Полный текст (1 195 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
شاب يتوب بسبب زانية
عبد الله: اسمع إلى هذا الرجل كيف تاب؟ وكيف سخر الله له التوبة؟
هذا رجل ذهب إلى بلد ليزني وليفعل الخنا والفجور، فإذا به يواعد عاهرة داعرة، فدخلت معه في الغرفة، فلما تزينت وتعطرت إذا بها تقول كلمة لا تقصدها ولم تردها، لكنها تلفظت بهذه الكلمة، فقالت: لا إله إلا الله، فسمع تلك الكلمات فارتجف، ثم تذكر ربه العظيم، فقال لها: يا فلانة! البسي ثيابك واخرجي من هذه الغرفة، قالت: ما شأنك؟ ما الذي جرى؟ ما الذي حدث؟ قال: لقد ذكرتيني بعظيم، ولم أكن لأعصي هذا العظيم: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠].
لا تقل -يا عبد الله- لي ذنوب عظيمة، ولا تقل: إن معاصيّ لا يغفرها الله لي، ولا تقل: إن خطاياي قد بلغت عنان السماء، اسمع إذا كانت توبتك صادقة: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان:٧٠] لا تسوف، ولا تقل: غداً، ولا تقل: لما أصل البيت، ولا تقل: إن شاء الله في رمضان، ولا تقل: لما أحج، ولا تقل: لما أتزوج: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرر).
يا عبد الله! لعلها تأتيك منيتك وأنت تقود السيارة، أو وأنت نائم، أو وأنت تلهو وتلعب، لا تعلم -يا عبد الله- متى تأتيك منيتك.
стр. 107
تائب يحفظ القرآن في أربعة أشهر
اسمع إلى هذا الرجل -جندي-: كان هذا الرجل عاصياً، لا يعرف حتى الصلاة، وفي يوم من الأيام كان واقفاً يحرس في مكان عمله، وكان يوجد بالقرب من مكان عمله مسجد، وقد زار ذلك المسجد داعية يدعو إلى الله جل وعلا، فإذا بهذا الداعية يتكلم في السماعات الخارجية، وهذا الرجل الجندي يسمع لهذه الموعظة، وإذا بهذا الواعظ يذكره بالموت، وبالجنة والنار، وبالمصير عند الله جل وعلا، ويذكره بيوم يقف فيه مع الله جل وعلا، يحاسبه ويذكره ويعظه، وإذا بهذا الرجل ينتبه ويتذكر ويتعظ ويخاف يوماً كان مقداره خمسين ألف سنة، وإذا به يبكي، ومن كثرة البكاء سقط على الأرض مغشياً عليه، فجاءه أصحابه يرفعونه فيقولون له: ما لك؟ ما شأنك؟ قال: اتركوني ودعوني، فإذا به يزداد في البكاء، ثم تركهم وذهب واغتسل من الجنابة، فإذا بدمعته تغسل ذنوبه، وإذا به يأتي إلى المسجد الذي كان يعظ فيه ذلك الداعية، فيصلي ركعتين ويستمع إلى حديثه وهو يبكي، وهو يتذكر ذنوبه ومعاصيه وخطاياه، فلما انتهى جلس مع ذلك الداعية، وأخبره عن شأنه، فقال له ذلك الداعية: أريد أن أجلس معك؟ فجلس معه، فإذا به يتذكر قوله جلَّ وعلا، والداعية يذكره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر:١٨] ولتنظر نفس ماذا قدمت للغد؟ نظر للنساء، أم استماع للأغاني، أم زنا وخنا، أم نوم عن صلوات، ماذا قدمت لله؟ إذا وقفت بين يديه، أتظن أن الله قد نسي، أو يغفل ولا يراك.
يا عبد الله! انتبه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] ثم أخذ يبكي يجهش بالبكاء، يقول: حتى ذهب إلى فراشه، أتعرف ما الذي جرى له؟! ختم القرآن كله في أربعة أشهر حفظاً؛ لأن الله قذف في قلبه الإيمان، وأناره به، وشرح صدره بالإسلام: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٢٢].
عبد الله: ليلة كاملة ينام على الفراش لا يأتيه النوم، تعرف لماذا؟! ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢]
يا نفس توبي فإن الموت قد حان واعصي الهواء فالهوى لا زال فتاناً
أما ترين المنايا كيف تلقطنا لقطاً فتلحق أخرانا بأولانا
في كل يوم لنا ميت نشيعه نرى بمصرعه آثار موتانا
يا نفس مالي وللأموال أتركها خلفي وأخرج من دنياي عريانا
أبعد خمسين قد قضيتها لعباً قد آن أن تقصري قد آن قد آنا
يقول ﵊: (التائب من الذنب كمن لا ذنب له).
أقبل على الله، ارجع إلى الله.
هذه امرأة في السبي تلتفت يمنة ويسرة تبحث عن رضيع لها قد أضاعته، وتخيل أماً قد أضاعت رضيعها، والصحابة ينظرون، ثم وجدت رضيعها من بين الناس فأخذت رضيعها، ثم ضمته إلى صدرها، فألقمته ثديها، ثم بكت من شدة الفرح، فقال ﵊: (أتظنون هذه ملقية ولدها في النار؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: لله أرحم بعباده من هذه بولدها) ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦] لمن؟ إن رحمت الله قريب ممن يا عبد الله؟ من المحسنين والتائبين والنادمين والراجعين والذين يعزمون على التوبة ويصدقون فيها.
стр. 108
أربعة شباب في المرقص
اسمع -يا عبد الله- إلى هؤلاء الأربعة من النفر، كانوا قد أذهبوا دنياهم من المعاصي والزنا والخنا، قرروا أن يسافروا إلى بلد يعاقرون النساء ويشربون الخمر، فإذا بهم يدخلون في مرقص.
اسمع -يا عبد الله- ولعل الله ينقذك كما أنقذ بعضهم، ثم نظروا فإذا بمرقص فخم قرروا أن يدخلوه في تلك الليلة، أتعرف من ينتظرهم؟! إن ملك الموت قد سبقهم وينتظرهم، دخلوا في ذلك المرقص، وفي جوف الليل الآخر والرب يرى، والله لا تخفى عليه خافية، إذا بهم في سكرهم ولهوهم وطربهم وكل واحد منهم قد عانق امرأة يراقصها ويقبلها، وفي تلك الأثناء إذا بأحد من هؤلاء الأربعة يسقط على الأرض مغشياً عليه، فأقبلوا عليه وفزعوا ونظروا إليه فقال أحدهم له: يا فلان! قل: لا إله إلا الله، يا فلان! قل: لا إله إلا الله، وإذا به ينتبه فقال له: زدني كأس الخمر وتعالي يا فلانة، فإذا به يردد تلك الكلمات وخرجت نفسه إلى الله جل وعلا.
يلقى الله على تلك الكلمات، ويبعث بين الخلائق وهو يقول هذه الكلمات وهو سكران ويريد أن يعانق النساء ويعاشرهن.
فنظر الثلاثة وأجهشوا بالبكاء وأصيبوا برعب شديد، ثم خرجوا من المرقص كل منهم قد قرر التوبة إلى الله جل وعلا، أتعرف كيف رجعوا إلى ديارهم؟
كان البعض يظن أنهم سوف يرجعون بالهدايا وبما يشترونه لأهليهم وأقربائهم! لا والله، رجعوا بجثة صاحبهم، في المطار كشفوا عن وجهه يفتشون الجثة، يقول أحدهم: لما نظر إلى تلك الجثة من سوادها وقبحها وظلامها خرَّ مغشياً عليه، ولكنهم رجعوا وقد تابوا إلى الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥].
امرأة تأتي إلى رسول الله ﷺ فتقول: (يا رسول الله! زنيت) من منا يستطيعها؟ ومن منا يقوى عليها؟ أتعرف ما المصير وما الحكم؟ إنه الرجم حتى الموت بالحجارة.
فقالت: (يا رسول الله! زنيت، قال: لعلك فعلت كذا وكذا، قالت: لا يا رسول الله زنيت، قال: اذهبي حتى تضعي) ذهبت أشهراً ثم رجعت، فقالت: (يا رسول الله! هذا ولدي، أنا التي أتيتك قبل أشهر وقلت لك: قد زينت وهذا ولدي، فقال ﵊ -أراد أن تستر على نفسها-: ارجعي حتى تفطميه) فذهبت ورجعت بعد أشهر طويلة وفي يدها كسرة خبز تطعم ولدها، فقالت: (يا رسول الله! هاهو ذا قد فطمته يا رسول الله فطهرني) لا تتحمل الذنب والمعصية، لا تتحمل أن تلقى الله بهذا الجرم العظيم، تريد أن يطهرها الله ولو كان بالقتل ولو كان بالموت (فأخذ الرسول ﷺ ذلك الولد فأعطاه لأحد الصحابة، ثم أمر بحفرة فحفرت، ثم وضعت في تلك الحفرة، وأمر الصحابة أن يرجموها، فرجموها، فإذا بأحد الصحابة يقع عليه شيء من الدم، فتكلم عليها -وكأنه سبها- فقال ﵊: مه، مه، لقد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم).
إلهي لا تعذبني فإني مقر بالذي قد كان مني
فكم من زلة لي في البرايا وأنت علي ذو فضل ومن
إذا فكرت في ندمي عليها عضدت أناملي وقرعت سني
ومالي حيلة إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني
يظن الناس بي خيراً وإني لشر الناس إن لم تعف عني
عبد الله: يقول النبي ﷺ : (قال الله تعالى: يابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي.
يابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك.
يابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) ما الذي يمنعك عن الله؟
ما الذي يصدك عن سبيل الله؟
أقبل على الله يا عبد الله، اطرح بين يديه، اسجد له ولتدمع العين، يقول المصطفى ﷺ : (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:١٦].
