← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

معنى: (أن تلد الأمة ربتها) قال: (أن تلد الأمة ربتها، وأنت ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان) ، في هذا الموضع من هذا الحديث يكثر إيراد آراء العلماء على قوله: (أن تلد الأمة) . الأمة: هي المرأة المملوكة بملك اليمين، والتي أخذت في أسارى الحرب من الميدان في المعركة؛ لأنه لا إماء إلا بقتال، أو متولدةً من أمة، وما عدا ذلك فلا رق في الإسلام. (أن تلد الأمة ربتها) ، والربة تأنيث الربِّ، وجاء في بعض الروايات: (ربّها) ، أي: سيدها، وقد جاء في الحديث: (لا يقل أحدكم: عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي) ، لكن المقام هنا مقام بيان. واختلفوا في معنى: (تلد الأمة ربتها) أي: سيدتها، فقيل: أن تلد تلك المرأة المملوكة بملك اليمين سيدتها التي تملكها، قالوا: وهذا موجود في زمن رسول الله، كان يؤتى بالإماء وتوزع السبايا على الرجال، ويولد لهم منهن، وهذا محمد ابن الحنفية ابن علي رضي الله تعالى عنه من سبي بني حنيفة وقيل: وهذا الوجه لا يرد على هذا الحديث؛ لأن السؤال عن أمارات تقع فيما بعد وما وقعت في ذلك الوقت. وقيل: (أن تلد الأمة ربتها) ، بمعنى: ملكها، بأن تصل السراري إلى بيوت الملك ويتسرى الملك بأمة، وتلد ولداً، ثم يتولى الولد الملك فيكون ملكاً على الرعية ومن ضمنها أمه؛ لكن يقال: كل ملك في العالم فهو ملك على الرعية وقد تكون أمه موجودة، فليس في ذلك جواب. وقيل: هذا يدل على تفشي التسري حتى تصل الإماء إلى قصور الملوك، وكان العرب يأنفون أن يستمتعوا بالإماء ويتنافسون على الحرائر. وقيل: قد يكثر الإماء ويكثر التسري بهن، وتباع الأمة وهي حامل، ثم تلد، ثم يشتريها رجل وتكون عنده وتلد ولداً يشتريه آخر ثم يعتقه، ثم يشتري هذا المعتق هذه المرأة التي ولدت هذا الولد، فيملك أمه وهو لا يدري. وقيل: قد يكثر التسري، فيشتري الرجل الأمة، وتحمل منه وتضع له ولداً، ثم يبيع المالك المرأة ويبقى الولد، وتتناولها الأيدي بالبيع وتدور وتستدير وترجع إلى هذا الولد، فيشتريها وهو لا يعلم أنها أمه، وقد يستمتع بها بملك اليمين استمتاع السيد بإمائه وهو لا يدري. وكل ذلك يقوله العلماء وينتهون بجملة واحدة، هي: أنه تنعكس المقاييس ويحصل الاختلاط وتنقلب الأوضاع، وهذا من علامات آخر الزمان، وقد جاءت النصوص في هذا الباب عديدة، وأفردها العلماء بكتب في الملاحم وأشراط الساعة وغيرها.

стр. 107

معنى: (وأن ترى الحفاة العراة) قال ﷺ : (أن ترى الحفاة العراة) . الحفاة: هم الذين لا ينتعلون في القدمين. والعراة: الذين لا يلبسون شيئاً؛ وهل يصير الناس عرايا مثل إنسان الغابة لا يلبسون شيئاً، أو أن ذلك مبالغة في وصفهم بحالة الفقر وعدم امتلاك شيء؟ (رعاء الشاء العالة) العيلة الفقر، وكثرة العيل الأولاد، وما عال من اقتصد. يعني: ما افتقر إنسان اقتصد في نفقاته، فالعالة: الفقراء، وغالباً أن الرعاة فقراء؛ لأن ما يرعونه من إبلٍ أو بقر أو غنم لملاكها، وهم خدمٌ عندهم مستأجرون، ثم ينقلب الوضع فيصير هؤلاء الناس وهذا الصنف يتطاولون بالبنيان، وفي رواية: (يتفاخرون) . وهل البنيان من حيث هو ممنوع؟ نجد في جانب الزهد والورع من يورد آثاراً في النهي عن البناء بالكلية؛ حتى أوردوا عن عيسى ﵇ أنه سئل: (لِم لَم تبن بيتاً؟ قال: لا أريد أن أدع شيئاً من بعدي أذكر به) . وعن عمر بن عبد العزيز قيل له: (لم لا تبني بيتاً؟ قال: لا أريد أن أضع لبنة على لبنة ولا خوصة على خوصة) . هذا مع أننا وجدنا الصحابة والسلف لهم البيوت والرسول ﷺ بنى الحجرات لزوجاته رضي الله تعالى عنهن، ولكن لم يشيد ولم يتطاول، هذا قصر سعد بن العاص موجود في العقيق، ومن أراد أن يراه فهو إلى الآن قائم بالحجارة والنورة والجص، وقد انهدم بعضه وبعضه قائم حتى اليوم، لكن العبرة بالتطاول والتفاخر، فإذا كان الأمر في هذا الباب لا لمجرد البناء ولكن للتفاخر فيه فلا بأس، فقد كانت حجرات رسول الله لأمهات المؤمنين إذا وقف الواقف ومد يده ربما نال السقف، وحينما أريد هدمها وإدخالها في المسجد قام سعيد بن المسيب وقال: ليت حجرات زوجات رسول الله بقيت؛ ليرى الناس كيف كانت حياة زوجات رسول الله ﷺ وحياته ﷺ معهن؟! وفي أول الأمر حينما أراد رسول الله ﷺ بناء المسجد كان هناك بستان، فقطع النخيل ووضع الجذوع بدل السواري وسقف المسجد، فقيل في بنائه، فقال: (عريش كعريش أخي موسى) ، أو قال: (الأمر أعجل من ذلك) ، فأخذوه على قيام الساعة، ولكن الظاهر -والله تعالى أعلم- أنه أعجل في الزمن؛ لأن حياته ﷺ وبقاءه في الدنيا محدود، ومهمته أعظم وأوسع من أن يضيع وقته في بناء عريش أو غيره، ولكن في السنة السابعة من الهجرة لما رجع من تبوك بنى المسجد بالحجر والطين. يهمنا أن الحديث يقول: ترى هذا الصنف من الناس تنقلب مقاييسهم؛ فبعد أن كانوا عالة حفاة رعاء، فإنهم يتطاولون في البنيان فيما بعد، والتطاول ليس مجرد بناء، بل هذا بنى بيتاً من طابق ويأتي آخر بجواره ويبنيه من طابقين، ويأتي الآخر ويبنيه من ثلاثة، والآخر يبينه من أربعة، وهكذا يكون التطاول هذا استطال وهذا يتفاعل، والتفاعل التقابل أي: يتسابق كل منهم إلى أن يكون بناؤه أطول بناء من الآخر، ولا نريد أن ندخل في تفاصيل في هذا الباب، من أن المباني أصبحت نوعاً من أنواع الاقتصاد أو أزمة السكن، أو شيء من هذا، إنما يهمنا أن الرسول ﷺ أخبر بأمر يكون من علامات الساعة. ويأتي بعض العلماء من جانب الزهد والورع ويعيبون البناء، ولكن هذا الأمر يدخل في حياة الناس وفي اقتصادياتهم ومعيشتهم وتدابيرهم للحياة، ولا نستطيع أن نوقف هذا التقدم أو التطور، ولكن نقول: لا ينبغي أن يكون تفاخراً وتطاولاً وإيذاء، إذا كان للحاجة فلا مانع، أما للفخر والتطاول على الناس فهذا لا يجوز، وقد وضع الفقهاء قواعد لتطاول البنيان كما ينص الحنابلة. فمن حق الجار على جاره: أن لا تطيل بناءك عليه فتسد عنه إلا بإذنه، وأن من حق جارك إذا بنيت بيتك وكان جارك بجواره ولم يبن جداراً بجوارك وأراد أن يسقف بيته، فمن حقه أن يضع أطراف خشب السقف على جدارك إذا كان في جدارك قوة تتحمل السقفين معاً، ولذا يقول أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، قال ﷺ : (لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره -مالي أراكم عنها معرضين، والله لألقين بها بين أكتافكم-) .

