← Джавами‘

Джавами‘ · id 7717

دروس للشيخ نبيل العوضي

نبيل العوضي

Полный текст (1 195 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

قصص أخرى للمحاسبة ثابت البناني، لشدة بكائه كادت عيناه أن تذهبا، كاد يصاب بالعمى، فجاءوا له بالطبيب، فقال له الطبيب: أعالجك بشرط واحد، قال: وما هو؟ قال: ألا تبكي، إن كنت تريد عينك فلا تبك، قال: وما خيرهما إن لم تبكيا. يقرأ ابن مسعود على النبي ﷺ القرآن يقول: فإذا به يقول لي: حسبك! يقول: فنظرت فإذا عيناه تذرفان، وذلك في آية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء:٤١]. عمر بن عبد العزيز، تقول فاطمة: قرأ قول الله في صلاة الليل: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة:١ - ٥] تقول: شهق شهقة حتى سقط على الأرض يبكي، تقول: فظننته مات، تقول: فقام مرة ثانية، وأخذ يجول في الدار، وهو يردد ويقول: يا ويلي من يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث، ويلي من يوم يكون الناس فيه كالفراش المبثوث!

стр. 1087

وقفة محاسبة عبد الله: هؤلاء الزهاد العباد، وهذا قولهم، فما قولنا يا عبد الله؟! لم هذه الغفلة؟ إنها النظرة، إنها الكلمة، إنه المجلس الذي نستمع فيه إلى الغيبة والنميمة، إنه يا عبد الله الذنب على الذنب على ذلك القلب حتى صار كما قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] النكتة بعد الأخرى، حتى صار القلب أسود، وصار لا يفقه، وصار بينه وبين ذكر الله حجاب، وصار كأن في أذنيه وقراً لا يتدبر، حتى أن بعض الناس يشتكي يقول: والله أفكر في المعصية في السجود (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) فأي غفلة؟! وأي ملهيات أوصلتنا إلى هذه الحالة؟! أخي الكريم: جلسة محاسبة، حاسب نفسك، قبل أن يحاسبك الله جل وعلا، وزن هذه النفس، ضع كفة حسنات وكفة سيئات، وانظر أيهما ترجح؛ كفة الحسنات أم كفة السيئات، وإياك إياك أن تلتفت يمنة ويسرة، وتقول: أنا أفضل من غيري، فإن الأولين كانوا يبكون؛ عمر قبل الوفاة قال لابنه عبد الله: يا بني! ضع خدي على الأرض قال: لمََ يا أبي؟ قال: يا بني ضع خدي على الأرض، فأنزله ووضع خده على الأرض، وقال: ويل لأمي إن لم يغفر لي ربي، ويل لأمي إن لم يغفر لي ربي قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون:٦٠] قلوب خائفة، يصلي ويصوم، ويركع ويسجد ويتصدق، ولكن القلب خائف: ﴿أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]. تقول زوجة مسروق: كان يقوم الليل حتى تنتفخ القدمان، فإذا أذن الفجر يزحف كما يزحف البعير، تقول: وأنا أجلس خلفه وأبكي على حاله، هكذا السابقون يا عبد الله! يروى عن عثمان أنه كان يختم القرآن كله في ليلة، لا تقل لي: هذا خلاف السنة، أين نحن من السنة؟ أين نحن من قيام الليل يا عبد الله؟ يختم القرآن كله في ليلة، قتل وهو يقرأ في المصحف، طعن تسع طعنات، حتى سال الدم على المصحف، فقالت زوجته وهي تبكي: قتلتموه وإنه ليحيي الليل بالقرآن، أنزل الله فيه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٩] لا التلفزيون، ولا السهرات، ولا مباريات، بل: ﴿قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً﴾ [الزمر:٩] اشترى الجنة ثلاث مرات، ومع هذا يقوم الليل كله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] هذا هو العلم النافع الذي يؤدي بك إلى قيام الليل، وصيام النهار، وقراءة القرآن، وذكر الله: ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال:٢] يوجل القلب ويخاف ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢]. أخي الكريم: هذه وقفة في طريق العمر، ولعلنا نلتقي وإياك عند الله جل وعلا، وما يدريك، فلعلنا نكون تحت عرشه يوم القيامة، ولعل الله يظلنا في ظله يوم لا ظِلَّ إلا ظٍلُّه، فتأتيني، فتقول لي: يا فلان، تذكر تلك الجلسة، لقد تغيرت حياتي بعدها، لا ندري، لعلي أقبض بيدك وتقبض بيدي، ونحن ندخل جنة الرحمن، لا ندري لعلنا نكون من أول زمرة تدخل الجنة، لا ندري يا عبد الله؟! لعلك تأتيني يوم القيامة، فتقول لي: هل تذكر ذلك المجلس؟ جزاك الله عني كل خير، فمنه بدأت أترك المعاصي، بدأت أقيم الليل، وأصوم بعض الأيام، وأعتكف على كتاب الله، به هجرت تلك المجالس. لعلنا نلتقي عند الله جل وعلا، فذلك هو الفوز الحقيقي، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]. اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1088

ولمن خاف مقام ربه جنتان إن الله أرسل رسوله بالهدى إلى الناس أجمعين، فأنذر الله به المشركين، وحذرهم عقابه وعذابه، وبشر به المؤمنين، ووعدهم جنته ورضوانه. وقد تناول الشيخ حفظه الله في هذه المادة وصف الجنة وما فيها من نعيم دائم للمؤمنين، وبيّن من هم أهلها، والذين يستحقون دخولها، وضرب على ذلك أمثلة من الشباب والرجال المشتاقين إلى الجنة.

стр. 1089

رحلة الأبرار إلى الجنة الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: عبد الله! وأنت تجلس في هذا المسجد تخيل أنك قد دخلت الجنة، لأن هذه المجالس هي روضة من رياض الجنة، فلعل الله يجمعنا في مستقر رحمته، في روضة من رياض الجنة. فاسمع -عبد الله- وتخيل، لعل الرجاء يولِّد العمل، ولعل بعد العمل يكون الصبر عليه، ثم الجزاء الجنة. يأتي العبد الصالح التائب إلى الله، إما أن يدخله الجنة بغير حساب، وإما أن يعرض عليه الأعمال عرضاً، ثم يقول له يذكره بالذنوب: عبدي! أتذكر ذنب كذا؟ أتذكر ذنب كذا؟ وقد تاب منها، ثم يقول الله له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. فيعطى كتابه باليمين فلا يصدق نفسه، فيقدم على الناس يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] كنت في الدنيا أسجد وأركع وأصلي طلباً للنجاة من ذلك اليوم: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ [الحاقة:١٩] يعني: علمت ﴿أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَةْ﴾ [الحاقة:١٩] ثم يساقون إلى الجنة. ولنبدأ تلك الرحلة وذلك المشهد. عبد الله! تخيل واستشعر أنك في تلك الزمرة!

