← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الشقاوة والسعادة ونتائجها قال: (وعمله وشقي أم سعيد) هذه الفقرة الأخيرة يقسم النبي ﷺ على نتائجها، فيقول: (والله الذي لا إله إلا هو) ، وهنا أيضاً نجد أن النبي ﷺ بنفسه يقسم وهو الصادق المصدوق لا يحتاج إلى أن يقسم، ولكن الله كثيراً ما يقسم في كتابه، وقسمه ﷺ بالله الذي لا إله إلا هو على أي شيء؟ (إن أحدكم يعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب -الذي كتب شقي أو سعيد- فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) فهنا يأتي التساؤل: كيف يعمل بعمل أهل الجنة ولم يبق بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، ما ذنبه؟ وماذا فعل؟ يجيب عن ذلك العلماء ويقولون: نعم، جاء في بعض الروايات: (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة في الظاهر) أما الخفي والنية الخفية فلا يعلمها إلا الله، ولقد وجدنا قضية كبرى بينها سبحانه في قضية إبليس مع آدم والملائكة، لما قال سبحانه للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] يقول العلماء: (إني أعلم ما لا تعلمون) ما ظهر من موقف إبليس، حيث كان في ظاهر الأمر يعبد الله، وكان في الأرض من أشد خلق الله عبادة حتى رفع إلى مصاف الملائكة بعد أن قاتل الحن والبن ومن كان قبلهم، فلما وجد آدم ورآه تعاظم في نفسه واستنكر خلقته، ثم كان يستهزئ به، فلما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم أظهر ما كان خفياً وقال: أنا خير منه، فقدم قياسه ونظرته الفاسدة لنفسه على أمر الله له ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة:٣٤] ومن هنا كان يظهر عمله مع الملائكة، وكان يخفي استهزاءه وتكبره على آدم الذي خلقه الله بيديه. إذاً: منكم من يعمل بعمل أهل الجنة، وإذا أخذنا في الاعتبار رواية في ظاهر الأمر، يكون كثير من الناس يعملون عملاً خيراً لكنه في الظاهر، وقلوبهم وبواطن أمورهم لا يعلمها إلا الله، ويكون القسم الثاني يعمل بعمل أهل النار، ولكن نبتة الإيمان في قلبه رطبة، وحسن اعتقاده بربه قوي، وأمله في الله ورجاؤه لا زال حياً، فهو على هذا الرجاء، وعلى ذاك الإيمان عندما يريد الله له الخير، ويتوجه بوجهته إلى الخير يتوب إلى الله ، وهناك يدخل الجنة ويسبق بسبق الكتاب إليه.

стр. 142

نماذج ممن ختم لهم بالسعادة النموذج الأول: ما قاله ﷺ (كان رجلٌ فيمن كان قبلكم قتل تسعاً وتسعين نفساً، فجاء وسأل رجلاً عابداً: هل لي من توبة؟ قال: كيف تتوب وقد قتلت تسعاً وتسعين؟ فقتله فأكمل المائة، ثم ذهب وسأل عالماً، فقال له: نعم، ومن يحول بين العبد وربه؟ تب إلى الله يقبل توبتك، ولكن اخرج من هذه البلدة التي فيها قرناء السوء، واذهب إلى القرية الفلانية فيها رجال صالحون يعبدون الله فاعبد الله معهم، فخرج الرجل تائباً إلى الله، فلما انتصف به الطريق مات، فجاءت ملائكة الرحمة بكفن وحنوط من الجنة، وجاءت ملائكة العذاب بكفن وحنوط من النار، وكل جلس مد البصر ينتظر انتزاع الروح ليأخذها إلى جانبه، فاختصموا فيه فأرسل الله إليهم ملكاً على صورة رجل، فقال: قيسوا ما بين البلدين وألحقوه بأقربهما منه، فقاسوا ما بين البلد التي خرج منها والبلد التي ذهب إليها، وفي الحديث: إن الله قد أوحى إلى هذه أن تباعدي، وأوحى إلى تلك أن تقاربي- تنزوي الأرض، بقدرة الله- وفي بعضها: أن الله أقدره بأن نأى بصدره إلى الجهة التي خرج إليها، فكان الفرق ذراعاً فقط فأخذت روحه ملائكة الرحمة) . النموذج الثاني: قصة الغلام اليهودي الذي كان يخدم رسول الله ﷺ ، (افتقده الرسول ﷺ فسأل عنه، فقالوا: إنه مريض. قال: قوموا بنا إليه لنعوده، فذهبوا إليه فوجدوه في النزع، فقال ﷺ للغلام: يا غلام! قل: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فنظر الغلام إلى أبيه وكان عند رأسه، فقال له: أطع أبا القاسم، فنطق الغلام بما أملى عليه رسول الله قائلا: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وافتلتت روحه، فحينئذ قال ﷺ لأصحابه: تولوا أنتم أمر صاحبك) بمجرد أن قال: لا إله إلا الله أصبح صاحبنا، وأصبح المسلمون أولى به من أبيه، ماذا صلى؟ وماذا صام؟ وماذا زكى؟ وماذا فعل من خير؟ لا شيء، ولكنه كان يعمل بعمل أهل النار، وكان بينه وبينها أقل من ذراع فسبق عليه الكتاب فدخل الجنة. ومن هنا كان السلف إذا تذكروا هذا الحديث بكوا وقالوا: لا ندري حينما كتب الملك هل كنا من الأشقياء أم من السعداء؟ كما يقولون: ما ندري عند نزع الروح أي الصنفين من الملائكة يكون عندنا؟ وما ندري كيف يكون حالنا عند خاتمة الأمر وعند تطاير الصحف وعند وعند؟ والعبد دائماً وأبداً دائر بين الرجاء والخوف. ويقول العلماء: إذا كان العبد في مقتبل حياته فيغلب جانب الخوف ليجتهد في الخير ويبتعد عن الشر، وإذا كان في أخريات حياته يغلب جانب الرجاء في الله ، وهكذا فقد جاء النووي بهذا الحديث بعد حديث جبريل، وبعد حديث: (بني الإسلام على خمس) ليبين أن الأعمال بالخواتيم، وقد جاء عنه ﷺ أنه قال: (قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف شاء) وكان من دعائه ﷺ : (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) نسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه، ويجعلنا وإياكم من السعداء، وأن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.

стр. 143

أحكام فقهية متعلقة بإسقاط الأجنة أو الجناية عليها إن هذا الحديث ليس مجرد وعظ، وليس مجرد إخبار عن الغيب، ولكنه يترتب عليه شيء من الأحكام الفقهية: من ذلك: أنه إذا سقط هذا الجنين قبل الولادة، فماذا يكون على من أسقطه؟ وما حكم هذا السقط من حيث الصلاة عليه وتكفينه ودفنه، وكذلك ميراثه؟ يبحث العلماء هذا الموضوع في باب الجنائز، وتغسيل الميت والصلاة عليه، واستحقاق الميراث، فيتفقون على أنه إن نزل واستهل صارخاً فإن له الميراث، وإذا جني عليه فإن من جنى عليه ملزم بنفس كاملة. وإذا ما خرج قبل أربعة أشهر ماذا يكون حكمه؟ إذا نزل قبل الأربعة الأشهر يختلف الأمر فيه، إذ جاء في ذلك عن الشافعي قولان، وعن أحمد روايتان؛ بأنه يصلى عليه أو لا يصلي، أما بعد الأربعة الأشهر فإنه إذا نزل حياً أو ميتاً فإنهم متفقون أنه خرج بعد نفخ الروح فيه ولو بعد الأربعة الأشهر بيوم واحد، وعليه فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، فإن نزل ميتاً فلا ميراث له، وإن نزل متحركاً أو له ما يثبت الحياة الثابتة أي حركة مستقرة وكان بعد ستة أشهر -لأن أقل مدة الحمل ستة أشهر- فله الميراث إن نزل حياً ثم مات بعد ذلك، فإذا جني عليه قبل أن يتحرك فإن في الجناية عليه غرة إذا انفصل عن أمه ميتا، أما إذا مات مع أمه -جني عليه مع أمه- ولم ينزل فديته تندرج في دية أمه، وإذا نزل ميتاً وأمه بقيت في الحياة فإن ديته غرة وليدة أمة أو عبدا. بعد ذلك يأتي البحث: هل للمرأة أن تسقط الجنين قبل الأربعة الأشهر أم لا؟ فعلى قول بعض الفقهاء: النطفة التي تتكون خلال الأربعين يوماً الأولى لها أن تنزلها؛ لأنها لم تتطور. ويقول الحنابلة والمتأخرون: إن النطفة حينما تعلق ببويضة المرأة لا يجوز إجهاضها، وهذا ما أقره الأطباء، حيث عقد في سنة ست وثلاثين وتسعمائة وألف المؤتمر الطبي العام في مستشفى القصر العيني، بحضور جميع أطباء مصر، وفي تلك الندوة قرروا: أنه لا يجوز لطبيب أن يجهض امرأة إذا علقت البويضة، ولو من أول يوم، وكل إجهاض فهو عمل جنائي. أما كونها تحتاج إلى ذلك أو تضطر إليه فهذا أمر آخر، أما في الأحوال العادية التي لا يكون فيها خطر على الأم فلا يجوز إجهاض النطفة ولو بعد تلقيحها بثلاثة أيام، لأن الأطباء متفقون على أن البويضة مع الحيوان المنوي بعد التلقيح بثلاثة أيام تبدأ بالانقسام، وهكذا يبدأ في النمو كما ينمو البطيخ في عرقه، ولا يزال ينمو ويزيد ويتخلق إلى أن تنفخ فيه الروح فيصير إنساناً مكتملاً، وما كان على هذه الحالة فلا يجوز بحال من الأحوال أن تجهض المرأة نفسها أو تسقط جنينها بعد أن علق برحمها، والله أسأل أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحبه ويرضاه، وهذا من المعجزات لرسول الله ﷺ أن يبين لنا ما يتعلق بخلق الجنين في الرحم، ولم يطلع على ذلك أحد في ذلك العهد، وكما أشرنا لم تكن هناك أية وسيلة من وسائل الاطلاع على ما في الأرحام وإنما هو الوحي من الله، وكما قال ابن مسعود: وهو الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، والحمد لله رب العالمين.

