهم الله، وغضب عليهم، وجعل منهم القردة والخنازير. فإنهم الذين تجرءوا على الله بالسب والرمي بالنقائص، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً. وهم الذين قتلوا الأنبياء وحاربوا الرسل، وفي هذا العصر هم وراء كل فتنة وحرب وفساد.

стр. 1133

اليهود مكر على مر التاريخ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المسلمون: معنا اليوم ذكرى للمسلمين، حتى لا ينسوا عقيدتهم، وهي من أصول هذا الدين الإسلامي، وهذا الأمر يجب أن يتذكره المسلم في اليوم والليلة سبع عشرة مرة، لا يكتمل إسلامه إلا به. إن هذه العقيدة أصَّلها الله في القرآن كثيراً وذكرنا بها حتى لا ننسى، سواءً كان منا طالب علم، أو عامي، أو عالم، أو جاهل، لا بد أن يعتقد هذه العقيدة، وهي عقيدة تتعلق بالولاء والبراء، بل هي أصل البراء وأوَّله، وهو: بغض أعداء الله جلَّ وعلا، وعلى رأس أعداء الله ما سوف نتكلم عنهم في هذه الخطبة، عن بعض تاريخهم، وبعض أعمالهم حتى لا ينسى المسلمون، إنهم اليهود لعنهم الله، الذين غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير. أي أمة في الأرض أبغضها الله وغضب عليها، فجعل منها قردة وخنازير مثل هذه الأمة؟! أمة اليهود لعنهم الله وقبحهم، انظر إلى فعلهم في الماضي، وفعلهم في الحاضر، حتى لا ننسى هذه العداوة التي أمرنا الله بتكرارها سبع عشرة مرة في اليوم والليلة، لقوله جلَّ وعلا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]. صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (المغضوب عليهم هم اليهود) نكرر هذا في اليوم والليلة، في الفرائض والنوافل، فهو من أوجب الواجبات على المسلمين أن يتعلموه لكي يتبرءوا من اليهود يتبرءوا من هذه الأمة الملعونة التي غضب الله عليها.

стр. 1134

اليهود وأقوالهم في ذات الله انظروا -يا عباد الله- كيف يعاملون ربهم جلَّ وعلا، وماذا ينسبون إليه، ثم إن علمنا قبح مقالاتهم في الله لا نستبعد قبح مقالاتهم في الناس، بل وأفعالهم فيهم. يقولون عن الله جلَّ وعلا -وهذا قد كتبوه بأيديهم في التوراة ونسبوه إلى الله- قالوا: إن الله جلَّ وعلا نزل إلى الدنيا، فتمثل في صورة إنسان، فتصارع مع يعقوب ﵇، الله جلَّ وعلا يتصارع مع نبي من الأنبياء، ثم ماذا؟ قالوا: إن يعقوب قد طرح الله أرضاً، قاتلهم الله ولعنهم! انظر ماذا قال الله فيهم في القرآن: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:٦٤] قالوا: يد الله مغلولة، الله بخيل لا ينفق على الناس، انظروا إلى الفقراء الجياع المرضى! انظروا إلى هذه الأمم كيف تموت جوعاً؟ الله بخيل، قبَّحهم الله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤] فأخبر الله أن يده مبسوطة انظروا إلى النعم انظروا إلى ما أنزل الله من السماء والأرض انظروا إلى هذه الخيرات انظروا إلى آثار رحمة الله!! انظروا كيف يسبون الله جلَّ وعلا، يقولون في توراتهم: إن الله لما خلق السماوات والأرض تعب ونصب؛ فاستراح بعد خلقه لها، فرد الله عليهم فقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق:٣٨] ما مسنا من تعب. ولا نصب، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! يقولون عن الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] الله يطلب منا أن ننفق ونطعم الجياع والفقراء، إذاً الله فقير ونحن أغنياء انظروا كيف يسبون الله جلَّ وعلا!

стр. 1135

أقوال اليهود في أنبياء الله جاءوا إلى رسل الله جلَّ وعلا واحداً واحداًَ، إما أن يكذبوه، وإما أن يقتلوه، ولم يؤمنوا بنبي واحد من الأنبياء، هم أكثر أمة على وجه الأرض أرسل الله لهم الرسل والأنبياء، مئات بل ألوف من الرسل والأنبياء، ومع هذا كذبوهم، وقتلوا بعضهم. انظروا ماذا قالوا عن لوط ﵇، نبي من الأنبياء اختاره الله من بين الناس؛ لكي يبلغ رسالات ربه، فقصوا عنه قصة مختلقة -وهذا مذكور عندهم في التوراة- فقالوا: إن لوطاً شرب يوماً من الأيام خمراً فسكر، ثم لما سكر لم يكن يشعر بنفسه إلا وقد وقع على ابنته فزنا بها في من؟! في نبي من الأنبياء: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً﴾ [الكهف:٥]. ثم لم يكتفوا بهذا! جاءوا إلى داوُد ﵇، وهو من رسلِهم وأنبيائهم، قالوا عن داوُد: إنه ابن زنا، وأنه أنجب ولداً، فزنا ولده بأخته من أبيه، وأن ذريته كلهم من أبناء الزنا ذريته من الأنبياء والرسل كلهم من أبناء الزنا، ماذا بقي للأنبياء؟! بل ماذا بقي للرسل؟! جاءوا إلى سليمان ﵇، فقالوا: كانت له سبعمائة من النساء يتمتع بهن ويجامعهن وينكحهن كما يشاء، صار النبي لا يعرف من الدنيا إلا الشهوات والملذات. ولم يكتفوا بهذا، بل قالوا عن سليمان: إنه كان يرى نساءه يعبدن الأصنام والآلهة لا ينكر عليهن من شدة حبه لهن، بل كان في بعض الأحيان يساعدهن في تقريب القرابين لهذه الآلهة، حُبٌّ وعشقٌ ووَلَهٌ وشهوةٌ أعمت بصائر سليمان ﵇ تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. اليهود هم اليهود، هم الذين غضب الله عليهم، وهؤلاء هم من نسلهم، سبوا الله، وسبوا الأنبياء، جاءوا إلى عيسى ﵇ وقد أنطقه الله في المهد: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ [مريم:٣٠] فقالوا: لا. أنت ابن زنا! ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً﴾ [النساء:١٥٦] نعم! نسبوا إلى مريم الزنا، ثم لما كبر عيسى ﵇ تبعوه ليقتلوه يقتلون نبياً من الأنبياء، تبعوه حتى رفعه الله جلَّ وعلا: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]. ولهذا الله في القرآن كثيراً ما يعيد علينا قصتهم وأخبارهم وأفعالهم، يأمرهم الله بألا يصطادوا في يوم السبت، فيتحايلوا على ربهم جلَّ وعلا، فكانوا يضعون الشباك يوم الجمعة، ثم يأخذونها يوم الأحد، وكأنهم لم يصطادوا يوم السبت، يكذبون على الله، ويتحايلون عليه : ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة:٦٥] بسبب تحايلهم على الله جلَّ وعلا لعنهم الله فأصبحوا في الصباح فإذا جزء منهم قد تحول إلى قردة، وجزء منهم قد تحولوا إلى خنازير قبَّحهم الله ولعنهم: ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة:٧٥].

стр. 1136

عداء اليهود لرسول ﷺ جاء اليهود إلى نبي هذه الأمة ورسول هذه الملة، خير الأنبياء وخير الناس أجمعين، سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، جاءوا إليه فكذبوه، ولم يصدقوه، وفي توراتهم تبشير به، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، يعلمون أنه جاء بالحق، وأنه رسول من عند الله، فكذبوه، وقالوا: ما بُشر به، ولا أخبرنا نبينا به، ثم جاءوا إليه يحاولون تكذيبه ورده وصده، فلما هاجر إلى المدينة احتضنوا المنافقين وألَّبوهم على رسول الله ﷺ . ثم لم يكتفوا بهذا، بل ألَّبوا المشركين في غزوة الخندق والأحزاب على رسول الله ﷺ . ثم لم يكتفوا بهذا، بل جاء خبيثهم لبيد بن الأعصم عليه لعنة الله، فسحر رسول الله ﷺ ، فأخذ جزءاً من شعره في مشط ومشاطة، فسحر نبي هذه الأمة، حكمة من الله أرادها، فكان كما تقول عائشة ﵂: [يفعل أشياء ولا يدري أنه فعلها، ويتكلم بأمور لا يشعر أنه يتكلم ﵊] ثم نجاه الله منهم. ثم لم يكتفوا بهذا، بل جاءت يهودية، فقرَّبت إليه شاةً ووضعَت فيها سُمَّاً، تريد قتل نبي هذه الأمة، فأراد أن يأكل منها، فأكل شيئاً قليلاً، فأخبره الله جلَّ وعلا أن الشاة مسمومة، فتركها ﵊، ولا زال يتجرع مرارة هذا السم حتى توفَّاه الله جلَّ وعلا. جاء في يوم من الأيام إلى أحد أحيائهم، فلما اقترب عند سطح من السطوح، جاء أحدهم من فوق هذا السطح، ليرمي بصخرة على رسول الله ﷺ : ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة:٨٧]. هذا هو تاريخهم مع الله جلَّ وعلا، ومع الأنبياء ومع الكتب والرسالات. فهاهم في التوراة يأتون إليها، فيكتبون ما تهوى أنفسهم فيها، وينسبونها إلى الله جلَّ وعلا: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:٧٩] ومحوا بعضه، ولبَّسوا الحق بالباطل: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٤٢]. قتلوا عشرات بل مئات من الأنبياء والمرسلين، هذا فعلهم في أنبياء الله، فكيف بفعلهم في الناس ومن هم دون الأنبياء؟! إنهم الذين أخبر الله عنهم: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٦٠]. أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 1137