стр. 1090

سَوق المتقين إلى الجنة ودخولهم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر:٧٣] أتعرف أن الجنة تتلألأ من بعيد؟ يخرج منها ريح على مسيرة أربعين سنة، يشمون رائحتها، بل هي تقترب إليهم: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الشعراء:٩٠] فيجتمعون عند أبوابها الثمانية وقد أغلقت، ينتظرون سيدهم يخرج من بينهم ﵊، فيأتي إلى بابها، فيأخذ حلقة من حلقاتها فيطرق الباب، فيسمعه الخادم فيقول: من أنت؟ فيقول: أنا محمد رسول الله ﷺ ، فيقول الملك والناس يتلهفون، انتظاراً وشوقاً، يقول: بك أمرت لا أفتح لأحد قبلك، فيفتح بابها، فإنها والله نور يتلألأ، وريحانة تهتز، يرى المؤمنون فإذا بالنبي ﷺ قد دخل، وإذا الأنبياء يدخلون، وإذا أول هذه الأمة دخولاً أبو بكر ﵁، وإذا أول زمرة على صورة القمر يدخلون. أتعرف أن منهم سبعين ألفاً يدخلون الجنة؛ كل واحد قابض على يد أخيه لا يدخل أولهم حتى يدخل آخرهم؟ عبد الله! مصراعي باب الجنة مسيرة أربعين سنة، وإنه ليأتي عليه يوم وإنه لكظيظ -مزدحم- بالناس، أسأل الله تعالى في هذا المكان أن نكون ممن يزدحم في ذلك اليوم في الدخول عليه.

стр. 1091

استقبال الملائكة وتسليمها على المؤمنين إذا دخلت عبد الله أتعلم ماذا ترى؟ تستقبل المؤمنين الملائكة تسلم عليهم عند أبوابها، يدخل معك أولادك إن كانوا صالحين، وزوجتك إن كانت صالحة، ويدخل معك الأب والأم إن كانوا صالحين، وأصحابك في الدنيا إن كانوا صالحين: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ [الرعد:٢٣] يدخلون معك. وتخيل -عبد الله- نفسك تدخل وأبناؤك حولك، وزوجاتك وآباؤك كلهم على سن واحدة أبناء ثلاث وثلاثين سنة، جُرْداً مُرْداً، مكحلين، يدخلون على صورة القمر ليلة البدر، لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، أول ما يدخلها المرء تستقبله الملائكة تقول له: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤].

стр. 1092

أوصاف الجنة أول ما يدخلها فإذا الأرض بيضاء: أتعرف ما هي؟ زعفران ولؤلؤ وياقوت، يطؤها برجله، إذا دخل يعرف مسكنه أكثر مما كان يعرف مسكنه في الدنيا، أول ما يدخل الجنة يرى عجباً، اسمع وتخيل واستشعر أنك قد دخلتها!

стр. 1093

قصور الجنة وقبابها يرى القصور لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، وأخرى من فضة، وأخرى من ذهب، وبينهما المسك، يدخلونها يعرفون بيوتهم أكثر مما كانوا يعرفونها في الدنيا: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الزمر:٢٠] غرفهم يُرى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها، يَرى في الجنة فإذا قباب اللؤلؤ قد انتثرت له خيمة طولها ستون ميلاً، تخيل أنك فيها الله أكبر! أي جمال هذا؟! وأي روعة تلك؟!

стр. 1094

أنهار الجنة عبد الله! يقول الله عن صفة أنهارها -هذا ماء مسكوب، والأنهار تجري، وليس في الجنة أخاديد: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:١٥] وتخيل! كيف يجري العسل أم كيف يجري النهر من الخمر واللبن! عبد الله! تصور كيف تتفجر العيون، ويخرج منها الماء المسكوب فيأتون يشربون، بل تجد منه شربة لا تظمأ بعدها أبداً.

стр. 1095

أرض الجنة وسقفها عبد الله! إن في الجنة أرضاً مرمرة بيضاء من فضة؛ كأنها مرآة يمشي عليها أهل الجنة، عليها الأشجار، ما في الجنة شجرة إلا وساقها ذهب. أتعرف ما فوقها؟ إنه عرش الرحمن: ﴿لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الإنسان:١٣] لعلك تسأل: كيف يرون أم كيف ينظرون وما في الجنة شمس؟ النور يأتيهم من عرش الرحمن، فتمتلئ الجنة نوراً وتخيل ذلك المنظر وقت شروق الشمس ولم تطلع، والدنيا قد أسفرت، فالجنة أفضل من هذا: ﴿وَلا زَمْهَرِيراً﴾ [الإنسان:١٣] فلا يلدغهم البرد.

стр. 1096

أشجار الجنة وثمارها عبد الله! ليس في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب، بل إن في الجنة شجرة يسير الراكب على الجواد المضمَّر في ظلها مائة عام لا يقطع ظلها، فما شكلها؟ أما منظرها: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٢٧] * ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٨] نعم. في الجنة سدر، ونعرف أن في السدر شوكاً فكيف يُدخله الله الجنة؟ كل شوك قد خضد أي: طُمِس، وجُعِل مكانه ثمرة يخرج منها طعام يزيد على اثنين وسبعين لوناً، كل لون يختلف عن الآخر، ألين من الزبد وأحلى من العسل، مكان كل شوكة! فما بالك بالثمرة التي في الجنة أصلاً: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٣٠] وتخيل مائة سنة يمشون تحت الظل لا يقطعونه، فتأتي الريح على الأشجار فتهتز ذوائب الأغصان التي في الأشجار، فإذا اهتزت في الجنة تصدر صوتاً لم يسمعه بشر قط، ليس هناك أحلى من هذا الصوت صوت وأي صوت! أحلى من المعازف والموسيقى، وأحلى من أصوات الدنيا كلها، ينتشر الصوت في الجنة كلها، تخيل ذلك المنظر، وتخيل -عبد الله- ذلك الموقف.

стр. 1097

طعام أهل الجنة وشرابهم عبد الله! في الجنة طعام وشراب فماذا يأكلون؟ أم ماذا يشربون؟ اسمع عبد الله وتخيَّل! ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ [الواقعة:٢٠] وهو جالس على الفراش يشتهي التفاح ليس كتفاح الدنيا، يشتهي الرمان، يشتهي أي ثمر على شجر الجنة، يأتيه الثمر وهو جالس: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان:١٤]. إذا أراد أن يشرب يطوف عليه الولدان المخلدون: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٨] من خمر قد امتلأت الكئوس، ثم ماذا تشتهي؟ ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْساً كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلاً * عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً﴾ [الإنسان:١٧ - ١٨]. ماذا تشتهي من الشراب؟ من الطعام؟ من الفاكهة؟ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١]. ليس هناك أنعم منها ولا ألذ منها: ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف:٧١].

стр. 1098

لباس أهل الجنة عبد الله! هذا طعامهم، فماذا يلبسون؟ أهل الجنة يلبسون الحرير وأساور الذهب والفضة، لو أن سواراً من الجنة بدا لطمس نور الشمس، ولو أن مما يطل ظفر من الجنة بدا لتزخرفت منه السموات والأرض. يلبسون الحرير قال الله : ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج:٢٣]. أما الحور العين: عليها سبعون حلة، يَرى مخَّ ساقها من وراء الحلل واللحم، ما أنعمها! وما أرقها! وما أجملها يا عبد الله! تلك هي الحور العين، ويلبس الرجال الحرير، حرموا أنفسهم في الدنيا من الحرير والذهب فجازاهم الله حريراً وذهباً في الجنة.