стр. 144

الأسئلة

стр. 145

عدم معارضة علم الله بما في الأرحام مع ما وقع من تطور في علم الطب السؤال الله بيّن أنه يعلم ما في الأرحام وعلمها من الغيب، وإن بعض الهيئات الطبية الآن تطلع على ما في الأرحام، ويحددون ما إذا كان ذكراً أو أنثى كيف يكون الجمع بين ذلك؟ الجواب أولاً: قضية الذكر والأنثى هذه ناحية أخرى يرجع أمرها إلى الرجل ولا دخل للمرأة في ذلك: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ [النجم:٤٥-٤٦] وطريقة معرفتهم لما في الرحم هي: إما أن يأخذوا سائلاً من الماء الموجود في الرحم، وبعد أن يأخذوه يدخلوه إلى المعمل وينظرون إلى نوعية الهرمونات على اصطلاحهم، وهي كائنات خلايا البشر من ذكورة أو أنوثة، وهي تختلف، وقد بين الإسلام اختلافها في مواطن سوى ذلك، فبعد أن يعلموا نوعية الهرمونات التي تسبح في سائل الجنين، فعندها يمكنهم تمييز الجنين فإن كانت الهرمونات من إفراز ذكورة يكون ذكراً، وإن كانت من إفراز أنوثة يكون أنثى، وهم بهذا ما عرفوا ما بداخل الرحم إلا بعد أن أخرجوا السائل إلى الخارج ونظروا ماذا فيه، وهذا الأمر بسيط، فلو شققنا بطن المرأة وعملنا عملية جراحية فسنعرف الجنين أهو ذكر أم أنثى؟ فبدلاً من أن نشق البطن ندخل إبرة صغيرة ونأخذ من الماء ونحلله، إذاً دون هذه الطريقة لا يستطيعوا معرفة هذا الجنين، لكن السؤال: هل لهم أن يخبرونا بدون إخراج الماء السائل من رحم الأم، لو جاءوا بأشعة (إكس) أو جاءوا بأشعة (ليزر) أو جاءوا بأشعة كذا وكذا وقالوا: علمنا جنس الجنين، نقول: لقد دخلتم على الجنين واقتحمتم عليه بيئته ولم تعلموا جنسه وأنتم في الخارج، لكن دعوه في مكانه وأخبرونا بنوعه دون الدخول عليه! لا يستطيعون ذلك. إذاً: لا يتنافى ذلك كله مع أن المولى سبحانه وحده هو الذي يعلم ما في الأرحام. الموضوع الثاني: حبوب منع الحمل، هذه من مشاكل العصر، وقد زحفت علينا من أعدائنا، والبوابة الكبيرة التي أدخلتها علينا إسرائيل؛ لأنها من قبل سنوات كانت تشيع وتدعو وتجتهد في تصدير وتشجيع استعمال هذه الحبوب، وكانت هناك دعوى سابقة من ماركس اليهودي الأصل، الذي ادعى بأن العالم مقبل على هلاك من المجاعة لتزايد السكان تزايداً هندسياً، وتزايد مواد الغذاء تزايداً حسابياً، والتزايد الحسابي: واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، والتزايد الهندسي: واحد، اثنين، أربعة، ثمانية، ستة عشر، اثنين وثلاثين، أربعة وستين ومضاعفاتها، وكان يقول: بعد خمسة وعشرين سنة يتضاعف عدد السكان كذا مرة، والغذاء لا يواكب هذه الزيادة، فتكون النتيجة الهلاك، لكن ولله الحمد مضت على دعوته عشرات السنين ومئات السنين والعالم بخير، ومعدل الإنتاج يرتفع، والآن بعض الدول تتلف منتجاتها لتحافظ على الأسعار في الأسواق. ومن الناحية الطبية فإن المبيض متصل بالرحم، وإذا كان الرحم خالياً فإن المبيض ينتج بويضة ويرسلها إلى الرحم، فإذا علق في الرحم بويضة مع حيوان منوي أفرز الرحم مادة تخبر المبيض: أن أوقف الإنتاج فلا محل عندي، فحبوب منع الحمل تعمل على إنزال هذا الهرمون الذي يفرزه الرحم لينذر المبيض بعدم الإنتاج، فتأخذ المرأة الحبوب ويقوم الرحم بإنذار مضلل مزيف: لا ترسل بويضات، فتبقى المرأة بدون إنتاج ولا يحصل هناك حمل، وهذه تسمى الطريقة الدوائية لمنع الحمل، وهناك طريقة أخرى غير دوائية لمنع الحمل تستعمل فيها العوازل لمنع الماء المنوي من أن يصل إلى البويضة فلا يقع تلقيح. وهذه الطريقة يحذر منها العلماء؛ لأنها تعود بالمضرة على المرأة في أعصابها، وفي دورتها الشهرية، بل وفي الخلقة بعد ذلك، وعلى هذا فتعاطي حبوب منع الحمل معارض لما جاء في قوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء:٣] ، لقوله ﷺ : (تناكحوا تناسلوا تكاثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة) وقوله: (سوداء ولود خير من بيضاء عقيم لم تلد) ، والرسول ﷺ -لما سألوه عن العزل- قال: (أوإنكم تفعلون؟) وفي بعض الروايات: (إنها الموءودة الصغرى) ، وجاء إليه رجل وقال: (إن لي جارية وهي ثانيتنا، وأريد منها ما يريد الرجل من المرأة أفأعزل عنها؟ فقال ﷺ : إذا أراد الله خلق الولد فأرقت الماء على حجر جاء الولد) وقد جاء مصداق ذلك -أي: أن الرجل إذا أفرغ ماءه على ثوب أو على فراش وجاءت المرأة ونامت في هذا الفراش أو لبست هذا الثياب، أو كان ألقاه على حجر وتمسحت به المرأة والماء رطب، فإن الحيوان المنوي له قدرة على البقاء إلى ست ساعات، ويستطيع أن يسري في الرطوبة حتى يصل إلى الرحم، وتحمل المرأة بدون وطء، وجاء عن عمر رضي الله تعالى عنه أن رجلاً في زمنه كان قد خطب فتاة وأراد سفراً فذهب يوادع أرحامه، فما وجد أحداً في البيت ووجد خطيبته -وكان قد عقد عليها- فأرادها وحاول معها فعجز عنها، فضخ الماء بين فخذيها، ثم ذهب الرجل ومضت الأيام وظهر الحمل على الفتاة، فأُخبر بذلك عمر، فسألها، فأخبرته بالواقع، قال: إذا عاد من سفره أول من يكلمه عمر، فلما جاء وسأله عن يوم سفره أخبره كما أخبرت الفتاة، فقال عمر: إذا أرخيت الستور وحصلت الخلوة وجب كامل الصداق، ووجبت العدة، وألحق الولد بالزوج، وكان قبل ذلك يقول: من خلا بامرأة ولم يطأها وطلقها فلها نصف الصداق فقط ولا عدة عليها، لكن بعد هذه الحادثة -وقد حدث الحمل دون وطء- ظهر لـ عمر وجوب كامل الصداق والعدة، ولهذا يقول الحنابلة: أيما امرأة تحملت ماء زوجها بدون وطء منه وحملت ألحق به الولد، وعليها إذا طلقها العدة، وله الميراث، وكل أحكام الزوجية والأولاد تسري على هذا الحمل من هذا الماء، وكلنا يعلم أن التلقيح الصناعي إنما هو أخذ ماء فحل ووضعه في أنثى من جنسه، سواء كان في البقر والخيل أو كان كذلك في بني آدم، وقد عرف التلقيح الصناعي من قديم في زمن الفراعنة، ووجد على أوراق البردي بيان كيفية هذا التلقيح. إذاً: قضية منع الحمل تعارض الكتاب والسنة، ولا ينبغي لمسلم أن يفعل ذلك، وقد يدعي بعض الناس قلة النفقة والعجز عن التربية، والله يرد على هذا الادعاء فيقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وإياهم﴾ [الأنعام:١٥١] ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وإياكم﴾ [الإسراء:٣١] وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .

стр. 146

شرح الأربعين النووية - الحديث الخامس [١]

стр. 147

شرح حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال النووي ﵀: عن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لـ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . هذا هو الحديث الخامس من الأربعين النووية التي جمعها واختارها الإمام النووي ﵀، وفيها من التوجيه والأخلاق والآداب والمواعظ ما هو غني عن البيان. وهذا الحديث النبوي الشريف يعتبر أصلاً من أصول الدين، وهو أبين وأوضح حديث يرد البدع على المبتدعين، ويلزم المسلمين جميعاً أن تكون أعمالهم وفق ما جاء به النبي ﷺ على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود الذي قال فيه: (حدثني الصادق المصدوق) وقلنا: إنه استهله بهذه العبارة؛ لأن موضوع حديثه يحتاج إلى يقظة، وإلى انتباه، وفيه بُعد عن العقل البشري.

стр. 148

كنية عائشة ﵂ قال: (عن أم المؤمنين) ، وصفها بما وصفها به الله ؛ لأن هذا الوصف لأمهات المؤمنين، ثم كناها، فهي أم المؤمنين وأم عبد الله، والاسم إذا صدر بأب أو أم فهو كناية، كنيت بـ أم عبد الله وبأم المؤمنين، ويتفق العلماء على أن الأمومة للمؤمنين أمومة تكريم وتشريف، وليست أمومة محرم، فلا يحق لأي إنسان أن يخلو بها، ولا أن تكشف وجهها للغريب كما تكشف الأم لولدها، ولكنها أمومة تشريف وتعظيم وتكريم لحرمة نكاحها. فلا يحق لأحد من العالمين أن يتزوج بإحدى زوجات رسول الله ﷺ من بعده، ومن هنا قيل عنهن: أمهات المؤمنين؛ لأنهن يحرمن على كل مؤمن كما تحرم الأم على ولدها، ولكن لا يخلو بها، ولا يرثها، ولا تكون هناك أحكام الأمهات بينهن وبين سائر المسلمين، قال الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] ، لماذا؟ تعظيماً وتكريم، وإذا كان الأمر كذلك، فالأم دائماً مشفقة على أولادها، وقد قال بعض الصحابة لأم المؤمنين عائشة: (يا أم المؤمنين! إني أريد أن أسألك عن شيء ولكني أستحي، قالت: ما كنت سائلاً أمك عنه فسلني، فقال: الرجل يأتي أهله ويكسل أعليه غسل؟ فقالت: مثلك مثل الفروج يسمع الديكة تصيح فيصيح معهم) تعني: أنت طويلب علم صغير، وتأتي إلى الأمور الدقيقة وتسأل فيها، وذكرت له الحكم. زوجات الرسول ﷺ لماذا حرمن على جميع المسلمين وكن أمهات المؤمنين؟ يقول العلماء: الزوجة إذا ماتت والزوج إذا مات والتقيا في الجنة، فهل تكون الزوجة في الدنيا زوجة في الجنة؟ نعم، قال الله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:٢١] فإن كتب الله للزوجين المسلمين دخول الجنة فالزوجة في الدنيا لزوجها في الآخرة، ولكن ما كل زوجين يمكن أن يحكم لهما بالجنة، ولكن سيد الخلق ﷺ وأمهات المؤمنين مقطوع بدخولهن الجنة، ومقطوع بأنهن زوجاته في الآخرة، فإذا كن زوجاته في الدنيا وهن زوجاته في الآخرة، فيحرم على أي إنسان أن يتزوج بواحدة منهن. والرسول ﷺ حي في قبره حياة برزخية كما أن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وللحياة البرزخية أمور تدخل في هذا الباب، نقول: أمهات المؤمنين، من باب التشريف والتكريم، ولا تجري عليهن بقية أحكام الأمومة مع أولادهن. يقال: هذه أم فلان إذا كان ولدها اسمه كذلك،، وأبو عبد الله، وأبو عبد الرحمن، إذا كان هذا اسم ولده، والتعريف بالكناية أشد وأعظم تكريماً من التعريف بالاسم العلم فقط. جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (والله يا عائشة إني أعرف متى تكونين راضية عني ومتى تكونين غير راضية؟ قالت: وكيف تعرف ذلك؟ قال: إذا كنت راضية قلت: ورب محمد! وإذا كنت غير راضية قلت: ورب إبراهيم) . ويقال: يا أبا القاسم! تكريماً للرسول ﷺ ، وقال: (تسموا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي) ؛ فلا ينبغي للإنسان أن يكني نفسه (أبا القاسم) ؛ لأن هذه الكنية من الكنايات الخاصة به ﷺ ، لكن أن تسمي بمحمد وأحمد ومحمود، فلا مانع. إذاً: كنيت عائشة رضي الله تعالى عنها تكريماً لها، وهل كان لها ولد اسمه عبد الله حتى كنيت بـ أم عبد الله؟! بعض العلماء يقول: كانت قد حملت وأسقطت وسمي السقط عبد الله، ولكن علماء الحديث يجزمون بأنها لم تحمل من رسول الله ﷺ ، أي لم تلد من رسول الله قط، وإنما كنيت بابن أختها، ويجوز التكني بدون ولد، وهذا شائع في اللغة.

