← Джавами‘

Джавами‘ · id 7718

دروس للشيخ خالد المصلح

خالد المصلح

Полный текст (70 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الله أكبر من كان بالله أعرف كان لله أخوف، ولا يكون الخوف من الله حاصلاً إلا بتعظيم الله جل وعلا، ومعرفة قدره، ولا يستطيع أحد أن يقدر الله حق قدره كما ينبغي له، فإن هذا لا يبلغه أحد، لكن على المسلم أن يعظم الله ويكبره بقدر استطاعته.

стр. 2

عظمة الله الحمد لله الذي له الحمد في الأولى والآخرة، وله الشكر وإليه ترجعون، أحمده سبحانه حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، له الكبرياء في السموات والأرض وهو الخبير الحكيم، سبحانه وبحمده، هو أحق من حمد، وأعظم من ذكر، وأجل من دارت الأفكار في صفاته، وتلقت القلوب أخباره وأحكامه، أحمده جل وعلا حق حمده، لا أحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين ورب العالمين، لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، بعثه الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، بالعلم والبيان، والسيف والسنان، حتى أتاه اليقين وهو على ذلك، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن استمسك بهديه واتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فحياكم الله -أيها الإخوة- في هذا اللقاء الشهري الذي نتناول فيه شيئاً من هدي نبينا محمد ﷺ ، الذي الخير كله في هديه، فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهدي النبي ﷺ لا يختص بجانب من حياته، بل هديه هو طريقته ومسلكه، وهو سلوكه وعمله في قيامه وقعوده، وفي سفره وإقامته، وفي معاملته لربه، وفي معاملته للخلق، قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة﴾ [الأحزاب:٢١]. أيها الإخوة الكرام! إن موضوعنا اليوم هو موضوع كثيراً ما يطرق الأسماع، وكثيراً ما تلهج به الألسنة، فكم هي المرات التي نتكلم فيها بقولنا: (الله أكبر)؟ وكم هي المرات التي يطرق أسماعنا قول القائلين: (الله أكبر)؟ إن هذه الكلمة أصدق كلمة، وأعذبها، وأحلاها. (الله أكبر) أبلغ لفظة عند العرب في تعظيم الرب جل وعلا، وتقديره حق قدره جل وعلا. (الله أكبر) كلمة فيها الخير كله، وفيها الخبر بأن الله أكبر من كل شيء. (الله أكبر) روى في شأنها الإمام أحمد في مسنده والترمذي ﵀ في جامعه من حديث عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال له: (يا عدي! ما يفرك؟ -يعني: ما يجعلك تفر من الإسلام ومما جئت به؟ - أيفرك أن يقال: لا إله إلا الله؟! فهل تعلم من إله غير الله؟ يا عدي! ما يفرك؟ أيفرك أن يقال: الله أكبر؟! فهل من شيء أكبر من الله؟)، فما كان منه ﵁ إلا أن أقر بذلك، فأقر بأنه لا إله إلا الله، وأنه لا شيء أكبر من الله، فالله أكبر من كل شيء، قال الشاعر: رأيت الله أكبر كل شيء محاولة وأكثرهم جنوداً (الله أكبر) -أيها الإخوة- كلمة يعظم بها الرب جل وعلا، عظمة لا تبلغها العبارات، ولا تفي بها القوة البشرية، وإن بالغ العبد مهما بالغ في التنزيه والتحميد والتمجيد والتقديس لرب العالمين إلا أنه لا يفي بحق ربه في التعظيم والتمجيد إلا بمثل هذه الكلمة، فلن يبقى إلا الوقف بأقدام المذلة في حضيض القصور، والاعتراف بالعجز عن القيام بحقه جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، ما قدر العباد ربهم حق قدره جل وعلا، وهو كما قال عن نفسه: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية:٣٧]، هذا ربكم الذي له تصلون، هذا ربكم الذي له تقومون وتأتون وتذهبون وتتعبدون، الله أكبر الله أكبر القائل: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٠٧]، من يتولاكم؟ ومن ينصركم إن خذلكم الله جل وعلا؟ (الله أكبر) -أيها الإخوة- يمسك الله جل وعلا السموات والأرض أن تزولا، يمسك هذه الطباق السبع سبحانه وبحمده بقدرته، وهو على كل شيء قدير، كما قال سبحانه: ﴿يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:٤١]، يعني: ما يمسكهما من أحد من بعده جل وعلا، فإذا لم يمسكهما الله، فمن يمسكهما؟! وفي الآية التنبيه على أمر مهم وهو: أن إمساك السموات والأرض من رحمته وحلمه ومغفرته، وإلا فإن العباد شرهم إليه صاعد، وخيره إليهم نازل، فهم يتقربون إليه بالسيئات والمعاصي، والله جل وعلا يتحبب إليهم بالنعم، وحق عليهم أن يؤاخذوا لولا حلم الله جل وعلا ومغفرته ورحمته. (الله أكبر) إذا طرقت سمعك فتذكر هذه المعاني التي في قوله جل وعلا: ﴿رَفَعَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد:٢]، تذكر هذه العظمة، وتذكر هذه الصفات عند قولك: (الله أكبر)، فإن الله قد ملأ كتابه الحكيم بصفاته العظيمة وأفعاله الجليلة وأسمائه الحسنى؛ ليحيا تعظيمه جل وعلا في قلوب عباده، وليقفوا على شيء مما يتصف به ربهم سبحانه وبحمده، فيزدادوا له محبة وتعظيماً، وبذلك يتحقق لهم كمال العبودية، فالعبودية لله جل وعلا تقوم على هذين القطبين: على قطب المحبة لله جل وعلا، وعلى قطب التعظيم، كما قال الشاعر: فعبادة الرحمن غاية حبه مع بر عابده هما قطبان فمن لم يكن في قلبه محبة ربه، ومن لم يكن في قلبه تعظيم ربه، فإنه لم يأت بما أمره الله جل وعلا من العبادة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:٢١]. (الله أكبر) ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف:٥٤]، هذه السموات الفسيحة وما فيها من الأفلاك التي لم يقف الناس إلى يومنا هذا على منتهاها، ولم يقفوا على حقائقها، وما زالوا يبحثون، ومع عظيم ما معهم من الآلات والإمكانات لم يقفوا إلا على شيء يسير من خبرها ونبئها، خلقها ربنا جل وعلا في ستة أيام، فالله أكبر! قال سبحانه: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] جل وعلا، والعرش هو ذاك المخلوق العظيم الذي خلقه الله جل وعلا، وخصه دون سائر الخلق بأن استوى عليه وارتفع جل وعلا، لا إله إلا هو الحكيم الخبير. وقال سبحانه: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [يونس:٣]، فهذا هو الذي يستحق العبادة، الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام، وهو الذي خص هذا المخلوق العظيم -وهو العرش- بالاستواء، وهو الذي لا شفاعة لأحد عنده إلا بإذنه، وهو أحق من صرفت له العبادة سبحانه وبحمده، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [يونس:٣]. (الله أكبر) ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١]، (تبارك) تعالى وتقدس وتنزه، ((الذي بيده الملك)) ملك كل شيء، فكل شيء بيده، وكل شيء له، وكل شيء صائر إليه سبحانه وبحمده. (الله أكبر) ربنا جل وعلا ملك السموات والأرض بيده، يصرف الكون كيف شاء، كما قال سبحانه: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٠٧]، سبحانه وبحمده، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١]، وقوله جل وعلا: ((بيده الملك)) يدل على كمال التصرف والملك، فلا منازع له في ملكه، ولا منازع له في تصرفه، فإليه كل شيء صائر، وهو جل وعلا عنه كل شيء صادر، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، ولا ينفع ذا الجد منه الجد، سبحانه وبحمده، كما قال جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران:٢٦] سبحانك وبحمدك ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦]، فإذا كان هذا شأنه فلماذا تمتلئ القلوب بتعظيم غيره؟! ينبغي للمسلم أن يمتلئ بهذه الأخبار العظام في صفات الرب الرءوف الكريم الذي له الأسماء الحسنى كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وله الصفات العلى كما قال: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧] سبحانه وبحمده، وكيف يكون في قلب العبد بعد هذا تعظيم لغير هذا الرب الكريم العظيم الذي تمتلئ القلوب بعظمته، وتُصم الآذان عن ذكر غيره؟!! فهو أحق محمود؛ ولذلك كان المدح من أحب الأشياء إليه؛ لأنه مستحقه سبحانه وبحمده. (الله أكبر): ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر:١٥]، ((رفيع الدرجات)) فهو العلي الأعلى سبحانه وبحمده، ((ذو العرش)) صاحب العرش جل وعلا، والله خص العرش بالذكر؛ لأنه أعظم خلق الله جل وعلا. قال تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [غافر:١٥]، الروح: ما تحيا به الأرواح وهو كتاب الله جل وعلا، وهو الذكر الحكيم والقرآن المبين، وقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ [غافر:١٥] أي: الرسالة، ﴿مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥]، فألقى الله جل وعلا على الرسل بالروح ابتداءً، وعلى من اهتدى بهديهم تباعاً، فهم أتباعهم في تلقي هذا الروح الذي تحيا به الأرواح، كما قال الله جل وعلا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا ي

стр. 3

آية العز (الله أكبر) كلمة أمر الله بها رسوله ﷺ ، وأمر بها أهل الإيمان في آية سماها بعض أهل العلم: آية العز ألا وهي قول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]، وهذه آخر آية ذكرها الله في سورة الإسراء، وهي السورة التي فيها ذكر أعظم مقامات النبي ﷺ ، وهو ما أجراه الله له في تلك الليلة من الإسراء من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى حيث قال جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، هذه الليلة هي أشرف ليلة للنبي ﷺ ؛ لأنه عرج به إلى السماء السابعة، وكلم فيها رب العالمين جل وعلا، كما قال : ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم:١ - ٩]، ذلك كله من رب العالمين، ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى﴾ [النجم:٩ - ١٠]، يعني: رب العالمين، ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ [النجم:١٠]، يعني: جبريل، ﴿مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم:١٠ - ١٢]، تلك الليلة هي أعظم الليالي لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، رأى فيها من آلاء الله وعظيم صنعه جل وعلا ما يبهر العقول، ومع ذلك قال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧]، وذلك لعظيم جأش النبي ﷺ ، وقوة قلبه، وثبات فؤاده ﷺ ، ما زاغ ولا طغى بصره، بل كان بصره فيما أذن الله له أن يراه، ولم يتجاوز ذلك قيد أنمله، بأبي هو وأمي ﷺ ، وختم الله تلك السورة بتقديسه وتعظيمه بهذه الآية التي سماها بعض أهل العلم بآية العز فقال جل وعلا: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ﴾ [الإسراء:١١١] يعني: لا يوالي الناس، ولا يوالي الخلق لحاجته إليهم سبحانه وبحمده، بل هو القوي الحميد، كما في حديث أبي ذر في صحيح الإمام مسلم عن النبي ﷺ عن ربه جل وعلا قال: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئاً)، فالله هو الغني، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، أنتم الفقراء بمجموعكم: أولكم وآخركم، شرفاؤكم ووضعاؤكم، أنبياؤكم وأتباعهم، الملوك والمملوكون، الرعاة والرعية، الكل فقراء إلى الله جل وعلا، لا غنى لأحد من الخلق -مهما بلغ- عن ربه جل وعلا، ومن ظن أنه في غنى عنه فإنما أتى من قبل نفسه، بل هو في غاية الحاجة إليه، فقل لهذا الذي استغنى عن ربه: من الذي يجري الدماء في عروقك؟! ومن الذي يعالج النفس في صدرك؟! إنه الله الذي لا إله إلا هو، فهل يكون الإنسان بعد هذا في غنىً عن ربه جل وعلا؟ الجواب لا، والله! بل إن كل من ادعى الغنى فقد كذب على رب العالمين، وكذب على نفسه أعظم الكذب، فالكل كما قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر:١٥]. أمر الله جل وعلا رسوله وأهل الإيمان في هذه الآية -آية العز- بأن يعظموه فقال: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]، قال ذلك بعد أن ذكر لنا من صفاته وعظيم ما أخبر به عن نفسه ما يبعث في القلوب عظمة رب العالمين سبحانه وبحمده، فهو الذي له الحمد كله، كما قال في أول هذه الآية: ﴿َقُلِ الْحَمْدُ لله﴾ [الإسراء:١١١]، وإنما يحمد لعظيم صفاته، وعلى أسمائه، وجميع أفعاله ، فإنه إنما يستحق الحمد من كانت له الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الجليلة، فإنه بهذا يستحق الحمد: ﴿َقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء:١١١]، فهو ليس بحاجة إلى ولد: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ [الإسراء:١١١]، فليس له مشارك في هذا الملك ينازعه أو يقاسمه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء:١١١]، فلم يتول عباده، ولم يتقرب إليهم، ولم يحبهم لحاجته إليهم، بل هو الغني الحميد سبحانه وبحمده، وإنما يحبهم ليوصل إليهم إحسانه، وليبرهم جل وعلا: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]، أي: عظمه تعظيماً، وصفْه بأنه أعظم من كل شيء سبحانه وبحمده.