اليهود وراء كل فتنة في هذا العصر الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: أما فعلهم في هذا الزمن وفي واقعنا فهو أكثر من أن نتكلم عليه في هذه الخطبة، فكل مسلم عاقل يعرف دين الله وشرعه، يعلم يقيناً من قلبه أنه لا عهد بيننا وبين اليهود، ولا صلح بيننا وبين اليهود، ولا سلام بيننا وبين اليهود، فهم أهل نقض العهود، كما قال الله عنهم: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة:١٠٠] لا عهد بين المسلمين وبين اليهود. عاهدهم خير هذه الأمة، وصالحهم ﵊، وكانت الغلبة والقوة له، وكان الحكم له عليهم، عاهدهم وصالحهم ولكن لم يلبثوا إلا وأججوا الفتن، ودسوا الدسائس، وحاولوا قتله، ثم نقضوا العهد بينهم وبينه ﷺ ، فقتل ﵊ بعضهم، وأخذ أموالهم، وأجلى كثيراً منهم، حتى أمر آخر حياته ألا يبقى أحدٌ منهم في هذه الجزيرة. اليهود قبَّحهم الله هم المغضوب عليهم في هذا الزمان وفي غيره من الأزمنة، كل حرب على وجه الأرض وكل معركة تدور بل أكثر المعارك والحروب على وجه الأرض لهم يد فيها، وهم طرف فيها، كما قال جلَّ وعلا عنهم: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة:٦٤]. يؤججون الحروب، ويثيرون المعارك، ويثيرون الفتن بين الأمم، ليبقوا أقوياء، فهم الذين يتدخلون في تجارة الأسلحة، ويقبضون في النهاية الثمرة، يتفرجون ويضحكون على الأمم كيف تتقاتل، وكيف تتصارع؟ ليبقوا أقوياء، لعنهم الله وأذلهم: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة:٦٤] نعم! يسعون في الأرض فساداً. إنهم يتدخلون في نشر المخدرات والخمور بين الشعوب والأمم، ويصرحون بهذا، بل أكثر بيوت وأماكن الدعارة على وجه هذه الأرض لهم يد فيها ويتدخلون فيها. يا عباد الله! محافلهم الماسونية، ومحافلهم اليهودية قد انتشرت في بقاع الأرض كلها، بل بعض أعضائهم وبعض من ينتسبون إليهم يتسمون بالمسلمين كذباً وزوراً ثم يبثون السموم والدسائس بين المسلمين، يحرشون بينهم، ويفتنون في صفوفهم، وينشرون الخمور والمخدرات والدعارة والزنا لتبقى الشعوب هكذا في غفلة: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة:٦٤]. نعم. إنهم اليهود، أعداء الله جلَّ وعلا، أشد الناس على وجه هذه الأرض عداوة للمؤمنين وللمسلمين: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة:٨٢] قدمهم الله على جميع الكفار والمشركين. أخبر ﵊ أن المعركة قائمة بين المسلمين واليهود، بين المؤمنين وأعدى أعدائهم إلى قرب قيام الساعة، حتى تأتي تلك المعركة الفاصلة بين المسلمين واليهود، وقائد المسلمين عيسى ﵇، أنزله الله من السماوات إلى الأرض؛ ليقود المسلمين في تلك المعركة، أما قائد اليهود فهو الدجال الأعور، الذي يدعي الألوهية، يخرج معه من يهود أصفهان سبعون ألفاً، وينتشرون من بقاع اليهود ليتجمعوا في فلسطين والشام؛ ليقاتلوا المسلمين في الفسطاط -يتقاتل تحته جميع المسلمين وجميع اليهود- لتكون المعركة الفاصلة والحاسمة التي يتشوق إليها المسلمون، والتي يحدث المسلمون بها أنفسهم وينتظروها بفارغ الصبر، بل في تلك المعركة لا يقاتل البشر فقط؛ بل يقاتل في تلك المعركة الملائكة والأحجار والأشجار، كلها تقاتل مع المسلمين، فيختبئ اليهودي الذليل خلف الحجر والشجر: (فيقول الحجر والشجر: يا مسلم يا عبد الله! هذا يهودي ورائي تعال فاقتله) فيأتي إليه المسلم فيحز رأسه ويقتله ويسفك دمه حتى يستأصل المسلمون اليهود، حينئذٍ لا يبقى على قيام الساعة إلا قليل، وتصبح الدنيا على قيام الساعة بعد أن يستأصل المسلمون اليهود. عباد الله: لا بد أن نحدث أنفسنا بعداوتنا وبكرهنا وببغضنا لهم، لا نقول في الفاتحة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٧] إلا ونحن نتذكر اليهود الذين غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير. ثم نربي أجيالنا وأبناءنا على بغضهم وعداوتهم وكرههم، وعلى إعداد العدة لمحاربتهم في يوم من الأيام، عدة نفسية، وإيمانية، وعقائدية، وجسدية، نعد العدة لحربهم وقتالهم، انتظاراً لتلك المعركة الفاصلة التي وعدنا الله جلَّ وعلا بها على لسان رسوله ﵊. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداء الدين. اللهم عليك باليهود والنصارى الذين يحاربون أولياءك، ويبدلون دينك، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك. اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات. أقول قولي هذا وأصلي وأسلم على أشرف خلق الله محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.

стр. 1138

رحل الرجل على العبد أن يستعد استعداداً تاماً لملاقاة الله تعالى، فإن هذه الدنيا قصيرة، وإن الآخرة أبدية سرمدية، وهناك من كان يؤمل آمالاً ويظن أنه سوف يخلد في هذه الحياة، فإذا بالموت يقطع أمله، ويبتر أحلامه، وهو غير مستعد للقاء ربه، ولم يعد العدة للقبر ووحشته، فماذا ترى يكون مصيره؟ وهناك من أعد العدة، وتجهز للسفر، فإذا به يجد النور في قبره، والنجاة والسلامة من نار ربه، فيسعد بجنة عرضها السماوات والأرض.

стр. 1139

حال العبد عند الموت باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فلقد مر عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى على مقبرة بعد أن صلى بالناس صلاة العيد، فبعد أن مر على المقبرة قال لمن حوله: امكثوا، وكان معه الوزراء والأصحاب، فذهب إلى المقبرة، وأخذ ينظر إلى القبور، فقال قولته المشهورة: رأيت القبور فناديتها فأين المعظم والمحتقر تفانوا جميعاً فما مخبر وماتوا جميعاً ومات الخبر فيا سائلي عن أناس مضوا أما لك في ما مضى معتبر ثم سقط على ركبته، وأخذ ينادي: يأيها الموت! ماذا فعلت بالأحبة؟ وأخذ يبكي ﵀. أتذكر فلاناً كان صاحباً وقريباً لك في يوم من الأيام، كان يلعب معنا، ويجلس معنا، ويدرس معنا، وفي العمل معنا أين هو الآن؟ أين ذهب؟ يوم من الأيام فتحت الجريدة فإذا اسم فلان صاحب لك قد توفي وفارق الحياة سبحان الله! وإذا رجل اتصل عليك ذاك اليوم فرفعت السماعة وكلمته، فقال: أتعرف فلاناً؟ فقلت: كيف لا أعرفه وقد كنت قبل أيام معه. قال: إنه قد ذهب وفارق الدنيا سبحان الله! ماذا كان يعمل، وبم كان يحلم؟ كان يحلم أن يدرس ويحصل على الشهادة كان يحلم بالزواج وإنجاب الأبناء كان يحلم بالسيارات بالأثاث بالقصور بالبيوت بالسفر بالدنيا؛ ولكن! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] ذائقة: كأنه شربها في الصباح، إلى هذه الدرجة ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥] المصيبة هي: هل هناك من يستأذنك؟ هل هناك من يخبرك؟ أم أنه حادث سيارة وانتهى الأمر، أو لعلها نومة لا تستيقظ منها ولا تدري هل تخبر أهلك؟ وماذا تريدون إذا رجعت من العمل أو من المدرسة؟ فإذا بك لا ترجع، لا تعلم لعلها السفرة الأخيرة، لعلها وأنت تلعب أو تسبح أو تنام أو أنت ساجد أو قائم أو راكع! لا نعرف! ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:٧٨] والله لو كنت في أفضل الأماكن، وحولك الأطباء قد تجمعوا ليرجعوا لك الروح إنها النهاية. ولو أنا إذا متنا تركنا لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا ونسأل بعده عن كل شي أيها الأخ العزيز! أريد منك في هذه اللحظات أن تتخيل نفسك وقد جاءك ملك الموت، ولنبدأ معاً هذه الرحلة. يا أخي الكريم: لعلك في هذه اللحظة تلتفت فإذا بملك الموت جالس عند رأسك، ونعرف حينها إن كنت عبداً صالحاً، هل صليت الصلاة، وحافظت على الواجبات، وهل إن عصيت الله تبت، وإن أذنبت رجعت واتقيت الله وأتبعت السيئة الحسنة؟ إن كنت من هؤلاء وجاءك ملك الموت، فإذا بك تنظر إلى ملائكة بيض الوجوه مد البصر من حولك، لعل الأم تبكي، ولعل الزوجة تبكي، ولعل الأب يبكي، ولعل الطبيب يأتي ويحاول أن يداويك ويرجع لك الروح؛ لكن ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٦ - ٢٧] ينادون: من يداوي هذا؟ أرأيت إن أتتك السكتة؟ ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ﴾ [القيامة:٢٧] كأن القارئ قد خنقته العبرة، وكأنه قد تردد هل من راق؟ أي: من يداويه وهو يعلم أنها النهاية ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاق﴾ [القيامة:٢٨]. أخي الكريم! لو كانت هذه اللحظة قد أتتك هل أنت مستعد؟ حاسب نفسك هل صليت الصلوات الخمس في بيت الله بخشوعها وأركانها وواجباتها، أم أنك لا تعرف بما صلى الإمام في صلاة العشاء أم أن الفجر ليس في جدولك؟ لا نعرف. أخي الكريم! كم تلفظت بكلمة حرام في هذه الليلة أو في ذلك اليوم؟ أخي الكريم! ماذا أديت من حقوق الله في بر الوالدين وصلة الرحم وطلب العلم والدعوة إلى الله؟ كم زلة وقعت منك هذا اليوم كن صادقاً مع نفسك. أخي الكريم! إذا خدعت فإنك لا تخدع إلا نفسك. نبدأ إلى تلك الرحلة رحلة الرجل الصالح الذي تاب إلى الله، نعم. يذنب، ولكنه يندم، ويخاف ويوجل القلب، ويرجع إلى الله، ويتبعها الصالحات. هذا الرجل يأتيه ملك الموت وهو مستعد وجاهز، تخرج روحه كما تسيل القطرة من فيّ السقاء، هل يحس ويتألم بها؟ لعل الجسد يتألم أما الروح فلا، تخرج الروح كما تسيل القطرة، فيأخذها ملك الموت، فتخرج كأطيب ريح وجدت على وجه الأرض، فتصعد إلى السماء الدنيا فيفتح لها، هذه روح شريفة، مرغ جبهته لله، باراً بوالديه، واصلاً أرحامه، متصدقاً في سبيل الله، يصلي الصلوات الخمس، يعف عن الحرام، إن زل رجع إلى الله وتاب، تفتح له أبواب السماء كلها إلى السماء السابعة ثم ترجع إلى جسده، وهو الآن في حفرة ضيقة؟ يسمع أناساً يمشون فوقه، يسمع قرع نعالهم، فالأمر سريع، لعلها ساعات قليلة؛ بل لعلها دقائق، والناس لا يزالوا حوله، ولا ندري لعلهم قد صفوا صفوفاً يعزي بعضهم بعضاً، ولعل أباه يبكي عليه فوق قبره، ولعل الإخوان يقولون: مسكين فارق الدنيا! مسكين لم يتمتع بشبابه! مسكين ذهب ولم يكمل دراسته! ولم يرَ الزوجة! ولم يرَ ابنه في بطن أمه! ولم يفعل ولم يفعل!

