Полный текст (1 195 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ثبات عباد بن بشر في صلاته
اسمع يا عبد الله إلى عباد بن بشر! انظر إلى باقي الأصحاب، وبقية السلف! هذا عباد بن بشر ﵁ أحد الصحابة، يقوم حارساً للنبي ﷺ هو وعمار على ثغر المسلمين، فيأتيه أحد المشركين في الليل وهو يصلي، فيراه أحد المشركين فيرميه بسهم وهو يصلي، فنزع السهم ورماه وأكمل صلاته، فرماه السهم الآخر، فنزع السهم ثم أكمل صلاته، ورماه بالسهم الثالث، فأتم صلاته وخففها، فانتبه عمار فقال له: ويحك لِمَ لَمْ توقظني؟ قال: والله لقد كنت أقرأ سورة وخشيت أن أقطعها، والذي نفسي بيده لولا أني كنت على ثغرٍ أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لكان خروج نفسي أحب إليَّ من أن أقطع هذه السورة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] بعض الناس يطمئن قلبه بسماع أغنية فلان أو فلانة، أو بمجلس طرب، أو أمام التلفاز، أو في ملاعب الكرة، يقول: هنا يطمئن قلبي! بئس القلب الذي مات وقسا، وران عليه ما ران، أما قلوب المؤمنين إذا سمعت ذكر الله اطمأنت واستبشرت، وانشرح الصدر بذكر الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
стр. 72
عبادة عبد الله بن عمر بن الخطاب
ابن عمر بن الخطاب ﵁ وعن أبيه كان إذا قام الليل صلى -كل يصلي الليل إلا قليلاً منه ينامه- كان يقوم الليل ثم يسأل نافع بعد الركعتين، فيقول له: يا نافع! -مولاه- أسحرنا؟ فيقول: لا بعد، فيصلي، وبعد الركعتين يسأله: يا نافع! أسحرنا؟ فيصلي وهكذا حتى الفجر، لأن النبي ﷺ في يوم من الأيام قال له: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل).
جرب قيام الليل يا عبد الله! أنصحك نصيحة هذه الليلة اعزم القيام وإياك أن تبدأ بقوة وحماس فتصلي نصف الليل ثم في اليوم الثاني لا تصلي شيئاً، ابدأ قليلاً قليلاً وعود النفس ابدأ هذه الليلة بثلاث ركعات ربع ساعة نصف ساعة، ابدأ شيئاً قليلاً، وفي اليوم الثاني زد، وفي الثالث زد، وعوِّد النفس حتى تقوم ثلث الليل، وخير القيام قيام داود.
стр. 73
التابعون وعبادتهم
стр. 74
عبادة علي بن الفضيل بن عياض
اسمع يا عبد الله إلى الفضيل بن عياض! وأنا أظن أن أكثركم قد سمع بـ الفضيل بن عياض الذي يسمى بعابد الحرمين، هذا الرجل من عبادته أنه كان إذا ذكر عنده الله أو سمع القرآن ظهر عليه من الحزن والخوف ويبكي حتى يرحمه من بحضرته، له ولد اسمه علي كان إذا صلى علي خلفه س وهو إمام في الصلاة، كان لا يرتل القرآن، لأنه يخاف على ابنه، لأن ابنه لا يتحمل القرآن، فكان إذا رأى ابنه خلفه قرأ القرآن قراءة عادية، وفي يومٍ من الأيام دخل ابنه في الصلاة، ولم يكن الفضيل يعلم أن ولده خلفه، فرتل الآيات، ووصل إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] سمع ابنه يبكي، فخفف الصلاة، وبعد الصلاة وجد ابنه على الأرض، فحملوه ولكن فاضت الروح إلى بارئها: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
نعم! إنهم صالحون يخافون من ذلك اليوم يخاف أن يبدو له شيء آخر، أين أولئك الغافلون؟ أين الذين لا يصلون الفجر حتى تطلع الشمس؟ أين الذين قطعوا الأرحام؟ أين الذين نظروا للنساء وتمتعوا بالنظر إليهن؟ أين سماع الأغاني والطرب؟ أين هم؟ إن الصالحين يخافون إذا لقوا الله جل وعلا: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
стр. 75
عبادة سفيان الثوري
سفيان الثوري ﵀ يقول عنه عطاء: ما لقيته إلا باكياً، فقلت له: لماذا تكثر من البكاء؟
-واسمع للإجابة ثم ضعها في قلبك وتفكر فيها، واجلس دقائق معدودة فكر في هذه الكلمات- قال سفيان الثوري: أخاف أن أكون في أم الكتاب شقياً، أخاف أن الله كتب أنني في النار، أخاف أن الله في اللوح المحفوظ حكم علي أنني من أهل جهنم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠].
أكثر أحيانه يرى كأنه في سفينة يخشى الغرق، دائماً يقول: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم، تجده باكياً، ويدعو بهذا الدعاء.
يقول ثابت البناني ﵀: كنا نتبع جنازة فلا نرى سفيان -أي: الثوري - إلا متقنعاً باكياً متفكراً، يقول: هذه حاله، كلما رأيناه يبكي، نراه يخفي وجهه في الجنازة، ويجلس على زاوية ثم يأخذ يبكي، يتفكر في أحوال الموتى، اسمع إلى قول الشاعر ماذا يقول، وتفكر يا عبد الله:
يا غافلاً عن منايا ساقها القدرُ ما الذي بعد شيب الرأس تنتظرُ
عاين بقلبك إن العين غافلةٌ عن الحقيقة واعلم أنها سقرُ
سوداء تزفر من غيضٍ إذا سعرت للظالمين فما تبقي ولا تذرُ
لو لم يكن لك غير الموت موعظة لكان فيه عن اللذات مزدجرُ
стр. 76
عبادة ثابت البناني
ثابت البناني: يقول عنه جعفر: بكى ثابت حتى كادت عينه أن تذهب -أي: يعمى- فجاءوا بالطبيب قالوا: أدرك هذا الرجل سوف يصاب بالعمى، سوف تذهب عيناه، فقال له الطبيب: أعالجه على أن يطيعني قال: وما هو؟ قال: إذا أردت بقاء عينيك فلا تبكِ، فقال ثابت ﵀: وما خيرهما إن لم تبكيا؟ إذا كانت العين لا تبكي من خشية الله فما فائدتها؟ عينٌ لا تبكي من خشية الله لا خير فيها عينٌ لا تتأثر لما تسمع من آيات النار وآيات جهنم وأهوال القيامة ولا تدمع فلا خير فيها، يقول الله عن الصالحين: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾ [الإسراء:١٠٩].
стр. 77
عبادة زياد بن جرير
يقول حفص بن حميد: واسمع إليهم يا عبد الله ثم حاسب نفسك، وانظر إلى حالك وحالهم- قال لي زياد بن جرير: اقرأ، قال: فأخذت أقرأ القرآن حتى وصلت إلى قول الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:١ - ٣] قال: فإذا به يبكي كما يبكي الصبي، فقلت: مالك؟ قال: فعل هذا برسول الله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:٢ - ٣] يقول: كيف بنا نحن؟! وزر رسول الله الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ﵊ أنقض ظهره، ماذا نعمل نحن يا عباد الله؟!
стр. 78
عبادة الفضيل بن عياض
وهذا الفضيل بن عياض، يقول عنه إسحاق بن إبراهيم: كانت صلاته بالليل أكثر ذلك قاعداً لا يتحمل القيام، كان يقعد في الليل فيصلي، تُلقى له حصيرة في المسجد -الآن تخيل حال هذا الرجل- فيصلي من أول الليل ساعة، حتى تغلبه عينه فيلقي نفسه على الحصيرة في المسجد، فينام قليلاً ثم يقوم: فإذا غلبه النوم نام، ثم يقوم فيصلي ثم ينام، ثم يقوم فيصلي، حتى يطلع الفجر، ثم يقول لمن حوله: أشد العبادة ما يكون هكذا: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات:١٧].
تأتي بنت فتقول لأبيها: يا أبت! الناس ينامون وأنت لا تنام؟! لم لا تنام يا أبي فكل الناس ينامون في الليل إلا أنت؟ فيقول: يا بنية! حر النار أذهب عن أبيك حب النوم: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٧ - ١٨].
يقول محمد بن واسع: [أدركت رجالاً -لعلهم تابعين أو صحابة- كان الرجل له وسادة واحدة مع امرأته: قد بل ما تحت خده من دموعه وزوجته لا تشعر به] يبكي على وسادة واحدة في الليل وزوجته لا تعرف ذلك، لا يأتيه النوم من البكاء، أتعرف لمَ؟ إن الجواب في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] النوم لا يأتيهم.
قال بعضهم: عجباً لمن كانت النار تسعر تحته، والجنة تزين فوقه كيف ينام؟! ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، وما رأيت مثل النار نام هاربها، كيف ينام هذا الرجل؟!
النار يا عبد الله! تحتك تتسعر، والجنة تزين وقد أزلفت للمتقين، والحور العين تنتظرك! فكيف تنام الليل كله؟!: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦].
стр. 79
عبادة داود الطائي
تقول أم سعيد ابنة علقمة: كان بيننا وبين داود الطائي جدار قصير، وكنت أسمع حنينه عامة الليل.
تقول: أسمع بكاءه في الليل.
ماذا تسمع الآن في بيوت المسلمين؟ مر بالقرب منها فماذا تسمع فيها؟ الأغاني، والطرب، والتلفاز، والبث المباشر.
عباد الله! ما الذي تغير؟ إن حب الله تغير وقل في القلوب إلا من رحم الله محبة الله قلت في قلوب الناس، ذكر الله أصبح في الألسنة قليل حتى أن بعضهم يقوم للصلاة وهو كسلان: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [النساء:١٤٢] وكأنه إذا دخل بيت الله دخل في سجن! وكأنه إذا قرأ القرآن يمل حتى ينتهي من المصحف، وإن كان عليه ورد قال: متى أنتهي من هذا الورد؟ سبحان الله! أصبحت عبادة الله سجن لبعض الناس.
قبل قليل ولا أكتمكم خبراً جئت من الطائرة إلى هذا المكان فرأيت أمراً عجباً، ركبت في الطائرة وفيها بعض المسلمين وأكثرهم لعلهم نصارى من أشكالهم وهيئاتهم، وأول ما ركبنا الطائرة وطارت كان هناك معنا بعض الخليجيين، والله الذي لا إله غيره فزعوا من مقاعدهم ورجعوا إلى الخلف -انظر ما الذي جرى- كل منهم يأتي بكأسٍ من خمر ليشربها، لم يصدق أن الطائرة تطير، كأنه في قيد محبوس، يتمنى أن يتخلص من هذا القيد ليشرب كأساً مسكين لا يعلم أن هذا هو الحبس الحقيقي هذا هو السجن الأسر أسر الشهوة، العبودية إما لله وإما للشيطان، والشهوة إما في حلال أو في حرام، أنت عبدٌ، إما أن يأسرك هواك، وإما أن تعبد الله جلَّ وعلا وهذه هي الحرية الحقيقية! أنك لا تعبد إلا الله، ولا تقدم قولاً على غير الله، ولا تتلذذ إلا بطاعة الله جلَّ وعلا.
стр. 80
عبادة عامر بن عبد الله بن الزبير
عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام يروى عنه أنه في حالة الاحتضار قبل الموت سمع الأذان لصلاة المغرب، فقال لأولاده: احملوني، قالوا: يا أبتِ! أنت معذور وتحتضر فاجلس وصلِّ في البيت، قال: لا إله إلا الله! أسمع الأذان ولا أجيب، احملوني إلى الصلاة، فحملوه إلى المسجد وهو في صلاة المغرب، وفي السجدة الأخيرة سلم الروح إلى خالقها.
انظر للعبادة! انظر للذة! انظر كيف أكرمه الله جلَّ وعلا!