стр. 4

الكبر صفة خاصة بالله، لا يدخل الجنة من يتصف بها (الله أكبر) -أيها الإخوة- كلمة تنخلع لها قلوب الجبابرة، وتذل لصاحبها سبحانه وبحمده الوجود، روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ عن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحداً منهما عذبته)، فالكبرياء رداء الله جل وعلا، خص به نفسه دون غيره؛ ولذلك كان كل من بلي بشيء من الكبر محروماً من فضل الله ورحمته، فإن الكبر سبب مانع من دخول الجنة، ففي صحيح الإمام مسلم عن النبي ﷺ قال: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، فالكبر ينافي حال المؤمن العابد؛ ولذلك لا يدخل الجنة من كان في قلبه أدنى ما يوزن من الكبر، هذا معنى قوله ﷺ : (من كان في قلبه مثقال)، يعني: أدنى ما يوزن من الكبر، فإذا بلي به قلب العبد كان ذلك حائلاً مانعاً له من دخول الجنة، حتى يطهر ما في قلبه. فـ (الله أكبر) إذا امتلئ بها قلب العبد خرج منه كل كبر وكل غرور وكل رياء وكل ارتفاع وكل علو وكل آفة، وإذا صدق في هذه الكلمة كان لها في قلب السامع أعظم الأثر.

стр. 5

التكبير يفتتح به الصلاة ويعقبها (الله أكبر) كلمة يفتتح بها المؤمن صلاته ولقاءه بربه، يفتتح بها مناجاة الله ، بل هي الكلمة التي يدعى بها إلى مناجاة الله ، فإذا سمعت المنادي ينادي: (الله أكبر) (الله أكبر) علمت أن وقت المناجاة قد جاء، فتأتي مسرعاً راغباً في لقاء ربك جل وعلا، ثم بماذا تستهل لقاء الله جل وعلا؟ الجواب تستهله بكلمة التعظيم (الله أكبر)، فتستحضر بذلك أن الذي تقابله وتقف بين يديه أكبر من كل شيء سبحانه وبحمده، وسيقطع ذلك عنك التعلق بشيء غير الله جل وعلا، فتقبل عليه بعد ذلك، ولا تفكر: ما الذي يكون؟ وما الذي يجري؟ لأنك في مناجاة مع حبيب مقبل عليك بوجهه، ومستمع لدعائك، فإن العبد إذا قام في صلاته أقبل الله جل وعلا عليه بوجهه. (فإن الله ينصب وجهه للمصلي حتى يفرغ) وذلك لعظيم عمل المصلي، وعظيم شأنه وفعله. إن قولك: (الله أكبر) استحضار لعظيم الموقف، ثم إنك لا تزال تذكر هذا الذكر (الله أكبر) قائماً وقاعداً راكعاً وساجداً، وكل ذلك تذكير لك حتى لا تغفل عما أنت فيه، وعمن أنت واقف بين يديه، فهو الله الذي له الهيبة الكاملة جل وعلا، الذي ذلت له الأعناق سبحانه وبحمده، فتقبل على ربك معظماً ذاكراً مخبتاً خاشعاً لله جل وعلا، ترجو رحمته وتخشى عذابه، وهكذا ينبغي أن يكون قولنا لهذه الكلمة على الوجه الذي ينبغي أن تقال، وأن يكون في قلب العبد معناها، لا أن تقال باللسان والقلب في كل وادٍ هائم، وفي كل تجارة مساهم، وفي كل عمل مشغول، إن القلب الذي يحصّل هذه الفائدة هو ذلك القلب الذي يدرك معنى قوله: (الله أكبر) في افتتاحه لصلاته، فيدرك أن ربه جل وعلا أكبر من كل شيء. نُقل عن بعض العبَّاد أنه لما أراد أن يكبر في صلاته رفع يديه فقال: الله، ثم سكت، كأنه جسد بلا روح، إعظاماً لله جل وعلا، ثم أعاد الكلمة مستجمعاً قواه، فقال: (الله أكبر) فكانت لتكبيرته هيبة تنخلع منها القلوب، كما نقل ذلك أصحابه وقرناؤه، إن قلب العبد إذا عظم الله جل وعلا كان لهذه الكلمة أثر عظيم عند النطق بها في أذن من سمعها، وسيأتي توضيح ذلك بعد قليل. أيها الإخوة الكرام! (الله أكبر) كلمة يعرف بها انقضاء صلاتنا، كما قال ابن عباس ﵁ فيما رواه البخاري عنه أنه مسلم: (قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير)، فالصلاة تُفتح بالتكبير، ويُعرف انتهاؤها بالتكبير، فإن النبي ﷺ كان إذا فرغ من صلاته سبح الله سبحانه وبحمده، وحمده، وكبره، فكانت صلاة رسول الله ﷺ يعلم انقضاؤها بالتكبير، وهذا يبين لنا أهمية هذا الذكر، وأنت انظر إلى الترتيب البديع في ذكر المصلي بعد الصلاة، فالذكر يبتدئ أولاً بالتسبيح ثم التحميد ثم التكبير؛ لأن الغالب أن البداهة أن تكون البداية بالتسبيح، وهكذا جاء في أكثر الأحاديث، فتقول: (سبحان الله)، ثم تقول: (الحمد لله) ثم تقول: (الله أكبر) وسر هذا الترتيب بين هذه الأذكار الثلاثة أن التسبيح فيه تنزيه الله جل وعلا عن كل عيب ونقص، فقولك: (سبحان الله) أي: أنزه الله جل وعلا، وأقدسه، وأطهره أن يكون في شأن من شئونه نقص أو عيب، ثم بعد ذلك تقول: (الحمد لله) وفيه إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الجميلة للرب جل وعلا، فذاك تخلية، وهذا تحلية، ذاك إزالة لما يمكن أن يُعتقد من نقص في الرب، ثم الحمد فيه إثبات الكمال للرب جل وعلا، وبعد ذلك هل تكون بهذا قد بلغت المنتهى، وحصَّلت المقصود؟ الجواب لا؛ ولذلك تقول: (الله أكبر)، (الله أكبر) من قولي، (الله أكبر) من تسبيحي وتحميدي، (الله أكبر) من ثنائي وتمجيدي، فتختم ذلك بالتكبير؛ لأن الله أكبر من قولي: الله أكبر، ومن تحميدي وتسبيحي، فهو العلي الكبير، كما قال عن نفسه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، وقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤]، وقال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٢]، فربنا جل وعلا له من الصفات ما لا تطيقه العقول؛ ولذلك لم يبين ربنا جل وعلا من صفاته وأسمائه إلا ما تتمكن العقول من إدراك شيء من عظمته وبحمده. أيها الإخوة! المصلي إذا قضى صلاته لهج بالتكبير، فهذه العبادة -وهي أجل العبادات- محاطة بالتكبير وبالدعاء في افتتحاها وفي أثنائها، وهي - أيضاً- مختتمة بالتكبير، فكان لا يعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ إلا بالتكبير. (الله أكبر) كلمة أمر الله بها أهل الإسلام، شكراً لله على إحسانه، وشكراً على رزقه وإنعامه؛ ولذلك قال في ختام الآية التي ذكر فيها فرض الصيام: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥]، (لتكبروا الله) أي: لتقولوا: (الله أكبر) (عَلَى مَا هَدَاكُمْ) أي: لأجل ما هدى، فنحن نكبر الله على توفيقه لنا للهداية. والهداية هنا هي: هداية القلوب إلى دين الإسلام، وهي هداية الإرشاد التي بها يتبين الحق من الباطل، الهداية الكبرى التي يتم بها الإنعام على العبد بأن يهديه الله إلى الصراط المستقيم، وهناك هداية قبل هذه الهداية هي هداية الدلالة والإرشاد، فإن الله قد هدانا النجدين، وبين لنا سبيل الحق والهدى، وسبل الضلال والردى، فمن سلك سبيل الهدى فقد هداه الله هداية التوفيق، وجمع له مع الإرشاد هداية الإلهام، وهداية الإرشاد هي الهداية التي بها يستبين الحق من الباطل، وتقوم بها الحجة على جميع الناس.