стр. 109
شاب يتوب قبل وفاته بإسبوعين
أختم حديثي معك -يا عبد الله- بقصة شاب كان مع فتاة يعاشرها ويعاقرها، إذا بهذا الشاب يأتيه من ينصحه ويذكره ويعظه، جاءه في الشارع فوجده معها، فأتى لينصحه ولينصحها فإذا بالفتاة تهرب، ثم يقف أمام هذا الشاب، يقول: وأخذت أنصحه وأذكره في الله جلَّ وعلا وأعظه، وأذكره بالموت وبالساعة وأن هولها عظيم، يقول: وإذا بحديثي لا ينتهي إلا والعينان تدمعان، وقد ذرفت عيناه بالدموع.
فلما انتهيت من الحديث أخذت رقم هاتفه وأعطيته رقمي، ثم ذهبت وذهب، وبعد أسبوعين وأنا أقلب أوراقي وإذا بي أقرأ رقمه ورقم هاتفه فاتصلت عليه وكان في الصباح، فسلمت عليه فقلت له: يا فلان! أتعرفني؟ قال: وكيف لا أعرف الصوت الذي كان سبباً لهدايتي، فقلت: الحمد لله! قلت: يا فلان! كيف حالك؟ قال: منذ تلك الكلمات وأنا بخير وبسعادة وأنا أصلي وأذكر الله جل وعلا، فقلت: لا بد أن أزورك اليوم، قال: حياك الله، قلت: سوف آتيك بعد العصر، وعندما صليت العصر جاءني ضيوف فأخروني عن الموعد، فلما جاء الليل قلت: لا بد أن آتيه ولو تأخرت في الموعد، فأتيته في الليل وطرقت عليه الباب، فخرج شيخ كبير فقلت له: أين فلان؟ قال: لقد دفناه في المقبرة، قال: لا كيف وقد كلمته اليوم في الصباح، قال: إنه صلى الظهر ثم نام في القيلولة، وقال: أيقظوني لصلاة العصر، فجئنا نوقظه فإذا هو جثة هامدة، وإذا نفسه قد فاضت إلى بارئها، قال: فبكيت، ثم قال لي: ومن أنت؟ قلت: تعرفت على ابنك قبل أسبوعين، قال: أنت الذي كلمته؟ قال: نعم أنا.
يقول: دعني أقبل رأسك، قلت: لا.
قال: دعني أقبل الرأس الذي أنقذ ابني من النار، يقول: فقبل رأسي: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران:١٩٣].
стр. 110
شروط التوبة
عبد الله: إن عزمت وقررت التوبة وإذا أردت الإنابة فعليك بثلاثة أمور:
стр. 111
الندم على المعصية
أولها: اندم على ما مضى، من الليالي الحمراء، والأفعال القبيحة، واندم على ذنوبك العظيمة يا عبد الله، ولينكسر القلب، ولتكن الحسرة صادقة وخارجة من قلبك.
стр. 112
الإقلاع عن المعصية
ثانياً: يا عبد الله! أقلع عن جميع الذنوب والمعاصي كيف تقلع؟ أن تكسر تلك الأشرطة، وأن تفارق تلك المجالس، وأن تحرق تلك الأوراق، وأن تمزق تلك الصور، أقلع ولتكن التوبة صادقة.
стр. 113
العزم على عدم العودة إلى المعاصي
ثالثاً: اعزم من قلبك عزماً صادقاً ألا ترجع إلى الذنوب مرة أخرى، فإن غلبتك نفسك وسرت مع الصالحين، ومشيت في طاعة الله، وغلبتك نفسك وأذنبت مرة أخرى، فعد فإن الله كان للأوابين غفوراً، وكلما غلبتك نفسك وعدت إلى المعصية فعد، فإن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.
وإياك إياك أن تصر على المعصية، وإياك إياك أن تعزم في قلبك أنك تعود إليها.
عبد الله! لتكن التوبة صادقة، وليكن هذا الكلام الذي تسمعه مني هو بداية ميلاد جديد وحياة جديدة بينك وبين الله جلَّ وعلا.
أقول هذا القول، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 114
التوحيد
التوحيد أعظم القضايا، وهو غاية كل الأنبياء، ومفتاح الجنة، فلا يدخلها أحد إلا به، والفشل فيه معناه دخول النار خالداً مخلداً.
ولعظم هذه القضية المصيرية تحدث الشيخ عنها، مستعرضاً اهتمام النبي ﷺ بغرس شجرة التوحيد في النفوس واجتثاث الشرك.
كما تطرق إلى أسلوب القرآن في عرض الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك، ثم ختم حديثه ببيان معنى شهادة أن محمداً رسول الله.
стр. 115
بيان منزلة التوحيد
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
أما بعد:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]
أما بعد:
أيها الإخوة الكرام: معنا في هذه الخطبة قضية عظمى من أجلها خلق الله الخليقة، وأنزل الكتب وأرسل الرسل القضية العظيمة التي لا يقبل الله بخلافها صرفاً ولا عدلاً القضية التي بها يدخل الناس الجنة وينجون من النار؛ إنها قضية التوحيد، قال الله جل وعلا: ﴿وما أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] وما أرسل الله رسولاً وما أنزل كتاباً إلا لتقرير هذه القضية؛ قضية التوحيد في الأمة، أن يصرف الناس عبادتهم لله جل وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:٥] إنها القضية الكبرى التي شهد الله بها: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨] شهد الله جل وعلا بأنه لا إله إلا هو، وهو أول أمر معلوم بالضرورة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد:١٩] وبها يخلق الناس ويخرجون من أرحام أمهاتهم، وهي الفطرة التي خلق الله الناس عليها، فما من مولود يولد إلا يولد على الفطرة يولد على أنه لا إله إلا الله، ويطلب منه أن يموت عليها (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) وهو بين هذا وهذا يعيش عليها ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢].
стр. 116
اهتمام النبي ﷺ بغرس التوحيد ومحاربة الشرك
يأتي ﵊ في الناس؛ في أمة تعبد الأصنام وتذبح للأصنام، وتنذر لها في أمة تعبد غير الله ومع الله جل وعلا، فيذبحون ويقولون: هذا لله -جل وعلا- وهذا لشركائنا؛ وهذا شرك بالله جل وعلا، يأتون فيقولون وهم يحجون إلى بيت الله: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، يشركون بالله، فأخبرهم أن الله واحد، فسألوه عن ربه؟ فقال ﵊: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١ - ٤] فهو بهذه السورة التي تعدل ثلث القرآن؛ رد على المشركين واليهود والنصارى، بسورة قصيرة يحفظها عموم المسلمين.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] صدع بها بلال، فقال: أحد أحد، فجر على الرمضاء وهو يقول: أحد أحد لا شريك له.
فأخذ يخبرهم أن الإله واحد، فانطلقوا في الناس يتعجبون! ﴿أجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] هذا أمر عجيب، وهذا أمر غريب!!
أتى إلى أحدهم وهو من عبدة الأصنام، فقال له: (كم إله تعبد؟ قال: سبعة، قال: ومن هم؟ قال: ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: من تجعله لرغبك ورهبك؟ قال: الذي في السماء، قال: إذاً اترك الذين في الأرض واعبد الذي في السماء، قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله).
أتى لتقرير هذه القضية؛ أول قضية بعث بها، وبعث إليها، ومات عليها ﵊، فقبل أن يموت كان يخاطب أصحابه فيقول: (قاتل الله اليهود والنصارى! اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) يحارب الشرك وهو في آخر حياته.
ويروى عنه: (أنه رأى رجلاً على كتفه خيطاً، فقال: ما هذا؟ قال: يا رسول الله! من الواهنة -أمره مشعوذ أو عراف أن يربط هذا الخيط على يده حتى يتشافى من مرضه- فقطعه ﵊، وقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً) لا يرضى بالشرك، ولا يرضى أن يمس جناب التوحيد بشيء ﵊.
سمع بعض الصحابة يقول له: ما شاء الله وشئت، وهو أعظم الناس، وأشرف الناس، وأحب الناس، قالوا له: (ما شاء الله وشئت قال: أجعلتني لله نداً! -جعلتني لله شريكاً- قل: ما شاء الله وحده).
وكان يفزع بها فيقول: إني لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً، لا أملك لنفسي ضراً ولا رشداً: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ﴾ [الجن:٢٣] إنه التوحيد الذي ما كان يرضى ﵊ أن يمس بسوء.
стр. 117
التوحيد في القرآن الكريم
اسمع إليه يتلو آيات الله في التوحيد، والقرآن كله توحيد، وكله يحمي جناب التوحيد، ويدل على التوحيد؛ إما ربوبية، أو ألوهية، أو في أسماء الله وصفاته، قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف:٤] انظروا إليهم! أصنام كهان عرافين أولياء وسادة ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر:٣٨] إن أرادك الله بمرض، أو بحادث سيارة، أو بمصيبة، أو بفقر، أو بموت، هل يدفع السيد أو الولي عنك ذلك؟ أم تدفع هذه التي تعلقها في السيارة تدفع عنك هذا الحادث؟ أم ذبحك للشاة وتلطيخ الدم بجدران البيت أو السيارة يدفع عنك ذلك؟ كلا والله! ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر:٣٨] لو أرادك الله بنعمة أو رحمة هل يمنعك هذا السيد، أو هذا القبر، أو ذلك الخيط، أو ذلك المشرف، أو هذا الساحر، أو الكاهن، هل يمنع عنك هذه الرحمة؟
إن الهدهد وهو مخلوق من المخلوقات لم يميزه الله بعقل كما ميز الإنسان، اسمع إليه لما رأى الشرك كيف استنكره، وكيف عظمه، ولم يرض به، جاء إلى سليمان ﵇ يقول: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل:٢٣] اسمع إليه كيف يستنكر: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل:٢٣] يا سليمان! إن النبأ عظيم، وإن الخطب جلل، وإن المصيبة كبرى، وجدت أناساً خلقهم الله لعبادته يسجدون للشمس من دون الله، إنها جريمة، حرم الله بسببها الدخول إلى الجنة: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة:٧٢].