стр. 81
عودة إلى عبادة ثابت البناني
انظر إلى جعفر بن سليمان يروي عن ثابت البناني الذي كادت عيناه أن تذهبا، اسمع إليه حين قرأ قول الله جلَّ وعلا: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة:١ - ٧] يقول: تأكله إلى فؤاده وهو حينئذٍ، هكذا يبلغ بهم العذاب ثم انفجر بالبكاء، وأبكى الذين حوله جميعاً، أخذ يتفكر بأنه لا يموت يصل النار إلى القلب، تأكل النار قلبه وهو حي يشعر بالنار ولا يموت: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
ما طريق هذه النار يا عبد الله؟! بداية هذه النار: الشهوات نظر إلى امرأة استماع للأغاني نوم عن الصلاة أكل الربا ظلم الناس الغيبة والنميمة الاستهزاء على خلق الله جل وعلا أكل الحرام استماع الحرام، هذه هي بداية النار، هذه أبوابها.
لا تقل: أنا -الحمد لله- أقول: لا إله إلا الله، اعلم أن ممن يقول: لا إله إلا الله تصيبه النار، ومنهم من يمكث في النار سنين طويلة، ينسى ثم يخرج من النار كل موحد.
يا عبد الله! الأمر ليس بهين، يؤتى في النار إلى الرأس والأقدام ثم تلصقان فينكسر ظهره: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ [الرحمن:٤١] يؤخذ برأسه وقدمه فيكسر ظهره ثم يرمى في النار، هل تخيلت هذا يا عبد الله؟! يأكل طعاماً فيغص به فلا يستطيع بلعه ولا إخراجه يأكل الشوك من شدة الجوع!
يقول بعض السلف: إن الجوع في النار مثل عذاب النار، إذا سال فروج الزواني تسابق أهل النار ليأكلوها من شدة الجوع: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧].
عبد الله! هذه هي النار، يجوع أهل النار فيأكلون طعاماً ذا غصة لا يستطيع أن يخرجه ولا يبتلعه، فيستغيث بالماء فيأتيه ماء، قال تعالى عنهم: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩] يؤتى بماء كالمهل فعندما يقرب رأسه ليشرب تسقط فروة رأسه قبل أن يشرب، فإن شرب تقطعت الأمعاء، وخرج الماء من دبره: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف:٢٩].
ثم تأتي فتسألني: لمَ كل هذا القيام؟ ولم هذا الصيام؟ ولمَ كثرة قراءة القرآن؟ ولمَ كانوا يبكون؟ لعلك عرفت لمَ كل ذلك، إذا عرفت فانتبه، واستقم على طاعة الله.
стр. 82
خوف السلف من الله
قال يوسف: قال لي سفيان: ناولني المطهرة -إناء فيه ماء- يقول: ونحن نتوضأ في المسجد فناولته في المسجد، فوضع يده اليمنى على خده الأيمن، ووضع يساره على خده الأيسر -تخيل منظره الآن- يقول: ثم نمت، بعد أن رأيته على هذه الحال قال: فاستيقظت وقد طلع الفجر، فقلت له: يرحمك الله! منذ أن تركتك وأنت على هذه الحال؟ قال: نعم.
تعرف لمَ؟ يقول: ما زلت أتفكر في أمر الآخرة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
من يجلس في المسجد؟
كل الناس يخرجون من يجلس بعد العصر إلى المغرب؟
بل من يجلس بعد الفجر إلى طلوع الشمس؟
كل الناس يخرجون يهربون من بيوت الله لمَ؟
بيعٌ وشراء إلا من رحم الله: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧] تعرف لمَ هذا المكث في بيوت الله: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧] ماكث على هذه الحال من أول الليل إلى طلوع الفجر يقول: أتفكر في أمر الآخرة: ﴿يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٧].
يروى عن عبد الله بن المبارك أنه كان إذا صلى العصر، أتى إلى مسجد في المدينة يذكر الله حتى غروب الشمس، هذه حالهم كل يوم، بعد العصر لا يكلم أحداً ولا يكلمه أحد: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق:٣٩].
هل سمعت برجل اسمه مسروق؟ هذا الرجل أحد العلماء العباد الزهاد، تقول زوجته: إنها تجلس خلفه، وما كان يصبح -أي: لا يطلع الفجر- إلا وساقاه منتفختان أمن اللعب؟ أم من المباريات؟ أم لكثرة النوم؟ لا.
تقول: وساقاه منتفختان من القيام، فإذا أذن الفجر تجلس خلفه تبكي على حاله، فإذا طلع الفجر يزحف كما يزحف البعير من شدة قيام الليل.
ثابت البناني يقول عن نفسه: أنه كان إذا أذن الفجر عصر رجليه حتى يستطيع أن يمشي عليهما.
من قدوتهم؟
إنه المصطفى ﵊ إنه الذي كان إذا قام الليل تفطَّرت قدماه.
стр. 83
قصة استجابة الله لدعاء إسكافي
محمد بن المنكدر له قصة عجيبة غريبة، يقول: في يومٍ من الأيام قحط أهل المدينة، فخرجوا يستسقون فما سقوا -أي: ما نزل المطر- كل أهل المدينة، ومن أهل المدينة؟ إنهم الصالحون العباد، يقول: وكنت في تلك الليلة في المسجد وكان المسجد مظلماً، وقد اتكأت على سارية فدخل رجل لا أعرفه، ولم ينظر إليَّ وكان متوشحاً ببردة، فتقدم إلى المسجد، وجلس في الصف الأول وأخذ يصلي، وبعد أن انتهى من صلاته رفع يديه وأخذ يدعو الله ويثني عليه، ثم قال: أقسمت عليك يا رب لما سقيتهم -يقسم على الله أن يسقيهم المطر- يقول محمد بن المنكدر: قلت في نفسي: هذا الرجل مجنون، كل أهل المدينة خرجوا إلى الله يستسقونه وما سقاهم، وأنت تقسم على ربك أن ينزل المطر، فوالله ما أنزل يديه إلا والسماء ترعد، والمطر ينزل، يقول: فعجبت من أمره يقول: فأخذ يبكي، وهو يقول: من أنا حتى تستجيب لي؟ من أنا حتى تستجيب لي؟ عذت بحولك وقوتك، ثم أخذ يثني على ربَّه جلَّ وعلا، وأخذ يصلي حتى الفجر، يقول: فتبعته بعد الفجر حتى علمت منزله، وجئته في الصباح، فدخلت ونظرت فإذا هو إسكافي -أي: يصلح الأحذية- فقلت له: يا فلان! أنا صاحب البارحة الأولى في المسجد -أي: نظرت إليك وعلمت ما الذي جرى- فقال: يا أبا عبد الله! ما شأني وشأنك؟ يقول: فخرجت وانتظرته في اليوم الثاني فما جاء المسجد، وكذا اليوم الثالث فما جاء، يقول: فذهبت إلى البيت لأسأل عنه فقالت عجوزٌ عند البيت: يا أبا عبد الله! ماذا فعلت معه، منذ أن فارقته جمع أمتعته وخرج من البيت ولم يرجع إلى هذه الساعة، يقول: بحثت عنه في المدينة كلها فلم أره ولم أسمع به.
انظر إلى هذه العبادة وإلى هذا الإخلاص يتلذذ بعبادة الله، ولا يحب أن يراه أحداً، ولا يسمع به أحد: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١١].
стр. 84
وقفة مع الإمام أحمد بن حنبل
الإمام أحمد يقول عنه ابنه عبد الله: دخلت عليه يوماً من الأيام في غرفة مظلمة، فوجدته متربعاً يبكي، فقلت له: يا أبي! ما شأنك؟ لمَ تجلس هذه الجلسة وتبكي؟ قال: يا بني! أتفكر في القبر وأهواله أتفكر في اليوم الآخر.
فقلت: يا أبي! هلا اتكأت؟ -أي: أنت رجل كبير في السن هلاَّ استندت على الحائط؟ - قال: أستحي أن أناجي ربي وأنا متكئ.
стр. 85
شدة خوف الإمام أحمد من الله
يدخل على الإمام أحمد أديب في يوم من الأيام فيقول له الإمام أحمد: ما عندك؟ -أي: من شعر- اسمع ماذا يقول الرجل قال:
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل خلوت ولكن قل علي رقيبُ
ولا تحسبن الله يغفل ساعة ولا أن ما يخفى عليه يغيب
فلما سمع الإمام أحمد الشعر قام من الدرس، ودخل الغرفة وأخذ يبكي وهو يردد هذا البيت.
стр. 86
زهد الإمام أحمد
عبد الله! يقول الإمام أحمد هل كان في الدنيا مثلنا؟ يعني أنه في خير ونعمة، يقول ابنه: كان عنده حذاء مكثت معه ثمان عشرة سنة، يقول: وكلما خرم الحذاء خصفه بيده، كان يصلح حذاءه بيديه.
стр. 87
عبادة الإمام أحمد وصبره في السجن
دخل الإمام أحمد على المعتصم فقال له المعتصم: يا إمام! قل مثل أصحابك فإني مشفقٌ عليك -أي: قل: إن القرآن مخلوق- لكنه ثبات على المبدأ والعقيدة، قل: القرآن مخلوق وانج بنفسك، فما قالها لأن القرآن كلام الله، فجاءوا إليه بأحد أصحابه، فقال له: يا إمام! قلها وانجُ بنفسك، فقال: يا فلان! انظر فنظر فإذا التلاميذ ألوفٌ مؤلفة بيدهم المحابر ينتظرون ماذا يقول الإمام أحمد؛ لينقلوا عنه للأمة؛ ليحفظ لها دينها.
فإذا بـ المعتصم يأمر الجلادين ثم يعلق ويضرب مائة وستين سوطاً، لو ضرب بها البعير لمات، وهو يقول كلما يفيق: لا إله إلا الله حسبي الله ونعم الوكيل، ثم بعد أن ضرب رمي بالسجن ثمانية وعشرين شهراً، ولما رمي في السجن وكان السجن مظلماً، والجو بارداً يقول: تحسست بيدي فوجدت ماءً بارداً فتوضأت، فأخذت أصلي حتى الفجر، انظر إلى العبادة! إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة ثمانية وعشرين شهراً سرد فيها الصوم كلها حتى ينجيه الله مما هو فيه.
يأتيه الملك -الخليفة- ويتعجب من أمره، فيأتيه بالطعام اللذيذ -الطعام الطيب- ويقول الإمام أحمد: والله لا أذوق له طعاماً، فكان يأكل من السويق؛ أردأ أنواع الطعام، يأكله ليسد به جوعه حتى حمل بعد أن خرج من السجن على فرس كاد أن يموت، ورمي في البيت طريحاً وكاد أن يموت ﵀.
أرأيت العبادة؟! في أحلك الظروف وأضيقها صلاة وصياماً: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:١١٤].
стр. 88
وقفة مع عمر بن عبد العزيز
الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز تقول عنه زوجته فاطمة: أمسى مساءً -ليلة من الليالي- وقد فرغ من حوائج يومه -انتهى من حاجياته وجاء الليل، والأمر فيه عبرة فاستمع وتخيل- فدعا بسراجه الذي كان يوقد له من ماله ثم قام فصلى ركعتين، تقول زوجته فاطمة: ثم وضع رأسه بين يديه، تخيل شكله وهو جالس والرأس بين يديه، تقول: تسيل دموعه على خده يشهق شهقة أقول: قد خرجت روحه، أو انصدعت كبده، ثم لم يزل كذلك حتى برق الصبح ثم أصبح صائماً، تقول: في ليلة قرأ قول الله جلَّ وعلا: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة:٤] تقول: فصاح حتى سقط على الأرض فخفت وظننت أنه قد مات وقد خرجت نفسه.
ثم هدأ فسمعت صوته، ثم أفاق إفاقة، ثم وثب فجعل يدور في الدار يتحرك وهو يقول: ويلي ليومٍ يكون الناس فيه كالفراش المبثوث، تقول: ثم سقط كأنه ميت، فلم يفق إلا على نداء الصلاة، فكلما تذكرت تلك الليلة، بكيت على حاله.
صلى بالناس ليلة -انظروا الآن يا أخوة- عندما نصلي هل نتدبر؟ هل نخشع؟ تدخل المسجد فلا تكاد ترى خاشعاً، تسأل الناس بعد الصلاة ماذا قرأ الإمام -إلا من رحم الله- فلا يمكن أن يجيبك إلا القليل أما البقية فلا.