стр. 108

ما يستفاد من منصرف جبريل ﵇ عن الرسول ﷺ ماذا فعل جبريل بعد ذلك؟ انصرف. بعض العلماء كـ ابن حجر في فتح الباري يقول: بعض الروايات يذكر فيها قوله: (صدقت) ، كما قالها سابقاً. والذي يهمنا قول عمر رضي الله تعالى عنه: (فلبثت ملياً) ، أي: كان القوم لا يزالون جلوساً في هذا المجلس، فقال رسول الله ﷺ : (ردوا عليّ الرجل) ، أي: هذا الرجل السائل، قال عمر: فطلبناه فلم نجده. فقال ﷺ : (يا عمر! أتدري من الرجل؟ قلت: الله ورسوله أعلم) ، هذه العبارة يستعملها السلف رضوان الله تعالى عليهم حينما كان رسول الله ﷺ حاضراً، وفعلاً كل ما لم يعلمه الناس يرد علمه إلى الله وإلى رسول الله، والآن إذا سئلت عن شيء هل لك أن تقول: الله ورسوله أعلم، أو: الله أعلم، وتسكت. نجد بعض الناس يقول: يجوز أن تقول: الله ورسوله أعلم، وبعضهم يقول: لا تقل الله ورسوله، قل: الله أعلم. فقط؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله، وهذا فيه إفراطٌ وهذا فيه تفريط. والوسط في ذلك: إذا كان المسئول عنه من أمور الدين التي لم يخرج علمها عما جاء به رسول الله ﷺ فلا مانع أن تقول: الله ورسوله أعلم، أما إذا كان أمراً دنيوياً وحادثاً اليوم فلا ينبغي أن تقول: ورسوله، بل تقول: الله أعلم، وهذا الذي ينبغي الوقوف عنده، وأحسن ما يقال في هذا المقام. قال: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم) ، جِبريل، وجَبريل، وجبرائيل؛ كلها لغات في جبريل، وهو مضاف ومضاف إليه، وئيل بمعنى: لفظ الجلالة، ويضاف إليها ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، كلها من باب المضاف والمضاف إليه وهي غير عربية، وهي على حد وزن المضاف عبد الله، فكذلك هنا لفظة: (ئيل) بمعنى لفظ الجلالة. في نهاية هذا الحديث يخبر رسول الله ﷺ الحاضرين أن هذا الرجل جبريل، وقد أشار عمر رضي الله تعالى عنه في أول الحديث حينما قال: (بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ ؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد) . هذا النظيف الظريف الذي هو شديد البياض في الثوب والشعر، وليس عليه أثر سفر، ولا يعرفه أهل المدينة: إما أنه من أهل المدينة فيعرفونه، وإما أنه قادم من خارجها فيكون عليه أثر السفر؛ وكل ذلك لم يكن. إذاً: ليس من أهل المدينة، وليس قادماً من سفر، فلابد من وجود قسم ثالث، ما هو؟ إنه جبريل. وقد أشرنا سابقاً بأن من أركان الإيمان: الإيمان بالملائكة، وأن أركان الإيمان الستة كلها غيب، تؤمن بالله، الملائكة، الكتب، الرسل، القدر، البعث، وكلها أمور غيبية ليست محسوسة عندنا، ولكن في هذا الحديث فردٌ من أفراد الغيب، وهم الملائكة، يأتي إلى المسجد ويراه المسلمون بجوار رسول الله، ويخبرهم الصادق المصدوق بأنه جبريل. إذاً: ركنٌ من أركان الإيمان الستة لم يعد غيباً بل أصبح مشاهداً محسوساً، وأشرنا إلى طبيعة جبريل والملائكة، فجِبريل حينما طلبه رسول الله أن يريه صورته على خلقته العادية ظهر إليه في الأفق وقد سده، والأفق هو ما بين السماء والأرض في منتهى النظر. وأشرنا إلى أن عالم الملائكة عالمٌ نوراني، أعطاه الله القدرة على التكيف في الصورة التي يشاء، وأشرنا سابقاً إلى رؤية ابن عباس جبريل يتحدث مع رسول الله ﷺ وأبوه العباس معه لم يره، وكذلك قصة خديجة لما ذهبت تطلب رسول الله بطعامه ولقيها وسألها: أين محمد يا خديجة؟ قالت: لا أدري، وذهب عنها، ثم جاء إليه بعد أن لقيته، وقال: السلام يقرئ خديجة السلام، أي: أنها لم تخبر بمكانه خوفاً عليه من المشركين. إذاً: الملائكة قد يراهم الإنس، ثم ها هو ﷺ يقول: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم) ، جبريل معلم أو متعلم؟ وسائل أو مجيب؟ جبريل سائل، والرسول جعله معلماً، إذاً: المعلم قد يُعلِّم بطرح السؤال، السائل العالم قد يعلم بسؤاله بقدر ما يعلم العالم بجوابه، ولذا قال العلماء: حسن السؤال نصف العلم، وقد وردت مناهج تعليمية من الرسول ﷺ بأن يسأل الناس ليعلمهم، يسألهم فيما يعلمون ليعلموا حكم ما لا يعلمون، وقد سأل مرة عن شجرة مثلها كمثل المؤمن، فذهبوا في أشجار البادية، ثم أخبرهم أنها النخلة. ولما سألته امرأة عن أم لها لا تستطيع الركوب، أينفعها أن تحج عنها؟ قال: (لو كان على أمك دينٌ فقضيتيه أكان ينفعها؟ قالت: بلى، قال: فدين الله أحق) ، فاستخلص منها الجواب فيما سألت عنه، وأحالها بما لا تعلم على ما تعلم، وهكذا القياس؛ فهو إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق في حكمه؛ لاشتراكهما في علة واحدة. ويهمنا قوله ﷺ : (أتاكم يعلمكم أمر دينكم) ، وقد علمهم الإسلام والإيمان والإحسان واليوم الآخر، فجعل ﷺ الدين عنواناً للإسلام والإيمان والإحسان وما يتعلق بأخبار القيامة. إذاً: كلمة الدين أعم مسمى، وجاءت الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] ، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] . إذاً: الإسلام بمسمى، والدين بمسمى يشمل جميع ما جاء به رسول الله، وهناك أمورٌ لم يذكرها رسول الله ﷺ لا في الإسلام ولا الإيمان وهي من الإسلام والإيمان، جاء قوله ﷺ : (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) ، ولم يذكر في حديث جبريل: أن تقيم الصلاة وتصوم رمضان ويسلم الناس من لسانك ويدك. وجاء أيضاً: (الدين النصيحة) ، وجاء في الإيمان: (والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين) ، وما ذكر رسول الله ﷺ هنا محبته من أركان الإيمان. وقال: (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله خاب وخسر؟ قال: من لم يأمن جاره بوائقه) (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه فليكرم جاره فليقل خيراً أو ليصمت) . الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ وأركان الإيمان ستة، فما هي تلك الشعب؟ قال: (أعلاها: لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ، فلا إله إلا الله هي أول أركان الإسلام، ومع هذا جعلها من شعب الإيمان، وإماطة الأذى عن الطريق من الأعمال الذي يكتسبها العبد، فجعلها من شعب الإيمان. وهكذا جمع الجميع أيضاً في الدين، وجاء عنه ﷺ : (الدين النصيحة) ، إذاً: كل ما جاء به رسول الله ﷺ سواء في كتاب الله عن الله أو في سنة رسول الله ﷺ من أمر أو نهي، بأي موجب كان؛ فهو دين الإسلام. والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .

стр. 109

شرح الأربعين النووية - الحديث الثالث [١]

стр. 110

علاقة حديث جبريل بحديث (بني الإسلام على خمس) بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: فقد تقدم الحديث الثاني من هذا الكتاب المبارك، وهو حديث جبريل أنه جاء وسأل رسول الله ﷺ قال: (أخبرني عن الإسلام؟ فأجابه ﷺ : أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، ثم سأله عن الإيمان والإحسان وعن الساعة. ثم ها هو الإمام النووي ﵀ يأتي بحديث: (بني الإسلام على خمس) وهو جزء من الحديث الذي قبله، مع أنه اشترط في المقدمة أنه ينتقي ويختار، ومعنى الانتقاء والاختيار عدم التكرار. فكان من الممكن أن يقول قائل: يجزئ عن هذا الحديث جزء الحديث الذي تقدم قبله، ولكن لفقه النووي ﵀، ودقة فهمه في الحديث، جاء بهذا الحديث ضرورة ليتمم جزءاً في الحديث الذي قبله من جهة الحكم، وبيان أهمية ما أجاب به رسول الله ﷺ في سؤال جبريل، وهي خمسة أشياء، فما حكم تلك الخمسة؟ وما مدى ارتباط بعضها ببعض؟ وما أهميتها في ذاتها؟ فجاء النووي ﵀ بهذا الحديث ليبين أن الإسلام الذي سأل عنه جبريل ﵇، وأجاب بمقتضاه رسول الله ﷺ ؛ أن تلك المسميات هي: بناء الإسلام أي: أركانه! أي: ماهيته! أي: ضروريات وجود تلك المسميات ليوجد الإسلام! إذاً: ليس في هذا تكرار، ولكن فيه بيان لمجمل متقدم.

стр. 111

ترجمة ابن عمر راوي الحديث كنيته أبو عبد الرحمن والكنية: ما صدر بأب أو أم، وكان عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنها يكنى بـ أبي عبد الرحمن كما جاء عن أم المؤمنين عائشة، لما ذكر تعذيب الميت في القبر ببكاء أهله، حيث قالت أم المؤمنين عائشة: (رحم الله أبا عبد الرحمن! ما كذب ولكنه نسي) . فكان مشهوراً بكنيته وباسمه، فـ عبد الله اسمه، وأبو عبد الرحمن كنيته، وتقدم لنا في عمر رضي الله تعالى عنه أنه أبو حفص الفاروق عمر بن الخطاب، الاسم واللقب والكنية، وهنا اجتمعت الكنية مع الاسم.

стр. 112

فضله ﵁ يذكر علماء التراجم في ترجمة عبد الله بن عمر من الفضل والكرم والإحسان الشيء الكثير، وأهم ما يُذكر في ذلك أنه أسلم في مكة وهاجر إلى المدينة مع أبيه، ولما كان في غزوة بدر لم يحضرها، وعُرض على رسول الله ﷺ في غزوة أحد، فمنعه ﷺ لصغر سنه، حيث كان في الرابعة عشرة من عمره، وعرض عليه في غزوة الخندق بعدها بسنة فأجازه ﷺ . وفي بعض الروايات: (أن الرسول أراد أن يرده في غزوة الخندق، فجاء إلى أبيه عمر وقال: يا أبي! أجاز رسول الله عبد الله بن جابر وأنا والله أصرعه -يعني: أنا أقوى منه وأولى بالجهاد منه- فذهب عمر إلى رسول الله وأخبره، فأحضرهما وتصارعا بين يدي رسول الله، فصرعه؛ فأجازه) . كانوا يتسابقون إلى الجهاد، وتأبى مروءة أحدهم وهو غلام أن يرد عن الجهاد في سبيل الله حتى يتقدم ويحتج على من منعه وإن كان رسول الله ﷺ ! ورسول الله إنما منعه شفقة ورحمة به لصغره لأنه لم يكلف الجهاد بعد، والجهاد فرض كفائي على ما سيأتي الكلام عليه في أركان الإسلام، ومع ذلك دافع واشترك في الجهاد. ومما يذكر عنه أنه رأى رؤيا في شبابه يقول: كانوا يرون الرؤى، فإذا رأى أحدهم رؤيا ذكرها لرسول الله وفسرها له، وفي بعض الروايات كان ﷺ إذا صلى الصبح قال: أيكم رأى رؤيا؟ ويقصون رؤياهم على رسول الله ويفسرها لهم؛ لأن الرؤيا الصادقة جزء من ست وأربعين جزءاً من النبوة يراها الرجل الصالح أو ترى له. قال: فوددت أني أرى رؤيا فأقصها على رسول الله، قال: فرأيت أني على حافة بئر عميق وفيه نار ملتهبة، فإذا برجل يقول: لم ترع لم ترع، ثم ذكر ذلك لـ حفصة، وفي رواية أخرى: أنه رأى أن بيده بطاقة وإنه في الجنة، وكلما أشار إلى جهة في الجنة طارت به تلك البطاقة، فقص الرؤيا لأخته حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما، وهي زوج رسول الله ﷺ ، فقصتها على رسول الله ﷺ فقال: (نعم العبد عبد الله لو كان يصلي من الليل) يقول: (والله ما تركت صلاة الليل بعد ذلك) .

стр. 113

روايته للأحاديث وجاء أنه روى عن رسول الله ألفاً وستمائة وثلاثين حديثاً، وهو من السبعة الصحابة أصحاب الألوف في روايات الحديث وهو رابع العبادلة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير. وكذلك جاء في الروايات أنه أعتق أكثر من ألف عبد، وحمل على ألف فرس في سبيل الله، وكان من سبب كثرة عتقه العبيد أنه كان إذا رأى عبداً يصلي أعتقه، فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن! والله إنهم يصلون يخدعونك؛ لأنهم عرفوا أنك تعتق من يصلي، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له. وروي عنه أنه كان في حج، وركب بعيراً فأعجبه وكان حسناً، فأناخه ثم قلده وأشعره، وقال: يا نافع! أدخله في الهدي، فكان إذا أُعجب بشيء تصدق به ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] فكان يكثر من الصدقة خاصة ما يحب. ويقولون عنه رضي الله تعالى عنه: إنه مرض واشتهى العنب، فبحثوا عنه فجاءوه بقطف، فإذا بمسكين يقول: أطعموني، قال: أعطوه إليه، قالوا: كيف وقد عنينا من أجله، قال: لقد أحببته ولهذا أتصدق به، فأعطاه للمسكين، فذهب رجل من أهله واشترى العنب من المسكين، ورجع به فقدمه إليه، فإذا مسكين آخر قال: أعطوه العنب، وهكذا ثلاث مرات.

стр. 114

قوة التشبيه والبلاغة في حديث: (بني الإسلام على خمس) يروي عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه الشيء الكثير عن رسول الله، وكان أعلم الصحابة بالمناسك، وأشد الصحابة تمسكاً بسنة رسول الله ﷺ . يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (بني الإسلام على خمس: شهادةأن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت) .