إن المسلم الموحد مهما عصى الله فيما دون الشرك فإن مآله الجنة يدخلها برحمة الله، أما لو عبد الله طوال حياته وأتى بشرك واحد أكبر فإن الله قد حرم عليه الجنة، فلو سجد لله طول عمره ثم دعا غير الله، فقال: يا فلان أنقذني، أو المدد يا فلان؛ فإنه بهذا قد حبط عمله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] هل تعرف من يخاطب الله؟ إنه يخاطب أعبد الناس إمام الموحدين سيد البشر، يقول: لئن أشركت يا محمد ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥] الجهاد، والصلاة، والصدقات، والذكر؛ كله يحبط، ويجعلها الله هباءً منثوراً أتعرف لم يا محمد؟ بشرك واحد (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).
إن لقمان حرص على ابنه أكبر الحرص من هذه القضية؛ فجلس مع ابنه الصغير وهو صغير فأخذ يعلمه، لأنها أول العلوم وأول ما يبدأ به الداعية إلى الله، العقيدة أولاً وأخيراً: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣].
نعم! لو عصيت الله واستغفرته غفر الله لك، بل حتى لو لم تستغفره ومت على التوحيد فإنك إن دخلت النار فإنك لن تخلد فيها، لكن الشرك ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
ألم تسمع أن بعض المسلمين يأتي إلى بيوت الله فيشهد الشهادتين، ويسجد لله، ويعبد الله، ثم إذا خرج من بيت الله ذهب بابنه أو بزوجته أو بمريضه إلى كاهن أو عراف: (من أتى كاهناً أو عرافاً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد).
أسمعت بهم! يؤمنون بالله لكنهم مشركون: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦].
стр. 118
خطورة الشرك
عباد الله: إنها قضية عظيمة حري بنا أن نتفحص أنفسنا بها، وأن نحاسب أنفسنا أين نحن من توحيد الله؟ أين نحن من الإيمان بالله؟ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] لما نزلت هذه الآية قال الصحابة: (وأينا لم يظلم نفسه يا رسول الله! قال: ليس هو الذي تذهبون إليه، ألم تسمعوا إلى قول الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]) هذا هو الظلم الذي لا يقبل الله به صرفاً ولا عدلاً، لو أتيته بقراب الأرض ذهباً وفضة وافتديت به لله لا يقبل الله ذلك؛ لأن الله كتب أنه من أشرك به فقد أحبط عمله.
التوحيد -يا عباد الله- هو أن تصرف جميع أنواع العبادة لله.
ومن الشرك ما يكون أصغر لا يخرج صاحبه من الملة، لكن صاحبه قد يقع في الشرك الأكبر وهو لا يدري، ومن الشرك الأصغر: الرياء، وهو أن تصلي لله -مثلاً- ولكن تريد مع الله غيره، فإذا جئت إلى المسجد وعلمت أن من الناس من ينظر إليك حسنت الصلاة، وأطلتها وجملتها؛ هذا من الشرك بالله، لا يقبله الله جل وعلا، وإن كان أصغر لكنه ربما يؤدي بك إلى الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة، أو إذا رأى بعض الناس جلوساً أخرج من جيبه مالاً ليتصدق، كأنه يقول: انظروا إليَّ، فهذا لم يعبد الله في هذه العبادة، بل عبد غير الله جل وعلا، فلنحذر من الرياء يا عباد الله! ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٦ - ٧] توعدهم الله بالويل.
стр. 119
أهمية تعلم التوحيد
عباد الله! لنسلَم توحيدنا من الشرك، ونخلَصه من الكفر، وكل منا يتعلم التوحيد، ولا يظن أحدنا أنه سيظل على الفطرة إلى أن يموت، انظروا في الناس لتعلموا أن من الناس من إذا مرض أو افتقر لا يلتجئ إلى الله، وإذا أصابته مصيبة توجه إلى غير الله ودعا غيره، لنعلم أن بعض الناس وإن ادعى الإيمان فإنه مشرك بالله جل وعلا.
أقول: إن هذه القضية على خطورتها يجهلها كثير من الناس، وإن كان البعض يظن أنها معلومة، ولكن الله لعله عافاه، فإن كثيراً من المسلمين في هذا الزمان -ونحمد الله أن سلم مجتمعاتنا- يجهلون التوحيد، يظن أن التوحيد هو شد الرحال إلى قبرٍ من القبور في بلد من البلاد، يطلب منه أن يأتي له بالولد، أو يرزقه المال، أو يشفي مريضاً له، وإن كثيراً من الناس إذا مرض له مريضاً ذهب به إلى المشعوذ أو الكاهن ليعطيه ورقات، أو خيط، أو كيس لا يدري ما فيه، أو يأمره بذبح شاة لونها كذا وكذا لا يذكر اسم الله عليها، أو يأمره بكذا وكذا؛ كل هذا -يا عباد الله- من الشرك! وبعضه من الشرك الأكبر الذي لا يقبل الله به ديناً ولا يدخل صاحبه الجنة.
стр. 120
معنى شهادة أن محمداً رسول الله
أما القضية الثانية يا عباد الله! فهي: شهادة أن محمداً رسول الله، محمد ﵊ هو الرسول الذي لا طريق إلى الجنة إلا من طريقه، ولا يعرف الله إلا من خلاله، ومعنى شهادة أن محمداً رسول الله: أن نطيعه فيما أمر، ونجتنب ما نهى عنه وزجر، ونصدقه في كل ما أخبر، ولا يعبد الله إلا بما شرع ﵊، دين محمد ﵊ كامل، ففي حجة الوداع أنزل الله عليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣] فقام في الناس يبلغهم فقال: (ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم.
فقال: اللهم فاشهد! اللهم فاشهد! اللهم فاشهد!) يشهد الله على أن الدين كامل لا يحتاج إلى إضافة أو تصحيح، فمن زاد في الدين فقد قال في النبي ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) فمن صلى صلاة لم يشرعها الله ولا رسوله، أو أتى بذكر أو بعبادة مبتدعة فإن (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).
عباد الله! كل دين جديد، وكل عبادة لم يأذن بها ﵊ فاعلم أن صاحبها على خطر.
قال ﵊: (إن الله قد حجب التوبة عن كل صاحب بدعة حتى يدع بدعته) فلا ينفع مع البدعة أن تقول: أستغفر الله، حتى تدعها وتتركها فيتوب الله عليك.
عباد الله: إن البدعة أمرها خطير، ولهذا قال العلماء: إنها شر من المعصية، ولأن البدعة بريد إلى الكفر والشرك بالله، حتى قال الإمام مالك: "من زعم أن في الدين بدعة حسنة فقد زعم أن محمداً خائن".
أي من قال: هذه بدعة لكنها حسنة، فقل له: كلامك يستلزم أن محمداً ﵊ قد خان الرسالة، كيف تكون حسنة ولم يخبرنا بها ﵊؟! ولم يبلغنا إياها؟! وهو الذي قال: (ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا أمرتكم به) وقال: (تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك) ولهذا يأتي يوم القيامة على الحوض يرد مع الناس فتأتي الملائكة تدفع بعضهم وتزيح بعضهم، فيقول النبي ﷺ : (أصحابي أصحابي! فيقولون: إنك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك) لقد زادوا وشرعوا وابتدعوا في دين الله.
عباد الله: إن القضية الكبرى؛ قضية أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والمسألة شديدة، والمسألة كبيرة؛ لأن بها يدخل الناس الجنة وينجون من النار، فعلينا أن نتعلم ما معنى لا إله إلا الله؟ وما شروطها؟ وأركانها؟ ومقتضياتها؟ ونتعلم معنى أن محمداً رسول الله؟
ليست القضية علم فقط بل لابد من تطبيق، فالذي يعلم أنه لا إله إلا الله لا يلتجئ إلى غير الله، ولا يستعين فيما لا يقدر عليه غير الله إلا بالله، ولا يستغيث إلا بالله، ولا يدعو غير الله.
والذي يشهد أن محمداً رسول الله يحتاج إلى واقع عملي، لا يزيد في دين الله، ويلتزم بسنة رسول الله ﵊، وبهذا يكون قد أتى بمعنى الشهادتين علماً وعملاً، اعتقاداً وتطبيقاً، نسأل الله أن يميتنا عليها.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر اللهم أعداء الدين.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات.
стр. 121
الدار الآخرة
إن الله قد أنذر عباده المؤمنين ما سيكون في الدار الآخرة من عذاب وحساب وهول عظيم، وقد وصف الله الدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم، أو عذاب أليم، وجاءت الأحاديث الكثيرة عن رسول الله ﷺ تصور الرحلة والانتقال من دار الدنيا إلى دار الآخرة، فقد ذكر رسول الله ﷺ الموت وحال روح المؤمن أو الكافر عند خروجها، وعذاب القبر ونعيمه، والحساب ووقوف الناس على أرض المحشر للقضاء والفصل بينهم، ووصف الجنة، والنار وغير ذلك.