стр. 6

تكبير الله وإجلاله سبب في ترك الذنوب والمعاصي أيها الإخوة الكرام! إن هذه الكلمة (الله أكبر) إذا قالها المؤمن حقيقة، وذاق طعمها وأدرك معناها كانت حاجزاً بينه وبين التورط في المعاصي والسيئات، حاجزاً بينه وبين انتهاك الحرمات، فإنه -يا إخواني- لا يضيع ما فُرض عليه ويرتكب الكبائر إلا من قل خوفه من الله جل وعلا، وإنما يقل الخوف من الله تعالى بسبب ضعف التعظيم له جل وعلا، فالتعظيم يصدر عنه الخوف والورع، والعبد الخائف إنما يخاف عظيماً، يخاف من امتلأ قلبه بإجلاله وتقديره، أما ذاك القلب الذي خوى من تعظيم الله سبحانه وبحمده، وخوى من إجلال الله جل وعلا، وليس عنده لربه قدر ولا عظمة، فكيف ينزجر عن المعاصي؟! وكيف ينزجر عن السيئات؟! وكيف يحفظ نفسه من انتهاك الحرمات؟! إنه لا سبيل له إلى ذلك، واستمع إلى هذا الخبر: روى البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر ﵁ في نبأ ثلاثة نفر من بني إسرائيل قال: قال رسول الله ﷺ : (بينما ثلاثة نفر يمشون، أخذهم المطر، فأووا إلى غار في جبل، فانحطت على فم غارهم صخرة من الجبل، فانطبقت عليهم -ولم يتمكنوا من الخروج- فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحة فادعوا الله بها لعله يفرج عنكم بسببها) فذكر كل واحد منهم عمله، وكان منهم رجل عمله شاهد لنا في تعظيم الله جل وعلا، وكيف أن التعظيم سبب للابتعاد عن المعاصي؛ لأنه يورث التقوى، ويورث الخوف، ويعقب القلب إجلالاً لله . (قال الثاني منهم: اللهم إنها كانت لي ابنت عم أحببتها كأشد ما يحب الرجال النساء، فأردتها على نفسها، فأبت علي، حتى أحوجها الفقر، فأعطيتها عشرين ومائة ديناراً، فلما وقعت بين رجليها قالت: يا عبد الله! اتق الله، ولا تفتح الخاتم إلا بحقه) ما الذي حال بينه وبين مراده ومطلوبه، وقد بذل المال ومكنته من نفسها؟ حال بينه وبين مراده أنها قالت له: (يا عبد الله!) فذكرته بمن هو عبد له، ذكرته بالله: (يا عبد الله! اتق الله) أي: اجعل بينك وبين الله وقاية بامتثال أمره، وترك نهيه، رغبة ورهبة، (اتق الله ولا تفتح الخاتم إلا بحقه، قال: فقمت عنها، اللهم إن كنت تعلم أني فعلته ابتغاء وجهك فافرج عنا، ففرج عنهم فرجة)، فهذا -يا إخواني- ما الذي حمله على هذا الفعل؟ وما الذي كفه عن المعصية بعد أن تمكن منها؟ وما الذي منعه مما سعى له وخطط وليس بينه وبين مبتغاه حائل؟ لا مانع له إلا قيام تعظيم الله في قلبه، ما منعه إلا ما كان في قلبه من كبرياء ربه الذي أورثه خوف ربه، ومراقبته ، فانتفض قائماً لله تعالى يرجو ثوابه ويخشى عقابه، وهكذا يكون خوف الله وتعظيم الله مثمراً للفضائل، فكل الفضائل من الخوف والمراقبة والخشية والإنابة والدموع المنهمرة والأقدام الماشية في طاعة الله إنما تكون بالتعظيم الذي يصحبه محبة لله جل وعلا. (الله أكبر) أيها الإخوة! تحمل المؤمن على أداء الحقوق طيبة بها نفسه، فكم هم الذين شحوا في حقوق واضحة كالشمس؟ إنهم كثير مع أن النبي ﷺ قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه)، وقال ﷺ -كما في الصحيح-: (من اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان)، تصور ذلك الموقف العظيم الذي يحشر الناس فيه حفاة عراة غرلاً أحوج ما يكونون إلى رحمة الله وفضله: (إذا اقتطع مال امرئ مسلم بغير حق لقي الله وهو عليه غضبان)، والصحابة ﵃ فهموا أن هذا في الأمور الكبيرة، في سلب أرض أو عمارة أو ملايين مملينة فقالوا: يا رسول الله! ولو عود أراك -سواك-؟ قال: (ولو عود أراك) سبحان الله العظيم! يعني: لو تأخذ من أخيك المسلم عود أراك وهو لم تطب نفسه بهذا لقيت الله رب السموات والأرض وهو عليك غضبان، فأين تعظيم الله جل وعلا من هؤلاء؟! أين تعظيم هذا الموقف في قلوب هؤلاء؟! لو أنهم أكرموا الله جل وعلا لكانوا كذاك الذي أخبرنا رسول الله ﷺ خبره، ففي صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: ذكر رسول الله ﷺ رجلاً من بني إسرائيل. واستمع إلى قصة هذا الرجل ففيها إجلال الله وتعظيمه، مما يدل على أن من عظَّم الله فإن الله معه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، ذكر أن رجلاً من بني إسرائيل جاء إلى رجل فطلب أن يسلفه ألف دينار، فسلفه، فقال له المسلِف -صاحب المال-: ائتني بالشهداء أشهدهم على هذا القرض، فقال له الرجل: كفى بالله شهيداً -يكفيك شهادة الله جل وعلا- قال الرجل صاحب المال: فأتني بكفيل -يعني: ائتني بمن يضمن المال لو تعذر وفاؤه، أي: ائتني بشخص يكفلك- فقال له الرجل: كفى بالله كفيلاً، فقال له الرجل صاحب المال: صدقت. فهذا الذي أعطى المال لولا عظمة الله في قلبه ما قبل إلا الشهادة، ولولا أن الله في قلبه عظيم ما قبل ذلك، ولكان يقول: لابد أن تأتي بشهداء وإلا ما أقبل، والمسألة إحسان، ما فيه إلزام، وليس عقداً يلزمه فيه، إنما هو إحسان قرض، وإنما قال: صدقت، فدفع الألف دينار إلى الرجل إلى أجل مسمى، فخرج الرجل المدين إلى البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركباً، يعني: أناساً يسافرون إلى الجهة التي فيها الدائن، التمس مركباً يركبه يقصد به الرجل من أجل الأجل الذي أجله، يعني: الموعد الذي حدده بينه وبين الدائن، فلم يجد مركباً، ولا يمكن أن يخوض البحر سابحاً إلى أن يصل إلى صاحبه، فأخذ خشبة وأدخل فيها ألف دينار -المبلغ الذي يطلبه صاحبه- وصحيفة -يعني: كتاب- كتب فيه لصاحب الدين، ثم رمى بها إلى البحر فقال: اللهم إنك تعلم أني كنت اقترضت من فلان كذا وكذا فسألني كفيلاً، فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك -انظر الإشارة إلى التعظيم- وسألني شهيداً، فقلت: كفى بالله شهيداً، فرضي بك، وإني اجتهدت أن أجد مركباً أبعث إليه بالذي له فلم أقدر، وإني استودعكها. أي: أستودعك هذا المال، وأجعله وديعة عندك، فرمى بها في البحر ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس مركباً يذهب به إلى صاحبه، يعني: ما قال: الذي بيني وبين الله انتهى، بل عاد وهو ينظر متى ييسر الله له مركباً يركبه حتى يذهب إلى صاحبه؛ لأنه يمكن أن هذا الذي بعثه في البحر لا يصل، يقول: ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركباً يخرج إلى بلده، فخرج الدائن الذي كان أسلفه إلى البحر لعله يجد المركب الذي يقدم فيه هذا الرجل ليوفيه حقه لما جاء الأجل، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطباً، فلما نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدم الرجل المدين إلى صاحب الدين بعد حين، وقال معتذراً عن التأخر: إني اجتهدت في طلب مركباً لآتيك بمالك فما وجدت مركباً قبل الذي أتيت فيه، قال: هل كنت بعثت إلي بشيء؟! فما قال: أنا فعلت كذا وكذا؛ لأنه يتعامل مع الله جل وعلا، ولا يدري هل وصلت أو ما وصلت، وإنما غرضه إبراء ذمته، غرضه أن يقدم على الله وليس في ذمته لأحد شيء، فقال له الدائن: هل كنت بعثت إلي بشيء قبل؟! قال: أخبرك أني لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه. قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف دينار راشداً، لا حاجة لي فيها، والدين الذي عليك قد أديته. يا إخواني! هذا الخبر الذي أخبر به رسول الله ﷺ أصحابه ما غرضه وقصده؟ غرضه بيان عظمة الله جل وعلا، وأن المعاملة مع الله لا يمكن أن يخاف صاحبها، ولا يمكن أن يخسر الداخل فيها؛ ولذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلمة بديعة نفيسة في بيان كيف يتعامل الإنسان مع الناس: (الناس إشكالاتهم كثيرة، ونواياهم مختلفة، وإيمانهم باليوم الآخر على درجات، وإيمانهم بالله وخوفهم منه على درجات، فكيف تسلم مع هؤلاء كلهم وفيهم التقي ومن دونه؟ تسلم بأن تعامل الله عنهم، ولا تعاملهم في الله) يعني: أنت في معاملتك للخلق لا تنظر إلى ما الذي يأتيك منهم، إنما انظر إلى ما الذي يعطيك ربك في معاملتك لهم، وما الذي يأمرك الله به في معاملتك للخلق، فإذا كنت كذلك فاعلم أنك فائز في معاملتك، رابح في تجارتك، سالم من شرور الناس، فلا سلامة للإنسان من شرور الناس إلا بأن يلجئ إلى الله . (الله أكبر) كلمة إذا قالها المؤمن صادقاً فجرت في قلبه ينابيع الحكمة، ولقي فيها ومنها خيراً كبيراً لا يقف منه على حد؛ ولذلك تجد التكبير مقترناً بالتهليل لما فيهما من عظيم حق الله جل وعلا، فالعبد يثني على الله جل وعلا ويقدسه ويمجده ويذكره، ولكنه مع ذلك كله يقر بأنه لن يؤدي حق لربه جل وعلا، حتى لو أفرده بالعبادة، حتى لو لم يكن في قلبه سوى ربه جل وعلا، فإنه في كل ذلك لن يفي ربه حقه كما تقدم في ثنايا الكلمة. أسأل الله أن يرزقنا تعظيمه، وأن يلقي في قلوبنا محبته، وأن يجعلنا من عباده المتقين، ومن حزبه المفلحين، وأولياءه الصالحين، اللهم اجعلنا لك ذاكرين لك شاكرين إليك راغبين راحلين إليك أواهين منيبين. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المتقين، اللهم وفقنا للبر والتقوى، اللهم خذ بنواصينا إلى ما تحب وترضى. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والرشاد والغنى. اللهم إنا نسألك أن تصلح فساد قلوبنا، اللهم أصلح فساد قلوبنا، اللهم أصلح فساد قلوبنا. اللهم املأ قلوبنا بمحبتك، وارزقنا تعظيمك، واحفظنا -يا رب العالمين- فيما بقي من أعمارنا، اللهم وأختم لنا بخير، وأعنا على الخير، ووفقنا إليه، وحببه إلينا يا رب العالمين! اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

стр. 7

من ثمار التكبير تعظيم شعائر الله (الله أكبر) -أيها الإخوة- تورث قلب العبد تعظيم شعائر الله ، وهذا من ثمار تعظيم الله جل وعلا، ومن ثمار هذه الكلمة أن يكون العبد معظماً لشعائر الله، معظماً لحرمات الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، أي: هذا نتاج التقوى، التي يحيا بها القلب، ويجلى بها الفؤاد، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج:٣٠]، فالمؤمن المعظم لله تعالى، المعظم لشعائر الله تعالى، المعظم لحرماته ؛ هو ذلك العبد الذي عرف قدر ربه جل وعلا، فهو قائم بأمر الله تعالى طاعة له فيما أمر، مجتنباً ما نهى عنه وزجر، متعبداً لله، خاشعاً له سبحانه وبحمده، هذا هو الذي قدر الله جل وعلا شيئاً من قدره، وإلا فإن العبد مهما بلغ من التقدير والتعظيم لا يبلغ حق ربه في القدر، ولا ولن يبلغ حق ربه جل وعلا في التعظيم، قال بعض أهل العلم: (لو أن العبد سجد لله منذ أن وضعته أمه إلى أن دخل في لحده لم يف لله بحقه) وصدق رسول الله ﷺ حيث قال: (واعلموا أنه لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)، إذاً: لن يبلغ العبد قدر الله جل وعلا، ولن يبلغ إجلاله حق إجلاله، لكننا نتسابق في أداء ما فرض سبحانه وبحمده علينا، وفي أداء شيء مما أمرنا به، وفي الانتهاء عن شيء مما نهانا عنه.

стр. 8

العباد محتاجون إلى ملء قلوبهم بالتكبير والعظمة لله جل وعلا إننا -أيها الإخوة- بحاجة إلى أن نملأ قلوبنا بمعنى هذه الكلمة، حتى تثمر ثمرتها، وحتى نجني فائدتها. (الله أكبر) كلمة تورث في قلب العبد تعظيم الله جل وعلا، وهو الرب العظيم العلي الكبير سبحانه وبحمده الذي له ما في السموات وما في الأرض، إن هذه الكلمة إذا تأملها العبد وهو يقولها في صلاته، وهو يرددها في أذكاره، وهو يسمعها من المؤذن ويردد مع المؤذن؛ وجدها تغرس في قلبه وتصب في فؤاده تعظيم الله جل وعلا، هذه الكلمة هي أعظم وأجل القربات إلى الله سبحانه وبحمده، كيف لا، وليس شيء أعظم من الله ؟! قال الله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ [مريم:٩٠]، أي: يتشققن من عظمة الرب جل وعلا، هذه السموات السبع الطباق العظام التي لا يدرك الخلق حقيقتها وكنهها، تكاد تتشقق من عظمة الرب جل وعلا، والله بين لنا عظيم شدتها وقوتها وإحكامها ومع ذلك تكاد تتفطر، أي: تتشقق شقوقاً، وتتحول هذه الاستقامة في هذا البناء إلى شقوق بسبب عظمة الله ، ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى:٥]، فالله جل وعلا عظيم، أدركت جمادات خلقه عظمته، فكيف بقلوب عباده الذي منَّ عليهم بالعقل والرشد والرأي والرسالة والوحي؟! إنهم أولى وأحرى بإدراك هذه العظمة، وإدراك جلال الله . (الله أكبر) كيف تذهل القلوب عن عظمة ربها جل وعلا؟! وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، ما قدر الخلق حق قدره، ثم بين لنا شيئاً من عظيم القدرة فقال: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، روى مسلم من حديث ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (أن الله يأخذ السموات بيمينه، ويأخذ الأرض بشماله فيقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)، هذه عظمة ربنا، هذه السموات وهذا البناء العظيم يكون في قبضته، وقد بين رسول الله ﷺ حقيقة ذلك فاهتز في المنبر تأكيداً لهذا، فقال وهو يشير بيده إلى عظيم قدرة الله جل وعلا: (إن الله يطوي السموات السبع بيمينه، والأرضين بالأخرى، ويقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)، هذه عظمة ربنا جل وعلا، وقد جاء حبر من أحبار اليهود إلى النبي ﷺ -كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ فقال: (يا محمد! إن الله يضع السماء على إصبع، والأرض على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر والأنهار على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ثم يقول بيده: أنا الملك) يقول ابن مسعود: (فضحك النبي تصديقاً لقول الحبر)، يعني: أن ما أخبر به هو من الوحي الصحيح الذي لم يحرف في التوراة، ثم قرأ رسول الله ﷺ قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]. الله أكبر! كيف تذهل قلوب المؤمنين عن تعظيم ربهم جل وعلا؟ الله أكبر! كيف تغفل القلوب عن تعظيم الرب جل وعلا وقد قال منكراً على الخلق: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، كيف لا تعظمون الله حق عظمته؟! وهذا خطاب من الله لجميع الخلق، أي: مالكم؟ ما دهاكم؟ وما الذي جعلكم لا تخافون مقام الله جل وعلا، ولا ترجون وقاره ، فلا توقرونه ولا تعظمونه؟! مالكم -أيها الناس- تعاملون مالككم وربكم ورازقكم وخالقكم وإلهكم الذي لا إله لكم سواه معاملة من لا يوقرونه ولا يعظمونه؟! قال ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية: (ما لكم لا تعرفون لله تعالى حق عظمته؟!).

