Полный текст (70 стр.). Показаны 36–70 · переход к 41.
стр. 36
نعمة طلب العلم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، بعثه الله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، بالعلم والبيان، والسيف والسنان، حتى أتاه اليقين وهو على ذلك، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فنحمد الله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نحمده سبحانه أولاً وأخراً، وظاهراً وباطناً، على ما أولانا من النعم، فنعم الله جل وعلا علينا تتراً أيها الإخوان، ألا وإن من أعظم النعم وأجل المنن وأكبر المنح؛ أن يوفق الإنسان إلى العلم النافع، إلى حضور حلق الذكر التي تحيى بها القلوب، وينشط بها إلى العمل الصالح، فنعمة الله على العبد بالتوفيق إلى الطاعة، وإلى طلب العلم، وإلى حضور حلق العلم؛ من أعظم ما يمن به على العبد ويوفق إليه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، والفقه في الدين الذي جعل النبي ﷺ حصوله للمرء دلالة على إرادة الخير به من الله ؛ هو معرفة قول الله وقول رسوله ﷺ ، فالعلم هو قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولوا العرفان ﵃، فكل من اشتغل بهذا الأمر سواء اشتغالاً كلياً أو اشتغالاً جزئياً فإنه على خير عظيم، وهذا من دلائل إرادة الله لعبده الخير، فاحمدوا الله -أيها الإخوة- على هذا الأمر، واشكروه عليه، واحرصوا عليه، فإن حلق الذكر يعلو بها الذكر، ويرتفع بها الإيمان، ويصلح بها حال الإنسان، وينشط بها على العبادة، ويعرف بها حق الله عليه، ويعرف بها ما يكون سبباً من أسباب الخروج من الظلمات إلى النور، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل العلم العاملين به، الداعين إليه، المقبلين عليه، الفرحين به.
стр. 37
هدي النبي ﵊ هو عنوان السعادة للعبد
أيها الإخوة الكرام! إن هذا هو الدرس الأول من سلسلة دروس في هدي رسول الله ﷺ ، الذي هو أكمل الهدي، وهو عنوان السعادة للعبد إذا وفق إليه، فإن الله جل وعلا قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، ولا يمكن أن يكون العمل صالحاً إلا إذا كان موافقاً لهدي رسول الله ﷺ ، فواجب على كل من حرص على قبول عمله، وعلى كل من رغب في تحقيق السعادة لنفسه، أن يسلك وأن يعتني بهدي النبي ﷺ ، ويعتني به علماً، ويعتني به عملاً، ويعتني به تحصيلاً، ويعتني به طلباً، فإن ذلك سبب للسعادة، والتعليل لهذا الأمر واضح جداً، فإن رسول الله ﷺ أكمل الخلق سعادة، فلا أحد أسعد منه في الدنيا ولا في الآخرة، قد من الله عليه بهذه السعادة الوافرة في الدنيا والآخرة، فمن رغب في سعادة الدنيا وسعادة الآخرة وفوز الدنيا وفوز الآخرة فليحرص على سلوك سبيل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وما سنتناوله في هذه الدروس إن شاء الله تعالى هو ما يتعلق بجوانب من هدي النبي ﷺ ، نذكر أنفسنا بحاله ﷺ ؛ لأن الله جل وعلا جعل لنا فيه الأسوة الحسنة، جعله لنا إماماً وقائداً، فبقدر حرصنا على اتباع سنته، والأخذ بهديه، والإقبال على ما خلفه وتركه؛ بقدر نصيبنا من صحبته، والحشر تحت لوائه، والكون معه يوم العرض والنشور.
стр. 38
وصية النبي ﵊ لابن عمر
أيها الإخوة الكرام! درسنا إن شاء الله وتعالى سيكون في أول أحد من أول كل شهر بإذن الله تعالى، وكما علمتم أننا سنتناول هدي النبي ﷺ ، وموضوع هذا الدرس هو نظرة رسول الله ﷺ للدنيا، وقد انتخبت لبيان ذلك حديثاً من صحيح الإمام البخاري من حديث ابن عمر ﵁ الله عنه قال فيه: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي-والمنكب هو مجمع الكتف مع العضد - أخذ رسول ﷺ بمنكب ابن عمر، لكن قبل أن نتم الحديث نحب أن نقف عند هذه اللفتة النبوية منه ﷺ ، التي تنم وتدل على تواضع جم منه ﷺ ، وتدل أيضاً على شفقة ورحمة، وتدل أيضاً على نصح تام، ورغبة في إيصال الخير، فإن رسول الله ﷺ خص ابن عمر الشاب الحدث الذي توفي رسول الله ﷺ وهو في أوائل العشرين أو لعله لم يبلغ العشرين، فإنه في غزوة الخندق كان عمره إما خمس عشرة سنة أو أربع عشرة سنة، فرسول الله ﷺ لفت نظر هذا الشاب الذي في مقتبل عمره، وفي أوائل طريق حياته، إلى أمر عظيم ينشطه به على ما يستقبل من بقية العمر، ويذكره بأهمية الجد والاجتهاد في استباق الأوقات قبل فواتها.
قال رسول الله ﷺ لـ ابن عمر في هذه الوصية الجامعة، التي هي في الحقيقة ترجمة لهذه الدنيا: (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل)، كلمتان أمر رسول الله ﷺ بهما هذا الشاب: (كن في الدنيا) أي: ليكن شأنك في هذه الدنيا، في هذا المعاش، في هذه الحياة، بين أحد أمرين: الأمر الأول: (كأنك غريب)، والثاني (أو عابر سبيل)، وكلاهما يجمعه معنى واحد ألا وهو السفر، فإن الغريب مسافر، وعابر السبيل مسافر، ومجمل الحديث يدل على أنه ينبغي لكل مؤمن، ولكل إنسان أن يحقق هذا المعنى في حياته، وهو الاستشعار بأنه في سفر، كم الذين غفلوا عن هذا الأمر؟ أكثرنا يظن أنه في دار إقامة، في دار قرار، في دار بقاء لا زوال لها إلا بعد آجال وأعمار، ثم يحدث الله ما يشاء مما يجري ويكون، لكن الأمر أقرب من ذلك، ورسول الله ﷺ لم يوجه هذه الوصية لشيخ كهل قارب القبر، بل وجهها لشاب صغير في أول عمره، وقد يكون في أوائل السنين بعد البلوغ، أو يكون قد بلغ العشرين، قال له رسول الله ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل)، والجامع لهما -كما ذكرنا- هو معنى السفر، فما هي حال المسافر؟ حال المسافر جد في طريقه، واجتهاد في قطع المسافة لبلوغ مراده، وتحصيل مقصوده، هذه هي حال المسافر؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب)، هذه هي المرحلة الأولى، وهذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه كل إنسان.
المرحلة الثانية: مرحلة الجد وانتهاء الاجتهاد في تحصيل المقصود، وهي أن يكون الإنسان عابر سبيل، فإن الغريب قد يشتغل في غربته ببعض ما يشتغل به المقيمون من أخذ مسكن أو مشرب أو مأكل أو غير ذلك، لكنه لا يشتغل اشتغال الذي وطن نفسه على البقاء، فما زالت أحكام السفر عليه قائمة، ولا زال يمني نفسه ويعدها بالارتحال وبلوغ المنزل والمقصد الذي يسعى إلى بلوغه وقصده، وهو غايته، وهي الدار الآخرة.
стр. 39
سرعة انقضاء الدنيا
إن مما يعين على تحقيق ما أمر به رسول الله ﷺ أن ننظر إلى سرعة انقضاء الدنيا، فالدنيا -أيها الإخوان- سريعة الانقضاء، هي مراحل تنقضي مرحلة تلو مرحلة، إذا لم يدرك الإنسان هذا الأمر غفل، وإذا غفل فاتت عليه الخيرات، وفاتت عليه الفرص، عمره فرصة للسبق إلى مغفرة من الله ورضوان، للمسارعة إلى جنة عرضها السموات والأرض، فاحرص على مراحل عمرك، واعلم أن الليل والنهار مراحل تطوى وتنقضي، فيوم أمس شاهد عليك، ويومك الحاضر محل عملك، وغداً قد لا تدركه، فلا تدري أتكون فيه من الأحياء أو لا تكون فيه من الأحياء؟ فاعمل جاداً في قطع المراحل لطاعة الله ، واعلم أن المراحل تطوى وأنت لا تشعر، كلنا لو أراد أن يسترجع ذاكرته وذهنه إلى ما قبل سنوات قريبة لفاته شيء كثير، وقال: ما أسرع تقارب الزمان، وتعاقب الليالي والأيام! لكن هذا لا ينفعه إذا كان لا يحدث فيه إقبالاً على الطاعة، وتصحيحاً للأخطاء، واستدراكاً لما فات، وتنمية وزيادة للخيرات، مراحل العمر تنقضي وتسير سيراً حثيثاً، والعجيب العجيب أنك لو تأملتها؛ لرأيت المنازل تطوى، والمسافر قاعد! هذه حال الدنيا، منازل الليل والنهار تطوى وتنقضي، والمسافرون أنا وأنت والثاني والثالث قاعدون لا نشعر بهذا السفر، ومن الغريب العجيب أن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والواقع أن تعاقب الليل والنهار أصبح غشاء عند كثير من الناس، ينسيه النهار ما كان في الليل، ويلهيه ليله عما كان في نهاره، وهلم جراً، أصبح تعاقب الليل والنهار فتنة له، لا ذكرى ولا عبرة.