стр. 1140

حال المؤمن في قبره أيُّ مسكين ذلك الذين يجلس فإذا به بملكين أسودين أزرقين ينتهرانه فيقولان له: من ربك؟ فيجيب إجابة المستيقظ: ربي الله ما دينك؟ ديني الإسلام؛ لأنه عندما كان يسمع: الله أكبر! كان الله عنده أكبر من كل شيء، وعندما كان يسمع: الصلاة خير من النوم، رمى الفراش وهب مسرعاً إلى المسجد، وعندما كان يخر ساجداً لله فيقول: سبحان ربي الأعلى، كان في قلبه أن الله هو الأعلى من كل شيء في قلبه وفي حياته، وإن سأل فلا يسأل إلا عن شيء هو موافق لشرع الله، شراء السيارة حرام أم حلال وما حكم الشرع فيه؟ هذه الصلاة هل هي بدعة أو سنة وما حكم الشرع فيها؟ كان لا يسأل إلا عن دين الله؛ ولهذا إذا سئل: ماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو محمد رسول الله ﷺ . فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي، وجاء في بعض الروايات: فيفتح له باب إلى النار، فينظر إلى النار، فيقال له: هذا مكانك لو عصيت الله، نار يأكل بعضها بعضاً، سوداء مظلمة، ثم يغلق الباب ويفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا مكانك، انظر لعلك لا زلت فوق رأسه في المقبرة، وبعضهم يمشي عليه وهو ينظر إلى قصره في الجنة، ينظر إلى الأنهار والأشجار، ثم يغلق الباب، فيقول: ربِ أقم الساعة! ربِ أقم الساعة! ربِ أقم الساعة، فيأتيه رجل طيب الثياب، حسن الوجه، طيب الرائحة، فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، والله ما علمتك إلا سريعاً لطاعة الله بطيئاً إلى معصيته. نعم. تعصي الله؛ لكنك تخاف؛ كل الناس يخطئون ويعصون لكنك إن عصيت فلا تحرص على المعصية إن عصيت الله فإنك ترجع بعد المعصية؛ تندم تتوب تخر ساجداً لله تبكي تستغفر الله تنكسر وتنطرح بين يديه. يقول: والله ما علمتك إلا بطيئاً إلى معصية الله، سريعاً إلى طاعته، فيجلس عنده، فيقال له: نم نومة العروس، فيأتيه من ريح الجنة ويفرش له من فراش الجنة مد بصره.

стр. 1141

خروج المؤمن من قبره إلى المحشر الله أكبر! الناس فوقه يظنونه في حفرة ضيقة ونحن المساكين وليس هو نحن في عذاب وليس هو، فقد فتح له في قبره مد بصره، وفرش له من الجنة، وتأتيه رائحة من الجنة، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، يبكون وهم يخرجون من المقبرة، وهو يدعو الله أن تقوم الساعة، ينام نومة ثم يستيقظ على ماذا؟ يستيقظ حين يسمع صيحة فوقه؛ فإذا بالقبر ينشق، ثم إذا به يخرج يستمع إلى الناس وهم يبكون، والبعض منهم يدعو ثبوراً، والبعض منهم يضرب نفسه، حتى يقول المجرمون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢]؟ فيرد عليهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] هذا الذي كنا نقرأه في كتاب الله هذا الذي كنا نسمع به في أحاديث رسول الله ﷺ ، ثم يقال لهم: أيها الناس! هلموا إلى ربكم، فيقف تحت ظل العرش أرأيت! الأمر سريع، يقف تحت ظل عرش الرحمن إنه من السبعة الأصناف من هم؟ رجل قلبه معلق بالمساجد، نشأ في عبادة الله، شاب أتته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله، الشهوة تدعوه، كان عنده قوة وجرأة لكنه يخاف الله، فإن كان من هؤلاء السبعة, فيكون تحت ظل عرش الرحمن. إن الأمر -أيها الإخوة- حق وصدق وليس بالهزل كم يقف الناس؟ خمسين ألف سنة، أما هو فيقف كما بين صلاة الظهر والعصر، أرأيت الأمر كم هو؟ إنه لحظات، بالأمس كان في الدنيا فمات، ثم نام في القبر، ثم استيقظ، ثم يؤتى إلى الرحمن -إن كان يحاسب- فتعرض عليه أعماله عرضاً عبدي! أتذكر ذنبك؟ أتذكر تلك الليلة وذلك اليوم؟ قبل أن تلتزم كم كنت تفعل وتفعل لا تصلي الصلوات، تذكر يا فلان، لكنه التزم بشرع الله، وغير حياته، وإن عصى الله ستر على نفسه، يقول الله له تلك الكلمات العظيمة: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فإذا بالكتاب يعطى باليمين، ومن شدة الفرح يولي إلى الناس، فيقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] كنت متأكداً منه هذا اليوم، كنت أشعر أن هناك يوم قيامة، وكنت مصدقاً وواثقاً به، لهذا كانت آمالي كلها رجاء ذلك اليوم، والخوف من ذلك اليوم أيها الناس اقرءوا كتابيه! ماذا ترون؟ فيرون صلاة الفجر، وقيام الليل، وقراءة القرآن، والتسبيح والتهليل والتحميد والذكر، وطلب العلم، والدعوة إلى الله، وصحبة الصالحين ماذا يرون؟ عمرة وحج وجهاد وأذان وصلاة واستغفار. اقرءوا كتابيه، إن كانت معصية سترها الله، بل لعل الله عفا عنها ومحاها، ﴿اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]، إلى أين يذهب؟ الأمر سريع ونراه قريباً، يحشر مع زمرة لعلها كانت معه في الدنيا أو تساويه في الدرجات يوم القيامة ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً﴾ [الزمر:٧٣]. أخي الكريم! لم لا ترجو أن تتوب إلى الله، تخيل نفسك وأنت تمشي إلى الجنة! هل يحتاجون إلى مشي طويل؟ لا، ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء:٩٠] تقترب منهم الجنة فإذا بهم قد انتظروا عند أبوابها، ولها ثمانية أبواب مغلقة، ما بين مصراعيها مسيرة أربعين سنة تخيل عظمها! يخرج منها ريح يوجد من مسيرة كذا وكذا، ويتقدمهم أفضلهم ﵊ من هو؟ إنه محمد ﷺ ، ذلك الذي كنت طالما أسأل عن سنته وهديه، وأحب أن أقتفي أثره كيف كان يقرأ يصلي يتوضأ كيف كان يعلم الناس؟ كل هديه أسأل عنه، الآن رأيته بعيني يتقدم الناس، فيقدم على حلقة من حلقاتها، فيطرق الباب -والأمر حقيقة فادعُ الله أن تكون منهم- فيقول الملك: من أنت؟ فيقول: (أنا محمد -انظر إلى التواضع- فيقول له الملك: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك، فإذا بالباب يفتح والناس ينظرون). الله أكبر! هل تظن أنك سوف تتخيل كيف يفتح الباب وماذا يكون داخل الباب؟ مهما تخيلت، مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] كم هو الأمر؟ سريع ولن ندخل في تفاصيل الجنة، ولكن لمحة سريعة.