стр. 9

أثر التكبير في الجهاد حدثنا بعض من اشتغل بمقاتلة الصرب الذين اعتدوا على إخواننا في البوسنة: أنهم كانوا إذا أتوا على المكان الذي فيه الصرب فقالوا: (الله أكبر) يقول: والله! إنه لا يبقى في القرية رجل واحد منهم، مع أن معهم سلاحاً وعتاداً، ولكن هذه الكلمة لها من الأثر ما ليس لغيرها، لكن إذا صدرت من قلب قد امتلئ بما فيها من معنى، فليس الشأن بأن نقول: (الله أكبر)، فكم هي المرات والكرات التي نقول فيها: (الله أكبر) صباحاً مساءً؟ لكنها لا تؤثر في حياتنا، وليس لها في سلوكنا أثر، وليس لها في قلوبنا أثر، فلم تأت بما حصل لأولئك القوم من نصر وظفر وعلو وصلاح حال واستقامة عمل، وما إلى ذلك مما حصله غيرنا.

стр. 10

التكبير يطرد الشيطان أيها الإخوة! كلمة (الله أكبر) كلمة عظيمة ترتعد لها قلوب أعداء الله ، وعلى رأسهم زعيمهم وكبيرهم إبليس الشيطان، أعاذنا الله منه، فهذه الكلمة لها من الأثر في هؤلاء ما لا يطيقون معه بقاءً، فهي تفرقهم وتزلزلهم وتأتي على مقاتلهم؛ ولذلك جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن الشيطان إذا سمع النداء -أي: سمع نداء المؤذن إلى الصلاة- أدبر وله ضراط) أي: وله صوت يخرج من دبره، يريد بهذا الصوت أن يصم أذنه عن سماع ذكر الله ، فإذا نادى المنادي ولى الشيطان وأدبر وله ضراط حتى لا يسمع صوت المنادي، (فإذا سكت المنادي عن ذكر الله وتكبيره وتهليله رجع فوسوس -أي: عمل في قلوب العباد ما يصرفهم عن الطاعة- فإذا سمع الإقامة ذهب حتى لا يسمع صوته، فإذا سكت رجع فوسوس) وهكذا يوسوس الشيطان في قلب العبد ما غفل عن ذكر الله جل وعلا، وكلما تذكر القلب، وارتفع اللسان بذكر الله جل وعلا، كلما كان ذلك أدعى لهروب الشيطان وفراره.

стр. 11

إطفاء التكبير للحريق يذكر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا رأيتم الحريق فكبروا -أي: قولوا: (الله أكبر) - فإن التكبير يبطله) وهذا الحديث جاء عن عبد الله بن عمرو، وعن أنس، وعن جماعة من صحابة النبي ﷺ من طرق متعددة إلا أن طرقه ضعيفة، ولكن يستأنس باجتماع هذه الطرق في الدلالة على الحكم، فالنبي ﷺ أخبر بأن التكبير يطفئ الحريق؛ وذلك لما يوجد من المناسبة بين الشيطان وبين النار، فإن أصل خلق الشياطين من النار؛ ولذلك كان التكبير من أعظم الأسباب التي يحصل بها إطفاء النار، فالنار بطبعها تطلب العلو والفساد، والشيطان بطبعه يطلب العلو والفساد؛ فناسب أن ينخنس الشيطان، وأن تنخمد النار بذكر الله جل وعلا، فالشيطان والنار كل منهما يريد العلو في الأرض والفساد والكبرياء، والله جل وعلا هو الذي له الكبرياء في السموات والأرض؛ ولهذا كان تكبير الله جل وعلا له أثر في إطفاء الحريق، فإن كبرياء الله جل وعلا لا يقوم له شيء، فإذا قال العبد هذا القول ممتلئاً قلبه بتعظيم الله جل وعلا فإن له أثراً بالغاً في تحقيق مطلوبه، وفي دفع الشر والفساد عنه فيما يتعلق بالشيطان وعمله.

стр. 12

تكبير الله يكون عند كل أمر عظيم (الله أكبر) -أيها الإخوة- يعلو بها المؤمن على كل عليٍّ من الخلق؛ ولذلك شرع الله أن يكبره العبد عند كل أمر عظيم، وعند كل أمر كبير، وعند كل حال، وعند كل لقاء بمن تعظمه وتكبره، ولماذا نكبر إذا علونا في السفر؟ ولماذا نكبر عندما تمتلئ قلوبنا فرحاً؟ نكبر الله لأجل التعظيم، كما جرى من الصحابة ﵃ لما أخبرهم النبي ﷺ بأنهم ربع أهل الجنة فكبروا، ثم أخبرهم بأنهم ثلث أهل الجنة فكبروا، ثم أخبرهم بأنهم نصف أهل الجنة فكبروا، ولماذا يكبر الإنسان في حال فرحه؟ ولماذا يكبر الإنسان عند ما يلقى أمراً عظيماً يدهشه؟ ولماذا يكبر الإنسان عندما تطير به الطائرة؟ يكبر الله في هذه الأحوال كلها ليملئ قلبه بكبرياء الله جل وعلا؛ وليستولي كبرياء الله على قلبه، فإذا استولى على قلبه كبرياء الله اضمحل في قلبه كبرياء كل كبير، فيكون شرف الله جل وعلا وعلوه على كل شرف وعلى كل علو، أليس الله أكبر من كل كبير؟ الله أكبر من كل شيء جل وعلا، وأعظم من كل شيء سبحانه وبحمده.

стр. 13

حال السلف مع القرآن من أعظم نعم الله على عباده إنزال القرآن الكريم، ولذلك فرح به السلف واحتفوا به، فنالوا بذلك الخيرية، فإنه على قدر قرب الإنسان من القرآن تكون خيريته، وقد أقبل السلف على القرآن إقبالاً عظيماً، وتأثروا به تأثراً بالغاً، دائماً مثمراً، فينبغي أن نعرف حالهم مع القرآن لنقتدي بهم.

стр. 14

نعمة إنزال القرآن بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أحمده سبحانه وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه الله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين وهو على ذلك، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اتبع سنته، واستمسك بهديه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإن نعم الله جل وعلا على هذه الأمة -أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نعماً عظيمة متنوعة متعددة لا حصر لها، ولا يمكن للإنسان أن يحيط بها في مجلس أو مجالس، إلا أن أعظم ما أنعم الله جل وعلا به على هذه الأمة خاصة وعلى الناس عامة الكتاب الحكيم، إنزال هذا القرآن العظيم الذي امتن الله جل وعلا بإنزاله على الناس أجمعين، فإن الله أنزل هذا الكتاب خاتمةً للكتب، وجعله حجةً على الخلق، فهو أعظم آيات الأنبياء، وأعظم ما جاءت به الأنبياء؛ لأنه المعجزة العظيمة الباقية التي لا يحد أثرها زمان ولا مكان، بل هي آية ما تعاقب الليل والنهار، حتى إذا حيل بين الناس وبين القبول، وصرفت قلوبهم عن الإقبال على الكتاب، وتعطل الانتفاع به؛ فإن الله جل وعلا يرفعه، وذلك في آخر الزمان، فإن من تعظيم الله لكتابه وحينئذٍ أن يرفعه من المصاحف والصدور. أيها الإخوة الكرام! بشر الله جل وعلا الناس عامة بإنزال هذا الكتاب الحكيم، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس:٥٧]، ثم قال بعد هذه البشارة والبيان لما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨] هذه البشارة -أيها المؤمنون- تلقاها رسول الله ﷺ بالفرح، فكان فرحاً بكتاب الله جل وعلا، فرحاً بنعمه ، وما خصه الله به من هذا الفضل العظيم، وفرحت به الأمة من صحابة رسول الله ﷺ ، فكان هذا الكتاب من أعظم النعم عليهم، وكان انقطاع الوحي بموت النبي ﷺ من أعظم ما أصيبوا به؛ لما في ذلك من انقطاع المدد من السماء، وانقطاع هذا الخير. هذا الكتاب فرح به التابعون ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين؛ لما فيه من الأوصاف العظيمة التي تكفل للناس سعادة الدارين، سعادة الدنيا وفوز الآخرة، فإن هذا الكتاب لا يقتصر نفعه على دار القرار -الدار الآخرة- بل يجني المؤمن ثماره في الدنيا قبل الآخرة، فهو الكتاب الذي تصلح به أمور الناس، وتستقيم به أحوالهم في الدنيا وفي الآخرة؛ ولذلك بشر الله به الناس عامة، فهو رحمة وهدى وشفاء، قال الله جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢] وإنما خص المؤمنين بهذا؛ لكونهم المنتفعين من هذا القرآن، وإلا فإن القرآن رحمة لكل أحد، ففيه الهدى والنور، وفيه ترتيب شئون حياة الناس، وإصلاح دنياهم وآخرتهم؛ ولذلك فإن هذا الكتاب بهر عقول كثير من الناس حتى الذين لم يؤمنوا به، فإن ما فيه من البيان، وما فيه من الاعجاز، وما فيه من الأسرار التي لا يحيط بها عقل، ولا يدركها بيان، ولا يحيط بوصفها لسان؛ أمر يفوق الوصف، أمر يتجاوز التصور؛ وذلك لأنه كلام رب العالمين، والله جل وعلا قد قال في محكم التنزيل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فليس كمثل ربنا شيء: لا في صفاته، ولا في ذاته، ولا في أفعاله، ولا فيما يجب له . ومن جملة ما وصف الله به نفسه الكلام، فكلام الرب جل وعلا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١]، كما أن صفاته ليس كمثلها شيء، وكما أن سائر ما يتعلق به جل وعلا ليس له نظير.

стр. 15

فرح السلف بالقرآن أيها الإخوة الكرام! هذا الكتاب -كما ذكرت لكم- فرح به السلف فرحاً عظيماً، وأقبلوا عليه، ولم يشبعوا من تلاوته، ولا من قراءته، ففي أحوالهم وأمورهم وما نقل عنهم مما ذكرته كتب السير من أعمالهم ما يتبين به عظيم فرحهم بهذا الكتاب، وعظيم إقبالهم عليه، وعظيم ما كانوا عليه من تعظيم لهذا الكتاب العظيم.

стр. 16

من هم السلف الصالح ؟ إن السلف الصالح هم الصحابة بالدرجة الأولى، فهم الذين شهدوا التنزيل، وأخذوا عن النبي ﷺ بلا واسطة، وهم الذين اصطفاهم الله جل وعلا وخصهم بأن جعلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هؤلاء هم السلف في الدرجة الأولى، ويليهم في الفضل من أثبت لهم الفضل رسول الله ﷺ حيث قال: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فالتابعون وتابعوهم يدخلون في مسمى السلف؛ لأنهم مِن من أثبت لهم النبي ﷺ الخيرية على سائر قرون الأمة.

стр. 17

الخيرية في هذه الأمة عامة أيها الإخوة الكرام! إن الخيرية في هذه الأمة لا يحصرها مكان ولا زمان، بل هي باقية، فالله جل وعلا قد أثبت الخيرية لمن اتبع المهاجرين والأنصار بإحسان، فقال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]، فاتباع سلف الأمة بإحسان ينظمك في سلكهم، ويضمك إلى حزبهم، ولو لم تكن معهم في زمانهم، ولو افترقت عنهم في مكانهم، فإنك تشاركهم في الفضائل إذا وافقتهم في الأعمال.

стр. 18

تعظيم الله لكتابه أيها الإخوة الكرام! إن الله جل وعلا بين شأن القرآن ووصفه بنفسه، وكفى ببيان الله بياناً، وكفى بوصفه وصفاً، فهو الحكيم الخبير العليم الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يبلغ الخلق -مهما أوتوا ومهما اجتمعوا- في وصف الكتاب ما وصف الله جل وعلا كتابه، قال الله جل وعلا في وصف كتابه: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ [ق:١] فوصفه الله بالمجد، والمجد في لغة العرب: السعة في أوصاف الكمال، فكل ما اتسع في أوصاف الكمال أثبت له هذا الوصف، وأطلق عليه هذا اللفظ، فالمجيد هو: الذي كمل في صفاته، واتسع في صفات الكمال والشرف، حتى بلغ منتهاها وبلغ غايتها، كيف لا وهو الروح؟ كيف لا وهو النور؟ كيف لا وهو الهدى؟ كيف لا وهو شفاء لما في الصدور؟ قال الله جل وعلا: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء:٨٢]، وقوله : (من القرآن) (من) هنا ليست للتبعيض، بل هي لبيان الجنس، أي: إن كل القرآن شفاء لما في الصدور، ويشفي -أيضاً- من الأمراض الحسية، ويشفي -في الأصل والأساس وفي الدرجة الأولى- من أمراض القلوب، من أمراض الشبهات من أمراض الشهوات.