стр. 1099

سوق أهل الجنة وسررهم يتجمعون كل جمعة في سوقها، وهل في الجنة سوق؟ نعم، يجلسون على كثبان من اللؤلؤ في كل جمعة، فتهب عليهم الريح، فتحثو المسك في وجوههم وعلى ثيابهم ويرجعون إلى أهليهم فيقولون لهم: لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيجلسون على السرر، أتعرف صفتها؟ بارتفاع السماء عن الأرض: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية:١٣ - ١٥] وسائد قد صُفِّفت: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية:١٦] البُخْتُ والوسائد قد وزعت في بيته وفي قصره وفي خيمته.

стр. 1100

وصف الحور العين في الجنة إن في الجنة لحوراً؛ اسمع إلى صفاتهن، وتعجب منهن يا عبدَ الله! وما سوف أذكره لك في هذه الجلسة جزء قليل مما ذكره الله ورسوله ﷺ . إن في الجنة لحورية ينظر الرجل في وجهها، فيرى وجهه فيها، حور عليها لؤلؤ اللؤلؤة الواحدة خير من الدنيا وما فيها، حور يا عبد الله، لو اطلعت إحداها على الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها، يسلم عليها، فيقول لها: من أنت؟ فتقول: أنا من المزيد الذي أخبر الله عنه، ثم ينظر إليها فإذا عليها التيجان اللؤلؤة فيها تضيء ما بين المشرق والمغرب. قال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة:٢١ - ٢٤] ينظر إليها، ومن شدة إعجابه بها يعانقها أربعين سنة، لا يملها ولا تمله، ينظر إليها، أتعرف صفتها؟ مَن الذي أنشأها؟ ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥] أنشأهن الله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ [الواقعة:٣٦]- ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]- ﴿عُرُباً أَتْرَاباً﴾ [الواقعة:٣٧] متحببات إلى أزواجهن، وفي الآية الأخرى: ﴿كَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ [النبأ:٣٣] قد برزت ثُدُيُّهُنَّ، وجَمُلت وجوههن، واللهُ قد سماهن (خيرات حسان) كأنهن اللؤلؤ والياقوت. عبد الله! تلك هي الحور العين يغنين بأغنيات: نحن الخيرات فلا نبأس، فتأتي تلك المرأة التي قد حسن جمالها على تلك الحور العين فيسألها الرجل: ومن أنت؟ فتقول: أنا من نساء أهل الدنيا، أنا من الصائمات القائمات، ثم ترد تلك الصائمة التي هي من أهل الدنيا وهي أجمل من الحور العين، ترد على الحور العين فتقول لهن: نحن المصليات وما صليتن، نحن الصائمات وما صمتن، نحن المتصدقات وما تصدقتن، نحن الذاكرات وما ذكرتن، فتقول عائشة ﵂ (فغَلَبْنَهُنَّ) نعم والله، فإن نساء أهل الدنيا إن دخلن في الجنة أجمل من الحور العين، يعطى الرجل قوة مائة رجل، يجامع ما شاء، ويتلذذ بما شاء، بل له في الخيمة أهل إن أتى إلى واحدة ما تراه الأخرى، وإن أتى إلى الأخرى ما تراه الثالثة، يجامع في الليلة مائة مرة لا يتعب، يتلذذ معها، ما بالك بمن عانقها! ما بالك بمن جلس معها!

стр. 1101

أدنى أهل الجنة منزلة يا عبد الله! لا تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير! أتعلم ما هو جزاء أدنى أهل الجنة منزلة؟ جزاؤه: يدخل الجنة وله مثل ملك الدنيا عشر مرات، فيقول: (أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟ فيقول الله له: لك مثله وعشرة أمثاله في الجنة) ذلك أدنى أهل الجنة منزلة، يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم، بيد كل واحد صفحتان، إحداهما من ذهب، والأخرى من فضة، ما بالك بأعلى أهل الجنة منزلة؟ (أولئك الذين أردت، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر). عبد الله! ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. يجتمع أهل الجنة في الجنة أتعرف أين يجتمعون؟ أم على ماذا يجلسون؟ أم من الذي يخدمهم؟ أما ماذا يشربون ويأكلون؟ أم فيم يتحدثون؟ ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ [الواقعة:٢٥ - ٢٦]. عبد الله! هل لك أن تتصورها! هل لك أن تشمر إليها! هل لك أن تترك تلك المعاصي والذنوب! فإن الحياة قصيرة. دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني ما لك يا عبد الله تسمع الأذان فتولي هارباً؟! وترجع نائماً؟! تقرأ القرآن فما أراك تقبل عليه؟! وتذكر الله ولا تخشع؟! وتسمع آيات الله تتلى وأنت معرض عنها؟! عبد الله! أما سمعت إلى الجزاء؟!

стр. 1102

وصف الجنة في سورة الرحمن استمع إلى عنوان المحاضرة وما بعدها من آيات لعلك تخشع وتتدبر! ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] خاف: تاب؛ فأدلج فبلغ المنزل، وصلى في الليل والناس نيام، وأطعم الطعام، وركع وسجد وبكى من خشية الله، وكلما دعته نفسه للمعصية قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ [المائدة:٢٨] إني أخاف عذاب يوم عظيم، فإذا عصى رجع إلى الله وتاب، وادَّكَرَ وأناب. ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ [الرحمن:٤٦ - ٤٨] حدائق قد امتلأت في الجنة ليس هناك ساق لها إلا وهو من ذهب، وتخيل أخي إلى أصواتها وظلها فليس في الجنة شمس: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٤٩ - ٥٢] ومهما تصورت فالجنة أحلى وأجمل ومهما تخيلت فلن يخطر على قلب بشر: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن:٥٣ - ٥٤] الحرير الغليظ والديباج، وإذا كانت هذه هي البطائن فما بالك بظاهرها أنعم بها وأجمل! ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن:٥٤] قطوفها وجناها دانٍ: قريب ما تحتاج أن تقوم لتقطفه: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ [الرحمن:٥٥ - ٥٦] ما ترى غيرك: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦] لم يلمسها ولم يطمثها إنس ولا جان: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٥٧ - ٥٨] تخيل امرأة بشكلها ياقوت الجنة والمرجان أي صفة هي؟ ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٥٩ - ٦٠] هل جزاء الإحسان من صلاة وركوع، وسجود وخضوع، وقيام ليل، وصيام نهار إلا الإحسان!

стр. 1103

شباب شمروا إلى الجنات لما سمع بها الأولون شمروا لها وجدُّوا، وقاموا الليل، وصاموا النهار، وقرءوا القرآن، وطلبوا العلم، ودعوا إلى الله، وجاهدوا في سبيله.

стр. 1104

حنظلة غسيل الملائكة هذا حنظلة في ليلة عرسه ينام مع زوجته، فإذا به يسمع: حيَّ على الجهاد، حيَّ على الجهاد، فينتفض من الفراش ويقوم فيجاهد في سبيل الله، فيُقتل في ليلة العرس، فيراه الصحابة وجسمه يقطر من الماء، وليس هناك ماء، ولم ينزل مطر، ما باله؟ من أين أتى الماء؟ قال ﵊: (والذي نفسي بيده! لقد رأيته بين السماء والأرض تغسِّله الملائكة بصحاف من ذهب وفضة، اذهبوا إلى زوجته فاسألوها، فذهبوا إليها، فقالت لهم: قام من عندي وهو على جنابة) لم يدرك أن يغتسل حتى ذهب إلى الجهاد، فقُتل.