نسأل الله -أيها الإخوة الكرام- أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا من عباده المتقين المحققين لأمر رسول الله ﷺ عامة، وأمره في هذا الحديث خاصة، ونكتفي بهذا القدر من الكلام.
стр. 40
موقف النبي ﵊ من الدنيا
ومما يعيننا على تحقيق ذلك؛ أن نتلمس ترجمة هذا الحديث في هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن النبي ﷺ أنزل الله جل وعلا عليه القرآن؛ ليبينه للناس، فكان فعله ﷺ وهديه ترجمة لما في القرآن، وكان هديه وفعله ﷺ ترجمة لما أمره الله به، فهو السباق إلى الخيرات، ما أمره الله بأمر إلا وبادر إليه، ولا نهاه عن نهي إلا كان أول المنتهين عنه ﷺ ، فما موقف رسول الله ﷺ من الدنيا؟ روى الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، وابن ماجة في سننه أن عبد الله بن مسعود ﵁ دخل على رسول الله ﷺ يوماً من الأيام، فكان رسول الله ﷺ متكئاً على حصير، فلما قام رسول الله ﷺ بدا أثر الحصير في جنبه ﷺ ، فقال ابن مسعود لرسول الله ﷺ : هلا أمرتنا فنعد لك مكاناً، فقال رسول الله ﷺ : (مالي وللدنيا! مالي وللدنيا!) يعني: أي شيء يحملني على التعلق بها؟ مالي وللدنيا! ثم بين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هديه وسمته وطريقته فقال: (إنما أنا كراكب استظل -يعني: شأني شأن الراكب السائر في طريقه، القاصد إلى جهة من الجهات- إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة -وفي رواية: استظل- ثم راح وتركها)، هذه حال رسول الله ﷺ في هذه الدنيا، وهذا الحديث يبين لنا بياناً واضحاً أن الحياة قليلة مهما كانت في الغاية من السعادة، فرسول الله كما قدمنا قبل قليل أسعد الخلق، أسعد الناس، أسعد بني آدم، ومع ذلك فرسول الله ﷺ يعد هذه الدنيا كالظل الذي يستظل به السائر في طريقه، يحتمي به من الشمس ثم يخرج بعد أن قال واستراح لمواصلة سيره، وهذا يبين لنا -أيها الإخوة- أن الدنيا مهما طابت فهي سريعة الرحيل، سريعة الزوال، هي دار قليلة المكث، فالواجب على من نصح نفسه أن يجتهد في مرضاة ربه، وأن يبالغ في تحقيق العبودية لله جهده وطاقته على وفق سنة رسول الله ﷺ وهديه، وقد وصف رسول الله ﷺ الدنيا وما فيها، مهما بلغت من النعيم، ومهما كان فيها من البهرج بقوله ﷺ -كما في صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد -: (والله! ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع!)، هذه هي الدنيا بما فيها من الملذات، وما فيها من أنواع التنعمات، شأنها شأن الذي وقف على اليم ثم غمس يده في اليم وأخرجها، فما الذي يعلق في يده مقارنة بما بقي في اليم؟! لا يذكر، وهذا وصف لما يمكن أن يحصله الإنسان في هذه الدنيا من النعيم الذي يفوته في الآخرة إذا كان ممن حصل لهم الغاية في التنعم في هذه الدنيا.
أيها الإخوة الكرام! إن رسول الله ﷺ هديه ترجمة لما في القرآن، وبيان لما حواه كتاب الله ، بل الله جل وعلا قال في كتابه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فنزل الله هذا القرآن على رسوله ليبينه للناس لعلهم يتفكرون، لعلهم يحصل منهم التفكر والتذكر، وإذا نظرنا إلى هذه السيرة لا نستغربها إذا علمنا أن القرآن مملوء بالتزهيد في الدنيا، وبيان حقارتها وخستها وانقطاعها، وأنها دار زائلة، وطيف زائل، وخيال عما قليل عابر، وأن الآخرة هي دار القرار، وأنها هي المستقر لكل أحد.
стр. 41
الدنيا متاع الغرور
قف عند آية ليتبين لك ذلك، وإن كان القرآن مملوءاً بذلك، لكن قف عند قوله جل وعلا في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ [الحديد:٢٠]، بعد ذلك ماذا قال؟ ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:٢٠]، ما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور أي: إلا متاع خادع يظهر لك ما ليس له حقيقة، متاع باطل كاذب، فهو يظهر صاحبه بالسعادة والمكانة والطمأنينة وقلبه خال من ذلك، ثم بعد أن بين هذا الأمر وجه إلى ما يحصل به السلامة من هذا الغرور فقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١].
إذاً: سبيل السلامة من غرور هذه الدنيا هو أن يجد الإنسان في تحقيق العبودية، فيغتنم الإنسان عمره بالطاعة، ويحتسب الدقيق والجليل عند الله ، ولا يشتغل بما يشتغل به الناس من الانهماك في هذه الدنيا، والإقبال عليها، وجعلها في المرتبة الأولى من الاهتمامات، ليس المراد أن ينقطع الإنسان عن الدنيا، فإنه لا قوام له إلا بذلك، لكن المراد ألا تكون الدنيا قد تخللت القلب، وتربعت على سويداء القلب، بل المراد أن يكون الإنسان مشتغلاً بالطاعة، عاملاً ما يرضي الله ، باذلاً طاقته في تحقيق مرضاة الله ، ولا مانع أن يشتغل بعد ذلك بما يقيم به معاشه، ويصلح به دنياه، لا ندعو إلى زهد الصوفية الذين يقولون: دع الدنيا واهجرها، فرسول الله ﷺ لم يكن كذلك، بل كان ﷺ -كما في الصحيح- يدخر قوت أهله لسنة، وكان رسول الله ﷺ يواعد الناس، ويجلس لهم، ويخطط لأمر مستقبله فيما يتعلق بطاعة الله ، وفيما يعين على ذلك من أمر الدنيا، ولكن الذي نذمه هو ما يخالف مقتضى ما أمر به رسول الله ﷺ من الغربة، وهو أن يشتغل الإنسان بهذه الدنيا عن الآخرة، وأن تكون هي همه ومحل اهتمامه ومحل عنايته، وهي التي عليها يوالي وعليها يعادي، وهي التي بها يحب وبها يكره، ولها يعطي ولها يمنع، هذا هو الذي ينبغي أن نسلم منه، وأن نصون أنفسنا وقلوبنا ومجتمعنا منه، وإذا كنا كذلك فقد حققنا خيراً كثيراً.
стр. 42
استجابة ابن عمر لوصية الرسول ﷺ
أيها الإخوة! إن صحابة رسول الله ﷺ تميزوا بميزة جعلتهم خير القرون، ألا وهي سرعة المبادرة والاستجابة لله ولرسوله، فكانوا ﵃ سباقون إلى امتثال أمر الله ورسوله، شواهد هذا في سيرتهم كثيرة، ولا أظن أننا نأتي على شيء منها إلا ما ذكر في هذا الحديث، فإن ابن عمر الذي أوصاه رسول الله ﷺ بهذه الوصية ذكر لنا الغاية في تحقيق الغربة، وتحصيل ما أمره به رسول الله ﷺ ، ففي صحيح البخاري أنه بعد أن روى هذا الحديث قال موصياً من يبلغه هذا الحديث: (فإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)، هذه الكلمات من ابن عمر ﵁ ترجمة حرفية فعلية يبين فيها كيف تحقق وصية رسول الله ﷺ ، وهي الغاية والمنتهى في قصر الأمل؛ لأن المسافر الذي هو عابر سبيل في الغالب قد يحتاج إلى الإقامة في مكان من الأماكن؛ ليستريح وينشط على سفره، لكن إقامته لا تدوم، بل إذا أصبح لا ينتظر المساء في المكان الذي أقام فيه، بل يمشي ويواصل السير، وكذلك إذا أمسى لا ينتظر الصباح، بل هو مسافر، ثم هو في سيره يغتنم أوقات عمره ونشاطه وقوته؛ لتحقيق غرضه ومقصوده، وهذا ما وجه إليه ابن عمر ﵁ في قوله: (خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)، فإن كل أحد ميت، وكثير من الناس تنزل بهم الأمراض، فاجتهادهم في وقت النشاط في طاعة الله يكتب لهم من الأجر مثله في حالة المرض، فإن الله من كرمه وواسع فضله وجوده وإحسانه وبره ورأفته ورحمته بعباده أنه يكتب للعامل الصادق في عمله إذا نزل به مرض أو سفر كما كان يعمل صحيحاً مقيماً، كما في حديث أبي موسى في الصحيح، فينبغي للعبد أن يأخذ بهذه الوصية، فإنها من أسهل الوسائل والطرق التي يتحقق بها امتثال أمر رسول الله ﷺ لـ ابن عمر، وهو أمر لكل الأمة، ليس خاصاً بـ ابن عمر وحده: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل).