стр. 19

تعامل الصحابة مع القرآن أيها الإخوة! إن سلف الأمة أقبلوا على هذا القرآن، وإن وقفةً مع بعض أحوالهم تبين لنا ما كانوا عليه ﵏ من حسن التعامل مع هذا القرآن، وليس عجباً؛ فإن السلف الذين نتندر بما كانوا عليه من الفضائل، ونتعجب مما كانوا عليه من السبق، كانوا ﵃ بهذه المنزلة، وبلغوا هذه المرتبة بما ارتسموه من كلام الله جل وعلا وتوجيه رسوله ﷺ . فهذه الأمة التي هي: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] إنما خرجت من بين دفتي المصحف الكريم، من بين هذا القرآن الحكيم، خرجت على ضوء توجيهات هذه الآيات المبينات، وهذا القرآن العظيم، قال الله جل وعلا في وصف هذه الأمة -وأول من يدخل فيها الصحابة ﵃: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وإنما كانت هذه الأمة على هذه الصفة وعلى هذا النحو بتمسكها بالقرآن الكريم، ولا عجب بعد هذا أن تنقل السير والسنن والكتب والدواوين عن أصحاب رسول الله ﷺ وعن التابعين وتابعيهم العجائب في التعامل مع القرآن الحكيم.

стр. 20

النموذج الأول في تعامل الصحابة مع القرآن إن وقفة مع بعض ما حفظته السنة من تعامل الصحابة وتلقيهم الحي للقرآن العظيم يعجب منه الإنسان، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (نزل على رسول الله ﷺ قول الله جل وعلا: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤]) هذه الآية يحفظها كثير منا، ويقرؤها كثير منا، لكنها لا تستوقف أكثرنا؛ وذلك لأننا نقرأ القرآن لا على وجه التلقي لما فيه من المعالم، وإنما نقرأ القرآن طلباً للأجر بقراءة لفظه دون نظر إلى ما تضمنه من المعنى، صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أنزل الله جل وعلا على رسوله ﷺ هذه الآية التي فيها إثبات الملك لله ، إثبات ما في السموات وما في الأرض له ، وأنه جل وعلا يحاسب الناس على ما دار في صدورهم ونفوسهم، ولو لم يتكلموا به ولو لم يعملوا، فصحابة رسول الله ﷺ لما سمعوا هذا اشتد عليهم الأمر، فأتوا إلى رسول الله ﷺ -كما في الصحيحين- ثم بركوا على الركب -أي: جلسوا على الركب من شدة ما جاءهم في هذه الآية- فقالوا: يا رسول الله! كلفنا من العمل ما نطيق: الصلاة الصيام الجهاد الصدقة -أي: كل هذا نطيقه- وقد نزلت علينا آية لا نطيقها، فقال رسول الله ﷺ -مؤدباً ومعلماً لهم كيف يتلقون القرآن، وكيف يتلقون كلام رب العالمين: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟! قولوا: سمعنا وأطعنا)، فما كان منهم ﵃ إلا أن انقادوا إلى توجيه النبي ﷺ : ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم، وتكلموا بها وقرءوها، وقبلوها قبولاً تاماً؛ جاء التخفيف من رب العالمين، وجاء الفرج من الله جل وعلا الذي قال: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء:١٤٧] ((مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ)) أي: بإلحاق المشقة بكم: ((إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ))، جاء الفرج من الله جل وعلا لهذه الأمة، ونزل في كتاب الله جل وعلا تزكيتها، وبيان فضل صحابة رسول الله ﷺ ؛ فقال الله جل وعلا: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٥ - ٢٨٦] فجاء التخفيف من رب العالمين بعد إثبات إيمانهم وقبولهم لما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ . أيها الإخوة! الشاهد من هذه القصة ومن هذا الحديث أن الصحابة ﵃ لم يكونوا يتقبلون القرآن ويتلقونه على أنه شيء يتلى، وتستنبط منه الأحكام، ويعرف ما فيه من المعاني فقط، بل قرءوه ﵃ على أنهم هم المخاطبون، وهم المعنيون بما فيه من المعاني؛ ولذلك شق عليهم، فراجعوا رسول الله ﷺ في الذي شق عليهم من هذا القرآن، وهذه القصة ليست الفريدة، وليست الوحيدة التي حفظتها كتب السنة من أفعال الصحابة ﵃ عندما أنزل الله جل وعلا ما وجدوا فيه مشقة وعسراً وصعوبة.

стр. 21

النموذج الثاني في تعامل الصحابة مع القرآن في الصحيحين من حديث ابن مسعود ﵁ قال: (إن الله جل وعلا لما أنزل على رسوله ﷺ : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢]) وهذه الآية فيها البشارة من الله جل وعلا لمن آمن وسلم من أن يخلط إيمانه بظلم، فقوله تعالى: ﴿َولَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] أي: لم يخلطوه بظلم، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] لهم الأمن في الدنيا والآخرة، وهم مهتدون أيضاً في الدنيا والآخرة؛ لأن الهداية المسئولة والمثبتة لأهل الإيمان ليست فقط في الدنيا بل الهداية في الدنيا والآخرة، وهداية الآخرة أعظم من هداية الدنيا، لكنها لا تكون إلا لمن اهتدى في الدنيا؛ لأن هداية الآخرة بها النجاة من أهوال ذلك الموقف العظيم الذي تشيب فيه الوالدان ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] ففي ذلك اليوم يحتاج الإنسان إلى هداية يخرج بها من تلك الأهوال، وينجو بها من تلك المزالق، ويجوز بها الصراط، فإنه لو لم يهده الله جل وعلا إلى اجتياز الصراط ما اجتاز، وما تمكن من السلامة من صراط ورد في وصفه: (أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف). أيها الإخوة! إن صحابة رسول الله صلى الله وعليه وسلم لما نزلت عليهم هذه الآية أتوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -وقد شق عليهم الأمر- (فقالوا: يا رسول الله! أينا لم يظلم نفسه؟!) يعني: مَنْ منا لم يقع في الظلم؟! كلنا واقع في الظلم، وهذه الآية تدل على عدم حصول الأمن والاهتداء إلا بالإيمان الذي لم يخلط فيه الإنسان ظلماً، فشرط حصول الأمن والاهتداء ألا يقع الإنسان في الظلم، ففهم الصحابة أن هذا يشمل كل ظلم: الدقيق والجليل، الصغير والكبير، الشرك فما دونه، فجاءوا إلى النبي ﷺ فشكوا إليه؛ لأنه لا سلامة من الظلم، بل كل إنسان ظالم كما قال النبي ﷺ : (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، وكما قال الله جل وعلا -قبل ذلك- في شأن الإنسان: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] حيث حمل الأمانة وقد أعرضت عن حملها السموات، والأرض، والجبال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، وهذا الوصف لا يختص بفرد من الناس، ولا بجنس منهم، بل هو لعموم الناس، فكلهم ظالم جهول، ولا يسلم الإنسان من هذين الوصفين إلا بالاهتداء بكتاب الله وما جاءت به الرسل عن الله . أيها الإخوة الكرام! لما جاء الصحابة ﵃ إلى النبي ﷺ يشكون ما في هذه الآية من مشقة قال لهم: (ليس الذي تظنون -أي: ليس الظلم هو الذي ذهبتم إليه- إنما هو الشرك، كما قال الله جل وعلا في وصية لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣])، فالظلم الذي في الآية هو الشرك، فهان الأمر على الصحابة ﵃. والشاهد -أيها الإخوة- أن الصحابة ﵃ لم يتلقوا القرآن تلقياً بارداً، بل تلقوه للعمل، وأخذوا به على أنهم هم المعنيون، يقول ابن مسعود ﵁: إذا سمعت الله جل وعلا يقول في كتابه: (يا أيها الذين آمنوا) فأرعها سمعك -يعني: أصغ إليها، وأعطها أذنك- فهي إما خير تؤمر به، أو شر تنهى عنه. وهذا لكونهم أخذوا القرآن للتلقي والعمل، وأن كل ما فيه خطاب لكل من سمعه، وخطاب لكل من بلغه، وليس المخاطب به قوم مضوا ولم يبق لنا منه إلا أن نتعبد ونتقرب إلى الله جل وعلا بما فيه من الألفاظ، وما فيه من الكلام الذي جرد عن معناه، ولم يقصد ما تضمنه، لا؛ بل إن الصحابة ﵃ ضربوا في هذا أمثلة رائعة، وانقادوا لما في كتاب الله جل وعلا انقياداً تاماً، فهذا أبو بكر ﵁ تتهم ابنته عائشة في عرضها! ويبرأها الله جل علا في سورة النور في قصة الإفك، وتبين أن من جملة من رمى عائشة وتكلم فيها: مسطح بن أثاثة، وهو قريب لـ أبي بكر ﵁، وكان أبو بكر يصله ويعينه، وكان فقيراً، ثم لما تبين الأمر وتبينت براءة عائشة ﵂ حلف ألا يصله -بعد أن فعل ما فعل- شيئاً من عطاياه، فأنزل الله جل وعلا قوله : ﴿أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:٢٢] فقال أبو بكر ﵁: بلى بلى، فانتهى عن الامتناع مما جرت به يده ﵁ من الصدقة والإحسان على مسطح بسبب ما كان منه من إساءة لـ عائشة رضي الله عن الجميع.

стр. 22

السلف وقراءة القرآن أيها المؤمنون! إن الصحابة ﵃ تعاملوا مع القرآن تعاملاً عظيماً، وليس هذا في جانب التلقي فقط، بل فاقوا الأمة في جوانب عديدة، من ذلك قراءتهم للقرآن، فإن الصحابة ﵃ لازموا قراءة القرآن، فكان أحدهم يلقى أخاه في الطريق فيقول: اجلس بنا نؤمن ساعة، فيقرأ أحدهم على الآخر سورة العصر، وثبت عنهم ﵃ أنهم كانوا إذا اجتمعوا جعلوا أحدهم يقرأ، والبقية يستمعون للقرآن، فالقرآن كان مخالطاً لحياتهم: في قلوبهم في مجالسهم في تذكرتهم وموعظتهم، فالقرآن دخل معهم في كل أمر، وكانوا ﵃ مقبلين عليه مشتغلين به عن غيره؛ فلذلك فاقوا غيرهم في الفقه في العمل في الجهاد فيما كتب الله على أيديهم من النصر، كل ذلك بسبب ما كانوا عليه ﵃ من تعهد القرآن، والإقبال عليه، والأخذ به، والاستكثار منه. إن الصحابة ﵃ كانوا يكثرون من قراءة القرآن في مجالسهم في طرقهم في كل شأنهم، فهذا عثمان ﵁ كان ليلة مقتله تالياً لكتاب الله جل وعلا، حتى ذكر أن الذي قتله -عليه من الله ما يستحق- قتله وكان في يديه كتاب الله جل وعلا. أيها الإخوة الكرام! سار السلف الصالح: التابعون ومن بعدهم على منوال أولئك في قراءة الكتاب الحكيم، وفي الأخذ به ﵃، فهذا عفان يقول: قد رأيت من هو أعبد من حماد بن سلمة، لكن ما رأيت أشد مواظبةً على الخير وقراءة القرآن والعمل لله تعالى منه ﵁. وقال آخر: ما رأيت أحسن انتزاعاً لما أراد من آي القرآن من أبي سهيل بن زياد، وكان جارنا، وكان يديم صلاة الليل والتلاوة، فلكثرة درسه صار القرآن كأنه بين عينيه. يعني: في الاستشهاد والاستفادة مما في هذا القرآن من الأحكام، ويقول آخر في وصف ما كان عليه مالك بن أنس إمام دار الهجرة: قيل لأخت مالك بن أنس: ما كان شغل مالك بن أنس في بيته؟ -بماذا يشتغل في بيته؟ وماذا كان يعمل في بيته؟ - قالت: المصحف والتلاوة. هذا شغل الإمام مالك ﵀ في بيته، المصحف والتلاوة. والآثار في ذلك كثيرة، ومن العجيب! أن بعض السلف كان إذا اجتمع إليه أصحابه أوصاهم عند التفرق بألا يجتمعوا في سيرهم، بل يمشي كل واحد منهم بمفرده، قال لهم: إذا خرجتم من عندي فتفرقوا؛ لعل أحدكم يقرأ القرآن في طريقه، ومتى اجتمعتم تحدثتم فانشغلتم عن القرآن.

стр. 23

السلف وتعلم القرآن السلف ﵏ من الصحابة ومن بعدهم كان أحدهم يمكث في تعلم السورة من القرآن السنين الطويلة، فـ ابن عمر ﵁ مكث في تعلم سورة البقرة ثمان سنين، وقيل: مكث اثنتي عشرة سنة، قال أبو عبد الرحمن السلمي: كان الذين يقرئوننا القرآن من صحابة رسول الله ﷺ : عثمان وأبي بن كعب وغيرهما يقولون: كنا على عهد النبي ﷺ لا نتجاوز العشر آيات حتى نعرف ما فيها من العلم والعمل، فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً. هكذا كان صحابة رسول الله ﷺ ﵃، ابن مسعود يقول: (كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن). وروى مالك أن ابن عمر ﵁ تعلم البقرة في اثنتي عشرة سنة، فلما ختمها نحر جزوراً ﵁، وهذه المدة الطويلة ليست فقط لحفظ ذلك وضبطه من جهة اللفظ، بل إن المظنون فيهم ﵃ أنهم أسرع حفظاً من المتأخرين، لكنهم كانوا يتفقهون، وينظرون إلى ما تضمنه هذا الوحي من الخير العظيم، الذي به حصل لهم الفقه، فكلامهم ﵃ قليل لكنه كثير البركة؛ لأنه نابع عن فقه ونظر دقيق، أما كلام المتأخرين فهو كثير لكنه قليل البركة.