стр. 115

بناء الإسلام وروابطه القوية قوله: (بني الإسلام على خمس) يقول علماء البلاغة: البنيان للمحسوس بأساس وجدار وسقف، والمعنويات ليس لها بناء، إنما لها تعابير وألفاظ تؤديها، ولكن المصطفى ﷺ أوتي جوامع الكلم، وهو أفصح العرب والعجم، فيبين ويوضح ويبرز المعنوي الخفي في صورة المحسوس الملموس، وهذا هو أسلوب القرآن، وجميع تشبيهات القرآن عند علماء البيان من التشبيه التمثيلي الذي مبناه على التشبيه والاستعارة، وتفصيله يعرفه طلاب البلاغة. والقرآن الكريم يبين لنا ذلك، انظر إلى قوله : ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد:١٤] ، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت:٤١] . فهذا الذي يدعو من دون الله ضرب الله له مثلاً، بمن يبسط كفيه إلى ما ليس بقابضه، يفرج أصابعه ويمدها إلى ماء في قعر البئر، أو يجري في النهر ويفغر فاه ينتظر أن يأتي إليه الماء، فهل الماء يأتي لإنسان من قعر البئر إلى يد مفرجة الأصابع؟! تخيل كأن بين يديك إنساناً شديد الظمأ، فاغراً فاه، ماداً يده إلى ماء بعيد عنه، تقول وأنت أمامه: لن يصل إليك شيء. فلم يقل الله في القرآن الكريم: مثل الذين يعبدون العدم مثل الذي يطلب ما لا يدرك؛ لأن هذا خبر يمر ولا يعلق بالذهن، لكن عند أن يصور صورة لها أجزاء وأبعاض تقف أنت عندها؛ كما يقال: رسوم ساخرة (كاريكاتير) . وهكذا كما بين في أمثلة القرآن في أمر المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة:١٧] أتى بحطب وأشعل النار ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة:٢٠] وقبلها: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:١٩] فإذا وقفت أنت أمام هذا العرض ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة:١٩] الصيب: المطر، لكن تجد فيه رعداً وبرقاً، تسمع بأذنك فتجزع! ترى بعينك فتخاف، فلكأنك تحكي أو تعايش هذه الصورة ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة:١٩] كأنه وقع بالفعل ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة:١٩] من هذا الصوت الشديد، فأنت حينما تسمع هذا الوصف لكأنك في شدة المطر والظلام، وتسمع الرعد وترى البرق، فهي صورة مكتملة. وهنا يقول ﷺ في هذا الحديث (بني الإسلام) والإسلام: اعتقادات بالقلب، وأقوال باللسان، وأفعال بالجوارح، وبيَّن بناءه وقوائمه، فلكأن الإسلام بيت، بل هو حصن، ولكنه حصن حصين، وقوائم هذا البيت ليست مسلحة بالحديد، ولا بالحجر والطين، ولا مبنية بالجيرانيت الذي هو أصلب حجر في العالم، ولكنه مبني بأعمال تستقر آثارها في القلب، وهذه الأعمال أقوى تلاحماً وترابطاً في الأمة الإسلامية من البناء الذي يشد بعضه بعضاً: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد) أي: جسد واحد يجمع مائة مليون أو مائتي مليون؟! ملايين المسملين الآن في العالم! المسلمون تعدادهم عظيم، وأي دين يبني بناءً عظيماً كهذا البناء في الأمة الإسلامية؟! ثم أي بناء يرابط بين أفراد البشر، بين الأخ وأخيه، وبين الأب وابنه، وبين الزوج وزوجه، وبين القريب والبعيد، فيجعل رابطة الإسلام بينهم أقوى من رابطة نسب الأبوة والبنوة؟! أي بناء إذا جئته لتهدمه بمعول هدمته، ولكن بناء الإسلام أقوى على طول الزمن، وقد ساير الزمن طيلة خمسة عشر قرناً ولكأنه بني بالأمس، لم تخلق لبناته! ولم تتخلخل بناياته! بل هو قائم على قوته ولكأنه أقيم بناؤه اليوم! وهذا هو القرآن الكريم يتلى ولكأنه بالأمس أنزل، تقرأ الفاتحة وتسمعها من الإمام مراراً في كل صبح ومساء فلكأنك تسمعها للمرة الأولى، تقف خلف الإمام في رمضان وتصلي خمساً وعشرين ركعة أو نحوها، تسمع فيها الفاتحة تتكرر على سمعك خمساً وعشرين مرة فلكأن الأخيرة هي الأولى. وهكذا البناء؛ لأن كل تشبيه له ارتباط بالمشبه به برابط الشبه بينهما، ولكن قد يكون وجه الشبه في المشبه أقوى منه في المشبه به كما هو معروف في التشبيه المقلوب، ولكن هذا تشبيه على وجهه عند البيانيين.

стр. 116

أمثلة ومواقف تدل على قوة روابط الإسلام وما دمنا تعرضنا إلى هذه الناحية، فإن من قوة روابط بناء الإسلام فإنه لما رجع ﷺ من غزوة بني المصطلق، وكان فيها ما كان عند ماء يقال له: المريسيع، حيث نزل المسلمون وذهب غلمان المهاجرين وغلمان الأنصار يستقون الماء، فتزاحم غلامان وتضاربا، فضرب غلام عمر غلاماً لرجل من الأنصار، فذهبوا إلى ابن أُبي وكان معهم وهو رئيس المنافقين يخفي نفاقه، فقال لهم: ألم أقل لكم من قبل: لا تنفقوا عليهم ولا تسعوهم؟ ما نحن وهم إلا كمثل القائل: سمن كلبك يأكلك؛ لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فبلغت المقالة رسول الله ﷺ ، وكانت الفتنة بين المهاجرين والأنصار فشغلهم بالمسير وقت القيلولة، فجاءوا إلى رسول الله يعتذرون عن المشي في هذا الوقت، فقال لهم مقالة ابن أُبي، فجاء ابن أُبي يعتذر بنفسه، ولكن الوحي قد سبق إلى رسول الله ﷺ ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨] تلك قضية أثارها ابن أُبي، جاء الوحي بمقتضى ما قال، وهو عند الأصوليين: القول باللازم أو بموجب القول، ومعناه: صدقت يا ابن أُبي، صحيح لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ولكن لمن العزة؟! قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨] . فلما وصلوا إلى المدينة، فهناك تأتي المعجزة والآية وقوة التلاحم بين أبناء المسلمين، ورابطة الإسلام وأخوة الإيمان، فيأتي عبد الله بن عبد الله بن أُبي ويمسك بزمام ناقة أبيه ويستل سيفه ويقسم بالله لا تدخلها حتى يأذن لك رسول الله، وتعلم أنك أنت الأذل وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. فأي قوة بناء تربط بين أفراد البناء كهذه القوة؟! مع أنهم يقولون: كان هذا الابن من أعظم الناس براً بأبيه، فبلغ الخبر رسول الله ﷺ قال: مروه فليأذن له بالدخول، فدخل بعد إذن رسول الله، وعلم حقاً أن العزة لله ولرسوله. ثم بعد أيام أشيع عند الناس أن رسول الله ﷺ سيقتل ابن أُبي لمقالته ولإظهار نفاقه، فجاءه ابنه عبد الله بن عبد الله بن أُبي وقال: (يا رسول الله بلغني أنك قاتل أبي إن كنت فاعلاً لا محالة فمرني أنا آتيك برأسه، فإني لا أقوى أن أرى قاتل أبي يمشي على الأرض، فأقتل مسلماً بكافر فأهلك) . ولد يقتل أباه! لماذا؟ لأنه ضنين بأن يرى مسلماً قتل أباه فتأتي الحمية فلا يستطيع أن يصبر فيقتله، فلكي لا يقع في هذا المحظور أراد أن تكون مصيبته على يده لئلا يتعدى على أحد بعد ذلك، وكلاهما مصيبتان: قتل أبيه، وكتم غيظه في قلبه. فأي بناء يكون أقوى من ذلك؟! قد نقول إن هذا موقف شاب، والحماسة قد تأتي في بعض الشباب، ولكن وجدنا العكس في غزوة أحد لما جاء المشركون فخرج من يطلب المبارزة من صفوف المشركين، وممن خرج لطلب المبارزة ولد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فأراد أن يقوم إليه أبوه أبو بكر؛ لكي يعلم المشركون أن لا هوادة بينهم، حتى قال رسول الله: (يا أبا بكر! أبق إلينا نفسك) أي: نحن نضن بك على القتل، وهنا السؤال إذا خرج أبو بكر لمبارزة ولده، فهو إما قاتل أو مقتول، إن قتل قتل من؟ ولده، وإن قُتل قتل بيد من؟ بيد ولده، كلاهما مصيبتان مركبتان، لأي شيء ذابت وذهبت رابطة النسب والدم والتراب، وعلت وسمت وقويت رابطة الدين؟ الجواب لأن هذه الرابطة الإيمانية لم تكن تربط بين بني البشر فقط، بل إنها ربطت بين حملة عرش الرحمن ومؤمني هذه الأمة، بل ربطت بين الإنسان والحيوان، وبين الإنسان والجماد. فمن روابطها بين حملة العرش والمؤمنين ما جاء في قوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] أي: برابطة الإيمان بينهما مع اختلاف الجنس، عالم نوراني في الملائكة، وعالم ترابي في البشر، ولكن الإيمان أنزل أولئك من منزلتهم، ورفع أولئك من موطنهم وارتبطوا برابطة الإيمان: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧-٩] . وهناك: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣١] تلك الولاية ظهرت في بدر حينما نزلت الملائكة تقاتل معهم بالفعل. وهذه الرابطة أيضاً ربطت بين المسلمين وبين الحيوانات، بل الوحش من الحيوان كما جاء في الأثر أن الصحابي الجليل الملقب بـ سفينة، وكان عائداً من غزوته فوجد الأسد في الطريق حاجزاً الناس، ولم يستطيعوا أن يمروا، فتقدم إليه وواجهه وقال: أيها الأسد! أنا سفينة صاحب رسول الله، أمرتك أن تجوز عن الطريق، فاجتاز عن الطريق بقدر ما يمروا ومر الناس جميعاً. ماذا يدرك الأسد من سفينة؟ وما هي الرابطة بينه وبين رسول الله؟ الإيمان، تلك الرابطة التي جعلها رسول الله ﷺ في سلمان الفارسي، فـ سلمان ليس عربياً، لا هاشمياً ولا قرشياً ولا تميمياً ولا ولا إلى آخره، بل هو رجل فارسي يأتي إلى المدينة قبل مجيء رسول الله ﷺ ، ويخرج من بلده فارس لما رأى فيه من فساد علماء بلده، وكان أبوه يوقد النار ويشرف عليها، وعلم أن نبي آخر الزمن سيبعث في أرض الجزيرة، فجاء وأُخذ وبيع، حتى وصل إلى المدينة. ومن موقفه مع رسول الله ﷺ حينما قدم رسول الله ﷺ مهاجراً قال: الآن سأعرف، وكان يعمل في بستان رجل يهودي، فجاء برطب وقال: (يا محمد! هذه صدقة مني عليك، قال: إني لا آكل الصدقة، وقدمها لمن معه) فقال سلمان: هذه واحدة، ثم رجع من الغد وقال: (يا محمد! هذا هدية مني إليك، فأخذها وأكل) فقال: هذه ثانية، ثم لما أراد أن يذهب ناداه تعال: -انظر إلى الثالثة- وكشف له ما بين كتفيه، فنظر إلى خاتم النبوة فقبله، وأعلن إسلامه، وقال: أشهد أنك رسول الله. فإن الله أعلم رسوله بأن سلمان يعلم من علامات النبوة ثلاثاً: لا يأكل الصدقة، ويقبل الهدية، وبين كتفيه خاتم النبوة، فلما رأى سلمان الأولى والثانية أخبره رسول الله بالثالثة قبل أن يتكلم بها سلمان، وقال فيه ﷺ : (لو أن الإيمان في الثريا لناله رجال من فارس) . ولما كانت غزوة الخندق في السنة الرابعة من الهجرة قسم النبي ﷺ المسلمين إلى لوائين: لواء للمهاجرين، ولواء للأنصار، فلما جاءوا إلى سلمان اختصموا فيه، المهاجرون يقولون: هو معنا؛ لأنه هاجر إلى المدينة كما هاجرنا، والأنصار يقولون: هو معنا؛ لأنه كان موجوداً بالمدينة قبل أن يأتي رسول الله، فلما اختصموا فيه قطع الخصومة رسول الله ﷺ بقوله: (سلمان منا آل البيت) فأي شرف هذا؟ ولذا قال سلمان: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم وماذا يريد بقيس أو تميم أو غيرهم بعد أن يقول رسول الله ﷺ : (سلمان منا آل البيت) ما الذي ربط سلمان الفارسي بآل بيت رسول الله ﷺ وهو أعلى نسب في العرب؟ الإسلام.