стр. 1105

عمير بن الحمام وشوقه إلى الجنة عمير بن الحمام، شيخ كبير يسمع حديث رسول الله ينادي: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، قال: بَخٍ بَخٍ، قال: ما حملك على قولك: بَخٍ بَخٍ؟ قال: جنة عرضها السموات والأرض ما حملني إلا رجاءَ أن أكون من أهلها، قال: فأنت من أهلها، وكانت بيده تمرات، قال: إنها لحياة طويلة حتى آكل هذه التمرات، فرماها، وأقبل إلى المعركة فقُتل). عبد الله! إنها لحياة طويلة حتى تستمع إلى ذلك الفيلم، وحتى تلعب ذلك اللعب، وحتى تنام، وحتى تبيع وتشتري، وحتى تفعل وتفعل، والله إنها لحياة طويلة.

стр. 1106

شاب صغير مع أبي قدامة يشتاق إلى الجنة استمع يا عبد الله إلى أبي قدامة الشامي، يقوم في الناس خطيباً يحثهم على الجهاد، والروم قد قدموا على المسلمين يحاربونهم، فقام أبو قدامة الشامي يحث الناس على الجهاد، وعلى القدوم على جنة الرحمن، وعلى الموت في سبيل الله فذهب إلى المعركة، وجدَّ الناس، وتأهبوا للقتال، فجاءت امرأة بيدها ظرف فقالت له تناديه: يا شيخ! تسلم عليه، فما رد عليها، خاف من الفتنة، فنادته الثالثة، فنظر إليها، فقالت: خذ هذا الظرف، فوالله لا أجد غيره، ففتحه فإذا فهي ضفيرتان؛ ما هذا يا أمة الله؟ شعرها، قالت: والله ليس عندي أغلى منهما، أنفقه في سبيل الله، أسألك بالله لَمَا جعلته لجاماً لفرسك في سبيل الله! قال: الله أكبر! الله أكبر! جيش فيه لجام الفرس ضفيرة لامرأة، فذهب إلى المعركة ودخل فيها فجاءه صبي صغير فقال له: يا عم، أسألك بالله لَمَا أخذتني معك في الجهاد! قال: أنت صبي صغير عذرك الله فارجع قال: أسألك بالله لَمَا حملتني معك في الجهاد في سبيل الله، فحمله على الدابة قال: بشرط، قال: وما هو الشرط؟ قال: أسألك إن متَّ شهيداً وأتيتَ إلى الله يوم القيامة أن تجعلني من الذين تشفع فيهم، قال: هو ذاك، فحمل الصغير على دابته ودخلا في المعركة، وفي أثناء المعركة قال له: يا عم أعطني ثلاثة أسهم قال: يا بني! اجعلها للرجال يرمون بها في المعركة قال: يا عم أعطني ثلاثة أسهم، فأعطاه الثلاثة فرمى الأول وقال: السلام عليك يا أبا قدامة فرمى الأول فقَتَل به رومياً نصرانياً، فأخذ الثاني فقال: السلام عيك يا أبا قدامة، فرمى به فقتل به نصرانياً، فرمى الثالث فقَتَل به نصرانياً ثالثاً، فجاءتة رمية طائشة فسقط من على الدابة، فنزل الشيخ الكبير إلى ذلك الصبي الصغير فنظر إليه وهو يقول: يا بني! لا تنسَ الوعد الذي بين وبينك، ثم قال له: يا عم خذ هذا الخَرْجَ، فأعطه لأمي قال: ومن أمك يا بني؟ قال: أمي التي أعطتك ضفيرتها: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٣٤]. فأخذ الخَرْجَ واجتمع الناس عليه ليدفنوه كما يُدفن سائر القتلى، فلما وضعوه في الأرض لفظته الأرض وأخرجته، سبحان الله! وكلما وضعوه في الأرض لفظته الأرض وأخرجته، فنام ذلك الشيخ الكبير، أخذته نومة، ثم جيء له في المنام، فقيل له: يا أبا قدامة! اترك ولي الله، فتركوه وابتعدوا عنه، فجاءت طير من السماء تتخطفه وتأكل لحمه، ثم ذهبت ولم يبق إلا العظم، فأرجعوه في الأرض، وتعجبوا فلما رجعوا إلى بلدهم وكان بيده ذلك الخَرْج طرق الباب على بيته، فخرجت أخته فقالت له: أمهنئ أم معزٍّ قال لها: بل مهنئ باستشهاد ولدكم، فقالت له: لقد رُزِئْنا بأبينا، قُتل أبونا في الجهاد فاحتسبناه عند الله، ورزئنا بأخينا الأكبر فاحتسبناه عند الله، والآن رزئنا بأخينا الأصغر فنحتسبه عند الله، ثم خرجت أمه التي أعطته الضفائر فقالت له: أمعزٍّ أم مهنئ؟ قال: بل مهنئ بموت ولدكم في سبيل الله، ثم أعطاها ذلك الخَرْج وأخبرها بالخبر فقال لها: جاءته طير فأخذت لحمه ثم ذهبت، فقالت له أمه: شهيد إن شاء الله قال: وما ذاك؟ ففتحت الخَرْج فإذا فيه صوف كان يلبسه ذلك الصبي تقول: كان إذا جاء الليل يلبس هذا اللباس ثم يصلي ويركع ويسجد، حتى إذا جاء السحر ونزل الرب إلى السماء الدنيا قال: اللهم لا تحشرني إلا من حواصل الطير، يعني: في بطون الطير، شهيداً في سبيلك يا رب! تقول: كل ليلة كان يدعو بهذا الدعاء أما الأول فاستجاب الله له، أما الثاني: فهي ترجوه عند الله، ثم احتسبته عند الله فقال الرجل: لا إله إلا الله! إي والله! لا إله إلا الله! شمروا للجنة: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:٢٣]. تخيل صبياً يفعل هذه الأفعال! تخيلوا امرأة تفعل ذلك الفعل! ما بالنا نحن الرجال! ما بالنا نحن الأشداء!

стр. 1107

صفات أهل الجنة أتعرف تلك الجنة أعدها الله لمن؟ للذين هم في صلاتهم خاشعون، للذين هم للزكاة فاعلون، ولفروجهم حافظون، للذين أطاعوا الله ورسوله ففعلوا السنن وحاربوا البدع، للذين وحدوا الله ، وتركوا الشرك بالله صغيره وكبيره، للذين أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وركعوا مع الراكعين، للذين تركوا المراء، وتركوا الكذب وإن كانوا مازحين، لمن حسنت أخلاقهم، لمن أطعموا الطعام، وألانوا الكلام، وأفشوا السلام، وصلوا بالليل والناس نيام. نعم يا عباد الله! للآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، وللدعاة في سبيل الله، نعم يا عبد الله، للذين ضمنوا ما بين لِحاهُم وما بين أفخاذهِم. عبد الله! أولئك عباد الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] لا تقنط يا عبد الله، ركعتان تحسن فيهما وتستغفر الله من ذنبك يغفر الله لك ذنبك كله: (مَن قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة؛ حُطَّت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)، (يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم). فحيَّ على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيمُ وحيَّ على روضاتها وخيامها وحيَّ على عيش بها ليس يُسأمُ فيا ساعياً في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قريب ستندمُ قد دنى الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضَرَّمُ وتشهد أعضاء المسيء بما جنى كذاك على فيهِ المهيمنُ يختمُ ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١]. أسأل الله الذي جمعنا في هذا المكان؛ أن يجمعنا وسائر المسلمين في مستقر رحمته إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله صحبه أجمعين.