стр. 1142

وصف الجنة وحال المؤمن فيها إن أول زمرة يدخلون الجنة كصورة القمر ليلة البدر، تخيل: كالقمر وما أجمل من القمر! يدخلونها تظن ماذا يرون فيها؟ إذا رأيت إلى صورهم وهم يدخلونها ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩] يدخلون إذا رأيت ماذا ترى ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان:٢٠] أربعة أنهار: نهر من لبن هل تتصور هذا؟ والله الأمر عجيب! أم هل تتخيل نهر من عسل يجري وليس أي عسل؛ إنه عسل مصفى من الذي صفاه؟ تخيل خمر لذة للشاربين! ليس كخمر الدنيا ماء يجري أنهار، قال بعض السلف: لا تجري في أخاديد إنما تجري على أرض الجنة المستوية. تخيل كيف يجري عليها النهر؟ أرض مستوية ليس فيها أخاديد، قال سبحانه: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة:٣١] قال بعضهم: ليس في أخاديد. هكذا تجري على أرض الجنة، تخيل هذه الأنهار! ما بالك بالأشجار ما في الجنة شجرة إلا ساقها من ذهب، تخيل ولو لحظات! هل تتصور ظلها مائة عام يجري فيه الجواد المضمر مائة عام لا يقطع هذا الظل. والله إنه ليكفي أن نتخيل هذه النعمة شوقاً إلى الجنة، تخيل القصور! بعضها من ذهب وأخرى من فضة، أتعرف لمن؟ لمن ألان الكلام، وأفشى السلام، وصلى بالليل والناس نيام. أتعرف لمن؟ لمن تعب وظمأ بالهواجر -في النهار يظمأ وفي الليل يقوم- لمن يقرأ القرآن، لمن يطلب العلم (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجن) نعم! يدخل الحنة لكن بأي طريق؟ بطريق سهل ميسر. أخي الكريم! أتعرف ماذا في الجنة؟ وإذا دخلت في القصر ماذا ترى فيه؟ حور عين، لو أن واحدة منهن نظرت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض. لو تحمل شيئاً من الجنة بظفرك وأخرجته منها، لتزخرفت خوافق السماوات والأرض، سوار واحد لرجال أهل الجنة -وليس للنساء- إذا خرج من الجنة طمس نور الشمس فالأمر عجيب يا إخوة! ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥] من الذي أنشأهن؟ إنه الرحمن الذي أنشأ لك الحور العين! عبد الله! تتركها لساقطة فاجرة متبرجة يأتيها أيام في الشهر تُنْتِن يأتيها زمن يرق عظمها وجلدها ثم تذهب إلى المقبرة. عبد الله! كن صادقاً مع نفسك، واتق الله، ولتنظر نفس ماذا قدمت لغد؟ إذا كانت لك الحور العين بتلك الصورة فسوف أصف لك شابة يرى مخ عظامها من وراء اللحم كيف هي لطيفة ورقيقة! إذا كان الجلد واللحم من رقته لا يمنع رؤية العظم داخل الساق كيف هي يا عبد الله؟ لا ترى غيرك في الجنة ولم ترَ قبلك أحد، قاصرات الطرف لا ترى غيرك، كأنهن لؤلؤ مكنون، مغطى من جمالها وحسنها؟ كل أسبوع تزداد حسناً وجمالاً، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. يجتمع أهل الجنة يتذكرون ما كان يحصل لهم في الدنيا، كل أحد يقول: تذكروا عندما كنا نفعل كذا وكذا ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦] تذكرون كان لي صاحب في الدنيا لا أراه الآن سواء في العمل في المدرسة في الشارع في البيت من الأقرباء ليس هو معنا الآن في الجنة أين هو؟ ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] في الجنة يتحدثون كان صاحب يمشي معي في كل مكان؛ لكن ترك يوماً من الأيام والتزم مع الصالحين ماذا قال له؟ ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥٢] كان عندما تبت ورجعت إلى الله، والتزمت مع الصالحين كان يقول لي: أإنك لمن المصدقين، أين تذهب تضيع نفسك شبابك حياتك وتربي اللحية، امشِ نسافر ونذهب السوق، وفلان وفلانة ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٢ - ٥٣] حتى نموت وحتى يبعثنا الله أياماً طويلة أإنا لمدينون؟ من صدقك أن الله سوف يحاسبنا، ونحن مسلمون والحمد لله، وبعد لحظة وإذا بالنار تكشف لهم وهم جالسون في الجنة، قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤]، يقول لأصحابه في الجنة: ألا ترون؟ ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] رأى صاحبه في قعر النار يحترق نار تلظى، نزاعة للشوى، من حرها ينفصل العظم عن اللحم، وتتطاير بشرر كالقصر، يأكل ما يسيل من فروج الزواني؛ بل إذا تشقق الجلد وخرج الصديد تسابق إليه أهل النار ليأكلونه، يأكلون طعاماً ذا غصة وهو ينظر إليه، ابتلع الطعام من شوك تغص بها الحلوق، يريد أن يشرب الماء فيقترب منه ليشرب فعندما يقترب تسقط منه فروة الرأس ﴿إِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهًَ﴾ [الكهف:٢٩] يقول لأصحابه: هل أنتم مطلعون؟ ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥]. والآن تبدأ المحادثة: من في الجنة يحدث من في النار! نعم. إنها الحقيقة أحدث فلاناً الذي كان طالما يجرك من الهداية، ويمنعك منها، ويصدك عن الصلاة، ويشوه سمعة الصالحين، ويحدثك بالنساء، ويدعوك للزنا وللسفر إلى الحرام، والذي كان طالما يدعوك للحرام، الآن تراه وتحدثه وأنت في الجنة ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] كدت تهلكني معك ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] ثم يلتفت إلى من حوله في الجنة، فيقول لهم: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات:٥٨ - ٦٠] ثم ختم الله بتلك الآية: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] لمثل هذا -أخي الكريم- قم لصلاة الفجر افتح كتاب الله واقرأ عندما يقال: الله أكبر فليكن حقاً الله أكبر لمثل هذا أخي الكريم! كف لسانك عن أعراض المسلمين بر بوالديك صل الأرحام اترك الفسقة الفجرة واستبدلهم بالصالحين ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١].

стр. 1143

العصاة ومصيرهم الصنف الآخر: من الناس من هو؟ إنه رجل فاجر، طالما ارتكب المنكرات، ووقع في الذنوب، إذا سمع: الله أكبر! صد وولى، يقوم من فراشه يستمع "حي على الصلاة حي على الفلاح" ثم يرجع وينام، لا يريد أن يصلي، إنه لا يعرف الفجر إلا بعد طلوع الشمس نسأل الله العافية، بل ويجعل الساعة بعد طلوع الشمس وقد انتهى وقت الصلاة، إنه أسقط ركناً من أركان الدين عاق لوالديه قاطع للرحم لسانه يسري في أعراض المسلمين يمنة ويسرة لا يتورع عن أحد؛ سواء كان له فضل أو ليس له فضل في الدين رجل لا يعرف إلا النساء والأغاني والمخدرات والدخان والربا والمحرمات والمنكرات لا يعرف المساجد ولا يعرف التوبة إلى الله ولا الرجوع إليه، يأتيه ملك الموت في غفلة ليقبض منه الروح، فأول ما يرى ملك الموت يقول له: من أنت؟ يقول: ملك الموت؟! وهذا المسكين لم يرجع الأمانات إلى الناس، ولم يستسمح من المسلمين، ولم يؤدِ الصلوات، هذا المسكين إلى الآن وهو كل يوم يرتكب المعاصي، ويظن أن الله لا يطلع على ما يعمل الآن جاء ملك الموت؛ وهو لعله يكون أمام التلفاز في سفر إلى الحرام، فإذا بالروح تتمزق وتتفرق في الجسد؛ فإذا بملك الموت ينزعها نزعاً ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ [النازعات:١] تتوزع الروح في الجسد، فتتقطع العروق والمفاصل، وتخيل أنهم في أول العذاب، يضربون وجوههم وأدبارهم، والملائكة تنظر إليه! ما باله مسود الوجه؟ لماذا يصرخ؟ ماذا حدث له؟ موتة طبيعية ولكنه يصرخ ويبكي! أتعرف من الذي يضرب؟ إنها الملائكة ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الأنفال:٥٠] تجر الروح الملائكة كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض. الله أكبر! طالما كان يتطيب وينظر في المرآة ويجمل وجهه ويسافر ويشتري بأغلى الأثمان ما يطيب ويجمل به وجهه، (إن الله جميل يحب الجمال) لكنه فاجر خبيث القلب والروح، خرجت روحه كأخبث ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض، فترفع إلى السماء الدنيا فلا يفتح لها، ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:٤٠] أعوذ بالله! فإن عرف أن السماء لم تفتح له فليبشر ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]، وأنى له أن يدخل، تطرح روحه في الأرض طرحاً، يقوم فإذا قرع النعال فوقه، والبعض منهم يقول: اعملوا بالظاهر، فيقولون: كان رجل مسلماً صالحاً وهم لا يعرفوا ما في باطنه، يقول أحدهم بعد أن تاب: لقد نبشت ألف قبر من قبور المسلمين، فوجدتها كلها قد حولت عن القبلة. كان عثمان ﵁ إذا ذكر له القبر بكي حتى تبتل لحيته، ونحن نتكلم عن القبر وعن صفات وأحوال الميت فما تنزل منا دمعة ما الفرق؟ المظهر واحد اللحى طويلة، والأذن قصيرة، ونطبق السنة الظاهرية -وهذا طيب ولعله من الواجبات- لكن المصيبة كل المصيبة في القلوب، أن قلوبنا تختلف عن قلوبهم.

стр. 1144

مصير العاصي في قبره استمع ماذا يحدث للعاصي! ترجع الروح إلى الجسد، فيأتيه ملكان أسودان أزرقان ينتهرانه من ربك؟ ما دينك؟ ما تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ ثم تعاد الأسئلة مرة أخرى من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، كان يعرف في الدنيا لكنه نسي ما دينك؟ لا أدري، إنه رسوب في الاختبار. ماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: لا أدري. فيقول له الملك: ومحمد رسول الله؟ فيقول: كنت أسمع الناس يقولون كلاماً فأقول مثلهم، فيقال له: لا دريت ولا تليت، وانتهى الاختبار؛ فإذا بمرزبة على رأسه لو ضرب بها جبل لهدته، ثم يعود مرة أخرى، فيضرب ضربة ثانية يسمعها كل من حول القبر إلا الجن والإنس، ولو سمعه من حول القبر من الجن والإنس لصعقوا. لا حول ولا قوة إلا بالله يصيح صيحة، تخيل مطرقة! قال بعضهم: لو حملها أهل منى ما استطاعوا حملها، ثم بعدها يفتح له باب من الجنة، فيقال له: هذا مكانك لو أطعت الله، انظر القصر! الأمر كان سهلاً جداً، خمس صلوات فرضهن الله، خمس في العمل وخمسون في الأجر طاعة الوالدين، صلة رحم، طيب الكلام، عف عن الحرام، حرم الله عليك الزنا وأباح لك الزواج بأربع. الله أكبر! الحلال كثير والحرام قليل لكنك أبيت، فيغلق عليه باب الجنة ويفتح له باب إلى النار، فيقال: هذا مكانك، قد أبدلك الله به ذلك المكان، فإذ به يرى الشرر يتطاير، والنار السوداء المظلمة يأكل بعضها بعضاً، يرى الحميم والزقوم والغسلين فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه في القبر حتى تختلف أضلاعه، ثم ماذا؟ يأتيه رجل -تخيل- قبيح المنظر، منتن الريح والثياب، فيقول له: من أنت؛ فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، والله ما علمتك إلا سريعاً في معصية الله نعم! كلما اتصل بك أحد تذهب مباشرة إلى المعصية؛ كلما تفتح جريدة ونظرت دعوة إلى المنكر ذهبت إليها سريعاً، بطيئاً إلى طاعة الله إذا دعيت إليها. الله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله! يطيع الله لكن ببطء، يقوم للصلاة لكنه كسلان، ينفق لكنه كاره، يصلي ويتظاهر بالصلاة أمام الناس، وليس في قلبه حب لله، ولا خوف من الله، ولا رجاء في رحمة الله أبداً، إنما هي مظاهر، بطيء التفاعل في طاعة الله، فإذا به يقول: رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة رب لا تقم الساعة!