стр. 149

تكنية الصغير ومن لا ولد له وتقدمت معنا قصة الشافعي ومالك ﵃ جميعاً، عندما جاء الشافعي إلى المدينة، وكان قد بدأ الدراسة في مكة، ثم جاء إلى المدينة وهو في سن الثانية عشرة، ليقرأ الموطأ على مالك، واستضافه في بيته، وكانت ابنة مالك تسمع من أبيها: الشافعي جاء الشافعي ذهب، ويثني عليه لذكائه وحكمته وحرصه على طلب العلم. فلما استضافه مالك يوماً من الأيام، قالت: اليوم سأرى كيف عبادته، فقدمت العشاء ثم أحضرت الوضوء، فلما جاءت في الفجر لتعطيه ماء للوضوء لصلاة الفجر، وجدت ماء الوضوء الذي وضعته له بعد العشاء، لم يمسه، ولم يكن هناك غيره، فلما أصبحت قالت لأبيها: تقول لي: الشافعي الشافعي وما أفعاله بأفعال طلبة العلم! قال: ولماذا؟ قالت: قدمنا له العشاء فأكل كثيراً وليس هذا من صفة طلبة العلم، وأحضرنا له الماء في إناء ليتوضأ ويقوم من الليل ويصلي، فما توضأ ولا صلى ركعة، قال: سأسأله عن هذا! فلما أصبح سأله، قال: نعم، أما كثرة الأكل، فإني منذ خرجت من عند أمي -أمه هي التي ربته وسبحان الله! مالك أيضاً أمه التي ربته؛ لأن أباه خرج في الغزو، وكذلك أبو حنيفة وأحمد ﵏ جميعاً- قال: منذ خرجت من عند أمي -وكان في غزة- ما شبعت من طعام قط؛ لأني أتحرج من الحرام، ولما جئت إلى بيت مالك، وهو إمام دار الهجرة، علمت أنه يتحرى الحلال، فأردت أن أشبع بالحلال فأكلت كثيراً، أما عدم الوضوء في الليل فإني لم أنم، ولم ينتقض وضوئي للعشاء، وصليت الفجر بوضوء العشاء، قال: ولماذا؟ ما الذي أزعجك أو أقلقك ولم تنم؟ قال: حينما جئت إلى المدينة، صرت أمشي في طرقاتها وأتذكر الماضي وأقول: من هنا خرج رسول الله، ومن هنا جاء رسول الله، وهنا أوقفته العجوز، وهنا كلم الغلام -وهذا محل الشاهد- إذ مر على غلام صغير معه طائر نغري، وهذا الطائر معروف بكثرة عند أهل المدينة، وكان يلعب به، ثم مات الطائر، ولما رجع رسول الله ﵊ وجد الطائر قد مات، والطفل يبكي عليه، فقال له: (يا أبا عمير! ما فعل النغير؟) أبو عمير هذه كناية، فكناه وهو صبي ليس له ولد، فأخذت أتفكر في هذه العبارة: (يا أبا عمير ما فعل النغير؟) ومعلوم أن المدينة محرم الصيد فيها، قال: فاستخرجت من هذا الحديث أربعين مسألة فقهية!! منها أن الرسول ﷺ كنى هذا الغلام بما لم يولد له، فكذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها كنيت بـ أم عبد الله وهي لم تلد قط.

стр. 150

معنى (الإحداث) في هذا الحديث قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) . يقول العلماء: إنه ﷺ أوتي جوامع الكلم، مثل هذا النظم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، أربع كلمات تعتبر بمثابة القاموس، وتعتبر بمثابة القانون والقاعدة العامة الجامعة الشاملة لحفظ هذا الدين من أن يحدث فيه ما ليس منه، فكأنه إطار كامل جامع شامل لهذا الدين، لا يسمح لدخول محدثة في هذا الأمر، وهو كالقاعدة الأساسية، ولكن بقي علينا أن نقف طويلاً عند كلمتي: (أحدث) (أمرنا) ربما تجد إفراطاً وتفريطاً، في فهم الإحداث، وقد جاء في الحديث: (إن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة) ، فما هي المحدثات؟. أصل الحدث في اللغة: التجدد، يقال: حدث حادث، أي: هذا أمر حادث غير قديم، ويستعمل لفظ (حدث) عدة استعمالات بحسب السياق، وللغة استعمالاتها، وللشرع استعمالاته، فتقول: هذا حديث وليس بقديم، يعني: جديد، هذا حدث السن، أي: صغير، ويقال: هذه مدرسة الأحداث، أي: الصغار، ويقال: هذه حوادث، أي: جنايات، ولا يقال: حادثة إلا لأمر له خطورته؛ إذاً: معنى هذا أي: من أمر الدين. ويأتي الحدث في اصطلاح الدين بمعنى نقض الوضوء كما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) ، ونحن قلنا: الحوادث مثل: أو جريمة قتل، جريمة سرقة، أو حوادث تقع، مثل حوادث المرور، وتصادم السيارات، لكن ليس المراد هذا في الحديث، وقد سئل أبو هريرة عن الحدث فقال: (فساء أو ضراط) ، فالحدث كلمة عامة لكن المراد بها هنا حدثاً مخصوصاً ينقض الوضوء. وجاء في صحيح البخاري، في قصة رجم اليهوديين الذين زنيا، قال الراوي: (قد أحدثا جميعاً) فهل هو الحدث الذي عناه أبو هريرة؟ لا، بل معناه حدثاً آخر وهو الزنا، فقال رسول الله ﷺ : (ائتوني بأعلم رجلين عندكم، فأتي بهما، فقال: ما تجدون حكم هذا عندكم في التوراة؟) ، إلى آخره، فقول ابن عمر: (جاء اليهود إلى رسول الله برجل وامرأة قد أحدثا) فهذا حدث غير الحدث الذي في حديث أبي هريرة. وفي غزوة الأحزاب قال ﷺ : (من يأتي بالخبر؟) ، فقام حذيفة، قال: (اذهب وائتني بخبر القوم ولا تحدثن حدثاً) ، وهل قوله: (لا تحدثن حدثاً) هو الحدث الذي في حديث أبي هريرة أو حدث اليهودي واليهودية؟ لا، ولذا قال: والله! لقد رأيت أبا سفيان ينادي في القوم: الرحيل، وهو على راحلته، وإنها لمعقولة، فأخذت سهماً من كنانتي ولو شئت لقتلته، ولكن تذكرت قول رسول الله: (ولا تحدثن حدثاً) ، فكل هذا يسمى حدثاً، فجريمة القتل أو السرقة أو نقض الوضوء أو إتيان موجب لحد، كلها تسمى حدثاً، ونقول عند ذكر الحدث في الفقه: الحدث الأكبر والحدث الأصغر، فأي الأحداث المراد بها هنا في قوله: من أحدث؟ ما هو الحدث الذي يحدث في أمرنا؟ وما هو أمرنا؟

стр. 151

معنى (أمرنا) في هذا الحديث (أمر) مفرد لأوامر، ويأتي مفرد لأمور، يقال: أمرت أمراً، وصدرت أوامر، وتقول: حدث أمر وأمور كثيرة، فأمر مفرد أوامر بمعنى: تعليمات، وهي ضد النواهي، ويكون بمعنى أمور أي: أحداث تحدث. و (أمرنا) هنا من القسم الثاني، وليس من باب الأوامر والنواهي، ولكن (أمرنا) أي: الشأن الذي نحن عليه، وماذا يقصد بالشأن الذي نحن عليه؟ نحن في أحد أمرين: إما أمر الدنيا، وإما أمر الدين. وأمر الدنيا يشاركنا فيه كل العالم، المسلم والكافر فيه سواء، وأمور الدنيا ليست خاصة بالمسلمين بل هي عامة، فالأكل والشرب ليس من أمرنا خاصة، والسفر والحضر ليس من أمرنا خاصة، والنكاح والطلاق ليس من أمرنا خاصة، والدواء والصناعة ليس من أمرنا خاصة. إذاً: أمور الدنيا ليست من أمرنا خاصة، ولكنها عامة للعالم كله؛ لأن أمر الحياة يقتضيها. فقوله: (في أمرنا) معناه: في الشأن الخاص بنا وهو الدين. إذاً: الحدث مرتبط بشيء خاص وهو الدين وليس متعلقاً بالدنيا، ومن هنا لا يجوز لإنسان أن يقول عن أمر من أمور الدنيا: هذا محدث هذا ممنوع هذا رد، لا؛ لأن الرسول ﷺ يقول: (من أحدث في أمرنا) ، من قبل كنا نسافر على الأقدام ونركب الدواب، ثم جاءت السيارات والطائرات، فهل يقول قائل: هذه أحدثت وهذه محدثة لم تكن موجودة زمن رسول الله ﷺ ؟ لا، وليس لأحد حق في ذلك، بل جاء ما يرد عليه من قول رسول الله ﷺ في حديث صحيح أنه قال: (أنتم أعلم بدنياكم مني) ؛ لأنها أمور الدنيا، وأمور الدنيا في العالم كله ليست على وتيرة ومنهج واحد، بل لكل بلد منهجه في حياته، وحتى الصناعات لا تتفق في أنحاء العالم. فالشرع الحنيف ترك أمر الدنيا للناس في دنياهم على ما تقتضيه مصالحهم، أما أمر الدين فهذا لله.

стр. 152

لا يوجد بدعة حسنة في الدين قال: (من أحدث في أمرنا) أي: من أوجد وابتكر وأحدث شيئاً كان معدوماً، وجاء بشيء حادث لم يكن موجوداً من قبل في الدين، (فهو رد) بمعنى مردود. ما هي الأحداث التي ليست من أمر الدين؟ باختصار: كل جديد تراه وتسمع عنه فيما يتعلق بالتعبد، ويرجى فيه ثوابٌ عند الله، أو يخشى بتركه عقاب من الله، أي: يفعله العبد تديناً لله، فينظر هل هو مما جاء به رسول الله ﷺ أم لا؟ وقد قال مالك ﵀: لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. وقال مالك أيضاً: من سن سنة وظن أنها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ، فالذي يأتي بشيء جديد، ويقول: هذا من عندي، اعملوا به، وهو سنة حسنة، نقول له: هذا الذي جئتنا به، لماذا جئت به؟ هل الدين ناقص وتريد أن تكمله به، أو هو زائد على كمال الدين، فإن قال: الدين كان ناقصاً وأريد أن أكمله، نقول: كفرت بكتاب الله؛ لأن الله يقول: (أكملت) (وأتممت) . وإذا قال: إنه زائد عما جاء من عند الله، فنقول: كذبت بكتاب الله؛ لأن الشيء الكامل والتام لا يقبل زيادة، إذاً: لا يمكن لأحد أن يأتي بشيء ويستحسنه ولا أصل له في الدين، ويكون حسناً أبداً.