стр. 24

قيام الليل بآية واحدة أيها الإخوة الكرام! إن بعض الصحابة ﵃ كان يقوم الليل بآية واحدة، وقد ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أبي ذر فإنه قال: (قام النبي صلى الله عليه سلم بآية يرددها حتى أصبح، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]) هذه الآية قام النبي ﷺ ليلة تامة في ترديدها وقراءتها، وورد ذلك عن جمع من الصحابة، فعن تميم الداري ﵁ أنه كرر قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الجاثية:٢١] ردد هذه الآية حتى أصبح، وورد أيضاً عن أسماء ﵂: أنها قرأت قول الله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] فوقفت ﵂ عندها، فجعلت تعيدها وتدعو، قال الراوي: فطال عليّ ذلك فذهبت إلى السوق، فقضيت حاجتي، ثم رجعت وهي تعيدها وتدعو ﵂، هذا هو التدبر للقرآن! فالتكرار لآيات القرآن ليس تكراراً لطلب الأجر بقراءة الأحرف، إنما هو لطلب ما فيها من المعاني، وطلب ما فيها من الخير، وورد أن ابن مسعود ﵁ ردد قول الله تعالى: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، وورد عن سعيد بن جبير ﵀ أنه ردد قول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]، وورد ذلك عن جمع من الصحابة والتابعين ﵃. والترديد للآية ليس أمراً مشروعاً في الفرائض؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يفعل ذلك ولم ينقل عنه، إنما هو في النوافل كما جاء ذلك في حديث أبي ذر الذي رواه النسائي وغيره، وهذا الترداد للآيات دليل على أن الصحابة ﵃ كانوا يتدبرون القرآن؛ لأن الترداد والتكرار لهذه الآية إنما هو للنظر في معانيها.

стр. 25

من سمات السلف قراءة الألفاظ وتدبر المعاني هكذا كان السلف ﵏ في قراءتهم للقرآن، وإقبالهم عليه، وحرصهم على تلاوته، ولكن هذه التلاوة لم تكن مجرد قراءة للألفاظ، فإن الله أثنى على الذين يتلون الكتاب ثناء حسناً، ولكنه أيضاً ذم قوماً يقرءون الكتاب لكنهم لا يفقهون ما تضمنه الكتاب من التوجيه، فقال الله جل وعلا في وصف طائفة من بني إسرائيل: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] يعني: إلا قراءة، فليس عندهم من معرفة كتاب الله من نصيبٍ، ولا من الكتاب إلا مجرد التلاوة، فليس عندهم فقه ولا معرفة ولا فهم للمعنى ولا تدبر؛ ولذلك حث الله جل وعلا في كتابه على النظر في الآيات، ومن جملة تلك الآيات التي تضمنها الكتاب الحكيم قوله جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، فهذا الكتاب أنزله الله جل وعلا ووصفه بأنه مبارك، ثم بين الطريق الذي تحصل به بركة هذا الكتاب، والطريق الذي تنال به خيرات هذا الكتاب فقال : ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] أي: ليحصل لهم التدبر، ولا سبيل لتحصيل بركة الكتاب إلا بهذا. وقد أمر الله جل وعلا رسوله ﷺ في أول البعثة بقيام الليل، فقال الله جل وعلا لرسوله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٤] أي: رتله في قراءته ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا * إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٤ - ٥] وهو القرآن، فالقرآن قول ثقيل يحتاج إلى تهيئة ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا * إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٥ - ٦]، أمره بقيام الليل وعلل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [المزمل:٦] يعني: يتفق فيها قول اللسان مع تدبر القلب ونظره وتأمله وتفكره، وناشئة الليل قيل في تفسيرها: أوقات الليل، وقيل: عمل الليل، وكلا القولين يؤيد ما استشهدنا به من أن النبي ﷺ أمره الله بما أمره، ووجهه إلى أن يكون ذلك في الليل قياماً؛ لكونه أدعى لمواطأة القلب للسان بالتدبر، وقد امتثل رسول الله ﷺ توجيه الله جل وعلا وأمره، ففي صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان ﵁ قال: (صليت مع رسول الله ﷺ ليلةً فقرأ: البقرة وآل عمران والنساء في ركعة!) كل هذا في ركعة في ليلة، وما هي صفة هذه القراءة؟ هل هي قراءة الهذ والنثر التي لا يعقل معها معنى، ولا يعرف معها مقصود؟! لا والله، يقول حذيفة ﵁ في وصف قراءته ﷺ : (وكان إذا مر بآية فيها تسبيح سبّح، أو سؤال سأل، أو تعوذ تعوذ) هكذا كانت قراءة رسول الله ﷺ : قراءة تدبر ونظر وتفكر، ليست قراءة هذٍ كما قال ابن مسعود ﵁ في وصف القراءة التي ينبغي أن يكون عليه المؤمن، قال: (لا تنثروه نثر الدقل، ولا تهذوه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب). هذا القرآن فيه من العجائب والأسرار ما لا ينفتح للذي يقرؤه قراءةً لا تدبر فيها ولا نظر، فإن الله جل وعلا يمنع من امتهن القرآن ولم يعطه حقه من أن يقف على أسراره وعجائبه.

стр. 26

مشروعية البكاء عند قراءة القرآن كان الصحابة ﵃ يكثرون البكاء عند آيات الكتاب، ولا عجب فقد رءوا ذلك من رسولهم ﷺ ، وقبل ذلك فإن الله جل وعلا أثنى في كتابه على الأنبياء وعلى أولي العلم الذين يخرون للأذقان سجداً يبكون مما في هذا الكتاب من المواعظ، قال الله جل وعلا في وصف جماعة من الأنبياء: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، وانظر إلى قوله: (خروا) فإنه يدل ويشعر بالمسارعة إلى السجود، وأن سجودهم سجود ذل وخضوع وانكسار وتضرع، ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨]، وأيضاً أخبر الله جل وعلا عن قوم من أهل الكتاب فقال : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة:٨٣]، فشواهد ثناء الله جل وعلا على الباكين عند تلاوة القرآن كثيرة، وهي من الفضائل التي امتدح الله بها من امتدح من النبيين، وأولي العلم، ومَنْ تعقلوا وتدبروا ما في هذا الكتاب من الحكم، ولذلك كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أعظم الخلق نصيباً في ذلك، ففي حديث عبد الله بن الشخير قال: (رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا -أي: يصلي بالصحابة- وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء) والأزيز: هو الحركة والحنين الناتج عن التدبر والتأثر بالقرآن الحكيم، وقد صح عن النبي ﷺ في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أن النبي ﷺ قال له: (اقرأ عليَّ، فقال عبد الله ﵁: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال النبي ﷺ : فإني أحب أن أسمعه من غيري، يقول: فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت قول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] فقال له رسول الله ﷺ : أمسك، فإذا عيناه تذرفان) فبكى ﷺ الله عليه وسلم متأثراً بالقرآن. هذان مثالان فقط، وإلا فإن البكاء من هديه ﷺ ، فإنه كان كثير البكاء والتأثر بالقرآن؛ لما تضمنه من الحكم والعبر والآيات.

стр. 27

نماذج من بكاء الصحابة عند قراءة القرآن وقد سار على ذلك صحابة رسول الله ﷺ ، فـ أبو بكر الصديق ﵁ عند أن كانوا بمكة بنى مسجداً بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فتتقصف عليه نساء المشركين -أي: تجتمع- وأبناؤهم يتعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر ﵁ رجلاً بكاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، وهذا ليس خاصاً بـ أبي بكر ﵁، بل إن عمر ﵁ -مع ما عرف به من الشدة والقوة- كان بكاءً، يقول من روى من أصحاب السير: إن عمر ﵁ صلى بالجماعة الصبح، فقرأ سورة يوسف فبكى حتى سالت دموعه على ترقوته. وفي رواية: كان في صلاة العشاء، أي: كان يقرأ ذلك في صلاة العشاء، فهذا يدل على كثرة تكراره لهذه السورة، وأنه ﵁ كثير البكاء، ويقول: عبد الله بن شداد بن الهاد: سمعت نشيج عمر بن الخطاب وأنا في آخر الصفوف في صلاة الصبح يقرأ في سورة يوسف: ﴿إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف:٨٦]. أيها الإخوة! إن الآثار عن الصحابة ﵃ ومن بعدهم في البكاء والتأثر بتلاوة القرآن عديدة وكثيرة، لكن هذه وقفة مع حال السلف في التأثر والبكاء عند قراءة القرآن.

стр. 28

أنواع البكاء البكاء نوعان: النوع الأول: يأتي بلا طلب، وبدون تكلف، وهو ما يكون من تأثر طبيعي لا يطلبه الإنسان، وإنما هو ناتج عن تدبره وتأمله لما في هذه الآيات من الترغيب أو الترهيب، أو عظيم صنع الله جل وعلا، أو عظيم وصفه، وهذا هو الذي كان عليه السلف ﵃، وهو دال على سلامة القلب ولينه وصحته وحياته. النوع الثاني: هو البكاء الذي يكون بطلب، فينظر الإنسان ويحث نفسه على النظر في معاني الكتاب؛ ليتأثر، ومنه قول عمر ﵁ لنبي الله ﷺ وأبي بكر لما رآهما يبكيان فقال لهما ﵁: (يا رسول الله! أخبرني ما يبكيك وصاحبك، فإن وجدت بكاءًَ بكيت معكما، وإن لم أجد تباكيت)، وليس المقصود أنه يتكلف البكاء، وإنما يطلب أسباب البكاء التي من أجلها حصل للنبي ﷺ وأبي بكر، وعليه يحمل قول النبي ﷺ : (إن هذا القرآن نزل في حزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا) فهذا الحديث يدل على مشروعية التباكي، لكنه التباكي الذي ليس فيه تكلف، وليس فيه طلب رياء ولا سمعة، إنما فيه طلب التأثر بالكتاب، وإذا كان القلب قد منعه مانع، أو عرض وحال دون حصول البكاء منه حائل، فينبغي لنا أن نطهر قلوبنا، وأن نطيبها؛ ليحصل لها التأثر بالقرآن دون تكلف.

стр. 29

تأثر السلف بالقرآن إن التدبر والبكاء المطلوب ليس آنياً محصوراً في وقت القراءة، ولا يثمر أثراً، ولا تحصل به ثمرة بعد القراءة، بل إن الصحابة ﵃ كانوا يتأثرون تأثراً ممتداً غير منقطع؛ ولذلك كانت أعمالهم ﵃ على خير حال، وعلى خير مطلوب؛ لأن تأثرهم بالقرآن أثمر في حياتهم ﵃. والواقع في حياة الناس اليوم أنك تجد في بعض الصلوات من يبكي عند قراءة القرآن بكاءً خاشعاً، إلا أن هذا لا يتجاوز حدود المسجد الذي حصل فيه التأثر، وحصل فيه البكاء، فليس لهذا البكاء أثر في العمل، ولا أثر في السلوك، ولا أثر في الأخلاق، ولا أثر في ترك المعصية، ولا أثر في الإقبال على الطاعة، ولا شك أن هذا قصور وتقصير فيما ينبغي أن يكون عليه المسلم المتأثر بالقرآن، قال الله جل وعلا في بيان أثر القرآن على من اتبعه وأخذ به: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ [طه:١٢٣]، لا يضل في عمله، ولا يشقى في مآله، ولا في حاله، فهو سالم من الضلال، وسالم من الشقاء.