стр. 1145

خروج العاصي من قبره إلى المحشر هل ينام؟ هل الوقت عليه قصير؟ لا والله! يجلس مع الذي بجانبه والقبر قد اختلف عليه حتى اختلفت أضلاعه، ويأتيه من حر النار وسمومها إلى قيام الساعة، ثم بعدها إذا بالقبر ينشق، فإذا به يخرج من قبره ماذا يقول؟ ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] فيرد عليهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] وعندما يخرج ماذا يرى؟ الناس يخرجون من قبورهم، فتضع كل ذات حمل حملها، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، والطفل الصغير الذي لم يذنب قط قد شاب شعره ما بالكم بالذي يأتي في الليل، ويغلق على نفسه الباب، ويفعل ما يفعل؟! ما بالكم بالذي لا يصلي الفجر إلا في الشهر مرة أو مرتين!! ما بالكم بالذي يجلس ويغتاب الناس! ما بالكم عباد الله بالذي يعق والديه، تقول له أمه: افعل كذا؟ فيقول: لا أفعل! ما بالكم إذا كان الطفل الصغير يشيب رأسه! أيها الناس! هلموا إلى ربكم، يقف خمسين ألف سنة قف لحظة وفكر ما معنى خمسين ألف سنة؟ كم سنة مضت حتى الآن؟ عشرين ثلاثين، اسأل من عمره سبعين أو ثمانين سنة؟ ماذا يقول مع أنه ينام ويتنعم ويشعر ببعض النعيم، ولكنه يقول: مللت من الدنيا! فما بالك بمن يقف على رجليه خمسين ألف سنة ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] لو كان تحت الظل لهان الأمر، لكن تخيل! الشمس تدنو بمقدار ميل، والعرق يتصبب على قدر الذنوب، في ذلك اليوم تبدأ الحسرات، بعضهم يبكي فيقول: ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهَِ﴾ [الزمر:٥٦] كان يدعونني الصالحون ويقولون لي: تعال معنا إلى الدرس إلى المسجد إلى الصلاة إلى العمرة، كانوا يدعوني إلى الصلاح، يا حسرتى! هل تنفع الحسرة؟ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةَِ﴾ [مريم:٣٩] سماه الله يوم الحسرة لأن الناس كلهم يتحسرون؛ والواحد منا إذا تحسر عض على إصبع أو على اثنين أو على ثلاث، لكن هذا يدخل كلتا يديه في فمه ثم يعض عليهما ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٨] يسميه باسمه، زيد أو عمرو أو فلان، فتسميه باسمه يوم القيامة الذي أضلك عن هذا الطريق وعن هذه الهداية، وعن المسجد، وعن قراءة القرآن، وعن الصالحين، فتذكره باسمه، وتدعو عليه يوم القيامة ﴿يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ [الفرقان:٢٨ - ٢٩] كنت صالحاً، وكنت أجلس مع الصالحين لكنه أضلني عن الذكر، وبعد الحسرات إذا به ينادى: أين فلان؟ فقد انتهت خمسون ألف سنة، وجاء الرب ليقضي بين الناس، وقبله ماذا يحصل؟ تأتي جهنم تخيل -يا عبد الله- يا من لا زلت متردداً أتوب أو لا أتوب؟ ألتزم أو لا ألتزم؟ يا من لا يزال متردداً -عبد الله- يكفيك من هذا التفكر، الناس ينتظرون، فإذا بالناس يسمعون صوت جهنم تناديهم وتزفر وتشهق ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان:١٢] تجر لها سبعون ألف زمام -أي: مثل الحزام- مع كل زمام سبعون ألف ملك ما بين أذنه إلى عاتقه مسيرة أربعين سنة أو سبعين سنة. تخيل! كل زمام له سبعون ألف ملك أتعرف ماذا يفعلون؟ يجرونها. قال بعضهم: لو لم تكن لها أزمة لعتت وأحرقت كل بر وفاجر، فجعل الله لها أزمة، المكان بعيد إذا رآها الناس خروا جميعاً -حتى الأنبياء- على الركب يقولون: اللهم سلم سلم، اللهم نفسي نفسي ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَة﴾ [الجاثية:٢٨] في تلك اللحظات عندما يرى جهنم ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٣] في تلك اللحظة ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَان﴾ [الفجر:٢٣] يتذكر تلك اللحظة عندما كان يأتي في الليل ويفعل ما يريد من المعاصي ولا يندم، وبعدها يتذكر تلك اللحظة، لا أحداً يراه في السوق، يختلي بالمرأة ويكلمها وتكلمه، ويواعدها وتواعده، فيتذكر ذلك اليوم، قام من الفجر واستمع الأذان لكنه رجع ونام وهو غير مبالٍ، ولا ندم ولا خاف ولا رق قلبه ولا تاب، يتذكر ذلك المجلس حين كان يجلس فيذكر فلاناً ويضحك، فلان فيه كذا وكذا، وكان يتخذ الأساليب الشيطانية الخبيثة! نعم، قال: جزاه الله خيراً لكنه يبدأ يستلمه وينهش في عرضه، يتذكر تلك الأوامر التي لم يستجب لها، وتلك المحرمات التي انغمس فيها ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] ماذا يقول؟ ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] نعم والله! سل أولئك الذين قضوا أيامهم مع النساء في السفرات والزنا والخنا وشرب الخمور والأغاني واجلس معهم جلسة واسألهم: هل تحسون حقاً بالسعادة؟ لا والله؛ هم أتعس الناس أتعرف ما نهايتهم؟ يرمي بنفسه من أعلى شارع لينتحر، سلوهم في السويد في أمريكا ما نهايتهم؟ يقذف بنفسه من أعلى شارع، أو يشنق نفسه لم؟ لأنه لم يشعر بالسعادة ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [طه:١٢٤] هل حس بالسعادة في الدنيا؟ لا والله؛ ضيق في الدنيا، ثم ضيق في القبر، ثم ضيق يوم القيامة، ومصيره إلى النار. سل أولئك: ما أسعد يوم عندكم في حياتكم الدنيا؟ يقول: إنها ليالي رمضان، أين؟ يقول: وأنا في المسجد أصلي القيام هذه أحلى الأيام والليالي في الدنيا. سله: ما أحلى الجلسات؟ يقول: جلسة جلسناها في الحرم نقرأ كتاب الله، هذه هي أمتع أيام الدنيا، سلهم: ما أحلى الكلمات التي خرجت منك؟ يقول: حين جلست يوماً أقرأ كتاب الله. ما أحلى مجلس جلسته؟ يقول: حين جلست أستمع إلى ذلك الرجل عندما كان يحدثنا وننتصح بكلامه، هذه أحلى الجلسات، سله عن قلبه؟ فإذا بك تجده أشرح الناس صدوراً ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَاٍ﴾ [هود:١٠٨] في الجنة وفي القبر ما مصيرهم؟ سعادة في الدنيا، وسعادة يوم القيامة، والجزاء من جنس العمل، أما ذاك فاختار الضيق في الدنيا، فهو ضيق في قبره، وضيق في المحشر. وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 1146

الرقية الشرعية إلى كل مصاب بمس أو سحر أو عين اعلم أن العلاج والشفاء بيد الله، والله ما أنزل داء إلا وأنزل له دواء، واعلم أن هناك آيات تنفعك إذا تدبرت معانيها، وأنفع العلاج لصد المس الشيطاني والسحر هو الالتجاء إلى الله والاعتصام به وقوة الإيمان ورسوخه في القلب. وهناك سور عظيمة في كتاب الله تصد السحرة وتبطل السحر.

стр. 1147

رسالة إلى المصابين بالمس أو السحر أو العين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. ثم أما بعد: أيها الأخ الكريم: أوجه هذا الكلام إلى كل أخ -أو أخت في الله- قد ابتلاه الله بداء المس أو السحر أو العين، والله يبتلي عباده الصالحين، بل يبتلي المرء على قدر دينه، فإن كان في دينه شدة زيد له في البلاء، والمؤمن يواجه البلاء بالصبر، بل أعظم من الصبر الرضا بقدر الله جل وعلا، كما قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]. بل قال الله عن الذين يصبرون على البلاء ولا يتسخطون ولا يجزعون: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]. أخي الكريم: أوجه هذا الكلام إليك إن كنت قد أصبت بمس أو سحر أو عين، وهذه الأمراض الثلاثة طالما قد انتشرت في أوساط كثير من الناس، بل خاصة ضعاف الإيمان. واعلم أن العلاج والشفاء بيد الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]. وإذا كان الإنسان يعتقد في غير الله أن بيده الضر والنفع، فإنه لا ينفعه كل ما سوف نقرؤه عليه من كلام الله جل وعلا. فاعتقد واجزم وتيقن أن الشفاء بيد الله وحده، والله إذا أراد أن ينزل الدواء على الداء أصاب. ولا يبقى الإنسان مريضاً طوال حياته إلا إذا لم يشأ الله أن يشفيه. فاسمع -أخي الكريم- إلى هذه الآيات وتدبر، واعلم أن القرآن لا ينفع من لا يتدبره، والله ذم الناس الذين يسمعون أو يقرءون القرآن ولا يتدبرون، قال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]. والذي يقرأ القرآن أو يستمع إلى القرآن ولا يتدبر؛ لا ينتفع به، بل هذا نوع من أنواع الهجر للقرآن، وهو أنك تسمع ولا تعرف ما الذي تسمعه، أو يقرأ عليك القرآن ولا تدري ما الذي يقرأ عليك، وقد كان النبي ﷺ يقرأ عليه فيبكي، وقد كان بعض أصحابه إذا تليت عليهم آيتان بكوا حتى الصباح يرددون هذه الآية أو يستمعون إليها، بل منهم من مات وهو يسمع بعض آيات القرآن.