стр. 153

المصالح المرسلة ليست من البدع وأشكل على بعضهم هذا فقال: كيف تقولون: لا إحداث ولا بدعة حسنة، بينما جاء عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه جمع الناس على إمام واحد، في التراويح في قيام الليل حينما كانوا يقومون جماعات أوزاعاً، ثم قال: نعمت البدعة؟ فكيف سماها بدعة ووصفها بأنها نعمة، والنعمة ضد النقمة والبأس؟ الجواب من جاء بعمل لم يكن سابقاً، ولكنه من أمر الدين بمعنى: لم يخالف نصاً في كتاب الله، ولم يعارض نصاً من سنة رسول الله، بل يؤيد ويخدم ما جاء به كتاب الله وسنة رسوله، فهذا من أمرنا وليس بعيداً ولا غريباً عليه. ومن هنا قالوا: لقد جمع القرآن ولم يكن مجموعاً من قبل، فهل كان جمع القرآن حدثاً في ديننا؟ نعم هو أمر جديد، ولكن الصديق ﵁ لما أشار عليه عمر بذلك نظروا في ذلك، فإذا جمع القرآن من صلب الدين، فشرح الله صدر أبي بكر لما قاله عمر، ووافق زيد وأبو بكر عمر فيما قاله، فهل كان القرآن مدوناً من قبل؟ لا، تدوينه محدث، وجمعه في صحف شيء جديد محدث لم يكن من قبل، ولكنه نصر للدين ومن صلب الدين؛ لأنه يحفظ الدين بكليته، ويحفظ كتاب الله من الضياع. وكذلك السنة هل كانت مجموعة؟! ما كان هناك صحيح البخاري ومسلم، ولا السنن كلها، وما كان هناك المسندات: مثل مسند أحمد، لم تكن هذه العلوم مدونة، ومن ثم جمعت سنة رسول الله ﷺ ، ويمكن أن نقول: بداية تدوين السنة كان في زمن رسول الله ﷺ ، لقول أبي هريرة لما قالوا: أكثرت يا أبا هريرة! فقال: لم يكن أحد أحفظ مني إلا عبد الله بن عمرو بن العاص؛ لأنه كان يكتب وأنا لا أكتب. ولما قالوا لـ عبد الله بن عمرو: (إنك تكتب كل شيء عن رسول الله، ورسول الله بشر يغضب ويرضى، فسأل رسول الله، فقال: اكتب، فإني والله! لا أقول إلا حقاً) . إذاً: تدوين السنة كان من قبل، وقد كتب رسول الله للعمال ما يتعلق بأنصباء الزكاة، وما يتعلق بمقادير الديات، إلى غير ذلك. ثم وجد بعد ذلك علم النحو، وعلم الفقه، وعلم الأصول، وعلم المصطلح، وكل هذه العلوم دونت فيما بعد، فهل هذه محدثات في الدين، أو هي من صلب الدين؟ من صلب الدين. إذاً: قوله: (من أحدث في أمرنا) أي: شيئاً جديداً لا صلة له بالدين، (فهو رد) ، أما إذا كان من صلب الدين أو يخدم ما جاء به الدين، فليس رداً. وكما قالوا في جمع القرآن الكريم ولم يكن موجوداً، كذلك أيضاً تدوين الدواوين بأسماء المجاهدين كما فعل عمر رضي الله تعالى عنه، فإنه سجل أعطيات المهاجرين والأنصار فيما يتعلق بالغنائم وبالفيء. يقولون في الأصول: الإسلام جاء بجلب النفع ودفع الضر، فكل ما فيه جلب نفع للمسلمين فهو داخل في ديننا، ولكن النفع ليس متروكاً لأهواء الناس ولرغباتهم، ولكن ما شهد به الدين، وهذا باب المصالح المرسلة، وهو مفتوح على مصراعيه، فكل مصلحة لم ينفها الإسلام، وإن لم يأمر بها، لكنها تخدم جانباً من الجوانب الخمسة التي جاء الإسلام بحفظها وتدعيمها، وشرع الحدود لحفظها، فجمع القرآن وتدوين السنة وعمل الدواوين كل هذا لحفظ الدين، وكذا تدوين العلوم التي تخدم القرآن الكريم، وحفظ العقول بتحريم كل ما يضيع العقل، وكذلك حفظ النفس، وحفظ الأموال، وحفظ الأعراض، وحفظ الأنساب، فكل ما يعين على حفظ هذه الأمور فهو من الدين؛ لأن الإسلام جاء بذلك كله.

стр. 154

شرح الأربعين النووية - الحديث الخامس [٢]

стр. 155

تابع شرح حديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)

стр. 156

المحدثات قد تكون في العبادات أو المعاملات الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: ما هي المحدثات؟ هي: كل ما كان في أمر الدين مما لم يكن من قبل، ولم يشهد له كتاب ولا سنة. فإذا جاء إنسان بأمر جديد في عبادات أو في معاملات، فعمله مردود، فإن جاء بعبادة لم تكن معروفة من قبل فهي رد، وإن جاء بمعاملات وعقود بين الناس لم تكن موجودة فهي رد، وتكون العبادة باطلة ويكون العقد فاسداً. يذكر العلماء من المحدثات: صلاة الرغائب وكانت معروفة في بعض البلدان سابقاً، حيث تصلى في شهر رجب، فيجتمع الناس في المساجد ويصلون صلاة الرغائب ويفعلون كذا، ويقولون كذا، فهذه بدعة مردودة على أهلها؛ لأنها محدثة في الدين، ولم يوجد نص في كتاب الله ولا في سنة رسول الله يدل عليها، ولا ثبت عن أحد من سلف الأمة أنه كان يفعل ذلك في تلك الليلة بالذات. ومن المحدثات ما كان يفعله بعض الناس في الشام والعراق من التعريف ليلة عرفة في الأمصار، فكانوا يوم عرفة يجتمعون بعد العصر في المساجد تشبهاً بأهل عرفات في أرض عرفات، وكل ذلك ليس من الدين في شيء. وممن يأتي بالبدع في الدين من يدعون التصوف وليسوا بصوفية، وإنما يأتون بما حرم الله زاعمين أنه من الدين والدين بريء منه، ويشهد على ذلك قول بعض علماء الصوفية الصادقين: كل عمل أو كل دعوى ليس عليها شاهدا عدل من الكتاب والسنة فهي مردودة. فإذا جاء رجل وقال: خذوا هذه العبادة، فإنها حسنة، استحسنتها من فكري، نقول له: لا. وقد عاب أهل السنة على المعتزلة وغيرهم التحسين والتقبيح العقليين، فقالوا: العقل لا يحسن ولا يقبح، ولكن يستحسن ما حسن الشرع، ويستقبح ما قبح الشرع. إذا كانت العقود على مقتضى كتاب الله لا غرر فيها ولا ضرر ولا ضرار، وليس فيها أكل لأموال الناس بالباطل فهي صحيحة، أما إذا كان العقد يشتمل على ضرر وضرار، فهل يجوز برضا المتعاقدين؟ ولو تعاقد اثنان على شيء ولكن فيه ضرر على إنسان، أو تعاقدا على شيء نهى عنه الشرع، فهل نقول كما يقول أهل القانون: العقد شرعة المتعاقدين؟ لا. والآن الحمد لله رجع رجال القانون عن هذا، وألحقوا في القانون المادي: العقد شرعة المتقاضيين ما لم يتعارض مع المصلحة، ولكن نقول لهم: أي المصالح تريدون، فلابد أن تقيد بالمصالح الشرعية. عقد الربا بين اثنين، فهما حين يتفقان على خمسة في المائة أو اثنين في المائة، أليس هذا بتراضي الطرفين؟ نعم، وهل تراضي الطرفين على الربا يبيح هذا العقد؟ لا، بل هو فاسد، وكل عقد توجه النهي إليه في ذاته فهو فاسد، ولا ينفذ مقتضى العقد. لو أن إنساناً باع بيعتين في بيعة، أو باع حلالاً وحراماً، فهل ينعقد هذا العقد وهل يصح؟ اختلف العلماء فيما إذا كان النهي موجهاً لعين المنهي عنه أو موجهاً لوصف خارج عنه، وهذه قضية أصولية توضيحها كالآتي: قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] ، فإذا بعت عند النداء للصلاة فحكمه باطل؛ لأن الله قال: (ذَرُوا الْبَيْعَ) أي: اتركوه. ولو تعاقدا على دار أو على سلعة في هذا الوقت الذي نهى الله عن البيع والشراء فيه، فحكم هذا العقد أنه باطل. الله حرم الخمر والخنزير والميسر، فلو بايع المرء رجلاً يهودياً أو كتابياً من أهل الذمة، وجاء ليدفع الثمن، فنقصت عليه القيمة، فدفع إليه زق خمر بتمام القيمة، فالخمر منهي عن بيعها وشرائها، قال رسول الله ﷺ : (لعن الله بائعها ومشتريها ... ) إلى آخره، وهل النهي عن بيع الخمر يساوي النهي عن العقد عند النداء ليوم الجمعة أو يختلفان؟ إذا نظرنا إلى النهي عن البيع والشراء وقت النداء للجمعة، هل هو منهي عنه لذات المبيع؟ بمعنى أنك إذا اشتريت ثوباً عند النداء، هل النهي لعين الثوب هذا، أو النهي لأمر آخر، وهو عدم الاشتغال عن الذهاب إلى الجمعة؟ النهي عن البيع والشراء عند النداء من أجل الجمعة، والجمعة أمر خارج عن المبيع، ولكن حينما أخذت زق الخمر في الثمن فالنهي موجه للخمر لكونها ثمناً في بيت أو ثوب، فالنهي لعين الخمر.

стр. 157

متى يقتضي النهي فساد العقد، ومتى لا يقتضيه ؟ إذا كان النهي موجهاً لذات المنهي عنه فهو باطل فاسد بإجماع المسلمين، فمن باع خمراً أو اشتراها فالعقد باطل، ومن باع ميتة أو اشتراها فالبيع باطل، ومن باع خنزيراً أو اشتراه فالبيع باطل، ومن باع ملك غيره مما لا يملكه فالبيع باطل، ولكن إذا اشترى وباع وقت النداء يوم الجمعة ففيه خلاف، وإذا باع ملك الغير فهل النهي لكونه حيواناً أو ثوباً أو لكونه اعتداء على ملك الغير؟ لكونه اعتداء على ملك الغير، والغير خارج عن صلب العقد، ولو أن الغير وافق وأمضى هذا البيع، فمن العلماء من يقول: يصح البيع ويمضي بالعقد الأول؛ لأن المالك قد أجاز. من عقد عقداً وقت النداء إلى الجمعة، فالنهي لا لذات المعقود عليه، ولكن لأمر خارج عنه، فمن العلماء -ومنهم الحنابلة- من يلحق المنهي عنه لوصف خارج عنه بما نهي عنه لذاته، ولذا عندهم لو اغتصب سكيناً وذبح بها شاة، فالشاة ميتة؛ لأنه منهي عن غصب السكين، والجمهور يقولون: لا، ذبيحة الشاة حلال، وهذا مغتصب السكين، فحق الغصب لصاحب السكين، وهذا آثم لاغتصابه سكيناً، أما الشاة فقد أريق دمها بالسكين، وكل ما أنهر الدم وقطع الودجين فهو حلال. وكذلك هناك من يقول: العقد صحيح ولكنه آثم؛ لأنه انشغل به عن صلاة الجمعة، ولذا لو أن هذا العقد بعينه أمضاه امرأتان أو صبي وامرأة، فالعقد صحيح؛ لأن المرأة والصبي ليس عليهما جمعة. إذاً: ننظر في كل العقود، إن كان العقد منهياً عنه لذاته فهو باطل وحرام ولا يفيد التملك، وإن كان لوصف خارج عنه أو لازم له ففيه خلاف بين الأصوليين؛ فمنهم من يجعله كالمتوجه لذاته فهو باطل عندهم، ومنهم من يقول: جانب العقد يمضي، وجانب الاعتداء يأثم عليه، وتقدم في أصول الفقه حكم الصلاة في الأرض المغصوبة، فالمسلم منهي عن الغصب، ومأمور بالصلاة، فهل الصلاة في الأرض المغصوبة صحيحة أو باطلة؟ عند الحنابلة أن صلاته باطلة؛ لأنه بصلاته يثاب، وباغتصابه يعاقب، فكيف يثاب ويعاقب على فعل واحد؟! ولكن غيرهم يقولون: هو غاصب وآثم سواء نام أو لعب أو جلس، وليس الغصب موقوفاً على الصلاة، وهو مطالب بالصلاة سواء في أرض مملوكة له أو حرة أو مغصوبة، فالصلاة في طريقها تسقط الفرض عنه، والغصب في طريقه يحاسب ويعاقب عليه. ويقولون بانفكاك الجهة، فإذا كان النهي منفك الجهة عن المنهي عنه، فالعقد صحيح وهو آثم، وإن كانت الجهة غير منفكة عنه فهو باطل ولا ينفذ فيه أو لا ينتج نتيجة التعاقد، وهذا الباب من أدق الأمور في الأصول، فحديث: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) ، فإن كان عقداً لا يفيد التمليك، وإن كان عبادة لا تسقط الواجب، ولا تقبل، وترد على صاحبها. فإذا كان المحدث الأول الذي جاء بالحدث والبدعة، وأخذها الناس عنه، عمله رد عليه، فما حكم من تابعه عليها؟ إن الذي يأتي بعد المحدث الأول يقول: أنا ما أحدثت، وهذا موجود من قبل. فماذا نقول له؟ نقول: أنت ومن أحدثها في اللحظة الأولى سواء؛ لأن عملك الآن ليس من أمرنا فهو رد أيضاً، وكل من ادعى تقليداً لغيره فيما ليس من أمر الدين، فيقال له: أنت ومن قلدته عملكما مردود؛ لأنه إحداث في أمرنا لما ليس منه. وعلى ذلك فمن أحدث في أمرنا ما كان منه فليس بمردود، كإحداث تدوين القرآن في صحف، وكإحداث جمع المصلين في رمضان على إمام واحد، وكإحداث تدوين العلوم والكتب والفنون التي تخدم المصلحة العامة، سواء كان ديناً أو دنيا، وكذلك كل ما فيه مصلحة المسلمين من تدوين الدواوين وبناء المدارس التي تملأ العالم الآن، والمعاهد، والكليات، وإحداث العلوم التي تدرس فيها لمصلحة الإنسان، فهل هذه من أمرنا أو خارجة عن أمرنا؟ كلها داخلة في أمرنا. أما إذا درس شيئاً يخالف الدين، فنقول: هذا حدث ليس من أمرنا. إذاً: ما أحدث وكان من أمرنا فليس مردوداً بل هو مقبول، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 158