والذين تذكروا هل خشعوا؟ هل دمعت عيونهم؟ فقرأ قول الله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] فسكت، فظن الناس أنه نسي، فأعاد الآية: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل:١٤] فسكت، فظن أنه سوف يعيد ويكمل وهو يكرر الآية ولا يستطيع أن يكملها هل تعرف ما بعدها؟ إنها هذه الآية: ﴿لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ [الليل:١٥] فما استطاع أن يقولها، ماذا فعل؟ بكى ثم ترك هذه السورة وقرأ سورة غيرها.
كان أبو حنيفة ﵀ يقوم الليل كله بآية، تعرف ما هي هذه الآية؟ إنها قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] كل الليل في هذه الآية يقومها يا عبد الله.
стр. 89
شاب يصرع لسماع آية
اسمع -يا عبد الله- إلى هذا الشاب وهذه الكلمات التي خرجت من قلبه وهو يرددها، يقول منصور بن عمار: نزلت سكة من سكك الكوفة، فخرجت في ليلة مظلمة مستحلكة، فإذا أنا بصوت شاب يدعو ويبكي وهو يقول: كن كحال هذا الشاب، وتفكر في هذه الكلمات واجعلها تخرج من قلبك الآن يا عبد الله: إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك بجاهل، ولا بعقوبتك متعرض، ولا بنظرك مستخف، ولكن سولت لي نفسي فأعانتني عليها شقوتي، وغرني سترك المرخي علي، فقد عصيتك وخالفتك بجهلي، فإلى من أحتمي؟ ومن من عذابك يستنقذني؟ ومن من أيدي زبانيتك يخلصني؟ وبحبل من أتصل إذا أنت قطعت حبلك عني؟ فيا ويلي كم أتوب وكم أعود ولم أستحِ من ربي واشباباه! واشباباه! يقول منصور: فلما سمعته أخذت أقرأ قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] يقول: وبعد أن ختمت الآية سمعت اضطراباً شديداً، ثم سكت، ثم هدأ الصوت، وجئت في اليوم الثاني أريد أن أعرف خبره، فوجدت جنازة، وعندها عجوزٌ تبكي، فقلت: ما هذه الجنازة يرحمك الله؟ قالت: هذا ولدي، زل عن كبدي، ومن كنت أظن أنه سيدعو لي من بعدي، كان يبكي في الليل على ذنوبه ويتكسب، فجعل كسبه أثلاثاً، ثلثاً يطعمني، وثلثاً للمساكين وثلثاً يفطر عليه، تقول: فمر علينا البارحة رجل لا جزاه الله خيراً قرأ عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ [التحريم:٦] فجعل ابني يبكي ويبكي حتى فاضت روحه إلى بارئها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦].
стр. 90
الحث على الطاعات والتحذير من السيئات
يا عبد الله: إذا كان القلب لا يزال عليه ران فاستعن بالله جل وعلا، واعلم أنها دقائق وتمضي، وأيام وتذهب، اذهب وزر المقابر يوماً من الأيام، وانظر إلى أهلها هل قضوا أشغالهم وأمتعتهم؟ هل انتهوا من أحلامهم؟
هذا رجل كان يظن أنه سوف يسافر في العطلة، وهذا آخر كان يبني البيت ولم يسكن فيه، وذاك كان يريد الزواج ويخطط له، وهذا كان يدرس ويتمنى أن يحصل على شهادة، وهذا خرج من البيت ليشتري أمتعة أهله ويرجع إليهم، ولكن المنية والأجل كان أقرب منهم.
اسمع وتفكر في ذلك اليوم:
إذا النبيون والأشهاد قائمة والجن والإنس والأملاك قد خشعوا
وطارت الصحف في الأيدي منشرة بها السرائر والأخبار تطلع
فكيف سهوك والأسباب واقعة عما قليلٍ ولا تدري بما يقعُ
أفي الجنان وفوز لا انقطاع له أم الجحيم فلا تُبقي ولا تذرُ
تهوي بساكنها طوراً وترفعهم إذا رجو مخرجاً من غمها قمعوا
طال البقاء فلم ينفع تضرعهم هيهات لا رقة تغني ولا جزعُ
لا ينفع العلم قبل الموت عالمه قد سال قومٌ بها الرجعى فما رجعوا
عباد الله! لنكن قوماً إذا استمعوا إلى هذا الحديث اتبعوا أحسنه قوماً نتعلم العلم ونستمعه ونعقله ثم نعمل به، فإن هذا الكلام إما حجة لنا وإما حجة علينا.
عبد الله! ارجع إلى البيت وليكن الحماس منضبطاً: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) قليلٌ دائم خيرٌ من كثير منقطع، عاهد النفس جزء من الليل للقيام بعض أيام الشهر للصيام اجعل لك ورداً لقراءة القرآن، لا بد وأن تختم القرآن -أضعف الإيمان- في الشهر مرة.
كان الصحابة يجادلون يقول أحدهم: أقوى أكثر من هذا، قال: اقرأه في السبع، قال: أقدر أكثر من هذا، قال: أقرأه في ثلاث، قال: أقدر أكثر من هذا، قال رسول الله ﷺ : (لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث).
رويدك رويدك!! هوِّن على نفسك لا أقول لك: اختم القرآن في ثلاثة أيام، بل أقول لك: في الشهر مرة، صم ولو في الشهر ثلاثة أيام، هذا صيام الدهر.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (بلغ النبي ﷺ أني أسرد الصوم، وأُصلي الليل، فإِما أرسل إليَّ، وإِما لقيتُه، فقال: ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي؟ -وفي رواية: فإنك إذا فعلت ذلك هجمت العين، ونقهت النفس- فصم وأفطر، وقم ونم؛ فإن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً.
قال: إني لأقوى لذلك.
قال: فصم صيام داود ﵇.
قال: وكيف؟ قال: كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى، قال: من لي بهذه يا نبي الله؟ -قال عطاء: لا أدري كيف ذكر صيام الأبد- قال النبي ﷺ : لا صام من صام الأبد).
عباد الله: هؤلاء هم سلفنا، وقدوتنا، فهلا كنا لهم متبعين، وعلى خطاهم متمسكين، وبآثارهم سائرين؟
عباد الله! لنشمر ساعد الجد، فإن الجنة تحتاج إلى جد واجتهاد، وبذل وعزم، قال: (من خاف أدلج، ومن أدلج -أي: من رأى الليل- بلغ المنزلة، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة) اترك كل ما يلهيك من تلفاز وأغانٍ وطرب.
نعم يا عبد الله! تقول لي: لا أخشع عندما أقرأ القرآن، ولا أتلذذ بالقيام، أقول لك: أتسمع الغناء؟ تقول لي على استحياء: نعم أحياناً، أقول لك: لن تتلذذ بالقرآن أبداً.
حب الكتاب وحب ألحان الغنا في قلب عبد ليس يجتمعان
اعتزل الغناء اهجر الطرب والمعازف قاطع التلفاز اترك مجالس السوء، ثم تدبر كلام الله جل وعلا تجده كالماء يطفأ به النار، تجده -يا عبد الله- لذة حتى أنك تنادى فيقال لك: يا فلان! عمل، يا فلان طعام شراب، فتقول لهم: ولوا عني واتركوني، أنا متلذذٌ بقراءة القرآن.
طعن عثمان تسع طعنات وهو يقرأ القرآن، حتى سال دمه على المصحف، تقول زوجته: قتلتموه وإنه ليحيي الليل بالقرآن.
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 91
الأسئلة
стр. 92
نصيحة للنساء في العبادة
السؤال
حبذا لو توجه كلمة تنصح بها النساء وخاصة في العبادة، ولعل السائل أيضاً يشير إلى أن أكثر الذين ذكرتهم من الرجال فهل هناك من النساء من كان لهن في ذلك نصيب؟
الجواب
أما بالنسبة للنساء: فهذه عائشة ﵂ أم المؤمنين، يقول عروة: [دخلت عليها يوماً من الأيام في الصباح، وكانت عادتي أن أسلم عليها في الغداة، فوجدتها تصلي وتقرأ آية، وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] قال: فرددت الآية وهي تبكي، فقلت في نفسي: لعلها تطيل فأذهب إلى السوق وأقضي حاجتي ثم آتيها، فذهبت إلى السوق وقضيت حاجتي ثم رجعت بعد مدة طويلة، فدخلت عليها في البيت فوجدتها تردد الآية نفسها وتبكي] إنها عائشة أم المؤمنين.
أما نصيحتي للنساء في العبادة، فهو تنبيه: إن المرأة تمر عليها بعض الأيام تسمى أيام حيض، تنقطع فيها عن الصلاة، ويحرم عليها الصيام، فماذا تفعل؟ إن كان الصيام عليها محرم، والصلاة عنها محرمة، وقراءة القرآن عند بعض أهل العلم لا يجوز لها، فإن الذكر لا يجوز أن ينقطع عن لسانها، فإنها تعوض الصلاة والصيام وقراءة القرآن بذكر الله، قال تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] يأتي رجل فيقول: (يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليَّ فدلني على أمرٍ أتشبث به؟ قال: لا يزال لسانك رطباً بذكر الله).
أمَةَ الله: أنصحكِ في تلك الأيام وهذه الليالي أن تكثري من الذكر، عوضاً عن الصلاة والصيام والقرآن على بعض قول أهل العلم، لم شرعت الصلاة والصيام والحج؟
يقول ابن القيم: كل العبادات إنما شرعت لغاية وهي ذكر الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] وانظر الحج، كله شعائر وتهليل وتكبير وذكر لله جل وعلا، بل حتى قال النبي ﷺ : (إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذكر الله).
إذاً المرأة لا تعذر في أيام الحيض عن ذكر الله جل وعلا.
أيتها النساء! أنتن دوركن عظيم لبناء هذه الأمة وهذا الجيل، من يربي الأولاد غيركن؟ ومن يخرج لنا جيلاً صالحاً إسلامياً غيركن؟ إن الرجال في هذا الزمن -إلا من رحم الله- غافلون عن تربية أولادهن، لا يعلمون عنهم إلا قليلاً.
إن فتنة النساء على الرجال هي أعظم فتنة على وجه الأرض، كما قال النبي ﷺ : (ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء) تقول فاطمة ﵂: [خير للنساء ألا يراهن الرجال، ولا يرين الرجال] تقول: خير للمرأة ليس فقط ألا يراها رجل، لكن أيضاً ألا ترى هي أيضاً رجلاً، انظروا إلى الحياء، فلما سمعها النبي ﷺ قال: (فاطمة مني وأنا منها) نعم! إنها حكيمة وعاقلة.
أمة الله! (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) ولم يستثنِ النبي ﷺ في الحديث لا وجهاً ولا كفاً ولا ساعداً ولا ساقاً ولا شعراً ولا غيره، فإياكِ إياكِ أن تتشبثي بحديثٍ ضعيف، أو بعض أقوال لأهل العلم أخطئوا فيها، أو لبعض العقول التي تصرفك عن سبيل الهدى.
اعلمي أن النبي ﷺ قال: (المرأة عورة) وهل يعقل -يا عباد الله! - أن الله جل وعلا يحرم صوت خلخال في رجل المرأة مخفي ووجه المرأة حلال؟! لا يعقل هذا في شرع الله.
واعلموا يا عباد الله! أن النساء شقائق الرجال، فإذا كان النبي ﷺ قد وصانا قبل ألفٍ وأربعمائة سنة بهن، فقال: (استوصوا بالنساء خيراً، استوصوا بالنساء خيراً، استوصوا بالنساء خيراً، فإنهن خلقن من ضلعٍ أعوج) وأنا أوصيك يا عبد الله! فكم من الرجال من ضيع حقوق النساء كم وكم؟ قال ﵊: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) كان يقوم في حاجة أهله، حتى يروى أنه كان يرقع الثوب، ويخصف النعل، ويخدم أهله في البيت، من منا يفعلها؟! فإذا أذن المؤذن كأنه لا يعرف أحداً ولا يعرفه أحد.
هذه وصية للرجال وللنساء والله أعلم.
стр. 93
حكم العمل في مكان يؤمر فيه بحلق اللحى
السؤال
هذا شابٌ يشتكي، ويقول: أنا أعمل في دائرة حكومية منذ اثني عشر عاماً، وعملي رزقٌ حلال طيب إن شاء الله تعالى، ولكن القائمين عليه لا يسمحون لنا بإرخاء اللحية، فماذا نفعل، علماً أننا نبكي عندما نحلق لحانا أفتونا مأجورين وماذا نفعل؟
الجواب
قال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣] رزقك مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ولن تموت نفسك ولن تخرج من جسدك حتى تستكمل رزقك، اضمن الرزق من الله جل وعلا: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢].