стр. 1148

الفاتحة هي العلاج فاسمع -أخي الكريم- إلى هذه الآيات العظيمات، وهذه الآيات -أيها الأخ الكريم- جُرِبت وجربها كثير من الناس أنها إذا قرئت على مسحور أو ممسوس أو مصاب بالعين أنه يبرأ بإذن الله جل وعلا، والأمر كله يرجع إلى تقدير الله. متى يكون الشفاء؟ قد يؤخر الله الشفاء لحكمة حتى يحط الله عنه الخطايا والذنوب ويكفر عنه السيئات. وأول ما نبدأ به هو أعظم سورة في القرآن، بل ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، وهي السبع المثاني، بل إنها القرآن العظيم، بل هذه السورة -أخي الكريم- هي الشافية وهي الرقية، وهي التي ثبت أن أحد الصحابة قرأها على ملدوغ بعقرب فبرئ بإذن الله جل وعلا. فاسمع إليها وتدبرها، ثم انظر إلى أوصاف الله فيها، واعلم أن الله ما جعلها أعظم سورة إلا لما فيها من آيات ومعانٍ عظيمة. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. أعوذ بالله، أي: ألجأ إلى الله، وأستجير بالله جل وعلا لدفع كل ضر وكل شر، وهو الله العظيم السميع العليم. ممن؟ من الشيطان الرجيم، فهو مرجوم، ملعون مطرود من رحمة الله، من همزه ونفخه ونفثه. واسمع -يا عبد الله- إلى البسملة وهي التي فيها بركة: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:١] هذه الكلمات فيها بركة عظيمة يشعر بها إي إنسان، فلو أكلت وقلت: باسم الله حرم الشيطان الطعام، ولو دخلت البيت وقلت: باسم الله حرم المبيت وجلس خارج البيت، ولو جامعت أهلك وقلت: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه يصرف عنكم، وإن قضي ولد فإنه يبرأ من الشيطان بإذن الله. وإن دخلت الخلاء وقلت: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث؛ حفظت بإذن الله، وإن نزعت الثياب وقلت: باسم الله، كان بينك وبين أعين الجن والشياطين ستر وحجاب. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:١ - ٧].

стр. 1149

عظم سورة البقرة وما فيها من الآيات ثم اسمع -يا عبد الله- إلى سورة لو قُرِئت في بيت فر الشيطان منه، بل إذا سمع هذه السورة تتلى لا يقترب من البيت ويخاف ويفر، أتعرف ما هي هذه السورة؟ إنها سورة البقرة، سورة وأي سورة! يقول ﵊ عن هذه السورة: (اقرءوا البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة) أكبر السحرة وأكبر الشياطين لا يقدرون عليها، بل أن بعض من قرئ عليه البقرة كان يحترق الشياطين والجن الذين فيهم، ويراهم الممسوس يحترقون، لأن البقرة قرئت عليهم. سورة وأي سورة! سوف أتلو عليك من أعظم آياتها، فاسمع وتدبر حفظك الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢] من هم المتقون؟ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣] يؤمن بالجنة، ويؤمن بالنار، ويؤمن بأن هناك يوماً للحشر، يحشر الله فيه الأولين والآخرين، والإنس والجن، يؤمن بعذاب القبر، ويؤمن بأهوال يوم القيامة: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٣]. اسمع وانتبه، الذي لا يقيم الصلاة لا تنفعه هذه الآيات، والذي لا يقيم الصلاة لن يبرأ إلا بعد أن يقيمها، إلا إذا شاء الله جل وعلا. فتش في صلاتك وابحث، هل أنت من الخاشعين فيها، المحافظين على أوقاتها، المتدبرين للآيات التي تقرأ فيها، الذي يحفظ أركانها وواجباتها، أم أنت من الناس الذين ينقرونها نقراً، ولا يعرف الفجر إلا بعد طلوع الشمس، ولا العصر إلا بعد أن تغرب الشمس: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة:٣ - ٥].

стр. 1150

حقيقة وقوع السحر وعلاجه السحر هل له حقيقة؟ نعم. يا عبد الله! لكن إياك إياك أن تصاب بالوسواس، وتظن أنك مسحور إلا بعد أن تتأكد وتتيقن، واعلم أن أكبر السحر، وأعظم السحر وشر السحر؛ لا يستطيع أن يقوى أمام كلام الله جل وعلا، وأن هذا القرآن يحطم ما تحته، وأن كلام الله جل وعلا يحرق كلام السحرة، وينسفه ويدمره ولو كانوا أكبر السحرة.

стр. 1151

هدف الشياطين من السحر عبد الله: يقول ﵊ عن هدف الشياطين من السحر، فإياك أن تستجيب لهم: (إن الشيطان يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه في الناس، فيأتيه جنوده فيقول لأحدهم: ما فعلت؟ قال: ما زلت به حتى فعل كذا وكذا، فيتركه ويقول للآخر: ما فعلت؟ حتى يأتيه شيطان يقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله) إياك إياك أن تستجيب له، كم وكم من ضعاف الدين والإيمان يغره الشيطان، أو يصاب بسحر فإذا به يطلق زوجته. سبحان الله! لمَ تستجيب يا عبد الله؟ قال: (ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيقول الشيطان له: نعم أنت، فيقربه ويدنيه ويلتزمه). واسمع إلى هذه الآية العظيمة، التي دمرت السحرة والشياطين وأحرقتهم: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة:١٠] لأنهم اتهموا سليمان أنه كان يتعامل بالسحر، وكذبوا والله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة:١٠]. لأن الساحر يتعامل مع الشياطين، فإذا به يلبسه أو يصيبه بالضيق أو بالاختناق، أو يكرهه بزوجته، أو بأهل بيته، فهو شيطان كافر بالله العظيم: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠] ألم ترَ بعض المسحورين كره زوجته وأبغضها ولا يطيق النوم معها، ولا يشتهي رؤيتها، ولا يجامعها منذ سنوات؟: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠]. اعتصم بالله، والتجئ إلى الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٠] بل لو اجتمع شياطين الإنس والجن الذين على وجه الأرض كلهم على أن يضروك لن يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠]. فهذا ما يفعله الساحر والشيطان -الذي لعله يسمعني في هذه اللحظات- واسمع إلى قول الله جل وعلا فيه: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠] لأنه مدحور وخائف، لأنه في النهاية هو الخسران.

стр. 1152

قوة الإيمان وأثرها على السحر عبد الله: إن القضية كلها ترجع إلى قوة الإيمان، وقوة اليقين في القلب بالله جل وعلا، وإخلاصك لله جل وعلا، فعلى قدر إيمانك تفر الشياطين منك، ألم تسمع إلى عمر كلما رآه الشيطان في فج سلك فجاً غيره، بل في بعض الروايات أنه إذا رآه الشيطان خر على وجهه، وهذا من شدة إيمانه ومن قوة يقينه بالله جل وعلا ومن توحيده للرب جل وعلا، فهو لا يتوجه إلى غيره ولا يستعين بسواه، ولا يتوكل على غيره، فحسبه الله جل وعلا. عبد الله: القضية قضية إيمان وإخلاص وتوجه القلب إلى الله، وتبرُّؤ من الذنوب والمعاصي، أتعرف من هو الله الذي تعبده؟ أتعرف من الذي تتوكل عليه؟ أتعرف من الذي تستعين به؟ اسمع يا عبد الله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:١٦] إله واحد -يا عبد الله- وليس هو إله ثم شيطان، ثم كاهن ثم ساحر. فتوجه إلى الله وحده، أتعرف ما صفاته؟ ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٦]. اسمع إلى أفعاله في السماء والأرض، اسمع إلى آياته الكونية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤]. كن منتبهاً واستمع فإن ما سوف يتلى الآن هو أعظم آية في كتاب الله، آية لا تعدلها آية، ولا توزن بآية، ولا تساويها آية في كتاب الله، كلها صفات لله، وأوصاف للرب القدير. عبد الله! وأنت تسمعها تدبرها وادخل في معانيها وتفكر فيها، واعلم -عبد الله- أنك مهما تخيلت، فالله أعظم، ولا يجوز لك أن تتخيل صفات الله جل وعلا. عبد الله: إنها أعظم آية، إذا قرأتها في الليل -من عظمها- لم يزل عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، آية لا تتحملها الشياطين، آية فيها أوصاف الله جل وعلا وخلقه، ومن خلقه كرسيه، أتعرف ما كرسيه؟ إنه موضع قدميه، أتعرف ما عظم هذا الكرسي؟ فالسماوات السبع وبين كل سماء والتي تليها مسيرة خمسمائة عام والأرضين والكواكب والنجوم كلها لو كانت حلقة لكانت بالنسبة للكرسي كحلقة في صحراء، فالصحراء هي الكرسي والحلقة هي السماوات السبع والأرضين والكون كله، أتعرف ما هو العرش؟ أتعرف ما نسبة الكرسي بالنسبة للعرش؟ الكرسي كالحلقة والعرش كالصحراء: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] لا تأخذه سنة: نعاس ولا نوم. عبد الله: يعلم ما توسوس به نفسك، هل تقوى عليه أو تقدر عليه، اسمع إلى هذه الآية كيف تزلزل الشياطين: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:٢٥] وهذه كلمة التوحيد ومعناها لا معبود بحق إلا هو: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لا يعجز الله حفظ السماوات والأرض: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥]. إذا كان لا يعجزه حفظ السماوات والأرض، هل يعجزه حفظ عباده الصالحين المتقين؟ هل يعجزه حفظ أوليائه المتقين؟ عبد الله: اسمع إلى خاتمة البقرة. أما خاتمة البقرة فلها شأن عظيم، ولها تأثير كبير، وما أدراك ما تأثيرها؟ إذا قرأتها في ليلة، تكفيك تلك الليلة، بل جاء في الحديث أن الله كتب كتاباً، قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام. تعرف ما شأن هذا الكتاب؟ أنزل منه آيتين فقط ختم بها سورة البقرة، أتعرف من أين خرجت؟ من كنز تحت عرش الرحمن، اسمع إليهما وتدبرهما واعرف -يا عبد الله- بأن الله رحم عباده بتلك الآيتين. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٥ - ٢٨٦].