стр. 1108

البدار إلى دار الأبرار إن الله أمر المؤمنين بطاعته، ووعدهم جنته، وقد ذكر الله أوصاف الجنة في كتابه وعلى لسان رسوله، ومع ذلك فإننا لن ندرك حقيقة تلك المعاني والصفات إلا عندما ندخلها إن شاء الله.

стр. 1109

أوصاف الجنة بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه. أما بعد: البدار إلى دار الأبرار، ولعل العنوان يدل على عنوان المخيم المبارك إن شاء الله، ألا وهو مخيم: رياض الجنة، وسوف نتجول الليلة إن شاء الله في رياض الجنة، بأفكارنا وشعورنا، يحاول كل رجل منا وهو جالس أن يتخيلها، ومهما تخيلت ومهما تصورت فالجنة أعظم، حتى قال الله جل وعلا: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٧] مهما تخيلت وتصورت ففيها: (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر). عبد الله: اسمع إلى هذه الصفات، وأريد منك أن تشتاق إليها، كان النبي ﷺ يحدث أصحابه مرة، فقال لهم: (قوموا إلى جنة -فذكر صفة واحدة من صفاتها- قال: عرضها السموات والأرض، أو كعرض السماء والأرض، فقال أحدهم: بخٍ بخٍ، قال: ما حملك على قولك بخٍ بخٍ؟ قال: رجاء أن أكون من أهلها -سمع صفة واحدة- فدخل في المعركة فقاتل حتى قتل). صفة واحدة، والآن سوف نسرد لكم صفات، ونحاول أن نجمع لكم شتات من أوصاف هذه الجنة، فهل لك أن تشتاق إليها؟ وهل لك أن تبادر وأنت في ليلة هي أول ليلة من ليالي رمضان؟ وبإذن الله جل وعلا في هذه الليلة فتحت أبواب الجنة التي سوف نتكلم عنها، وغُلِّقت أبواب النيران وفي كل ليلة -وهذه أولها- عتقاء من النار، فاحرص يا عبد الله أن تكون هذه الليلة من عتقاء النار، كل ليلة، وإذا أعتقك الله من أول ليلة فأنت الرابح، والله مهما فعلت إلى أن تموت فقد أعتقت من النار، لن تمسك النار. عبد الله: احرص من أول ليلة، ففي هذه الليلة صفدت بإذن الله الشياطين، مردة الجن، فالأمر ميسر، ولله عتقاء (وينادي منادي: يا باغي الخير أقبل! ويا باغي الشر أقصر) فاسمع يا عبد الله إلى صفاتها، وتخيلها يا عبد الله، واعلم أنك إن لم تدخلها فإنك محروم. أهل الجنة إذا جاءوا عند الله يوم القيامة، وإذا استقبلوا ربهم عند الله جل وعلا يوم القيامة فجاء العبد المؤمن إلى ربه، فيقول له الله جل وعلا: (عبدي! أتذكر ذنب كذا) تذكر تلك الليلة وذلك الموقف، تذكر عندما كلمت فلانة، تذكر عندما نمت عن الصلاة، تذكر عندما استمعت إلى الأغاني، تذكر لما أكلت الربا، تذكر يا عبدي! ولكنه تاب، ولكنه أناب، ولكنه استغفر فيقول له الله جل وعلا: (سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيقول هذا الرجل: ذنوبي، يقول الله جل وعلا: أغفرها لك اليوم فيعطى الكتاب بيمينه، فيولي للناس يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]) أي: أيها الناس اقرءوا، انظروا ماذا عملت؟ انظروا إلى الصلاة والقيام والصيام والقرآن، انظروا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠].

стр. 1110

وفود عباد الرحمن إلى الجنان فيذهب مع أصحابه، ومع زملائه، يتجمعون أفواجاً، زمرةً، فتساق هذه الزمرة إلى الجنة، إلى التي كان يسمع عنها في الدنيا، وكان يحدث عن أوصافها، القلب من شوقه يكاد يطير فرحاً، يشم رائحتها على بعد أربعين عاماً، ثم يساقون إلى الجنة وقد أغلقت أبوابها، في تلك اللحظة الأبواب كلها مغلقة، كل باب منها ما بين مصراعيه مسيرة أربعين سنة ما تصل إلى الطرف الآخر. وتخيل المؤمنين، الدفعة الأولى، الزمر الأولى، كلهم عند أبواب الجنة مصطفين لها ثمانية أبواب وليس باباً واحداً، ينتظرون أفضل البشر محمد ﵊، يتقدم الناس، والناس ينظرون ويتشوقون ويتلهفون، فيأتي إلى حلقة من حلقات أبواب الجنة، وللجنة حلقات، فيطرق باب الجنة، فيسأله رضوان خازن الجنة من أنت؟ فيقول: أنا محمد، انظر إلى التواضع، انظر إلى الأدب، أنا محمد ﵊ فيقول الملك: أمرت ألا أفتح لأحد قبلك. ما يفتح الباب لغيره، وما يؤذن في دخول الجنة إلا بعده ﵊ (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) أي: أبى دخول الجنة، فإذا بالباب يفتح، وتخيل أنك تنظر إلى هذا المنظر الباب يفتح، والرائحة تخرج، والنور يشع، والناس تدخل زمرة زمرة، وأول هذه الأمة دخولاً أبو بكر، فإذا بهم يدخلون الجنة، وإذا بك ينادى باسمك، أين فلان بن فلان ليدخل من باب الريان، كان يكثر من الصيام، أين فلان يدخل من باب الصلاة كان يكثر من الصلاة، أين فلان ليدخل من باب الجهاد كان مجاهداً في سبيل الله، أين فلان ليدخل من باب الصدقة، ومنهم من ينادى من بابين، ومنهم من ثلاثة أبواب، يختار أي باب يدخل، ومنهم من ينادى من ثمانية أبواب وأبو بكر منهم، أين فلان بن فلان؟ تخيل ينادى باسمك، فإذا بك تدخل، أتعرف كيف يدخلون أهل الجنة؟ يدخلون الزمرة الواحدة كل واحد ماسك بيد الآخر، صاحب العمل في الدنيا وزميله، ومن كان يحضر معه الدروس ويصلي ويصوم معه، يقبض على يديه، فلا يدخل واحد إلا ويدخل الآخر، ولا يدخل أولهم إلا ويدخل آخرهم، باب اتساعه مسيرة أربعين سنة.