стр. 122
حال الإنسان في الحياة البرزخية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين:
أما بعد:
اليوم الآخر كلمة طويلة عريضة، ولعل من اسمها يتبين أنه لا يوم بعده، وتبدأ أول مشاهد هذا اليوم بحادثة مثل هذه الحوادث، فاستمع إليها يرحمك الله، قد يكون هذا الرجل يبدأ يومه وهو على الفراش طريحاً، وقد أحس بالروح تخرج، ولعله بدأ يحس بالنزع، وهذا هو النزع الأخير، ولربما تكون زوجه بجانبه، وأولاده عنده، ولربما بكت البنت وسقطت على حضنه، فقالت: أبي، ما لك لا تجيب؟
ولعل زوجه تنوح، وأبوه ينادي بالطبيب، وأخوه يناديه، ولعل الطبيب قد جاء، وحاول أن يرجع الروح إلى صاحبها، ولكن: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾ [القيامة:٢٦] ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٧ - ٢٨] ظن: أي علم وتيقن أنه الفراق، فراق ماذا؟
فراق المنصب فراق الدنيا فراق السيارة فراق الزوجة فراق الأهل فراق الأولاد والأحباب فراق البيت والأثاث فراق الأصحاب فراق الدنيا بما فيها: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ [القيامة:٢٨] ثم لما مات وخرجت الروح من صاحبها ومن الجسد حمل على الأكتاف ولف في الكفن: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة:٢٩] إلى أين؟ ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة:٣٠] هنا تبدأ أول مشاهد اليوم الآخر، ولعل هذه ميزة حسنة اسمع إلى تلك الميزة التي بدأ فيها ذلك الإنسان يومه الآخر بأسوأ ما يكون، واسمع إليها لا ندري كيف تكون نهايتنا؟
هذا رجل -أجلكم الله- كان في هذه البلاد لا يحصل على ما يريد، فسافر إلى دولة إباحية تعطيه كلما يشتهي، فجاء إلى أحد الفنادق، فحجز له غرفة، ثم طلب زجاجة الخمر -أم الخبائث، أم الفواحش، الخمر الرجس النجس، ذلك المشروب الذي حرمه الله جل وعلا- فأخذ يشرب ثم يشرب ثم يشرب بعد حرمان طويل، حتى جاء -أجلكم الله- إلى غرفة دورة المياه ليخرج ما شربه؛ لأنه أحس بالغثيان والإعياء، وبعد ثلاثة أيام طرقوا عليه الباب فلم يفتح، فكسروا عليه الباب، فإذا -أجلكم الله- رأسه في مصرف المجاري، وقد زهقت نفسه قبل ثلاثة أيام، وأنتن جسده ورأسه في مصرف المجاري: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] يا رب! ساعة فقط يا رب! ساعتين فقط، أصلي جميع الصلوات التي فاتت أرجع الأموال التي أخذتها من الناس ظلماً إلى أهلها أتوب من جميع الذنوب والمعاصي، فيرد الله عليه: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون:١٠٠] أي: كلمة يقولها طول عمره لكنه كاذبٌ فيها،
يذكر هذا الرجل أنه لما أصيب بمصيبة بكى، فقال: يا رب! لئن كشفت عني هذه المصيبة أتوب وأصلي والتزم دينك، فلما انكشفت عنه المصيبة رجع كما كان، أراد أن يفضح، رجع إلى ربه وتوسل إليه: يا رب! لئن سترت علي لأفعلن وأفعلن، ستر الله عليه فرجع إلى حاله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠].
رجل أصيب بمرضٍ شديد، فقال لأبنائه: احملوني إلى المسجد، سمع المؤذن قالوا له: يا أبتاه، أنت رجلٌ مريض وقد أعذرك الله، صل في البيت، قال: لا إله إلا الله، أسمع حي على الصلاة ولا أجيب، أسمع حي على الفلاح ولا أجيب، احملوني إلى المسجد، فحملوه إلى بيت الله جل وعلا، وهو رجل كبير في السن، وأوقف في الصلاة، فلما صلى مع الإمام وكان في السجدة الأخيرة قاموا من الصلاة فإذا نفسه قد فاضت إلى بارئها، وقد ختم الله جل وعلا له في سجوده بين يديه هل يستوي هذا وذاك؟!
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦] هل يجعل الله ذلك الذي يبعث وهو ساجد، وذلك الذي يبعث وهو ملبي، وذلك الذي يبعث وهو صائم، وذلك الذي يبعث وهو يطيع ربه يقرأ القرآن، وذلك الذي يبعث وهو بين يديها، أو عند فرجها أجلكم الله، أو يبعث وهو سكران يشرب الخمر، أو يبعث وهو تاركٌ للصلاة، هل يستوي ذلك وذاك؟!
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨] نعم! هم في الدنيا سواء، هذا في كرسي جوار هذا، ويحصل على المال مثل هذا: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء:٢٠] ولكن اليوم الآخر هو الفصل، والموعد، وهو الذي يفرق الله فيه بين الناس.
стр. 123
حال خروج الروح وشدة النزع
يبدأ ذلك اليوم -كما أخبرناكم- بذلك المشهد الكئيب، ولعله يكون وما مات بحادث سيارة، أو لعله يكون وهو نائم، مسكين لا يشعر! ينام فإذا هي النومة الأخيرة لا يستيقظ بعدها، ما أدركته ولا تداركه، وكان دائماً يُقال له: يا فلان! تب، يا فلان! استقيم، يا فلان! صل، الصلاة عمود الإسلام، يقول: إن شاء الله من الغد إن شاء الله من رمضان القادم، بعد رمضان إن شاء الله من الحج بعد الحج إن شاء الله عندما أتزوج بعد الزواج إن شاء الله لما أفعل وأفعل فإذا به لا يتدارك نفسه إلا وملك الموت عند رأسه، فيقول لها: يأ يتها النفس الخبيثة -اسمع إلى تلك الكلمات والناس من حولك يبكون- اخرجي -إلى أين؟ - إلى سخطٍ من الله وغضبه، الله جل وعلا قد غضب عليه كيف يخرج؟
الروح تتفرق في الجسد، لا تستطيع الخروج، ولا تتحمل أن تخرج، كيف تخرج إلى سخطٍ من الله وغضب؟
فيبدأ ملك الموت ينزع: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ [النازعات:١ - ٢] فتتوزع الروح في الجسد، فينتزعها ملك الموت كما ينتزع السفود من الصوف المبلول، تعرف كيف ينزع الروح؟ ينزعها بقوة حتى تتقطع العروق والمفاصل.
ألم تر رجلاً يحتضر؟ ألم تر بعضهم كيف يصرخ؟ ألم تسمع بهم كيف ينوحون؟
إن بعضهم يتغير لون وجهه، يزرق وتزرق عينه من شدة الألم وذلك التعب -لا إله إلا الله- (إن للموت سكرات) لا يشعر الإنسان بمن حوله، ينزع تلك الروح فإذا نزعت خرجت كأنتن ريحٍ وجدت على وجه هذه الأرض، رائحة -والله- لو شمها من حوله لما استطاع أن يقف بجانبه، كأنتن ريح جيفة على وجه الأرض.
أين ذلك الوجه الجميل؟ أين تلك الرائحة العطرة؟ أين ذلك الشكل الحسن؟ كأنتن جيفة على وجه الأرض، يحملها ملك الموت.
أتعرف -أخي الكريم- أن هذا الرجل وهو على الفراش يرى ملائكة على مد البصر يرى وجوههم وجوه ملائكة العذاب، مد بصره قبل أن تخرج الروح؟ عرف المصير، وعرف أين هو المستقر من يأخذ الروح؟ كل ملك يدفعها إلى من عنده، لا يريد أن يوصلها إلى السماء، فإذا أتت إلى سماء الدنيا تسألهم ملائكة السماء: روح من هذه الخبيثة؟ فيقولون: روح فلان بن فلان بأقبح اسمٍ له على وجه الأرض، ثم لا تفتح لهم أبواب السماء: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:٤٠] نعوذ بالله.
أخي الكريم! اسأل الله العافية، إذا لم تفتح لك أبواب السماء فإنه لا جنة بعدها: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف:٤٠] أين يُذهب بها؟ تقذف من السماء إلى الأرض، والأمر حقيقة لا جدال فيها: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:١٣ - ١٤] لا تتحمل أن تسقط من أعلى بناية كيف لو تسقط من السماء الدنيا؟ تطرح روحه إلى الأرض طرحاً، تقذف من السماء.
عبد الله! أتعرف أين تأتي هذه الروح؟ تأتي وقد حملت على الأكتاف وهي تصيح، تقول لمن يحملها على الأكتاف: يا ويلها أين تذهبون بها؟
﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ * فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى * وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة:٣٠ - ٣٢] ماذا يتذكر في الدنيا؟
لياليه أين قضاها؟
أيامه هل كان يستيقظ على صلاة الفجر، أم على ذكرها وحبها؟
هل كان يذكر بلسانه الله جل وعلا، أم كانت الأغاني والأفلام والمطربين والمطربات؟
ماذا كان يقرأ؟ هل كان يقرأ كتاب الله أم المجلات الخليعة الماجنة؟
ماذا كان يسمع؟ هل هو ذكر الله والكلام العطر والطيب والنزيه، أم كان يسمع ويتكلم في أعراض الناس، وكان يتكلم في الفحش والبذاءة؟
стр. 124
سؤال الميت في القبر
عبد الله! هو على الأكتاف الآن محمول، فلا توضع روحه في تلك الحفرة المظلمة الضيقة -التي لا يستطيع أحدنا أن يتحمل منظرها كيف بمن يعيش فيها- إلا وعينه قد فتحت، وزال القطن من على عينيه، ويستمع إلى الناس فوق القبر، لقد دفنوه ولربما يرشون الماء الآن على قبره، ولربما الآن كل واحد منهم يعزي جاره وأخاه، يستمع إليهم والأقدام تمشي على القبر، يستمع إلى قرع نعالهم، فيجلس في قبره، يجلسه ملكان أسودان أزرقان ينتهرانه ويدفعانه ويجلسانه في تلك الحفرة الضيقة كيف؟ إن المؤمن يؤمن بالغيب، يؤمن بكل هذا، لو حضرناه لوجدنا هذا كله، ولكنه غيبٌ في علم الله جل وعلا، يحدث حقيقة.
يُجلس فيقال له: يا فلان! من ربك؟
فيقول من شدة الخوف: هاه هاه لا أدري، كان يعرفه في الدنيا لكنه نسي.
ما دينك؟ هاه هاه لا أدري.
