← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 841–863 · переход к 846.

стр. 841

قبول توبة المنافقين واستغفار رسول الله لهم إن تابوا ثم يخفف الله عنهم ويبين علاج الموقف فيقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء:٦٤] أي: بالتحاكم إلى الطاغوت والصدود عنك وعما أنزل الله ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء:٦٤] على ما كان منهم من صدود، وعلى ما كان منهم من خطأ وإعراض عنك. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] ؛ هل كل مذنب لا يُقبل منه استغفار ولا رجوع، أو لا تقبل له توبة حتى يأتي إلى رسول الله يستغفر له؟ الآية تقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ أي: بالمعصية، سواء كانت عامة أو خاصة في هذه القضية (جَاءُوكَ) يا محمد ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] ، هنا الشرط: لو أنهم جاءوا واستغفروا واستغفرت لهم لوجدوا المغفرة، هل المغفرة لا تقع لمذنب إلا إذا جاء واستغفر له رسول الله، أم أن التوبة بينك وبين الله وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد؟ يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] . ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة:١٨٦] ، فلا واسطة، لكن لماذا كانت الواسطة هنا؟ ف الجواب أننا ننظر في قضية المنافق هنا هل هو أعرض عن كتاب الله وحكمه فقط، أم أنه صد عن رسول الله ﷺ أيضاً؟ الجواب: أنه صد عن رسول الله أيضاً، إذاً: الرسول له حق في هذه القضية، فكأن مجيء المنافق إلى رسول الله ليستغفر الله بين يديه، إعلان لرجوعه وتوبته، وإذا استغفر له رسول الله فمعنى ذلك أنه أسقط حقه على ذلك المنافق، فيكون أهلاً لأن يغفر الله له. فمجيء المسيء في ذلك الوقت إلى رسول الله كان لحق رسول الله؛ لأن إعراضه عن حكم رسول الله فيه تعدٍ عليه وانتقاص له ﷺ . وهذا مثال بسيط: لو جئنا إلى دائرة من الدوائر وفيها المدير، واثنان من الموظفين تنازعوا فيما بينهم، والدائرة كبيرة وفيها أقسام وكل قسم فيه رئيس، هؤلاء العمال في هذا القسم لديهم رئيسهم، فلما حصل النزاع فيما بينهم تركوا رئيسهم وذهبوا إلى رئيس قسم آخر، ثم بعد مدة سمع رئيسهم بهذا؛ فما الذي سيكون في نفسه؟ سيقول: ذهبتم إلى غيري! معناه: أني لست كفؤاً لكم، وأنكم غير محسني الظن بي وهذا فكأن فيه هضماً لحق رسول الله فيما هو حق له في أن يحكم بين الناس بالعدل فتخطي هذا المنافق لرسول الله وإعراضه عن حكمه فيه هضم وتعدٍ على حقوق رسول الله؛ فكان من الواجب لرد هذا الاعتبار والحق أن يأتي إلى رسول الله لا أن يستغفر رسول الله، بل لكي يستغفر له رسول الله. وهل رسول الله سيستغفر له وهو ساخط عليه أم بعد أن يسامحه؟ إذاً: استغفار رسول الله لهذا الجائي إليه دليل على أنه سامحه، فإذا سامحه رسول الله فإنه سيجد الله تواباً رحيماً. وأمرهم بإتيان النبي ﷺ حتى يقروا بذنبهم؛ لأن الذنب هنا مشترك: جانب في حق الله، وجانب في حق رسول الله ﷺ ، وإلا فمَن في المشرق ومَن في المغرب ومن تحت الثرى، ومن في أعماق المحيط ومن في مركبة فضائية في الهواء، وسأل الله ودعاه؛ يجد الله أقرب إليه من حبل الوريد.

стр. 842

وقفة مع قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ؟ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] . فقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ [النساء:٦٥] ، ما الذي أحوجه إلى هذا القسم؟ وبماذا أقسم؟ ما قال: فورب السماء والأرض إنهم ولا قال: ورب الشعرى ولا قال: ورب السماوات والأرض ولا قال: ورب النفوس ولا قال: ورب الملائكة ولا قال: ورب جبريل بل قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ [النساء:٦٥] ، لماذا؟ لأن المنافق حينما أعرض عن حكم رسول الله نزَّل من حقه ﷺ ، فيرفع المولى مكانة رسوله بأن يقسم بربه، لكن هنا ربط القسم ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ ، يعني: فلا تأخذ في خاطرك منهم ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا قيمة لهم ولا إيمان ولا تصديق ولا اعتبار لهم أبداً في مجال الإيمان ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ ، وليس هذا المنافق فقط بل الكل. ﴿فِيمَا شَجَرَ﴾ شَجَر: الشجار أصله مأخوذ من الشجر، والشجر إذا كانت أغصانه متقاربة فإنها تتداخل فيقال: متشابك متشاجر ولذا يقولون في اللغة العبرية: (مُوشَى) ماء وشجر، يعني: الذي وجد والتقط ما بين الماء والشجر، وغير العربية يقدمون المضاف إليه على المضاف، (موشى) يعني: شجر الماء. فهنا: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ﴾ يعني: تداخل والتبس عليهم. وهنا نقف وقفة ونقول: قد يحتكم الإنسان إلى من لا يرضى حكمه، فالمنافق لما جاء مع اليهودي إلى رسول الله هل احتكم معه عن رضا؟ لا. فحقيقة إيمان الأمة أن تأتي في الحكم إليه طائعة راضية إلى أقصى حد، ولا تجد في النفس حرجاً أبداً مما يصدر من قضائه ﷺ ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ والحرج: الضيق. ﴿ثُم لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: تسليماً مطلقاً عن رضا بهذا القضاء. وأعتقد أنه لا يوجد في العالم قاض يستحق هذا الحكم من الناس أبداً. يقولون: في بعض أسباب نزول الآية أيضاً شيءٌ آخر وهو: قضية سقي الزبير وجاره بالماء، ولا نريد أن نطيل المقام هنا. ننتقل إلى مثال آخر: لو كان هناك شخص مريض وجاء إلى طبيب كافر، فقال له الطبيب: أنت تحتاج إلى شق البطن وإلى خياط كذا، وإخراج كذا، وعملية جراحية كبيرة. إذا كان المريض ذا ثقة بهذا الطبيب الذي يملي عليه شروطه، تفعل كذا ولا تفعل كذا ويأتي يبنجه ويسلب إرادته بعد أن يوقع بالموافقة على العملية، فإذا وافق على العملية ومات فليس له دية ما دام الطبيب مشهوراً مجرباً، لا شخصاً متطبباً يتعلم الطب في أجسام الناس، فإنا نجد المريض في أمر بدنه -الذي نهايته الموت بهذا أو بذاك- يسلم كل التسليم، ويُسلب الإرادة والإحساس، ويقطع ويمزق ويخيط ويرقع فيه الطبيب الكافر كما شاء. وبعد أن ينتهي يقال له: يا دكتور! ما رأيك؟ إن شاء الله العملية تنجح! إذا كان هذا التسليم في أمر بدنك، فكيف برب العالمين يُعطي رسوله ﷺ حق الحكم فيما شجر بينكم؟!. انظر الصورة العملية! انظر التشريع! من أول آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] ، ومن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ، ومن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء:٦٠] . أي: فلماذا لا يحكمونك؟ ولماذا لا يرضون بحكمك وأنت تأخذهم بالرفق والحكمة، وأنت بالمؤمنين رءوف رحيم؟

стр. 843

قوله تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ... ) ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٦] أي: لا أن يتحاكموا إليك، بل: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٦٦] وهذا من حقه أن يكتب علينا ما شاء، وقد كتبه على بني إسرائيل. فماذا سيكون موقفهم؟ ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ . إذاً: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:٦٦] أي: في قولهم آمنا. جاء يهودي إلى عمر رضي الله تعالى عنه قال: لستم مثلنا، إن الله قد حكم علينا أن نقتل بعضنا بعضاً، وأنتم لم تؤمروا بذلك، فقال عمر: والله لو أمرنا ربنا أن يقتل بعضنا بعضاً لفعلنا، ولكن الحمد لله الذي لم يكلفنا ذلك. فهنا يبين المولى سبحانه بأنه لو أمرهم بهذا الحكم القاسي الشديد على النفس؛ ما كانوا يمتثلون إلا قليل منهم. إذاً: احمدوا ربكم الذي لم يكلفكم بهذا، وإنما كلفكم أن تتحاكموا فيما شجر بينكم إلى الحاكم العادل ﷺ ، ولو أنكم فعلتم هذا لكان خيراً لكم، وكان أكثر تثبيتاً على الإسلام والإيمان. ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٦٧] ، إذاً: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مطلقاً من أدنى التكليف إلى أقصاه، لوجدوا خيراً وآتاهم الله من لدنه أجراً عظيماً.

стр. 844

قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول ... ) ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٨] بسبب اتباع الرسول ﷺ . ما هو الصراط المستقيم؟ هو هذا: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُول﴾ [النساء:٦٩] . لنأخذ من أول آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] . ثم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾ [النساء:٦٤] . و ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥] . و ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء:٦٩] . انظر الآيات الأولى في المنافقين والوعيد الذي توجه إليهم، وهنا ذكر حق الذين يطيعون الله ورسوله! ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] . سبحان الله! مع هؤلاء الذين بلغوا القمة ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] ، فإذا دعيت إلى اتباع رسول الله فأطعت، فأنت مع أولئك المذكورين، ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] . ارجع إلى سورة الفاتحة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦-٧] . في الآية السابقة: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] . ولذا جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سمعته ﷺ في مرضه الأخير يقول: (في الرفيق الأعلى! في الرفيق الأعلى!) ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء:٦٩-٧٠] . فإذا وجد إنسان نفسه في ميوله وفي اختياره وفي رغباته تبعاً لما جاء به رسول الله، فليعلم بأنه على فضل عظيم من الله.

стр. 845

ترك الخيار في أمر الله ورسوله ولننتقل إلى سورة الأحزاب، فسنجد أن المولى سبحانه يعطل اختيار الفرد مع رسول الله، ولم يجعل للمؤمن حق الاختيار في أمره مع رسول الله ﷺ في الآية (٣٦) من الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ، أي: ليس لهم حق في ذلك. وهذه القضية تأتي في صميم حياة المسلمين، وفي أقرب من يكون لرسول الله ﷺ ، في زينب ابنة عمته، فقد جاء ﷺ وخطبها، فظنوا أنها لرسول الله ففرحوا، فتبين أنه يخطبها لـ زيد، وكان زيد مولى وكان الرسول قد تبناه، فأنزل الله القرآن وألغى التبني، فغضبوا وكرهوا خطبتها لـ زيد، كيف وهي في القمة من النسب من قريش؟! فهي ابنة عمة رسول الله ﷺ ، أيزوجونها لهذا؟ لكنه أمر الله، فلما كرهت وكره أخوها؛ نزلت الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ، فجاء أخوها حالاً فقال: يا رسول! ماذا تأمرني؟ وحالاً تم العقد. في الواقع يبدأ الإنسان يقول: في بادئ الأمر هم معذورون، ولكن لا يعلمون ماذا عند الله؟ فإن الله يريد أن يشرِّع، وسبحان الله يا جماعة! فإن معضلات المشاكل العربية القبلية تُهدم في بيت رسول الله! كان العرب في الجاهلية يرون أن زوجة الابن بالتبني لا يمكن أن يتزوجها الأب، فيأمر المولى سبحانه رسوله أن يزوج زينب من زيد، وكان زيد ابناً بالتبني، ثم بعد ذلك يحصل النزاع بينهما، فيقول لها: اصبري! ويقول له: اصبر! لكن بعد ذلك: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٣٧] أي: أمن أجلهم كلهم يتحملها هو؟ قد كان بالإمكان أن يتزوجها قبل أن يمسها أحد. ولذا نرد على المستشرقين وعلى أولئك الذين يفتحون أبواقهم، وكذلك من يصيخ لهم السمع في تلك القضايا. ونقول: ابنة عمته كانت عنده قبل أن يتزوجها زيد، ولو كانت له رغبة فيها أو تطلع إليها لتزوجها قبل ذلك وهي أكمل ما تكون، فلما طلقها زيد (زَوَّجْنَاكَهَا) بالأمر لا بالاختيار. وبعد أن تزوجها زيد قد يمكن أن تكون نفسه لا تريدها أو أنه في غنى عنها، وعنده زوجات، لكن يُلزمه الله أن يتزوجها، ليقضي على تلك العادات، ويرفع ما كان عند المؤمنين من حرج في شخصية رسول الله. إذاً: لم يكن للمؤمن مع أمر الله ومع أمر رسوله أي اختيار، فهو مسلوب الإرادة، مسلوب الاختيار، بمعنى أن يلغِي اختياره وهواه، ويلغي ما يرغب فيه، وهكذا كان سلف الأمة.

стр. 846

الأنصار وطاعتهم للنبي ﷺ جاء في الموطأ عن جابر أنه جاء إلى أهل قباء وقال لهم: (لقد نهى رسول الله ﷺ عن أمر كان لكم فيه خير، ولكن طاعة رسول الله أولى لنا، نهى أن تؤجر أو تكرى الأراضي على الماذيانات ورءوس الجداول) . كان الرجل يعطي أرضه لمن يزرعها على أن لصاحب الأرض ما يكون على القناطر وعلى رءوس الحياض؛ لأنه يكون نامياً وقوياً، والتي في أوساط الحوض التي تكون ضعيفة تكون للزارع، فنهى ﷺ عن ذلك وأمر أن يكون الأجر نسبة معينة: العشر الربع الثلث الخمس فلا مانع لأنه يعم الصالح والطالح. فقوله: نهى رسول الله ﷺ عن أمر كان لكم فيه خير أي: تكسبون منه، لكن طاعة رسول الله خير لكم، ونفذوا طاعة رسول الله، وكانوا يحكِّمون رسول الله في أخص ما يكون لديهم. لما قدم ﷺ مهاجراً ونزل بقباء، وكلنا يعلم أن المدينة كانت موطن الأوس والخزرج، وكانوا في قتال مرير قبل الإسلام بخمس سنوات، وكانت القبيلتان كفرسي رهان كما يقولون، فلما هاجر رسول الله ﷺ بعد البيعة الثانية التي حصلت عند العقبة من الأوس والخزرج معاً، فأول ما نزل في قباء، والمشهور أنه وصل يوم الإثنين، فسأل عن أسعد بن زرارة، وكان سيد قومه، فقالوا: يا رسول الله! الأوس لا يذهبون إلى ديار الخزرج، والخزرج لا يأتون إلى ديار الأوس، لأن بينهم الحروب والقتال، فلما كان ليلة الأربعاء، أي بعد مجيئه ﷺ بليلة وجاءت الثانية، جاء أسعد متلثماً بالليل بين المغرب والعشاء، يعني: جاء خفية عن هؤلاء الناس خائفاً على نفسه، فسأله ﷺ : كيف جئت ديار القوم على ما بينك وبينهم؟، قال: يا رسول الله! ما كنت لأسمع بمجيئك في مكان إلا أتيتك. فالتفت إلى بني عمرو بن عوف وهم الذين كان نازلاً عندهم وقال: (أجيروا أسعد) ، ونحن نعلم بأن الشخص إذا قال: فلان في جواري؛ فلا يمكن لإنسان أن يمسه بشيء إلا إذا خفرت الذمام وقامت الحرب. فماذا قالوا؟ قالوا: أجره أنت يا رسول الله فإن جوارنا من جوارك. وهذا يعني أنه أصبح محكماً فيهم، قال: (يجره رجل منكم) . ونظام الجوار أن الضيف لا يجير، إنما يجير الأصيل في القبيلة، حتى الشخص الذي بالجوار أو بالانتماء لا يجير، والتابع لا يجير على المتبوع الأصيل فقام فلان وقال: هو في جواري، فبات عندهم تلك الليلة، ومن الغد ذهب إليه مجيره هذا إلى بيته متأبطاً يده ظهراً ونادى وقال: فلان في جواري، فقال بنو عمرو بن عوف كلهم: كلنا جوار لـ أسعد. يهمنا قولهم: (أجره أنت يا رسول الله) . كذلك في قضية سعد في غزوة الأحزاب عندما جاء المشركون ومعهم غطفان وهوازن فقال ﷺ : نعرض عليهم الصلح، فشاور سعد هذا وسعد بن عبادة في أن يصالح الأحزاب على جزء من الثمرة، فقالوا: يا رسول الله! أشيء تحب أن نفعله لك فعلناه، قال: (قد علمت أن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة) . قالوا: لا والله يا رسول الله! كنا وإياهم على الشرك فما طعموها إلا قرى أو شراء، والآن أكرمنا الله بالإيمان والله ما يطعمون منها شيئاً، وليس بيننا وبينهم إلا السيف. الشاهد قولهم: (أشيء تحبه يا رسول الله نفعله لك؟) ومن هنا أيضاً كانوا رضي الله تعالى عنهم في المواقف وفي الشدة يفدُّونه بأنفسهم، فهذا أبو طلحة يترِّس على رسول الله ﷺ في أُحد حتى يوجد في جسمه حوالي سبعين ما بين طعنة برمح ورمية بسهم، كان كلما مر عليه إنسان يقول: هات ما عندك من سهام، ثم ينظر ﷺ فيقول له: يا رسول الله! فداك أبي وأمي لا تنظر حتى لا يصيبك سهم من سهامهم. ويصاب بسبعين طعنة ورمية، لماذا؟ يفديه بنفسه؛ فمن باب أولى أن يكون هواه وميوله تابعاً له ﷺ .

стр. 847

التزام سنته ﷺ من طاعته وجاء في حديث العرباض بن سارية قال: (وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله! لكأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً؛ فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور!) إلى آخر الحديث. نرجع إلى الحديث مرة أخرى من جهة الأحكام لا إيمان لعبد إلا بأمرين معاً: أن يكون هواه تبعاً لما جاء به رسول الله، وأن يكون رسول الله أحب إليه من نفسه وولده ووالديه والناس أجمعين. وتبعاً لهذا فقد وردت أقوال للسلف في هذا الباب، منها: ما جاء عن مالك ﵀ أنه قال: (لا يَصلُح آخر هذه الأمة إلا بما صلُح به أولها) ، وهو الاتباع والمسير على سنة رسول الله. (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) وهي الأنياب، كناية عن الحرص عليها لئلا تفرطوا. وأيضاً ورد عن مالك أنه قال: (من سن سنة وزعم أنها حسنة فقد زعم أن محمداً خان الرسالة) . وذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] ، فالمسألة منتهية، (من سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء) . وجاء عند ابن ماجة: (من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل أجر من عمل بها من الناس لا ينقص من أجور الناس شيء) . فما يهمنا هو اتباع السنة، وهذا الباب واسع، ولعل ما سبق فيه الكفاية بالتنبيه لهذا الحديث، والله تعالى أعلم. نسأل الله أن يرزقنا اتباعه وحسن محبته، وأن يرزقنا شفاعته ﷺ ، وأن يوردنا حوضه، وأن يسقينا بيده الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 848

شرح الأربعين النووية - الحديث الثاني والأربعون

стр. 849

شرح حديث: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ... ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: قال المصنف ﵀: [عن أنس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) . رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح] . هذا الحديث هو خاتمة الأربعين حديثاً التي جمعها الإمام الجليل النووي ﵀، وذلك عملاً بما روي عنه ﷺ أنه قال: (من حفظ على أمتي أربعين حديثاً) . وهذا نوع من أنواع جمع الحديث، فقد يجمع العالم أربعين حديثاً عامة، وقد يجمع أربعين حديثاً خاصة؛ كأربعين حديثاً في فضل المدينة، أو أربعين حديثاً في فضل الاستغفار، أو أربعين حديثاً فيما يتعلق بالحج، فقد يفرد بعض العلماء أربعين حديثاً في موضوع واحد. والإمام النووي ﵀ جمع لنا هذه الأربعين المتنوعة، التي اشتملت على التوجيهات النبوية الكريمة بما فيها من أخلاق ومواعظ وتوجيه، وهذا هو الحديث الختامي. لقد أشار علماء الحديث الذين تعرضوا لهذا المجموع في الحديث الحادي والأربعين في قوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ، إلى أن هذا الحديث ينبه كل مسلم بأنه يجب عليه أن يروض نفسه على أن تكون ميوله ورغباته واتجاهاته كلها تابعة لرسول الله ﷺ . وقد أشرنا إلى ذلك، وذكرنا ما يتعلق بالحديث من الأحكام من محاربة البدع ولزوم اتباع الكتاب والسنة، وأن ميزان إيمان المؤمن هو في رضاه بقضاء رسول الله ﷺ ، وكذلك نفي الإيمان عمن لم يرض بحكم رسول الله وقضائه، ومن لم يسلم له تسليماً. وفي الختام كأن النووي ﵀ يختم هذه المجموعة بهذا الحديث، ليعظم في نفس كل مسلم رجاء رحمة الله. وليعلم بسعة فضل الله. وهذا الحديث من أرجى أحاديث السنة النبوية، فهو يربط العبد بربه، ويجعله فسيح الأمل والرجاء في واسع فضل الله . نأتي إلى شرح ألفاظ الحديث وجمله، ثم يأتي التعليق عليه بما تيسر، والله أسأل أن يعيننا وأن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه. هذا حديث أنس، وأنس هو خادم رسول الله ﷺ ، ويروي عن النبي ﷺ أنه قال فيما يرويه عن ربه: إن الله يقول: (يا ابن آدم!) ، وأول ما يلفت الانتباه هنا تعميم هذا النداء، فلم يقل: أيها المسلمون! ولا أيها المؤمنون! إنما نص على بني آدم، فقال: (يا ابن آدم!) ، من أبينا الأكبر آدم ﵇ إلى نهاية ذريته، وفيهم المسلم والكافر، والبر والفاجر، والعاصي والتقي، كل بني آدم داخل في هذا النداء الذي يدعوهم به المولى سبحانه. و (آدم) : هل هو من أديم الأرض أو من الأُدمة وهي السمرة؟ قالوا: لقد أُعطي آدم جمالاً عظيماً، وأُعطي يوسف ثلاثة أعشار جمال آدم ﵇، ولم يكن آدم أسمر أو فيه أُدمة، ولكن اشتق اسمه من أدمة الأرض، أي: من وجه الأرض، والأرض طبقات متنوعة، فجمع الله طينة آدم من مختلف أنواع طينة الأرض، وخلقه ونفخ فيه من روحه، ومن هنا جاءت ذرية آدم على اختلاف طبائع الأرض منهم الصعب القاسي، ومنهم الهين اللين، ومنهم الأبيض، والأحمر، والأسود، كما في قوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر:٢٧] . وقوله: (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني) ، يقولون: (ما) هنا مصدرية ظرفية، أي: مدة دعائك إياي ورجائك فيما عندي. (إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي) ، وهنا يطرح السؤال هل هذا الشرط وجزاؤه يفيد أنه مهما دعوتني غفرت لك على ما كان منك أم أن المقصود الدعاء مع مراعاة آدابه التي جاءت عنه ﷺ ؟ الثاني

стр. 850

من آداب الدعاء ننظر إلى ما قيل في آداب الدعاء على سبيل الإجمال: أولاً وقبل كل شيء: الإخلاص، فحينما تتوجه إلى الله بالدعاء يجب أن تكون مخلصاً في دعائك. وكذلك لا تدع بقطيعة رحم ولا بإثم، أي: لا تدع أن يسهل الله لك طريق معصية، ولا تدع بأن تقطع رحماً قريباً لك، ولا تدع على قريب لك بالسوء. فإذا دعوت الله بما ينفعك في دينك ودنياك كان الدعاء في محله متوجهاً توجهاً صحيحاً، وعليك بعد ذلك أن تنظر: أي المسألة تقدم؟ وفي أي الأوقات تدعو؟ وأي الأمكنة تتخير؟ وكل ذلك يذكره العلماء في آداب الدعاء.

стр. 851

أوقات إجابة الدعاء الأوقات التي يُتحرى فيها الدعاء رجاء أن يستجاب فيها كثيرة، وقد ذكر ﷺ بعض أوقات الإجابة. ومن ذلك ساعة في يوم الجمعة، قال ﷺ في بيان فضيلة يوم الجمعة: (فيه خلق آدم، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تيب عليه، وفيه قبض، وفيه تقوم الساعة، وما على الأرض من دابة إلا وهي تصبح يوم الجمعة مصيخة حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة إلا ابن آدم، وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم قائم يصلي يسأل الله فيها حاجته إلا أعطاه إياها) ، ومتى تلك الساعة؟ فيها خلاف بين العلماء. قيل: بعد الأذان، أي: وقت الصلاة، وقيل: حينما يصعد الإمام على المنبر، وهناك من يقول: بعد أن يفرغ من الخطبة وقبل الصلاة، وهناك من يقول: إنها بعد العصر، وهذا اختيار مالك ﵀. واستشكلوا: كيف يصلي ويسأل وبعد العصر لا توجد صلاة؟ قالوا: جاء في الحديث: (إذا صلى أحدكم ثم جلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلي عليه: اللهم اغفر له! اللهم ارحمه) فمن جلس في المسجد ينتظر الصلاة فلا يزال في صلاة حتى يصلي، فهو إذا صلى العصر وجلس ودعا الله فقد يصادف تلك الساعة. ومهما يكن من شيء، ففي يوم الجمعة ساعة إجابة أخفيت ليجتهد الإنسان في جميع ساعات يوم الجمعة. وأيضاًَ: ليلة القدر الدعوة مجابة فيها، وقد بيّن ﷺ أنها في الوتر من العشر الأواخر، وقد ثبت أن النبي أراد أن يعينها ولكن تلاحى رجلان في ذلك المجلس فأخفيت ليجتهد الناس في ليالي العشر الأواخر كلها. وأيضاً: يوم عرفة، وفي الحديث: (يوم عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: انظروا إلى عبادي! شعثاً غبراً ضاحين جاءوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم يُر يوم أكثر عتقاً من النار من يوم عرفة) . أيضاً: في السجود في الصلاة لقول النبي ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) . فهذه أوقات حري بمن دعا الله فيها أن يستجاب له.

стр. 852

أماكن إجابة الدعاء أما بالنسبة للأماكن التي يستجاب فيها الدعاء فمنها الأماكن المقدسة: ما بين الركن والمقام، وفي حجر إسماعيل، وفي المناسك كلها تشرع الأدعية، وجاء الحث عليها فهي حرية بالقبول. كل هذه من مباحث زمان ومكان إجابة الدعاء.

стр. 853

استكانة العبد وتضرعه عند الدعاء من أهم أسباب الإجابة وقوله في هذا الحديث: (ما دعوتني ورجوتني) ، فيه أن أهم ما يكون في وقت الدعاء حالة الداعي، فحينما يدعو الإنسان في غير حاجة يكون دعاؤه عادياً، وحينما تلم به ملمة ويتوجه إلى الله بالدعاء يكون تعلقه بالله، وقلبه مع الله، ورجاؤه في عظيم فضل الله؛ أكبر وأعظم مما إذا دعا في أمر عادي. ولذا فإن أحرى أوقات الإجابة حينما يتوجه العبد إلى الله بصادق النية، وبعظيم الرجاء، وهو يشعر بضعفه وحاجته إلى سعة فضل الله عليه. ففي تلك اللحظة لا تسل: بم تسأل ربك أو بم تدعوه؟ ما جرى على لسانك من أسمائه الحسنى ودعوته به يكون توفيقاً من الله إليك بما يستجيب لك به. ومن المشاهد أن كل إنسان حين يمر بمواقف أو بأزمات، ويتوجه إلى الله؛ فإنه في تلك الحالة يحس من نفسه بأنها ليست كالأوقات العادية. ونتصور هذا في موقف يتكرر كثيراً وهو السعي بين الصفا والمروة، فسببه سعي هاجر ﵍، كما روي أن النبي ﷺ قال: (اسعوا فإن أمكم قد سعت قبلكم) . وهاجر ﵍ هي التي جاء بها إبراهيم ﵇ ومعها طفلها إسماعيل، وتركهما في مكان قال تعالى فيه: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:٣٧] ، فلما أراد أن يرجع إلى الشام تبعته أم إسماعيل وقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها، وقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا. لقد أعلنت إيمانها ويقينها وتوكلها على الله بأنه لن يضيعها. ذهب إبراهيم، وبقيت هناك وعندها سقاء فيه ماء، وعندما انتهى الماء الذي في السقاء، وبدأ يبكي الطفل عطشاً؛ قررت أنه لابد أن تأخذ بالأسباب مع إعلان توكلها على الله، (لا يضيعنا) ، فلم تجلس وتنتظر السماء أن تنزل عليها الماء، بل أخذت بالأسباب. وهنا درس عملي يفيد بأن قوة التوكل على الله لا تمنع الأخذ بالأسباب، والأخذ بالأسباب لا يمنع التوكل على الله. فسيد المتوكلين ﷺ في غزوة أحد ظاهر بين درعين، أي: لبس درعين، والفارس لا يمكنه أن يلبس درعين أبداً؛ وذلك بسبب الوزن الذي يتوجب عليه حمله، فلا يمكنه من التحرك بيسر في المعركة. فبالرغم من توكله على الله، وبالرغم من قول الله له: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] ، مع كل ذلك يأخذ بالأسباب، ويأتي ويصف المسلمين، ويتدرع بالجبل من ورائه، ويضع الرماة على جبل الرماة حتى لا يأتيهم العدو من ورائهم خطط حربية مرسومة كاملة. فكذلك هاجر، ما هي الأسباب التي أخذت بها؟ هي في بطن الوادي لا تستطيع أن ترى شيئاً، وإذا أراد الإنسان أن يستكشف مكاناً إلى أبعد مسافة ممكنة فإنه يبحث عن محل مرتفع ويشرف منه، فكان أقرب مرتَفَع لها في ذلك المكان هو جبل الصفا، فصعدت إلى الصفا ونظرت حولها فلم تجد شيئاً، ثم بحثت عن مرتفع آخر فلم تجد أقرب من المروة، فنزلت من الصفا إلى المروة، فلما انصبت قدماها في بطن الوادي اختفى عنها طفلها فأسرعت حتى جاءت إلى جانب الوادي الآخر، وحين رأت طفلها مشت مشياً عادياً، ثم صعدت على المروة وتلفتت حولها فلم تجد شيئاً، ثم لشدة تلهفها رجعت إلى الصفا، وهكذا. وبتأمل هذا الموقف نجد أنها ما طلبت دون يقين بالله، ولا قطعت رجاءها في الله؛ لأنها متوكلة على الله، وكان الواجب عليها أن تأخذ بالأسباب، فأخذت بأسباب تقدر عليها، والتمست الفرج من الأرض على يد مخلوق من خلق الله فلم تجد، وتُركت تسعى إلى أن أكملت سبعة أشواط، وكلنا يدرك أنها في المرة الأولى لعلها كانت على أمل خمسين في المائة أو سبعين في المائة، ترجو أن تجد من يغيثها، فلما جاءت إلى المروة ولم تجد نزل هذا الأمل إلى ثلاثين في المائة، فلما جاءت إلى الصفا نزل هذا الأمل إلى خمسة وعشرين في المائة، ولما أعادت الكرة إلى المروة نزل إلى عشرة في المائة، وما أكملت سبعة أشواط إلا وقد انقطع رجاؤها من الخلق، وانقطعت آمالها في المخلوق وفي الأرض، وتوجهت بكل صدق إلى الله، فكانت الإغاثة حقاً، فجاء جبريل ﵇ لا بسقاء ولا بقراب ولكن يشق الأرض فينبع الماء بزمزم. لماذا لم يأتها جبريل من أول مرة؟ هي لم يكن عندها أحد، لكن كان يوجد في القلب نوع ميل ورجاء وأمل في مخلوق، فتُركت لما وجد في قلبها من ذلك النوع من الأمل في المخلوق، فسعت سبعاً، وكل مرة يقل رجاؤها في المخلوق، وكلما قلّ رجاؤها في المخلوق عظُم في الخالق، فالأمران متقابلان؛ كلما ضعف رجاؤها في المخلوق ابتعدت عنه واقتربت من جانب الله حتى انقطع الأمل تماماً في المخلوقين، وتوجهت بكليتها إلى الله، فكان الفرج الكبير، وهكذا يجب أن يكون المسلم. (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني) ، إذا كنت مع الدعاء قوي الرجاء وعظيم الرجاء في الله، فهناك يحصل المطلوب، أما أن تدعو بقلب لاه فقد جاء في الحديث: (لا يستجيب الله دعاءً من قلب غافل لاه) . أي: تدعو ربك وأنت مشغول بغيره أو تدعو ربك وأنت تفكر بغيره. وفيما وقفت عليه في ترجمة عطاء -أو بعض العلماء- في مكة، أن عبد الملك بن مروان -وهو خليفة- دخل الكعبة فوجده فيها، فقال: ألك حاجة يا فلان؟! قال: (إني لأستحي أن أسأل مخلوقاً وأنا في بيت الله) . فمثلاً: إنسان ضيف عندك، وجاء ضيف ثانٍ، وله حاجة، فحينما يتوجه إليك بطلب حاجته يكون أقرب إليك وأحسن من أن يتوجه إلى هذا الضيف. فلما خرجا إلى الخارج قال: الآن نحن خارج الكعبة، فسلني حاجتك. قال: والله ما سألت الدنيا ممن يملكها، فلا أسألها ممن لا يملكها. حينما كان داخل الكعبة كان قلبه مع الله، واستشعر أنه من قلة الحياء أن يكون في جوف الكعبة ويسأل مخلوقاً: أعطني كذا، كيف ورب البيت أقرب؟! وهكذا الإنسان حينما يكون رجاؤه عظيماً بالله، وقلبه متعلقاً بالله، وفي وقت الشدة يكون أقرب إلى الله، تكون الطاقة في التوجه قوية جداً.

стр. 854

قصص أخلص أصحابها الدعاء فاستجاب الله لهم قصة النفر الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، فأتت الصخرة وسدت عليهم الغار. فجعلوا يحاولون تحريكها فلم يقدروا عليها، فرجعوا إلى الله، وقالوا: تعلمون أنه لا يعلم أحد بكم، ولا ينجيكم من هذا إلا الله، فكل واحد منا ينظر ماذا له عند الله من خبيئة سر؟ وأيّ عمل أرجى له عند الله؟ فليسأل الله به. فقام الأول يتوسل إلى الله ببر والديه، وقام الثاني يتوسل إلى الله بحفظ حق الأجير وأداء الأمانة، وقام الثالث يتوسل إلى الله بالكبرى والعظمى وهي العفة عن الحرام، وكلما قام واحد منهم وتوسل إلى الله بما له عند الله تتزحزح الصخرة قليلاً، حتى إذا استكمل الثلاثة دعاءهم تنحت الصخرة، وخرجوا يمشون. ولو تساءلنا: الأول منهم حينما توسل إلى الله وبقدرة الله تزحزحت الصخرة، فالله الذي زحزحها سنتيمتراً واحداً يستطيع أن يزحزحها كيف شاء، فكان من الممكن أن تنزاح الصخرة عند أول توسل، ولكن من فضل الله علينا أنه أنظرهم حتى يخرج الثلاثة ما عندهم، ونعرف كيف يكون أثر الأعمال الخالصة لوجه الله. إذاً: العمل الصالح، والإخلاص، والرجاء فيما عند الله؛ إن توجه إلى الجبل أزاحه، وإن توجه إلى الماء جمد، وتتسخر كل القوى الطبيعية للعبد الذي يتوجه إلى الله بإخلاص. هذا العلاء بن الحضرمي حينما أتى إلى البحر والعدو ينحاز بالسفن، فماذا قال؟ أيها البحر! إنك تجري بأمر الله، ونحن جند في سبيل الله، عزمت عليك لتجمدن لنعبر. ماء يمشي ويجري، فيجمد لهم ليعبروا، ويقاتلون وينتصرون! بأي شيء؟ بقوة الرجاء في الله، وبالإخلاص لله. وهذا سفينة مولى رسول الله، حينما رأى الأسد معترضاً للناس، أتى إليه وقال له: ابتعد، أنا سفينة صاحب رسول الله. وذات مرة ضاع في الصحراء، ولم يدر أين يذهب، فإذا بالأسد يأتيه ويحوم حوله ويمشي معه حتى يدله على الطريق! ماذا نقول؟! إن الحيوانات والوحوش تذل عند عظيم الرجاء في الله، وإن الماء يجمد والصخرة تنزاح عند التوجه إلى الله بصادق النية.

стр. 855

هل تستجاب دعوة الكافر ؟ قد يستجاب الدعاء مع شدة الرجاء فيما عند الله ولو كان من كافر، فلا تستعظموا ذلك! فإن الله لا يتعاظم عليه شيء. إذا قام الكافر وهو في شدة وكربة وتوجه إلى الله، وصار يستصرخ ويصيح ويسأل ربه أن يفرجها عنه، فالله سبحانه لا يرد سائلاً، ولا نقول: هذا كافر، أليس ربه هو الذي خلقه، وهو الذي رزقه، وأعطاه ما أعطاه؟ وفي الحديث: (إياكم ودعوة المظلوم وإن كان كافراً فإنه ليس لها حجاب دون الله تعالى) . حينما يتوجه الكافر إلى الله بالمسألة فيما يخصه ليفرج الكرب عنه، فهو في تلك اللحظة مؤمن بمن يدعوه ويلجأ إليه ويرجوه. ولذا قال حصين حين سأله رسول الله ﷺ : (كم تعبد إلهاً؟ قال: سبعة، ستة في الأرض، وواحد في السماء. قال: فأيهم تعد لرغبتك ولرهبتك؟ قال: الذي في السماء) . لأنه لم يخش ولم يرج إلا الذي في السماء ، والبقية تلك كما يقولون: على الهامش، لا قيمة لها عند الشدة وعند الحاجة. وأيضاً: الكافر حينما يتوجه إلى الله، ويقول: يا رب! الآن أنا مسلم، فهل يرده عن هذا، ويقول له: لا، أنت كنت كافراً؟ لا، فإن (الإسلام يجب ما كان قبله) . ويذكرون في كتب التفسير أن فرعون حينما جاءه الغرق صار ينادي: يا موسى! يا موسى! عدة مرات، وموسى لم يلتفت إليه، فالله عاتب موسى فيه، وقال: يا موسى! يناديك عبد من عبادي لتغيثه فلم تلتفت إليه، لو ناداني مرة واحدة لأجبته! وفضل الله أكبر من هذا. ولذا يا إخوان! يجب على كل مسلم أن يُعلِّم الخلق سعة فضل الله، وأن يُعظِم رجاءهم في الله، ثم بعد ذلك يأخذهم إلى كتاب الله وسنة رسوله. ومما جاء في الآثار عن موسى أنه سأل ربه عن أحب شيء إليه؟ قال: أن تحببني عند خلقي. فلا تُيئس الناس من رحمة الله، وسع لهم المجال، ثم خذهم بالكتاب والسنة، وعلمهم ما يجب من حق الله عليهم، وحق العباد على بعضهم البعض. (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني) ، يقول العلماء: الرجاء وقت الدعاء من شرط الإجابة، أما إذا كان يدعو من دون رجاء فكأنه غير مهتم وغير مبال، وفي الحديث: (أنا عند ظن عبدي بي) ، فإذا دعا وهو يحسن الظن بالله تعالى يجيب دعاءه أجاب الله دعاءه. وكثير من العلماء يقولون: من دواعي استجابة الدعاء أن يكون المطعم حلالاً، لا أن يكون حراماً. كيف تتغذى بالحرام معاندة ومخالفة لله، ثم تتقدم وتسأل الله بجسم غذي بالحرام؟! أما إذا دعوت بجسم غذي بالحلال، وتوجهت إلى الله، كان ذلك حري بالاستجابة، وهذا من المراتب العليا للمؤمنين كما روي عنه ﷺ حينما سأله الرجل وقال: (يا رسول الله! ادع الله لي أن أكون مجاب الدعوة، فقال: أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة) ، إذا كان طعامك من حلال فإن دعوتك مجابة. وهكذا في جميع العبادات كما جاء في الحج: (إذا خرج الرجل حاجاً بنفقة طيبة، ووضع رجله في الغرز، فنادى: لبيك اللهم لبيك، ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور) ؛ لأن كل مقوماته بالحلال. إذاً: هذا الجزء من هذا الحديث من أعظم ما يُرجِي العبد.

стр. 856

هل يقدم الإنسان الرجاء أم الخوف ؟ جاء في سيرة الحجاج -الذي سفك الدماء، وسعى في الأرض فساداً- أنه عند النزع في آخر أمره توجه إلى الله وقال: (يا رب! كل الناس يسيئون الظن بي، وأنا أحسن الظن بك) يا الله! مع سيرته الظالمة وأخلاقه السيئة وما سفك من دماء بريئة يقول هذا! والعلماء يأتون بمبحث لطيف ويقولون: هل الواجب على الإنسان والأولى له أن يغلِّب جانب الرجاء، أو يقدم جانب الخوف لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦] أو يجمع بينهما لقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] ؟ قالوا: المسلم كالطائر يطير بجناحين: جناح الرغبة وجناح الرهبة، فجناح الرغبة يدفعه إلى فعل الخير، وجناح الرهبة يمنعه من فعل الشر، فهو بين رغبة ورهبة، ولكن يقولون: إذا كان في نهاية عمره، أو عند عجزه فيقدم جانب الرجاء كما جاء في الحديث: (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه) ، أما إذا كان في شبابه وفي قوته وفي نوازع الهوى وفي مخاوف الفتنة فيقدم جانب الخوف. إذاً: في حالة القدرة على العمل ومخافة الفتنة والوقوع في الشبهات وغيرها يكون جانب الخوف أسلم له، وإذا كان في الطرف الثاني فليقدم جانب الرجاء. وهكذا يقولون في سلوك العبد مع الله وإعظام الرجاء في فضل الله، ويصور هذا بعض الشعراء بقوله: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن فمن الذي يدعو ويرجو المجرم ما لي إليك وسيلة إلا الرجاء وجميل عفوك ثم إني مسلم وهذا تصوير الواقع -يا إخوان- فإن عظمت ذنوب الإنسان فليعلم بأن عفو الله أوسع. الرسول صلوات الله وسلامه عليه في عودته من الطائف سلطوا عليه السفهاء وجاءه ما جاءه منهم، فوقف يدعو ربه: (اللهم! إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين إلى من تكلني؟ إلى عدو يتجهمني أو إلى قريب ملكته أمري! إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي) ، فعفوا الله أوسع، فالإنسان قد يبتلى وقد يصبر وقد يتحمل، ولكن عفو الله أوسع، ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦] . (يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء) ، وسيأتي بيان نوعية هذه الذنوب، ويهمنا قوله: (عنان السماء) ويقولون: العنان هو السحاب، ويقولون: إن هذا على سبيل التقريب، ولو بلغت إلى السماء الدنيا، مهما كثرت ذنوبك ثم استغفرت ربك يغفرها لك. وقوله: (على ما كان منك) ، يقول بعض العلماء: ولو تكررت ذنوبك ثم استغفرت وبعد استغفارك عدت للذنب ثم استغفرت غفر لك، ولكن لا على سبيل التلاعب والتهكم والاستهتار، بل تصدُق عند استغفارك، يقول بعض السلف: (استغفارنا يحتاج إلى استغفار) ، يعني: استغفارنا ليس أكيداً، ولم يكن نابعاً عن قلب صحيح نادم راجع. ولذا يقولون: الاستغفار هو عين التوبة، والتوبة إقلاع عن الذنب، وندم على ما مضى، وعزم على عدم العودة، فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة كانت توبة نصوحاً. وإن قُدِّر بعد ذلك أن وقع في الذنب بدون إصرار سابق فإنه يستغفر، وقد جاء في الحديث: (والذي نفسي بيده! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) . إذاً: مهما كان الذنب فلا يتعاظم إنسان ذنباً على الله، وشاهد ذلك قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم أتى إلى شخص عابد وسأله: هل لي من توبة؟ قال له: بعد قتل تسعة وتسعين نفساً! ليست لك توبة، فقتله فأكمل به المائة. ثم بقيت نفسه تنازعه فأتى عالماً عارفاً فسأله، فأجابه العالم وقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟، تب إلى الله يقبل توبتك، ثم نصحه قائلاً: اخرج من هذه البلدة التي قتلت فيها مائة نفس، واذهب إلى القرية الفلانية ففيها رجال صالحون فاعبد الله معهم، فلما خرج أدركته المنية في الطريق، واختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، ثم أرسل الله لهم ملكاً في صورة رجل وقال: قيسوا ما بين الأرضين، ثم أمر الله هذه بأن تمتد، وتلك بأن تنزوي، فصار أقرب إلى أهل الخير بذراع، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي الحديث: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة) . إذاً: عمل بعمل أهل النار وأصبح يستحق النار، ولكن بلطف الله سبق عليه الكتاب، وتحوّل وعمل بعمل أهل الجنة، وكانت الخاتمة خيراً، والأعمال بالخواتيم. وهكذا أيها الإخوة! يبين المولى سبحانه في هذا الحديث أنه لا يتعاظم الإنسان ذنباً على الله أبداً، ومهما كان عظم هذا الذنب فرحمة الله أوسع، ولكن يجب عليه في ذات الوقت التأدب مع الله، فلا تكون توبته ولا يكون استغفاره من باب التلاعب أو من باب التساهل. ويذكر ابن رجب أثراً يعزوه إلى الترمذي (وفيه: (لا يتخذ الرجل امرأة حليلة وكلما قضى حاجته منها يستغفر الله، ثم يرجع إليها، فيقول الله له: لا، اتركها أغفر لك) . أما كونك كل ساعة تعود للذنب، ثم ترجع وتقول: أستغفر الله، وأنت مصر على هذا؛ فلا. وفي الأثر: (إن الله لا يغفر لثلاثة: -وذكر منهم- رجل يزني بامرأة وكلما قضى حاجته منها استغفر ثم رجع، ورجل يأكل مال غيره، وكلما أكل شيئاً قال: أستغفر الله، فيقول الله له: لا، اترك ماله أغفر لك) . إذاً: الإصرار على الذنب ذنب.

стр. 857

فضل الاستغفار الاستغفار يجبّ ما قبله، والاستغفار هو سيد العبادات، وقد بيّن أن هذا النوع من عبادة الله ينفع في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:١٠-١٢] . وبعض العلماء يقول: هناك صيغ وألفاظ واردة قد يكون بعضها أولى من بعض، ولكن حينما تستغفر فأنت تتوجه إلى الله وتطلب منه المغفرة، فاستغفر على وزن (استفعل) كما تقول: استقدم: أي طلب القدوم، واستقرض: أي طلب القرض، واستغفر: طلب المغفرة، تقول: اللهم! اغفر لي، دعاء بالمغفرة، وتقول: أستغفر الله: أي: أطلب من الله المغفرة. وسيد الإستغفار: (اللهم! أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) ، فهذا سيد الاستغفار، فمن داوم عليه أصاب خيراً. ويحث العلماء كل إنسان على أن يكثر من الاستغفار ولو بدون ذنب؛ لأنه رفع لدرجاته، يقول ﷺ : (والله! إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) . فهذا سيد الخلق الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كانوا يعدون عليه في المجلس الواحد يستغفر الله مائة مرة! وغيره كيف يكون حاله؟ فينبغي للعبد أن يكثر من الاستغفار سواءً كان من ذنب معين أو مطلقاً، والله تعالى أعلم.

стр. 858

الشرك بالله تعالى من الذنوب التي لا تغفر وقوله سبحانه في هذا الحديث القدسي: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) ، (قُراب الأرض) : يقول بعض العلماء في اللغة: هذا الشيء قريب من هذا، أو هذا قريب من هذا في الطول، أو هذا المكان قريب من هذا في السعة، يعني ليس عين السعة وليس عين الطول ولكن مقارب، فقالوا: (قُراب) بمعنى مُقارِب، يعني: لو أتيتني بما يقارب ملء الأرض، وقالوا: قراب الأرض، أي: قِرابها أو ملؤها، وهو كناية عن امتلائها بالكلية. (لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) ، يقول (ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً) ، إذاً: هناك فرق بين المغفرة والاستغفار وبين الدعاء وعظيم الرجاء. قلنا: في قوله: (يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني) ، شملت كل عبد لله من بني آدم، ولكن هنا يقول سبحانه: (لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً) ، إذاً: قراب الأرض من الخطايا التي ليس فيها الذنب الأكبر وهو الشرك، كما بين ذلك سبحانه في قضية لقمان مع ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] . فمهما كان على الإنسان من خطايا، ولقي الله موحداً لا يشرك بالله شيئاً لا في أسمائه ولا في أفعاله ولا في صفاته، كان هذا القراب الكثير من الخطايا موضع المغفرة. وفي القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨] ، أي ما دون الشرك من الخطايا. إذاً: ((دُونَ ذَلِكَ)) فيه نص على أن الخطايا تتفاوت، فهناك الشرك وهو الظلم الأعظم، وهناك قتل النفس، وهناك الزنا، وهناك السُّكْر، وهناك السرقة، وهناك السَّب، وهناك نظرة العين، فهي تتفاوت، ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ)) ، فالحديث مطابق للآية الكريمة. قال: (لو أتيتني بقراب الأرض خطايا) ، والخطايا: جمع خطيئة، وهي: ما يفعله الإنسان من الذنوب عامداً، وهي بخلاف الخطأ الذي يقع من المرء بدون قصد منه، وتقدم في الحديث: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) ، فالخطأ ليس عمداً وليس معصية، ولكنه ينتج عندما يفعل المرء شيئاً جائزاً فيخطئ فيه إلى ما ليس بجائز، أي: بدون إصرار ولا قصد للخطأ والمعصية.

стр. 859

الإيمان بصفات الله تعالى دون تكييف هذا الحديث يسوق عنده العلماء الحديث الآخر: (وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) ، والأحاديث التي تدخل في باب الصفات ليس لإنسان أن يحكِّم العقل فيها، ولا أن يورد عليها تكييفاً من عنده؛ لأن الكيف لا ينبغي من الإنسان في حق المولى سبحانه، وقد نهانا عن ذلك وقال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] ، ومذهب السلف الصالح كما قال مالك عندما سئل عن الاستواء، فأطرق وأخذه العرق واشتد به الأمر، ثم رفع رأسه وقال: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب) . وكذلك قال ربيعة الرأي شيخ مالك، وكذلك قالت أم سلمة، فكلهم حينما سُئلوا عن الاستواء كان جوابهم واحداً. ويقول الشافعي ﵀ في هذا الباب: (نؤمن بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، ونؤمن برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله) . ويقول الإمام ابن تيمية ﵀: (نحن كلفنا بإيمان تصديق لا بإيمان تكييف) . ولهذا سلف الأمة يثبتون صفات المولى سبحانه على مراده، ويقولون: إثبات بلا تكييف ونفي بلا تعطيل، إثبات الصفات بلا تكييف لها: فلا يقال: كيف كذا وكيف كذا، ونفي لما لا يليق بجلال الله دون تعطيل المولى عن صفاته الحقة. وهكذا قوله في هذا الحديث: (إن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً) ، نحن ندرك الشبر والذراع، ولكن المولى من يدركه من خلقه؟ (وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) ، فهذه الصفات لا ندرك حقائقها كما نتصور إلا في المخلوق، وأما في ذات المولى فلا. وكما جاء في الحديث (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر) ، وأين السماء من عظمة الله؟ (ما السماوات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة) . فكيف نتصور بالعقل المحدود أن المولى ينزل إلى السماء الدنيا، وهل هو كنزولنا؟ لا والله! وهل السماء تسعه؟ لا نستطيع أن نكيف فالعقل محدود، ويعجز أن يكيف صفة من صفات الله. فيجب أن نثبت صفات الله كما جاء عن الله وعن رسول الله، ولا أعلم بوصف الله من الله ورسوله ﷺ . وختاماً أيها الإخوة! نحمد المولى سبحانه أن امتن علينا بهذه النعمة، ونشكره سبحانه أن وفقنا وإياكم إلى نهاية هذا المجموع المبارك، ونسأل المولى أن ينفعنا وإياكم وكل مسلم بما علَّمنا، وأن يوفقنا للعمل بما علّمنا، وأن يرزقنا حسن الإخلاص وحسن التوجه إليه، وأن ينفعنا وإياكم بما علمنا، وأن يرزقنا وإياكم شفاعة نبينا محمد ﷺ ، وأن يجزيه عنا وعن الإسلام والمسلمين أفضل ما جازى نبياً عن أمته، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 860

الأسئلة

стр. 861

حكم العمرة عن الوالدين إذا لم يوصيا بها السؤال هل يجوز للإنسان أن يعتمر عن والديه ولو لم يوصياه بذلك؟ الجواب الأئمة الثلاثة يجيزون أن يعتمر الإنسان عن أبويه ولو بدون وصية، ومالك ﵀ يقول: إن أوصيا عملت بالوصية، وإن لم يوصيا فلا عليك. ولكن جاء في السنة ما يؤيد رأي الجمهور، فقد جاء عن الرسول ﷺ أن امرأة أتته وقالت: (إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج أفأحج عنها؟) ، فما سألها: هل أوصت أم لم توص؟ بل (قال: نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فالله أحق بالوفاء) . فلو مات إنسان وعليه دين لإنسان، ولم يوص بسداد الدين، فجاء متبرع وسدد الدين عنه فقطعاً تبرأ ذمته، وقد كان في بادئ الأمر يأتون بالجنائز ليصلي عليها رسول الله ﷺ ، وكان يسأل: هل عليه دين أم لا؟ فإن قالوا: نعم، قال: (صلوا على صاحبكم) . لأن المدين يحبس في قبره بدينه، وإن قالوا: ليس عليه دين، صلى عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه. فجيئ برجل فقيل: إنه مدين بدينارين، فقال: (صلوا على صاحبكم) ، والميت ما أوصى بسدادها، فقال أبو قتادة ﵁: (يا رسول الله! دينه عليّ، فقال رسول الله ﷺ : حق الغريم وبرئ منها الميت؟ قال: نعم، فتقدم ﷺ وصلى عليه) . فهل هذا الرجل كان أوصى أن يسدد عنه؟ لم يوصِ. إذاً: إذا تبرع الولد لأبويه بعمرة فلا مانع من ذلك، ولا يحتاج أن يتوقف على الوصية، والله تعالى أعلم.

стр. 862

متى تبدأ أحكام السفر ؟ السؤال متى تبدأ أحكام السفر؟ الجواب هناك قضية يخطئ فيها الكثير من الناس، وهي أنه حينما يريد السفر ويعزم عليه، ويأتي وقت الفريضة كالظهر مثلاً، فيجمع الظهر والعصر في مسجد بلده الذي يصلي فيه عادة، ويقول: أنا عازم على السفر، فيجمع العصر مع الظهر وهو لا زال في بلده أو عند بيته أو في مسجد حيه، فهذا لا يجوز ولا يصح، والرسول ﷺ عندما عزم على الحج في حجة الوداع، اغتسل ولبس إزاره ورداءه، وتهيأ للسفر، وحضرت صلاة الظهر، فصلى الظهر أربعاً، ولم يجمع معها العصر، بل أخرها حتى جاء إلى ذي الحليفة، ولما دخل وقتها صلاها ركعتين. إذاً: الترخص بأحكام السفر لا يحل حتى يتحقق السفر فعلياً بأن يخرج من أطراف القرية. وقد جاء عن علي رضي الله تعالى عنه أنه كان خارجاً من الكوفة فصلى الظهر أربعاً، قالوا: لماذا لا تقصر ونحن قد خرجنا للسفر؟ قال: لولا هذا الخصيص - خص تابع للقرية- لصلينا ركعتين، فـ علي رضي الله تعالى عنه يرى أنه مادام يوجد طرف من أطراف البيوت ولو خُصيصاً فإنه لا زال في حيز البلد، ولا زال في حدودها، ولم يخرج عنها، فلا يحق له أن يقصر الصلاة. إذاً: لا يحق الجمع لإنسان مر بسيارته بالمسجد النبوي وهو من أهل المدينة، فلا يحق له أن يجمع العصر مع الظهر؛ لأنه لم يخرج بعد، ويمكن أن يأتيه أمر يرجعه عن السفر. فلا ينبغي لإنسان أن يبدأ القصر وكذلك الفطر في رمضان قبل أن يخرج من بلده.

стр. 863

من شروط التوبة رد الحقوق إلى أهلها السؤال هل من شروط التوبة رد الحقوق إلى أهلها؟ الجواب روي في حديث: (ثلاثة لا يغفر الله لهم: رجل زنى بامرأة، كلما قضى حاجته منها استغفر ثم رجع، ورجل يأكل مال الغير ويقول: أستغفر الله، فيقول الله: لا، حتى ترد ماله، ... ) إلخ. إذاً: يشترط لصحة التوبة أن ترد الحقوق إلى أهلها. والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.