المقصود بقول أهل الحديث: (متفق عليه) قال النووي ﵀: رواه البخاري ومسلم، وهناك اصطلاح آخر فيما يرويه البخاري ومسلم فيقال: متفق عليه. فـ النووي سمى الشيخين الجليلين، وهما يلتزمان الصحة، فلا يورد البخاري ولا مسلم في صحيحيهما إلا الحديث الصحيح. قد يقول قائل: وجدنا في بعض أحاديث مسلم ما يتكلم في سنده، فنقول: مسلم يأتي بالحديث الأصلي في القضية ثم يتبعه بمتابعات وشواهد، وهي ليست الأصل في الباب ولكن شواهد وتوابع، فقد يتساهل في الشواهد وفي التوابع، أما في أصل الباب فليس فيه ضعيف قط. ثم ذكر رواية أخرى فقال: وفي رواية لـ مسلم، يعني لا توجد في البخاري، فهما قد اتفقا على الرواية الأولى: (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) ، وانفرد مسلم بالرواية الثانية، ولا توجد عند البخاري وهي: (من عمل عملاً) ، وعملاً نكرة، وهو مفعول به، والنكرة تفيد العموم، بمعنى: أي عمل كان، والقول والفعل والترك من العمل، في الحديث الأول قال: (من أحدث في أمرنا) ، وهنا قال: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وإذا جئنا إلى هذه الرواية مع تلك، نجد هنا: (من عمل عملاً) ، وهناك: (من أحدث) فقد يكون الإحداث بدون عمل يدعو إليه وبدون أن يعمل، لكن نقول: هو عمل أيضاً؛ لأنه تكلم به، والرواية الثانية تشمل من فعل فعلاً ولو لم يكن قولاً، ولو لم يدع إليه أحداً، بل هو مجرد عمل يعمله لكنه ليس من أمر الإسلام، وهذا يحتم على المسلم قبل أن يقدم على أي عمل أن ينظر، هل عليه أمره ﷺ أم لا؟ فإن كان عليه أمره ﷺ فبها ونعمت، ولابد أن يشهد له ما جاء به ﷺ سواء كان نصاً أو قياساً يلحق الفرع بأصل سابق أو كان عليه سلف الأمة. والخلاصة هي: الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله فيما يتعلق بأمر الدين ومصلحة العباد، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 159

الأسئلة

стр. 160

المقصود بسنة الخلفاء الراشدين السؤال ما معنى سنة الخلفاء الراشدين؟ الجواب أوصانا رسول الله ﷺ بسنة الخلفاء الراشدين، وقد قدمنا مراراً أن سنة الخلفاء الراشدين تبين سنة النبي ﷺ ، بل إن أقوال وأفعال أصحاب رسول الله ﷺ تبين لنا سنة رسول الله ﷺ ، ولهذا يقول الأصوليون: من الأصول التي يشرع عليها الأحكام: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهذا متفق عليه، وذكروا من غير المتفق عليه: قول الصحابي إذا لم يوجد له مخالف من الصحابة، فقول الصحابي وفعله إذا لم يخالفه نص أو يخالفه صحابي آخر فهو حجة يعمل به، ويكون دليلاً للتشريع، ودليلاً على جواز الفعل الذي فعله الصحابي رضي الله تعالى عنه، وقد قال ﷺ : (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) فذكر ثلاثة قرون، وهي القرون المشهود لها بالخيرية، فما كان في تلك القرون من أمر الدين والدنيا فهو جائز إلى يوم القيامة، ولكن النظر فيما حدث من الأمور الدنيوية التي لم تكن من قبل، هل نتقبلها أم لا؟ ننظر إن كانت محضاً من أمر الدنيا فلا بأس، وإن كانت لها علاقة بالدين لها علاقة بالعمل لها علاقة بالتعبد فيها شبهة من التشبه بغير المسلمين فنتركها؛ لأن الرسول ﷺ نهى عن التشبه بأهل الكتاب فيما يختصون به، ولو كان في أمور الدنيا، يقول الفقهاء: لو شربت الحليب الصافي والماء النقي، في كئوس وأوان على شكل كئوس وأواني الفساق الذين يشربون فيها الخمر متشبهاً بهم فهذا حرام، أي: الصفة التي تشبهت بها، وهكذا لبس الزنار، ولبس القبعة التي هي خاصة بالمشركين، فلا ينبغي ذلك. إذاً: الحلال بذاته لو جاء في صورة التشبه العمد بغير المسلمين فهو حرام. وقوله: رد، بمعنى مردود، مثلما تقول: سد بمعنى مسدود. وكلمة: (رد) راجعة على ما أحدث، (من أحدث في أمرنا) و (من) مثل (ما) كلاهما من صيغ العموم، (فهو رد) فيه ضمير مستتر، يعود على ما، في قوله: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) أي: هذا المحدَث مردود على صاحبه، وإذا قلنا: يعود على (من) أي: مردود قوله عليه، ولا يدل على الردة عن الإسلام قطعاً، لكن قد تأتي الردة من شيء آخر، إذا جاء مثلاً بشيء وقال: هذا فرض، أو جاء إلى ما أوجب الله وقال: هذا ليس بواجب، فهذا جاء بحدث، ولكن عارض به ما هو معلوم من الدين بالضرورة، فهي ردة عن الإسلام عياذاً بالله، ومن الردة بعض القوانين في بعض البلاد التي تغير في المواريث، وتغير ما أنزل الله، وهذا هو عين الردة عن كتاب الله.

стр. 161

معنى قول عمر في صلاة التراويح: نعمت البدعة السؤال كيف يوجه العلماء قول عمر: نعمت البدعة؟ الجواب يقول الإمام ابن تيمية ﵀: البدعة من حيث هي لها مدلولات كما قلنا في الحدث، فهي بدعة لغوية وبدعة شرعية، والبدعة اللغوية: هي وجود ما لم يكن موجوداً على غير مثال، كما جاء في قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأنعام:١٠١] أي: أوجدها على غير مثال سابق يحاكيها، وهنا كذلك من حيث الصورة فقد كانوا يصلون أوزاعاً وأشتاتاً، فجمعهم على إمام واحد، وهو أمر محدث لا قديم، وعمر نظر إلى المدلول اللغوي فجمعهم على إمام واحد، وجعل إحداثه بدعة لغوية، وقال: نعمت البدعة؛ لأنها توافق مقصود الشرع من الدين؛ لأن اجتماع الناس على إمام واحد هو من الإسلام، أما تركهم أوزاعاً يذهبون ليتبعوا كل قارئ حسن الصوت، ويصبحون شيعاً وأوزاعاً في المسجد، فهذا ينافي الإسلام، فجمعهم على إمام واحد من أمرنا، فـ عمر رضي الله تعالى عنه قال: نعمت البدعة، وسماها بدعة؛ لأنها لم تكن لها صورة سابقة، والأصل في ذلك المشروعية؛ لأن الرسول ندب إلى قيام رمضان، والله ندب إلى قيام الليل، وثبت عن رسول الله قبل ذلك أنه صلى قيام رمضان بأناس في المسجد النبوي جماعة. إذاً: أصل المشروعية موجود، وفعل عمر من أمرنا، وليس خارجاً عنه.

стр. 162

معنى حديث: (هلك المتنطعون) السؤال ما معنى حديث: (هلك المتنطعون) ؟ الجواب كلمة: نطع مثل كلمة مط، لما يكون في يدك مطاط وتشده تقول: مط، فتنطع، أي: زاد فيما شرع الله، فهو حين يتوضأ يفعل كذا وكذا من الزيادة، وكذلك في كل أعماله يزيد كذا وكذا، وقد قال ﵊: (إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى) ، وتعرفون حديث الثلاثة النفر الذين جاءوا إلى بيت رسول الله ﷺ ، وسألوا عن أعماله فتقالوها! فقال أحدهم: أنا أقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر: أنا أصوم النهار ولا أفطر، وقال الآخر: أنا لا آتي النساء، وهذا تكليف للنفس فوق طاقتها، فلما أخبر بذلك رسول الله ﷺ خطب الناس وقال: (لكني أنام وأقوم، وأصوم وأفطر، وآتي النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) وليس من التنطع زيادة الرغبة في الخير، ومن التنطع: السؤال عن كل صغير وكبير، والخوض في دقائق الأشياء. وبالله تعالى التوفيق، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ .

стр. 163

شرح الأربعين النووية - الحديث السادس [١]

стр. 164

شرح حديث: (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن ... )

стр. 165

معنى الحلال والحرام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيد الأولين والآخرين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فهذا الحديث السادس من هذه المجموعة المباركة عن أبي عبد الله النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) رواه الشيخان البخاري ومسلم. يعتبر هذا الحديث عند العلماء ركن من أركان الإسلام، وفيه مباحث عديدة، من جوانب متعددة. قوله ﷺ : (إن الحلال بيّن) ، يقول العلماء: حرف إن من أدوات التوكيد، والخبر يلقى مؤكداً للاهتمام به، أو لتنزيل السامع منزلة الغافل لينبه، كما قالوا في قول الشاعر: جاء سليك عارضاً رمحه إن بني عمك فيهم رماح الأصل: بنو عمك فيهم رماح، فجاء بإن؛ لأنه جاء معترضاً برمحه، وكأن عدوه ليس مستعداً للقتال والدفاع، فكان في منزلة المستهتر بعدوه المتغافل عن سلاحه، وهذا الحديث يشير إلى أمور يغفل عنها الناس: (لا يعلمهن كثير من الناس) ، فجاء في بادئ الأمر بأداة التوكيد تنبيهاً للسامع لأول وهلة، وكان مقتضى إلقاء الخبر عادياً أن يقول: (الحلال بيّن، والحرام بيّن) ولكن جاء بإن قبل الجملة ليؤكد مضمون هذا الخبر، ويسترعي الانتباه إليه. والحلال ما أحله الله، وأصل حلّ من باب ضرب نصر، حَلَّ يَحِلُ كضَرَبَ يَضرِبُ، وحَلَّ يَحُلُ كنصر ينصُر، قالوا: اللازم من باب ضرب، والمتعدي من باب نصر، تقول: حلّ الحبل يحُله حلاً؛ لأنه متعدٍ إلى الحبل، وتقول: حلّ بالمكان يحل، يعني: نزل به، والحلال مادة مستقلة بذاتها، تقول: حلّ هذا الشيء يحِل أي يصير حلالاً، ولا تقل: يحُل، بل حل الحلال يحِل، بمعنى ثبت الحكم ونزل واستقر، كمن يأتي إلى مكان ويحل به ويستوطن ويستقر، فلا يتغير هذا الحكم ولا يتحول. (إن الحلال) هو: ما أحله الله صرفاً، و (بيّن) من البيان والوضوح، ويقابل هذا: (وإن الحرام بيّن) والحرام هو: الممنوع، ومن شواهد ذلك: جالت لتصرعني فقلت لها: اقصري إني امرؤ صرعي عليكِ حرام يعني: ممنوع، ومنه: حريم البيت الذي يمتنع الدخول إليه، ومنه: محارم الإنسان وحرمه الممنوعات على غيره، ومنه: حرمة الرجل، أي: أنها محرمة وممنوعة على غيره، فالحرام ما حرمه الله، وهو بين وواضح.