стр. 43
سفر الإنسان إلى الدار الآخرة
إن سفرنا -أيها الإخوة- بدأ من ظهور آبائنا، وانتقل إلى بطون أرحام أمهاتنا، ثم بعد ذلك بدأت الرحلة التي ندركها ونعيشها، وعليها مدار التكليف، وبها الفوز والفلاح، أو الخسار والهلاك؛ من الخروج من بطون الأمهات، ويكمل ذلك عند جريان قلم التكليف بالبلوغ، فإذا بلغ الإنسان فقد جرى عليه قلم التكليف، وأصبح في سفر يحاسب على دقيقه وجليله، ثم يمضي هذا العمر سنوات تقل أو تكثر إلا أن الجميع فيها مسافر، وكل سيئول إلى مقر، لكنه ليس لإقامة، بل هو زيارة، وهي دار البرزخ، قال الله جل وعلا: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١ - ٢]، فلما ذكر المقابر مع أنها الغاية والمنتهى عند كثير من الناس، لم يجعلها دار إقامة، بل جعلها دار زيارة، ثم هذه الزيارة هل هي طويلة أو قصيرة؟ هي على المؤمن من أقصر ما يكون، وكذلك الكافر لا تطول عليه؛ لأنه يرجو أن تطول وهي خلاف ذلك، فهو يقول: رب! لا تقم الساعة، رب! لا تقم الساعة، ثم يبعث الناس من قبورهم، ويقومون لرب العالمين على هيئتهم يوم خرجوا إلى دار التكليف: حفاة عراة غرلاً، ثم بعد ذلك يحشرون في محشر عظيم وموقف مهول، فيه من الأهوال والفظائع ما تشيب له رءوس الولدان، كما قال الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢]، هذا هو سبب الذهول والاضطراب، فيكون الناس على هيئة السكارى في هذه الدنيا، ومن رأى السكران يعرف حاله واضطرابه، هذه هي حال الناس في ذلك الوقت، والذي جعل هذه الحال على هذه الصفة -وهي حال عامة للجميع- هو أن عذاب الله جل وعلا في ذلك اليوم، وما أعده لمن خالف أمره؛ عظيم تذهل له العقول، وتضطرب له القلوب، وتهتز له النفوس، ويستوجب أن يثبت الإنسان نفسه في هذه الدنيا بالعمل الصالح الذي يدفع عنه أهوال ذلك اليوم، ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:٢٧]، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم - أيها الإخوة - من الآمنين، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين يثبتون على الحق والهدى في هذه الدار وفي الآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 44
المرحلتان المذكورتان في الحديث
النبي ﷺ ذكر في هذا الحديث مرحلتين ينبغي للمؤمن أن يحرص على أن يكون في إحدى هاتين المرحلتين، أو في إحدى هاتين الحالتين، ويخطأ ويظلم نفسه من يخرج عن دائرة هاتين المرحلتين: المرحلة الأولى: أن يكون في الدنيا كأنه غريب، مستعد للرحيل، ينتظر انقضاء وقت سفره، وانقضاء عمره؛ ليعجل السير إلى ربه، وليعجل السير إلى بلده، فإن الناس ليست هذه بلادهم، ولا هذه قرارهم، بل قرارهم ما ذكره الله جل وعلا في قوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]، هذا منتهى حال الناس، فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير، نسأل الله أن نكون من أهل الجنة! فينبغي للمؤمن أن يستحضر هذه الغربة وأن تكون منه على بال، وأن تكون معه على خاطر، وألا يغفل ببنيات الطريق، وما في هذه الدنيا من الملاهي والملذات، فإن هذه الملاهي والملذات عوائق تضرك وتمنعك عن مواصلة سيرك.
الأمر الثاني أو المرحلة الثانية التي ينبغي للمؤمن أن يسعى إلى تحقيقها: أن يكون عابر سبيل أي: أن يكون في حاله وشأنه واستعداده للآخرة، واستعداده لبلوغ قصده ذلك؛ مثل الذي سار في طريق فاستظل تحت ظل شجرة ثم ذهب وتركها.
أيها الإخوة! إن عابر السبيل أقل أثقالاً من الغريب، فالغريب قد يسكن، وقد يستقر لبرهة من الزمن، وقد يشتغل بما يشتغل به المقيمون، لكن عابر السبيل مظاهر التعب والسفر عليه بادية، وقلبه بسفره مشغول، لا يأنس إلى أحد، ولا يأوي إلى أحد، بل همه وشغله بلوغ غايته وقصده.
وكلنا يسعى ويشتغل بالوصول إلى رحمة الله ، إلى جنة عرضها السموات والأرض، فالواجب على كل أحد أن يشتغل بهذه الغاية، وأن يسعى إلى تحقيقها، قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، هذه هي غاية الوجود، هذا هو المقصود من هذه السماوات والأرض، والإنس والجن، والذكر والأنثى، المقصود تحقيق العبودية لله ، فهل نحن مشتغلون بالغاية لندرك المطلوب أم نحن غافلون عنها فيفوتنا خير مطلوب وهو الجنة التي وعدها الله عباده المتقين؟ إن المرحلة الثانية مرحلة كمال، ولكنها مرحلة تحتاج إلى رجال، تحتاج إلى حضور قلب، ودوام مراقبة، ودوام ملاحظة، حتى لا يغفل الإنسان؛ لأن المسافر في سفره قد يشتغل بعض الأحيان بما يلهيه عن بلوغ مقصوده، وبما يعوقه عن الوصول إلى مكان إقامته وقراره، فينبغي له أن يكون دائم الملاحظة، دائم المراقبة، دائم العناية بقلبه ونفسه وسيره وقصده، هل هو على الجادة أم أنه متخلف؟ هل هو ساع في تحقيق المقصود أم أنه متأخر؟
стр. 45
لماذا نتعلم ؟
العلم بهذا الدين من الشرف بمكان، وفضائله لا تكاد تحصر، فبالعلم يعرف العبد ربه، وبالعلم يعرف العبد ما له وما عليه، وبالعلم تكمل الأخلاق، ويُعصم الطالب من الفتن، وينور القلب، وتحصل الأجور، وأهل العلم هم خير الناس، وحاجة الناس إلى العلم أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب.
стр. 46
عظمة العلم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: فنحمد الله على ما يسر من تجدد اللقاء في هذا اللقاء الشهري الذي نتناول فيه شيئاً من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أيها الإخوة الكرام! إن موضوع هذا الدرس هو: لماذا نتعلم؟ إنه سؤال قليل العبارة، لكنه يتضمن في جوابه معانٍ كبيرة؛ وذلك أن المسئول عنه أمر عظّم الله جل وعلا شأنه في كتابه، وذكر فضل أهله، وبين مناقبهم، وحث على الاستكثار منه، وكذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مليئة بالنصوص الحاثة على العلم، المرغبة فيه، الداعية إليه، ويكفي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما صح عنه في حديث أم سلمة أنه كان يستفتح النهار بأذكار، منها: (اللهم إني أسالك علماً نافعاً)، وقد أمر الله جل وعلا رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسؤال الله المزيد من العلم، فقال جل وعلا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، ولم يأمر جل وعلا رسوله ﷺ بطلب الزيادة في شيء إلا العلم؛ وذلك أنه مفتاح الفضائل، وفيه خير عظيم، فالعلم -كما قال الإمام مالك - خير كله، لكن ينبغي للمتعلمين وللمعلمين، ولمن يشتغل في التعليم على أي وجه كان أن يعرف: لماذا نتعلم؟
стр. 47
حكم العلوم الدنيوية
أما ما يتعلق بالعلوم الدنيوية المدنية، فإن العلوم الدنيوية المدنية واجبة على الأمة لاسيما في هذا الوقت الذي تعيش فيه الأمة سباقاً حضارياً لا يعرف توقفاً، ولا يعرف كللاً ولا مللاً، بل إن الأمة تسابقها أمم يَصِلون الليل بالنهار في سبيل تحصيل العلوم، ثم في سبيل تسخيرها والاستفادة منها في تحقيق العز لأممهم ودولهم ومجتمعاتهم.