стр. 117

معنى شهادة أن لا إله إلا الله إذاً: (بني الإسلام) فالإسلام بيت شامخ عظيم، وهو حصن حصين لكل من أوى إليه، ولكل من أقام بناءه، ولكل من التزم بأركانه، ما هي تلك الأركان؟ (شهادة) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو (شهادةِ) بالجر على أنه بدل من (خمس) المجرورة. (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) ويقول العلماء: شهادة أن لا إله إلا الله تتضمن الكفر بكل مألوه سوى الله؛ لأن العرب كانت تعبد آلهة كثيرة، وهي مركبة من قسمين: نفي وإثبات، لا إله: تنفي جميع الألوهية في الوجود، ثم يأتي الإثبات: إلا الله، فتثبت ألوهية واحدة لله الواحد القهار. ولهذا لا يصح إسلام مسلم إذا كان يشرك مع الله إلهاً آخر، فحقيقة لا إله إلا الله: إفراد الله بالألوهية، ومعنى الألوهية: التأله، ومعنى التأله: المحبة والتعبد، فلا يعبد إلا الله، ثم يأتي مع ذلك يعتقد بوحدانية ذات الله، ووحدانية صفاته وأسمائه، لا يشاركه مخلوق لا في ذاته ولا في صفة من صفاته، ولا في اسم من أسمائه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ، يفعل ما يريد وهو رب العالمين.

стр. 118

معنى شهادة أن محمداً رسول الله وشهادة أن محمداً رسول الله: التزام بشهادة أن محمد صلوات الله وسلامه عليه رسول من الله إلى الخلق؛ لأن الرسالة تقتضي وجود مُرسَل يحمل رسالة، والرسول لا بد له من مُرسِل، ولا بد أن يحمل رسالة يبلغها لمن أرسل إليهم. فالإيمان برسالة نبينا محمد تتضمن الإيمان بالله مرسلاً، وبالقرآن الذي أرسل به، وبالسنة شارحة للكتاب، ولذا تدخل كل تعاليم الإسلام ضمن شهادة أن محمداً رسول الله؛ لأنك تلتزم بكل ما جاءك به الرسول في تلك الرسالة. وقد تكلمنا مراراً على أن الرسالة تشبه في الوقت الحاضر بالسفير المفوض لدولة عند دولة أخرى، حيث يقدم أوراق اعتماده ثم يتكلم باسم الدولة التي يمثلها، وسيد الخلق ﷺ قدم المعجزات، وجرت خوارق العادات التي أقنعت الصغير والكبير بأنه رسول من عند الله، وبعد ذلك كل ما يأتي به إنما هو من عند الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:١-٤] . إذاً: الإيمان برسالة رسولنا ﷺ هو الالتزام بكل ما جاء به، ولهذا قال ﷺ : (كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد) لأنه جاء به من غير رسالة، ولذا يقول مالك ﵀: (من سن سنة وزعم أنها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة) ، وذلك لأن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فإذا جاء إنسان وقال: خذوا هذه أضيفوها إلى الإسلام، والإسلام قد كمل، والكامل لا يقبل الزيادة، فلو جئت بكأس مليء بماء ووضعت فيه لؤلؤة، ثم وضعت فيه حجراً كريماً، ثم صببت فيه عسلاً، لفضفض من حواليه وتدفق منه الماء؛ لأنه لا يسع أكثر مما فيه. وهكذا شهادة أن محمداً رسول الله ترد كل بدعة في الإسلام أياً كان موردها. وبالله التوفيق، والله أعلم.

стр. 119

شرح الأربعين النووية - الحديث الثالث [٢]

стр. 120

شرح بقية أركان الإسلام

стр. 121

الصلاة وأهيمتها في الدين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين؛ سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقوله: (وإقام الصلاة) الصلاة تحتاج إلى كلام طويل، ولكن معلوم أمرها وأن إقام الصلاة هو أهم شيء في الإسلام، كما جاء عنه ﷺ لما سأله السائل: (أي العمل أفضل؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: الصلاة على وقتها) . وكما في الحديث الآخر: (والصلاة عماد الدين) فإذا كان البناء من خمسة أعمدة أو خمسة أركان فإن للبيت عموداً في الوسط إذا رفع هذا العمود أقيم البناء، وإذا سقط هذا العمود سقط البناء، ولو كانت الأطراف قائمة؛ لأن هذا العمود هو الذي يثبت البناء ويرفعه، ولذا جاء عنه ﷺ في شأن الصلاة: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر) ، وجاء في الموطأ عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كتب إلى عمّاله بالحث على الصلاة، وقال: (ألا إنه لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) . والعلماء يعقدون مباحث طويلة، هل الكفر في ترك الصلاة مخرج من الملة أم أنه كفر بالنعم، أو كفر دون كفر؟ فجمهور العلماء: على أنه كفر مخرج من الملة. والبعض يقول: هذا الحديث في عمومه للزجر والوعيد، وقد جاء ما يصرفه عن هذا الظاهر لما جاء عنه ﷺ : (خمس صلوات كتبهن الله في اليوم والليلة، فمن وفاها وأداها بحقها كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحفظها ولم يحافظ عليها لم يكن له عند الله عهد، إن شاء أدخله الجنة، وإن شاء أدخله النار) فقالوا: هو ممن يدخل تحت المشيئة. ولكن الأئمة الأربعة اتفقوا على أن تارك الصلاة إذا رفع أمره إلى ولي أمر المسلمين أنه يستتاب، أي: ثلاثة أيام، وعند أحمد حتى يمضي وقت الصلاة الأولى فقط، فإن رجع وصلى خلي سبيله، وإن لم يصل قتل باتفاق الأئمة الأربعة، سواء كان جاحداً لها أو كان معترفاً بفرضيتها، ولكنه تركها عناداً أو كسلاً، فعند الأئمة الأربعة يقتل، ولكن عند أبي حنيفة ومالك والشافعي ﵏ يقتل حداً كالزاني المحصن، وكقاتل النفس المعصومة، وعند أحمد: يقتل كفراً. والفرق بينهما: أن من قتل حداً يعامل معاملة موتى المسلمين، إلا أن الإمام لا يصلي عليه، فترث منه زوجته، ويغسل، ويكفن، ويقبر في مقابر المسلمين، ويصلي عليه أولياؤه. أما عند أحمد فلا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يورث ماله من بعده، وماله فيء لبيت مال المسلمين، ويوارى في التراب كما يوارى الحيوان عياذا بالله! ومن عظم شأن الصلاة أن الله سبحانه فرض كل أركان الإسلام وحياً بطريق جبريل، والصلاة فرضها على رسول الله مباشرة بدون جبريل ليلة الإسراء والمعراج، وكانت قد فرضت خمسين صلاة، وما زال موسى يقول لرسول الله ﷺ : (ارجع إلى ربك وسله التخفيف، فقد بلوت الناس قبلك، بلوت بني إسرائيل وكانوا أقوى أجساداً وبناية على دون ذلك فلم يستطيعوا، وكان يستشير جبريل فيشير عليه أن ارجع، فيرجع ويستشفع) فانتهت الخمسون إلى خمس صلوات، وبين سبحانه في الأخيرة: (هي خمس وهي خمسون) أي: في الأجر، والحسنة بعشر أمثالها. وقد بين الله سبحانه حكمة الصلاة، ولكل ركن من أركان الإسلام فعاليته في سلوك المسلم، وفي روابط المجتمع، أما الصلاة فبين سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فإذا كانت تنهى عن الفحشاء والمنكر فهي عامل صيانة ووقاية للعبد. ومثلها بنهر جار أمام بيوتكم يغتسل فيه أحدكم خمس مرات كل يوم، أترون يبقى على جسده شيء من الدرن؟.

стр. 122

منزلة الزكاة من الإسلام (وإيتاء الزكاة) . والزكاة إنما هي في الأموال الزكوية مما تنبت الأرض من الحب والثمار، ومن النقدين الذهب والفضة، وما ناب عنهما من النقود الورقية وأمثالها، وبهيمة الأنعام، وعروض التجارة. وقد جاء أمر الله بها، وبين الوعد والوعيد: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة:٢٤٥] وجاء: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] يقول العلماء: الطهارة والتزكية بمعنى واحد، ولكن تكون التزكية بمعنى النماء، والتطهير بمعنى النقاء، فهي تزكي مال الغني بما أنفق، وتطهر قلب الفقير من الحقد والحسد على هذا الغني فيما أعطاه الله، فإذا ما أخذ الزكاة كان قلبه طيباً لا يحقد على الغني، بل يتمنى له الزيادة. وبحث الزكاة بحث طويل، وقد جاء عنه ﷺ : (من أدى الزكاة طيبة بها نفسه فقد أجر عليها، ومن منعها أخذناها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا لا يحل لمحمد ولا لآل محمد منها شيء) . وهل يكفر مانع الزكاة كما يكفر تارك الصلاة؟ وهل يقتل مانع الزكاة كما يقتل تارك الصلاة؟ جاء عن الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال: (والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، ولو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه) ولكن يقول العلماء: (قاتل) خلاف (قتل) ؛ لأن المقاتلة تكون عند المنع، أما القتل فهو عقوبة، وقد جاء عنه ﷺ في أمر الزكاة أنه قال: (ومن منعها أخذناها وشطر ماله) ولم يقل: قتلناه. إذاً: من منع الزكاة لا يقتل، وإنما تؤخذ منه عنوة، وعقوبة تركه أو منعه أن يشطر ماله، فتؤخذ الزكاة الفريضة، ثم ينصف المال ويؤخذ نصف ماله عقوبة له، وهذا من أدلة عقوبة المال في الإسلام، والباب في ذلك واسع.

стр. 123

صوم رمضان جاء الحديث بروايتين عن ابن عمر وعن غيره: تقديم الحج (تحج بيت الله) وجاءت رواية: (تصوم رمضان) فبعضهم يروي رواية تقديم الحج على ما سمع ابن عمر، وقد أنكر عليه رجل فقال: (لا تنكر ما لا تعلم، هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول) والرواية نقلية لا يجتهد فيها الراوي. وبإجماع المسلمين: أن صوم رمضان على كل بالغ قادر ليس مريضاً ولا مسافراً، على الذكر والأنثى والحر والعبد، فكل بالغ مسلم فعليه الصوم ما لم يقم به مانع أو رخصة.