أما طاعة المخلوق في معصية الخالق فحرام، فابحث لك من الآن عن فرصة أخرى للعمل، وعن مجالٍ آخر؛ لأن هذا المكان يحرم عليك أن تبقى فيه، لا تقل لي: ليس هناك، ابحث: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك:١٥] ابحث لك عن فرصة أخرى للعمل، وإن كان المعاش أقلَّ، وإن كان العمل متعباً أكثر، فإن طاعة الله أغلى وأثمن.
стр. 94
الحفاظ على قيام الليل وصلاة الفجر
السؤال
عبادة الله أمرٌ عظيم، ولكن يشتكي البعض من أنهم يرجعون من العمل في وقت صلاة المغرب متعبين، وهذا يعيقهم عن صلاة الفجر، ويقومون بصعوبة، وربما قد يقول هذا الأخ أيضاً: لقد هجرنا قيام الليل وقراءة القرآن ولا حول ولا قوة إلا بالله؟
الجواب
الذي يقول: نعمل إلى المغرب ولا نستطيع أن نقوم الليل، فقد علم الله عنهم، وأنزل فيهم آية، تتعجب وتقول: ما هي هذه الآية؟ أقول لك: إنه قول الله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] أي: عندهم أعمال، يبتغون من فضل الله: أي: الرزق: ﴿وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [المزمل:٢٠] ماذا يفعلون هؤلاء يا رب؟ قال: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠] أي: حتى أولئك: اقرءوا ما تيسر منه ليسوا معذورين، هذا في صلاة الليل، ما تيسر ولو كانت عشر دقائق، يقول ﵊: (من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين).
ألا تستطيع يا عبد الله؟! لا أحد يقول لي: لا أستطيع، أقول لك: تستطيع ولو بعشر آيات، وإياك إياك أن تفرط بالوتر، ولو كان قبل النوم كما قال أبو هريرة عن وصية النبي ﷺ : (وأن أوتر قبل أن أنام) أفضله آخر الليل، فإن كنت لا تستطيع فأوتر أول الليل، ولا تقل: لا أستطيع القيام لصلاة الفجر فإنه لا عذر لك، لا عذر بالتخلي عن صلاة الفجر، لا عمل ولا غيره، هذه خمس صلوات، كانت خمسين فجعلها الله خمساً، فهي خمسون في الأجر وخمسٌ في العمل، وبعد هذا تتكاسل لا يا عبد الله! ليصدقن فيك قول الله جل وعلا: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً * إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ [مريم:٥٩ - ٦٠] تب إلى الله جل وعلا، واعلم أن صلاة الفجر لا عذر لك فيها، أما قيام الليل فخففها واجعلها ركعات بسيطة ولو كانت بعشر آيات.
والله أعلم.
стр. 95
أسباب عدم التأثر بالقرآن
السؤال
ما هي الأسباب التي جعلتنا لا نتأثر بآيات الله ، حتى عند ذكر الجنة والنار؟
الجواب
أول سبب هو المعاصي والذنوب، قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] تقول لي: أنا الحمد لله لا أشرب الخمر، أنا الحمد لله لا أزني، أقول لك يا عبد الله: من الصغائر ما تصل إلى درجة الكبائر، تقول لي: وكيف؟ أقول لك: كم ترى في اليوم والليلة من امرأة؟ تلفت النظرة الأولى بل أكثر، هل تستمع إلى أغاني أو موسيقا بحجة أخبار، بحجة فيلم أو مسلسل؟ بل من أباح لك النظر إلى هذه المسلسلات أليست فيها عورات؟ أليس فيها ما يلهي عن ذكر الله جل وعلا؟ هل يزل اللسان فتغتاب أحداً؟ تتكلم في عرض أخيك تنم بين اثنين تكذب تسخر؟ هل تفعل هذا يا عبد الله؟ هذه الصغائر.
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
صغيرة على صغيرة على صغيرة، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [الكهف:٤٩] أول سبب الصغائر.
ثاني سبب: التفريط في الطاعات والواجبات التفريط في الصلوات إلا من رحم الله تفريطٌ في النوافل.
ثالث الأسباب يقول ابن القيم: من أسباب قسوة القلوب: الإفراط في المباحات.
وهي من خطوات الشيطان، يأتيك فيقول لك: يا فلان! هل هذا حرام؟ الحمد لله هذا ليس بحرام، اجلس في المجلس بعد العشاء ساعتين أو ثلاث ساعات وأنت تشرب الشاي والقهوة هل تتحدثون بذكر الله؟ لا.
إنما تتحدثون في الأسواق، وفي أسعار العملات، وفي الدول الثانية، وأخبار المباريات، وفلان فعل وفلان ترك ساعتين وثلاث ساعات كل ليلة على هذه الحال، ثم يقول: لا أتأثر إذا ذكرت الله؟ أقول لك: كل هذا المباح ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [الفرقان:٧٢] قد يجلس ساعة وساعة، ولكن لا يكثرون منها.
دخل ﵊ يوماً على الصحابة وقد أكثروا في الضحك مع أن الضحك حلال، ولكن إذا زاد عن الحد الذي حده الله قسى قلبي؟ قال ﵊: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، فغطى أصحاب رسول الله وجوههم ولهم خنين من البكاء).
نعم يا عبد الله! المباحات إياك إياك والإكثار منها؛ فإنها سببٌ لقسوة القلب كثرة الأكل والشرب، كثرة النوم، كثرة حديثٍ لا معنى له ولا فائدة منه، كثرة التجول في الأسواق بغير داعٍ ولا معنى، فكثرة المباحات تقسي القلوب، واعتكف على طاعة الله، جرب يومين ثلاثة أيام قيام الليل، واترك المعاصي والذنوب، واعتكف على قراءة القرآن يوماً ويومين وثلاثة ثم انظر إلى القلب كيف يتأثر.
هذا هو علاج القلب يا عبد الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨].
стр. 96
أسباب عدم استجابة الدعاء
السؤال
نحن نقوم الليل وندعو فلا يُستجاب، فما هو السبب؟ وما هو أفضل وقتٍ للقيام؟ وكذلك هنا حديث النبي ﷺ : (من صلى العشاء في جماعة أو التزم في الجماعة فكأنما قام الليل كله) فما رأيك: هل هذا يغني عن القيام أم لا؟
الجواب
لو كان يغني عن القيام لأغنى محمداً ﵊ وأصحابه الذين بلغوا المنازل العليا وبعضهم بشر بالجنة، وما أغناه هذا عن القيام، هذا كأنما قام الليل كله في الأجر فقط، فالذي يصلي العشاء والفجر في جماعة ليس كالذي قام الليل معهما.
ثانياً: يا عبد الله! بالنسبة للدعاء، لماذا ندعو ولا يستجاب لنا؟ أسباب كثيرة:
منها: فتش مطعمك ومشربك وملبسك هل يدخله حرام ربا، رشوة، غش، خداع، سهم من شركات ربوية، أخذ أموالٍ بالكذب والخداع والتزوير، والظلم وقهر الناس؟ سل نفسك! هل هناك شيء من الحرام؟
إن كان هناك شيء من الحرام يحول الله بينك وبين الإجابة، وذكر: (الرجل يطيل السفر أشعث أغبر قال: يرفع يديه) تخيل مسافر والمسافر يستجاب له، أشعث أغبر، حاله رثة أحرى أن يستجيب له، يقول: يا رب! ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] ويرفع يديه -وهذا أدب من آداب الدعاء- ويقول: (يا رب! يا رب! -فيقول عنه النبي ﷺ : ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب له؟) كيف يستجيب الله لهذا؟ قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة:١٨٦] إجابة بإجابة، تريد أن يستجيب الله لك استجب لله جل وعلا، بعض الناس أمواله كلها في البنوك الربوية، ثم يقول: أنا أدعو ولا يستجيب الله لي، وكيف يستجيب الله لك؟! وقد يستجيب الله لك فتنةً واستدراجاً من الله جل وعلا.
سبب آخر لعدم إجابة الدعاء: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم).
ثالثاً: من أسباب عدم إجابة الدعاء: الاستعجال (يستجاب لأحدكم ما لم يستعجل، قالوا: وما يستعجل يا رسول الله؟ قال: يقول دعوت فلم يستجب لي) دعا أسبوعين أو ثلاثة قال: ما استجاب الله لي، ما يدريك يا عبد الله! الله يحبك ليس شيءٌ أكرم على الله من الدعاء.
ومن الأدعية المستجابة: دعاء المظلوم واسمع إلى هذه المرأة كما ذكر هذه القصة الذهبي في الكبائر قال: كان عندها كوخ بقرب قصرٍ لملك، وكانت العجوز ليس عندها أحد إلا الله، تخرج كل صباح تبحث عن لقمة عيشها، فتأتي آخر النهار إلى الكوخ لتجلس إلى اليوم الثاني وتذهب تطلب لقمة العيش عجوز مسكينة في كوخٍ صغير بجانب قصرٍ شاهقٍ عظيم لملك، وفي يوم من الأيام خرج هذا الملك يتجول في فناء القصر مع الحرس والجنود، فنظر إلى فخامة القصر -متمتع الآن بجمال هذا القصر- ثم نظر إلى كوخٍ بالقرب من قصره، فقال للجنود: ما هذا؟ قالوا: كوخٌ لامرأة عجوز، قال: لقد شوه منظر القصر أزيلوه اهدموه، فذهب الجنود وذهب العسكر إلى ذلك الكوخ، ورجعت العجوز إلى بيتها آخر النهار فرأت ما حل به، ليس عندها أحدٌ إلا الله، فرفعت يديها وهي تبكي وتقول: اللهم إن كنت غائبة فأين أنت؟! فرفع الله القصر وقلبه على أهله، في لحظات خسف الله به الأرض وبداره، فانظر خطورة دعاء المظلوم.
إياك أن تظلم أحداً وإن كان كافراً، فإن رفع يديه فليس بين دعائه وبين الله حجاب، يستجيب الله له، وفي بعض الروايات قال: (وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين).
تحرى -يا عبد الله- أوقات الدعاء المستجاب، ومنه: آخر الليل، (وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد).
стр. 97
الفراغ وخطره
السؤال
كثير من الشباب في أيامنا هذه نجدهم يجلسون ويسمرون على معصية الله ورسوله بين شرب الدخان والشيشة، وكذلك يسألون عن حكم الدخان والشيشة والقات، فنرجو توجيه نصيحة لهؤلاء الناس وربما تكون شبهتهم أنه ليس عندهم ما يفعلونه وإنما وقت فراغ؟
الجواب
أرجو المعذرة، أنا أرد على الإخوة الذين يسمونهم الناس غير ملتزمين مثلاً، أو يسمي نفسه أنه إنسان عادي لا مطوع ولا فاسد الحمد لله! أصلي وأجلس في هذه المقاهي بعض الأحيان، والمباريات، وأطالع التلفاز مرة وأترك مرة، وبعض هؤلاء الصنف من الناس ينظرون إلي الآن، ويقول: هل يقصدني الشيخ؟ نعم أقصدك، أقصدك أنت.