ماذا تقول في الرجل الذي بعث فيكم؟
هاه هاه لا أدري، ما كان يعرف شيئاً عن الإسلام، ما كان يلتزم بحدوده ولا يلتزم بأوامره، كان يستهزئ بسنة النبي ﵊ كيف يجيب؟
أم كيف يقول: إنه هو محمد رسول الله وهو لا يدري عنه شيئاً؟
يقول: هاه هاه لا أدري، فيقول له الملك: هو محمد رسول الله، أجب! قل: هو محمد رسول الله
فيقول: كنت أسمع الناس يقولون كلاماً فأقول مثلهم، كنت أسمع أهل المساجد، كنت أسمع أهل الدين، كنت أسمع الصالحين الذين يلتزمون على الأقل بالصلوات الخمس يقولون: هو محمد رسول الله، كنت أقول مثلهم، فإذا به يسمع صوت منادٍ ينادي: أن كذب عبدي، نتيجة الاختبار الأول؛ فأفرشوا له من النار، وافتحوا له باباً إلى النار.
стр. 125
عذاب العاصي في القبر
عبد الله! الأمر حقيقة، ولا ندري لعلها لحظات ويبدأ هذا اليوم، وما ندري لعلَّ الشمس لا نراها تغرب علينا، فيحيى هذا الرجل، فإذا بمطرقة يضرب بها رأسه، لو ضرب بها جبل لصار تراباً، يصير تراباً ثم يعاد مرة أخرى، ثم يضرب بالمطرقة مرة أخرى فيصيح صيحة، يسمعه كل من حول القبر إلا الجن والإنس، ولو سمعه الجن والإنس لصعقوا، ولما دفنوا موتاهم، ثم بعدها يفتح بابٌ إلى الجنة، فيقال له: يا فلان! انظر إلى القصر انظر إلى الأنهار انظر إلى الحور العين انظر إلى هذه الأشجار والثمار انظر إلى هذا النعيم، هذا كله لك لو كنت أطعت الله، لو كانت هذه الخمسين أو الستين السنة القليلة التي لا تساوي شيئاً لو قضيتها في طاعة الله لكان هذا لك، فيغلق الباب ثم يُفتح له بابٌ إلى نارٍ تلظى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٥ - ١٦] حرها يفصل اللحم عن العظم هذا حرها فكيف بنارها؟!
﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج:١٧] تدعو من يذكر في الله فيدبر، ومن يجمع المال فيتولى تدعوه وتناديه، فتقول: هل من مزيد؟ قد أبدلك الله به هذا، فإذا بريح النار، وسمومها، وعذابها يأتيه وهو في القبر.
стр. 126
إتيان العمل في القبر على صورة رجل
ثم بعدها يرى رجلاً قبيح المنظر، منتن الريح، قبيح الثياب، فيقول له: من أنت فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، أنا ترك الصلاة، أنا فلانة التي كنت تتصل بها، أنا ذلك المنكر الذي كنت تشربه، أنا تلك الليالي الحمراء، أنا تلك السفرات الفاضحة، أنا تلك الليالي الفاسدة، أنا هذه المعاصي التي كنت تفعلها، فوالله ما علمتك إلا بطيئاً لطاعة الله يا فلان! عندنا درس؛ بطيء، يا فلان! تعال صل، يصلي لكنه ببطء، يا فلان اقرأ القرآن! يأتي ولكنه في ثقل سريعاً إلى معصية الله، سريعاً لسهرة، لأغنية، لطرب، لممثلة، لداعرة، يأتي سريعاً ولا يتأخر، إذا به ينظر إليه، فيقول: يا رب! لا تقم الساعة يا رب! أكون في هذا المكان في الحفرة الضيقة المظلمة مع هذا الذي هو منتن الريح، وقبيح الوجه، أكون معه ولا تقم الساعة، لأن الساعة أدهى وأمر.
стр. 127
خروج الناس إلى أرض المحشر
إذا به بعد سنين طويلة يسمع بصيحة ما هذه الصيحة؟ كأنه قد سمع بها من قبل، وكأنه قد وعد بها، إذا به يرى القبر يُفتح فوقه، وإذا به يرى الناس يخرجون من تحته، فيخرج ينفض الغبار عن جسده أتعرف إلى أين؟ يرى السماء تتفطر، والأرض تتزلزل، والجبال تدك، والبحر يحترق، والوحوش تحشر: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] فيرد عليهم الصالحون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] يخرج فإذا الناس يخرجون من تحته، البشر من عهد آدم إلى آخر إنسان تخيل كم عددهم؟ بل ما شكلهم؟ كالجراد المنتشر.
أما الجبال فتحسبها جامدة ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٨٨]، البحار من عظمها تتفجر وتحترق، وتخيل الأرض من تحته تتزلزل، إلى أين يذهب؟
قال تعالى: ﴿كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١١ - ١٣] يقف كل الناس على أرض بيضاء عفراء -أي: تميل إلى الحمرة- وتخيل هذا المنظر، الأرض كقرصة نقي مستوية مستقيمة ليس فيها ارتفاع لأحد على أحد.
أتعرف ما أشكالهم؟
حفاة عراة غرلاً، غير مختونين غير مطهرين، كما خلقه الله ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩] كلهم على أرضٍ واحدة ينتظرون الحساب، والمدة طويلة، وارتفاع الشمس على الرءوس قدر ميل ثلاثة أيام أسبوع، مللنا الانتظار شهر شهرين، سنة سنتين: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] خمسين ألف سنة والناس وقوف.
يا مسكين! أراد الله منك عبادة خمسين أو ستين سنة، فأبيت إلا أن تقف تحت الشمس خمسين ألف سنة.
стр. 128
وقوف الناس في أرض المحشر
عبد الله! الأمر ليس هو بالهزل، والله ليمل الناس من أول سنة، بل من أول يوم، ولكنهم يقفون على الأقدام حفاة، والرءوس تنصلي بحر نار الشمس، ومع هذا يقفون مقدار خمسين ألف سنة، لا مراء في هذا ولا شك، خمسون ألف سنة والعرق يتصبب، منهم من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، يصل عرقه إلى فمه إلى موضع لجام الفرس، ولا مغيث ولا نصير، أما الصالحون أتظنهم تحت الشمس؟
لا والله، الصالحون تحت ظل عرش الرحمن.
يقفون خمسين ألف سنة؟
لا والله، يقفون كما بين صلاة الظهر والعصر فقط، ويأتيهم من الهواء البارد الكريم، ويكفيك أنهم تحت ظل عرش الرحمن جل وعلا، في كنفه يقفون، وهؤلاء الضلال الفسقة الفجرة، الذين ما سجدت وجوههم لله جل وعلا، وما استقاموا على أمره جل وعلا، تحت حر الشمس خمسين ألف سنة، ثم ماذا؟ ثم يموتون؟!
لو كان الموت لكان خيراً لهم، يأتي الرب جل وعلا لفصل القضاء.
стр. 129
الإتيان بجهنم وتذكر الإنسان عمله
بعد خمسين ألف سنة يسمعون صوت السلاسل، وصوت الأحزمة، وصوت الملائكة، بل إنه صوت جهنم تجر، لها سبعون ألف زمام -حزام- يجر كل حزام سبعون ألف ملك، واضرب سبعين ألفاً في سبعين ألف لتعرف عدد الملائكة التي تجر جهنم، يرونها من مكان بعيد جداً، إذا رأوها خر الناس كلهم الأمم، حتى الصالحون والأنبياء يخرون على الركب: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] حتى الأنبياء يخرون على الركب، يقولون: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم.
يقول الله للناس: انظروا هل هذه النار التي كانت تظنونها هزل ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] هل هذا سحر؟ هل هذا هزل؟ هل هذا ضحك كما كنتم تضحكون في الدنيا وتلعبون؟
تذكر تلك اللحظة وانتبه، وتذكر هذا الكلام، وستذكرون ما أقول لكم، وسوف يأتي الأمر حقاً، وسوف تذكر هذا المجلس، في تلك اللحظة يمر عليك شريط الحياة تتذكر الدنيا كلها تذكر فلانة وفلاناً، وتلك الليلة، وذلك الفيلم، وذلك الشريط، وتتذكر يوم كنت تنام عن الصلاة، وتتذكر يوم كان يأتيك ذلك الرجل الصالح يذكرك وكنت تأبى، وينصحك وكنت تضحك، ويناديك وكنت تدبر، تذكر هذه الأيام وتلك الليالي لحظة لحظة: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ﴾ [الفجر:٢٣]؛ ولكن: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] ماذا تنفعه الذكرى؟
يبكي وينادي ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] يا ليتني قدمت لهذا اليوم! يا ليتني عملت لهذا اليوم! يا ليتني صليت الصلوات في بيت الله! على الأقل عمود الإسلام أنجو من النار، يا ليتني ويا ليتني؟!
ولكن: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩] هذا هو يوم الحسرة، يبكي حتى الصالحون على ساعة ما قضوها في طاعة الله حتى الأنبياء والرسل يتحسرون على لحظة ما قضوها في طاعة الله.
стр. 130
بدء فصل القضاء والحساب يوم القيامة وشهود الجوارح
ثم يبدأ الفصل، ويبدأ الحساب، والله سريع الحساب، يحاسب الناس جمعياً في لحظة واحدة، من آدم إلى آخر البشر يقول: أنت فلان بن فلان، فترتعد الجوارح وتضطرب ولم تعد الرِجل تحمل صاحبها، وإذا به يبكي، ويريد الفرار والنجاة، والملائكة تسوقه إلى الرب جل وعلا سوقاً، لا يستطيع أن يمشي على قدمه، فيقف بين يدي الرب جل وعلا الذي لا تخفى عليه خافية: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩] تخرج وتفضح ذلك يوم الخزي، فيقول لهم الرب جل وعلا، وتخيل -أخي الكريم- أنك في هذا الموقف، يقول لك الرب: عبدي! ألم أصح لك الجسد؟!
ألم أسقك من الماء البارد؟!
ألم أنعم عليك بكذا وبكذا ويعدد عليك النعم طوال الحياة؟!
ثم يقول لك الرب جل وعلا: عبدي ما الذي جرأك علي؟!
عبدي! أتذكر هذا الذنب؟! أتذكر هذه المعصية؟! أتذكر هذه الجريمة؟!
عبدي! أتظن أني لا أرى؟! ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤].