стр. 124

حج بيت الله الحرام وفريضة الحج في العمر مرة، أما الصيام فيتكرر بتكرار الشهر، والصلاة تكرر بتكرار أوقاتها: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] فكلما تكررت الأوقات تكررت الصلاة، وكلما جاء شهر رمضان وجب الصيام. أما حج البيت فقد جاء عنه ﷺ أنه لما أمر بالحج: (قالوا: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت ولم يجبهم، ثم قال: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، الحج في العمر مرة) . ويقول بعض العلماء: لماذا كان الحج في العمر مرة، مع أن أشهر الحج تتكرر كما يتكرر الصيام بتكرر رمضان؟ قالوا: الحج ليس للأشهر، والأشهر زمن للحج وظرف له، وإنما الحج للبيت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧] والبيت واحدوليس متعدداً. قالوا: لما كان المحجوج -وهو البيت- واحداً اكتفي بحج مرة واحدة، أما الصيام فإنه لذات الشهر: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة:١٨٥] فكلما جاء شهر رمضان وجب الصيام. وهكذا أيها الإخوة نجد هذا الحديث مع الحديث الذي قبله يبين أن ما ذكر في جواب جبريل إنما هو بهذا الحديث أركان الإسلام. ويقول بعض العلماء: لماذا لم يذكر الجهاد؟ لماذا لم تذكر الأمانة وغيرها؟ وأجيب عن ذلك: بأن البناء إنما هو للأركان الأساسية، كما إذا أردت أن تقيم بيتاً فبنيت الأعمدة والجدران فهذا هو قوام البيت، أما ما يكون بعد ذلك من اللياسة والبوية، والخشب، ومن الكهرباء، والماء، والبلاط، ومن تلك التتميمات فهي تتميم الإسلام، إنما الأركان الأساسية التي بها قوام البناء هي ما جاءت في هذا الحديث، فإذا ما سقط ركن منها سقط البيت أو مال من جهته، إذا انهدم عموده الأساسي -الصلاة- سقط كله، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. ولهذا كما تقدم: (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق) فإذا أقمت العمارة كاملة، ونسيت تركيب باب أو نافذة أحدثت نقصاً في تلك العمارة بقدر هذا النقص البسيط، وإذا ما أكملتها وكانت موادها جيدة كان البناء حسناً. وهكذا يتم تشبيه رسول الله ﷺ للإسلام بالبناء بهذه المواد التي ذكرها ﷺ .

стр. 125

الآثار المترتبة على أداء أركان الإسلام وهناك حديث آخر يضم إلى هذه الأحاديث الثلاثة ليبين منزلة هذه الأركان في حياة المسلم، كما جاء عنه ﷺ في رواية مسلم: (الحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) هذا الحديث يبين لنا آثار تلك الأركان. (الحمد لله) ثناء على الله بما هو له أهل. (سبحان الله) تنزيه الله عما لا يليق به، فهي حقيقة لا إله إلا الله. (وسبحان الله والحمد لله تملآن) هذا بيان الثواب.

стр. 126

الصلاة نور (والصلاة نور) كما بين الرسول ﷺ ، وجاء في سورة الحديد قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد:١٣] وقال ﷺ : (تبعث أمتي غراً محجلين من أثر الوضوء) نور في الجبين، ونور في القدمين موضع الوضوء.

стр. 127

الصدقة برهان (والصدقة برهان) : الصدقة هي الزكاة، ولكن هنا صدقة وصدق، والصدقة والصدق من مادة واحدة: الصاد والدال والقاف، فالصدقة برهان على صدق من قال: أنا مسلم؛ لأن حياة الناس مبناها المعاوضة، وأنت تدفع الثمن وتأخذ السلعة عاجلة، فإذا تصدقت بمالك ولم تأخذ عوضاً عاجلاً فأين العوض؟ المؤمن بالله واليوم الآخر يتصدق ويخفي صدقته؛ لأنه يتعامل مع من لا تخفى عليه خافية، ويدفع القليل والكثير رجاء ما سيكون له يوم يلقى ربه، فهي برهان على إيمانه بالله، وإيمانه باليوم الآخر، وبأن الله سيظله في ظل صدقته يوم القيامة.

стр. 128

الصبر ضياء (والصبر ضياء) : الصبر يشمل الصوم، ويسمى رمضان شهر الصبر؛ لأنك تصبر على العطش والجوع، والصبر تقوم به جميع الأعمال. (والقرآن حجة لك أو عليك) إن اتبعته فهو حجة لك ودليل إلى الجنة، وإن خالفته فهو يتبعك ويطالبك، ويوم القيامة له معك موقف. (كل الناس يغدو فبائع نفسه) إن باعها للرحمن فهي للجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] إلى آخر الآية، وإن باعها للشيطان فهذه بيعة خاسرة. إذاً: (فمعتقها) إن باعها لله، (وموبقها) أي: مهلكها؛ إن باعها للشيطان. إذاً يضم هذا الحديث إلى حديث (بني الإسلام) وإلى سؤال جبريل، فيتكون عندنا: معنى الإسلام ومعنى بنيانه، ومعنى آثاره على الأمة أفراداً وجماعات. وبالله تعالى التوفيق. اللهم اجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه، واجعلنا ممن أقاموا بناء الإسلام، واستظلوا بظله، وعاشوا في حماه، وأسأل الله تعالى أن يرد المسلمين شعوباً وحكاماً، صغيراً وكبيراً إلى الإسلام، فيدخلوا في هذا البناء الفسيح الرحب، وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 129

الأسئلة

стр. 130

فضل صلاة الجماعة السؤال ما حكم من يصلي منفرداً فتفوته الجماعة؟ الإجابة: من إقامة الصلاة أن تؤدى في جماعة، لقوله ﷺ : (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) ، ولكن الجمهور يختلفون: هل الجماعة شرط في صحة الصلاة؟ فالجمهور على أن الصلاة تصح ولو منفرداً لقوله ﷺ : (صلاة المرء في جماعة أفضل من صلاته في بيته بخمس وعشرين درجة -أو- بسبع وعشرين جزءاً) فقالوا: إذا كانت تفضل عن صلاته فرداً، فالمفاضلة تدل على التساوي وزيادة أحد الجانبين، فزيد أطول من عمرو، معناه: عمرو طويل ولكن زيداً أطول منه. إذاً: تشترك الصلاة منفرداً وجماعة في الصحة، ولكن الصلاة في الجماعة تفضل على الصلاة منفرداً. وجاء في حديث آخر: (إذا كان أحدكم في غنمه، أو كان في بر وجاء وقت الصلاة؛ فليؤذن وليقم وليصل، فإنه يصف وراءه من الملائكة ما بين المشرق والمغرب) وجاء أيضاً: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي) وذكر ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فعنده طهوره ومسجده) فأيما رجل، أي: فرد، إذاً: صلاته منفرداً صحيحة. ولكن الحفاظ على الجماعة أمر مهم، وكان السلف يقولون: (ما كنا نرى يتخلف عنها إلا منافق بيِّن النفاق) ، وجاء عنه ﷺ : (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، وأنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى أولئك الذين تخلفوا عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم) وفي بعض الروايات: (لولا ما في البيوت من النساء والأطفال لحرقت عليهم بيوتهم) ، وذلك لترك الجماعة. والذي جاء في الحديث الصحيح أو الحسن: (من صلى أربعين صلاة في مسجدي هذا، لا تفوته صلاة كتبت له براءة من النار وبراءة من النفاق، وأمن من عذاب القبر) . نقول: أيها الإخوة! ليس المراد أربعين صلاة في ثمانية أيام ونودع الصلاة، ونقول: أخذنا براءة! لا والله، إنما المراد أن تتابع الجماعة بشرط ألا تفوتك صلاة، فإذا فعلت ذلك كان بمثابة الترويض والتعويد، وبمثابة أخذ علاج مكثف هو علاج حفاظك على الجماعة، فإذا رجعت إلى بلدك كنت قد أخذت دورة تدريبية على الحفاظ على الجماعة، وكان قلبك معلقاً بالمسجد، كلما نادى المنادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح، أجبت المنادي، وحضرت الجماعة. وبالله التوفيق.

стр. 131

شرح الأربعين النووية - الحديث الرابع [١]

стр. 132

شرح حديث: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ... ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصبحه أجميعن. أما بعد: عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) رواه البخاري ومسلم.

стр. 133

ترجمة مختصرة لابن مسعود راوي الحديث (عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه) وابن مسعود هذا من أوائل المسلمين قيل: كان سادس رجل مسلم، وكان سبب إسلامه: أنه رأى معجزة لرسول الله ﷺ فأسلم حالاً: (كان غلاماً يرعى غنماً لرجل عنده، فمر به النبي ﷺ ومعه أبو بكر، فقال: هل عندك من لبن؟ قال: نعم، قال: اسقنا، قال: إني مؤتمن -أي: لا أملك أن أسقيكم من مال غيري، وهذه أمانة الأجير، فقد كان فعل ابن مسعود هذا قبل أن يسلم، وإنما حمله على ذلك المروءة والإنسانية. فقال له ﷺ : هل عندك من عنز لم ينزها الفحل؟ قال: نعم، قال: ائتني بها. فجاءه بعنز لم يطرقها الفحل ولم تحمل، فأخذها ﷺ ومسح بضرعها، ودعا الله، فامتلأ الضرع لبناً، فحلب فشرب وسقى أبا بكر رضي الله تعالى عنه، ثم قال للضرع: اقلصي. فرجعت كما كانت لا لبن فيها، فلما رأى ذلك عبد الله شهد بأن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) . وكان من أعلام الصحابة وعلمائهم، يقول: (والله ما من آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيما نزلت؟ وأين نزلت؟ ومتى نزلت؟ ولو أني أعلم رجلاً أعلم بذلك مني تصله المطية لرحلت إليه) . وجاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه وقال: (إن عندنا رجلاً يملي المصحف من رأسه! فغضب عمر واشتد غضبه، ثم قال: ويحك من هذا؟! قال: ابن مسعود، قال: فسكن غضبه، وقال: ما من أحد اليوم أحق بذلك منه) . وكان رجلاً نحيف الخلقة، دقيق الساقين، فذهبوا مرة يجمعون بعض ما يكون في شجر الأراك، فكشفت الريح عن ساقه وهي دقيقة، فضحك من رآها، فقال ﷺ : (علام تضحكون؟ قالوا: لدقة ساق ابن مسعود يا رسول الله! فقال ﷺ : أتعجبون من هذا! والله إنه عند الله لأثقل من جبل أحد) . ويذكرون عنه الشيء الكثير في كرمه وأدبه وأخلاقه، وكان أشبه الناس آداباً بأخلاق رسول الله ﷺ ، وكان أمين سره وصاحب نعليه ووسادته في السفر، وله المناقب العديدة.