стр. 1153

حقيقة الإسلام عبد الله: أتعرف ما هو الإسلام؟ أتظن أن الإسلام كلام نقوله، أم هو كلام مكتوب في جنسية أو جواز أو ورقة؟ أنت تقول أنا مسلم، ولكن الإسلام برهان، وهو أنك تستسلم لله جل وعلا. أي دين يقبل الله منك؟ أتعرف ما هو الإسلام؟ أنك تستسلم لله جل وعلا أن تستسلم المرأة لله، بحجابها وبصلواتها وبطاعتها لله جل وعلا، أن يستسلم الرجل لله جل وعلا، فلا يرابي ولا يغش ولا ينم ولا يغتاب ولا ينظر للنساء، هذا هو الإسلام يا عبد الله! الإسلام ليس هو كلاماً، وليس هو دعوى كل إنسان يدعيها. عبد الله: الاستسلام: أن نستسلم لله في بيوتنا، فلا نعلق الصور، ولا نسمع صوت الموسيقى والأغاني ولا نعزفها ولا ندخل في بيوتنا الحرام، من مجلات خليعة، ومن أفلام ماجنة ومن غيرها من منكرات، هذا هو الإسلام الذي يقبله الله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٨ - ١٩] فتستسلم لله، وتنطرح بين يدي الله، وتستجيب لله. وليس هو أن تأخذ ما يعجبك والذي لا يعجبك ترده، ليس هذا هو الإٍسلام، أن تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، بل يجب أن تقبله كله بحذافيره صغيره وكبيره: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران:١٩]. عبد الله: يا من أصبت بالمرض، وتخبطتك الشياطين، وضاقت بك الدنيا بما رحبت إلى من تلجأ؟ إلى ربك، إلى الله العلي القدير، ادعه -يا عبد الله- في السجود، الجأ إليه في الأسحار، اسجد بين يديه، وادعه تضرعاً وخفية. عبد الله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]. عبد الله! إن الله تعالى وعد ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] تعرف من تدعو؟ تدعو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، تعرف من تدعو يا عبد الله؟ الذي سخر الليل والنهار، الذي استوى على العرش ويعلم ما توسوس به كل نفس، ادعه والجأ إليه وتضرع واعرف -يا عبد الله- أن الله يقبل الدعاء ممن هو موقن بالإجابة وملح بالدعاء، فالله يستجيب له: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف:٥٤]. كذب المنجمون، كذب السحرة، كذب المشعوذون؛ فإن السموات والنجوم والقمر وكل شيء مسخر بأمر الله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٤ - ٥٦]. وهنا يخاطب الله شياطين الجن والإنس، ويخاطب الكفرة، والذين ظلموا والذين آذوا عباد الله في أنفسهم وأهليهم: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:٥٦] ثم يا عبد الله! يا من ابتليت! اسمع إلى قول الله: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف:٥٦].

стр. 1154

معركة موسى مع السحرة اسمع إلى هذه المعركة الكبيرة، وهي معركة عظمى يشهد لها التاريخ، في الصف الأول كليم الله موسى ﵇، إنه الذي كلمه الله جل وعلا من فوق سبع سماوات، يقف في صف، من هو الذي في الصف الآخر؟ إنهم السحرة -شياطين الإنس والجن- كلهم قد اجتمعوا، ليدفعوا موسى ﵇ وليحاربوه، إنهم أعظم السحرة في عصر فرعون، كل ساحر عليم ومن تحت يديه شياطين الكفر، وشياطين ومردة من الجنة، كلهم تحت أيديهم، وليس ساحر واحد بل سحرة الكفر كلهم، وموسى لا يملك إلا عصا ولا يلبس إلا الثوب البالي، ولا يملك جيشاً ولا عتاداً ولا أسلحة، لا يملك إلا التوكل على الله والإيمان بالله جل وعلا، من مع موسى؟ إنه الله جل وعلا: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]. بدأت المعركة: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ [طه:٦٥] قال موسى يخاطب شياطين الجن والإنس: بل ابدءوا بما عندكم، فألقوا الحبال وألقوا العصي، فإذا بها كأنها أفاعي تسعى، انظر السحر: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] فسحروا أعين الناس واسترهبوهم، وإذا العصي كلها تتحول إلى ثعابين في أعين الناس، وهذا من فعل شياطين الجن والإنس، فإذا موسى ﵇ يخاطبهم: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس:٨١]. الله أكبر! الله أكبر يا عبد الله! تيقن بالله جل وعلا، لو كان الذي فيك أعظم سحر على وجه الأرض، بل لو اجتمعت عليك شياطين الإنس والجن فاسمع: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:٨١ - ٨٢]. وإلى الآن موسى فقط تكلم وما بدأ في الرد على هؤلاء الشياطين، فإذا الله يوحي إلى موسى، واسمع إلى أثر كلام الله لموسى على هؤلاء السحرة، ولهذا أقول لك: إن القرآن يحرقهم ويدمرهم يا عبد الله! فإذا بالله جل وعلا يوحي إلى موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ [الأعراف:١١] وكأن العصا عندنا هي إيماننا بالله جل وعلا. إذا ألقيناه على السحرة ما الذي يحصل؟ ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف:١١٧] الله أكبر! عصا موسى تلقف جميع عصي السحرة وثعابينهم: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ * وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:١١٧ - ١٢٢]. لما رأى السحرة من الإنس أن الله أبطل سحر شياطين الجن، إذا بهم يسجدون لله، ويخرون سجداً لله جل وعلا، كل هذا -يا عبد الله- حتى تعلم وتتيقن أن الإيمان الصادق والإيمان بالله لا يقف أمامه شيء، وأن كلام الله جل وعلا يبطل كل السحر، وأن كلام الله جل وعلا يهدم سحر شياطين الجن والإنس، فتيقن وتوكل على الله جل وعلا، ولتكن عقيدتك: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]. كلما دخلت بيتاً، وكلما ركبت سيارة، رددها في قلبك، وفي عقلك وفي ذهنك: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]. عبد الله: تظن أن الله لمَ خلقنا وأوجدنا؟ وهذا لا بد أن يعرفه الإنس والجن وهو أن الله ما خلقنا إلا لغاية واحدة ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٧] من ساحر أو شيطان أو طاغوت أو مشعوذ أو كاهن، فهؤلاء كلهم طواغيت من دون الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون:١١٧] انتظر يوم الحساب وتمهل، فإن كنت تراه بعيداً فإنه قريب: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَرَاهُ قَرِيباً﴾ [المعارج:٦ - ٧] ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون:١١٧ - ١١٨].

стр. 1155

سورة الصافات وأثرها على الشياطين ثم اسمع إلى هذه السورة، وهي سورة عظيمة، وقد جُرِبَت، ولعل بعضكم قد شاهد أثرها على شياطين الجن، فهي تحرقهم وتدمرهم وتهلكهم بإذن الله جل وعلا: هذه السورة يبدؤها الله جل وعلا بوصف ملائكته، من هم الملائكة؟ إنهم جنود الرحمن: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] يقفون لله جل وعلا ويستجيبون له. والملائكة تزجر الناس زجراً، بل ملك واحد صاح صيحة، فأهلك قرية كاملة. ثم -في هذه السورة- يخبر الله عن الكواكب التي في السماء والنجوم، أتعرف ما وظيفتها وما غايتها يا عبد الله؟ هذه النجوم التي في السماء شهب ترمي شياطين الجن ممن يسترق السمع من السماء. واسمع -يا عبد الله- إلى ربنا جل وعلا كيف يعذبهم ويهلكهم ثم قال الله: ﴿دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات:٩] أي: ما هو اليوم ولا الغد فقط، بل هو مستمر، في الدنيا بكلامه جل وعلا، وإذا لم يتب شياطين الإنس والجن إلى الله جل وعلا فالعذاب الواصب المستمر المتصل عنده جل وعلا في نار جهنم. اسمع إلى هذه السورة التي طالما أحرقت شياطين الجن والإنس وبدأها الله بالتسمية لأنها بداية السورة، وباسم الله كما ذكرنا بركة، بل: (مر رجل مع رسول الله ﷺ على دابته فتعثرت الدابة فقال الرجل: تعس الشيطان. قال: لا تقل تعس الشيطان، فإن الشيطان يتعاظم حتى يصير كالبيت، ولكن قل: باسم الله فإنه لا يزال يتصاغر في نفسه حتى يكون كالذباب) قل باسم الله إن دخلت بيتك إن دخلت غرفتك إن أتيت إلى فراشك إن دخلت خلاءً إن أكلت أو شربت إن رميت حجراً إن سكبت ماءً، دائماً قل باسم الله فإنها بركة يا عبد الله، بسم الله الرحمن الرحيم اسمع وصف الملائكة: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً﴾ [الصافات:١]. فهي تحضر مثل هذه المجالس؛ مجالس الذكر، والمجالس التي يقرأ فيها القرآن تحضرها الملائكة وهي جنود للرحمن، والشيطان عندما كان مع المشركين في غزوة بدر ليؤججهم ويثيرهم على المسلمين، فلما اقترب ورأى ملائكة الرحمن تنزل، ورأى الملائكة العظام قال: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨]. ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات:١ - ٤] من هو؟ إنه الله ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات:٤] قل لمن يعبدون النار، وقل لمن يثلثون، ويعبدون المسيح، قل لمن يكفرون بالله جل وعلا وأخبر اليهود والنصارى، وعُباد الشمس وعُباد القمر وعُباد النار: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات:٤ - ٥]. رب المشارق جل وعلا، مشارق النجوم ومشارق الكواكب ومشارق الشمس، ومشرقها في الصيف والشتاء: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ * إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٥ - ٦] اسمع: ﴿وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات:٧]. والله لو كان مارداً، ولو كان أعتى الشياطين، فإنهم لا يستطيعون للرحمن، فالكواكب ترجمه: ﴿وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:٧ - ١٠]. وليسأل شياطين الجن، وليسألوا أجدادهم وعلماءهم: ما الذي جرى بولادة محمد ﷺ ؟ أتعرف ما الذي جرى؟ كان الشياطين يسترقون السمع، فلما ولد خير الخلق ﵊ تعجب الجن ورأوا أمراً عجباً، فالسماء بدأت ترجمهم، والكواكب بدأت تحرس السماء وبدأت الشهب تحرقهم حرقاً ببركته ﵊، وبركة رسالته وبعثته ﵊.