ثم يقول له: يا رب! ما فعلت، يكذب على ربه جل وعلا مسكين! لا زال في جرأته، ولا زال في عناده وكبره، يقول: يا رب! ما فعلت شيئاً يا رب! هذا كله كذب
وبدأت الشهود الملائكة تشهد، والصالحون يشهدون رب أعطيته في اليوم الفلاني شريطاً لكنه رماه، رب في اليوم الفلاني طرقت عليه الباب ونصحته لكنه ضحك علي، رب في اليوم الفلاني عملت له محاضرة وذكرته ونصحته ولكنه استمر على هذا، يأتي الشهود، كل الناس يشهدون عليه، والملائكة تشهد، فيقول: يا رب! لا أقبل شاهداً إلا من نفسي، لا أقبل الشهود يا رب! أنت العدل، كيف تأتي بشهود وأنا لا أقبل إلا شاهداً من نفسي؟
فيقول له الرب جل وعلا: لك ذلك، لا يشهد عليك أحدٌ إلا نفسك، فإذا بالفم يختم عليه، وإذا باليد تنطق، والجلود تتكلم، والفخذ والخد ينطقان، وإذا به: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] تتكلم: يا رب! في اليوم الفلاني لمس فلانة بالحرام، وفتح ذلك الفيلم على الحرام، وكتب تلك الرسالة، وفتح هذه المجلة، وقبض هذه الرشوة، وضرب فلاناً، وبطش وفعل، والرجل: يا رب! ذهب بي إلى المكان الفلاني والفلاني والفلاني والفلاني ينظر إلى الجلود تنطق: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ [فصلت:٢١].
стр. 131
سحب المجرمين والعصاة إلى النار
ثم بعد هذا يعلم أنه لا نجاة ولا محيص، ولا فرار من الله جل وعلا، فينادي الرب جل وعلا على الملائكة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] أي: اربطوه بالسلاسل: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣١ - ٣٢] يسحب بسلسلة، أتعرف ما حجم هذه السلسلة؟! كل حديدة بقدر حديد هذه الدنيا كلها، وهي سبعون ذراعاً، والذراع من ذراع الملائكة وليس من ذراعات الناس، يدخل من منخره فيخرج من دبره، ثم يلف بالسلاسل ويسحب على وجهه إلى جهنم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٤].
إذا به أول ما يأتي النار تفتح أبوابها، يرى في جهنم أصحابه في الدنيا قد سبقوه، يرى فلاناً الذي كان يدعوه إلى تلك الأماكن الفاسدة، يرى صاحبه الذي كان يصده عن الصلاة، كلما أراد التوبة قال له: يضحكون عليك تريد أن تتعقد؟ تريد أن تتزمت؟ يا فلان! عندنا فلانة، عندنا سهرة، عندنا فيلم، عندنا سفرة، عندنا كذا وكذا.
يا فلان! يضحكون عليك، كلما أراد التوبة صده ورده، فيراه قد سبقه إلى النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً﴾ [الأعراف:٣٨].
стр. 132
وصف نار جهنم
عبد الله! لا أريد في هذه الدقائق أن أبخس وصف النار، النار وصفها لا نتحمله، بل كان بعض السلف إذا سمع وصفاُ واحداً من النار بكى وخر على الأرض صريعاً.
عبد الله! يكفي أن تعلم أن النار -أعاذنا الله وإياكم منها- قبل أن يدخلها أهل النار الشرارة الواحدة تتطاير منها بحجم القصر، شرارة نار الدنيا لو تقع عليك لا تؤثر، ولا تحرق، أما شرارة نار جهنم فهي بحجم القصر الكبير: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٢ - ٣٣].
عبد الله! نار جهنم إذا علمت عن بعض أوصافها لا تنام الليل: [عجبت من النار كيف نام هاربها؟! وعجبت للجنة كيف نام طالبها؟!].
عبد الله! أهل النار يجوعون، أتعرف ماذا يأكلون؟
يأكلون ضريعاً، أتعرف ما هو الضريع؟
شوك في جهنم ينبت، من شدة الجوع يأكلون هذا الشوك، فإذا أكلوا هذا الشوك -وتخيل وتفكر- يقف الشوك في حلوقهم، لا يبتلعونه ولا يخرجونه، يتعلق، فتغص الحلوق، يريدون أن يشربوا الماء فيستغيثون ربهم جل وعلا: يا رب! الماء يا رب! الماء يا رب! الماء: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ﴾ [الكهف:٢٩] انظر رحمة الله، يعطون الماء، يقترب من الماء ليشرب من شدة العطش وتلك الغصة، فإذا قرب الوجه تسقط فروة الوجه من شدة حر الماء: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩] يشوي وجهه قبل أن يشربه، فإذا شربه تتقطع الأمعاء، ويخرج من الدبر من شدة حره، حميماً آنٍ بلغ من شدة حره ما لا يطاق، بل لا يستطيع أحداً أن يشربه؛ لكن يشربه من شدة الجوع والعطش.
يرون الزواني في النار يخرج من فروجهن -أجلكم الله- صديدٌ وقيح ونتن، فإذا خرج من فروجهن تسابق أهل النار إليه ليأكلوه من شدة الجوع، أهل النار -كما أخبرناكم: ﴿لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٥ - ١٦]- تتشقق جلودهم فيخرج منها الصديد، يتساقط إليه أهل النار ليأكلوه من شدة الجوع: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم:١٧]، وللأسف! ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] في تلك الحال نار من فوقهم، ونار من تحتهم يلتحفون النار، ويفترشون النار، بل يأكلون في بطونهم النار: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة:١٧٤].
стр. 133
المجيء بالموت على هيئة كبش وذبحه بين الجنة والنار
عبد الله! في ذلك العذاب والحميم والجحيم ينادي منادٍ، يقول لهم: يا أهل النار! يرفعون الرءوس يفرحون يظنون أنهم سوف يخرجون منها يا أهل النار! يرفعون الرءوس، فيقال لهم: تعرفون من هذا؟ فإذا بكبش أملح، يقولون: نعم.
إنه الموت نعرفه ورأيناه، فيُذبح بين الجنة والنار، فيقال لأهل النار: خلودٌ فلا موت.
عبد الله! تعرف ما معنى خلود فلا موت؟ مليون سنة؟ مليونين؟ عشرة ملايين؟ مائة مليون سنة في هذه النار؟ خلودٌ فلا موت ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
стр. 134
خلود المجرمين في جهنم
عبد الله! والله لو كان مصيرهم الموت لكان أعظم نعيم ينادون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] يجيبهم بعد آلاف السنين: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧ - ٧٨] قرئ عليكم القرآن وذكرتم ووعظتم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨].
عبد الله! الخلود في جهنم، مصير الكفرة الملاحدة، من بينهم تاركو الصلاة (بين الرجل والكفر والشرك ترك الصلاة) ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣] أول جريمة أوردتهم سقر وجهنم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] ما كنا نصلي مع الناس، وما كنا نحافظ عليها: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣].
عبد الله! هذا مصير صنفٍ من النار، ولعله إن شاء الله سوف يكون بيننا وبينكم في يوم من الأيام الخالية بإذنه جل وعلا إن أبقانا الله وأحيانا يومٌ أحدثكم فيه عن مصير الصالحين مصير أهل الصلاة، وأهل الذكر، وأهل الطهر، وأهل العفاف، الذين هم في الدنيا من أهل السعادة، وفي الآخرة من أهل النعيم، سوف يكون -إن شاء الله- بيننا وبينكم لقاء حتى يتشوق الإنسان إلى مصيرهم، وإلى حياتهم الكريمة السرمدية الأبدية.
عبد الله! في الختام أدعوك لأمرٍ واحد أن تبكي هذه العين على تلك الذنوب والمعاصي، أن تفكر ماذا أسلفت؟ وماذا قدمت؟: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] واعلم -يا عبد الله- أن الموت يأتي بغتة، وأن شروط التوبة ثلاث:
أولاً: الندم على ما مضى.
ثانياً: العزم على ألا تعود إلى تلك الذنوب والمعاصي.
ثالثها: أن تقلع تقطع الصور تحرق تلك الأفلام الخليعة تترك هذه المجالس النتنة تبتعد عن السوء وأهل الفسق والفجور وتلتحق في رفق الصالحين، واعلم -يا عبد الله- أن الله جل وعلا يعينك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ومن تاب تاب الله عليه، لعلها دمعة يمسح الله بها جميع الذنوب والمعاصي، وتبدأ بينك وبين الله صفحة جديدة
أسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، ويثبت أقدامنا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 135
خروج الناس إلى أرض المحشر
إذا به بعد سنين طويلة يسمع بصيحة ما هذه الصيحة؟ كأنه قد سمع بها من قبل، وكأنه قد وعد بها، إذا به يرى القبر يُفتح فوقه، وإذا به يرى الناس يخرجون من تحته، فيخرج ينفض الغبار عن جسده أتعرف إلى أين؟ يرى السماء تتفطر، والأرض تتزلزل، والجبال تدك، والبحر يحترق، والوحوش تحشر: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] فيرد عليهم الصالحون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] يخرج فإذا الناس يخرجون من تحته، البشر من عهد آدم إلى آخر إنسان تخيل كم عددهم؟ بل ما شكلهم؟ كالجراد المنتشر.
أما الجبال فتحسبها جامدة ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٨٨]، البحار من عظمها تتفجر وتحترق، وتخيل الأرض من تحته تتزلزل، إلى أين يذهب؟
قال تعالى: ﴿كَلَّا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ * يُنَبَّأُ الْأِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة:١١ - ١٣] يقف كل الناس على أرض بيضاء عفراء -أي: تميل إلى الحمرة- وتخيل هذا المنظر، الأرض كقرصة نقي مستوية مستقيمة ليس فيها ارتفاع لأحد على أحد.
أتعرف ما أشكالهم؟
حفاة عراة غرلاً، غير مختونين غير مطهرين، كما خلقه الله ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف:٢٩] كلهم على أرضٍ واحدة ينتظرون الحساب، والمدة طويلة، وارتفاع الشمس على الرءوس قدر ميل ثلاثة أيام أسبوع، مللنا الانتظار شهر شهرين، سنة سنتين: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] خمسين ألف سنة والناس وقوف.