стр. 30

عمل الصحابة بالقرآن وكان الصحابة إذا نزلت الآية تلقوها على الوصف السابق، ثم كان العمل، وإذا عاتبهم الله جل وعلا في شيء حصل منهم الانزجار، كما قال الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦]، فكان الصحابة ﵃ يعاتبون بالقرآن فيحصل منهم الاستعتاب، تحصل منهم المراجعة، يحصل منهم إصلاح الخطاء، وإذا نزلت بهم مصيبة، أو نزلت بهم هزيمة كما جرى في أحد، وطلبوا السبب؛ جاءهم الجواب، فقد قالوا في غزوة أحد: أنى هذا؟! أي: من أين أوتينا؟ فقال الله جل وعلا في بيان ذلك: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، فالقرآن في حياة الصحابة يختلف عنه تماماً في حياة غيرهم؛ ولذلك تميزوا عن غيرهم تميزاً سابقاً واضحاً، فلا يلحق مقامهم أحد، ولا يدرك شرفهم أحد ﵃، ولكن كل من سلك سبيلهم مِن من اتبعهم بإحسان وسار على طريقهم فإنه يحصل على مثل ما حصلوا عليه من الفضل والخير أو قريباً منه. الصحابة ﵃ اقتدوا بالنبي ﷺ في قراءة القرآن وفي تلاوته وفي العمل به وفي جعله منهجاً للحياة، وفي الصحيح أن عائشة ﵂ سئلت عن خلق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما خلقه؟ -فقالت للذي سألها مستغربة ومنبهة-: أولست تقرأ القرآن؟ قال: بلى)، فقالت جملة مختصرة تجمل مسلك النبي ﷺ وهديه وخلقه، فقالت: (كان خلقه القرآن) يعمل به في نهاره، ويقوم به في ليله، فهو قائم به، عامل به آناء الليل وآناء النهار، لا يتركه لحظة من اللحظات، بل كان يترجم القرآن ويبينه للناس بقوله وعمله وسائر شأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والصحابة ﵃ ساروا على هذا المنوال، فكانوا ينظرون إلى القرآن في كل أفعالهم وفي كل أعمالهم، ولذلك لما سئل ابن عمر ﵁ عن مسألة من مسائل الحج قال لهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]، ولما طلبوه عن دليل فعل من الأفعال لم يجبهم بأن النبي ﷺ فعل أو ترك، وإنما لفت أنظارهم إلى الدليل الأكبر الذي فيه الحث على الالتزام بكل فعلٍ فعله ﷺ وكل قول قاله، فقال لهم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١].

стр. 31

ما ينبغي أن يكون عليه حامل القرآن ينبغي أن يكون هناك أثر للقرآن عند قارئه وسامعه، في سلوكه وخلقه، قال ابن مسعود ﵁: ينبغي لحامل القرآن -وليس هذا في حق الحفاظ فقط، بل هو لكل حامل له ولو حمل منه شيئاً يسيراً- أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبصمته إذا الناس يخلطون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي أن يكون باكياً محزوناً حكيماً عليماً ساكناً، ولا يكون جافياً ولا غافلاً ولا صاخباً ولا صيّاحاً ولا حديداً -أي: ولا شديداً- في مطالبة الخلق ومعاملتهم. وقد ورد مثل هذا التوجيه -وبيان أثر القرآن على حامله وعلى القارئ له- في عدة أقوال من أقوال الصحابة ﵃، منها ما ورد عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (يا حملة القرآن! -أو قال: يا حملة العلم! - اعملوا به، فإنما العالم من عمل بما علم، ووافق علمه عمله، وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم). أي: لا يجاوز حناجرهم، بل هو مجرد قول على اللسان ليس له أثر في القلب، ولا شك أن هذا الحاجز وهذا المانع يمنع من التأثر بالقرآن والانتفاع به. أيها الإخوة الكرام! إن القرآن نزل معالجاً لأمراض ووقائع كانت في زمن الصحابة ﵃؛ ولذلك كانوا يرقبون ويخافون أن ينزل شيء من القرآن يبين شيئاً من عوراتهم، أو يكشف شيئاً مما يكرهونه، أو يكون سبباً لهلاك بعضهم، فكانوا ﵃ على غاية الحذر والوجل عند نزول القرآن وتلقيه؛ ولذلك كانت أحوالهم مستقيمة ﵃.

стр. 32

منزلة القرآن عند السلف كانت منزلة القرآن عند السلف عظيمة، وعلومه مقدمة على سائر العلوم؛ ولذلك كانوا لا يشتغلون عن القرآن بشاغل، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه منع من كتابة الحديث، حتى استقر الأمر، وميز القرآن عن غيره، وحفظ القرآن عن غيره، وقيل: إن منع النبي ﷺ عن كتابة غير القرآن في وقته ﷺ إنما كان ليتميز القرآن عن غيره، ولئلا يشتغل الناس بغير القرآن، حتى بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد تنبه الصحابة إلى هذا الأمر فكان القرآن عندهم في الدرجة الأولى، حتى إنهم كانوا يقولون: إذا حفظ الرجل سورة البقرة جد عندنا. أي: عظم وارتفع قدره، وكان له من المنزلة ما ليس لغيره؛ لأنها السورة التي تضمنت الأحكام الكثيرة، والأوصاف العظيمة لرب العالمين، ففيها آية الكرسي التي هي أعظم آية في كتاب الله جل وعلا. فالصحابة ﵃ كانوا لا يعدلون بالقرآن شيئاً، والناظر في أحوال كثيرٍ مِن من يشتغلون بالعلم في هذه الأزمنة يجدهم عن القرآن معرضين، والإعراض ليس إعراض هجر وبعد، وإنما هو إعراض ترتيب في أولويات طالب العلم، إن أولى وأعظم ما اشتغل به من أراد العلم أن يشتغل بالقرآن العظيم حفظاً وتلاوةً وتدبراً وفهماً للمعنى، وإقبالاً على ما قاله أهل العلم في هذا الكتاب الحكيم، وقد سار على هذا السلف الصالح، فكانوا يقدمون القرآن على كل شيء. استمع إلى ما جرى لـ ابن خزيمة ﵀ وهو الملقب بإمام الأئمة، يقول ابن خزيمة: استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة -ليتلقى عنه- فقال: اقرأ القرآن أولاً حتى آذن لك، فاستظهرت القرآن -أي: حفظته- فقال: أمسك حتى تصلي بالختمة -يعني: حتى تصلي بنا وتختم القرآن- يقول: ففعلت، فلما عيدنا -أي: انتهى رمضان- وختمت بهم القرآن أذن لي، فخرجت إلى مرو -ليطلب هذا المحدث ليتلقى عنه- وسمعت بمرو من فلان وفلان فنعي إلينا قتيبة -أي: أنه لم يدركه ولم يتلق عنه-. والشاهد من هذا: أن السلف ﵏، ومن سلك سبيلهم وسار على طريقهم، كانوا يجعلون القرآن في المرتبة الأولى في التعلم، وحال الناس اليوم أنهم يشتغلون بعلوم الآلة وبالعلوم الأخرى عن القرآن، فليس لهم نصيب من التفسير، وليس لهم نصيب من علم القرآن وما فيه من الأحكام، بل حتى الذين يشتغلون بالقرآن تفسيراً ليس لهم نصيب من القرآن في استنباط الأحكام، فالقرآن مشتمل على أحكام وحكم كثيرة تحتاج إلى استنباط، وتحتاج إلى نظر، ولا يمكن أن تستنبط ولا أن تحصّل ولا أن تدرك إلا بإمعان النظر والتأمل والقراءة في كلام العلماء، وجمع ما تفرق من كلام أهل العلم في آيات الكتاب الحكيم، فيحصل للإنسان الخير، ويحصل له الفقه بكتاب الله ، والمعرفة بالقرآن الحكيم.

стр. 33

خيرية هذه الأمة بتعلم القرآن إن النبي ﷺ قد أعطانا معياراً دقيقاً وميزاناً واضحاً في مسألة الخيرية، فقال ﷺ : (خيركم من تعلم القرآن وعلمه)، وهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -وهو الذي لا ينطق عن الهوى- في فضيلة تعلم القرآن وتعليمه، (خيركم) أي: خير هذه الأمة، (من تعلم القرآن) وليس التعلم هنا فقط تعلم الألفاظ، إنما هو تعلم اللفظ مع المعنى (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) فإقبال المرء على القرآن دليل واضح على خيريته، وله من الخيرية بقدر هذا الإقبال، فالذي يُقبل -فقط- على حفظ القرآن فيه من الخيرية ما يقابل الحفظ فقط، والذي يقبل على حفظه وفهم معناه، وتدبر واستنباط الحكم والأحكام منه، فهذا فيه من الخيرية ما ليس في غيره، ومن يقبل على هذا كله: حفظاً وفهماً وتدبراً ويعقب ذلك بالعمل فهذا فيه من الخير ما ليس في غيره، وهلم جراً، فبقدر أخذك للقرآن علماً وعملاً بقدر ما يكون معك من الخير، وبقدر ما يحصل لك الكمال إذا استكملت مراتب التعلم، ثم انتقلت إلى مراتب التعليم. فالتعليم للقرآن العظيم من خير الأعمال؛ لأنه به تحفظ الشريعة، وليس فقط -كما ذكرنا- التعليم للفظ بل التعليم للفظ والمعنى، والعجيب! أنك إذا نظرت إلى سير العلماء على اختلاف أزمانهم ودرجاتهم في العلم ونفعهم الأمة تجد أنهم في آخر أعمارهم يتحسرون أو يندمون على عدم الاشتغال بالقرآن، وودوا لو أنهم أعطوا القرآن من النظر والبحث والتأليف والقراءة ما لم يعطوه لغيره من العلوم؛ وذلك لما وجدوا في القرآن من الأثر والنفع والبقاء، فإن في القرآن من العلم ما ليس في غيره، ويكفي في ذلك قول الله جل وعلا: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٩]، وقد طلب الكفار من النبي ﷺ الآيات والمعجزات فجاءهم الجواب في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت:٥١]، فالكتاب أعظم آيات الأنبياء، وأعظم حجة، وأعظم برهان، لكنه حجة وبرهان لمن تدبره وتأمله وأقبل عليه. فالقرآن: (يرفع الله به أقواماً ويضع به آخرين) كما قال النبي ﷺ ، ولا أدل ولا أصدق من وقوع هذا الحديث في واقع الأمة، فقد رفع الله جل وعلا سلف الأمة لأخذهم القرآن، ورفع الله القرون المفضلة؛ لما كانوا عليه من الإقبال على هذا القرآن: قراءةً وعلماً وعملاً وتعليماً ودعوةً وغير ذلك من أوجه الانتفاع بالقرآن الحكيم.

стр. 34

نجاة الأمة من واقعها المؤلم إنما يكون بالرجوع إلى القرآن أيها الإخوة! إننا في هذه الأزمان المتأخرة التي بليت فيها الأمة بالمصائب والرزايا من عدة جهات: فيما يتعلق بعلاقتها بربها، وبعلاقتها مع الخلق، وعلاقتها مع دينها، فتحتاج الأمة إلى أن تراجع هذا الكتاب الذي قال فيه النبي ﷺ : (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبداً: كتاب الله) فالواجب على المسلمين أفراداً وجماعات أن يعودوا إلى هذا المعين الصافي، إلى هذا النبع الذي لا تنضب فوائده، ولا تنتهي عجائبه، ولا تنقضي أسراره، فإن أسباب النجاة فيه، فينبغي لنا أن نقبل على هذا الكتاب، ففيه القصص، وفيه العبرة، وفي العظة، وفيه التثبيت، وفيه الهداية، وفيه النور، فقد قال الله جل وعلا في وصفه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الشورى:٥٢]، فهذا القرآن نور وروح، وهذه الأوصاف تبعث الحياة في الفرد، كما أنها تبعث الحياة في الجماعة، وتبعث الحياة في الأمة، فإن الأمة إذا أقبلت على الكتاب بشرت بهذين الأمرين: بالروح والنور، فالروح تحصل به الحياة، والنور يحصل به التمييز بين الحق والباطل، والخروج من هذه الظلمات التي أحلكت بالأمة، وأحاطت بها من كل جانب، ولا مخرج لها إلا بالكتاب المبين، والقرآن العظيم، قال الله جل علا: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]. نسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يصلح أحوال المسلمين، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، فهم أهل الله؛ لإقبالهم على صفة من صفاته، وخاصته؛ لأنهم عظموا ما عظمه، وأقبلوا على كتابه. أسال الله جل وعلا أن يجعلنا مِمن تعلم القرآن وعلمه.

стр. 35

كن في الدنيا كأنك غريب الدنيا مزرعة للآخرة، خلقنا الله لعبادته فيها، وجعل فيهما الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، فطوبى لمن لم يغتر بهذه الدنيا الفانية، وسابق فيما يرفع درجاته في الآخرة الباقية.