стр. 1156

إسلام الجن وتوبتهم اسمع -يا عبد الله- إلى بعض الجن الذين تابوا، وإلى بعض الجن الذين أسلموا وصدقوا مع ربهم جل وعلا، كانوا كفاراً ولكنهم لما سمعوا القرآن وأحسوا بلذته، وبحلاوته آمنوا بالله جل وعلا، ليس فقط آمنوا بل ذهبوا إلى قومهم يدعونهم إلى الله، وأخبروا قومهم أنه من آمن فله الثواب والمغفرة ومن كفر فله العذاب العظيم، فما جلسوا جلسات بل مرة واحدة، سمعوا كلام الله فإذا بهم مؤمنون ودعاة إلى الله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف:٢٩] وهذا الآيات دعوة مني صادقة إلى كل كافر من شياطين الجن -إي والله- أن يؤمن بالله جل وعلا ويسلم لله جل وعلا. فوالله لو كان كفره قد ملأ السماء والأرض وتاب، لبدله الله له حسنات، بل والله لو فتن الناس عن دينهم وصدهم عن سبيل الله، وكان هو الذي أضل خلقاً كثيراً عن الله جل وعلا وأوردهم جهنم، لو تاب؛ تاب الله عليه: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف:٢٩] الله أكبر! ليس فقط آمنوا بل صاروا دعاة إلى الله، وكم وكم سمعنا أن من الجن من آمن، وليس فقط آمن بل ذهب إلى قومه يدعوهم إلى الله جل وعلا: (ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). قالوا: ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف:٣٠ - ٣١]. والله لو كانت التوبة صادقة، ودمعت العين وانكسر القلب: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأحقاف:٣١ - ٣٢]. لا تظن يا من تصر على الظلم والكفر والمعاصي أنك معجز الله، لا والله، بل الله يملي للظالمين حتى إذا أخذهم لم يفلتهم جل وعلا: قال الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأحقاف:٣٢]. بل اسمع إلى الرب جل وعلا كيف يتحدى معاشر الجن والإنس، بل طواغيتهم، بل أقوى خلق الله من الجن والإنس يتحداهم الرب جل وعلا، انظر إلى التحدي وإذا استطعت أن تقبله فافعل، فهذا ما يعرضه الله جل وعلا عليك من تحد: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الرحمن:٣٣] هذا هو التحدي، يطلب الله منك أن تنفذ من أقطار السماوات، فانفذ وتعد السماء الدنيا إذا كنت تستطيع: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٣٣ - ٣٤]. الجن لما سمعوا هذه الآية آمنوا وقالوا: لا نكذب بآيات ربنا، آمنوا لأنهم كانوا صادقين مخلصين، عرفوا أن الدنيا أيام قلائل وسنوات قليلة، ثم حساب بين يدي العزيز الجبار. ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنْتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٣٤ - ٣٦] أتعرف ما الذي أقرؤه عليك الآن؟ إنه كلام الله حقاً، بصوت وحرف، كلام لا يشابهه كلام المخلوقين، وهو صفة من صفاته جل وعلا، أتعرف هذا الكلام لو أنزل على جبل لتصدع الجبل ولتكسر، بل إن من الحجارة لما تهبط من خشية الله!! أتظن أنك -يا مخلوق! يا ضعيف! - تقوى على هذا القرآن، أتعرف من الذي تكلم بهذا القرآن، إنه الله الملك العزيز الجبار، أتعرف من هو الجبار؟ مسكين يا من تعاند الله! مسكين يا من تواجه الجبار! والله لا تقوى على الجبار المهيمن. عبد الله: أتعرف من هو؟ الذي لا إله غيره، عالم الغيب، عالم الشهادة، عبد الله! هو الخالق الذي خلقك، وبرأك، وصورك. اسمع إلى وصف تأثير القرآن واسمع إلى أوصاف الله جل وعلا: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢١ - ٢٤].

стр. 1157

سور عظيمة تبطل السحر عبد الله: يسرني ويسعدني ويفرحني أن أختم هذه القراءات بسور عظيمات تفك أكبر سحر، وتبطل أكبر سحر يا عبد الله! إنها سورة الإخلاص التي تعدل ثلث القرآن، وليس فيها إلا وصف الله، وليس فيها إلا صفة الله العظيمة. عبد الله: سأل الله بها رجل فقال: (اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله، الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أن تغفر لي. فقال ﵊: قد استجيب له). اسأل الله بها يا عبد الله! سورة من عظمها تعدل ثلث القرآن، والله ما يقوى عليها شياطين الإنس ولا شياطين الجن، أتعرف ما هي؟ بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. أتعرف ما معنى الصمد؟ الذي تلجأ إليه المخلوقات كلها في السماوات والأرض: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود:٥٦] النملة في جحرها تلتجئ إليه، والسمكة في البحر تلجأ إليه جل وعلا، والطير في السماء يلجأ إليه جل وعلا، بل حتى الكافر وقت الضيق والمصيبة يلجأ إليه جل وعلا. الصمد الذي لا جوف له، السيد جل وعلا، الذي بلغ في سؤدده كمالاً لا يبلغه كمال، وفي شرفه شرفاً لا يبلغه شرف: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤]. ثم المعوذتان -يا عبد الله- اقرأهما دائماًَ في الصباح ثلاثاً -مع الإخلاص ثلاثاً- وفي المساء ثلاثاً، واختم بها كل صلاة، وعود عليها صبيانك وأولادك الصغار، فإنها آيات تحطم الجبال، وتحطم ما تحتها. استعاذة بالله، تعرف ما معنى الاستعاذة؟ هو أن تلجأ إلى الله تعالى، مر ﵊ ليلة من الليالي في الصحراء، وإذ بالشياطين قد تجمعوا له وبيد كل واحد منهم نار يريد أن يحرق بها وجهه ﵊، أتعرف ماذا قال؟ احفظ هذا الدعاء وقله دائماً: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وبرأ وذرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق إلا طارقاً يطرق بخير منك يا رحمان، فانطفأت نيرانهم فولوا على أدبارهم) الله أكبر! قل صباحاً ومساءً أعوذ بكلمات الله التامات ثلاثاً، وعود عليها صبيانك، وعود أطفالك قول: (أعوذ بكلمات الله التامه، من كل شيطان وهامه، ومن كل عين لامه) وقلها في كل مكان يا عبد الله. ولتكثر من هذا الدعاء أعوذ بكلمات الله التامه، من كل شيطان وهامه، ومن كل عين لامه، إذا خفت خوفاً شديداً، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. إذا رأيت منظراً غريباً فقل: أعوذ بالله منك، أي: ألتجئ إلى الله، ومن التجأ إلى الله حماه، فأنت تفر إلى الله. عبد الله: إن غضبت غضباً شديداً فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إذا دخلت مكاناً مظلماً، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه لم يزل عليك من الله حافظ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:١] رب الفجر إذا انفلق، رب الصباح: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:١ - ٣] من شر الليل إذا حل، ومن شر القمر إذا ظهر في الليل: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٣ - ٤]. ومن شر السواحر اللائي ينفثن في العقد التي يرقين عليها: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٤ - ٥]. بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:١ - ٦]. عبد الله: قبل أن أختم، اعلم أن الله ما أنزل بلاء إلا بذنب، ولن يرفع بلاء إلا بتوبة، فتب إلى الله جل وعلا، واعرف أن البلاء قد يكون لذنب أصبته، فهناك معصية وذنباً أنت أذنبته وأنت تعلم به، وإيمانك قد ضعف، وفتور وغفلة. قد يكون هذا هو السبب في هذا الذي أنت فيه يا عبد الله! سواءً كان عيناً أو سحراً أو مساً وإن كنت من الصالحين، فاعرف أن ما فيك بسبب ذنوبك، وتب إلى الله جل وعلا، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، واهجر المعاصي واهجر أماكن الغناء، وأماكن الفحش والبذاءة، واهجر الفسقة والفجرة، وابدأ مع الله صفحة جديدة. واعلم أنك إذا أقبلت على الله وتقربت إليه شبراً، تقرب الله إليك ذراعاً. هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1158

ساعات الندم ساعات الندم التي قد تمر على الإنسان كثيرة منها: ساعة الندم على فوات الطاعة، أو ساعة الاحتضار والانتباه في القبور، ومنها أيضاً: ساعة البعث من القبور، وساعة رؤية جهنم، وساعة جعل الحسنات هباء منثوراً، وساعة الوقوف للحساب، وأعظمها ساعة الحسرة في النار. فيا أيها العبد! اجتهد ألا تأتيك هذه الساعات فإنها الحسرة كل الحسرة.

стр. 1159

الندم على التفريط الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: ساعات الندم! في ساعات الندم لا يجلس الإنسان إلا ويتذكر معاصيه وذنوبه، ويتذكر فيها ما فرط في الدنيا وغفلته فينتبه فيصبح عنده انكسار لله يندم فيه على ما فرط. استمعوا إلى هذه القصة: شاب صغير السن هداه الله في بيتٍ قد امتلأ بالفجور والمعاصي والمنكرات والفواحش، أبوه لا يعرف القبلة، حاول أن يدعو أباه إلى الله فلم يستجب له، فأتى إلى إمام المسجد يبكي عنده ويقول له: إن أبي يعصي الله ولا يعرف ربه، حاولت أن أدعوه إلى الله فلم يستجب لي، فماذا أفعل؟ قال له: إذا قمت في الثلث الأخير من الليل فتوضأ وضوءك للصلاة -وكان حافظاً صغيراً- ثم صلِ لله ركعتين وادع الله في تلك الركعتين أن يهدي أباك، قال: فكان الشاب في كل ليلة يفعل هذا الفعل، وفي ليلة من الليالي قام الشاب يصلي في الليل فدخل الأب البيت بعد سفرةٍ قد فعل فيها ما فعل، ولم يكن أحد يدري به، ففتح الباب ودخل والناس نيام في البيت، فسمع صوت بكاءٍ في غرفة من الغرف فاقترب ينظر فإذا ابنه الصغير يبكي، فاقترب منه ليسمع ماذا يقول، فسمع ابنه يرفع يديه إلى الله وهو يقول: اللهم اهد أبي، اللهم اشرح صدر أبي للإسلام، اللهم افتح صدر أبي للهداية، فسمع الأب هذا الكلام وإذا به قد انتفض وأخذته قشعريرة، قال: فخرج من الغرفة واغتسل ثم رجع إلى الغرفة والابن ما زال يبكي ويرفع يديه إلى الله، فصلى بجنب ابنه ورفع يديه بجنب ابنه والابن يقول: اللهم اهد أبي والأب يقول: آمين، اللهم افتح قلب أبي، والأب يقول: آمين، فبكى الأب وبكى الابن، فلما انتهى الابن من صلاته التفت فرأى أباه يبكي فاعتنق أباه وجعلا يبكيان إلى الصباح، فكانت بداية هداية هذا الأب. قال ﷺ في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة: (الندم توبة) فإذا جلس الإنسان يتذكر ذنوبه وأخذ يذكر تلك المعاصي، وتلك الليالي الظلماء، ويتذكر يوم أن جلس مع صديق السوء، ويتذكر يوم أن فتح المجلة الخليعة فنظر، ثم يتذكر عفو الله عليه، وإمهال الله له وحلم الله عليه يبكي والله. قال الله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران:١٣٥] فاحشة يعني: كبيرة، ظلموا أنفسهم يعني: صغيرة ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].

стр. 1160

من ساعات الندم
следующие страницы →