يا مسكين! أراد الله منك عبادة خمسين أو ستين سنة، فأبيت إلا أن تقف تحت الشمس خمسين ألف سنة.
стр. 136
وقوف الناس في أرض المحشر
عبد الله! الأمر ليس هو بالهزل، والله ليمل الناس من أول سنة، بل من أول يوم، ولكنهم يقفون على الأقدام حفاة، والرءوس تنصلي بحر نار الشمس، ومع هذا يقفون مقدار خمسين ألف سنة، لا مراء في هذا ولا شك، خمسون ألف سنة والعرق يتصبب، منهم من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم إلى ركبتيه، ومنهم إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، يصل عرقه إلى فمه إلى موضع لجام الفرس، ولا مغيث ولا نصير، أما الصالحون أتظنهم تحت الشمس؟
لا والله، الصالحون تحت ظل عرش الرحمن.
يقفون خمسين ألف سنة؟
لا والله، يقفون كما بين صلاة الظهر والعصر فقط، ويأتيهم من الهواء البارد الكريم، ويكفيك أنهم تحت ظل عرش الرحمن جل وعلا، في كنفه يقفون، وهؤلاء الضلال الفسقة الفجرة، الذين ما سجدت وجوههم لله جل وعلا، وما استقاموا على أمره جل وعلا، تحت حر الشمس خمسين ألف سنة، ثم ماذا؟ ثم يموتون؟!
لو كان الموت لكان خيراً لهم، يأتي الرب جل وعلا لفصل القضاء.
стр. 137
الإتيان بجهنم وتذكر الإنسان عمله
بعد خمسين ألف سنة يسمعون صوت السلاسل، وصوت الأحزمة، وصوت الملائكة، بل إنه صوت جهنم تجر، لها سبعون ألف زمام -حزام- يجر كل حزام سبعون ألف ملك، واضرب سبعين ألفاً في سبعين ألف لتعرف عدد الملائكة التي تجر جهنم، يرونها من مكان بعيد جداً، إذا رأوها خر الناس كلهم الأمم، حتى الصالحون والأنبياء يخرون على الركب: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية:٢٨] حتى الأنبياء يخرون على الركب، يقولون: اللهم سلم سلم، اللهم سلم سلم.
يقول الله للناس: انظروا هل هذه النار التي كانت تظنونها هزل ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور:١٥] هل هذا سحر؟ هل هذا هزل؟ هل هذا ضحك كما كنتم تضحكون في الدنيا وتلعبون؟
تذكر تلك اللحظة وانتبه، وتذكر هذا الكلام، وستذكرون ما أقول لكم، وسوف يأتي الأمر حقاً، وسوف تذكر هذا المجلس، في تلك اللحظة يمر عليك شريط الحياة تتذكر الدنيا كلها تذكر فلانة وفلاناً، وتلك الليلة، وذلك الفيلم، وذلك الشريط، وتتذكر يوم كنت تنام عن الصلاة، وتتذكر يوم كان يأتيك ذلك الرجل الصالح يذكرك وكنت تأبى، وينصحك وكنت تضحك، ويناديك وكنت تدبر، تذكر هذه الأيام وتلك الليالي لحظة لحظة: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ﴾ [الفجر:٢٣]؛ ولكن: ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر:٢٣] ماذا تنفعه الذكرى؟
يبكي وينادي ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] يا ليتني قدمت لهذا اليوم! يا ليتني عملت لهذا اليوم! يا ليتني صليت الصلوات في بيت الله! على الأقل عمود الإسلام أنجو من النار، يا ليتني ويا ليتني؟!
ولكن: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم:٣٩] هذا هو يوم الحسرة، يبكي حتى الصالحون على ساعة ما قضوها في طاعة الله حتى الأنبياء والرسل يتحسرون على لحظة ما قضوها في طاعة الله.
стр. 138
بدء فصل القضاء والحساب يوم القيامة وشهود الجوارح
ثم يبدأ الفصل، ويبدأ الحساب، والله سريع الحساب، يحاسب الناس جمعياً في لحظة واحدة، من آدم إلى آخر البشر يقول: أنت فلان بن فلان، فترتعد الجوارح وتضطرب ولم تعد الرِجل تحمل صاحبها، وإذا به يبكي، ويريد الفرار والنجاة، والملائكة تسوقه إلى الرب جل وعلا سوقاً، لا يستطيع أن يمشي على قدمه، فيقف بين يدي الرب جل وعلا الذي لا تخفى عليه خافية: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:٩] تخرج وتفضح ذلك يوم الخزي، فيقول لهم الرب جل وعلا، وتخيل -أخي الكريم- أنك في هذا الموقف، يقول لك الرب: عبدي! ألم أصح لك الجسد؟!
ألم أسقك من الماء البارد؟!
ألم أنعم عليك بكذا وبكذا ويعدد عليك النعم طوال الحياة؟!
ثم يقول لك الرب جل وعلا: عبدي ما الذي جرأك علي؟!
عبدي! أتذكر هذا الذنب؟! أتذكر هذه المعصية؟! أتذكر هذه الجريمة؟!
عبدي! أتظن أني لا أرى؟! ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:١٤].
ثم يقول له: يا رب! ما فعلت، يكذب على ربه جل وعلا مسكين! لا زال في جرأته، ولا زال في عناده وكبره، يقول: يا رب! ما فعلت شيئاً يا رب! هذا كله كذب
وبدأت الشهود الملائكة تشهد، والصالحون يشهدون رب أعطيته في اليوم الفلاني شريطاً لكنه رماه، رب في اليوم الفلاني طرقت عليه الباب ونصحته لكنه ضحك علي، رب في اليوم الفلاني عملت له محاضرة وذكرته ونصحته ولكنه استمر على هذا، يأتي الشهود، كل الناس يشهدون عليه، والملائكة تشهد، فيقول: يا رب! لا أقبل شاهداً إلا من نفسي، لا أقبل الشهود يا رب! أنت العدل، كيف تأتي بشهود وأنا لا أقبل إلا شاهداً من نفسي؟
فيقول له الرب جل وعلا: لك ذلك، لا يشهد عليك أحدٌ إلا نفسك، فإذا بالفم يختم عليه، وإذا باليد تنطق، والجلود تتكلم، والفخذ والخد ينطقان، وإذا به: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥] تتكلم: يا رب! في اليوم الفلاني لمس فلانة بالحرام، وفتح ذلك الفيلم على الحرام، وكتب تلك الرسالة، وفتح هذه المجلة، وقبض هذه الرشوة، وضرب فلاناً، وبطش وفعل، والرجل: يا رب! ذهب بي إلى المكان الفلاني والفلاني والفلاني والفلاني ينظر إلى الجلود تنطق: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾ [فصلت:٢١].
стр. 139
سحب المجرمين والعصاة إلى النار
ثم بعد هذا يعلم أنه لا نجاة ولا محيص، ولا فرار من الله جل وعلا، فينادي الرب جل وعلا على الملائكة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ [الحاقة:٣٠] أي: اربطوه بالسلاسل: ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣١ - ٣٢] يسحب بسلسلة، أتعرف ما حجم هذه السلسلة؟! كل حديدة بقدر حديد هذه الدنيا كلها، وهي سبعون ذراعاً، والذراع من ذراع الملائكة وليس من ذراعات الناس، يدخل من منخره فيخرج من دبره، ثم يلف بالسلاسل ويسحب على وجهه إلى جهنم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٤].
إذا به أول ما يأتي النار تفتح أبوابها، يرى في جهنم أصحابه في الدنيا قد سبقوه، يرى فلاناً الذي كان يدعوه إلى تلك الأماكن الفاسدة، يرى صاحبه الذي كان يصده عن الصلاة، كلما أراد التوبة قال له: يضحكون عليك تريد أن تتعقد؟ تريد أن تتزمت؟ يا فلان! عندنا فلانة، عندنا سهرة، عندنا فيلم، عندنا سفرة، عندنا كذا وكذا.
يا فلان! يضحكون عليك، كلما أراد التوبة صده ورده، فيراه قد سبقه إلى النار: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعاً﴾ [الأعراف:٣٨].
стр. 140
وصف نار جهنم
عبد الله! لا أريد في هذه الدقائق أن أبخس وصف النار، النار وصفها لا نتحمله، بل كان بعض السلف إذا سمع وصفاُ واحداً من النار بكى وخر على الأرض صريعاً.
عبد الله! يكفي أن تعلم أن النار -أعاذنا الله وإياكم منها- قبل أن يدخلها أهل النار الشرارة الواحدة تتطاير منها بحجم القصر، شرارة نار الدنيا لو تقع عليك لا تؤثر، ولا تحرق، أما شرارة نار جهنم فهي بحجم القصر الكبير: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات:٣٢ - ٣٣].
عبد الله! نار جهنم إذا علمت عن بعض أوصافها لا تنام الليل: [عجبت من النار كيف نام هاربها؟! وعجبت للجنة كيف نام طالبها؟!].
عبد الله! أهل النار يجوعون، أتعرف ماذا يأكلون؟
يأكلون ضريعاً، أتعرف ما هو الضريع؟
شوك في جهنم ينبت، من شدة الجوع يأكلون هذا الشوك، فإذا أكلوا هذا الشوك -وتخيل وتفكر- يقف الشوك في حلوقهم، لا يبتلعونه ولا يخرجونه، يتعلق، فتغص الحلوق، يريدون أن يشربوا الماء فيستغيثون ربهم جل وعلا: يا رب! الماء يا رب! الماء يا رب! الماء: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ﴾ [الكهف:٢٩] انظر رحمة الله، يعطون الماء، يقترب من الماء ليشرب من شدة العطش وتلك الغصة، فإذا قرب الوجه تسقط فروة الوجه من شدة حر الماء: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩] يشوي وجهه قبل أن يشربه، فإذا شربه تتقطع الأمعاء، ويخرج من الدبر من شدة حره، حميماً آنٍ بلغ من شدة حره ما لا يطاق، بل لا يستطيع أحداً أن يشربه؛ لكن يشربه من شدة الجوع والعطش.