стр. 1111

استقبال الملائكة للمؤمنين عند ذلك تستقبلهم الملائكة تقول لهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٤] صبرتم على ماذا؟ على قيام الليل. هل صبرتم على التلفاز أو اللعب، أو اللهو، لا والله: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٤]. النساء في كل مكان، الأغاني بمتناول يده، الخمر، الربا، يستطيع أن يحصل عليه لكنه صبر، وترك كل هذا لله ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد:٢٤] تأتيه المصائب تلو المصائب، والآلام والحوادث لكنه صبر وما جزع، ورضي بقدر ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤] ويدخل بعض الناس مع ذريته وآبائه، وزوجاته، تدخل الجنة العائلة كلها، بعضهم مع بعض، تخيل يا عبد الله تدخل مع أبيك وأمك، تدخل مع زوجتك وأولادك، وأهل بيتك كلهم، تدخل معهم دفعة واحدة وزمرة واحدة. عبد الله: هل يوجد نعيم أفضل من هذا النعيم؟ أول ما تدخل ماذا ترى؟ ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان:٢٠] إنه نعيم وملك كبير.

стр. 1112

وصف أرض الجنة ومنازلها وقصورها أما أرض الجنة فهي كالمرآة بيضاء، من اللؤلؤ، أو الزعفران، أو الياقوت. تطؤها رجلك. تريد أن تسير إلى منزلك، أتعرف أين يكون منزلك في الجنة؟ أما منزلك يا عبد الله تعرف مكانه في الجنة كما تعرف بيتك في الدنيا، تهرول إلى بيتك فإذا بخيمة طولها ستون ميلاً عند باب القصر، هذه الخيمة كيف بالقصر يا عبد الله؟! تخيل الآن: القصر من ذهب وفضة، ملاطها أي: ممسوحة بالمسك يا عبد الله! هذا ظاهره، كيف بباطنه يا عبد الله؟! نعيم ما تتصوره: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]

стр. 1113

وصف غرف الجنة وأشجارها عبد الله: إذا دخلت تلك الغرف فإنك ترى باطنها من ظاهرها وظاهرها من باطنها ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر:٢٠] إذا دخلت داخل الغرفة، في القصر ترى خارج القصر وأنت داخل القصر. عبد الله! تخيل منظر هذه الغرفة، بل تخيل تلك القصور، بعض الناس إذا دخل بيوتاً في الدنيا ينسى الدنيا وما فيها من حسنها وجمالها، كيف بقصر بناه الله جل وعلا؟! كيف بجنة أنشأها الرحمن جل وعلا؟! عبد الله: إذا خرجت من قصرك ماذا ترى؟ ترى أشجاراًَ موزعة في الجنة، وتخيل وتصور، الأشجار ما من شجرة إلا ساقها من ذهب، عليها ثمار، إذا اشتهيت الثمر لا ترفع يديك، وتتعب نفسك بل ينزل لك الثمر حتى تقطفه بيدك ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان:١٤] ليس في الجنة شجرة إلا ساقها ذهب. أخي الكريم: في الجنة شجرة طول ظلها مسيرة مائة عام، للراكب السريع، على الجواد السريع مائة سنة، لا يصل إلى طرف الظل، مائة عام كم مرة يقطع الأرض ويدور حول الأرض؟ هذا ظل الشجرة يا عبد الله! كيف بصفتها؟! كيف بلونها؟! كيف بشكلها يا عبد الله؟! ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة:٢٧ - ٢٨] السدر في الدنيا فيه شوك، أما سدر الجنة فهو مخضود قد زيل عنه الشوك، وفي مكان كل شوك ثمرة، تفتق الثمرة عن اثنتين وسبعين لوناً، ما من لون يشبه الآخر.

стр. 1114

وصف أنهار الجنة وعيونها طعام لأهل الجنة ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة:٢٨ - ٣٠] يجلسون تحت الأشجار، ويأكلون من الثمار، وهم على الأنهار، وتخيل أنك تجلس على حافة نهر، صفة النهر ليس كالدنيا، أنهار الدنيا تجري في أخاديد، يحفر الأرض النهر فيجري فيها، أما في الجنة فلا، يسير نهر الجنة بغير أخاديد، يسير على أرضها: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ [الواقعة:٣١] تخيل أنك تجلس على حافة النهر، وعندك، وبجنبك، أصحابك وإخوانك، ولعلهم أبناؤك يا عبد الله، ولعله أبوك وأمك، تجلسون على حافة النهر، أما حافة النهر، فإنها قباب اللؤلؤ والياقوت، أتظن يا عبد الله أنها أنهار من ماء فقط؟ لا. ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥] تصور الآن، نهر يجري من لبن: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥] تخيل هذا النهر يجري من خمر، وأي خمر؟ ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥] وتخيل النهر الرابع: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:١٥] تخيل النهر من عسل وهو يجري وتشرب منه ما شئت، وتجلس على حافته ما شئت يا عبد الله! أما العيون في الجنة فإنها تفجر، يقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ [الإنسان:٥ - ٦].

стр. 1115

طعام أهل الجنة وشرابهم عبد الله: يأكلون ويشتهون بغير جوع ولا عطش فيأكلون ويشربون، أتعرف ماذا يأكلون وماذا يشربون؟ قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢٠ - ٢١] أي فاكهة يتخيرونها، بل أي لحم يشتهونه، يجلس في مكانه يأتيه ولا يتعب ولا يقوم من مجلسه، بل يطوف عليه الغلمان، بالصحائف، وبالأكواب، وبالأباريق، ماذا تشتهي خمر؟ لبن؟ ماء؟ عسل؟ كل ما تشتهي من شراب، وما تشتهي من طعام، يمشي عليك وأنت تجلس على الأريكة.

стр. 1116

وصف سوق أهل الجنة في كل أسبوع لهم سوق يخرجون إليه في كل جمعة، فإذا بهم يجلسون على كثبان من الرمل، يجلسون فتأتي ريح تحثوا على وجههم، ثم يرجعون إلى البيوت والخيام، والقصور والحور العين، يرجعون فيقول لهم أهلوهم قالوا: والله، لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً، فيقول هؤلاء الرجال: وأنتم والله قد لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً.

стр. 1117

وصف فرش أهل الجنة يجلسون على فرش، وعلى آرائك، تعرف ما صفتها؟ ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية:١٣ - ١٤] فالسرر مرفوعة حتى قال بعضهم: مرفوعة إلى قدر السماء قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن:٥٤] بطائن هذه الفرش داخلها من إستبرق، ما تكلم الله عن ظاهرها، تركه الله جل وعلا.