стр. 134

ابتداء ابن مسعود الحديث بقوله: (وهو الصادق المصدوق) يروي لنا هذا الحديث بهذه الصيغة، قال: (حدثنا رسول الله) وعلماء الحديث في المصطلح بعضهم يقول: حدثنا، أخبرنا، أنبأنا كلها بمعنى واحد. وبعضهم يقول: (حدثنا) بمعنى: قال وسمعنا حديثه، و (أنبأنا) قرئ عليه وهو يسمع، و (أخبرنا) مناولة أو إجازة، وهنا (حدثنا) ، أي: أحدث لنا كلاماً، وهو التحدث باللسان. ثم نجد ابن مسعود في هذا الحديث بالذات يقدم له مقدمة لم تجر له في جميع أحاديثه، مع أن بعض العلماء يقول: روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه هذا فوق الثمانمائة حديث. يقول: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق) رسول الله صادق ومصدوق قبل أن يقول ابن مسعود، وصادق ومصدوق في كل ما يحدث به، وهو صادق قبل البعثة وبعدها، وعلى خلق عظيم قبل البعثة وبعدها. لقد جاء في سيرته ﷺ قبل البعثة أن قريشاً لما اختلفوا في وضع الحجر الأسود عند بناء الكعبة، وتنازعوا في أي قبيلة يكون لها شرف وضع الحجر الأسود في مكانه من الجدار في الكعبة، حتى كادوا أن يقتتلوا، حتى ألهمهم الله وقالوا: علام نقتتل؟! نحكّم أول رجل يخرج علينا من هذا الفج، فكان أول من خرج عليهم هو محمد بن عبد الله، فلما رأوه جميعاً قالوا: الأمين ارتضيناه! وكان ذلك بمثابة انتزاع اعتراف منهم بأنه الأمين. وجاء في السير أن هرقل سأل يوماً: أي الأمم تختتن؟ لقد رأيت نجم نبي الختان قد ظهر. فقالوا: العرب يختتنون. قال: إذا جاء وفد من العرب فأحضروهم إليّ. فلما جاء أبو سفيان ومن معه في تجارة إلى الشام أحضروهم إلى هرقل، فسألهم: هل ظهر عندكم نبي؟ قالوا: نعم. قال: لقد كنت أتوقع أن يظهر هنا، ثم قال: إني سائل عن هذا الرجل فأي رجلٍ أقرب إليه نسباً فيكم؟ قالو: هذا أبو سفيان. قال: إني سائله، فكونوا من وراء ظهره، إن صدق فصدقوه، وإن كذب فأخبروني. فسأله عدة أسئلة، ومنها: أكان يكذب عليكم قبل هذه الدعوى، أم كان صادقاً في الحديث؟ قال: ما جربنا عليه كذباً قط. ثم سأله: أكان يغدر في العهد؟ قال: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها! فأراد أبو سفيان أن يدخل دخيلة، وأن يدلس في كلامه. ثم قال: ولكنه أيها الملك أخبرنا بأنه قد جاء إلى مسجدكم هذا ورجع إلينا في ليلة واحدة -وأراد أبو سفيان بذلك أن يبين بأن هذه كذبة ليست معقولة، ولكن الله أراد أن يحقق المعجزة- فقام دهقانٌ وكان قائماً على رأس الملك وقال: نعم، لقد علمت بتلك الليلة. فقال له الملك: وما علمك بها؟ قال: كنت لا أنام حتى أغلّق أبواب هذا المسجد، وفي ليلة استعصى علينا باب كذا من أبوابه، فجاء الخدم وأخبروني، فدعوت النجاجرة فجاءوا وقالوا: لقد سقط النجاف على الباب فلا نستطيع تحريكه، فدعه إلى الصباح، فتركناه إلى الصباح، فلما جئنا في الصباح وجدنا الباب على ما كان عليه سابقاً، أي: يفتح ويغلق على ما كان عليه، وارتفع النجاف عن الباب، فعلمت أنه حبس على نبي يأتي تلك الليلة. إذاً هو ﷺ في بادئ أمره صادق، فلماذا يقدم ابن مسعود لهذا الحديث من الثمانمائة الحديث بقوله: (حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق) ؟ الجواب إذا سمعت بأن صحابياً يقول عن رسول الله ﷺ : (أخبرني خليلي) (أخبرني حبيبي) (أخبرني الصادق المصدوق) توقع شيئاً عظيماً مما يختص به الخليل أو مما يحتاج إلى التنبيه والتأكيد، وهذا الحديث من ضمنها؛ لأنه يخبر عن رسول الله ﷺ وحاله لا يخفى على الناس، إذ ولد في مكة، واسترضع في الطائف، ورجع إلى مكة، ثم جاء إلى المدينة، وما دخل مختبراً، ولا معملاً، ولا جلس إلى طبيب، ولا شرّح امرأة، ولا سلّط أشعة على رحم، ولا علم شيئاً من ذلك مما يعلمه البشر، وإذا هو يخبر عن بَدْء خلق الإنسان من نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضعة إلى ما بعد ذلك من أطوار خلق الإنسان، فكان من حق ابن مسعود أن يقول: وهو الصادق المصدوق فيما سأخبركم بأنه حدثني به، فلا يتطرق الشك إلى أحدكم؛ لأنه لم يعلم شيئاً من ذلك من قبل، أو لأنها أمور خفية داخل الرحم، فهو يخبر بما جاءه علمه من فوق سبع سماوات يخبر عن المغيبات يخبر عن من لم يوجد متى سيوجد فيما يعلمه الله . إذاً تقديم ابن مسعود لهذا الحديث بقوله: (وهو الصادق) أي: فيما يخبر، (المصدوق) فيما أخبر وأعلن فيه إشارة إلى أنه لم يخبر هذا الخبر من تلقاء نفسه، ولا يتوصل إليه إنسان عادي، إذاً لابد من أنه أخبر من جهة أخرى، وكان إخباره صدقاً، فهو صادق فيما يخبر، ومصدق فيما يتناوله الخبر، ومن الذي يعلمه بذلك؟ الله : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] .

стр. 135

معنى قوله: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه) قال: (إن أحدكم -أي فرد من بني البشر- يجمع خلقه في بطن أمه) البطن داخله الرحم، وهذا من النطق بالأعم، ووجود الأعم يقتضي وجود الأخص، أي: أنه يدل عليه، وأخبر بالكل وأراد البعض. (يجمع خلقه) يقول بعض العلماء: الجمع هو توحيد المفترق، وهو ضم الأفراد والأجزاء بعضها إلى بعض، فإما أن يراد بداية الجمع وهي النطفة؛ لأن النطفة من الرجل تجمع من جميع جسمه كما قال بعض العلماء من تحت الشعرة، وكما تأتي المشابهة في الطول أو القصر أو اللون أو غير ذلك، أو يجمع في أطواره، طوراً نطفة، وطوراً علقة، ثم مضغة، ثم يأخذ طريقه في بقية الأطوار حتى الولادة. (يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة) وفي بعض الروايات: (أربعين ليلة) ولا منازعة في ذلك، فاليوم يقتضي الليلة، والليلة تقتضي اليوم، والنطفة: هي الماء الخالص أي القليل، تقول: نطف الماء إذا فاض، والنطفة هنا هي المني، ويقال في العلم: إن الحديث الملي متر المكعب يحتوي على ملايين الحيوانات المنوية، ولا يلقح بويضة المرأة داخل الرحم إلا واحد فقط من تلك الملايين، ووجود هذا الكم الهائل منها يؤدي إلى بقاء النوع، وهذه قضية مطردة في كل ما خلق الله من النبات والحيوان وغير ذلك، فإذا جئت إلى عالم النبات تجد حبة الطماطم فيها الكثير من البذور؟ والبذرة الواحدة تنبت شجرة، وتثمر عشرات الحبات، وفيها آلاف البذور، لكي يبقى النوع ويمكن أن ينمو، ويمكن أن يزرع ويعاد إلى ما شاء الله، ولو كانت الشجرة تنبت حبة واحدة ربما تلفت وضاعت. وتأتي إلى الحيتان فتجد في السمكة الواحدة آلاف بل ملايين البويضات الصغيرة، كل هذه تنشأ عنها حيتان صغيرة، وهكذا، ويستثنى من ذلك الطيور، فالأنثى لا تنتج إلا حبة واحدة، لكن تتكرر البيضة كل زمن معين. إذاً هذا الحيوان -النطفة- يجمع منه في بطن الأم واحداً من تلك البلايين، يقول بعض العلماء المتأخرين: لو أن حيوانات المني التي تلقح منها البويضات جمعت من عهد آدم وحواء إلى أن تقوم الساعة لم تملأ كستبان الخياط، يعني: لا تزيد عن اثنين سنتيمتر مكعب، هذه قدرة الخالق سبحانه، وهذا الحيوان الذي لا يرى إلا بالمجهر جعل الله فيه خصائص الشخص وطبائعه وأشكاله وغرائزه من بخل أو كرم، وشجاعة أو جبن، ولون، وطول، وشبه، كل ذلك يولد مع الإنسان في ملايين من تلك الحيوانات، وهذا ما يسمى في لغة العلم الأحيائي بالجينات.

стр. 136

معنى قوله: (ثم يكون علقة مثل ذلك) والعلقة كما يقول جميع المفسرين: قطعة دم جامدة، أو دم متجلط متجمد، ويخالف في ذلك علماء الأجنة فيقولون: العلقة ليست قطعة دم جامدة، ولا يمر بالجنين فترة تجمد قط، إنما العلقة: من العلوق؛ لأن الجنين بعد فترة النطفة يعلق بجدار الرحم، وترتيب ذلك عندهم: أن الله سبحانه كما أوجد في الرجل إحدى الخصيتين لإفراز الماء المنوي، أوجد في مقابله البويضتين عند المرأة، والجهاز التناسلي في الرجل يعادل تماماً الجهاز التناسلي في المرأة مع اختلاف في الشكل، فللرجل ذكر بارز، وللمرأة مهبل داخل، وللرجل إحدى الخصيتين لإفراز المني وطبخه، وللمرأة المبيضان لإفراز البويضات، ومن حكمة الله أن أحد المبيضين يفرز شهراً ويستريح آخر، والثاني يفرز شهراً ويستريح آخر، وفي كل شهر تأتي البويضة، ويقولون: إن أكبر خلية في جسم الإنسان هي البويضة، ولا تصل إلى حبة العدس في حجمها، فتخرج من المبيض وتأتي إلى قناة الرحم، وتنتظر عند فم الرحم، فإذا حصل لقاء الرجل بالمرأة، يسبق واحد من الحيوانات فقط فيعلق بالبويضة، وحينئذ يحصل التلقيح فتأخذ طريقها من قناة الرحم إلى أن تستقر في الرحم، وبعد سبعة أيام تنغرز وتنزرع تلك البويضة في جدار الرحم، وهناك تعلق ويستقر مصيرها، فأول يوم تمشي بالحيوان المنوي في قناة الرحم وتبدأ بالانقسام فتصير إلى خليتين، والخليتان تنقسمان إلى أربع، والأربع إلى ثمان، وهكذا في تكاثر حتى تصل إلى الرحم في شكل يعرف عندهم بالتوتة -أي حبة التوت- لأن حبة التوت عبارة عن خلايا متراصة فيما بينها، وهكذا تكون البويضة على شكل حبة التوت فتأتي إلى داخل الرحم، وجدار الرحم يكون كالإسفنجة فتعلق فيه تلك البويضة على شكلها الذي وصلت إليه ثم تبدأ تنقسم وتتزايد ويصير داخلها ماء سائلاً، وينقسم هذا الماء إلى متغذ، وإلى متغذىً به، وهكذا يبدأ تخطيط الجنين من الأسبوع الأول، بمعنى أن الله سبحانه بقدرته يقدر أوضاع هذا الجنين بعد أن قدر أنه مخلوق، ويمضي في نموه إلى أن يبلغ أربعين يوماً، ثم يبقى في تخطيطه الداخلي -أي: المقدر دون أن يرى ولا يشاهد- حتى إذا بلغ إلى المرحلة التي يكون قد استكمل فيها التخطيط خلال الأربعة الأشهر، هناك يأتي إليه الملك وينفخ فيه الروح بعد أن يكون قد خطط ورسم، ووضع كل جزء فيه في مكانه، وتميز الرأس عن المنكبين، واليدان عن القدمين، ووضعت أجزاؤه الداخلية، والقلب قد يوجد من الأسبوع الرابع أو قبل ذلك، وهكذا تتكون جميع أجزائه الداخلية والخارجية، وكل عضو فيه يكون قد وجد بالفعل وأخذ مكانه، فإذا جاء الملك ونفخ فيه الروح بدأ بالحركة، ومن هنا يقول العلماء: جعل الله سبحانه عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا. أما المطلقة فإن عدتها تكون ثلاثة أشهر أو ثلاثة أقراء؛ لأن المطلقة زوجها حاضر إذا ادعت حملاً لم يكن موجوداً أو نفت حملاً هو موجود كان الزوج المطلق هو صاحب هذا الحمل، فإن ادعت حملاً معدوماً قام ونفى حتى لا تطالبه بنفقة العدة، أو أنها نفت حملاً موجوداً وذهبت لتسقطه قام يدافع عن ولده. أما المتوفى عنها زوجها فليس لها ولي يطالب أمامها، وليس خصمها موجوداً فلا يمكن أن تدعي حملاً ليس موجوداً، ولا تستطيع أن تنفي حملاً موجوداً بالفعل؛ لأنه إذا بلغ الأربعة الأشهر ونفخ فيه الروح صار الجنين بعد ذلك يتحرك بداخلها، إن لم يكن في اليوم الأول ففي اليوم الثاني، أو الخامس، أو العاشر، فحينئذٍ إذا استكملت الأربعة أشهر وعشرة أيام وادعت بعد ذلك حملاً عرضت على النسوة، فإذا عرضت على ذوات الخبرة فلا يحتجن إلى أشعة، ولا إلى ماء وهرمونات، ولا إلى أن يضعن أيديهن على بطنها فيشعرن بالحركة، أي: أن الجنين يثبت نفسه، وإذا ادعت حملاً وعرضت على القوابل أو ذوات الاختصاص فلم يجدن عندها شيئاً، بطل ادعاؤها، وهكذا تتفق عدة الوفاة، وتتفق أطوار الجنين هنا عند الأربعة أشهر بنفخ الروح فيه. وهنا في هذا الحديث: (أربعين يوماً علقة) والعلقة قال فيها جميع علماء التفسير: قطعة دم جامدة، والطب يقول: لا يأتي على الجنين فترة تجمد قط؛ لأنه في نمو منذ أن خلق، ويبدأ الانقسام بعد ثلاثة أيام، وسيترتب على هذا من الأحكام الفقهية ما سننبه عليه في آخر الحديث إن شاء الله.