أسألك بالله يا عبد الله! أنت الآن رجل -إن شاء الله مسلم- وتقول: لا إله إلا الله، ولم تأتِ إلى هذا المسجد إلا لأنك غير الشباب الآخرين، وفيك إيمان، وفيك حب لطاعة الله، وإلا لما جئت إلى هذا المسجد أحدثك وأوجه إليك هذه الكلمات:
هل تعلم ما الذي يجري الآن للمسلمين في العالم؟ أسألك بالله! هل تدري أن أخوات لك -يا عبد الله- تنتهك أعراضهن ولا نصير لهن في الدنيا إلا الله جل وعلا؟
هل تعلم ما الذي فُعل بأخواتنا قبل سنوات في سراييفو أو الشيشان أو الصومال أو جنوب أفريقيا أو شرق آسيا أو الفلبين أو كشمير هل سمعت بأخواتنا ما الذي حدث لهن؟
هل سمعت يوماً من الأيام أن بعض أخواتنا كانت تحمل في بطنها رضيعها فبقر بطنها ثم أخرج ولدها وهي حية ورمي به في أكياس القمامة وهي تنظر إليه يموت؟ هل سمعت بهذا يا عبد الله؟
أسألك بالله: هل هذه الحالة التي نحن فيها في الشيشة ساعتين وثلاث ندخن نتحدث في أمور الدنيا، هل يرضيك هذه الحال؟ المسلمون في ذل وقهر واستعباد، حتى شئوننا الداخلية يتحكم فيها البيت الأبيض والكونجرس، أليس هذا بصحيح؟ حتى إن إسرائيل خمسة ملايين ما تعدو بصاقاً لعربي في هذه البلاد، تعيش بين ألف مليون مسلم، الخمسة تعادل ألفاً، ولا يستطيع الألف مليون أن يجابهوها هل رأيت الذل الذي نحن فيه يا عبد الله؟ ألا تأخذك الغيرة على هذا الدين؟ ألا يدخل في قلبك الحماس أين المسلمون؟ لماذا هذا الذل الذي نحن فيه؟ أين الرجال؟
هذا أحد السلف وقف على المحيط الأطلنطي -وكان عمره لا يجاوز خمسة وعشرين سنة- وبيده السيف، وهو يركب الفرس، فتح شمال أفريقيا كلها حتى وصل إلى الأطلسي ودخل بقوائمه على البحر، ثم قال: والله لو أعلم أن خلف هذا البحر قوماً لخضته بفرسي هذا.
ما كان يعلم أن هناك أقواماً.
جعفر الطيار يحمل الراية بيده اليمنى ثم تُقطع فيحملها بيده اليسرى فتقطع، هل هرب وقال: قطعت يداي لا.
فمسك الراية بعضديه، ثم تكسرت الرماح على ظهره وهو يتلفظ أنفاسه الأخيرة، ويقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وباردٌ شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، يقول للنصارى -نسميهم اليوم الأوروبيين المتحضرين والمسيحيين أو إخواننا في الإنسانية كما يقولها بعض المتأقلمين-:
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
أسمعت بابني عفراء؟ شابان صغيران يأتيان إلى عبد الرحمن بن عوف في معركة بدر؛ أول معركة للمسلمين، يغمزه عن يمينه فيلتفت عبد الرحمن بن عوف - أيها الشباب! يا من ضاع وقته في الشيشة والدخان، وبين الأغاني والطرب، هل استفدت شيئاً؟ لا أظن، أظن أن بعضكم فيه من الغيرة على الإسلام أكثر ممن هو معتكفٌ في بيوت الله، نحتاج إلى هذه الغيرة نحتاج إلى حماسك يا عبد الله نحتاج منك إلى كلمة نحتاج منك إلى مال إلى دينارٍ واحد، لربما -ما يدريك- ينصر الله الإسلام على يديك، لم لا تقولها في نفسك؟ لماذا لا تقول: لم لا أكون أنا الذي يفتح الله على المسلمين بي؟ لم لا تقل هذه الكلمات ما الذي يردك؟ وسوف يأتيك بأخبار في هذه العصور- هذا الشاب غمز عبد الرحمن بن عوف فالتفت عبد الرحمن بن عوف فقال له هذا الشاب: أين أبو جهل؟ أي: مثلما يقول الآن واحد منا اليوم في معركة ما: أين نتنياهو؟ أين زعيم الكفر؟ فقال له هذا الرجل: وما شأنك وشأنه يا بني؟ طفل صغير، قال: سمعت أنه يسب رسول الله، فوالله لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا.
هل رأيت هذا الحب لرسول الله؟ هل رأيت مثل هذا الحب الآن عند المسلمين؟ اليهود الآن يدنسون المسجد الأقصى أولى القبلتين، صلى فيه النبي ﷺ وهؤلاء يدنسوه ويحرقونه ويحفرون تحته ليهدموه، والمسلمون في المباريات ساعتين وثلاث ساعات يصفقون ويزمجرون هل رأيت يا عبد الله؟ يريدون أن يدخلوا في قلوبنا الغيرة، أصبح العداء لإخواننا في الإسلام لأجل المباراة، يعادي هذا الشعب كله لأجل مباراة حقيرة تافهة، الحكم فيها لعله التحريم إذا وصل إلى هذا الأمر.
يقول عبد الرحمن بن عوف: تعجبت! فإذا بشابٍ آخر يغمزني عن شمالي فقلت له: ماذا تريد يا بن أخي؟ قال: يا عم! أين أبو جهل؟ قال: وما شأنك وشأنه يا بني؟ قال: سمعت أنه يسب رسول الله فوالله لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، قال: وبعد أن حمي الوطيس وحميت المعركة قلت لهما: هذا صاحبكما، يقول: فوالله لقد انقضا عليه كما ينقض الصقر على الفريسة - أبو جهل صنديد من صناديد العرب، رجل لا يجابهه الرجال- يقول: انقضا عليه كالصقر إيمان جعلهما كالرجال، يقول: فلا زالا يضربانه حتى قتلاه، أردوه صريعاً، ثم ذهبا إلى رسول الله، كل واحد منهما يقول: يا رسول الله أنا قتلته، وهذا يقول: لا.
أنا قتلته، يفتخران عند رسول الله أن كل واحد منهما قتل صنديد الكفر.
وأنت جالس ساعتين وثلاث في مقهى يا عبد الله! الإسلام يحتاجك يا عبد الله! الإسلام يناديك يا عبد الله! شعوب المسلمين تُذل من يحكمها؟ من يدير أمرها وشئونها؟ ألف مليون غثاء كغثاء السيل قد أوهن قلوبهم حب الدنيا وكراهية الموت.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 98
أخطاء في الولائم والأفراح
إن للوليمة سنناً وأحكاماً وضوابط لابد من مراعاتها منها: عدم الإسراف، ووجوب إجابة الدعوة ما لم ير منكر، فإذا وجد لم يجز الذهاب، ووجوب الالتزام بالضوابط الشرعية للضرب بالدف وغيرها.
أما ما يحصل من كثير من الناس من مخالفات شرعية فيجب تركه والعزوف عنه وإلا كنا ممن يقابل نعمة الله بالكفران.
стр. 99
سنن وليمة العرس
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
أيها الإخوة المسلمون: ففي هذه الأشهر المقبلة من كل سنة تكثر الولائم، وتزداد الأعراس، ولا بد لنا عند هذه الولائم من وقفة: السنة فيها، ثم حال بعضنا معها.
قال النبي ﷺ لـ علي بن أبي طالب ﵁: (إنه لا بد للعرس من وليمة) وليمة العرس: أحكامها، والسنة فيها، وما يخالف الناس فيه من الشرع في هذه الأيام، قال ﵊: (إنه لا بد للعرس من وليمة) قال العلماء: إنها واجبة، وقال بعضهم: بل مستحبة.
إليكم بعض السنن في الوليمة:-
أولاً: يجب في ولائم الأعراس عدم الإسراف:-
فقد أوْلَمَ النبي ﷺ بعد خيبر في عرسه وبنائه على صفية ﵂، وانظروا كيف كان زواج خير الخلق؛ يقول الراوي وهو أنس: (بسط في نطع -أي: الجلود على الأرض، هذه وليمته- ووضع فيها التمر والعذق والسمن، فتجمع الناس وأكلوا حتى شبعوا) فكانت وليمة خير الخلق ﵊ التمر والسمن.
وتزوج النبي ﷺ زينب ﵂ فأولم، فكانت وليمته من أكثر ولائم نسائه، أتدرون ما قدرها؟ شاة واحدة، ذبحها ووزعها وأكل الناس منها، فهذه هي وليمته ﵊.
ويستحب في الوليمة أن يكون فيها اللحم كما قال ﵊ لـ عبد الرحمن بن عوف، وهو من أغنياء الصحابة، قال: (أوْلِمْ ولو بشاة) وذلك إن تيسر اللحم.
ثانياً: ويستحب فيها: أن يُدعى الصالحون ولو كانوا فقراء، ويُترك الفُساق وإن كانوا أغنياء، قال ﵊: (لا يأكل طعامك إلا تقي) والوليمة من الطعام، لذا قال: (إلا تقي) وبعض الناس هذه الأيام يحرص أن يأتي الأغنياء والوجهاء والكبراء وأهل المناصب، ولعله يصورهم، ويفتخر عند الناس بهم، وإن أتاه الفقراء -ولو كانوا مصلين- أصابه الضيق والحسرة، لا.
بل عليه أن يدعوهم إلى الولائم، ولا يدعو الأغنياء، وأهل المناصب، قال ﵊: (شر الطعام طعام الوليمة يُدعى إليها الأغنياء، ويُترك الفقراء) ولو نظرت إلى واقعنا لرأيت النبي ﷺ يتكلم من علم النبوة، ومن وحي الرحمن جل وعلا.
ثالثاً: يجب عليك إن دُعيتَ إلى وليمة عرس أن تجيب:-
قال ﵊: (ومن لم يجب الدعوة -أي: دعوة الوليمة- فقد عصى الله ورسوله).
وقال: (ولو دُعيت إلى كِراع لأجبت) أي: إن دعيتَ إلى وليمة عرس ولم يكن هناك ثَمَّ منكر في الوليمة، ولم يكن عندك أمر أوجب من هذه الوليمة، يجب عليك أن تلبي الدعوة وتستجيب لها.
أما إن أتيت إلى العرس فرأيت فيه منكراً، فلا يجوز لك أن تحضره، وارجع -يا عبد الله- ولو كنت مدعواً إليها، فعن علي قال: (دعوت النبي ﷺ فأتى، ثم رجع فقلت: يا رسول الله! دعوتُك فلم تأتِ، قال: إن في البيت تصاوير، وإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة) رأى ستراً فيه تصاوير، فرجع، ولم يأتِ إلى صهره وإلى ابن عمه، وإلى خير الناس بعد أبي بكر وعمر وعثمان، رجع ولم يُجِب دعوته؛ لأن في البيت صورة، ماذا نقول في أعراسنا وولائمنا: كيف نحضرها إن كان فيها منكر أكبر من الصورة؟!
وقيل: إن عمر دعاه نصراني في الشام، وقال له: إني أحب أن تتضيف عندي أنت وأصحابك يا عمر! فقال له عمر ﵁: [إنا لا نسكن كنائسكم من أجل الصور التي فيها] لا نسكن هذه الكنائس؛ لأن فيها منكراً، هي الصور، ولا ندخل مكاناً فيه منكر.
ولو اعتاد الصالحون وأهل الفضل منا، والناس جميعاً ألا يدخلوا هذه المجالس التي تعلَّق فيها الصور، أتظنون أن أصحابها سوف يستمرون بتعليقها؟! أم تظنون أنهم سوف يصرون على تعليقها على الجدران؟! لا والله، بل سوف يزيلونها إرضاءً للناس قبل أن يكون إرضاءً لله.
أيضاً إن أتيت إلى العرس، يُستحب لك أن تدعو بالسنة، تقول: بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير.
وغيرها من الكلمات التي اعتادها الناس، وليس فيها محظور شرعي، أما ما يقوله بعض الناس: بالرفاء والبنين، فهذا فيه محظور، ويجب تركه لماذا؟ لأن العادة في الجاهلية أنهم كانوا يتمنون البنين على البنات، ويفضلون البنين على البنات، فلهذا كان يدعو بعضُهم لبعض: بالرفاء والبنين، أما البنات فلا: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨].
أما في ديننا فلا فرق بين البنين والبنات؛ فتدعو بما سنه لك رسول الله ﷺ : بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير، وغيرها من الكلمات التي اعتادها الناس وليس فيها محظور.
ثم يستحب إعلان النكاح، وإظهاره في الناس؛ لئلا يكون مستوراً ولا مخفياً، وقال ﵊: (فرقوا ما بين النكاح والسفاح بالضرب بالدفوف) والصوت حتى يُعلم النكاح، وحتى يفرق بينه وبين السفاح، وما يفعله الناس من أضواء، قالوا: لإعلان النكاح وغيرها من الخيام؛ لأن فيها شيئاً من إعلان النكاح.