إننا نحتاج إلى العلوم بشتى صنوفها: في الصناعة في الطب في جميع مجالاتها التجريبية والمدنية، وبذلك يحصل فرض الكفاية؛ فتستغني الأمة عن غيرها، وتخرج من كونها فتنة للذين كفروا، فإن من صور افتتان الكفار: ما عليه المسلمون اليوم من الضعف والانكسار والتقهقر الحضاري الذي جعل المسلمين في آخر الركب، ومعلوم أن السابق لا يمكن أن يقتدي بمن يراه دونه في التقدم والرقي، فلا بد للأمة أن تطلب هذه العلوم لتخرج من هذا الموضع الذي جعلها فتنة للذين كفروا، حيث إن كثيراً من الكفار يصدهم عن الإسلام ما عليه المسلمون من ضعف وتقهقر وتشرذم وتشقق؛ وعدم استمساك بالدين الحنيف، وعدم عمل به.
стр. 48
تحصيل العلوم ليس طريقاً لكسب المال
أيها الإخوة الكرام! إن العلوم بشتى أنواعها لم تعلم، ولم تبذل فيها الأموال، ولم يجتهد فيها المربون والمعلمون على مستوى العالم كله؛ لأجل أن تكتسب بها الوظائف، وتحصل بها الأموال، إن اكتساب الوظائف والأعمال والمناصب ليس سبيله التعلم فحسب، بل إن حصول المال من غير طريق العلم أقرب؛ ولذلك تجد أن أكثر الأثرياء إنما حصلوا ثرواتهم من غير العلم، فالعلم ليس سبيلاً للتكسب، بل إنه قد ثبت -بعد دراسات- أن أقل الناس دخلاً هم الذين يشتغلون بالعلم، فالعلم ليس وسيلة لتحصيل المكاسب الدنيوية، فإذا كان ذلك كذلك فينبغي لنا أن نصحح النية، ومن كان غرضه من العلوم الشرعية -خاصة- أن يحصل بها المكاسب الدنيوية فليذهب إلى غير هذا الميدان، وليبحث عن غير هذا السبيل، فإنه (من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله لا يطلبه إلا لدنيا يصيبها لم يرح رائحة الجنة) كما قال ذلك النبي ﷺ ، وقد قال الله جل وعلا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]، بل إن العلوم الدنيوية لا تطلب لأجل التكسب فحسب، بل إن الأمم تدفع الأموال وتشيد المدارس وتبذل الميزانيات الطائلة في سبيل التعلم، لا لأجل وجود الوظائف للمتعلمين، بل لأجل السبق الذي يحصل به رقي الأمة في مجموعها.
أيها الإخوة الكرام! هذه لمحة عن جواب هذا السؤال الذي لا بد أن نشتغل بطلب الجواب عنه في مجالسنا وفي دراستنا وفي عملنا؛ لأن الجواب عنه يختصر ويلخص لنا شيئاً كثيراً قد نجهله، ووجود هذا السؤال في أذهاننا يفيدنا فائدتين: الفائدة الأولى: تحديد الغايات، وتحديد الغايات مما يعين الإنسان في السعي إلى تحصيلها.
الفائدة الثانية: أن ننظر ونقيس خيرنا في تحقيق هذه الغاية، فإذا أجبنا على السؤال يمكننا عند ذلك أن نقيس ما الذي حصلناه، وما الذي حققناه مما لم نحققه في سبيل التعلم.
أسأل الله أن يرزقني وإياكم العلم النافع، وأن يجعلنا من أئمة الهدى العاملين به، وأن يوفقنا وأمتنا إلى نشر العلم والدعوة إليه والعمل به.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 49
حاجة الداعية إلى العلم
أيها الإخوة الكرام! إن من فوائد ومنافع طلب العلم: أن العلم من أهم من يحتاجه من يقوم بالدعوة إلى الله ، فلا يسوغ لمن يقوم بالدعوة إلى الله -والدعوة إلى الله هي أشرف المقامات- أن يكون جاهلاً، بل لا بد أن يكون عالماً بما يدعو، عالماً بمن يدعوهم إليه، فمن علم من يدعو إليه، وبما يدعو؛ فإنه داخل في قول الله : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].
فالعلم هو الذي يثمر البصيرة التي أثنى الله عليها في كتابه، وأثبتها الله لرسوله ﷺ في قوله: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: أنا ومن اتبعني ندعو على بصيرة.
إن الناس في هذا الزمان أحوج ما يكونون إلى من يبصرهم بالله ، وإلى من يدعوهم إلى الهدى، وهذا ليس خاصاً بأهل الإسلام فحسب، أهل الإسلام يحتاجون إلى دعوة من أهل العلم الذين عرفوا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويحتاجون إلى من يعلمهم القرآن ويفهمهم القرآن ويبين لهم معاني القرآن، ويحتاجون إلى من يعرفهم بالله ويعرفهم بدينه وما يجب له .
стр. 50
حاجة الناس إلى العلم أشد من حاجتهم إلى الطعام والشراب
لا تنظر إلى محيطك الضيق الذي تعيش فيه، فإن الأمة في حاجة ماسة إلى العلم، بل إن الإمام أحمد ﵀ ذكر أن حاجة الناس إلى العلم فوق كل حاجة، يقول ﵀: الناس محتاجون إلى العلم قبل الخبز والماء، لأن العلم يحتاج إليه الإنسان في كل ساعة، والخبز والماء يحتاجه في اليوم مرة أو مرتين.
العلم يحتاجه المسلمون وغيرهم، يحتاجونه بعدد الأنفاس، كلما كثر علم الإنسان كلما كانت بصيرته ونظره وعبادته وتقواه وصلاحه ونفعه أكبر، ولذلك ينبغي لنا أن نحرص على الاستكثار من العلم، وأن نشيع العلم الذي تعلمناه بين الناس، فإن إشاعة العلم ونشره مما يثبت العلم ويزكيه وينميه.
أيها الإخوة! إن أمتنا الإسلامية في هذا الوقت بحاجة إلى العلم؛ لكثرة ما في بلدان المسلمين من الجهل بالله ، ويظهر ذلك في مظاهر الشرك الكثيرة المنتشرة في بلاد المسلمين، ويظهر أيضاً في البدع الكثيرة التي انتشرت في بلاد المسلمين، ويظهر أيضاً في تقصير كثير من المسلمين فيما أوجب الله عليهم، ومن ذلك تقصيرهم في بعض أركان الإسلام كالصلاة، فإن كثيراً من المسلمين يقصرون فيها: إما أنهم لا يؤدونها في أوقاتها التي أمر الله أن تقام فيها، وإما أنهم يقصرون فيها بالتأخير، أو أنهم لا يقيمونها على وجهها، وتظهر حاجة الأمة إلى العلم بما نشاهده من الدعاوى المنحرفة التي تظهر بين المسلمين، وتنتشر بينهم، وتروج في أقلامهم وأقوالهم وكتاباتهم وبلدانهم، إننا بحاجة إلى أن نبصر المسلمين بدينهم لما تشهده الأمة من هجمة عظيمة على الإسلام في هذه الأيام، فإن أعداء الإسلام ضاقوا بالإسلام ذرعاً، وبدءوا يشككون فيه، ويبحثون عما يصور لهم أنه تشويه فيه أو ضعف فيه، والضعف في عقولهم والتشوه في أذهانهم، وأما كلام الله وكلام رسوله ﷺ فهو الحق المبين: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢].
أيها الإخوة الكرام! إننا بحاجة إلى العلم لندعو غيرنا من الناس، فإن الناظر إلى جمهور الناس يرى أن المسلمين لا يشكلون إلا خمس العالم، وهذا بالنسبة إلى مجموع الناس عدد قليل، فينبغي على الأمة أن تجتهد وأن تبذل ما تستطيع في سبيل إيصال هذه الرسالة التي أنقذ الله جل وعلا بها الناس، وأخرجهم بها من الظلمات إلى النور، فهؤلاء يحتاجون إلى دعوة تُبين لهم فيها محاسن الإسلام، وتبين ما في هذا الدين من جوانب العظمة -وكله عظيم-، وتبين فيها بطلان ما يدعيه أعداء الإسلام من أن هذا الإسلام فيه وفيه وفيه من الشبهات التي تثار وهي في الحقيقة: شبه تهافت كالزجاج تخالها حقاً وكل كاسر مكسور فالجميع لا حجة فيه، بل هي شبه وخيالات وظنون فاسدة، إما ناشئة عن فساد نية أو ضعف علم، فإذا كمل العلم وصحة النية انبهر العالم بما في هذا الدين من النور الساطع المبين الذي يخرجهم به الله من الظلمات إلى النور.