стр. 166

معنى الشبهات قال: (وبينهما أمور مشتبهات) ، ولم يقل: متشابهات، وفرق بين المتشابه والمشتبه، قال الله في وصف ثمار الجنة: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥] أي يقولون: الذي أكلنا قبل هذا هو شبيه به ولكن ليس هو، فمتشابه أي: بعضه يشابه بعضاً، وهذا يدل على وجود شيئين، ولكن مشتبه هو في ذاته، وليس هناك طرف ثان، والمادة متقاربة، فالمشتبه هو: ما يدور بين طرفين متغايرين يشبه هذا من جهة، ويشبه هذا من جهة أخرى، فيصبح في نفسه مشتبهاً، بخلاف المتشابهين، مثل: أخوين توأمين يكونان متشابهين، ولكنهما متغايران، كل واحد بشخصية مستقلة، لكن الأمر المشتبه يدور بين أمرين متغايرين، يأخذ من هذا بوجه، ويأخذ من هذا بوجه، فيصبح مشتبهاً في ذاته. يقول الإمام ابن تيمية ﵀: من أحكام الشريعة، ومن معاني القرآن، ما هو بين واضح ليس فيه شبهة ولا يعذر أحد بجهله، سواء كان في الأوامر أو كان في النواهي، وتفسيره تلاوته، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] ، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] ، فكل هذا من الأمور الواضحة، وكذلك في المحرمات قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣] ، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] ، فهذا بين واضح لا لبس فيه، وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٧] ، وقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] ، فالحلال واضح بين لا شبهة فيه، والحرام واضح بين لا شبهة فيه، ومثل قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] ، وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ [الإسراء:٣٣] ، وقوله: ﴿لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات:١٢] ، فهذا حرام بيّن.

стр. 167

أقسام تفسير القرآن يقول ابن تيمية ﵀: لا يعذر أحد بجهله، وقال ابن عباس تفسير القرآن على أربعة أنحاء: ١- قسم واضح لا يعذر أحد بجهله، وهو أصول وعموم ما شرع الله من الأوامر والنواهي. ٢- قسم تعلمه العرب من لغتها، كما في قصة عمر رضي الله تعالى عنه لما نزل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس:٣١] قال: الفاكهة عرفناها، وأما الأب فوالله ما نعرفه، حتى جاء أعرابي إلى المدينة يسأل رسول الله ﷺ فقال: (يارسول الله! إني تركت ناقتي ترعى الأب) قال عمر: فعرفت أن الأب هو: مرعى الإبل. ومثال آخر: (ذو) الطائية التي بمعنى الذي، كان ابن عباس يستشهد على معناها بقول الشاعر عندما تخاصم مع آخر في بئر فقال: فإن الماء ماء أبي وجدي بئري ذو حفرت وذو طويت يعني: بئري التي حفرتها والتي طويتها، وهذا القسم تعرفه العرب من لغتها على ما وضع لها في لغة العرب. ٣- قسم لا يعلمه إلا الراسخون في العلم، وهذا القسم لا يعلمه كثير من الناس، مثاله: قصة المرأة التي وضعت حملها بعد زواجها بستة أشهر، وجيء بها إلى عثمان رضي الله تعالى عنه، فأراد أن يرجمها؛ لأن المعهود عند الناس أن المرأة تلد بعد تسعة أشهر، وهذه وضعت قبل التسعة بثلاثة أشهر، فظن الناس أنها تزوجت وهي حامل في ثلاثة أشهر، فجاء علي فقال: يا أمير المؤمنين! لا يمكن أن ترجمها؛ لأنها قد تكون ولدت لأقل مدة الحمل، قال: وما أقل مدة الحمل؟ قال: الله جعل لأقل مدة الحمل ستة أشهر، فقد تلد المرأة لستة أشهر، قال: وأين هذا في كتاب الله؟ قال: في قوله : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥] ، وقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] ، وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] ، والحولان الكاملان أربعة وعشرون شهراً، فإذا كان للفصال أربعة وعشرون شهراً فيبقى للحمل -وهو قسيم الرضاعة- ستة أشهر، وهي الباقية من الثلاثين، فكف عنها عثمان رضي الله تعالى عنه، فهذا الأمر ما كل الناس يعرفونه. ٤- قسم استأثر الله بعلمه، كما قال في أول سورة آل عمران: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ، قيل: الوقف على لفظ الجلالة ثم يستأنف كلاماً جديداً: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] ، وقيل: الوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] . العلماء يبحثون هذا في علم الكلام، هل الراسخون في العلم يعلمون تأويله للعطف على لفظ الجلالة، أو لا يعلمون تأويله للوقف على لفظ الجلالة؟ كلا الوقفين صحيح كما كان يقول والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه، وعلى الوقف على لفظ الجلالة يكون معنى (تأويله) : الحقيقة التي يئول إليها الشيء، وهذا لا نعلمه، وذكروا من ذلك صفات الله التي لا يدركها العقل، كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ، فلا يعلم من أين يكون مجيئه؟! وحديث: (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا) كيف تسع الدنيا رب العالمين؟ وقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠] ، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] ، حقيقة الصفة في ذات الله لا يدركها العقل البشري، والله يعلمها، قالوا: ومن ذلك قوله تعالى في وصف ثمار الجنة: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد:١٥] ، ماء الدنيا إذا وقف قليلاً أسن وتغير وتعفن، قال: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥] ومن لبن خالص، ومن خمر سائغ، وكل هذه المسميات لها نظائرها في الدنيا، ولكن هل هي التي في الدنيا؟ لا إنما مجرد الاسم، أما حقيقة ذاك اللبن وحقيقة ذاك العسل وحقيقة ذاك الخمر فلا يعلمه إلا الله، وقد بيّن أن تلك الخمر ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩] ، بينما خمر الدنيا ينزف ويسكر بها، ويصيب شاربها الصداع، إذاً: لا تساويها في الحقيقة، وإن اشتركت في اسمها، فمعنى: (لا يعلم تأويله) أي: مآله وحقيقة أمره إلا الله سبحانه ﷻ . إذاً: بعض الأمور مشتبه، تدور بين الحلال والحرام، ولا يعلم هذا المشتبه كثير من الناس.

стр. 168

حكم ترك الشبهات قال: (فمن اتقى الشبهات) ما يتعلق بما بين الناس ينبغي أن يتقيه، فالأمور ثلاثة: حلال بين مشروع، وحرام بين ممنوع، ووسط مشتبه، فماذا يكون موقف المسلم فيها؟ يأتي الحلال الواضح البين الحل، ويترك الحرام الواضح البين التحريم، والوسط ماذا يفعل فيه؟ أيأخذه تارة، ويتركه تارة؟ لا، بل قال: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ) أي: سلم من الحرام، لكن كيف يكون حد الشبهات؟ العلماء يبينون على سبيل المثال كيف يكون حد هذا الشيء المشتبه بين الحلال والحرام، فإذا قلنا: المنطقة ثلاثة أمتار، متر للحلال، ومتر للحرام، ومتر في الوسط للمشتبه، والمشتبه ربما يتزحزح إلى الحلال ويكون أقرب إلى الحلال، وربما يتزحزح إلى الحرام ويكون أقرب إلى الحرام؛ لأنه مشتبه بين طرفين متغايرين. مثلاً: لو أن إنساناً تاجراً يبيع العسل والسمن واللبن والخمر، فماله الذي يكتسبه فيه حرام وفيه حلال، ففيه شبهة بقدر مبيع الخمر؛ لأن الحرام مختلط بكامل المال، لو كان عنده ألف درهم، كم تكون نسبة الحلال الصرف والحرام الصرف؟ هل تستطيع أن تقول: قيمة الخمر إلى حد عشرة في المائة أو عشرين في المائة، وقيمة السمن والعسل ثلاثين أو خمسين أو سبعين في المائة، وعشرة في المائة مشتبهة بينهما، الألف في يدك ماذا تقول فيه؟ فيه شبهة من ثمن الخمر، لكن قد تقرب إلى الحلال لأنها قليلة، وقد تقرب إلى الحرام لأنها كثيرة، ولهذا يقول الغزالي وغيره: إذا عرفت إنساناً يتعامل بحلال وحرام فإن في ماله شبهة، وهذا المشتبه إلى أي حد؟ هل تمتنع بالكلية عن أن تتعامل معه؟ وهل تمتنع بالكلية عن أن تأكل طعامه وتقبل ضيافته؟ أو يكون هناك جزء فيه حلال؟ أنا آتي بهذا المثال لأبين أن المشتبه ليس على خط واحد بين الحلال والحرام، لكنه كالزئبق تارة يميل إلى جانب التحريم فيكون أقرب إلى الحرمة، وتارة يميل إلى جانب الحلال فيكون أقرب إلى التحليل، والشبهة تقوى وتضعف. قال الله: ﴿مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة:٤] ، لو أخذت كلب الصيد أو طائر الصيد أو أخذت سهمك وكنانتك وخرجت إلى البر فرأيت الصيد، ورميت السهم قائلاً: باسم الله، الله أكبر، وجئت إلى الصيد ووجدته قد مات، فهذا حلال بيّن، ولو جئت إلى الصيد ووجدته جريحاً وكان بوسعك أن تذكيه، ولكنك تركت تذكيته حتى مات، فهذا حرام بيّن، ولو جئت إلى الصيد وقد غاب عنك في المزرعة أو غاب عنك وراء الجبل، ومن الغد لقيته فوجدت فيه سهماً آخر لشخص آخر، ووجدته ميتاً، فهل مات من سهمك أو من سهم الآخر؟ فهذا مشتبه، سهمك وسهم الآخر متساويان، هل تأكل منه؟ لا، قد يكون من سهم غيرك وليس صيدك، وإنما سمى عليه غيرك وقتله. ولو رميتة بالسهم وغاب عنك، ثم وجدته غارقاً في غدير من الماء، فهل مات بسهمك أم بالماء؟ لا تدري، فوجود سهمك داع للحلية، ووجوده غارقاً في الماء داع للحرمة، ففيه شبه بين الحلال البين وبين الحرام البين، فيتجاذب إلى هذا وإلى هذا، مثل عوامل المغناطيس التي تتجاذب الشيء ويكون بينهما على السواء، فهذا مشتبه يترك للشبهة.

стр. 169

متى يكون ترك الشبهة واجباً ؟ والترك للشبهة قد يكون واجباً متعيناً كما قالوا: ما لا يترك الحرام إلا بتركه فهو حرام، وكما قالوا: يجب ترك المشتبه لو اشتبهت مذكاة بميتة، كما لو أعطاك إنسان فخذ كبش، وبعد قليل أعطاك رجل آخر فخذ كبش أخرى، وأنت تعلم أنه يستبيح أن يأكل الميتة، وصار عندك الآن هذا اللحم وهذا اللحم، يا ترى! أيهما من لحم الميتة وأيهما من المذكاة؟! وكما قالوا: إذا اشتبهت أخته بأجنبية -وهذا مثال مذكور في أصول الفقه- فيحرم عليه وطء الأجنبية اتقاء لأخته. وكذلك اشتباه المغصوب بالحلال، واشتباه سطل ماء طهور يمكن أن تتوضأ وتغتسل وتشرب منه، بسطل آخر مثله جاء إنسان فبال في أحد السطلين، ثم جاء شخص لا يعلم وغير مواضع السطلين، كما لو كانت إلى جهة الشرق والغرب، فجاء واحد وحولها شمالاً وجنوباً، وأنت كنت تعلم أن الذي في جهة الشرق هو الذي فيه البول، فهذا نجس بيّن، وذاك طهور بين، ولكن الآن اختلفت عليك السطول ولم تعد تدري بالنجس، حيث لم يتغير طعمه ولا لونه ولا ريحه، فلم تستطع أن تحدد أيهما الطاهر، فهل يجوز لك أن تتوضأ بواحد منهما؟ حصل خلاف بين الفقهاء في ذلك فقيل: يتوضأ من هذا مرة ومن هذا مرة، هذا حاجة إلى ذكر الخلاف، ولو كان عندك إناءان فيهما عسل، وهما بشكل واحد، وحجم واحد، وجاء إنسان ووضع السم أمامك في أحد الطبقين، ثم ذهبت عنهما فقلت: السم في الذي في الجهة الغربية، والطبق الذي في الجهة الشرقية سليم ليس فيه سم، وأنا جائع أريد أن آكل، فجئت ووجدت الطبقين منحرفين، تغيرا عن وضعهما، فلا تدري أين الذي كان في الغرب وأين الذي كان في الشرق؟ فهل يمكن أن تمد يدك إليه؟ مستحيل أن تذوق واحداً منهما؛ لأنه اشتبه عليك الحلال بالحرام. يقول العلماء في مسألة إذا قتل الرجل عبداً: هل فيه الدية أو فيه القصاص؟ هناك من يقول: فيه القصاص؛ لأن النفس بالنفس، وهو قول ابن حزم ومن يوافقه. والجمهور يقولون: لا، هو وسط اجتمع على شبهين من طرفين مختلفين: فمن حيث أنه يباع ويشترى ويوهب ويكون من الميراث، فيشبه الأموال والمتاع، ومن أتلف متاعاً فعليه قيمته بالغة ما بلغت. ومن جهة أنه يقيم الصلاة، ويصوم رمضان، ويذكر الله، وأنه مكلف بالعبادات أشبه الإنسان، ومن قتل إنساناً فحكمه؟ ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] ، إذاً: اشتمل على وجهين مختلفين، يشبه كل وجه جانباً من الجانبين، فكان فيه قياس الشبه، كما يقول الأصوليون، فمن غلب شبه الإنسان الحر ألحقه بالدية، ومن غلب شبه المتاع والمال غلب فيه جانب القيمة، ولو بلغت قيمته أكثر من دية الحر.