стр. 137

شرح الأربعين النووية - الحديث الرابع [٢]

стр. 138

تتمة حديث ابن مسعود في مراحل خلق الإنسان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

стр. 139

معنى قوله: (ثم يكون مضغة مثل ذلك) يقول العلماء: المضغة قطعة لحم بقدر ما يمضغ في الفم، نقول: إن هذا والله تعالى أعلم على مقتضى المعنى اللغوي، ولكن الذي يظهر أن معنى مضغة: لم يزل في حالته مجتمعاً لم تتفصل أجزاؤه، وإجماع المفسرين في هذه الحالة -مهما كان الأمر- أنه تأتي عليه هذه الثلاثة الأربعينات وهي تعادل مائة وعشرين يوماً، فإذا قسمناها على أيام الشهر ثلاثين يوماً كانت الأربعة الأشهر تماماً، فحينئذٍ بعد الأطوار الثلاث يكون قد تهيأ لنفخ الروح فيه، فيأتي الملك وينفخ فيه الروح.

стр. 140

معنى قوله: (ويؤمر بأربع كلمات) قال ﷺ : (ويؤمر بأربع كلمات) هذه الكلمات التي أشرنا أنها نوع من أنواع القضاء والقدر الذي قدره الله قبل أن يوجد العالم، وهو القدر الخاص بكل فرد. فيكتب أجله، وهذا الأجل لا يمكن أن يزيد ولا ينقص، ويكتب رزقه، وعمله، ويكتب نهايته شقي أو سعيد، ويختم صحيفته، ولا يزيد في عمره ولا ينقص منه. ولقائل أن يقول: كيف يحدد رزقه فلا يزيد ولا ينقص منه، مع وجود الأحاديث الأخرى: (من أراد أن ينسأ له في أثره، ويوسع له في رزقه؛ فليصل رحمه) وكيف ينسأ له في أثره؟ بمعنى: يزيد أي: يؤخر كما في قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة:١٠٦] أي: نؤخرها. فقوله: (من أراد أن ينسأ له في أثره) أي: يؤخر ويطول عمره، (وأن يوسع له في رزقه ويزيد فليصل رحمه) ، مع أن الكلمات كتبت وحددت وعيّنت، وهناك الآية الكريمة: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ، فكيف يمكن الجمع بين ما سبق وبين هذا الحديث؟ فيجاب على ذلك بقول النووي ﵀ في شرح مسلم: للعلماء في الجمع بين هذه النصوص أقوال: إما أن المولى سبحانه كتب في هذه الصحيفة في قدر الإنسان وهو يعلم في علمه الأزلي أنه سيزيد له من عمره، ولكن هذه الكتابة الظاهرة هي التي أطلع عليها الملك، والتي يمشي بمقتضاها الملائكة الموكلون بأمر الإنسان، ثم هو في علمه سيزيد، وبعضهم يورد على ذلك اعتراضاً: إذا جاء الأجل المكتوب سيأتي ملك الموت. والآخرون يقولون: الزيادة في العمر والتوسعة في الرزق على سبيل المجاز وليس على سبيل الحقيقة، بمعنى إذا وصل رحمه بارك الله له في عمره بما قدر له، فلو كان عمره خمسين سنة، يبارك الله له في الخمسين، فيعمل فيها من الخير، ويحصل له فيها من توفيق الله كما لو كان يعيش إلى ثمانين أو تسعين سنة، وكذلك رزقه مقدر، له عشرة آلاف فهذه العشرة آلاف من أي نوع كان لن تكون أحد عشر ألفاً أبداً، كما لن تكون تسعة آلاف أبدا، ولكن هذه العشرة آلاف يطرح فيها البركة، بحيث تصبح أكثر من عشرين وثلاثين ألفا، وهناك عشرة آلاف منزوعة البركة لا تساوي ألفاً واحداً، فقالوا: (ينسأ له في أثره) أي: يبارك له في زمنه ووقته، كما لو عاش أكثر من ذلك. ولقد وجدنا بعض العلماء وبعض الأشخاص في عمر قليل أنتجوا ما لم ينتجه الذين عمروا أضعاف ذلك العمر، وهكذا ما جاء في رزقه يبارك الله له فيه.

стр. 141

الشقاوة والسعادة ونتائجها قال: (وعمله وشقي أم سعيد) هذه الفقرة الأخيرة يقسم النبي ﷺ على نتائجها، فيقول: (والله الذي لا إله إلا هو) ، وهنا أيضاً نجد أن النبي ﷺ بنفسه يقسم وهو الصادق المصدوق لا يحتاج إلى أن يقسم، ولكن الله كثيراً ما يقسم في كتابه، وقسمه ﷺ بالله الذي لا إله إلا هو على أي شيء؟ (إن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب -الذي كتب شقي أو سعيد- فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) فهنا يأتي التساؤل: كيف يعمل بعمل أهل الجنة ولم يبق بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، ما ذنبه؟ وماذا فعل؟ يجيب عن ذلك العلماء ويقولون: نعم، جاء في بعض الروايات: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة في الظاهر) أما الخفي والنية الخفية فلا يعلمها إلا الله، ولقد وجدنا قضية كبرى بينها سبحانه في قضية إبليس مع آدم والملائكة، لما قال سبحانه للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] يقول العلماء: (إني أعلم ما لا تعلمون) ما ظهر من موقف إبليس، حيث كان في ظاهر الأمر يعبد الله، وكان في الأرض من أشد خلق الله عبادة حتى رفع إلى مصاف الملائكة بعد أن قاتل الحن والبن ومن كان قبلهم، فلما وجد آدم ورآه تعاظم في نفسه واستنكر خلقته، ثم كان يستهزئ به، فلما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم أظهر ما كان خفياً وقال: أنا خير منه، فقدم قياسه ونظرته الفاسدة لنفسه على أمر الله له ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة:٣٤] ومن هنا كان يظهر عمله مع الملائكة، وكان يخفي استهزاءه وتكبره على آدم الذي خلقه الله بيديه. إذاً: منكم من يعمل بعمل أهل الجنة، وإذا أخذنا في الاعتبار رواية في ظاهر الأمر، يكون كثير من الناس يعملون عملاً خيراً لكنه في الظاهر، وقلوبهم وبواطن أمورهم لا يعلمها إلا الله، ويكون القسم الثاني يعمل بعمل أهل النار، ولكن نبتة الإيمان في قلبه رطبة، وحسن اعتقاده بربه قوي، وأمله في الله ورجاؤه لا زال حياً، فهو على هذا الرجاء، وعلى ذاك الإيمان عندما يريد الله له الخير، ويتوجه بوجهته إلى الخير يتوب إلى الله ، وهناك يدخل الجنة ويسبق بسبق الكتاب إليه.

стр. 142

نماذج ممن ختم لهم بالسعادة النموذج الأول: ما قاله ﷺ (كان رجلٌ فيمن كان قبلكم قتل تسعاً وتسعين نفساً، فجاء وسأل رجلاً عابداً: هل لي من توبة؟ قال: كيف تتوب وقد قتلت تسعاً وتسعين؟ فقتله فأكمل المائة، ثم ذهب وسأل عالماً، فقال له: نعم، ومن يحول بين العبد وربه؟ تب إلى الله يقبل توبتك، ولكن اخرج من هذه البلدة التي فيها قرناء السوء، واذهب إلى القرية الفلانية فيها رجال صالحون يعبدون الله فاعبد الله معهم، فخرج الرجل تائباً إلى الله، فلما انتصف به الطريق مات، فجاءت ملائكة الرحمة بكفن وحنوط من الجنة، وجاءت ملائكة العذاب بكفن وحنوط من النار، وكل جلس مد البصر ينتظر انتزاع الروح ليأخذها إلى جانبه، فاختصموا فيه فأرسل الله إليهم ملكاً على صورة رجل، فقال: قيسوا ما بين البلدين وألحقوه بأقربهما منه، فقاسوا ما بين البلد التي خرج منها والبلد التي ذهب إليها، وفي الحديث: إن الله قد أوحى إلى هذه أن تباعدي، وأوحى إلى تلك أن تقاربي- تنزوي الأرض، بقدرة الله- وفي بعضها: أن الله أقدره بأن نأى بصدره إلى الجهة التي خرج إليها، فكان الفرق ذراعاً فقط فأخذت روحه ملائكة الرحمة) . النموذج الثاني: قصة الغلام اليهودي الذي كان يخدم رسول الله ﷺ ، (افتقده الرسول ﷺ فسأل عنه، فقالوا: إنه مريض. قال: قوموا بنا إليه لنعوده، فذهبوا إليه فوجدوه في النزع، فقال ﷺ للغلام: يا غلام! قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فنظر الغلام إلى أبيه وكان عند رأسه، فقال له: أطع أبا القاسم، فنطق الغلام بما أملى عليه رسول الله قائلا: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وافتلتت روحه، فحينئذ قال ﷺ لأصحابه: تولوا أنتم أمر صاحبك) بمجرد أن قال: لا إله إلا الله أصبح صاحبنا، وأصبح المسلمون أولى به من أبيه، ماذا صلى؟ وماذا صام؟ وماذا زكى؟ وماذا فعل من خير؟ لا شيء، ولكنه كان يعمل بعمل أهل النار، وكان بينه وبينها أقل من ذراع فسبق عليه الكتاب فدخل الجنة. ومن هنا كان السلف إذا تذكروا هذا الحديث بكوا وقالوا: لا ندري حينما كتب الملك هل كنا من الأشقياء أم من السعداء؟ كما يقولون: ما ندري عند نزع الروح أي الصنفين من الملائكة يكون عندنا؟ وما ندري كيف يكون حالنا عند خاتمة الأمر وعند تطاير الصحف وعند وعند؟ والعبد دائماً وأبداً دائر بين الرجاء والخوف. ويقول العلماء: إذا كان العبد في مقتبل حياته فيغلب جانب الخوف ليجتهد في الخير ويبتعد عن الشر، وإذا كان في أخريات حياته يغلب جانب الرجاء في الله ، وهكذا فقد جاء النووي بهذا الحديث بعد حديث جبريل، وبعد حديث: (بني الإسلام على خمس) ليبين أن الأعمال بالخواتيم، وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف شاء) وكان من دعائه ﷺ : (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه، ويجعلنا وإياكم من السعداء، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.

стр. 143

أحكام فقهية متعلقة بإسقاط الأجنة أو الجناية عليها إن هذا الحديث ليس مجرد وعظ، وليس مجرد إخبار عن الغيب، ولكنه يترتب عليه شيء من الأحكام الفقهية: من ذلك: أنه إذا سقط هذا الجنين قبل الولادة، فماذا يكون على من أسقطه؟ وما حكم هذا السقط من حيث الصلاة عليه وتكفينه ودفنه، وكذلك ميراثه؟ يبحث العلماء هذا الموضوع في باب الجنائز، وتغسيل الميت والصلاة عليه، واستحقاق الميراث، فيتفقون على أنه إن نزل واستهل صارخاً فإن له الميراث، وإذا جني عليه فإن من جنى عليه ملزم بنفس كاملة. وإذا ما خرج قبل أربعة أشهر ماذا يكون حكمه؟ إذا نزل قبل الأربعة الأشهر يختلف الأمر فيه، إذ جاء في ذلك عن الشافعي قولان، وعن أحمد روايتان؛ بأنه يصلى عليه أو لا يصلي، أما بعد الأربعة الأشهر فإنه إذا نزل حياً أو ميتاً فإنهم متفقون أنه خرج بعد نفخ الروح فيه ولو بعد الأربعة الأشهر بيوم واحد، وعليه فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، فإن نزل ميتاً فلا ميراث له، وإن نزل متحركاً أو له ما يثبت الحياة الثابتة أي حركة مستقرة وكان بعد ستة أشهر -لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر- فله الميراث إن نزل حياً ثم مات بعد ذلك، فإذا جني عليه قبل أن يتحرك فإن في الجناية عليه غرة إذا انفصل عن أمه ميتا، أما إذا مات مع أمه -جني عليه مع أمه- ولم ينزل فديته تندرج في دية أمه، وإذا نزل ميتاً وأمه بقيت في الحياة فإن ديته غرة وليدة أمة أو عبدا. بعد ذلك يأتي البحث: هل للمرأة أن تسقط الجنين قبل الأربعة الأشهر أم لا؟ فعلى قول بعض الفقهاء: النطفة التي تتكون خلال الأربعين يوماً الأولى لها أن تنزلها؛ لأنها لم تتطور. ويقول الحنابلة والمتأخرون: إن النطفة حينما تعلق ببويضة المرأة لا يجوز إجهاضها، وهذا ما أقره الأطباء، حيث عقد في سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف المؤتمر الطبي العام في مستشفى القصر العيني، بحضور جميع أطباء مصر، وفي تلك الندوة قرروا: أنه لا يجوز لطبيب أن يجهض امرأة إذا علقت البويضة، ولو من أول يوم، وكل إجهاض فهو عمل جنائي. أما كونها تحتاج إلى ذلك أو تضطر إليه فهذا أمر آخر، أما في الأحوال العادية التي لا يكون فيها خطر على الأم فلا يجوز إجهاض النطفة ولو بعد تلقيحها بثلاثة أيام، لأن الأطباء متفقون على أن البويضة مع الحيوان المنوي بعد التلقيح بثلاثة أيام تبدأ بالانقسام، وهكذا يبدأ في النمو كما ينمو البطيخ في عرقه، ولا يزال ينمو ويزيد ويتخلق إلى أن تنفخ فيه الروح فيصير إنساناً مكتملاً، وما كان على هذه الحالة فلا يجوز بحال من الأحوال أن تجهض المرأة نفسها أو تسقط جنينها بعد أن علق برحمها، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وهذا من المعجزات لرسول الله ﷺ أن يبين لنا ما يتعلق بخلق الجنين في الرحم، ولم يطلع على ذلك أحد في ذلك العهد، وكما أشرنا لم تكن هناك أية وسيلة من وسائل الاطلاع على ما في الأرحام وإنما هو الوحي من الله، وكما قال ابن مسعود: وهو الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، والحمد لله رب العالمين.

стр. 144

الأسئلة

стр. 145

عدم معارضة علم الله بما في الأرحام مع ما وقع من تطور في علم الطب السؤال الله بيّن أنه يعلم ما في الأرحام وعلمها من الغيب، وإن بعض الهيئات الطبية الآن تطلع على ما في الأرحام، ويحددون ما إذا كان ذكراً أو أنثى كيف يكون الجمع بين ذلك؟ الجواب أولاً: قضية الذكر والأنثى هذه ناحية أخرى يرجع أمرها إلى الرجل ولا دخل للمرأة في ذلك: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم:٤٥-٤٦] وطريقة معرفتهم لما في الرحم هي: إما أن يأخذوا سائلاً من الماء الموجود في الرحم، وبعد أن يأخذوه يدخلوه إلى المعمل وينظرون إلى نوعية الهرمونات على اصطلاحهم، وهي كائنات خلايا البشر من ذكورة أو أنوثة، وهي تختلف، وقد بين الإسلام اختلافها في مواطن سوى ذلك، فبعد أن يعلموا نوعية الهرمونات التي تسبح في سائل الجنين، فعندها يمكنهم تمييز الجنين فإن كانت الهرمونات من إفراز ذكورة يكون ذكراً، وإن كانت من إفراز أنوثة يكون أنثى، وهم بهذا ما عرفوا ما بداخل الرحم إلا بعد أن أخرجوا السائل إلى الخارج ونظروا ماذا فيه، وهذا الأمر بسيط، فلو شققنا بطن المرأة وعملنا عملية جراحية فسنعرف الجنين أهو ذكر أم أنثى؟ فبدلاً من أن نشق البطن ندخل إبرة صغيرة ونأخذ من الماء ونحلله، إذاً دون هذه الطريقة لا يستطيعوا معرفة هذا الجنين، لكن السؤال: هل لهم أن يخبرونا بدون إخراج الماء السائل من رحم الأم، لو جاءوا بأشعة (إكس) أو جاءوا بأشعة (ليزر) أو جاءوا بأشعة كذا وكذا وقالوا: علمنا جنس الجنين، نقول: لقد دخلتم على الجنين واقتحمتم عليه بيئته ولم تعلموا جنسه وأنتم في الخارج، لكن دعوه في مكانه وأخبرونا بنوعه دون الدخول عليه! لا يستطيعون ذلك. إذاً: لا يتنافى ذلك كله مع أن المولى سبحانه وحده هو الذي يعلم ما في الأرحام. الموضوع الثاني: حبوب منع الحمل، هذه من مشاكل العصر، وقد زحفت علينا من أعدائنا، والبوابة الكبيرة التي أدخلتها علينا إسرائيل؛ لأنها من قبل سنوات كانت تشيع وتدعو وتجتهد في تصدير وتشجيع استعمال هذه الحبوب، وكانت هناك دعوى سابقة من ماركس اليهودي الأصل، الذي ادعى بأن العالم مقبل على هلاك من المجاعة لتزايد السكان تزايداً هندسياً، وتزايد مواد الغذاء تزايداً حسابياً، والتزايد الحسابي: واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، والتزايد الهندسي: واحد، اثنين، أربعة، ثمانية، ستة عشر، اثنين وثلاثين، أربعة وستين ومضاعفاتها، وكان يقول: بعد خمسة وعشرين سنة يتضاعف عدد السكان كذا مرة، والغذاء لا يواكب هذه الزيادة، فتكون النتيجة الهلاك، لكن ولله الحمد مضت على دعوته عشرات السنين ومئات السنين والعالم بخير، ومعدل الإنتاج يرتفع، والآن بعض الدول تتلف منتجاتها لتحافظ على الأسعار في الأسواق. ومن الناحية الطبية فإن المبيض متصل بالرحم، وإذا كان الرحم خالياً فإن المبيض ينتج بويضة ويرسلها إلى الرحم، فإذا علق في الرحم بويضة مع حيوان منوي أفرز الرحم مادة تخبر المبيض: أن أوقف الإنتاج فلا محل عندي، فحبوب منع الحمل تعمل على إنزال هذا الهرمون الذي يفرزه الرحم لينذر المبيض بعدم الإنتاج، فتأخذ المرأة الحبوب ويقوم الرحم بإنذار مضلل مزيف: لا ترسل بويضات، فتبقى المرأة بدون إنتاج ولا يحصل هناك حمل، وهذه تسمى الطريقة الدوائية لمنع الحمل، وهناك طريقة أخرى غير دوائية لمنع الحمل تستعمل فيها العوازل لمنع الماء المنوي من أن يصل إلى البويضة فلا يقع تلقيح. وهذه الطريقة يحذر منها العلماء؛ لأنها تعود بالمضرة على المرأة في أعصابها، وفي دورتها الشهرية، بل وفي الخلقة بعد ذلك، وعلى هذا فتعاطي حبوب منع الحمل معارض لما جاء في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] ، لقوله ﷺ : (تناكحوا تناسلوا تكاثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة) وقوله: (سوداء ولود خير من بيضاء عقيم لم تلد) ، والرسول ﷺ -لما سألوه عن العزل- قال: (أوإنكم تفعلون؟) وفي بعض الروايات: (إنها الموءودة الصغرى) ، وجاء إليه رجل وقال: (إن لي جارية وهي ثانيتنا، وأريد منها ما يريد الرجل من المرأة أفأعزل عنها؟ فقال ﷺ : إذا أراد الله خلق الولد فأرقت الماء على حجر جاء الولد) وقد جاء مصداق ذلك -أي: أن الرجل إذا أفرغ ماءه على ثوب أو على فراش وجاءت المرأة ونامت في هذا الفراش أو لبست هذا الثياب، أو كان ألقاه على حجر وتمسحت به المرأة والماء رطب، فإن الحيوان المنوي له قدرة على البقاء إلى ست ساعات، ويستطيع أن يسري في الرطوبة حتى يصل إلى الرحم، وتحمل المرأة بدون وطء، وجاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أن رجلاً في زمنه كان قد خطب فتاة وأراد سفراً فذهب يوادع أرحامه، فما وجد أحداً في البيت ووجد خطيبته -وكان قد عقد عليها- فأرادها وحاول معها فعجز عنها، فضخ الماء بين فخذيها، ثم ذهب الرجل ومضت الأيام وظهر الحمل على الفتاة، فأُخبر بذلك عمر، فسألها، فأخبرته بالواقع، قال: إذا عاد من سفره أول من يكلمه عمر، فلما جاء وسأله عن يوم سفره أخبره كما أخبرت الفتاة، فقال عمر: إذا أرخيت الستور وحصلت الخلوة وجب كامل الصداق، ووجبت العدة، وألحق الولد بالزوج، وكان قبل ذلك يقول: من خلا بامرأة ولم يطأها وطلقها فلها نصف الصداق فقط ولا عدة عليها، لكن بعد هذه الحادثة -وقد حدث الحمل دون وطء- ظهر لـ عمر وجوب كامل الصداق والعدة، ولهذا يقول الحنابلة: أيما امرأة تحملت ماء زوجها بدون وطء منه وحملت ألحق به الولد، وعليها إذا طلقها العدة، وله الميراث، وكل أحكام الزوجية والأولاد تسري على هذا الحمل من هذا الماء، وكلنا يعلم أن التلقيح الصناعي إنما هو أخذ ماء فحل ووضعه في أنثى من جنسه، سواء كان في البقر والخيل أو كان كذلك في بني آدم، وقد عرف التلقيح الصناعي من قديم في زمن الفراعنة، ووجد على أوراق البردي بيان كيفية هذا التلقيح. إذاً: قضية منع الحمل تعارض الكتاب والسنة، ولا ينبغي لمسلم أن يفعل ذلك، وقد يدعي بعض الناس قلة النفقة والعجز عن التربية، والله يرد على هذا الادعاء فيقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وإياهم﴾ [الأنعام:١٥١] ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإياكم﴾ [الإسراء:٣١] وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .
следующие страницы →