كل هذه الأسباب من أجلها نتعلم العلوم الشرعية.
стр. 51
الأجر والرفعة تنال بالعلم
أيها الإخوة الكرام! إننا نطلب العلم؛ لأن الله بين في كتابه فضل العلم، وفضل أهله، ورتب الأجور العظيمة والفضائل الكثيرة على تحصيل العلم وعلى طلبه؛ ولذلك ينبغي لمن رغب في تحصيل تلك الفضائل أن يسعى في تحصيل العلوم الشرعية، فإن العلوم الشرعية سبب لتحصيل تلك الفضائل كقول الله جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات﴾ [المجادلة:١١]، وهذا فيه دعاء لكل أحد أن يسعى إلى الترقي في درجات الخير والبر والإحسان بالاستكثار من العلم، فكلما كثر علمك بالله وكثر علمك بسنة النبي ﷺ كلما ارتفعت درجتك وعلا قدرك، وقد قال النبي ﷺ : (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) أي: يرزقه الفقه في الدين، أي: في الشرع مما جاء به النبي ﷺ من كتاب الله وسنته صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 52
فضل أهل العلم
أيها الإخوة! إن أهل العلم هم خلاصة الوجود، وهم الذين يحفظ الله بهم الأمة من الزيغ والضلال، وهم الذين تكفل الله جل وعلا بنصرهم كما قال ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، فمن أراد مثل هذه الفضائل فليقبل على العلم الشرعي، ليقبل على كتاب الله حفظاً وفهماً وعلى سنة النبي ﷺ درساً وضبطاً وفهماً، ليقبل على حلق العلم، ليقبل على المعاهد ودور التعليم فإن فيها خيراً عظيماً، فبها يحصّل الإنسان مبادئ العلم التي تنير له السبيل، ومن خلالها يستطيع أن يتوصل إلى خير عظيم، فإن حلق العلم ودور التعليم إنما هي بوابات فيها المفاتيح التي تفتح لك أبواب العلم، ثم بعد ذلك يفتح الله جل وعلا على العبد على حسب ما معه من الإيمان والتقوى والرغبة والإخلاص، ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤].
стр. 53
العلم سبب لنور القلب
أيها الإخوة! إن التمسك بالعلم، والإقبال عليه سبب لأن يقذف الله جل وعلا في قلب العبد النور الذي يحصل به الفرقان بين الحق والباطل، وما أحوج الإنسان إلى أن يقذف الله جل وعلا في قلبه نوراً يمشي به في الناس، يميز به بين الحق والباطل بين الهدى والغي بين الرشاد والضلال، إننا نحتاج إلى هذا النور، وهذا النور سبب تحصيله تقوى الله جل وعلا مع العلم، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحديد:٢٨].
فالقلوب إذا ملئت بالعلم تحصنت من الوقوع في الشبهات، وتحصنت من أن تقر فيها الشهوات على وجه الدوام، بل كل شبهة ترد على القلب فإن القلب يردها بقوته وصلابته، وكل شهوة تترك أثراً في القلب يردها القلب بما معه من الإيمان الصادق، والإقبال على الله والتوبة والاستغفار، فلا يبقى في قلبه شيء من الشبهات، ولا شيء من الشهوات، قال : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]، إن الذي أُعطي النور هو الذي استمسك بالعلم الشرعي -بالكتاب والسنة-، والذي بقي في الظلمات هو ذلك الذي أعرض عن كتاب الله وعن سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 54
العلم الشرعي حصن من الفتن
أيها الإخوة! إننا نطلب العلم الشرعي؛ لأن الله يعصمنا به من الفتن، والفتن كثرت في هذا الزمان، وهي على مر الوقت تكثر؛ لأنه كلما تقدم الوقت كثرت أسباب الضلال، وأسباب الزيغ، وأسباب الشر، كما قال النبي ﷺ : (لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه).
أيها الإخوة! إن العلم الشرعي حصن يتدرع به الإنسان من الوقوع في شراك الفتن، سواء كانت من فتن الشهوات، أو كانت من فتن الشبهات، قال الله جل وعلا في بيان أثر العلم في العصمة من كل فتنة: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء:٨٣]، وهذا شأن المنافقين وعملهم: ﴿إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ [النساء:٨٣] أي: نشروه وأشاعوه دون أن يترووا، ودون أن ينظروا هل في إشاعته مصلحة للمؤمنين وأهل الإسلام أو لا؟ قال الله جل وعلا: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، فالعلم سبب للحفظ من الفتن، وصيانة من الوقوع في أسباب الشر.
أيها الإخوة! إن الفتن -كما ذكرنا- تكثر مع مرور الوقت، كما قال النبي ﷺ في حديث أبي موسى وعبد الله بن مسعود ﵄: (إن بين يدي الساعة أياماً يرفع فيها العلم، وينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج) والهرج القتل، أي: كثرة القتل في الناس، وانظر حيث ذكر النبي ﷺ ما يصاب به الناس بين يدي الساعة فذكر أولاً رفع العلم؛ لما لرفع العلم من الشر الذي يصيب الناس، ويبين هذا أن النبي ﷺ قال في حديث أنس: (إن من أشراط الساعة: أن يقل العلم، ويظهر الجهل، والزنا، وشرب الخمر، ويقل الرجال ويكثر النساء، حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد)، وهذا يبين لنا خطورة ارتفاع العلم، وأن ارتفاع العلم من المجتمع سبب للوقوع في أنواع الفتن وأنواع الشرور.
وإذا تأملت مسيرة الأمة تجد أن عمل الصحابة ﵃ في ذم الفتن والبدع، وفي رد الشرور، كان أعظم من عمل مَنْ بعدهم، وأن الشرور والفتن في وقتهم لم تنتشر وتشيع كما كانت في العصور التي بعد عصر الصحابة من عصر التابعين ومن بعدهم، إن بوادر الفتن التي ظهرت في عهد الصحابة ﵃ كانت بوادر خفيفة، وليست من الفتن المغلظة والبدع الشديدة، التي يحصل بها زيغ القلوب، وطيش الألباب.
стр. 55
بالعلم الشرعي تكمل الأخلاق
أيها الإخوة الكرام! إننا نطلب العلم الشرعي؛ لأن بالعلم الشرعي تكمل الأخلاق الفاضلة، وبه يُحصّل الإنسان محاسن الخصال؛ ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران:١٦٤]، فالله جل وعلا أخبر أنه منّ على المؤمنين بأن ﴿بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٤] أي: من جنسهم، ما مهمته؟ ما وظيفته؟ ما عمله؟ ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٤] يتلو عليهم الآيات التي جاءت في كتاب الله ، والتلاوة هنا ليست تلاوة اللفظ فقط، بل هي تلاوة اللفظ والمعنى، فهو يبين لهم بقوله وفعله ما أنزل الله جل وعلا من الكتاب المبين، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران:١٦٤] والتزكية: هي التدرج بالنفس إلى أعلى درجات كمالها، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعثه الله مزكياً مكملاً للأخلاق، جاء في مسند الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)، قال أنس ﵁: (إذا قلّ العلم ظهر الجفاء)، فالخلق الفاضل، والسجايا الكريمة؛ تنبع عن العلم الشرعي، فإذا أقبل الإنسان على كتاب الله تعلماً، وعلى سنة النبي ﷺ تلقياً، بصدر منشرح، وهمة عالية، ورغبة في الخير؛ فإنه لا بد وأن تزكو أخلاقه، ولا بد وأن يظهر للعلم أثر في أخلاقه: في قوله في عمله في هديه في سمته في سائر شأنه.
وقد مدح الله جل وعلا في كتابه صفات كثيرة وأثنى على أهلها، واعلم أن كل صفة مدح الله بها العبد إنما منشؤها العلم، وهذا يبين لك أهمية العلم، وأن العلم به تكمل الفضائل، وبه تحصل على السبق في ميادين الخير والبر والشرف، وأن من قعد عن العلم فقد قعد عن تكميل أخلاقه؛ لقوله ﷺ : (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق).
стр. 56
من فوائد العلم العصمة من الشرك
أيها الإخوة الكرام! إن من فوائد تعلم العلم الشرعي أنه يعصم العبد من الوقوع في أعظم الظلم، وهو الشرك، قال الله : ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران:١٨]، فاستشهد الله العلماء دون غيرهم من الناس، على أعظم مشهود وهو: أنه لا إله إلا هو سبحانه وبحمده، وأنه المتفرد بالألوهية، واستشهاد الله بالعلماء فيه بيان لفضلهم، وتزكية لهم؛ لأنه لا يمكن أن تقبل شهادة أحد ما لم يكن عدلاً، فاستشهد الله العلماء على أعظم مشهود وهو التوحيد، فكان في ذلك تعديلاً لهم؛ لأن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول، قال الله -في بيان ما كان عليه أهل الجاهلية لما فقدوا العلم-: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، فهذه وصية بعض الجهال من المشركين لأتباعهم ولمن يسمع نصحهم، لكن متى كان هذا؟ كان هذا لما انتفى العلم، وارتفع أثره، ولم يبق له في الناس وجود، فعند ذلك عبد هؤلاء الأصنام من دون الله .