стр. 36

نعمة طلب العلم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه، وأثني عليه الخير كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، بعثه الله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً، وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد، بالعلم والبيان، والسيف والسنان، حتى أتاه اليقين وهو على ذلك، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واتبع سنته بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فنحمد الله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نحمده سبحانه أولاً وأخراً، وظاهراً وباطناً، على ما أولانا من النعم، فنعم الله جل وعلا علينا تتراً أيها الإخوان، ألا وإن من أعظم النعم وأجل المنن وأكبر المنح؛ أن يوفق الإنسان إلى العلم النافع، إلى حضور حلق الذكر التي تحيى بها القلوب، وينشط بها إلى العمل الصالح، فنعمة الله على العبد بالتوفيق إلى الطاعة، وإلى طلب العلم، وإلى حضور حلق العلم؛ من أعظم ما يمن به على العبد ويوفق إليه، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقه في الدين)، والفقه في الدين الذي جعل النبي ﷺ حصوله للمرء دلالة على إرادة الخير به من الله ؛ هو معرفة قول الله وقول رسوله ﷺ ، فالعلم هو قال الله قال رسوله قال الصحابة هم أولوا العرفان ﵃، فكل من اشتغل بهذا الأمر سواء اشتغالاً كلياً أو اشتغالاً جزئياً فإنه على خير عظيم، وهذا من دلائل إرادة الله لعبده الخير، فاحمدوا الله -أيها الإخوة- على هذا الأمر، واشكروه عليه، واحرصوا عليه، فإن حلق الذكر يعلو بها الذكر، ويرتفع بها الإيمان، ويصلح بها حال الإنسان، وينشط بها على العبادة، ويعرف بها حق الله عليه، ويعرف بها ما يكون سبباً من أسباب الخروج من الظلمات إلى النور، فنسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل العلم العاملين به، الداعين إليه، المقبلين عليه، الفرحين به.

стр. 37

هدي النبي ﵊ هو عنوان السعادة للعبد أيها الإخوة الكرام! إن هذا هو الدرس الأول من سلسلة دروس في هدي رسول الله ﷺ ، الذي هو أكمل الهدي، وهو عنوان السعادة للعبد إذا وفق إليه، فإن الله جل وعلا قال: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، ولا يمكن أن يكون العمل صالحاً إلا إذا كان موافقاً لهدي رسول الله ﷺ ، فواجب على كل من حرص على قبول عمله، وعلى كل من رغب في تحقيق السعادة لنفسه، أن يسلك وأن يعتني بهدي النبي ﷺ ، ويعتني به علماً، ويعتني به عملاً، ويعتني به تحصيلاً، ويعتني به طلباً، فإن ذلك سبب للسعادة، والتعليل لهذا الأمر واضح جداً، فإن رسول الله ﷺ أكمل الخلق سعادة، فلا أحد أسعد منه في الدنيا ولا في الآخرة، قد من الله عليه بهذه السعادة الوافرة في الدنيا والآخرة، فمن رغب في سعادة الدنيا وسعادة الآخرة وفوز الدنيا وفوز الآخرة فليحرص على سلوك سبيل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وما سنتناوله في هذه الدروس إن شاء الله تعالى هو ما يتعلق بجوانب من هدي النبي ﷺ ، نذكر أنفسنا بحاله ﷺ ؛ لأن الله جل وعلا جعل لنا فيه الأسوة الحسنة، جعله لنا إماماً وقائداً، فبقدر حرصنا على اتباع سنته، والأخذ بهديه، والإقبال على ما خلفه وتركه؛ بقدر نصيبنا من صحبته، والحشر تحت لوائه، والكون معه يوم العرض والنشور.

стр. 38

وصية النبي ﵊ لابن عمر أيها الإخوة الكرام! درسنا إن شاء الله وتعالى سيكون في أول أحد من أول كل شهر بإذن الله تعالى، وكما علمتم أننا سنتناول هدي النبي ﷺ ، وموضوع هذا الدرس هو نظرة رسول الله ﷺ للدنيا، وقد انتخبت لبيان ذلك حديثاً من صحيح الإمام البخاري من حديث ابن عمر ﵁ الله عنه قال فيه: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي-والمنكب هو مجمع الكتف مع العضد - أخذ رسول ﷺ بمنكب ابن عمر، لكن قبل أن نتم الحديث نحب أن نقف عند هذه اللفتة النبوية منه ﷺ ، التي تنم وتدل على تواضع جم منه ﷺ ، وتدل أيضاً على شفقة ورحمة، وتدل أيضاً على نصح تام، ورغبة في إيصال الخير، فإن رسول الله ﷺ خص ابن عمر الشاب الحدث الذي توفي رسول الله ﷺ وهو في أوائل العشرين أو لعله لم يبلغ العشرين، فإنه في غزوة الخندق كان عمره إما خمس عشرة سنة أو أربع عشرة سنة، فرسول الله ﷺ لفت نظر هذا الشاب الذي في مقتبل عمره، وفي أوائل طريق حياته، إلى أمر عظيم ينشطه به على ما يستقبل من بقية العمر، ويذكره بأهمية الجد والاجتهاد في استباق الأوقات قبل فواتها. قال رسول الله ﷺ لـ ابن عمر في هذه الوصية الجامعة، التي هي في الحقيقة ترجمة لهذه الدنيا: (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل)، كلمتان أمر رسول الله ﷺ بهما هذا الشاب: (كن في الدنيا) أي: ليكن شأنك في هذه الدنيا، في هذا المعاش، في هذه الحياة، بين أحد أمرين: الأمر الأول: (كأنك غريب)، والثاني (أو عابر سبيل)، وكلاهما يجمعه معنى واحد ألا وهو السفر، فإن الغريب مسافر، وعابر السبيل مسافر، ومجمل الحديث يدل على أنه ينبغي لكل مؤمن، ولكل إنسان أن يحقق هذا المعنى في حياته، وهو الاستشعار بأنه في سفر، كم الذين غفلوا عن هذا الأمر؟ أكثرنا يظن أنه في دار إقامة، في دار قرار، في دار بقاء لا زوال لها إلا بعد آجال وأعمار، ثم يحدث الله ما يشاء مما يجري ويكون، لكن الأمر أقرب من ذلك، ورسول الله ﷺ لم يوجه هذه الوصية لشيخ كهل قارب القبر، بل وجهها لشاب صغير في أول عمره، وقد يكون في أوائل السنين بعد البلوغ، أو يكون قد بلغ العشرين، قال له رسول الله ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل)، والجامع لهما -كما ذكرنا- هو معنى السفر، فما هي حال المسافر؟ حال المسافر جد في طريقه، واجتهاد في قطع المسافة لبلوغ مراده، وتحصيل مقصوده، هذه هي حال المسافر؛ ولذلك قال رسول الله ﷺ : (كن في الدنيا كأنك غريب)، هذه هي المرحلة الأولى، وهذا هو الذي ينبغي أن يكون عليه كل إنسان. المرحلة الثانية: مرحلة الجد وانتهاء الاجتهاد في تحصيل المقصود، وهي أن يكون الإنسان عابر سبيل، فإن الغريب قد يشتغل في غربته ببعض ما يشتغل به المقيمون من أخذ مسكن أو مشرب أو مأكل أو غير ذلك، لكنه لا يشتغل اشتغال الذي وطن نفسه على البقاء، فما زالت أحكام السفر عليه قائمة، ولا زال يمني نفسه ويعدها بالارتحال وبلوغ المنزل والمقصد الذي يسعى إلى بلوغه وقصده، وهو غايته، وهي الدار الآخرة.

стр. 39

سرعة انقضاء الدنيا إن مما يعين على تحقيق ما أمر به رسول الله ﷺ أن ننظر إلى سرعة انقضاء الدنيا، فالدنيا -أيها الإخوان- سريعة الانقضاء، هي مراحل تنقضي مرحلة تلو مرحلة، إذا لم يدرك الإنسان هذا الأمر غفل، وإذا غفل فاتت عليه الخيرات، وفاتت عليه الفرص، عمره فرصة للسبق إلى مغفرة من الله ورضوان، للمسارعة إلى جنة عرضها السموات والأرض، فاحرص على مراحل عمرك، واعلم أن الليل والنهار مراحل تطوى وتنقضي، فيوم أمس شاهد عليك، ويومك الحاضر محل عملك، وغداً قد لا تدركه، فلا تدري أتكون فيه من الأحياء أو لا تكون فيه من الأحياء؟ فاعمل جاداً في قطع المراحل لطاعة الله ، واعلم أن المراحل تطوى وأنت لا تشعر، كلنا لو أراد أن يسترجع ذاكرته وذهنه إلى ما قبل سنوات قريبة لفاته شيء كثير، وقال: ما أسرع تقارب الزمان، وتعاقب الليالي والأيام! لكن هذا لا ينفعه إذا كان لا يحدث فيه إقبالاً على الطاعة، وتصحيحاً للأخطاء، واستدراكاً لما فات، وتنمية وزيادة للخيرات، مراحل العمر تنقضي وتسير سيراً حثيثاً، والعجيب العجيب أنك لو تأملتها؛ لرأيت المنازل تطوى، والمسافر قاعد! هذه حال الدنيا، منازل الليل والنهار تطوى وتنقضي، والمسافرون أنا وأنت والثاني والثالث قاعدون لا نشعر بهذا السفر، ومن الغريب العجيب أن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، والواقع أن تعاقب الليل والنهار أصبح غشاء عند كثير من الناس، ينسيه النهار ما كان في الليل، ويلهيه ليله عما كان في نهاره، وهلم جراً، أصبح تعاقب الليل والنهار فتنة له، لا ذكرى ولا عبرة. نسأل الله -أيها الإخوة الكرام- أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا من عباده المتقين المحققين لأمر رسول الله ﷺ عامة، وأمره في هذا الحديث خاصة، ونكتفي بهذا القدر من الكلام.

стр. 40

موقف النبي ﵊ من الدنيا ومما يعيننا على تحقيق ذلك؛ أن نتلمس ترجمة هذا الحديث في هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن النبي ﷺ أنزل الله جل وعلا عليه القرآن؛ ليبينه للناس، فكان فعله ﷺ وهديه ترجمة لما في القرآن، وكان هديه وفعله ﷺ ترجمة لما أمره الله به، فهو السباق إلى الخيرات، ما أمره الله بأمر إلا وبادر إليه، ولا نهاه عن نهي إلا كان أول المنتهين عنه ﷺ ، فما موقف رسول الله ﷺ من الدنيا؟ روى الإمام أحمد في مسنده، والترمذي في جامعه، وابن ماجة في سننه أن عبد الله بن مسعود ﵁ دخل على رسول الله ﷺ يوماً من الأيام، فكان رسول الله ﷺ متكئاً على حصير، فلما قام رسول الله ﷺ بدا أثر الحصير في جنبه ﷺ ، فقال ابن مسعود لرسول الله ﷺ : هلا أمرتنا فنعد لك مكاناً، فقال رسول الله ﷺ : (مالي وللدنيا! مالي وللدنيا!) يعني: أي شيء يحملني على التعلق بها؟ مالي وللدنيا! ثم بين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هديه وسمته وطريقته فقال: (إنما أنا كراكب استظل -يعني: شأني شأن الراكب السائر في طريقه، القاصد إلى جهة من الجهات- إنما أنا كراكب قال في ظل شجرة -وفي رواية: استظل- ثم راح وتركها)، هذه حال رسول الله ﷺ في هذه الدنيا، وهذا الحديث يبين لنا بياناً واضحاً أن الحياة قليلة مهما كانت في الغاية من السعادة، فرسول الله كما قدمنا قبل قليل أسعد الخلق، أسعد الناس، أسعد بني آدم، ومع ذلك فرسول الله ﷺ يعد هذه الدنيا كالظل الذي يستظل به السائر في طريقه، يحتمي به من الشمس ثم يخرج بعد أن قال واستراح لمواصلة سيره، وهذا يبين لنا -أيها الإخوة- أن الدنيا مهما طابت فهي سريعة الرحيل، سريعة الزوال، هي دار قليلة المكث، فالواجب على من نصح نفسه أن يجتهد في مرضاة ربه، وأن يبالغ في تحقيق العبودية لله جهده وطاقته على وفق سنة رسول الله ﷺ وهديه، وقد وصف رسول الله ﷺ الدنيا وما فيها، مهما بلغت من النعيم، ومهما كان فيها من البهرج بقوله ﷺ -كما في صحيح مسلم من حديث المستورد بن شداد -: (والله! ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع!)، هذه هي الدنيا بما فيها من الملذات، وما فيها من أنواع التنعمات، شأنها شأن الذي وقف على اليم ثم غمس يده في اليم وأخرجها، فما الذي يعلق في يده مقارنة بما بقي في اليم؟! لا يذكر، وهذا وصف لما يمكن أن يحصله الإنسان في هذه الدنيا من النعيم الذي يفوته في الآخرة إذا كان ممن حصل لهم الغاية في التنعم في هذه الدنيا. أيها الإخوة الكرام! إن رسول الله ﷺ هديه ترجمة لما في القرآن، وبيان لما حواه كتاب الله ، بل الله جل وعلا قال في كتابه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤]، فنزل الله هذا القرآن على رسوله ليبينه للناس لعلهم يتفكرون، لعلهم يحصل منهم التفكر والتذكر، وإذا نظرنا إلى هذه السيرة لا نستغربها إذا علمنا أن القرآن مملوء بالتزهيد في الدنيا، وبيان حقارتها وخستها وانقطاعها، وأنها دار زائلة، وطيف زائل، وخيال عما قليل عابر، وأن الآخرة هي دار القرار، وأنها هي المستقر لكل أحد.
следующие страницы →