стр. 100
ضوابط الضرب بالدف والغناء في الأعراس
أما الضرب بالدفوف، والغناء في الأعراس فإن في هذا ضوابط وحدوداً فاسمعها يا عبد الله:
أولاً: الأصل في المعازف والغناء والموسيقى التحريم، إنما أبيح في حالات محدودة:-
الضرب بالدف، فلا يباح غيره في الأعراس، فلا تباح الموسيقى ولا الطبول ولا غيرها من أنواع المعازف.
ثانياً: إنما الذي يباح له أن يغني في العرس الجواري الصغيرات، كما سمع النبي ﷺ جارية تغني في يوم عرسه ووليمته.
ثالثاً: إن غنت الصغيرة البالغة فإنه لا يجوز أن يسمعها الرجال، وإن غنت الكبيرة بالدفوف لا غير، وبالكلام الحسن لا الفاحش ولا البذيء، فإنه يكون في مكان لا يسمعها الرجال، إذا كانت المرأة تُنهَى عن الأذان، وتنهى عن رفع الصوت بالصلاة إذا سمعها الرجال، وإذا أخطأ الإمام فلا تسبح، فكيف بالأغاني وسط الأعراس؟! فإنها تُنهى أن ترفع صوتها فيسمعها الرجال.
أما إن كُنَّ صغيرات وليس في أصواتهن فتنة، فإنه يُباح رفع أصواتهن، والضرب بالدفوف، قال ﵊ عندما زفت عائشة امرأة كانت ترعاها وتكفلها، فلما كبرت زفتها إلى أحد الأنصار، قال لها ﵊: (أما كان معكم لهو؟! -أي: شيء من الغناء المباح- فإن الأنصار يعجبهم اللهو، ثم قال لها: أرسلي لها جارية تغني لها -أي: بنتاً صغيرة- قالت عائشة: ما تقول؟ قال: لتقل:
أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم
ولولا الحبة السمرا ما كبرت عذاريكم
ولولا الذهب الأحمر ما حلت بواديكم
)
كلمات ليس فيها فُحش، ولا بذاءة، ولا تغزل بالنساء، ولا وصف لعوراتهن، ولا غيرها من الكلمات البذيئات.
ثم -يا عبد الله- اسمع إلى عرس النبي ﷺ عندما تزوج إحدى نسائه، فقال لـ أنس: (يا أنس! اذهب فادعُ فلاناً وفلاناً وفلاناً، ومن لقيتَ من المسلمين -فأتت أم سليم وصنعت شيئاً من الطعام المتواضع، ووضَعَته في أناء من نحاس، فأتت به إلى النبي ﷺ هذه وليمته- قال لـ أنس: ادعُ فلاناً وفلاناً وفلاناً ومن لقيتَ من المسلمين، قال أنس -وكان خادماً للنبي ﷺ فذهبتُ ودعوتُهم، ومن لقيتُ من المسلمين، قال الراوي: كم كان عددهم؟ قال: زهاء الثلاثمائة.
وصل عددهم ثلاثمائة تقريباً، ملئوا بيت النبي ﷺ ، وليس عنده إلا طعام في إناء واحد من نحاس، فأتى النبي ﷺ ووضع يديه فيه ودعا بالبركة، وقال: ما شاء الله! ثم قال لـ أنس: أخبر الناس ليتحلقوا عشرة عشرة، ثم قال لـ أنس: أعطهم، وقل لهم: ليسموا الله، وليأكلوا مما يليهم، قال أنس: فأعطيناهم الطعام، فأكلوا وشبعوا جمعياً، قال: فقال لي رسول الله: ارفعه يا أنس! فرفعتُه فلا أدري أكان عندما وضعتُه أكثر أم عندما رفعتُه، ولم يأكلوا منه شيئاً، وشبع الناس جمعياً معجزة للنبي ﷺ ، هكذا كانت ولائمه- قال: فأكل الناس، ثم جلسوا وانتظرو ﵊ حتى يخرج، فجلسوا يتحدثون ويتسامرون، وأعجبهم الجلوس، وامرأته قد أقبلت مختفية خلف الحائط، ووجهُها إليه، يقول: فخرج ﵊ فرأى الناس جالسين، ثم رجع، ثم خرج، ثم رجع، ولَمْ يُرِدْ أن يخرجهم، وكأنه تضايق منهم، فأنزل الله جل وعلا: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: اخرجوا، وليذهب كل منكم إلى عمله وإلى منزله، فخرج الناس جميعاً.
هكذا كانت وليمته ﵊، وهكذا كان التلطف فيها، وهكذا كانت سنته في الولائم.
أقول هذا القول.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 101
مخالفات شرعية في الأعراس
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
أما بعد:
نظرة سريعة إلى أعراسنا وولائمنا، وإلى الخيام التي توضَع وفيها ما فيها من مخالفات شرعية:-
أولاً: بعض الناس يأتي بالفرق الشعبية، التي تعزف وتغني:-
بل بعضهم يأتي لهم بأموال طائلة، لعل أموال الفرق تعدو أو تربو على أموال العرس كله، وعلى أموال الزواج كلها.
ثانياً: بعضهم يضع مكبرات الصوت فوق البيوت؛ لتغني تلك المغنية:-
وبعضهن -نعيذكم بالله من الفاجرات- تقول كلاماً بذيئاًَ، وبعضهن لا تستحي من بذاءة كلامها؛ فترفع الأصوات، ويسمعها الرجال، وتزعج البيوت، ويظن بعض الناس أنه من غناء النكاح، لا والله، إن هذا من المجاهرة بالمعصية وبالإثم، إنما العرس الذي هو على السنة: جوارٍ صغيرات يغنين، ويضربن بالدفوف بكلام حسن ليس فيه فحش ولا بذاءة، إما إن كُنَّ كبيرات فلا يسمعهن رجل مهما كان.
ثالثاً: لننظر إلى أعراس النساء وما فيها من الملابس الفاضحة:-
فإن المرأة تلبس في الأعراس من الملابس الفاضحة ما لا تلبس في غيرها، بل يحصل في كثير من الأعراس من الاختلاط ما لا يعلمه إلا الله، الزوج يدخل على زوجته أمام النساء، من يرى؟ يرى فلانة متعطرة متطيبة، وفلانة متبرجة، وفلانة كاشفة، وفلانة فيها ما فيها، ويدخل بين النساء، من الذي أباح له ذلك؟! ومن الذي سمح له بذلك؟! وأين الرجال الغيورون؟! أين الرجال الذين يمنعون نساءهم أن يدخل عليهن الرجال؟!
يا عباد الله! قال ﵊ لأصحابه: (إياكم والدخول على النساء، قالوا: يا رسول الله، أفرأيت الحمو؟! -الحمو أخو الزوج- قال: الحمو الموت) فما بالكم بالغريب؟! ما بالكم بابن العم؟! ما بالكم بذلك البعيد الذي يدخل في صالة النساء وهن متبرجات متعطرات؟!
بل يحدث أكثر من هذا، لا يدخل الزوج فقط، بل يدخل معه بعض الرجال، إلى صالات النساء، وما أدراك ما فيها، بل إن المتحجبة فيهن من تغطي وجهها، وتستر نفسها، وترضى بالمنكر، نعم، ولقد أصابها شيء من الإثم، لكنه أهون من غيرها.
رابعاً: ما يحدث في كثير من ولائم المسلمين في هذا الزمان من الإسراف ومما لا يعلمه إلا الله:-
انظروا بعض الأعراس ماذا يحدث فيها من الأرز واللحوم والطعام المنتشر، بل تكاد براميل القمامة أن تمتلئ بهذا الطعام، الذي لو أُعطي قبيلة كاملة في بلد من الصومال أو غيرها لعله يشبعهم ويكفيهم، وهنا يُرمى في الزبالات والقمامات، لِمَ؟ ليقال: فلان كريم، وليقال: أولم بعشرين شاة، وليقال: نَحَرَ جَزُوراً، وليقال: سالت الدماء، وليقال: انظروا إلى كرمه، كل هذا افتخاراًَ وكبراً ومباهاة بين الناس: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:٨] نعم، والله الذي لا إله غيره سيسأل عن هذا الطعام حبة حبة، وطعاماً طعاماً، أليس منا رجل رشيد يأخذ هذا الطعام المتبقي ويوزعه على الفقراء؟! أليس منا رجل عاقل يقدِّر الطعام: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١].
خامساً: ما يحصل في كثير من الأعراس من وضع مَنَصَّة:-
وما أدراك ما المنصة! تلك البدعة الجديدة، وتلك العادة الغريبة التي أُدخلت على بلاد المسلمين، حيث يجلس الرجل بجانب زوجته ليلاً؛ ليراه النساء، وليتمتعن بمشاهدته، ولينظرن إلى شكله.
يا عبد الله! إن كنت من الصالحين فلا تسمح بهذا، وإن كنت من عباد الله المتورعين المتقين فلا تسمح بهذا.
؛ إن كان عرسك أو عرس غيرك فعليك بمنعه، كيف يجلس الرجل أمام النساء متزيناً متطيباً والنساء ينظرن إليه؟! بل وينظر إليهن، بل أزيدكم أن في بعض الأعراس -أعاذنا الله وإياكم منها- من يُقَبِّل زوجتَه أمام الناس، وهذا حصل في بلاد المسلمين، والأمر غريب، والأمر عجيب! من أين تأتينا هذه العادات؟! بل يأتي من يصوره مع زوجته في وضع غريب وفي عادة سيئة، والنساء ينظرن إليه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١].
سادساً: ما يحصل في بعض أعراس المسلمين من إسراف في إيجار بعض الصالات:-
كصالات الفنادق، وما أدراك ما تلك الإيجارات! إيجارات غالية، يستطيع أن يستبدلها ببعض الصالات الرخيصة التي يوفر فيها الأموال والأكل؛ إنها السمعة! إنه الفخر! إنه الكبرياء! إنها المباهاة! لا بد أن يكون في أفخم الصالات وأغلاها، وأرقى أنواع الأطعمة، وأكثر الأموال، بل في بعض الأعراس ما تُرمى فيه الأموال رمياً، وتنثر على كثير من المغنيات، وعلى كثير من الفرق؛ ليقال: انظروا إلى فلان كريم، وفلان عنده أموال، وفلان لا يبالي بالأموال: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميلة، تعس عبد الخميصة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).
أسمعتم بقصة قارون؟! ما الذي خسف به الأرض؟! إنه الفخر والكبرياء.
سابعاً: ما يحصل في تلك الأعراس من لباس فيه حد يفوق الإسراف والله:-
بل لا أعرف له اسماً في مصطلح الشرع، تلبس بعض النساء فستاناً وثوباً بعضه يفوق آلاف الدنانير، لتلبسه ليلة واحدة، ثم أين؟ ترميه ولا تلبسه مرة أخرى؛ لتقول بين النساء: ثوبي في ليلة العرس بألف دينار، وبعضه من ألف وخمسمائة دينار، وبعضه من ألفي دينار، ثم لتلبسه ليلة واحدة، ثم تضعه، وبعض أولئك ما يكون من أعلاه إلى أسفله الذهب والفضة والجواهر الغالية التي والله أظن كما يظن غيري أنه فوق حد الإسراف، بل تجاوز حد شكر النعمة.
ثامناً: ما يحصل في أعراسنا من منكرات -وهذه بعضها، والمنكرات كثيرة- من تصوير للنساء بالأفلام والصورة الفوتوغرافية:-
ثم إذا أنت تطبع هذه الصور، وما أدراك من يراها؟! ولا تستحي -يا عبد الله- أن تنتقل هذه الصور بين الناس، وبين الرجال، وبين أقارب الزوج وأصدقائه، وأقرباء الزوجة وأصدقائها، ثم ينظر الناس، من هذه؟ ومن تلك؟ بنت مَن هذه؟ وأخت مَن هذه؟ وزوجة مَن هذه؟ أتعلمون لِمَ؟ لأننا سمحنا شيئاً فشيئاً بهذه المنكرات حتى أصبحت الأعراض أرخص ما لدينا، بل أصبح كشف أعراضنا، واختلاط نسائنا بالرجال أهون ما لدينا.