فالعلم يعصم الإنسان من الشرك، روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس ﵄ في بيان معنى هذه الآية، قال: (كان هؤلاء رجالاً صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا على مجالسهم أنصاباً وسموها بهم، فنصبوا الأنصاب ليتذكروا عبادة هؤلاء، وسموها بأسمائهم لينشطهم هذا على شدة السعي في الخير والعمل به، ففعلوا ولم تعبد -أي: لم تعبد فترة من الزمن- حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت)، ومن هذا نفهم أن نسيان العلم سبب لكل شر، بل هو سبب لأعظم الشرور وهو الشرك بالله .
أيها الإخوة! قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (خير القرون قرني -وفي رواية: خير الناس قرني- ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، وإن المتأمل الناظر في هذا الترتيب للفضل يعلم أن هذا الترتيب للفضل إنما هو بالنظر إلى ما عند القرن الأول من العلم والإيمان، فلما كان القرن الأول سابقاً في العلم والإيمان كان متقدماً على غيره من القرون، وهكذا القرن الذي بعده، وهكذا الذي بعده، ولا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه؛ وذلك بسبب نقص العلم، فإنه كل ما تقدم الزمن، وكلما مضى الدهر؛ كلما قل العلم في الناس، ولا يقل برفع العلم فـ (إن الله لا يرفع العلم ولا ينتزعه انتزاعاً من صدور الناس، إنما ينتزعه بموت العلماء).
стр. 57
أنواع العلوم
أيها الإخوة الكرام! إن جواب هذا السؤال يحتاج إلى أن نبين أن أنواع العلم التي يشتغل بها الناس نوعان من حيث الجملة: النوع الأول -وهو أشرفها وأعظمها أجراً عند الله : العلوم الشرعية أو العلوم الدينية، وهذه العلوم هي كل علم يقرب إلى الله جل وعلا، علم الكتاب وعلم السنة، ويدخل في هذا العلم كل ما أعان على فهم كتاب الله وفهم سنة رسول الله ﷺ ، فإنه يحصل لمتعلمه الفضل إذا قصد بهذا التعلم فهم كلام الله وفهم كلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أيها الإخوة الكرام! لماذا نتعلم العلم الشرعي؟! لماذا أطال العلماء في الحث على تحصيل العلم، والصبر على مضاضة الطلب، وما فيه من الكد والعناء؟! هل هو لتحصيل مكاسب قريبة، وانتزاع مناصب في الدنيا أو هو لأمر أبعد من ذلك؟!
стр. 58
من مقاصد طلب العلم الشرعي
إن طلب العلم الشرعي له مقاصد عديدة، من أهمها وأولها: أنه به يعرف الله ، فبالعلم الشرعي يعرف الإنسان ربه ، يعرف ما لله جل وعلا من الأسماء، وما له من الصفات، وما له من الأفعال، هذا في ما يتعلق بذاته جل وعلا.
ويعرف أيضاً ما يجب له من الحقوق، فإن العلم الشرعي هو السبيل الذي يتعرف به الخلق على ربهم ، فإن الله بعث المرسلين به معرفين وإليه داعين، فكل الرسل جاءت تعرف الخلق بربهم، وتدلهم عليه، وتبين لهم شيئاً من أوصافه؛ ليعرفوه ويعبدوه، وذلك لأنه لا سعادة للناس في حياتهم، ولا لذة لهم في معاشهم، إلا بمعرفة الله جل وعلا، فإن معرفة الله أصل السعادة ورأسها، وهذه السعادة ليست مقتصرة على سعادة الدنيا فحسب، بل هي التي تبقى بعد الموت وتنفع في الآخرة، فلذة العلم بالله جل وعلا ومعرفته فوق كل شيء، فالعلم بذاته يستلزم العلم بما سواه؛ لأن من عرف الله تفتحت له أبواب العلم، وأبصر السبيل، واستضاء له الطريق، فلا يحتاج بعد ذلك إلى أكثر من العلم بالله جل وعلا؛ لأن به يفتتح كل مغلق، ويحصل له كل مطلوب.
أما من لم يعرف ربه جل وعلا فإنه عن كل خير غافل، قال الله جل وعلا: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر:١٩]، فتأمل هذه الآية تجد فيها أن الله تهدد من نساه بأنه ينسيه نفسه، ومن نسي نفسه كيف يعرف مصالحها؟! كيف يعرف فلاحها؟! كيف يستقيم معاشه فضلاً عن معاده؟! إن من غفل عن الله ، ونسي ربه ؛ يصدق عليه ما أخبر به جل وعلا: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، فإن من غفل عن الله ، وعن ذكره؛ انفرط عليه أمره، ولم ينتظم له شيء من الأشياء، بل تفوته مصالح دينه ومصالح دنياه، وليس في هذا مبالغة في بيان أهمية العلم بالله ، بل هذا هو الواقع، وليس ما نراه عند الكفار من إتقان عمارة الدنيا، ومن تشييد المباني، وإتقان المصنوعات، والسبق الحضاري؛ ليس ذلك بشيء أمام ما فاتهم من خير الآخرة، وإنما هو كما قال الله جل وعلا: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [المرسلات:٤٦]، فهو أكل وشرب وتمتع قليل، لكنه لا ينزع عنهم وصف الإجرام.
أيها الإخوة الكرام! إننا نطلب العلم الشرعي لنعرف به نبينا ﷺ الذي بعثه الله حجة على الإنس والجن، بعثه الله بين يدي الساعة بالحق بشيراً ونذيراً، يدعو إلى الله ، يبلغ الرسالات، ويبصر من العمى، ويهدي من الضلال، فمن أقبل على العلم الشرعي عرف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإذا عرف النبي ﷺ وعرف ما جاء به تيقن صدق ما جاء به ﷺ ، فإن أهل العلم يعرفون صدق ما أخبر به ﷺ ؛ لأنهم بما معهم من العلم يدركون صحة خبره ﷺ فيما عقلوه من معاني هذا الكتاب العظيم، وفيما أدركوه من آيات الله في الأنفس والآفاق، قال الله جل وعلا: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ:٦]، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء:١٠٧]، ولا يمكن أن يكون منهم هذا إلا إذا كانوا قد صدقوا بما جاء في الكتاب، فإنهم يخرون تعظيماً لله ، وتعظيماً لكلام الله سبحانه وبحمده، وتعظيماً لما جاء به النبي ﷺ من الحق والهدى والنور.
стр. 59
من أسعد الناس ؟
أسعد الناس هو رسول الله ﷺ ؛ وذلك لما امتن الله به عليه: كشرح صدره، ووضع وزره، ورفع ذكره ولا يحصل الإنسان على السعادة الحقيقية إلا إذا اتبع هدي النبي ﷺ وسنته في كل صغيرة وكبيرة، وأحبه المحبة الكاملة الصادقة.
стр. 60
السعادة الحقيقية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام! قرأتم ما اختاره إخوانكم عنواناً في هذا اللقاء وهو: (مَن أسعدُ الناس؟).
إن هذا العنوان اشتمل إشارة إلى ما يسعى إليه الجميع، وما يتسابق إليه الناس جميعاً على اختلاف أصولهم وأجناسهم وجهاتهم وألوانهم وألسنتهم، فالكل يسعى ويسير سيراً حثيثاً لإدراك هذه الغاية، وهي السعادة التي يحصل بها للإنسان نعيم الدنيا، هذا هو حال كثيرٍ من الناس في سعيهم وراء هذا الأمر، فإن كثيراً من الناس يقصرون السعادة على هذه البرهة القصيرة، والفترة الوجيزة من مراحل العمر، ومن منازل الإنسان، وهي منزلته في هذه الدنيا، وهذه الدنيا وصفها الله جلَّ وعلا فقلل من شأنها في كتابه، وبيَّن أنها متاع قليل، فمهما حصل فيها من الصفاء والجودة والجمال فإنها مؤذنة بالزوال، وهي راحلة ينتقل منها الناس ويصيرون إلى دار يستقرون فيها؛ وهي الدار التي ينبغي لهم أن يسعوا إلى تحقيق السعادة فيها.