стр. 1118

صفة نساء الجنة عبد الله: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. واستعد الآن وتخيل صفات نساء الجنة، واعتبر واستمع! واعلم أن ما سوف أذكره لك حق، لا مرية فيه، واعلم أنه مهما وصفنا، فحور الجنة أعظم مما نصف. تأتيه الحورية من أهل الجنة، فيعانقها فيرى وجهه في صفحة خدها؛ من حسنها، وجمالها، ونعومتها. يا عبد الله! عليها تاج على رأسها، فيه لؤلؤ واللؤلؤة الواحدة لو كشفها الله؛ لأضاءت ما بين المشرق والمغرب، اللؤلؤة الواحدة يا عبد الله! في بعض الروايات إن صحت: (أن الرجل في الجنة يعانقها أربعين سنة لا يتركها ولا يمل منها) قال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ [الواقعة:٢٢ - ٢٣] صفة الحورية كاللؤلؤة يا عبد الله! في حسنها وجمالها، لو أن امرأة من أهل الجنة طلعت فقط ونظرت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بين السماء والأرض، تخيل يا عبد الله! كيف بمن يعانقها؟! كيف بمن يعاشرها؟! يعطى الرجل قوة مائة رجل، كم مرة تجامع في الليلة الواحدة، مرة مرتين، مائة مرة لا تتعب يا عبد الله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة:٣٥] من الذي أنشأهن؟ إنه الرحمن جل وعلا. نصيفها -خمارها- على رأسها خير من الدنيا وما فيها، يا من تتكالب على الدنيا! يا من ألهتك الدنيا عن الصلاة وعن الذكر وعن القرآن! يا من تمتع بالدنيا، ونسي أمر الله جل وعلا خمار الحورية على رأسها خير من الدنيا وما فيها يا عبد الله! ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ [الواقعة:٣٥ - ٣٦] لو تطؤها مائة مرة فإنها بكر: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً﴾ [الواقعة:٣٦ - ٣٧] في سن واحد وفي عام واحد، لا يكبر سنها، ولا تبلى ولا تشيب ولا تنتن، ولا يأتيها الحيض. لا ترى غيرك: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]. عبد الله لا ترى غيرك، ولا تحب سواك، ولا تعلم سواك قابعة في قصرك، أو في خيمتك، كم مرة تجامعها، بل ليست واحدة يا عبد الله! لك في القصر حور، ولك في الخيام حور، ولك ما تشتهي من الحور العين يا عبد الله! ﴿وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة:٢٢ - ٢٤].

стр. 1119

أدنى أهل الجنة منزلة عبد الله: إن أدنى أهل الجنة منزلة، -يقول بعض السلف- لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم، كل واحد بيده صفحتان واحدة من ذهب والأخرى من فضة، وصح في الحديث عن أدنى أهل الجنة منزلة: (أن له مثل الدنيا وعشرة أمثالها) اسمع إلى الحديث الصحيح يقول ﵊: (لو أن مما يقل ظفر) تخيل يا عبد الله! لو تحمل شيئاً من الجنة بظفرك، وتخرجه من الجنة، أتعرف ماذا يحصل؟ (لتزخرفت خوافق السموات والأرض) هذا لو تحمله بظفرك (مناديل سعد في الجنة خير من الدنيا وما فيها) (موضع سوط أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس). عبد الله: هل فكرت في غيرها؟ قال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة:٢٧]. عبد الله: أتعرف من هم أعظم من أصحاب اليمين، وأعلى من أصحاب اليمين؟ قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] أهل قيام الليل، أهل الصدقة، أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١١ - ١٤].

стр. 1120

النظر إلى وجه الله عبد الله: واسمع إليهم وهم يتمتعون، وهم يلهون عند الأنهار تحت الأشجار في القصور في الخيام، يجامعون الحور العين، في لحظة واحدة يناديهم الرب، فيقول: (يا أهل الجنة! يا أهل الجنة! يا أهل الجنة! فيستمعون، فيقول لهم الرب: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: يا رب! ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ وأي نعيم أعظم من هذا؟ فيقول: فيكشف الرب عن الحجاب، فينظرون إليه جل وعلا فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجهه جل وعلا: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]) فينسون بعد هذا النظر نعيم الجنة وما فيها. عبد الله: إذا كانت هذه بعض صفات الجنة، فهلا شمرنا.

стр. 1121

المشتاقون إلى الجنة اسمع إلى الأولين كيف كانوا يشمرون إلى هذه الجنة، وانظر لنفسك هل أنت من المتسابقين إليها؟ أم أنت ممن تستمع إلى بعض صفاتها، ثم بعدها ترجع إلى حالك السابق، أغاني، وزمر، وطرب، ونوم عن صلاة، وقلة ذكر، وعدم قراءة قرآن.

стр. 1122

قصة أبي قدامة مع امرأة وابنها يقول أبو قدامة الشامي: خطبت في الناس وكان وقت جهاد في سبيل الله، فتكلمت في فضل الجهاد، وحث الناس على الجهاد، فلما نزلت من الخطبة جاءتني امرأة فنادتني فقالت: يا شيخ! فالتفت فإذا بامرأة، فتركتها، فقالت: يا شيخ! قال: فالتفت فإذا هي تنادي فتركتها، فقالت لي: يا شيخ! والله لتقف، فوقفت واستمعت إليها، ماذا تريد فقالت لي: يا شيخ! سمعت خطبتك عن الجهاد، فوالله لا أملك شيئاً أجاهد به إلا هذا الظرف فخذه واستعمله في الجهاد في سبيل الله، يقول: فأخذت هذا الظرف، وذهبت المرأة، يقول: ففتحت هذا الظرف فإذا فيه ظفيرتان، قد قصت شعرها ووضعته في ذلك الظرف، لا تملك غيره، وأي شيء أعظم عند المرأة من شعرها، ما عندها مال، ولا دارهم، ولا تستطيع أن تجاهد فقصت شعرها، ووضعته في ذلك الظرف، ليستخدم في الجهاد في سبيل الله. يقول: فربطت به فرسي، وصعدت على الفرس لأذهب إلى الجهاد، يقول: فلما ذهبنا، فإذا بصبي يناديني، فقال لي: يا شيخ! قلت: ماذا تريد؟ قال: يا شيخ! قلت: ماذا تريد؟ قال: احملني معك للجهاد في سبيل الله، قلت: يا بني أنت صغير والله قد عذرك، قال: أقسمت عليك لتحملني معك للجهاد في سبيل الله، يقول: فقلت له: بشرط واحد، قال: وما هو الشرط، قال: إنك إذا مت ولقيت الله جل وعلا أن تشفع لي عند الله؛ لأن الشهيد يشفع في سبعين من الناس يا عبد الله! يقول: فقال لي: نعم، فحملته على فرسي، ردفته، يقول: ودخلنا في الجهاد، وبدأت المعركة، وحمي الوطيس، وفي أثناء المعركة ناداني ذلك الغلام الصبي، فقال لي: يا شيخ! فقلت: ماذا تريد؟ فقال: أعطني سهماً، قال: اترك السهم لأهله، قال: أعطني سهماً، يقول: فأعطيته ثلاثة أسهم، يقول: فوضع السهم في النبل، ثم قال: باسم الله، فرمى السهم فأصاب به نصرانياً فقتله، وأخذ الآخر فقال: باسم الله، يقول: فرمى به الآخر فقتله، يقول: وأخذ الثالث فقال: باسم الله، فرمى الثالث وقتله، ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]. يقول: وبعد الثلاثة أصيب بسهم في صدغه، فسقط من على الفرس، فنزلت إليه أسعفه، فنظرت إليه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة يحتضر، فقلت له: يا غلام يا غلام لا تنسى العهد الذي بيني وبينك أن تشفع لي عند الله، فقال: يا شيخ! خذ هذه وأعطها لأمي، يقول: فأخذت خرقة، فقلت له: ومن أمك يا بني؟ فقال ذلك الغلام: يا شيخ! أمي صاحبة الظفيرتين، أمي صاحبة الظفيرتين، أمي صاحبت الظفيرتين، وفارق الدنيا. يقول: فرجعنا من المعركة، وطرقت الباب، فخرجت لي بنت، فقلت لها: أين أمك؟ فقالت هذه البنت: بشرنا يا شيخ! عن أخي، فقال: أخوك قد استشهد في المعركة في سبيل الله، فقالت البنت: الحمد لله، الحمد لله، مات أبي فاحتسبناه عند الله، ثم مات أخي الكبير فاحتسبناه عند الله، الآن يموت أخي الصغير فنحتسبه عند الله، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. الله أكبر كيف كانوا يتسابقون إلى الجنة ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢١].