عباد الله: لنتق الله ، وليكن يوم العرس ويوم الوليمة يوم شكر لله، ولنعمة الله، لا يومَ كفر لله ، ولا للإسراف، ولا للزينة المحرمة والغناء المحرم، وليكن يوماً نذكر الله فيه ليبارك لنا في هذه الليلة، لا يوماً نكفر الله فيه، فيلعن أصحاب تلك الليلة: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداءك أعداء الدين.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
стр. 102
التائبون
التائبون العائدون إلى الله كثير، ولهم قصص تذرف لسماعها العيون، وتدمي القلوب، وفي هذا الدرس المبارك قصص لشباب عادوا إلى الله، فلنسمعها ولنتعظ بها، فإن في قصصهم عبرة.
стр. 103
أب يتوب على يد ابنته
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة الكرام أيها الأخ المستمع! أوجه إليك هذا الحديث ليس من باب التسلية ولكن من باب العبرة، والإنسان يعتبر بمن حوله، والسعيد من اتعظ بغيره، ولا يقول الإنسان: أنا غير محتاج إلى هذا الكلام، فالحمد لله أنا مؤمن، فإن الله أمر المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم:٨] فالمؤمن يحتاج إلى توبة، والصادق يحتاج إلى توبة، وقائم الليل يحتاج إلى توبة، وصائم النهار يحتاج إلى توبة، وقارئ القرآن يحتاج إلى توبة، فكيف بالغافل عن ربه! وكيف بالذي ينظر إلى النساء يمنة ويسرة! وكيف بالذي يستمع إلى الأغاني! وكيف بمن يصر على المعاصي ويظن أن الله لا يراه! ألا يحتاج إلى توبة؟!
اسمع إلى ما يقوله الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [التحريم:٨] لمن تتوب؟ ولمن ترجع؟ ولمن تفر؟ ولمن تتوجه؟ إلى الله ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ [التحريم:٨].
عبد الله! اسمع إلى بعض التائبين إلى الله جل وعلا، كيف قذف الله في قلوبهم التوبة؟ ولتكن أنت أحد هؤلاء الذين سطروا وذكروا وترحم الناس عليهم.
اسمع -يا عبد الله- إلى هذا الرجل؛ كان مغرماً بالمعاصي والذنوب، لا يعرف من دنياه إلا اللهو والطرب والخنا والزنا، خرج في ليلة من الليالي بعد أن أكرمه الله بزوجة، ورزقه منها ببنت، وقد أكملت خمس سنين، ولكنه لم يعف نفسه، أباح له الله النكاح ولكنه ما عف فرجه، خرج في تلك الليلة يبحث عن صاحب سوء ورفقة فاجرة يخالطها في المعصية، ذهب وبحث عنهم فإذا بهم قد سبقوه وغادروا، تضايق وأصيب بالحزن والحسرة والضيق والندم، رجع إلى البيت فإذا به يعوض تلك السهرة وتلك المعصية بفيلم خليع.
واسمع -يا عبد الله- إلى هذا النبأ العظيم، يجلس آخر الليل، أين زوجه؟ زوجته نائمة مع ابنتها الصغيرة في غرفة النوم، ويغلق على نفسه غرفة المجلس، وينظر إلى التلفاز وهو يشاهد فيلماً جنسياً خليعاً، أما يتقي الله؟! أما يستحيي من الله؟! لو قبض الله روحه في تلك الحالة تظنه كيف يبعث؟! يبعث على ما مات عليه، والله في تلك اللحظات قد نزل إلى السماء الدنيا، وقد كان أقرب ما يكون من العباد، ويقول: (هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟) وهو غارق في شهواته، ومتلذذ بمعاصيه، ينظر إلى المحرمات، وفي لحظة من اللحظات يُفتح الباب، من الذي فتحه؟! ينظر! فإذا ابنته الصغيرة فتحت الباب، نظر إليها فأغلق التلفاز مسرعاً، فقالت له ابنته الصغيرة: يا أبي! اتق الله عيب عليك! اتق الله عيب عليك! فإذا به يرتجف وتهزه تلك الكلمات، ثم غادرت البنت إلى غرفة النوم ووقف على حاله، يفكر (يا أبي! عيب عليك اتق الله عيب عليك اتق الله) يقول: فظللت أفكر في تلك الكلمات في سكون وهدوء الليل حتى قطع صمت الليل صوت -أتعرف ما هذا الصوت؟ - الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، يقول: إنه صوت أذان الفجر، فإذا بي أذهب فأغتسل من الجنابة، وأذهب إلى المسجد متوجهاً إلى بيت الله، من الذي يشده؟ من الذي يدعوه؟ من الذي يهديه؟ إنه الله جل وعلا.
يقول: دخلت في صلاة الفجر، وفي السجدة الأخيرة أجهشت بالبكاء، فلما سلَّم الإمام ظللت أبكي، فسألني من بجنبي: ما لك يا فلان تبكي؟ قال: إليك عني سبع سنوات ما سجدت لله سجدة -سبع سنوات لو قبض الله روحه تظنه كيف يكون مصيره؟! - يقول: وظللت أبكي حتى طلعت الشمس وأنا أقرأ القرآن.
يقول: فذهبت إلى الدوام والعمل، ثم جلست مع صاحب لي في العمل وأخبرته بالقصة، فرجعت إلى البيت وصليت الظهر، فلما دخلت البيت فإذا الزوجة تبكي، قلت: سبحان الله! ما يبكيكِ؟! قالت: يا فلان! أدركنا، قلت: ما الخبر؟ قالت: ابنتك الصغيرة قد ماتت -ابنته الصغيرة التي قالت له: (عيب عليك اتق الله، عيب عليك اتق الله) - فيقول: أجهشت بالبكاء، واتصلت على صاحبي فصلينا العصر ودفناها، وأنا أقول للناس: والله إني لا أدفن ابنتي ولكنني أدفن النور الذي عرفت به طريق السعادة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
стр. 104
توبة شاب كان مغرماً بالأغاني والطرب
عبد الله! اسمع إلى هذه القصة الغريبة والنبأ العجيب: إنه شاب كان مغرماً بالأغاني والطرب، يحب مغنية حباً شديداً، حتى أولع بها، وكان له جار شيخ يعظه كل فترة، وينصحه في الله ويذكره، يقول الشيخ: وكان يبكي، ولكنه سرعان ما يعود إلى ماضيه ومعاصيه، قال: فظل على هذه الحالة فترة طويلة، انظر كيف إذا أراد الله أن يهدي إنساناً، كيف يسخر له أسباب الهداية، وفي يوم من الأيام نصحته فأطال في البكاء، وذكرته ووعظته فإذا به يزيد في البكاء، وعاهدني أن يتوب إلى الله، فجئته في اليوم الآخر فإذا به يأتي بأشرطة الأغاني أشرطة تلك الممثلة، فقال لي: يا فلان! خذ هذه الأشرطة وأحرقها، قلت له: ما الخبر؟ ما الذي جرى؟ قال: عندما نصحتني وذهبت إلى البيت، أخذت أفكر في كلامك، حتى نمت في الليل، ورأيت في المنام أنني كنت على شاطئ البحر، فإذا برجل يأتي ويقول: يا فلان! فقلت له: ما شأنك؟ فقال لي: أتعرف فلانة المطربة؟ قلت: نعم.
قال: أتحبها؟ قلت: نعم أعشقها، قال: اذهب فإنها في المكان الفلاني، يقول: فركضت ركضاً سريعاً إلى تلك المطربة، فإذا برجل يأخذ بيدي، فالتفت فإذا برجل وسيم، وجهه كالقمر، وإذا به يقرأ عليَّ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] وإذا به يردد الآية بترتيل، يقول: وأنا أرددها وأرتل معه، حتى استيقظت من نومي، فإذا بي أبكي وأردد هذه الآية بترتيل: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢] يقول: أرددها وأبكي، حتى دخلت أمي عليَّ ونظرت إلى حالي، فأخذت تبكي معي، وهي تبكي، وأنا أبكي معها وأنا أردد هذه الآية: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك:٢٢].
يا معشر العاصين جود واسع عند الإله لمن يتوب ويندما
يأ يها العبد المسيء إلى متى تفني زمانك في عسى ولربما
بادر إلى مولاك يا من عمره قد ضاع في عصيانه وتصرما
واسأله توفيقاً وعفواً ثم قل يا رب بصرني وزل عني العمى
يقول ﵊: (لو أخطأتم حتى تبلغ خطاياكم السماء ثم تبتم لتاب الله عليكم).
انظر إلى رحمة الله وإلى سعتها!
стр. 105
توبة شاب كان ماجناً فأصبح مجاهداً
اسمع إلى هذا الخبر: شاب أسرف على نفسه بالذنوب والمعاصي، لا يعرف في الدنيا إلا الذنوب، حتى الصلاة لا يصليها، رجل ضاقت به الدنيا بما رحبت يعاشر النساء، ويشرب الخمور، ويستمع إلى الأغاني، ولكنه ما حصل على السعادة.
وسل وابحث في قلوب أولئك العصاة هل تجد فيها سعادة؟! لا والله، إذا جاء الليل وحل ضاقت عليهم الدنيا بما رحبت، قلوب مظلمة، وصدور موحشة، ووجوه قد أغشيت كقطع من الليل مظلما.
يقول: ضاقت بي الدنيا بما رحبت، فسافرت إلى بلد آخر إلى أخي كي أزوره وكان أخوه صالحاً، فسلَّم عليه وقال له أخوه: ما الذي جاء بك؟ قال: أصبت بالضيق وبالضنك، ولا أدري إلى أين أذهب، فجئت أجلس عندك، فرحب به أخوه، وبات عنده تلك الليلة، ولم يقم لصلاة الفجر، فجاءه صاحب لأخيه، وكان في الديوانية، فأيقظه للصلاة، وقال له: يا فلان! قم لصلاة الفجر، فقال له: اذهب عني واغرب عن وجهي، فذهب وجلس يفكر في تلك الكلمات، حتى كان يقول له ذلك الرجل: يا فلان! جرب الصلاة، جرب الراحة في الصلاة لن تخسر شيئاً، جرب الركوع، والسجود، والقرآن، جرب أن تقف بين يدي الرب ﵎، ألا تريد السعادة؟! ألا تريد الراحة؟! قال: فأخذت أفكر في تلك الكلمات، حتى اغتسلت من جنابة وتوضأت وذهبت إلى بيت الله، فأخذت أصلي، ثم بكيت ولم أشعر بالسعادة منذ زمن طويل، وما شعرت بها إلا لما خررت ساجداً لله جل وعلا، يقول: ثم مكثت يوماً عند أخي، ثم سافرت إلى أمي في البلد الذي كنت فيه، وأقبلت على أمي أبكي، تقول: ما شأنك؟ ما الذي غيرك؟ قلت لها: يا أماه! تبت إلى الله جل وعلا يا أماه! رجعت إلى الله يا أماه! أنبت إلى الله.
يقول الذي يروي عنه الرواية: ومكث أياماً ثم جاء إلى أمه، فقال: يا أماه! أطلب منك طلباً، أرجو ألا تردي هذا الطلب، قالت: وما هو؟ قال: أريد أن أذهب إلى الجهاد في سبيل الله أريد أن أقتل شهيداً في سبيل الله.
انظر -يا عبد الله- إلى سعادة الإيمان، وانظر إلى لذة الطاعة، وانظر إلى سعة الدنيا والآخرة يا أماه! أريد أن أذهب إلى الجهاد، فقالت أمه: يا بني! ما رددتك وأنت تسافر إلى المعصية فهل أردك وأنت تذهب إلى الطاعة؟! اذهب -يا بني- إلى أي مكان تشاء، فذهب إلى الجهاد في سبيل الله.
وفي يوم جمعة وقد كان في المعركة معه أصحابه، جاءت طائرة فرمت تلك المتفجرات والصواريخ، فأصيب صاحبه -وليس هو- بشظية فحمله ليسعفه، فإذا بصاحبه تفيض روحه إلى الله جل وعلا، فحفر لصاحبه قبراً فأدخل صاحبه في القبر، ثم رفع يديه وقال: اللهم إني أسألك ألا تغرب عليَّ شمس هذا اليوم حتى تقبلني شهيداً عندك يا ألله، يقول: ثم أنزل صاحبه، فإذا بغارة فيتحرك من مكانه، فإذا بشظية تأتيه، فإذا بنفسه تفيض إلى بارئها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠] نرجو له الشهادة.