стр. 61
نيل السعادة بسلوك هدي النبي ﷺ واتباع أمره
من أراد أن يأخذ من السعادة التي نالها رسول الله ﷺ في الدنيا نصيباً، فليحرص على سلوك هديه، فإنه بقدر التزام الإنسان بهدي رسول الله ﷺ ، بقدر ما يكون معه من انشراح الصدر، وتخفيف الوزر، ورفع الذكر.
واستمع إلى ما قاله ابن القيم ﵀ في هذا! يقول ﵀: شرح الله صدر رسوله ﷺ أتم الشرح، ووضع عنه وزره كل الوضع، ورفع ذكره كل الرفع، وجعل لأتباعه -أي: لمن اقتفى أثره، وآمن به، واهتدى بسنته- حظاً من ذلك -يعني: من شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر- إذ كل متبوع فلأتباعه حظٌ ونصيبٌ من حظ متبوعهم في الخير والشر على حسب اتباعهم له.
فأتبعُ الناس لرسول الله ﷺ أشرحُهم صدراً، وأوضعهم وزراً، وأرفعهم ذكراً، وهذا فضل الله الذي منَّ الله به على الأمة؛ أن جعل ما منَّ به على رسوله ﷺ من تلك المنن ومن تلك المنح ومن تلك الفضائل يمكن للعبد أن يدركها بسلوك سبيل رسول الله ﷺ ، بأن يفعل كما فعل، وأن يعتقد كما اعتقد، وأن يعمل كما عمل، فبقدر متابعة الإنسان لرسول الله ﷺ علماً وعملاً، حالاً واجتهاداً، بقدر ما يكون له نصيباً من السعادة التي نالها ﷺ ؛ ولذلك قال ابن القيم ﵀: وكلما قويت متابعة العبد علماً وعملاً وحالاً واجتهاداً قويت هذه الثلاث التي هي: شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، حتى يصير صاحبها أشرح الناس صدراً وأرفعهم في العالمين ذكراً.
نسأل الله من فضله! أيها الإخوة الكرام! إن الله جلَّ وعلا قد أمرنا باتباع رسوله ﷺ ، وأبان لنا في كتابه الحكيم فوائد ذلك؛ حثاً لنا على المسابقة إلى هدي رسول الله ﷺ .
فمن جملة ما بينه لنا من فضائل اتباع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ما ذكره في قوله آمراً عموم الناس: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨].
стр. 62
الأسباب التي أهلت النبي ﷺ لسعادة الدنيا والآخرة
أيها الإخوة! إذا كان أكمل الناس سعادةً رسول الله ﷺ ، وهو ﷺ قد حاز من ذلك السبق، وحصل على أعلى درجات الكمال، فلننظر ما الذي كان يتمتع به رسول الله ﷺ من أسباب السعادة لتحصُل لنا، فإن السعادة التي حصَّلها رسول الله ﷺ لم تكن لذاته، يعني: لم يكن أمراً مقترناً بذلك الشخص دون أسباب تؤهله لتحصيلها، وأسباب تؤدي إلى تلك النتيجة.
إن الله قد ذكر في هذه السورة الكريمة السبب الذي حصَّل به رسول الله ﷺ السعادة، فبعد أن ذكر تلك المنن الثلاث التي افتتح بها السورة، قال جلَّ وعلا في آخرها: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨] هذا هو سبب السعادة، وسر ذلك الشرح، وسبب ذلك التخفيف، وسبب رفع الذكر الذي أدركه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
стр. 63
مفهوم السعادة لدى كثير من الناس
إن الناس في هذه الدنيا يفسرون السعادة بتفسيرات عديدة: - فمنهم من يرى السعادة جمع المال.
- ومنهم من يرى السعادة جمال المنظر.
- ومنهم من يرى السعادة جمال المركب.
- ومنهم من يرى السعادة في الجاه والمنصب.
وكل هؤلاء أصابوا شيئاً وأخطئوا في أشياء، فإن هذه الأمور -وإن كانت من أسباب السعادة في هذه الدنيا- ليست هي السعادة الحقيقية التي ينبغي للمؤمن أن يسعى لها، وأن يحث الخطا في تحصيلها وإدراكها؛ ولذلك تجد أن كثيرين ممن لم يُمَكَّنوا من هذه الأمور أو من أكثرها يتلذذون ويجدون من الانشراح والطمأنينة، وسعة الصدر، والابتهاج والسرور، ما لا يجده مَن مَلَك هذه الأشياء جميعاً أو مَلَك أكثرها، وذلك يبرهن ويبين أن السعادة ليست في هذه الأشياء، إنما هذه وسائل وآلات ووسائط قد يدرك بها الإنسان بعض مقصوده؛ لكنها لا تكون مقصوداً وغرضاً على أي حال من الأحوال.
стр. 64
رسول الله ﷺ أكمل الناس سعادة
أيها الإخوة الكرام! إن أسعد الناس هو رسول الله ﷺ ، لا شك في هذا، فإن الله جلَّ وعلا قد بيَّن عظيم ما مَنَّ به على رسوله من السعادة والكمال وانشراح الصدر فقال في سورة من كتابه الكريم: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:١ - ٣].
بهذه الأمور الثلاثة كمل الله لرسوله ﷺ أسباب السعادة: شرح له صدره؛ فكان من أشرح الناس صدراً، وأوسعهم قلباً، وأقرهم عيناً، وأكملهم حياةً ﷺ .
ثم إن هذه السعادة لم تكن مقتصرةً على انشراح الصدر، بل هي سعادةٌ موطئةٌ لسعادة عظيمة في الآخرة، فقال جلَّ وعلا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:١ - ٤]، فخفف الله عن رسوله ﷺ الآثام والأوزار، فلم يكن محملاً بما يُحَمَّلُه كثيرٌ من الناس من الأوزار، التي هي من أعظم أسباب ضيق الصدر، ومن أعظم أسباب قلة السعادة، بل من آكد أسباب زوالها، فإن السعادات تذهب عند مقارفة السيئات؛ ولذلك ذكر الله جلَّ وعلا بعد شرح الصدر تخفيف الوزر عن رسوله ﷺ .
ثم ذكر ثالث ما من به على رسوله فقال : ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:٤]، ولا شك أن رفع الذكر من سعادة المرء؛ ولذلك خصه الله جلَّ وعلا بالذكر.
стр. 65
أسباب الهداية
أيها الإخوة! إن الهداية أعظم مطلوب يطلبه الناس في هذه الدنيا، ولَمَّا كانت الهداية إلى الصراط المستقيم أعظم مطلوب، كان سؤالها في أعظم سورة لم يُقرأ مثلها في التوراة والإنجيل، في سورة تتكرر في صلاتك مرات في اليوم إما قراءةً أو تأميناً، يقول الله تعالى فيها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٥ - ٧]، هذه هي الهداية التي نسألها الله في كل ركعة من صلاتنا قراءة أو تأميناً، وسبيلُ تحصيلها اتباعُ رسول الله ﷺ .
стр. 66
اتباع النبي ﷺ سبب محبة الله
إن مما حث به ربنا الناس على اتباع سنة النبي ﷺ ، أن جعل اتباعه ﷺ سبباً لمحبته جلَّ وعلا، فقال : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فبقدر ما معك من اتباع سنة النبي ﷺ ، بقدر ما يكون لك من محبة الله.
والإنسان يسعى لأن يكون محبوباً لله ، وإذا كنت ممن يسعى لذلك فاحرص على هدي النبي ﷺ .
стр. 67
الصحابة واتباعهم هدي النبي ﷺ
أيها الإخوة! إن النصوص التي حث الله جلَّ وعلا فيها الأمة على اتباع النبي ﷺ كثيرةٌ جداًً، ولا نستطيع أن نأتي على أكثر مما ذكرنا لِقِصَر الوقت، إلَّا أن في سيرة الصحابة وفيما عملوه، وما حفظته دواوين السنة لنا من هديهم في اتباع رسول الله ﷺ ، وما جنوا به من البركات والخيرات؛ شاهدٌ على ذلك، فإن جيل الصحابة أكمل الأجيال، وهو خير القرون كما قال النبي ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) خيريتهم لم تكن لأنهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وفلان وفلان من الصحابة، إنما خيريتهم حصلت لما كانوا عليه من العمل والمسابقة إلى اتباع النبي ﷺ ، والصحابة لهم تمام الانقياد لما كان يفعله ﷺ .
ومن ذلك نموذج حفظته السنة وهو: أن رسول الله ﷺ (كان يصلي بأصحابه في إحدى المرات فخلع نعليه وهو في الصلاة، فما كان من الصحابة ﵃ إلَّا أن خلعوا نعالهم) تأسياً واقتداءً برسول الله ﷺ ، لبس الخاتم فلبسوه، خلع الخاتم فخلعوه، وهكذا كانوا ينظرون إليه ﷺ ، حتى أنهم حفظوا لنا حركة لحيته وهو يصلي؛ لشدة تأسيهم به؛ ونظرهم إلى أفعاله ليقتدوا بها ويتأسوا.