стр. 170

عدم الطمأنينة علامة على الوقوع في الشبهة بيّن لنا ﷺ حكم الشبهات، وما دام أنك لست من القليل الذين يعلمون حكم هذا المشتبه، فعليك الكف والترك، وقد جاء في الحديث وسيأتي إن شاء الله: (البر ما اطمأنت إليه النفس) ، حينما تجد الصدر مشغولاً وفيه زوابع، وفيه أمواج تتلاطم، وفيه انفعالات وترددات: تقدم أو تحجم يجوز أو لا يجوز؟ عرفت عندها أن النفس لم تطمئن؛ لأن الطمأنينة الاستقرار، أما حركة التردد، وحركة القلق، وحركة الاضطراب، وحركة الانفعال بين حلال وحرام، فهذه علامات الشبهة، إذا وجد هذا الاضطراب ارتفعت تلك الطمأنينة، كما قال ﵊: (والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس) فالأمر تعمله خفية، ولا تحب أن أحداً ينظر إليك؛ لأنه فيه إثم. إذاً: البر ما اطمأنت إليه النفس، فإذا وجدت في النفس طمأنينة فهو واضح بعيد عن المشتبه، وإذا وجدت في نفسك شبهة، وترددت في أصل الأمر هل هو حلال أو حرام؟ فلو أقدمت عليه فستجد نفسك قلقلة.

стр. 171

شرح الأربعين النووية - الحديث السادس [٢]

стр. 172

تابع شرح حديث: (إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن ... )

стр. 173

الترغيب في اتقاء الشبهات الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: فإن اتقاء الشبهات معراج أو سلّم أوله في الأرض وآخره في السماء، فبعض الناس يرى الكبيرة العظيمة (كذبابة على أنفه قال بها هكذا) كما جاء في الحديث، وبعض الناس يرى الشبهة كأنها جبل على رأسه، وما كل الناس في اتقاء الشبهات سواء، يوجد أشخاص نفسياتهم شفافة، لو نفثت عليها بالهواء تأثرت، كالمرآة الصقيلة في الشتاء إذا جعلتها إلى فمك وتنفست، يخرج من المعدة بخار، فيتكاثف مع برودة الجو على المرآة فيعمل مثل السحابة، فبعض الناس من شفافية نفسيته وتحريه للحلال فإن الشبهة تؤثر فيه كسحابة حرام، وبعض الناس يبلعها ولا يبالي، والأمر عنده واسع، فالناس ليسوا سواء. وأقرب مثال عندنا قصة أبي بكر رضي الله تعالى عنه عندما جاءه خادمه بطعام، فلما أكله تأثرت نفسه، سبحان الله! الطعام ما وصل إلى جوفه إلا وأحس بحساسية، فنادى الغلام وقال له: تعال! من أين هذا الطعام؟! قال: كنت في الجاهلية تكهنت لرجل، وأنا والله! لست بكاهن -يعني: خدع الرجل- فلقيني الآن، وأعطاني حلواناً فاشتريت به كذا وكذا، فوضع أبو بكر رضي الله تعالى عنه أصبعه في حلقه واستقاء ما أكله، فما الذي حرك نفسية أبي بكر من هذا الطعام؟ هل كان فيه ملح زايد أو شطة أو شوك؟! كذلك عمر رضي الله تعالى عنه أرسل غلامه ليأتيه بحليب من إبله، فذهب وجاء فلما شرب الحليب استنكر طعمه، قال: تعال يا غلام! من أين جئتني بهذا الحليب؟ قال: والله! أرسلتني آتيك بحليب من إبلك، فوجدت الرعاة قد أبعدوا بها، ولقيت إبل الصدقة على الماء فقلت: احلبوا لي، فحلبوا لي، فجئتك بلبن من إبل الصدقة، فقال أمير المؤمنين: آكل الصدقات؟ أحس في نفسيته هذه الحساسية، ويمكن نسمي هذه الحاسة السادسة حاسة الحلال والحرام، لا يكشفها بارومتر ولا ترمومتر ولا أي شيء من هذه المقاييس المادية مهما كانت، وهي تكشف الأمور العضوية، والكثافة، والدسومة، والخفة، والحرارة، والبرودة، لكن الحلال والحرام فهي أمور حكمية واردة على العين الواحدة. إذاً: الإحساس والتوقف عند المشتبهات ليس كل الناس فيه سواء، فأيما إنسان صفت نفسه، وتعود أكل الحلال، ونشأ على الحلال فأقل شبهة تؤثر على نفسه. أبو حنيفة كان تاجر بز، وكان عنده ثوب فيه عيب، فجعله في جانب، وهو آخر ثوب عنده من ذلك الصنف وكان معه في المحل من يعمل معه، فذهب أبو حنيفة ليقيل ثم رجع فإذا الثوب الذي عزله في جانب غير موجود، فسأل عنه فقال العامل: بعته، قال: بكم بعته؟ قال: كما نبيع الثياب. قال: هل أخبرت المشتري بالعيب الذي فيه؟ قال: لا، وهل فيه عيب؟ -لم يدر العامل- لكن أبا حنيفة تصدق بكامل قيمة الثوب، وكان يمكن أن يتصدق بقيمة العيب فقط ولكن فعل ذلك ورعاً منه. ويذكرون عن الإمام أحمد ﵀ أنه خُبز عجين بيته في بيت فلان فامتنع أن يأكل منه؛ لأن فلاناً في ماله شبهة. سبحان الله! بعضنا قد يأتيه خبز وإدام وشراب من رجل في ماله شبهة فيتلقاه بكل رحابة صدر. وإلى عهد قريب كان الشيخ محمد بن تركي شديد الورع، وأهل المدينة يعرفون ورعه وزهده في هذه الأمور، فقد كان ورعاً إلى حد بعيد. يتعين على المسلم أن يتقي الشبهة، ولا يستطيع الإنسان أن يوفي هذا المقام حقه، ولكن عليه بالمقاربة كما في قول النبي ﷺ : (البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع الناس عليه) . وهذا هو التقسيم الثلاثي، وبيان موقف الأمة من هذه الأقسام: الحلال بيّن، ويقدم عليه كل إنسان، والحرام بيّن، يجب أن يحجم عنه كل إنسان، وبينهما أمور مشتبهة، إن نظرت إليها من جهة قد تكون حلالاً، وإن نظرت إليها من الجهة الثانية قد تكون حراماً، إذاً: ماذا تفعل؟! القليل الذين يعلمون حكمها كما قال: (لا يعلمهن كثير من الناس) ، ومفهوم ذلك أن يعلمها القليل، ولا تخلو الأمة من هذا القليل الذي يعرف حقيقة المشتبه، وإليه يرجع الناس، فإن كنت أنت من هذا القليل، تحريت وتحققت ثم بعد ذلك أقدمت على مقتضى ما علمت، وإن كنت من الكثيرين الذين لا يعلمون حكم هذا فموقفك منه الكف، (من ترك شيئاً لله أبدله الله خيراً منه) .

стр. 174

التعليم بضرب الأمثال ثم ذكر في نهاية هذا الحديث التشبيه البليغ الواضح البين، وضرب الأمثال من أساليب النبي ﷺ ، وكذلك ورد في القرآن الكريم ضرب الأمثلة، وتشبيه الأمر المعنوي بالمحسوس، ليصبح واضحاً ظاهراً لكل الناس، من ذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد:١٤] ، ماء في قاع البئر أو في النهر أو في الغدير وهو بعيد عن لمس اليد، فيأتي رجل يبسط كفه إليه ويفتح فمه، وينتظر الماء أن يأتيه!! والماء لن يأتيه إذا ناداه أبداً، ولكن كأن هذه صورة -كما يقولون في العصر الحديث- كاريكاتورية لإنسان عطشان، ويتخذ طريقاً غير الطريق الذي يوصله إلى الماء، وهنا يبين ﷺ أن هذه الأمور المشتبهة ينبغي للإنسان أن يبتعد عنها؛ لأن من وقع في الشبهات وقع في الحرام، فيجب عليك أن تجعل بينك وبين الحرام حاجزاً، كما يقولون: منطقة محايدة، لا تقربها؛ لأنك إن دخلت تلك المنطقة لم يبق ما يحجزك عن الحرام، فإن زلت القدم زلت في الحرام، أما إذا جعلت منطقة محايدة وكنت خارج المنطقة، فإن زلت قدمك زلت في هذه المنطقة المشتبهة وترجع، لكن إذا اقتحمت المنطقة المشتبهة فزلت القدم فستنزل في الحرام، على سبيل المثال: هناك رأس جبل عنده هاوية، وهناك حافة حاجزة عن تلك الهاوية، فإذا مشيت من وراء الحافة، وصرت تلعب وتمرح خلفها، فإن سقطت وقعت على هذا الحاجز، لكن إذا مشيت فوق هذا الحاجز، وصرت تلعب عليه، فإن زلت قدمك وقعت في الهاوية، والراعي حول الحمى إن ابتعد عن الحمى كان في عافية من الحمى؛ لأنه بعيد جداً، لكن إن جاء على حدود الحمى فهل يضمن أن غنمه لن تفر إلى الحمى؟ لا، وإذا فرت واحدة منها إلى الحمى فالملك سيعاقبه ويأخذ غنمه كله، لكن إن بعد مسافة مائتين أو خمسمائة متر، فمهما شذت شاة عن الغنم لن تبعد عن مائة متر، ويمكنه أن يدركها قبل أن تنزل إلى الحمى، وهكذا. ثم أتى ﷺ بالتشبيه التمثيلي فقال: (ألا وإن لكل ملك حمى) ، ولا يمكن لأحد من الرعية أن يقتحم حمى الملك، وحمي الحمى مشروع، فقد كان للرسول ﷺ حمى جهة النخيل، وحمى جهة وادي الفرع، وكان يحمي لإبل الصدقة مواطن خاصة ترعى فيها ولا يدخل فيها نعم الناس. وتقدم معنا قصة أنعام عثمان وعبد الرحمن بن عوف في درس الموطأ، فحماية الحمى لإبل الصدقة أو للمصالح العامة مشروع لا للأفراد ليستغلوه دون الآخرين، ويجوز أن يكون للملك حمى لدوابه ولمصالحه؛ لأنها تعود على مصالح الأمة، والله سبحانه له حمى في خلقه، ما هو الحمى الذي حماه الله، ومنع الناس أن يدنوا منه؟ حمى الله هي محارمه، ليست بأراضٍ ولا بساتين، ولا مراعٍ، رغم أن الأرض كلها ملك لله، ولكن الله حمى ومنع وحرم المحارم، ومن هنا يقول علماء الأصول في حكمة التشريع: ما أقامه الله من حدود على المحارم فقد جعله لتلك المحارم حمى، ونحن نعلم أن المحارم تدور حول الأديان والعقول والأنفس في الدماء والأموال والأعراض والأنساب، فحرم الله الردة حماية للدين، وحمى الردة البدع، فحرم البدعة؛ لأنها تسوق إلى الردة عن الدين عياذاً بالله، وعقوبة المرتد القتل لحديث: (من بدل دينه فاقتلوه) ، ومن ابتدع لا يقبل عمله، لحديث: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وحرم قتل النفس وإراقة الدماء، وجعل فيها القصاص قال الله: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] ، وجعل للنفس حمى، فلا تعتدي عليها بالضرب؛ لأنك إن اعتديت عليها بالضرب -وهو ليس قتلاً للنفس- جر الضرب إلى ضرب أكثر إلى أن يصل إلى ضربة قاضية، وحرم الله الزنا، وجعل فيه حد الجلد أو الرجم، وجعل للزنا حمى، إن ابتعدت بعيداً عن هذا الحمى سلمت، فقال ﵊: (لا يخلون رجل مع امرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) ، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] ، وقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ، فإذا كنت بعيداً عن هذا الحمى سلمك الله من الزنا، فالزنا حرمه الله وجعل له حمى ووقاية، منطقة محايدة، ومنطقة صيانة، فإذا لم يخل بامرأة، وغض بصره، فهل يصل إلى الزنا؟ لا يصل إلى الزنا. وكذلك في الأموال حرم السرقة، وجعل للمال حماية، فنهى عن الغش وعن التدليس، وعن كل ما يسمى أكل أموال الناس بالباطل. إذاً: من اتقى الشبهات فقد استبرأ، ومن ابتعد عن حمى الله سلم أن يقع فيه؛ لأنه إذا لم يخل بالمرأة، ولم يقع بينهما شيء من الملامسة لا يصل إلى الزنا، لكن إذا اجتمع بها وخلا بها، ووقع بينهما ما دون الزنا فما الذي سيمنعه ويحجزه عن الزنا؟ لا شيء، وهذا يسميه العلماء: التكميلات، أي: تكميلات لحفظ الضرورات التي جعل الله لها الحدود للزجر عنها. (ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه) يعني: إذا كانت هناك حالة مشتبهة بين أن تكون من محارم الله أو من المباحات فعليك أن تستبرئ لدينك وتترك الأمور المشتبهة حتى لا تقع في حمى الله الذي حرمه عليك.