يا عبد الله! أتعلم كيف يبعث؟! يبعث وجرحه يثعب دماً اللون لون الدم، والريح ريح المسك، يدفن هكذا -لا يغسل ولا يكفن- في ثيابه ودمه، يدفن -يا عبد الله- حتى يبعث عند الله شهيداً في سبيل الله.
стр. 106
شاب يتوب بسبب زانية
عبد الله: اسمع إلى هذا الرجل كيف تاب؟ وكيف سخر الله له التوبة؟
هذا رجل ذهب إلى بلد ليزني وليفعل الخنا والفجور، فإذا به يواعد عاهرة داعرة، فدخلت معه في الغرفة، فلما تزينت وتعطرت إذا بها تقول كلمة لا تقصدها ولم تردها، لكنها تلفظت بهذه الكلمة، فقالت: لا إله إلا الله، فسمع تلك الكلمات فارتجف، ثم تذكر ربه العظيم، فقال لها: يا فلانة! البسي ثيابك واخرجي من هذه الغرفة، قالت: ما شأنك؟ ما الذي جرى؟ ما الذي حدث؟ قال: لقد ذكرتيني بعظيم، ولم أكن لأعصي هذا العظيم: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
لا تقل -يا عبد الله- لي ذنوب عظيمة، ولا تقل: إن معاصيّ لا يغفرها الله لي، ولا تقل: إن خطاياي قد بلغت عنان السماء، اسمع إذا كانت توبتك صادقة: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠] لا تسوف، ولا تقل: غداً، ولا تقل: لما أصل البيت، ولا تقل: إن شاء الله في رمضان، ولا تقل: لما أحج، ولا تقل: لما أتزوج: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرر).
يا عبد الله! لعلها تأتيك منيتك وأنت تقود السيارة، أو وأنت نائم، أو وأنت تلهو وتلعب، لا تعلم -يا عبد الله- متى تأتيك منيتك.
стр. 107
تائب يحفظ القرآن في أربعة أشهر
اسمع إلى هذا الرجل -جندي-: كان هذا الرجل عاصياً، لا يعرف حتى الصلاة، وفي يوم من الأيام كان واقفاً يحرس في مكان عمله، وكان يوجد بالقرب من مكان عمله مسجد، وقد زار ذلك المسجد داعية يدعو إلى الله جل وعلا، فإذا بهذا الداعية يتكلم في السماعات الخارجية، وهذا الرجل الجندي يسمع لهذه الموعظة، وإذا بهذا الواعظ يذكره بالموت، وبالجنة والنار، وبالمصير عند الله جل وعلا، ويذكره بيوم يقف فيه مع الله جل وعلا، يحاسبه ويذكره ويعظه، وإذا بهذا الرجل ينتبه ويتذكر ويتعظ ويخاف يوماً كان مقداره خمسين ألف سنة، وإذا به يبكي، ومن كثرة البكاء سقط على الأرض مغشياً عليه، فجاءه أصحابه يرفعونه فيقولون له: ما لك؟ ما شأنك؟ قال: اتركوني ودعوني، فإذا به يزداد في البكاء، ثم تركهم وذهب واغتسل من الجنابة، فإذا بدمعته تغسل ذنوبه، وإذا به يأتي إلى المسجد الذي كان يعظ فيه ذلك الداعية، فيصلي ركعتين ويستمع إلى حديثه وهو يبكي، وهو يتذكر ذنوبه ومعاصيه وخطاياه، فلما انتهى جلس مع ذلك الداعية، وأخبره عن شأنه، فقال له ذلك الداعية: أريد أن أجلس معك؟ فجلس معه، فإذا به يتذكر قوله جلَّ وعلا، والداعية يذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] ولتنظر نفس ماذا قدمت للغد؟ نظر للنساء، أم استماع للأغاني، أم زنا وخنا، أم نوم عن صلوات، ماذا قدمت لله؟ إذا وقفت بين يديه، أتظن أن الله قد نسي، أو يغفل ولا يراك.
يا عبد الله! انتبه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] ثم أخذ يبكي يجهش بالبكاء، يقول: حتى ذهب إلى فراشه، أتعرف ما الذي جرى له؟! ختم القرآن كله في أربعة أشهر حفظاً؛ لأن الله قذف في قلبه الإيمان، وأناره به، وشرح صدره بالإسلام: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢].
عبد الله: ليلة كاملة ينام على الفراش لا يأتيه النوم، تعرف لماذا؟! ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]
يا نفس توبي فإن الموت قد حان واعصي الهواء فالهوى لا زال فتاناً
أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا
في كل يوم لنا ميت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا
يا نفس مالي وللأموال أتركها خلفي وأخرج من دنياي عريانا
أبعد خمسين قد قضيتها لعباً قد آن أن تقصري قد آن قد آنا
يقول ﵊: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
أقبل على الله، ارجع إلى الله.
هذه امرأة في السبي تلتفت يمنة ويسرة تبحث عن رضيع لها قد أضاعته، وتخيل أماً قد أضاعت رضيعها، والصحابة ينظرون، ثم وجدت رضيعها من بين الناس فأخذت رضيعها، ثم ضمته إلى صدرها، فألقمته ثديها، ثم بكت من شدة الفرح، فقال ﵊: (أتظنون هذه ملقية ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها) ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦] لمن؟ إن رحمت الله قريب ممن يا عبد الله؟ من المحسنين والتائبين والنادمين والراجعين والذين يعزمون على التوبة ويصدقون فيها.
стр. 108
أربعة شباب في المرقص
اسمع -يا عبد الله- إلى هؤلاء الأربعة من النفر، كانوا قد أذهبوا دنياهم من المعاصي والزنا والخنا، قرروا أن يسافروا إلى بلد يعاقرون النساء ويشربون الخمر، فإذا بهم يدخلون في مرقص.
اسمع -يا عبد الله- ولعل الله ينقذك كما أنقذ بعضهم، ثم نظروا فإذا بمرقص فخم قرروا أن يدخلوه في تلك الليلة، أتعرف من ينتظرهم؟! إن ملك الموت قد سبقهم وينتظرهم، دخلوا في ذلك المرقص، وفي جوف الليل الآخر والرب يرى، والله لا تخفى عليه خافية، إذا بهم في سكرهم ولهوهم وطربهم وكل واحد منهم قد عانق امرأة يراقصها ويقبلها، وفي تلك الأثناء إذا بأحد من هؤلاء الأربعة يسقط على الأرض مغشياً عليه، فأقبلوا عليه وفزعوا ونظروا إليه فقال أحدهم له: يا فلان! قل: لا إله إلا الله، يا فلان! قل: لا إله إلا الله، وإذا به ينتبه فقال له: زدني كأس الخمر وتعالي يا فلانة، فإذا به يردد تلك الكلمات وخرجت نفسه إلى الله جل وعلا.
يلقى الله على تلك الكلمات، ويبعث بين الخلائق وهو يقول هذه الكلمات وهو سكران ويريد أن يعانق النساء ويعاشرهن.
فنظر الثلاثة وأجهشوا بالبكاء وأصيبوا برعب شديد، ثم خرجوا من المرقص كل منهم قد قرر التوبة إلى الله جل وعلا، أتعرف كيف رجعوا إلى ديارهم؟
كان البعض يظن أنهم سوف يرجعون بالهدايا وبما يشترونه لأهليهم وأقربائهم! لا والله، رجعوا بجثة صاحبهم، في المطار كشفوا عن وجهه يفتشون الجثة، يقول أحدهم: لما نظر إلى تلك الجثة من سوادها وقبحها وظلامها خرَّ مغشياً عليه، ولكنهم رجعوا وقد تابوا إلى الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
امرأة تأتي إلى رسول الله ﷺ فتقول: (يا رسول الله! زنيت) من منا يستطيعها؟ ومن منا يقوى عليها؟ أتعرف ما المصير وما الحكم؟ إنه الرجم حتى الموت بالحجارة.
فقالت: (يا رسول الله! زنيت، قال: لعلك فعلت كذا وكذا، قالت: لا يا رسول الله زنيت، قال: اذهبي حتى تضعي) ذهبت أشهراً ثم رجعت، فقالت: (يا رسول الله! هذا ولدي، أنا التي أتيتك قبل أشهر وقلت لك: قد زينت وهذا ولدي، فقال ﵊ -أراد أن تستر على نفسها-: ارجعي حتى تفطميه) فذهبت ورجعت بعد أشهر طويلة وفي يدها كسرة خبز تطعم ولدها، فقالت: (يا رسول الله! هاهو ذا قد فطمته يا رسول الله فطهرني) لا تتحمل الذنب والمعصية، لا تتحمل أن تلقى الله بهذا الجرم العظيم، تريد أن يطهرها الله ولو كان بالقتل ولو كان بالموت (فأخذ الرسول ﷺ ذلك الولد فأعطاه لأحد الصحابة، ثم أمر بحفرة فحفرت، ثم وضعت في تلك الحفرة، وأمر الصحابة أن يرجموها، فرجموها، فإذا بأحد الصحابة يقع عليه شيء من الدم، فتكلم عليها -وكأنه سبها- فقال ﵊: مه، مه، لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم).
إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني
فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومن
إذا فكرت في ندمي عليها عضدت أناملي وقرعت سني
ومالي حيلة إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني
يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني
عبد الله: يقول النبي ﷺ : (قال الله تعالى: يابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.
يابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك.
يابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) ما الذي يمنعك عن الله؟
ما الذي يصدك عن سبيل الله؟
أقبل على الله يا عبد الله، اطرح بين يديه، اسجد له ولتدمع العين، يقول المصطفى ﷺ : (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
стр. 109
شاب يتوب قبل وفاته بإسبوعين
أختم حديثي معك -يا عبد الله- بقصة شاب كان مع فتاة يعاشرها ويعاقرها، إذا بهذا الشاب يأتيه من ينصحه ويذكره ويعظه، جاءه في الشارع فوجده معها، فأتى لينصحه ولينصحها فإذا بالفتاة تهرب، ثم يقف أمام هذا الشاب، يقول: وأخذت أنصحه وأذكره في الله جلَّ وعلا وأعظه، وأذكره بالموت وبالساعة وأن هولها عظيم، يقول: وإذا بحديثي لا ينتهي إلا والعينان تدمعان، وقد ذرفت عيناه بالدموع.
فلما انتهيت من الحديث أخذت رقم هاتفه وأعطيته رقمي، ثم ذهبت وذهب، وبعد أسبوعين وأنا أقلب أوراقي وإذا بي أقرأ رقمه ورقم هاتفه فاتصلت عليه وكان في الصباح، فسلمت عليه فقلت له: يا فلان! أتعرفني؟ قال: وكيف لا أعرف الصوت الذي كان سبباً لهدايتي، فقلت: الحمد لله! قلت: يا فلان! كيف حالك؟ قال: منذ تلك الكلمات وأنا بخير وبسعادة وأنا أصلي وأذكر الله جل وعلا، فقلت: لا بد أن أزورك اليوم، قال: حياك الله، قلت: سوف آتيك بعد العصر، وعندما صليت العصر جاءني ضيوف فأخروني عن الموعد، فلما جاء الليل قلت: لا بد أن آتيه ولو تأخرت في الموعد، فأتيته في الليل وطرقت عليه الباب، فخرج شيخ كبير فقلت له: أين فلان؟ قال: لقد دفناه في المقبرة، قال: لا كيف وقد كلمته اليوم في الصباح، قال: إنه صلى الظهر ثم نام في القيلولة، وقال: أيقظوني لصلاة العصر، فجئنا نوقظه فإذا هو جثة هامدة، وإذا نفسه قد فاضت إلى بارئها، قال: فبكيت، ثم قال لي: ومن أنت؟ قلت: تعرفت على ابنك قبل أسبوعين، قال: أنت الذي كلمته؟ قال: نعم أنا.
يقول: دعني أقبل رأسك، قلت: لا.
قال: دعني أقبل الرأس الذي أنقذ ابني من النار، يقول: فقبل رأسي: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣].
стр. 110
شروط التوبة
عبد الله: إن عزمت وقررت التوبة وإذا أردت الإنابة فعليك بثلاثة أمور:
следующие страницы →