ومن عجيب ما حفظوه لنا: عدد ما في رأسه ولحيته من الشيب! فحفظوا أن في رأسه ولحيته سبع شعرات من الشيب فقط لا غير، وهذا دليل على أن الصحابة جعلوا رسول الله ﷺ تحت المجهر عندهم، يرقبون فعله، وينظرون إلى ما يفعل، وليس نظر ترفُّه وتفكُّه وحب استطلاع، وإنما هو نظر اتباع واقتداء، فكانوا يهتدون ويقتدون به في دقيق الأمر وجليله.
стр. 68
اتباع النبي ﷺ سبب الفلاح
إن مما حث الله به أهل الإسلام، وحث به من قرأ القرآن اتباع رسول الله ﷺ ، ورتَّب على اتباع النبي ﷺ الفلاح، فقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧] أي: الذين أدركوا الفلاح الكامل، والفلاح هو من أتم وأبلغ كلمات العرب في حصول المقصود، والأمن من المرهوب؛ لأن من أفلح فقد أدرك رغبته، وحصَّل طلبته، وأمن مما يخاف ويحذر؛ ولذلك إذا أخبر الله بالفلاح عن عبد فإنه قد بلغ الغاية في النعيم، وبلغ الغاية في تحصيل مطلوباته، والأمن مما يكره.
﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٧]، لماذا؟ لأنهم آمنوا بالله ، وآمنوا برسوله ﷺ : ﴿وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف:١٥٧]، والنور الذي أنزل معه هو: كتاب الله ، وهو السنة التي جاء بها ﷺ .
стр. 69
اتباع هدي النبي ﷺ سبب لحياة القلوب
قال الله جلَّ وعلا: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ أي: واتبعوا هذا النبي الأمي ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] أي: رجاء أن تحصل لكم الهداية.
ومما حث الله به هذه الأمة على اتباع رسول الله ﷺ أن جعل اتباعه والاستجابة لندائه ﷺ سبباً للحياة الكاملة والحياة الطيبة، فقال الله جلَّ وعلا مخاطباً المؤمنين، منادياً أهل الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]، أمر الله جلَّ وعلا في هذه الآية بالمسارعة إلى الاستجابة إلى الله ورسوله، ثم بيَّن ما الذي يدعونا إليه رسول الله ﷺ في أمره وفي نهيه وفي قوله وفي تركه وفي فعله وفي كل ما دعانا إليه قولاً أو فعلاً، ما الذي يريده ﷺ من ذلك؟ إنه يريد لنا الحياة الكاملة في هذه الدنيا، والحياة الكاملة في الآخرة.
أما الحياة الكاملة في الدنيا: فإن أسعد الناس وأكملهم حياةً هم أتباع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالحياة الكاملة إنما تحصل بالاستجابة لرسول الله ﷺ .
أما الآخرة: فأتباعه لهم الجنة التي قال الله جلَّ وعلا في وصفها: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت:٦٤]، انظر كيف قال: (الْحَيَوَانُ)! أتى بصيغة (فَعَلان) التي تدل على امتلاء الحياة، أي: إن الحياة الكاملة التامة التي يتمتع بها الإنسان، وينال بها كمال مبتغياته؛ هي الدار الآخرة، وذلك في الجنة نسأل الله أن نكون من أهلها! فإذا كان هذا شأن الإنسان في هذه الدنيا إذا اتبع رسول الله ﷺ ، وهذا شأنه إذا اتبع رسوله ﷺ في الآخرة، أي: أن الله يجزيه (الحيوان)، وهي الجنة التي أعد الله فيها لعباده المتقين الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ كان هذا حافزاً لأولي الألباب، وأصحاب البصائر والعقول، الذين تنفذ بصائرهم وأبصارهم من هذه الدنيا إلى الآخرة، إلى مزيد عمل صالح، واقتفاء للنبي ﷺ في الظاهر والباطن، واعلم أن كل هديٍ، وكل سنةٍ صغيرةٍ أو كبيرةٍ، ظاهرةٍ أو باطنةٍ، دقيقةٍ أو جليلةٍ، من سنن النبي ﷺ هي من أسباب الحياة، فبقدر أخذك من سننه وهديه وعمله ﷺ بقدر ما تأخذ من أسباب الحياة في الدنيا، ومن أسباب الحياة في الآخرة.
стр. 70
لماذا يتخلف كثير من الناس عن سلوك منهج النبي ﷺ ؟
أيها الإخوة الكرام! إن سؤالاً يتبادر إلى الأذهان، ولابد له من جواب وهو: إذا كانت هذه النصوص واضحة في أن رسول الله ﷺ أسعد الناس، وأنه ﷺ حصل الكمال في انشراح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر، وأن طريق السعادة هي الطريق التي سلكها ﷺ ؛ فلماذا يتخلف كثير من الناس عن سلوك هذا الطريق؟ إن الجواب على هذا السؤال هو ما قاله النبي ﷺ فيما رواه الإمام مسلم في صحيحه: (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات).
إن الطريق فيه نوع صعوبة لاسيما في مبادئه، فطريق تحصيل هذا النوع من السعادة فيه عسر وصعوبة، يحتاج إلى مجاهدة نفس، ويحتاج إلى أن يتخلى الإنسان عن مألوفه، وما اعتاده وما شب عليه وتربى عليه، والنظر إلى هدي النبي ﷺ في قيامه وقعوده، في ذهابه ومجيئه، في دخوله وخروجه، في نومه واستيقاظه، في معاملته لربه ومعاملته للخلق وفي جميع شأنه؛ وإذا نظر إلى ذلك فإنه يحتاج إلى عزم أكيد، ورغبة صادقة، وجهد متواصل؛ لإدراك ذلك الذي قرأه واطلع عليه، ولما كان الأمر يعسر على كثير من الناس كان أكثر الناس في تخلف عن سلوك هذا الطريق.
لكن يا أخي! اسلك هذا الطريق، واستعن بالله ، فإن الله إذا علم من عبده الصدق يسر له سبل الهدى، ويسر له سبيل الخير، وأعانه، وجعله يجني من ثمرات وبركات اتباع النبي ﷺ خيراً كثيراً في الدنيا، يعينه ذلك على مواصلة الاتباع والاهتداء بهديه ﷺ .
فأحثكم -يا إخواني- على قراءة سيرة النبي ﷺ ، وحفظ سنته، ومطالعة هديه، فإن السلف الصالح كانوا يمضون أوقاتاً طويلة، وأعماراً مديدة، في حفظ سنة النبي ﷺ ، وفي العمل بها، وفي طلبها، وكان أحدهم إذا بلغه الحديث عمل به؛ لكونه سمعه عن رسول الله ﷺ ، وإن كان في نفسه شيء من معناه، حتى أن الإمام أحمد ﵀ عمل بسنة، وقال: لم أعمل بها إلا مرة واحدة لما بلغني الحديث، وكان رأيه ﵀ خلافاً لما دل عليه الحديث لأحاديث أخرى، لكنه لم تطب نفسه أن يترك تلك السنة، وقد بلغه عن رسول الله ﷺ فيها حديث.
ينبغي لنا -أيها الإخوة- أن نحرص على الاهتداء بهدي النبي ﷺ ، وأن نحتسب الأجر في ذلك عند الله ، والطريق -ولله الحمد- ميسر وسهل، لكن يحتاج إلى عزيمة وجد، وصدق رغبة، والإنسان إذا استعان بالله أعانه، فليقرأ من الكتب الميسرة في عرض سيرة النبي ﷺ وهديه مثل كتاب ابن القيم ﵀: زاد المعاد في هدي خير العباد، فإنه من أنفع الكتب التي جمعت لنا هديه ﷺ وسيرته.
ومن ذلك أيضاً الكتب التي حفظت لنا نصوص أفعاله وأقواله ﷺ ، كرياض الصالحين، وبلوغ المرام، وما أشبه ذلك من الكتب التي ملأت بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله ﷺ .
ومما يعين الإنسان على اقتفاء هدي النبي ﷺ أن يحضر مجالس العلم، وأن يسمع أشرطة العلم، فإن فيها من بيان هديه ﷺ وسنته ما يعين الإنسان على اقتفاء هدي النبي ﷺ .
واعلم -يا أخي- أنك لن تحصل بركة اتباع النبي ﷺ من فعل سنة أو سنتين مرة أو مرتين، بل داوم واستمر وجاهد، فإنك إذا استمريت على ذلك وصبرت؛ وجدت بركة ذلك بعد حين.
فأسأل الله أن يبلغنا وإياكم هدي رسوله ﷺ ، وأن يعيننا على التزام سنته، وأن يسلك بنا سبيله، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.