يرون الزواني في النار يخرج من فروجهن -أجلكم الله- صديدٌ وقيح ونتن، فإذا خرج من فروجهن تسابق أهل النار إليه ليأكلوه من شدة الجوع، أهل النار -كما أخبرناكم: ﴿لَظَى * نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾ [المعارج:١٥ - ١٦]- تتشقق جلودهم فيخرج منها الصديد، يتساقط إليه أهل النار ليأكلوه من شدة الجوع: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم:١٧]، وللأسف! ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] في تلك الحال نار من فوقهم، ونار من تحتهم يلتحفون النار، ويفترشون النار، بل يأكلون في بطونهم النار: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾ [البقرة:١٧٤].
стр. 141
إتيان الموت على هيئة كبش فيذبح بين الجنة والنار
عبد الله! في ذلك العذاب والحميم والجحيم ينادي منادٍ، يقول لهم: يا أهل النار! يرفعون الرءوس يفرحون يظنون أنهم سوف يخرجون منها يا أهل النار! يرفعون الرءوس، فيقال لهم: تعرفون من هذا؟ فإذا بكبش أملح، يقولون: نعم.
إنه الموت نعرفه ورأيناه، فيُذبح بين الجنة والنار، فيقال لأهل النار: خلودٌ فلا موت.
عبد الله! تعرف ما معنى خلود فلا موت؟ مليون سنة؟ مليونين؟ عشرة ملايين؟ مائة مليون سنة في هذه النار؟ خلودٌ فلا موت ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
стр. 142
مكوث وخلود المجرمين في جهنم
عبد الله! والله لو كان مصيرهم الموت لكان أعظم نعيم ينادون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] يجيبهم بعد آلاف السنين: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٧ - ٧٨] قرئ عليكم القرآن وذكرتم ووعظتم ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ [الزخرف:٧٨].
عبد الله! الخلود في جهنم، مصير الكفرة الملاحدة، من بينهم تاركو الصلاة (بين الرجل والكفر والشرك ترك الصلاة) ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٣] أول جريمة أوردتهم سقر وجهنم: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣] ما كنا نصلي مع الناس، وما كنا نحافظ عليها: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣].
عبد الله! هذا مصير صنفٍ من النار، ولعله إن شاء الله سوف يكون بيننا وبينكم في يوم من الأيام الخالية بإذنه جل وعلا إن أبقانا الله وأحيانا يومٌ أحدثكم فيه عن مصير الصالحين مصير أهل الصلاة، وأهل الذكر، وأهل الطهر، وأهل العفاف، الذين هم في الدنيا من أهل السعادة، وفي الآخرة من أهل النعيم، سوف يكون -إن شاء الله- بيننا وبينكم لقاء حتى يتشوق الإنسان إلى مصيرهم، وإلى حياتهم الكريمة السرمدية الأبدية.
عبد الله! في الختام أدعوك لأمرٍ واحد أن تبكي هذه العين على تلك الذنوب والمعاصي، أن تفكر ماذا أسلفت؟ وماذا قدمت؟: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر:١٨] واعلم -يا عبد الله- أن الموت يأتي بغتة، وأن شروط التوبة ثلاث:
أولاً: الندم على ما مضى.
ثانياً: العزم على ألا تعود إلى تلك الذنوب والمعاصي.
ثالثها: أن تقلع تقطع الصور تحرق تلك الأفلام الخليعة تترك هذه المجالس النتنة تبتعد عن السوء وأهل الفسق والفجور وتلتحق في رفق الصالحين، واعلم -يا عبد الله- أن الله جل وعلا يعينك: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:٦٩] ومن تاب تاب الله عليه، لعلها دمعة يمسح الله بها جميع الذنوب والمعاصي، وتبدأ بينك وبين الله صفحة جديدة
أسأل الله أن يغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، ويثبت أقدامنا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 143
الأسئلة
стр. 144
اسم السجن الذي في جهنم
السؤال
هناك في جهنم سجن وقد أوردت هذا السجن ولكن للأسف ما هي الكلمة، وقد رواه الإمام أحمد في كتاب: الفتن والملاحم لـ ابن كثير؟
الجواب
هذا السجن يسمى (سجن بولس) وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد، وذكره الألباني في الصحيحة، وهو أحد السجون في جهنم، ولجهنم أوصاف وأمور فوق الخيال وفوق التصور، ومهما وصفنا وتخيلنا فهو أعظم بكثير جداً، بل لا تستطيع أن تتخيل ناراً أشد من نار الدنيا بسبعين مرة، بل لا تستطيع أن تتخيل النار التي يجرها سبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعين ألف ملك، ما تتخيل ولا تتصور!!
стр. 145
كيفية ذكر الله وأنواع الذكر
السؤال
وصف الله المؤمنين بالذاكرين، فكيف يكون الذكر أرشدنا جزاك الله خيراً؟
الجواب
أما عن الذاكرين الله كثيراً والذاكرات؛ فالذكر أيها الإخوة ثلاثة أصناف:
الأول: ذكرٌ باللسان.
بعض الناس يذكر بلسانه لكنه لا يستشعر، مثل بعض الناس يذكر الله وهو يمشي، إنا لله وإنا إليه راجعون، لا إله إلا الله، يقولها لكن لا يستشعرها بقلبه، هذه أقل درجات الذكر، يؤجر لكنها أقل درجات الذكر.
الذكر الثاني: ذكر القلب، لا ينطق بلسانه لكنه يتذكر ربه دائماً قلبه حي يخاف من الله يرجو الله يستعيذ بالله، لكن لسانه لا يذكر ربه.
الثالث: هو أعلى الدرجات، وهو ما واطأ اللسان والقلب، يذكر ربه بلسانه وبقلبه، إذا قال: أستغفر الله، فهي من اللسان ومن القلب.
والذكر -يا عبد الله- ليس فقط باللسان، بل حتى بالجوارح، الصلاة ذكر، والصيام ذكر، والزكاة ذكر، والأمر بالمعروف ذكر، وطلب العلم ذكر، كل هذا ذكر يا عبد الله، كلما فعلت من طاعة فهو ذكرٌ لله جل وعلا.
وهناك أذكار مقيدة، وأذكار مطلقة، فمن الأذكار المقيدة: أذكار تكون عند مناسبات، مثل: عند دخول البيت، والخروج منه.
قبل أيام سمعت عن شاب جاءني والده يقول: دخل -أجلكم الله- الحمام، يقول: فسقط في الحمام وجلس إلى الصباح، يقول: ومن ذلك اليوم -يوم سقط- يبكي ويفزع من النوم، سألت هذا الشاب، وقلت له: لما دخلت -أجلك الله- الحمام هل ذكرت الله أو لم تذكر الله؟ رجل صالح لكن نسي تلك اللحظة أن يذكر الله.
باسم الله! اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، الحشوش والحمامات ممتلئة بالشياطين، وبعض الشياطين خبيث يترقب لبعض الناس، خاصة بعض الناس الذين يريد أن يصدهم عن الذكر وعن الصلاة والطاعة، فإذا غفل عن ذكر الله أصابه، وهذا يحدث كما قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] يعني: أن بعض الناس يتخبطه الشيطان من المس، وهذا لعله يراه بعض الناس، ما الحصن؟ ذكر الله، إذا دخلت البيت، وقلت: باسم الله؛ انحبس خارج البيت ولا يدخل، فإذا قلت عند العشاء: باسم الله؛ منع عن العشاء والطعام فيجوع، وهذا أمرٌ حقيقة، بل بعض الناس كما قال الله جل وعلا: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الإسراء:٦٤] يجامع زوجته معه -نعوذ بالله- ألا تغار على زوجتك، بعض الناس الشيطان يجامع زوجته معه، وهذا في القرآن موجود، إذاً ما الحصن؟ تذكر الله جل وعلا، تقول: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، هذا حتى عند الجماع، إذاً ذكر الله عند حالات ومناسبات يحصنك من الشيطان.
وهناك ذكر مطلق في جميع الأحيان: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا اله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله (كلمتان خفيفتان على اللسان) سهلة -يا أخي- تنتظر الدوام، وأنت في السيارة ذاهب للعمل، وأنت راجع إلى البيت، تنتظر دورك عند مستوصف عند جمعية في أي مكان تنتظر اذكر الله.
عبد الله! حرك اللسان (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان) أنت لا تعرف أجرك يا عبد الله عندما تذكرها (حبيبتان إلى الرحمن -ما هي؟ - سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم).
سبحان الله العظيم وبحمده، لو قلتها مرة غرست لك نخلة في الجنة، وما من شجرة في الجنة إلا ساقها من ذهب ولا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز الجنة.
إذا كانت عندك ذنوب، كل يوم الواحد يذنب، لا يوجد إنسان لا يخطئ ولا يذنب: (من كان -أي: في سيارته في دابته- خالياً بالله وذكره) أي: يذكر الله سواءًَ بشريط قرآن، أو درس، أو محاضرة، أو يذكر الله في السيارة، أتعرف من الذي يجلس عنده؟ أنت لا ترى بعينك، قال النبي ﷺ : (إلا كان ردفه ملك -في السيارة- قال: ومن اختلى بالشيطان وذكره -أي: مثل الغناء والموسيقى والفجور والمعاصي في السيارة- قال: إلا كان ردفه الشيطان) أعاذنا الله وإياكم منه، هذا لو أصيب بحادث هل يذكرك بلا إله إلا الله؟
الإنسان هذا إذا أصيب بحادث صاحبه الملك يذكره بالشهادتين، أما ذاك فيذكره بالفساد والمنكر، إذاً يتعود حتى يكون لسانه رطباً بذكر الله، حتى إذا جاءت منيته أول ما يتذكر لا إله إلا الله (ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة).
следующие страницы →