стр. 175

صلاح الأعمال بصلاح القلب وفسادها بفساده ثم ذكر منطلق اتقاء الشبهات، والأصل في ذلك وهو: القلب، فقال: (ألا وإن في الجسد مضغة) ما علاقة هذه المضغة في الحمى وفي المحارم؟ لأن اتقاء الشبهات ليس عمل الجوارح بقدر ما هو عمل القلب؛ لأن اتقاء الشبهات بتقوى الله، وتقوى الله محلها القلب، (ألا وإن في الجسد) عموماً من شعره إلى إلى ظفر رجله (مضغة) والمضغة تشبيه بقدر ما يكون القلب، علماً بأن قلب كل حيوان بقدر قبضة يده، فقلب الطفل الصغير بقدر قبضة يده وهكذا قلب الفيل بقدر خفه، وقلب البعير بقدر خفه، وهذا مقياس في جميع الحيوانات، (ألا وإن في الجسد مضغة) أسلوب تقليل، أي: أنها من أصغر الأعضاء الموجودة في الجسم، فهي أصغر من الكبد، وربما تكون أصغر من الطحال في بعض الحالات، مع أن القلب أكبر من الطحال نوعاً ما، وأصغر من الرئة، وأصغر من اليد، وأصغر من الرجل، وأصغر من الرأس، فهذه المضغة صغير حجمها ولكن عليها مدار صلاح العبد. (إذا صلحت صلح الجسد كله) صلحت من الناحية الصحية فيكون القلب سليماً، ومن الناحية الاعتقادية فيكون القلب نقياً طاهراً، الأمران معاً، ويتفق الأطباء الآن بأن مريض القلب يعتبر مريض الجسم كله، وأن صحيح القلب صحيح الجسم كله إلا ما ندر في بعض الجوانب، فصحة القلب دليل على الصحة العامة بالجسم، ولكن الأصل أن المراد هنا: الصحة المعنوية، وهي صحة الإيمان والعقيدة، وقوة اليقين بالله، فإذا صلح القلب مع الله سبحانه؛ صلح هذا الجسد في أعماله، وكان سلوكه صالحاً خالصاً لوجه الله تعالى، والله أعلم.

стр. 176

ترك المشتبهات مراعاة لحال المجتمع ذكرنا أن لكل ملك حمى، وقلنا: إن الملك قد يحمي بعض المواطن لرعي دوابه، وقد يحمي بعض المواطن لمواقف سياراته، وقد يحمي بعض المواطن لموارد مستودعاته، وكل هذا من الحمى الذي يكون للمصالح العامة. وقوله ﵊: (استبرأ) أي: طلب البراءة، مثل: (استغفر) طلب المغفرة، وقوله: (واستبرأ لعرضه) هذا واجب على كل مسلم كما لا ينبغي أن تخالف عادات مجتمعك بأمر فيه شبهة وإن كان على حقيقته ليس منظوراً، ولكن فيه شبهة، فينبغي أن تتقي تلك الشبهة، وإن كانت في حقيقتها ليس فيها محظور، يفسر لنا ذلك ما جاء عنه ﷺ (أنه كان معتكفاً، وجاءت صفية رضي الله تعالى عنها لتزوره، ومكثت عنده، ثم قام معها ليلاً ليقلبها إلى بيتها -وكان بيتها شمالي المسجد، فحجرات رسول الله كانت تحيط بالمسجد من القبلة فالشرق فالشمال- فمشى معها من محل معتكفه في المسجد إلى بيتها، فأحس برجلين يمشيان وراءه، فقاصر الخطوات حتى لحقا به ثم التفت إليهما، فقال: إنها صفية، -بين لهم حقيقة الأمر وأنها زوجه، وليس في الأمر أي لبس ولا اشتباه، ولكن الناس عندهم فيها شبهة، إذا رءوا امرأة ورجلاً يمشيان في الليل! - فقالا: سبحان الله، يا رسول الله! فقال: لا، أنا خفت عليكما أن يطرأ عليكما شبهة فتهلكا) ، فعلى كل إنسان أن يستبرئ لعرضة، فمثلاً مشي الرجال مع النساء في منتصف الليل فيه شبهة، فلو أخذت زوجتك تتمشى في ذلك الوقت ويدك في يدها، وهي زوجتك ويحل لك أن تضع يدك في يدها أو على كتفها لكن أمام الناس هل تستسيغه العامة؟! هل يستسيغه الناس؟! هل يجوز مروءة؟! لا، فمن حق هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يوقفوك، ويسألوك: من هذه المرأة التي معك؟ تقول: زوجتي، فيقولون: هات البطاقة، من حقهم هذا؛ لأنك أوقفت نفسك في موقف الشبهة، فلا ينبغي لك أن تفعل ذلك، ويجب عليك أن تبتعد عن مواطن الشبهة، إذا كان مثلاً في بلد من البلدان سوق العسل وسوق السمن وسوق الخمر، فجاء إنسان مسلم وقال: أتفرج على سوق الخمر! معلوم عند الناس أنه لا يمر بهذا السوق إلا زبون هذه المحلات، فهل من حقك أن تمر بها وتقول: أنا -والله- أريد أن اتعظ بهؤلاء المبتلين، الذين عافانا الله مما ابتلاهم به! نقول لك: لا، هذا موقع فيه شبهة، ولا يجوز لك أن تمشي فيه. كان هناك جماعة يسمون الملاتية، يأتون أفعالاً يلام عليها الشخص، فقيل: لم تفعلون ذلك وقد نهيتم عنه؟ قالوا: حتى يقع الناس في أعراضنا بالغيبة فتكون لنا حسناتهم، لكن هذا تغرير بالناس، ولماذا تضيعون على الناس حسناتهم؟ فلا ينبغي هذا. إذاً: من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ولو كان الأمر الذي تركه ليس حراماً. ولذا يتوسع مالك ﵀ في سد الذرائع، وسد الذريعة هو أن تترك من الحلال جزءاً ابتعاداً عن الحرام، وتترك بعض المباح ابتعاداً عما ليس بمباح، وهكذا يستبرئ الإنسان لدينه وعرضه، لدينه فيما حقيقته مشتبه، ولعرضه حتى لو كان في حقيقته حلال ولكن صورته صورة الشبهة، والله تعالى أعلم.

стр. 177

الأسئلة

стр. 178

نقل قلب كافر إلى مسلم هل يؤثر في الإيمان ؟ السؤال في عمليات زراعة القلب، كيف يكون الحال إذا نقل قلب كافر إلى مسلم؟ الجواب هذا -والله- سؤال وجيه ووارد، فإذا كان صلاح المسلم بصلاح قلبه، فكيف بما جاءنا به العلم الحديث أو التكنولوجيا الحديثة من نقل لقلب المسلم إلى غير مسلم، أو بنقل قلب الكافر إلى المسلم، فهل يصبح الكافر مسلماً أو المسلم كافراً بنقل هذا القلب أم لا؟ وما أثر نقل القلبين من مكانهما؟ سئل عن هذا والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه في أوائل هذه العمليات، فقال: يفسر هذه القضية قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين:١٤] قال: فالقلب إنما هو وعاء يجعل فيه نور الإيمان أو معصية الكفر، ويمكن أن نستشهد لهذا بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور:٣٥] ، فالمصباح يضيء بالزيت الذي يوجد فيه، ولذا نقول: الإيمان كالزيت النقي، فإذا جاء العمل الصالح وجاء اليقين اشتعل ذلك الزيت، وأضاء القلب، والمعصية تنكت في القلب نكتة سوداء حتى تغطي النور الداخلي، كزجاجة الفانوس إذا كثر عليها الدخان حجبت النور داخله، إذاً: لو نقل قلب المؤمن فإنما تنقل البضعة، وينقل اللحم والدم، أما حقيقة النور وحقيقة الإيمان فتبقى لصاحبها، وهكذا قلب الكافر ينقل السراج فقط أما الزيت فيبقى في محله، ولهذا لا تأثير لنقل قلب مسلم لكافر ولا لنقل قلب كافر لمسلم، والله تعالى أعلم.

стр. 179

حكم نقل القلب السؤال ما حكم نقل القلوب وزراعتها طبياً؟ وهل هذا واقع فعلاً؟ الجواب مسألة يجوز أو لا يجوز، أو صح أو لا يصح، أو عاش أحد بعده أو لم يعش أحد بعده، سبق بحث هذا في مؤتمر ماليزيا عام أربعة وثمانين، وقلنا: هذا من الترف العلمي، ولا يتأتى عملياً، والذين نقلت لهم قلوب وعاشوا أياماً إنما هي حالات قليلة، والله تعالى أعلم، ومن ناحية حكمه شرعاً فقد صدر بحث عن هيئة الإفتاء في مجلة البحوث العلمية فيما يتعلق بنقل الأعضاء، ومن شاء فليرجع إليه.

стр. 180

إدراك الإمام راكعاً السؤال هل يشترط لمن أدرك الإمام راكعاً أن يدرك الطمأنينة مع الإمام حالة الركوع؟ الجواب لا يعتد بتلك الركعة، إنما يعتد بالركعة لمن أدرك الإمام راكعاً، وركع معه، وأدرك معه طمأنينة، أما إذا جاء وركع، والإمام رافع ولم يشترك معه في الركوع، فلا يعتد بتلك الركعة.
следующие страницы →