стр. 1123

حنظلة وشوقه إلى الجنة أسمعت بـ حنظلة يا عبد الله؟! هذا الصحابي الجليل، في ليلة عرسه، وأي ليلة أعظم من هذه الليلة لأهل الدنيا؟ في ليلة عرسه يجامع الزوجة، فإذا به يسمع صيحة الجهاد، حي على الجهاد، حي على الجهاد، يا خيل الله اركبي، يا خيل الله اركبي، فينتفض من فراشه، ثم يقوم فيركب على فرسه، ثم يذهب إلى الجهاد في سبيل الله فيقاتل حتى يموت ويستشهد، يقول ﵊: (الله أكبر لقد رأيته بين السماء والأرض تغسله الملائكة). عبد الله: هلا كنا كأمثال هؤلاء، الواحد منهم يشم رائحة الجنة وهو على الدنيا.

стр. 1124

أنس بن النظر وشوقه إلى الجنة أسمعت بـ أنس بن النضر في غزوة أحد، ينظر إلى سعد جالساً فيقول ل سعد: [يا سعد! ما الذي أجلسك؟ فيقول: لقد مات رسول الله، فيقول: وماذا تصنع بالحياة بعد رسول الله؟ قوموا فموتوا على ما مات ﵊، فيتقدم في المعركة ويقول لـ سعد: يا سعد! واه لريح الجنة، واه لريح الجنة، إني أجدها دون أحد] ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة:١٠ - ١٢]. أتظن أن الشهيد إذا مات فإنه في حفرة ضيقة؟ لا. إن روحه معلقة في الجنة، في حواصل طير يطير في الجنة إلى أن تقوم الساعة، يا عبد الله! لا تظنهم أمواتاً ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]. لقد ذهب الناس، ولقد سبق المفردون، ولقد وصل بعض الناس وهو على الدنيا يمشي لقد وصل إلى الجنة. (يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة) أتعرف ما صفة هذا الرجل الذي مشى على الدنيا وكتب من أهل الجنة؟! (إذا نام فإنه لا يحمل في قلبه على أحد من المسلمين غشاً، أو حسداً، أو غلاً) أهل الجنة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧] تعرف كيف دخل الجنة؟! سلَّم صدره على المسلمين، وأحسن الظن بإخوانه، وأحب في الله جل وعلا، ولم يبغض إلا لله جل وعلا، لا لحظوظ نفسه ولا لهواه. عبد الله: أهل الجنة دخلوا الجنة بصلاة آخر الليل، وبصيام أول النهار يا عبد الله! فحي على جنات عدن فإنها منازلنا الأولى وفيها المخيم وحي على روضاتها وخيامها وحي على عيش بها ليس يسأم فيا ساهياً في غمرة الجهل والهوى صريع الأماني عن قريب ستندم أفق قد دنا الوقت الذي ليس بعده سوى جنة أو حر نار تضرم وتشهد أعضاء المسيء بما جنى كذاك علا فيه المهيمن يختم عبد الله: ونحن في هذه الليلة المباركة، ما يدريك لعلك في هذه الليلة يكتبك الله من أهل الجنة، وماذا تريد من الدنيا إذا كتبك الله من أهل الجنة؟! عبد الله: جاهد نفسك ألا يمر رمضان إلا وقد غفر الله ذنبك (رغم أنفه من أدرك رمضان ولم يغفر له). عبد الله: جاهد نفسك ألا تمر هذه الليلة، إلا وقد أعتقك الله من النار. عبد الله: أتعرف ما هو السبيل، السبيل دمعتان آخر الليل، أو في سجود، وأنت رافع يديك إلى الله، تذكر ذنوبك السابقة، ثم ترجو رحمة الله، ثم تدمع العين، ثم يتوب الله عليك.

стр. 1125

قصص رجال تابوا إلى الله اسمع إلى هذا الرجل، يقول عن هذا الشاب الذي قد أهلته الدنيا وأضاعته بين الشهوات، والملذات، كيف ختم الله له. اسمع يا عبد الله ولعلك تكون من هؤلاء الرجال، يقول: رأيته يكلم فتاة في الطريق، فأتيت لأنصحه، يقول: لما اقتربت منه هربت الفتاة، فجئت لأنصح هذا الشاب، فإذا به يستمع، يقول: وأنا أنصحه لمدة نصف ساعة، يقول: فلما ختمت الكلام ذرفت عيناه بالدموع، بكى، (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) هل لك أن تبكي من خشية الله، يا عبد الله؟ إذا أردت الجنة هذا طريقها، يقول: فبكى، ثم قلت له: يا فلان أعطني رقم هاتفك، يقول: فأعطاني رقم هاتفه، يقول: وبعد أسبوعين تذكرته، فاتصلت عليه، فقلت: فلان تذكرني؟ قال: نعم، قال: وكيف أنسى صوتاً كان سبباً لهدايتي، قال: الله أكبر اهتديت، قال: والله منذ تلك الكلمات وقد شرح الله صدري، لا أفارق المسجد ولا القرآن، قلت: أزورك الليلة، قال: متى؟ قلت: بعد صلاة العصر، قال: فشغلني شاغل، وجئته في الليل فطرقت الباب، فقلت: أين فلان؟ قالوا: من تريد؟ قلت: فلان، قالوا: دفناه قبل ساعة ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٢٩] فقال لي هذا الشيخ الكبير: ومن أنت؟ قال: عرفت ابنك قبل أسبوعين، قال: دعني أقبل رأسك قال: لِمَ؟ قال: دعني أقبل رأساً أنقذ ابني من النار. عبد الله: لا تضمن أنك ستخرج من هذه الخيمة، ولا تتيقن أنك سترى الشمس تطلع، ولا تضمن نفسك أنك إذا نمت أن تصحو من نومك. يا نفس توبي فإن الموت قد حانا واعصي الهوى فالهوى ما زال فتانا أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا وفي كل يوم لنا ميت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا يا نفس ما لي وللأموال أتركها خلفي وأخرج من دنياي عرياناً أبعد خمسين قد قضيتها لعباً قد آن أن تقصري قد آن قد آنا ما بالنا نتعامى عن مصائرنا ننسى بغفلتنا من ليس ينسانا نزداد حرصاً وهذا الدهر يزجرنا كأن زاجرنا بالحرص أغرانا أين الملوك وأبناء الملوك ومن كانت تخر له الأذقان إذعانا صاحت عليهم حادثات الدهر فانقلبوا مستبدلين من الأوطان أوطانا خلو مدائن كان العز مفرشها واستفرشوا حفراً غبراً وقيعانا يا راكضاً في ميادين الهوى مرحاً ورافلاً في ثياب الغي نشوانا مضى الزمان وولى العمر في لعب يكفيك ما قد مضى قد كان ما كانا عبد الله: البدار البدار، السباق السباق، واعلم يا عبد الله أن من الناس من كتب الله له الجنة وهو يمشي على الأرض، فكن من هؤلاء النفر. نسأل الله أن يعتقنا وإياكم في هذه الليلة من النار، وأن يكتبنا في دار الأبرار، وصلى الله وسلم على سيد الأبرار وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →