← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7719

شرح الأربعين النووية لعطية سالم

عطية سالم

Полный текст (863 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

شرح الأربعين النووية - الحديث التاسع والثلاثون

стр. 807

شرح حديث: (إن الله تجاوز لي عن أمتي ... ) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف ﵀: [عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) حديث حسن، رواه ابن ماجة والبيهقي وغيرهما] . هذا الحديث يتكلمون على سنده، ويكثر العلماء من القول فيه، وأكثرهم على ضعف سنده، ولكن تحسين المؤلف له لا عن طريق السند، ولكن عن طريق الشواهد، وما يتقوى به من غيره، والقاعدة عند علماء الحديث: أن الحديث إذا كان ضعيف السند، -أي: أن في رجاله من يتكلم فيه- ولكن المعنى صحيح، ويتقوى بنصوص أخرى هي صحيحة؛ فإنهم يحسنونه، وهو المعروف بالحسن لغيره، وهذا الحديث مما صح معناه، وشهدت له نصوص أخرى سواء من القرآن الكريم أو من السنة النبوية، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله. قوله ﷺ : (إن الله تجاوز لي) التجاوز: التعدي، تقول: جاوزني فلان، أي: تعداني، وتقول: تجاوزت عن حقي الذي عند فلان أي: تعديته وأسقطته، وهنا يقول ﷺ : (إن الله تجاوز لي) بمعنى: أسقط لي عن أمتي. وقوله: (الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) ، هذه مسائل يخبرنا ﷺ أن الله أكرم الأمة برسوله في ذلك، ومفهوم المخالفة: أن الله لم يتجاوز لنبي غيره لأمةٍ من الأمم عن تلك الثلاث، وهذا المنصوص عليه، لأن الأمم الماضية كانت تؤاخذ بما أخطأت، وبما نسيت، وبما أكرهت عليه، أما الخطأ والنسيان والإكراه، فكما جاء في قوله : ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦] ، وفي الحديث عنه ﷺ : أنها عندما نزلت قرأها ﷺ ، فكان كلما قرأ واحدة منها يقول الله تعالى: (قد فعلت، قد فعلت) . إذاً: هذه الأمور الثلاث كانت الأمم من قبل مؤاخذة بها، وهي الإصر والأغلال التي كانت عليهم، ومما أكرم الله أيضاً هذه الأمة مع تلك الثلاث التوبة، فقد كانت توبة بني إسرائيل -كما بيّن أن يقتلوا أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة:٥٤] ، كانت توبتهم في تلك الواقعة أن يقتل بعضهم بعضاً، وهذه الأمة جعل الله لها التوبة: الندم على ما فات، والعزم على عدم العودة، وكراهية الذنب كما يكره أن يقذف في النار. فمن توافرت فيه تلك الشروط الثلاثة صحت توبته، ولو عاد بعد ذلك بدون إصرار فإن الله أيضاً يتوب عليه ما دام صادق النية، والتوبة تكون فيما بينه وبين الله، وقد أتى الرجل الذي اقترف ما اقترفه مع امرأة أجنبية إلا أنه لم يجامعها، إلى النبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! أصبت حداً فطهرني، قال: وما ذاك؟ قال: وجدت امرأة في أقصى المدينة، ما تركت شيئاً يفعله الرجل مع المرأة إلا فعلته، غير أني لم أجامعها، فنزل قوله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤] فقال الرجل: ألي هذا يا رسول الله؟! قال: بل لك ولأمتي جميعاً) . إذاً: كانت الأمم الماضية توبتها غير توبة هذه الأمة في الكيفية، وكانوا يؤاخذون بالخطأ والإكراه. أما قضية الإكراه فجاء في الحديث: (مر رجلان مسلمان في طريقهم على قوم لهم صنم نصبوه على قارعة الطريق، لا يسمحون لأحد أن يمر من هذا الطريق إلا إذا قرب إلى صنمهم قرباناً، فقالوا لهذين الرجلين: قربا قرباناً واجتازا، فقالا: ما كنا لنقرب لغير الله شيئاً، فقالوا: قربا ولو ذباباً، فقال: أحد الرجلين: أما الذباب فأمر هين، فقرب ذبابة فخلو سبيله فدخل النار، وأما الثاني فقال ما كنت لأقرب لغير الله ولو ذبابة، فضربوا عنقه فدخل الجنة) فهذا امتنع في مقام الإكراه على تقريب ذبابة، فقتل فدخل الجنة، وجاء في حق مؤمني هذه الأمة: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦] . فهذا بيان من الله سبحانه بأن من تكلم بكلمة الكفر مكرهاً معفو عنه، وقد نزلت تلك الآية الكريمة وما بعدها في عمار بن ياسر، أخذه المشركون وأخذوا أبويه ياسراً وأم عمار سمية وعذبوهم، وقتلت سمية، وتكلم عمار بما يريدون فتركوه، ثم جاء إلى النبي ﷺ وقال: (هلكت يا رسول الله! قال: وما ذاك؟ قال: الأمر كذا وكذا قال: كيف تجدك الآن؟ قال: قلبي مطمئن بالإيمان بالله وبرسوله، قال: أنت على ما أنت عليه الآن، وإن عادوا فعد) . وهكذا الإسلام ما كان الشخص في موقف شدة إلا وجاءت الرخصة، ولا في موقف ضيق إلا وجاء الفرج. وهنا يتكلم العلماء في حكم الخطأ والنسيان، وحكم الإكراه، فقوله: تجاوز لي، أي: تسامح الله عما يقع من المسلم عن طريق الخطأ أو طريق النسيان أو طريق الإكراه، وكيف يكون هذا؟ يقسم العلماء ما يقع فيه الخطأ والنسيان والإكراه إلى أمور قولية وفعلية، ثم يأتون من جانب آخر فيقولون: المخطئ والناسي هل هما في وقت الخطأ والنسيان مكلفان أو مرفوع عنهما التكليف؟ جاء في الحديث الآخر: (رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق) أي: أن العقل مات، وهو أداة الإدراك ومناط التكليف، وإذا عمل الرجل عملاً مخطئاً فيه أو ناسياً إياه أو مكرهاً عليه، ففي الحديث الذي هو القاعدة العامة يقول: (إنما الأعمال بالنيات) ، وهذا يفعل الفعل ناسياً إياه، إذا كان قد أقسم ألا يدخل بيت فلان، فنسي ودخل فهل له قصد في الدخول؟! لا، وإذا أخطأ في دار فلان عن دار فلان، أو بثوب فلان عن ثوب فلان فهل قصد؟ لا. يقول العلماء: الخطأ قسمان: خطأ ضد الصواب، وخطأ ضد الطاعة، فالخطأ الذي فيه الكلام هنا هو الخطأ ضد الصواب، فإذا أراد إنسان شيئاً وأخطأ ففعل غيره فمعفوا عنه، مثل القتل، فالقتل يكون عمداً وخطأ، والآخرون يقولون: عمد وشبه العمد، وخطأ وشبه الخطأ، فالقتل العمد: هو ما كان عن قصد، وقد سبق إصرار لشخص بعينه، وأما الخطأ فهو: أن يقوم الشخص ليفعل شيئاً مأذوناً له فيه، فإذا به يصيب غير المأذون فيه، ومثلوا له: لو أنه أخذ سهماً ورمى صيداً، وكان وراء الصيد شخص نائم، وهو لا يدري عنه، فنفذ السهم من الصيد وأصاب النائم، هل هذا يكون عامداً لقتله؟ ليس عامداً لقتله، وإنما قتله خطأ، لأنه كان قصد الصيد، وإصابة الإنسان المعصوم ليس في ذهنه، ولم يخطر له ولم يرد ذلك أبداً، فهذا خطأ ضد الصواب، ومن هنا جاء الحديث يشهد لذلك: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ -أي: الخطأ ضد الصواب- فله أجر) أي: أجر على اجتهاده وإن لم يصب الحق، وقد امتدح الله سبحانه نبيه سليمان وداود في قضية واحدة، وقال في حقهما: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩] . أما الخطأ الذي هو ضد الطاعة، فهذا معصية، تقول: فلان أخطأ، وفلان أطاع. ولذا يقال في الأول: مخطئ، وهو الذي جانب الصواب، ويقال في مقابل الطاعة: خاطئ، فالخاطئ الذي يفعل المعصية عمداً، ويترك الطاعة قصداً، والمخطئ هو الذي يقع فيما لا يريد أن يقع فيه، فلهذا قال: (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ) ولكن هل كل خطأ متجاوز عنه؟ يقولون: الفعل إما حق لله، أو حق للآدمي أو مشترك بينهما، فما كان حقاً لله فإنه يتجاوز الله عنه، وما كان فيه حقاً لآدمي فإنه لا يعفى من حق الآدمي نتيجة خطئه. ولذا يقول الأصوليون: هناك ما يسمى بخطاب التكليف، وخطاب الوضع، فخطاب التكليف فيه الأمر بالفعل أو بالنهي، وخطاب الوضع فيه العلامات والشروط والضمان وغير ذلك، فإذا جاء إنسان يمشي وبدون قصد كسر إناء لشخص، فإن كسر الإناء بدون قصد منه فيه أمران: إتلاف مال المسلم، والتعدي على حق الغير، فإثم التعدي مرفوع عنه؛ لأنه لم يتعمد التعدي على حق الغير، ولكن تعويض هذا المال الذي أتلفه لا يسقط عنه، فعليه أن يدفع القيمة، ويرفع عنه الإثم والخطأ، لأن ضمان المتلف لا يسقط عن الصغير، بل لا يسقط عن الدابة والبهيمة، فإذا كان هناك طفل صغير دخل بيت إنسان مع أبيه، ثم أخذ يعبث وأتلف شيئاً لصاحب البيت، فإن والد الصغير ملزم بضمان ما أتلفه الصغير، وإن كان الصغير غير مكلف.

стр. 808

الخطأ في تعيين القبلة وقت الغيم يبحث العلماء فيما يترتب على الخطأ، والنسيان، فيقولون فيما يتعلق بالخطأ: لو أن جماعة في صحراء وحان وقت الصلاة، وأرادوا أن يستقبلوا القبلة في صلاتهم، فاجتهدوا في ذلك، ثم تبين لهم بعد أن خرج الوقت أنهم أخطئوا في تعيين جهة القبلة، فما حكم صلاتهم التي أخطئوا فيها في استقبال القبلة؟ إذا كانوا يعلمون أن القبلة في جهة معينة، ثم خالفوا واستقبلوا جهة أخرى عمداً فإن صلاتهم باطلة؛ لأنها تفتقد شرط الصحة، أما إذا كانوا لا يعلمون، واجتهدوا بكل ما في وسعهم، واقتضى رأيهم أنها في الجهة الفلانية وصلوا إليها، ثم بعد ذلك تبين لهم أنهم لم يصيبوا القبلة، فإن أدركوا ذلك في الوقت، كأن جاء إنسان من أهل البلدة وأخبرهم بالقبلة فعليهم أن يعيدوها؛ لأن الوقت باقٍ، وأما إذا لم يعلموا بذلك إلا بعد خروج الوقت فالصلاة قد مضت، ولذا جاءت الآية الكريمة: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] ، وقد وقع هذا للنبي ﷺ وبعض أصحابه، صلوا ثم طلعت الشمس، فتبين لهم أنهم قد صلوا لغير القبلة، وعظم عليهم ذلك، فعفا الله عنهم، وقبلت صلاتهم، هذا فيما يتعلق بالقبلة للنص الوارد فيها؛ وقد جاءت نصوص أخرى تبين أن الله سبحانه يقبل صلاة المسافر في نوافله إذا استدبر القبلة قصداً، وكان ﷺ في عودته من مكة يصلي النافلة وهو مستقبل المدينة، والكعبة من ورائه، ويقول سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] . هذا إذا وقع الخطأ ولم يتبين إلا بعد خروج الصلاة، أما إذا أخطأ في شيء غير ذلك هل يمكن تداركه أم لا؟ إن كان في صلب الصلاة، فيوجد تفصيلات عديدة طويلة محلها كتب الفقه والفروع.

стр. 809

حكم من نسي ركناً من أركان الصلاة من نسي ركناً من أركان الصلاة هل يعيد الصلاة؟ الركن هو: جزء الماهية، فإنه حينئذٍ عليه أن يتدارك ما نسيه؛ لأن الركن لا يمكن أن يجزئ عنه غيره، وننبه على خطأ من يقول: إن سجود السهو يجبر كل سهو في الصلاة، لا، وقد أجمع العلماء على أن سجود السهو لا يجزئ عن ركن الصلاة، لا عن ركوع، ولا عن سجود، ولا عن سجدة كاملة، إنما يجزئ عما يسمى بالواجبات، كما سجد ﷺ للسهو عندما قام في الثانية ولم يجلس للتشهد الأول، ومرة صلى الرباعية وفي الركعة الثانية، فقال له ذو اليدين: (أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ قال: كل ذلك لم يكن) ، وهذا يسمى عند المناطقة بـ (كلية السلب) ، فقال: (بل كان ذلك يا رسول الله! وفي القوم أبو بكر وعمر فقال ﷺ : أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم -يا رسول الله! - فرجع واستقبل القبلة، وجاء بركعتين ثم سجد سجود السهو، ثم سلم بعد ذلك) . إذاً: من سها عن شيء في الصلاة فإن كان ركناً من أركانها فعليه أن يأتي بما نسي، ولا تجبر سجدتا السهو ما كان ركناً؛ لأن الركن جزء الماهية.

стр. 810

حكم من أكل أو شرب ناسياً في نهار رمضان كذلك إذا نسي الصائم فأكل أو شرب، الجمهور يقولون: جاء النص في خصوص الصوم: (من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه) ، قالوا: هذا امتنان من الله على العبد بأنه أطعمه وسقاه، فقال: الأئمة -ما عدا مالك ﵀: لا قضاء عليه ولا إثم، ويقول مالك ﵀: أما الإثم فلا إثم عليه، ولكن عليه قضاء يوم مكان اليوم، واستدل على ذلك بقوله سبحانه: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] ، قال: هذا الذي أكل أثناء النهار ما أتم، قالوا: إنه ناسٍ قال: لا إثم عليه، ولكن عليه أن يأتي بيوم مكان اليوم. والصحيح -والله تعالى أعلم- ما ذهب إليه الجمهور؛ لأنه لو كان يلزمه قضاء يوم مكانه لبينه ﷺ ؛ لأنه لا يجوز في حقه صلوات الله وسلامه عليه تأخير البيان عن وقت الحاجة.

стр. 811

حكم من جامع امرأته محرماً أو في نهار رمضان ناسياً كذلك لو نسي في نهار رمضان فوطئ زوجته، أو كان محرماً بالحج فنسي ووطئ، هل هذا النسيان يعفيه من نتائج الوطء في الصوم أو في الإحرام؟! الجمهور يقولون: نعم، وكيف ينسى الوطء؟! الوطء ليس كالأكل والشرب، وبعضهم يفرد القضية في الأكل وفي الوطء بأن العبرة بالقصد في فعله، فإذا تحقق أنه كان ناسياً فلا شيء عليه، وكذلك في الحج قالوا: حجه صحيح ويمضي فيه، والذين لا يعتبرون نسيانه في مثل هذه الصورة، قالوا: قد فسد حجه، وعليه وزوجه حج من عام قادم. وهكذا يتكلمون في سائر العبادات، كما لو حلف يميناً طلاقاً أو يميناً بالله ألا يدخل بيت فلان، فنسي ودخل، فهل يؤاخذ بدخوله ويكون حانثاً في يمينه، وعليه كفارة أو تطلق الزوجة أو أنه لم يحنث في يمينه؟ إذا لم يكن يحنث بنسيانه فلا طلاق ولا كفارة. بعض العلماء: يمكن أن يقال: إن هذا الحديث وإن كان ضعيف السند، فيعتبر نصف الشريعة؛ لأن الإنسان المكلف يعمل العمل على أحد أمرين: قد يفعله ذاكراً قاصداً متعمداً لذلك بإرادة واختيار، وقد يفعله نسياناً أو خطأً أو مكرهاً. إذاً: هذا الحديث يتناول حالة النسيان، والإكراه، وحالة الخطأ، فاعتبروا أن هذا الحديث يعادل نصف التشريع تماماً.

стр. 812

خلاف العلماء في اعتبار الإكراه أما مسألة الإكراه فأكثر العلماء يقولون: الإكراه في الأقوال لا شيء فيها، ما عدا الإمام أبا حنيفة ﵀ فإنه يقول: كل من أكره على قول شيء، وقاله مكرهاً فإنه مؤاخذ بذلك، حتى ولو أكره على قول الكفر، فمن تكلم بكلمة الكفر عومل معاملة المرتد ظاهراً، أما بينه وبين الله فعلى ما في نيته مع الله. وقال الجمهور: المولى سبحانه يقول في ذلك: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ، فقال أبو حنيفة: هذا في أول الإسلام، وقد كان ﷺ مع أصحابه بمكة في الحجر، فقالوا: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ أي: تسأل الله النصر لنا، وذلك عندما كانوا يعذبون، فكان المشركون يعذبون ضعفة المسلمين، فقالوا: (يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟ فقال ﷺ : إن من كان قبلكم كان يؤتى بالرجل من قبلكم، وتحفر له الحفرة، ويؤتى بالمنشار، فيوضع على مفرق رأسه فينشر حتى يشق نصفين ولا يرجع عن دينه) قال الإمام أبو حنيفة ﵀: هذا يورده رسول الله ﷺ على سبيل المدح؛ فلا يجوز للإنسان أن يترخص بكلمة الكفر؛ لأن من كان قبلنا كانوا ينشرون بالمناشير فلا يرتدون عن دينهم، وجاء في حديث أبي ذر من ذكر وصايا الرسول ﷺ العشر الطويلة قال: (ولا تشرك بالله وإن قطعت أو أحرقت) ، قال أبو حنيفة ﵀: هذا نهي من رسول الله، وتحذير له من أن يتكلم بكلمة الكفر، ولا يترخص. وأجاب الجمهور: أنه في بدء الأمر في مكة كان واجباً عليهم أن يصبروا ويتحملوا، أما بعد ذلك فإذا نطق بكلمة الكفر فإنها لا تضر الإسلام ولا المسلمين، وقد أباح الله ذلك بنص الآية الكريمة، فالآية مقدمة على ذلك الحديث، ولا سيما إذا كان الحديث متقدماً، ونزلت الآية بعده، والآية أثبت وأقوى دلالة، وعلى هذا الجمهور يقولون: من أكره على كلمة الكفر، فقالها وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا شيء عليه، وهو ما يشهد له كتاب الله، فإنه قد بيّن ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ [النحل:١٠٦] ، فإذا كان يقولها وهو منشرح الصدر فهذا كافر حقاً بلا إشكال، أما إذا قالها مكرهاً فلا إثم عليه، وجاء عن ابن مسعود أنه قال: لو أن كلمة تنجيني من سوطين لقلتها، فقالوا: هذا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يقول: لو أن كلمة يكون فيها تعريض بديني وتنجيني من السوطين لقلتها، اعتماداً على ما جاء في القرآن الكريم في أصل العقيدة: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل:١٠٦] . وهكذا في اليمين: لو أن إنساناً أكره أن يحلف يميناً بالله، أو يميناً بطلاق، فما حكم هذه اليمين؟ وما حكم المحلوف عليه؟ جاء عن بعض السلف أن رجلاً كان عنده متخف من سلطان ظالم، فجاء أعوان السلطان وسألوه عنه، فقال: ما رأيته، قالوا: أتحلف بالله، فحلف بالله أنه لا يعلم عنه، وقال: لأن أحلف بالله كاذباً وأنجي مسلماً خير من أن أسلم مسلماً للقتل ظلماً. وكان بعض الأمراء له من يتتبعون الأخبار، فجاءه شخص وقال: إن بمجلس فلان -وهو من سلف الأمة من تابعي التابعين- أناس يتكلمون عنك في مجلسه، فأرسل إليه، فقال: ما حصل هذا، قال: أتحلف بالله؟ فحلف بالله، فرجع السلطان على من أخبره وجلده سبعين سوطاً، فجاء ذاك المخبر إلى ذاك الشخص وعاتبه؛ لأن الوالي ضربه سبعين سوطاً، فقال له: لأن تضرب سبعين سوطاً خير من أن تسلم مسلماً للقتل ظلماً.

стр. 813

حكم من أكره على الطلاق لو أن إنساناً أكره على الطلاق، ماذا يكون الحكم؟، يروي الإمام مالك في الموطأ أن رجلاً تزوج أم ولد لـ عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر، فأحضره عبد الرحمن مقيداً، وأتى بالعصا ثم قال له: طلق وإلا ضربناك، فطلق ثم ذهب إلى عبد الله بن عمر واستفتاه، فقال: ما طلقت عليك، فذهب إلى ابن الزبير وأخبره بفتوى ابن عمر، فكتب إلى عامله بالمدينة أن رد الزوجة لزوجها، وعاقب فلاناً، وهذه رواية الموطأ لا إشكال فيها. ويذكر ابن قدامة في المغني أن رجلاً كانت زوجته تطلبه الطلاق فيمتنع، فذهب مرة معها يجني عسلاً، وكان العسل على صفحة جبل، ولا يمكن أن يصل إليه من أسفل، ولا أن ينزل إليه من أعلى، فماذا يفعل؟ تدلى إليه بحبل، وربط الحبل في صخرة، ثم نزل على الحبل إلى أن وصل إلى موضع العسل، وبينما هو يجني العسل، جاءت زوجته من أعلى، وأخذت الفأس وقالت: طلق وإلا قطعت الحبل ومت، فأخذ يعتذر إليها ويترجاها قالت: أبداً الآن أن طلقني وإلا قطعت الحبل؟ قال: أنت طالق ثلاثاً، فجاء إلى عمر رضي الله تعالى عنه وأخبره، فقال: لم تطلق عليك، وأدبها، فهنا عمر رضي الله تعالى عنه لما وجد الرجل مكرهاً على الطلاق لم يعتبرها مطلقة عليه، وجاء عنه ﷺ أنه قال: (لا إغلاق في طلاق ولا إعتاق) ، أي: لا يغلق على الإنسان بأن يضيق عليه حتى يطلق، ولا إعتاق، ولا يغلق الرهن على صاحبه، فإذا أغلق على الإنسان مسالكه، وضيق عليه وأكره لعتق عبده، أو ليطلق زوجاته، فإن هذا لا ينفذ؛ لأنه تحت الإكراه، عملاً بقوله ﷺ : (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) .

стр. 814

حد الإكراه ما هو حد الإكراه الذي يرفع عن الإنسان حكم ما فعل عند العلماء؟ بعضهم يقول: حد الإكراه في البدن بالضرب، أو بالجرح، أو بالقتل. وبعضهم يقول: حد الإكراه بالبدن أو بالمال، والإمام مالك ﵀ يروون عنه أنه ما كان يرى الإكراه في المال، لأن المال يفادي به دينه، والجمهور على أن من أكره في ماله، أو أكره في نفسه أو ولده وأهله، فإن ذلك الإكراه يجعله في حل مما أكره عليه، وبعضهم يقول: الإكراه بالسجن والقيد يعتبر إكراهاً، والواقع أن الناس ليسوا سواء، فهناك من يضرب ويجلد ولا يؤثر فيه، وهناك من توجه إليه العبارة فتكون أثقل عليه، فالناس يتفاوتون في الإكراه. ويذكر عن أحمد بن حنبل ﵀ عندما كان يضرب في محنته وهو في السجن، ففي يوم من الأيام جاء سجين إلى أحمد وقال: يا أحمد! أتعرفني؟ قال: لا، فقال عن نفسه: إنه سارق مال فلان، وهو عندي، وقد دفنته في المكان الفلاني، وهأنذا أقر لك، وأنت تراني كل يوم أضرب فلم أقر أمامهم أبداً، أما أنت -يا أحمد - فانظر إلى ما وراء الأسوار من أقلام ومحابر تنتظر ماذا ستقول في قضية القرآن، يقول أحمد: والله! لقد شجعني، فهذا شخص يضرب كل يوم على مال، ويتحمل الضرب ولا يبالي به، فهل مثل هذا لو ضرب سوطاً وسوطين وعشرة، يقال: قد أكره على الطلاق؟ لا. بعد هذا البحث في نوعية ما يقع فيه الإكراه، قالوا: يقع الإكراه على المال، وعلى الطلاق، وعلى شرب الخمر، وعلى السرقة، لكن لكن هل ممكن أن يكره على الزنا؟ وهل يمكن أن يكره على قتل شخص آخر؟ أما الشافعي ﵀ وغيره فيقولون: الإكراه في كل شيء إلا القتل، ويمكن أن يكره على الزنا، وقال الآخرون: لا، كيف يكره على الزنا، والزنا لا يتأتى إلا باختيار من الرجل، وبإرادة منه، وبانتشار يتأتى به الفعل؟ ويجيب عن ذلك الإمام ابن تيمية ﵀ بأنه يصح ابتداءً أن يكون مكرهاً، أما عندما يتعرض للفعل وتتهيأ الأسباب، فإن الجبلة الإنسانية لا تعرف بعد ذلك إكراهاً أو غير إكراه، فإذا تهيأت الأسباب، وجئ بالفتاة وخلي بينه وبينها، وأخذت تراوده على ذلك، فإنه حيوان يتفاعل وينفعل، فهو ابتداء أكره على ذلك، وحين يقع الفعل خرج عن طور إكراهه وإرادته. إذاً: يتأتى الإكراه على الزنا، والعلماء مختلفون في إكراه الرجل على الزنا، فماذا يقولون في المرأة إذا أخذت بالقوة وكتفت، فهل يتأتى الإكراه لها أم لا؟ وهل يشترط في المرأة ما يشترط في الرجل؟ أجمع المسلمون أن المرأة إذا أكرهت على الزنا فلا حد عليها، ولا ذنب عليها، ويأتي النص القرآني الكريم ليبين ذلك: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٣٣] . وهذا نص صحيح من كتاب الله صريح في موضوع إكراه المرأة، وما الذي يخرج الرجل؟ هل كونه لا يتأتى إلا باختيار؟ قد تكون الغريزة فيه بدون اختيار، وعلى هذا يطرد الباب فيما يتعلق بالزنا، وبالخمر، وبالسرقة إلى غير ذلك. أما الإكراه على القتل، فلو أكره إنسان على أن يقتل آخر وإلا أخذ ماله، فقتله، فبإجماع المسلمين أنه لا يعذر، وإذا كان الإكراه بالضرب فقتل فبإجماع المسلمين أنه لا يعذر، وإذا كان الإكراه بتهديده بالقتل: اقتل وإلا قتلت، وكان المهدد قادراً على أن ينفذ ما هدد به فقتل فما حكمه حينئذٍ؟ هنا تأتي المعادلة، ما قتل المكره إلا مفاداة لنفسه، فكأنه فادى نفسه بغيره، إذاً: هو آثم ومؤاخذ، ولكن هل يقتل هو لأنه مباشر للقتل؟ المكره له اتخذه آلة للقتل، كمن جاء إلى صبي صغير وأعطاه السلاح وقال: اذهب فاقتل ذاك، فالجمهور يقولون: الصبي غير مكلف، ولكن الذي دفعه وأعطاه السلاح هو الذي يقتل، والصغير جزء من آلة القتل، لكن الصغير لا تكليف عليه ولا حساب، يقولون: ليست عليه مسئولية السؤال والحساب، فهو فاقد أهلية المسئولية كالمجنون، ولكن العاقل يتحمل المسئولية، وله أهلية السؤال والمسألة، فكيف يقدم قصداً على قتل إنسان ليسلم هو، إذاً فادى نفسه بغيره، فيقتل باتفاق، وهناك من يقول: المُكْرِهُ والمُكْرَه كلاهما يقتل لأنهما اشتركا في القتل، ويهمنا أن قضية الإكراه على القتل خارجة عن هذا الموضوع، لنص خاص، ولعصمة النفس، وللمقابلة في مفاداة نفس بنفس. أيها الإخوة الكرام! إن هذا الحديث يبين فضل الله على هذه الأمة، ويبين تجاوز المولى ومسامحته لها، وما يوجد في الإسلام طريق مسدود قط. وهذا الحديث وإن كانوا قد تكلموا في سنده من جهة الرجال، فإن كل جزئية فيه لها شواهدها، ولهذا حكم عليه النووي بأنه حسن، أي: حسن لغيره، وعليه العمل، وتلقته الأمة بالقبول. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، والسلام عليكم ورحمة والله وبركاته.

стр. 815

شرح الأربعين النووية - الحديث الأربعون

стр. 816

شرح حديث: (كن في الدنيا كأنك غريب) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقال المصنف ﵀: [عن ابن عمر ﵄ قال: (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري] . هذا الحديث ترتيبه في هذه المجموعة المباركة خاتمة الأربعين حديثاً، ولعل المؤلف ﵀ جاء به في هذا الموضع لعظيم أثره، وواسع مدلوله، فمعناه أكبر عون للإنسان على حياته. يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما مبيناً تلك الصورة المؤنسة، الدالة على الشفقة والرحمة والملاطفة من سيد الخلق وأكرمهم صلوات الله وسلامه عليه. (أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي) . والمنكب هو أعلى الكتف، وهو -كما يقال- أعلى شيء وأقواه في جسم الإنسان، ومنه يقول بعض العلماء في التوجيه الاجتماعي في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥] ، أي: في جميع أجزائها، قمم جبالها، وسفوحها، وكل شيء منها؛ لتستخرجوا ما أودعه الله فيها من كنوز، فالمنكب هو أعلى الكتف، وهو أقوى موضع في جسم الإنسان، ويمكن أن يحمل عليه الأشياء الثقيلة.

стр. 817

ملاطفة النبي ﷺ لمن أراد أن يحدثه في هذه الصورة ملاطفة ومؤانسة منه ﷺ لمن يريد أن يحدثه، ومثل ذلك ما جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: (علمني رسول الله ﷺ التشهد وكفي في كفه) ، أخذ كف ابن مسعود وجعلها في كفه وهو يعلمه. وهذا الحديث الذي جاء عن ابن عمر وجاء أيضاً عن ابن عباس فعن مجاهد ﵀ أنه رُؤي حزيناً، فقيل له: مالك حزين؟! قال: تذكرت قول عبد الله، -يعني ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- (أخذ النبي ﷺ بكفي بين كفيه وقال: يا عبد الله! كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل) ، ومجاهد وعطاء بن أبي رباح من كبار أصحاب ابن عباس الذين أخذوا عنه العلم والتفسير، وقامت بهم مدرسة مكة. إذاً: رواية مجاهد عن ابن عباس توازي رواية ابن مسعود رضي الله تعالى عن الجميع في كيفية معاملة رسول الله ﷺ لأصحابه، ومن قبل هذا معاملة المعلم الأكبر الرسول الكريم جبريل ﵇ للنبي ﷺ كما في حديث عمر بن الخطاب: (بينما نحن جلوس عند النبي ﷺ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فجلس إلى النبي ﷺ ، وأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه) . يقول العلماء: (على فخذيه) الضمير راجع لجبريل ﵇ وهو في صورة رجل، أو للنبي ﷺ ، ومهما يكن فإنهم يقولون: إن هذه الصورة من دواعي تثبيت العلم عند السامع، ويقول علماء التربية: إن ربط المعاني بالمحسوس يثبتها، مثلاً: الطلاب أيام الامتحانات لهم مذكرات شخصية، وصور تمر بهم، إذا جاء -مثلاً- إلى المسجد النبوي ومعه كتاب الحديث، أو ذهب إلى النزهة ومعه كتاب الأدب، أو ذهب إلى مكان كذا ومعه كتاب الفقه، فإذا جاء وقت الاختبار تذكر أنه حينما كان في المسجد كان يقرأ في الحديث، وتذكر الصورة المحسوسة حيث كان يجلس، وكان معه فلان وفلان، فالصورة تعيد له الذاكرة، وتجمع له حسه فيما كان يذاكره، وهناك جماعة كانوا يسمون (المشائين) ؛ لأنهم كانوا يدرسون العلم وهم يمشون، فيتذكرون أنهم في المكان الفلاني قرءوا كذا، وعند الشجرة الفلانية تذاكروا كذا، فتكون المعالم المحسوسة كالضوابط أو كالمنبهات أو كالعلامات مناراً في طريق الإنسان في علمه. وهنا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه حينما يتذكر وضع يده بين كفي رسول الله ﷺ لن ينسى ما قال له رسول الله ﷺ أبداً، وكذلك ابن عمر حينما يتذكر أخذ رسول الله ﷺ بمنكبه لن ينسى أبداً ما قيل له في تلك الحالة، وهكذا عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وبعد هذه التهيئة، أو بعد هذا التنبيه، أو بعد إيقاظ الشعور والتطلع إلى ما سيقال بعد هذه اللمسة، يقول ﷺ : (يا عبد الله) ، وكلاهما اسمه عبد الله: عبد الله بن عمر، عبد الله بن عباس: (كن في الدنيا) ، والدنيا تأنيث الأدنى، وهي الحياة، والأخرى: هي الآخرة، ومعنى هذه الموعظة، وهذا التنبيه والإرشاد: وجودك في الدنيا ليس حالة المقيم الجالس المستوطن الذي لن يرحل، بل حالك حال الغريب وعابر سبيل: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) يقول بعض العلماء: (أو) بمعنى (بل) وكأنها إضرابٌ عما تقدم، أي: بل كن كعابر السبيل، وتحتمل أن (أو) هنا للتنويع، وهو الظاهر عندي.

стр. 818

الدنيا مزرعة للآخرة قوله: (كأنك غريب) جميعنا يعلم أن الغربة تقتضي وطناً، وأن الغريب موجود وقت الغربة في غير وطنه، فإذا كنا غرباء في هذه الدنيا فأين موطننا الأول؟ وإذا كنا غرباء فإن كل غريب يحن إلى موطنه الأصلي، ويقطع أمله في مجتمع هو فيه غريب، فلا يعزم منه على تشييد القصور، ولا على غرس الأشجار، وكل غريب في بلد يسلك طريق السلامة، وقلّ أن يأنس إلى الناس، وكل غريب في بلد يلزم الأدب والاحتياط في غربته. والعوام يقولون: (يا غريب كن أديب) ، فالغريب عابر سبيل في رحلته، ولابد له من غاية يقصدها، ويحب أن يصل إليها. إذاً: الغريب وعابر السبيل متلازمان، فكل غريب عابر سبيل، وكل عابر سبيل غريب، إلا أن عابر السبيل أخف، فلو تأملنا في الإنسان من بداية أمر هذا العالم: فما هي بدايته؟ نحن لا ننسى أن أبانا وأمنا آدم وحواء كان مسكنهما الأول الجنة كما قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة:٣٥] . إذاً: مسكن الإنسان الأول هو الجنة، ومنذ أن خرج منها فهو في غربة، ولذا يقول العلماء: فترة الحياة مرحلة عابر السبيل، وسبقتها مراحل: المرحلة الأولى: تناقل الإنسان في أصلاب آبائه حتى جاء إلى الرحم، وفي الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] ؛ فالذرية كلها من الأصلاب بالتسلسل إلى يوم القيامة: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف:١٧٢] . إذاً: عالم الذر والنطف تتناقل في الأصلاب في مراحل خفية، لا نحكم عليها ولا نتحكم فيها، ولا دخل لنا فيها. المرحلة الثانية: مرحلة التكوين المادي، وهي فترة الحمل في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، ظلمة المشيمة، ظلمة الرحم، والمولى سبحانه يودعه في: ﴿قَرَارٍ مَكِينٍ * إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات:٢١-٢٣] ، ثم يخرج إلى الدنيا: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] ، وبعد تلك المرحلة يخرج من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، وهي رحلة التزود بما أمره الله، وهي مرحلة الابتلاء: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] ، فكيفما تزودت في هذه المرحلة فهو زادك في طريقك، وهو مآلك، ومن يزرع الشوك لا يحصد إلا شوكاً، ومن يزرع الورد يجني الورد، فما تزرعه في الدنيا هو زادك إلى الآخرة. وقد ذكرنا رحلة أبي أيوب الأنصاري ﵁ إلى الفسطاط في مصر؛ لطلب سماع حديث، فلما وصل سأل عن الصحابي الذي عنده الحديث، فقال: دلوني على بيته، فذهب إلى البيت، وطرق الباب، وكلم الخادم فأخبر سيده، وجاء الصحابي فوجد أبا أيوب صاحب رسول الله على الباب، فقال: أبو أيوب! ما الذي جاء بك؟ قال: جئت أسمع منك حديثاً سمعته أنا وأنت من رسول الله ﷺ ، ولم يبق أحد سمعه إلا أنا وأنت فخشيت أن أنساه، فذكر له الحديث، فإذا به يركب راحلته، ويلوي عنانه، ويرجع إلى الحجاز، وأمامه مغريات الحياة، وقد وصف الله الحجاز بوادي غير ذي زرع، رجل أبو أيوب إلى أرض تجري أنهارها، وتتنوع ثمارها، فلم يغره شيء من ذلك؛ لأنه كان غريباً عابر سبيل، جاء لمهمة وغاية يقصدها. وأنت -أيها الإنسان- في هذه الدنيا غريب وعابر سبيل لغاية: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، ولمهمة: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] ، فلينظر الإنسان ماذا فعل في رحلته وغربته، فهو لا يدري متى يرحل؟ ولا يدري متى يناديه داعي الموت؟ ولا يدري متى تنتهي المهمة؟ ولكن الخطر كل الخطر في الأمل، وورد أن بعض العلماء قال لأحد العارفين بالله: ما هو أملك؟ فقال: وأي أمل لمن نَفَسُهُ في يد غيره؟! فهل تملك أنت أن توقف هذا التنفس الذي تتنفسه؟ وإذا أوقفه الله هل تستطيع أن تجريه؟ لا. ﴿َ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] . ولهذا ابن عمر لما سمع هذا التوجيه وتصور حقيقة المعنى قال: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح) ، وأعتقد أننا لا نستطيع أن نوفي هذا الحديث قدره، إلا إذا تذوقنا حلاوة الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة؛ لأنه لا يمكن أبداً أن يتحقق لإنسان زهد في دنياه إلا إذا تحقق عنده الرغبة في آخرته؛ لأن الدنيا والآخرة ضرتان، ولا يمكن أن تصلح بينهما أبداً، إذا أرضيت إحدى الضرتين فعلى حساب الأخرى، فاختر من ترضي ومن تسترضي، وكن في الدنيا كأنك غريب، والرسول ﷺ حينما بنى المسجد قال: (عريش كعريش أخي موسى، والأمر أقرب من ذلك) . يا سبحان الله! رسول الله جاء لدعوة، وتكوين أمة، ودولة ورسالة تعم العالم، ويقول: (والأمر أقرب من ذلك) أي: أعجل. ولو نظرنا إلى تاريخه ﷺ من أول البعثة، ثم من أول الهجرة، إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى. كيف كانت حياته ﷺ ؟ حقاً لقد كان كالغريب أو عابر سبيل، فما ركن إليها يوماً، ولا أنس بها يوماً، وكان في كثير من الأوقات، في غزوات، والمولى يهيئ له أموراً عجيبة، خرج من مكة، ثم دارت المعارك، وجاءت الحديبية، ويأتي الصلح بوضع الحرب، وبالهدنة عشر سنوات، لكن لم يبق من عمره ﷺ عشر سنوات، فيجعل الله سبحانه سبباً نقض قريش للمعاهدة من أجل فتح مكة بعد سنتين!! فنقضوا عهدهم، وفتحت مكة، وجاء عام الوفود، وبعدها حجة الوداع، فكان ﷺ عابر سبيل، وكانت حياته لغاية يحققها ومهمة يقصدها. ولما نزلت السورة الكريمة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١-٣] بكى أبو بكر رضي الله تعالى عنه. وابن عباس ﵁ قال: لقد نعى ربنا إلينا رسول الله وهو حي بين أظهرنا، فقال له عمر: وكيف أخذت ذلك؟ فقال: لقد أرسله الله برسالة يبلغها للناس، فإذا أتم الرسالة وقام بالبلاغ، وأدى الأمانة، وأصبح الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، فما الذي بقي من مهمته؟ وكما يقول بعض العلماء: إذا كان لك عبد أرسلته إلى بلدة ليقضي لك حاجة، فيجب أن يسرع في طريقه ويقضي الحاجة ويسرع في العودة، أما إذا مكث فيها وركن إليها فلك أن تعاقبه. وابن مسعود يقول: (بيّن لنا ﷺ حياة الإنسان وأمله، فخط لنا خطاً دائراً) . وبعض العلماء يرسمه مربعاً، وخط خطاً داخل هذه الدائرة، والخط الذي ينصف الدائرة هو قطب الدائرة، والقطب ينتهي عند محيط الدائرة، وكل جزء من النقطة يسمى وتر، فمحيط الدائرة الخط الذي يصل طرفي المحيط أو يتصل بنقطتين من المحيط، وخط ﷺ خطاً زائداً عن الدائرة. إذاً: هي دائرة فيها قطر، وأحد طرفي القطر خارج عن حد الدائرة، وخط خطوطاً جانبية، وقال ﷺ عن محيط الدائرة: (هذا أجل الإنسان، وتلك الخطوط الجانبية ما ينتابه في حياته، وهذا الجزء الزائد عن الدائرة هو الأمل، فينقضي الأجل قبل أن ينتهي أمله) . يقولون: من سائل الإيضاح في علم التربية أن يأتي المدرس بالصورة ويشرح عليها الدرس، وها هو ﷺ يبين لنا ذلك بأجلى معاني الإيضاح، فأجلك محدود في دائرة تدور فيها يميناً ويساراً، وأملك يسبقك عن دائرة الأجل، أنت تريد أن تبلغ الأمل، ولكن يأتي دونه الأجل.

стр. 819

الزهد في الدنيا إذاً: جاء في الأثر (الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، والرغبة في الدنيا وطول الأمل يحزن القلب ويشقي الجسم، وليس معنى الزهد في الدنيا تركها، ولكن أن تجمعها من حلها، وأن تضعها في حلها، لا كما يقولون: تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد والجوانب والمعاني في هذا الحديث فوق أن يحصيها إنسان: (كن في الدنيا كأنك غريب) ، وأنت فعلاً غريب، وكما قالوا: الإنسان في الدنيا ساعته تهدم يومه، ويومه يهدم أسبوعه، وأسبوعه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره. دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان بل أقل من الثواني. والعجيب! أن الإنسان يستطيع أن يقف عند الغنى والفقر، وعند القوة والضعف، وعند العزة والذلة، وعند كل معاني الحياة، لكنه لا يستطيع أن يقف عند الحياة والموت، قال سبحانه: ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة:٨٣-٨٧] . ارجعوها وأوقفوها عن الخروج! أمدوه بلحظة واحدة! لا والله! لو اجتمع العالم كله، إنسه وجنه وملائكته على أن يمحنوا الإنسان في اللحظات الأخيرة ثوانٍ لا يستطيعون، وانظر الإعجاز القرآني: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعة﴾ [الأعراف:٣٤] ما قال: (يستقدمون) ، قال: (لايستأخرون ساعة) ، وما هي ساعة زمنية ستون دقيقة، لا، بل ساعة لغوية، وقدم (لا يستأخرون) ؛ لأن كل إنسان يود أن يتأخر: ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] ، ولو أراد أن يعجل موته لحظة لا يستطيع؛ لأن هذا ليس له. والغريب في حياته يعمل لما ينجيه أو يسلمه من أهل المدينة التي حل فيها. وعابر السبيل ماذا يحمل معه؟ هل يجمع الحطب والحجر، والخشب والحديد ويحملها معه؟! لا يحمل معه إلا الزاد الذي يوصله. عابر السبيل قبل كل شيء يطلب الراحلة التي توصله، ويكتفي في زاده بما يكفي في سفره، فلو رأى أمامه مئات الأطنان من الفاكهة والعسل واللبن وجميع أصناف الطعام ما أخذ منها إلا ما يوصله. ولذا السلف كانوا كما قال الشاعر: إن لله عباداً فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا وهكذا حال المسلم، وكما جاء عنه ﷺ : (إذا خرج الإنسان من الدنيا تبعه ثلاثة: ورجع منها اثنان، وبقي معه واحد، تبعه أهله وماله وعمله) فأهله يشيعونه، يكون منه ما يتبعه، فيرجع المال والأهل ويبقى معه العمل. وجاء في الأثر: (ما من إنسان يخرج من الدنيا إلا وهو آسف حزين، إن كان محسناً يقول: يا ليتني استزدت، وإن كان مسيئاً يقول: ليتني أقلعت) ، وما هي الغاية من جمع الدنيا والتكالب عليها؟ يقول ﷺ : (من أصبح معافىً في بدنه، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) ، ولا يدرك هذا إلا العقلاء، وكل إنسان مهما كان رصيده وماله، وممتلكاته، فلن يأكل الورق ولا الذهب ولا الفضة، وكم ستأكل من الطيبات؟ ما عندك خزان أكبر من بطنك، ومستودعات الطعام قبل أن تأكله لا تدري من سيأكل المستودع، لكن أنت ستأكل على قدر نفسك، (ابن آدم يقول: مالي مالي، وليس له من ماله إلا ما لبس فأبلى، أو أكل فأفنى، أو تصدق فأبقى) . إذا تصدق الإنسان أبقى كما جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، أنه ذبح عندها شاة، وجاء النبي ﷺ فقالت: (يا رسول الله! انتهت الشاة وقسمناها ولم يبق إلا رجلها، فقال: لقد بقيت كلها إلا رجلها) هي تقول: نفدت كلها ولم يبق منها إلا رجلها، فيقول ﷺ : (بل بقيت كلها إلا الرجل هذه) ؛ لأن الذي وزع قرض حسن عند الله، وهي وديعة، وأمانة ينميها المولى سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة:٢٤٥] .

стр. 820

حال السلف في الزهد حقيقة حالنا أننا غرباء، ولا يوجد إنسان في العالم إلا وهو غريب، فالغربة مفروضة. يحكى أن أعرابياً سمع رجلاً يتلو قوله سبحانه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:١-٢] فقال: قف! بعثوا ورب الكعبة! قال: ما أدراك أنهم بعثوا؟ قال: من قوله: ﴿زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢] ، فالزائر لا بد أن يرحل، ولا يوجد ضيف يستقر في محل الزيارة. ودخل شخص على أبي الدرداء، فنظر في البيت فلم يجد شيئاً، فقال: يا أبا الدرداء! لم أر لك متاعاً في البيت، فقال: صاحب البيت لا يتركنا نجعل متاعاً. وسالم بن عبد الله دخلوا بيته فلم يجدوا في بيته ما يساوي كذا، فقيل له في ذلك: فقال: الأمر أعجل من هذا. هذا الكلام في الزهد وترك الدنيا بالنسبة لنا الآن بعيد، وكأنه خيال! فكيف نترك المفروشات والثلاجات، والغسالات والسيارات، فهو شيء بعيد؛ لأن أذواقنا بعدت جداً، ولأن قلوبنا أصبح بينها وبين هذا الكلام حجاب، فلا يمكن أن نتذوق هذا الكلام، ولكن لنرجع رويداً ونقول: ماذا سنأخذ من هذا كله؟ ولا أقول لك: تترك هذا كله، ولكن الخطر كل الخطر أن يمتلئ قلبك بكل ما تملك، ولذا فإن بعض العلماء يقول: يا رب! لا تجعل الدنيا في قلوبنا، واجعلها في أكفنا. كنت أسمع بعض مشايخنا ﵀ يقول: ما عقدت عقد بيع قط أطلب ربحه، ولا أقرضت قرضاً أنتظر رده. لو استطاع الإنسان أن يرد نفسه عن التعلق بزخرف الدنيا وزينتها، يسهل على نفسه الخروج منها، أما إذا كان متعلقاً بها كل التعلق، فإنه يأسف عند الخروج منها، كأناس سافروا إلى بلاد غربة، فواحد منهم اشترى له أرضاً وبنى له قصراً، فجاءوا ليرجعون ويرحلون، فيقول صاحب الأرض: لا أرجع، وإذا رحل يمشي قليلاً وهو ينظر إلى البستان والقصر غصباً عنه. وقوله في هذه الوصية النبوية الكريمة: (كن في الدنيا كأنك غريب) ، معنى الغربة: التزام الأدب، والسلوك الحسن، ولا تعقد الأمل. ويبلور لنا هذه المعاني الجليلة ابن عمر فيقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح) ، لو قدر أن سرية أو مجموعة نزلوا مساءً وخيموا في مكان، فإنهم لا يدرون متى يكون المسير، (وإذا أصبحت لا تنتظر المساء) ، يمكن يأتي الأمر بالسفر في الظهر، أو في الضحى، أو في العصر، ومراد ابن عمر هنا: إذا أمسيت فلا تؤخرن عملاً يجب أن تؤديه في المساء إلى الصباح، وهو راوي حديث الوصية: (ما حق امرئشٍ مسلم عنده شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه) .

стр. 821

اغتنم حياتك قبل موتك يقول بعض شراح هذا الحديث: قدم (إذا أمسيت) على (إذا أصحبت) ؛ لأن المساء محل الغفلة والنوم، والصباح محل الحركة، فأحرى بك في المساء ألا تتحرى الصباح، فإذا أصبحت ولديك شيء من العمل فلا تنتظر المساء، فلو كان عندك واجب في النهار فلا تؤخره إلى الليل، وانتهز فرصة النهار قبل أن يأتي الليل، لأنك لا تدري أتدركه أم لا؟ وجاء في بعض الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ : (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) . الإنسان يجب أن ينتهز ويغتنم فرصة الشباب؛ لأن أمامه هرم، والهرم هو الكبر في السن، فإذا كنت في شبابك لا تعمل، فماذا ستفعل في هرمك؟ إذاً: من لم يغتنم شبابه، ويدخر فيه لوقت الهرم ضيع نفسه. ولذا يقول العلماء في موضوع الحج في باب الاستطاعة: من ليس عنده مال، ولكن عنده صنعة، ويستطيع أن يرافق القافلة، ويعمل ويكتسب ويأكل حتى يصل إلى مكة بكسب يده مع القافلة، فإنه مستطيع مادياً. يقول النووي: ويشترط الشافعي أن يكون أجر عمل يومٍ يكفي لنفقة يومين، أما إذا كان عمله في اليوم لنفقة يوم واحد، فليس بمستطيع، فلعله يمرض، واليوم الذي يمرض فيه يموت من الجوع، لكن إذا كان أجر يوم واحد يكفي لنفقة يومين، فيمكن أن يمرض يوماً أو يومين في الشهر أو في الأسبوع، ويبقى عنده مال مدخر، وهكذا أنت في شبابك، إذا لم تدخر في شبابك ما ينفعك في هرمك، فماذا تفعل؟ والدول تتعامل (بالتقاعد) ؛ لأنها استغلت العامل والموظف مدة شبابه وقوته، فلما جاءه الكبر أحالته على التقاعد، ولم تتركه. وهذا أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه رأى عجوزاً ذمياً يتكفف السؤال، فقال: ما شأنك يا رجل؟! قال: أنا من أهل الذمة وكلفت بالجزية، قال: ما أنصفناك، كلفناك شاباً، وتركناك شايباً، لا، وأسقط عنه الجزية، وفرض له من بيت مال المسلمين ما يكفيه. إذاً: اغتنم شبابك قبل هرمك، وهذه قضية منطقية عقلية، لكننا لسنا في باب المادة، فالله سبحانه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨] وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦] ، ولكن نحن نعمل للآخرة، فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص: (بلغ النبي ﷺ أنه يقرأ القرآن كله في ليلة، فدعاه فقال: اقرأه في شهر؟ قال: إني أستطيع أكثر من ذلك قال: اقرأه في عشرين ليلة، فقال: إني أستطيع أكثر من ذلك، وهكذا حتى نزل معه إلى ثلاثة أيام) وهو يقول: إني أستطيع أكثر من ذلك، أي: غداً يأتيني الكبر ولا أقدر أن أقرأ، فكان يغتنم شبابه لهرمه، وكان يستطيع أن يصلي شيئاً من الليل، ويستطيع أن يصوم بعض الأيام، ويستطيع أن يكتسب ويتصدق، فلما جاءه الهرم عجز. (وصحتك قبل مرضك) والصحة والمرض شيء بيد الله، ولكن يفوت على الإنسان شيء كثير مع المرض، ومن فضل الله على المسلم أنه إذا كان يعمل في صحته من أبواب الخير ويداوم عليه فمرض أو سافر وعجز عن ورده، أمر الله الملائكة أن تكتب له مدة مرضه وسفره ما كان يعمل في الصحة والإقامة حتى يعافى أو يرجع إلى بلده. ويقول النبي ﷺ : (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) فهل يقبل الله منك وأنت معافى، ثم أنت مريض يتخلى عنك؟ لا والله! فهو أكرم الأكرمين. وكذلك (غناك قبل فقرك) ، إذا كان المال معك، فانتهز أبواب الخير، أنت لا تدري ماذا يصير؟ سبحان الله! وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل كم من إنسان بات في القمة، وأصبح في الهاوية، أي: فما دام بيدك المال، وعندك الغنى، ووفرة المال، فافعل الخير، ولعل الخير الذي تفعله يحفظ لك مالك. من يصنع الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب الخير بين الله والناس وقوله: (وفراغك قبل شغلك) ، هذه نصيحة نقدمها لطلبة العلم قبل كل شيء، عليه أن ينتهز فراغه للتحصيل قبل أن يخرج من الدراسة إلى الحياة، ويواجه المشاكل العملية، فهو في فترة الدراسة متفرغ لها، وبعد ما يتخرج ويأخذ الشهادة ويخرج إلى ميدان الحياة يشغل، وأول شاغل يلقاه الزوجة والأولاد، ولذا كان بعض السلف يقول: (ذبح العلم بين أفخاذ النساء) ، وقد تكون الزوجة تعين طالب العلم على دراسته، لكن مشاكل الأولاد ضريبة لابد أن تؤديها في طريق الحياة، ويفرض عليك أن تشغل بما ليس من طلب العلم، وقد يكون عملك لطلب العلم، ولكن ليس كوقت التفرغ، ولهذا يروى عن أبي حنيفة ﵀ أنه كان يقول: لا ينبغي لإنسان أن يتولى القضاء أكثر من سنتين قالوا: لماذا؟ قال: مخافة أن ينسى العلم، لأن مشاكل الناس تنسي العلم، ولكن الآخرون يقولون: كلما زاول القضاء كلما تمكن فيه وتمرس، وعرف طرق الخصوم. وقوله (وحياتك قبل موتك) ، الحياة أمامك، ولكن الموت ليس عندك وليس بيدك، فالمولى قدر لكل أجل كتاب ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] . إذاً: على العاقل أن يغتنم هذه الأمور الخمس، وقد جاء في الحديث الصحيح: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسمه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ما عمل به) . والله أسأل أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع، وأن يوفقنا وإياكم للعمل بما علمنا، وأن يتقبل منا، وأن يعاملنا سبحانه بلطفه وكرمه، وإحسانه، فما أضعف الإنسان وما أطول الأمل! وما أوسع فضل الله ! وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد ﷺ . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 822

شرح الأربعين النووية - الحديث الحادي والأربعون [١]

стр. 823

شرح حديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) . حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح] . الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: وبعد تلك الرحلة الطويلة مع هذا المجموع المبارك من أحاديث رسول الله ﷺ ، يأتي المؤلف رحمه الله تعالى -وقبيل الأخير بحديث واحد- بهذا الحديث الذي هو بمثابة المقياس والميزان للمؤمن حقاً في إيمانه اعتقاداً وقولاً وعملاً.

стр. 824

ترجمة موجزة لراوي الحديث يقول النووي ﵀: (عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص) وهو رضي الله تعالى عنه من خيرة أصحاب رسول الله، وكلهم أخيار. كان ﷺ يقدمه على أبيه؛ لأنه سبق أباه إلى الإسلام، ولم يكن بينه وبين أبيه سوى ثلاث عشرة سنة، وقيل: إحدى عشرة سنة، أي: أن أباه تزوج صغيراً وأنجب، وكان من أكثر أصحاب رسول الله حديثاً، كما قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: (ما كان أحد أكثر مني حديثاً إلا عبد الله بن عمرو بن العاص حيث كان يكتب ولا أكتب) . وهكذا يظهر أثر كتابة العلم وتدوينه، وقد قال عبد الله: (كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأومأ بإصبعه إلى فِيه، فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق) ، وهذا كما قال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] .

стр. 825

رتبة حديث (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ذكر النووي ﵀ هذا الحديث، وإن كان لم يُخرَّج في الست، ولكن خُرِّج في كتاب: الحجة على من لم يسلك الطريق والمحجة للمقدسي. ويقول العلماء: إنه كان رجلاً شديداً في الله، متحرياً في السنة، محارباً للبدعة، فأحسنوا الظن به فيما يرويه. ولكن كما أشرنا سابقاً، أن من قواعد مصطلح الحديث والأصول عند الأصوليين والمحدثين: أن الحديث إن ضعف سنده من حيث الرجال، وشهدت له نصوص أخرى من الكتاب والسنة؛ فإنها تقويه ويصير حسناً لغيره. ويكفينا أن النووي وهو هو في الحديث وفي الفقه وفي العلم والفضل يستحسنه، ولهذا الحديث شواهد من الكتاب ومن السنة.

стр. 826

الفرق بين متعلقات الإيمان ومتعلقات الإسلام الحديث يقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ، هذه كلمات معدودات تضع الميزان الحق في ادعاء الإيمان اعتقاداً وقولاً وفعلاً. فالإيمان: تصديق بالقلب واعتقاد بالغيب، بخلاف الإسلام الذي هو امتثال الجوارح ظاهراً، كما في حديث جبريل ﵇: عندما سأله عن الإسلام؟ فقال ﷺ : (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله) والشهادة نطق، (وتقيم الصلاة) والصلاة حركة، (وتؤتي الزكاة) وهي: إخراج جزء من المال، (وتصوم رمضان) والصيام: إمساك، (وتحج البيت) رحلة وعودة. كل هذه أعمال ظاهرة بمعنى الاستسلام والانقياد لأوامر الله، ثم جاء في الحديث: (أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره) ، كل هذه أمور غيبية ليس عندنا منها شيء محسوس، حتى الكتب التي أنزلها الله ليس عندنا حقائقها؛ لأن اليهود والنصارى غيّروا ما أنزل الله، ولم يبق إلا القرآن الكريم بين أيدينا، وهو داخل في عموم كتبه، وما عدا ذلك: فرب العزة سبحانه غيبه عنا، لكن آياته وقدرته ودلائل وجوده سبحانه مستقرة في أنفسنا وفي الكون كله من حولنا. والملائكة أخبرنا الله عنهم، وقد رآهم بعض أصحاب رسول الله ﷺ عياناً. وكذلك الرسل كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه، وبلغ عنه رسوله ﷺ . والبعث هو إحياء الناس بعد الموت. والآيات عليه في كتاب الله من الناحية الكونية ومن الناحية العقلية، بل ومن الناحية العملية متوفرة. أما من حيث الكون فيقول سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩] . وأيضاً قصة بني إسرائيل وقتيلهم، ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْييِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٧٣] أي: فأحياه الله ونطق وقال: قتلني فلان، ثم مات، فكهذا الإحياء يحيي الله الموتى. وإبراهيم ﵇ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْييِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] ، لأن العلم عن إبلاغ لا يساوي العلم عن مشاهدة، ولذا ذكر الله سبحانه في سورة التكاثر: (علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين) . فقال الله له: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة:٢٦٠] ، فقطعها، ووزعها، ثم ادعها تأتك سعياً. وقصة أصحاب الكهف إذ لبثوا ثلاثمائة سنة وتسع سنوات -ثلاثمائة ميلادية، وهي ثلاثمائة وتسع هجرية قمرية- ثم يُبعثون ويذهبون ليبحثوا عن طعام ليأكلوه، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الكهف:٢١] . وهكذا الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة:٢٤٣] . وكذلك قصة عزير العزير مع حماره وفاكهته، فقد شاهد عياناً كيف يُنشز الله العظام بعد موتها وكيف يكسوها اللحم! وكذلك موسى كان معه حوت مقلي ومملَّح فاتخذ سبيله في البحر سرباً! طيور حيوانات حيتان بشر، كل ذلك آيات عملية، ونموذج مصغر للبعث، وإحياء نفس واحدة كإحياء الناس جميعاً. فالإيمان يتعلق بالمغيبات، ولذا من لم يؤمن بمطلق الوعد أو الخبر وجاء عند المعاينة وأعلن إيمانه فلا قيمة لهذا الإيمان؛ لأنه لم يؤمن عن مجرد الخبر، وكما حصل لفرعون حيث آمن عند المشاهدة، فقيل له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾ [يونس:٩١] وكذلك الحال مع عامة الناس، كل من تاب قبل أن يغرغر، وقبل أن يرى الحقائق، وينكشف له الغيب فإن الله يقبل توبته، أما إذا أصر وسوَّف حتى يعاين حقائق البعث والجزاء والآخرة، ثم يقول: تبتُ، فإن التوبة لا تقبل منه.

стр. 827

سبب اشتراط تبعية هوى المؤمن للشرع يقول ﷺ : (لا يؤمن) أي: لا يصدق أحد حقيقة ويطبق الإيمان عملياً حتى يكون إيمانه الذي يدعيه وينتسب إليه ويتلبس به، يحمله على أن يكون الهوى والميل والرغبة فيه تبعاً لما جاء به ﷺ ، لماذا؟ وما هي علاقة الإيمان بهذا؟ لأنك مبدئياً تؤمن بالله، فتشهد أن لا إله إلا الله، وتقول: الله ربي ورب العالمين، تعلنها سبع عشرة مرة في يومك وليلتك في الصلوات الخمس: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] أي: خالقهم ورازقهم، محييهم ومميتهم، مدبر أمورهم بالربوبية، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] أي: لأنه المستحق للألوهية والعبادة منا له. وتشهد أن محمداً رسول الله أي: تشهد أن الرب سبحانه وجل جلاله أرسله إليك وإلى الناس كافة برسالة وبلَّغها. إذاً: إن كنت تؤمن حقاً بهذه المبادئ، وأنه فعلاً لا معبود بحق سواه، وأن محمداً ﷺ رسوله، جاء بالرسالة من عنده؛ فلا يتم هذا الإيمان ولا يكون عملياً إلا إذا كان هواك تبعاً لما جاء به محمد ﷺ . وهنا كلمة (هواه) يقولون في اللغة -واللغة العربية فلسفتها عجيبة- هوى وهواء، وثنى وثناء، وغنى وغناء، والثرى والثراء، كل هذه بينها فوارق. الثرى والثراء، المقصور معناه: التراب، والممدود معناه: الغنى ووفرة المال. الغنى والغناء، الغنى: ضد الفقر، والغناء: اللهو واللعب. والهوى هو: الميل والرغبة، والهواء: هو هذا الذي نتنسمه والذي يملأ الفراغ بين السماء والأرض. إذاً: (حتى يكون هواه) ، أي: ميله ورغباته، تبعاً لما جاء به النبي ﷺ . وهنا يقول العلماء: في هذا الحديث لفت نظر؛ لأن كلمة (الهوى) غالباً ما تستعمل في الأشياء التي هي ضد الحق يقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣] يعني: ميوله ورغباته. ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص:٢٦] فالحق يقابله الهوى، والهوى في مقابلة الحق يكون باطلاً. فقالوا: كيف يكون هذا الهوى -الذي هو غالباً يستعمل في الجوانب التي هي ضد الحق أو في الشر- موضِع تحقيق الإيمان ويجعله تابعاً لرسول الله؟ ويُجاب عن ذلك والله تعالى أعلم: بأن البلاغة النبوية تضع الإنسان في رغباته كلها من بدايتها إلى أقصاها وهو الميل الفطري والرغبة الإنسانية في الغرائز وفي الميول وفيما تهواه النفس وتميل إليه من الجانب البشري، وكل ما ينزع بالإنسان إلى جانب آخر، ولكن تلك الرغبات التي تشذ بالإنسان أو تجنح به إلى اليسار لا يمكن أن يكون صاحبها مؤمناً إلا إذا كانت نزعات الأهواء والميولات النفسية خاضعة وتابعة لما جاء به رسول الله ﷺ . إذاً: حب الآخرة، والميل إلى العمل الصالح هي الفطرة، (كل مولود يولد على الفطرة) أي: الفطرة الإسلامية الحنيفية السمحة، وهي من باب أولى تابعة لرسول الله ﷺ . إذا أصبح هواه وميوله الذي يشبع رغباته وشهواته، ويدعوه إلى تحقيق مطالبه البشرية ورغباته الحيوانية متبلوراً ومتمرناً وتابعاً لما جاء به ﷺ ، فمن باب أولى أن جانب الخير فيه سيكون تبعاً لما جاء به ﷺ . ولذا يقولون: الإنسان فيه شبه بالسبُع في الافتراس وقوة الغضب، وفيه شبه بالملائكة في اللين والتواضع، والإنسان مكون من روح وجسد، فالروح -دائماً- تسمو إلى مكارم الأخلاق وعلو الهمة، وطاعة المولى، والاستئناس بالعبادة وبذكر الله، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] . والجسم يخلد إلى الأرض في شهواته ورغباته، فالجسم يميل إلى طبيعته الحيوانية، والروح تميل إلى الجوانب الروحية العلوية الإلهية. ولذا يقولون: إذا غلبت طبائع جسمه روحَه كان حيواناً: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤] ، وإذا غلب الجانب الروحي كان ربانياً، ممن يعلمون ويتعلمون ويطيعون الله سبحانه، ولذا انقسمت الأمم الماضية إلى قسمين: قسم: غلَّبوا جانب البدن، وهم اليهود، وأصبحوا ماديين يحتالون على ما حرم الله ليأكلوه. والقسم الآخر: النصارى الذين أرادوا أن يكبحوا جماح المادة في اليهود، فابتدعوا الرهبانية، فما استطاعوا أن يواصلوا بها. وجاء الإسلام وطابق ووازن بين مركبات الإنسان مادة وروحاً، فأذن له أن يأكل ويشرب ويتحرى الحلال، وأن يصلي ويصوم، ويجمع بين الأمرين بكفتين متعادلتين ويطير بجناحين سليمين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة:٩-١٠] . ولذا يقول علماء الاجتماع: الإسلام دين ودنيا، وعلى هذا يخبرنا ﷺ أنه لا يؤمن أحدنا، حتى تكون طبائعه وغرائزه وهواه وميوله كلها تابعة لما جاء به ﷺ .

стр. 828

تقديم محبة الرسول وما جاء به على النفس والولد والوالد هذا الحديث بهذا اللفظ وإن قال فيه النووي: رواه صاحب الحجة؛ فإننا نجد له الشواهد من الصحيحين منها: ما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن الرسول ﷺ قال: (فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) . وقال عمر: (يا رسول الله! لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي ﷺ : لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي ﷺ : الآن يا عمر!) ، أي: الآن كملت المحبة.

стр. 829

الأمور الغريزية الدافعة للمحبة لو أردنا أن نوازن ونقارن -قبل أن نعرف حقيقة تلك المحبة- بين رسول الله ﷺ وما جاءك عنه، وبين ولدك ووالديك ومالك والناس أجمعين؛ سنجد فرقاً عظيماً. يقول القاضي عياض: إن دواعي الأمور الفطرية الغريزية واحدة من أربع، حيثما وجدت واحدة من تلك الأربع فإنها تستدعي المحبة، قال: جلب النفع، ودفع الضر، فأيما إنسان جلب لك نفعاً وجدت في نفسك الميل إلى حبه بشكل طبيعي، وأيما إنسان دفع عنك ضراً وجدت في نفسك الميل إلى محبته. قال: وجمال الخلقة والخلق؛ فالإنسان من حيث هو قد ينظر إلى لوحة رسم زيتية فيها شجر ونبات ونهر ومنظر طبيعي، فلا يمل النظر إليه جِبلَّة، وترى الطائر الجميل كالطاوس مثلاً فتحب هذا الشكل أمامك. وأما جمال الخلُق، فإنك تجد الإنسان دمث الأخلاق الذي يعامل الناس بالإحسان وبمكارم الأخلاق وحسن السيرة، فتجد في نفسك أنك تحبه لمكارم أخلاقه، ولو لم تتعامل معه.

стр. 830

اجتماع مقتضيات المحبة في رسول الله ﷺ يقول القاضي عياض: وقد اجتمعت تلك الأمور الأربعة في رسول الله ﷺ . فلا يوجد نفع أعظم مما جاءنا به ﷺ فإنه عرّفنا بربنا . ومعرفة العبد بربه لا يوازيها شيء، فأنت عرفت ربك وخالقك الذي خلق السماوات والأرض، وعرفت رب العالمين، فمثلاً لو أن شخصاً اكتشف جهازاً ما أو اكتشف أي شيء مجهول، أو جاء للعالم بأي اكتشاف جديد، وعرف ما لم يعرفه الناس؛ تطاول إلى السماء، وأنت تعرف خيراً مما عرف؛ لأنك تعرف رب العالمين . ومن النفع الذي جاءنا به النبي ﷺ أنه جاءنا بما يدخلنا الجنة فعرّفنا طريق الجنة، فأيُ شيء يوازي الجنة؟ يقول ﷺ : (موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) ، وعرّفنا بالإسلام، وعرفنا بالعبودية لله، وكيف نعبد ربنا ونتقرب إليه، وعرّفنا بالملكوت الأعلى كله. ودرأ عنا كل شر في حياتنا، فصان وعصم دماءنا، وأموالنا، وصان فروجنا وأعراضنا، وكفَّ بعضنا عن بعض، كل شر في الدنيا سد طريقه عنا، وسد عنا أبواب النار، وبيّن لنا الطريق الذي به نسده. ولذا لما خطب القوم قال: (ما تركت شيئا يقربكم من الجنة ويباعدكم عن النار إلا وقد بينته لكم) ، فماذا نريد أكثر من هذا؟ والترجمة القرآنية لرسول الله تقول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨] ، (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) أي: يشق عليه ما يلحقكم من عنت ومشقة، وحريص على جلب الخير لكم، ثم يتوج ذلك بقوله: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) ؛ ﵊! القسم الثالث: جمال الخِلقة، يقول بعض أصحاب الرسول ﷺ : (والله ما ملأت عيني من محمد في جاهلية ولا إسلام، أما في الجاهلية فكراهية أن أنظر إليه، وأما في الإسلام فحياءً من أن أنظر إليه) ، سبحان الله! فهذا كما قال القائل: أهابك إجلالاً وما بك سلطة علي ولكن ملء عين حبيبها يهابها وهي ضعيفة ليس لها سلطة عليه، ولكن من شدة وفرط المحبة، وهنا أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: والله لو طُلب من أحدنا أن ينعت رسول الله لما استطاع، يقولون: ما كنا نستطيع أن نملأ أعيننا منه حياءً وإجلالاً. وأما جمال الخُلُق فلو اجتمع العالم كله من أوله إلى آخره فلن يستطيعوا أن يصفوا أخلاق رسول الله بما وصفها الله وجعلها قرآنا يتلى ونتعبد به: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] ، تقول أم المؤمنين عائشة لما سُئلت كيف كانت أخلاق رسول الله ﷺ ؟ قالت: (أتقرأ القرآن؟ قال: بلى، قالت: كان خلقه القرآن) ، يعني: يأتمر بأوامره، وينتهي بنواهيه، ويعمل بمكارمه ومحاسنه وآدابه. إذاً: لو قارنا الولد والوالدين مع دوافع المحبة التي ذكرنا فسنجد الفرق العظيم، صحيح أن الوالدين لهما الحق الثاني بعد الله ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣] حتى في حالة الكفر: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] سبحان الله! لم يقل وعاشرهما، بل قال: وصاحبهما، أي: اجعلهما كصديق، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] وذلك لأنهما تسببا فيما يتسبب فيه أي زوجين من الحيوانات، ورزقهما الله من عنده هذا الولد. وأما الولد فقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥] . وأما المال فقد قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦] ، ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:٧] . إذاً: الناس أجمعون لن ينفعوا شيئاً (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك) .

стр. 831

المحبة الحقيقية التي يطالب بها العبد إذاً: العالم كله مع الله لا شيء، والعالم كله في موازنة ما جاءنا به رسول الله ﷺ لا شيء، فإن من حقه علينا وفاءً بحقه إعطاؤه تلك المحبة، وليست محبة ذات، ولا محبة هوى، ولكنها محبة جميل مقابلة عرفان إيمان تصديق تكريم، كل المعاني السامية تنطوي تحت محبته ﷺ . كانوا في الحرب أو في الجهاد أو في المعاملات، وفي كل شيء يقدمونه على أنفسهم، نحن نعرف في الوقت الحاضر أنه في أي مجموعة عسكرية جميع الفرق تفدِّي قائدها وهي أمور ارتباط دنيوية، فكيف برسول الله ﷺ ؟

стр. 832

محبة العمل والاتباع (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه) ، ما هي تلك المحبة؟ هل هي لوحة أكتب فيها: أنا أحب رسول الله؟ الجواب لا، بل يجب أن تُترجَم تلك المحبة عملياً، واعتقاداً في القلب وإيناساً وإشعاراً وطمأنينة وارتياحاً وميولاً، وأن تترجم في القول، إذا جئت لتعمل أي شيء فتنظر هل هذا العمل يحبه رسول الله أو يكرهه؟ فإذا كان يحبه وفعلته محبة لرسول الله فقد ترجمت حبك لرسول الله اتباعاً وفعلاً لما يحبه، وإذا كان عملاً يكرهه رسول الله وتأتيه جهاراً وإسراراً فهل هذا يتناسب مع دعوى محبة رسول الله؟ لا والله! لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع يضرب لنا صحابي جليل مثلاً رائعاً لم يأت التاريخ بمثله، عندما أخذه المشركون إلى مكة وباعوه ممن كان قد قتل واحداً منهم في بدر، وأعلموه يوم قتله، وقبل أن يقتل أراد أن يلقى ربه نظيفاً حساً ومعنىً، أراد أن يستحد من شعره، فطلب من امرأة في البيت أن تعطيه الموسى، فأخذ الموسى في يده، وأتى إليه طفل صغير يحبو فرأت أم الطفل هذا الأسير في يده الموسى والطفل عنده فصاحت تخشى أن يقتله؛ لأنهم سيقتلونه، فضحك وقال: أتظنين أني أقتل الطفل البريء لا والله! وسلّمه إليها. وحينما أخذوه وأخرجوه من الحرم إلى الحل وأرادوا قتله، وكان أسيراً عند من اشتروه، وحينما قُدِّم قال: أنظروني أصلي ركعتين؛ فصلى بخشوع وبدون جزع، وقال: والله! لولا أني أخشى أن تقولوا فزع من الموت لأطلت. ثم قالوا له كلمة -وهي محل الشاهد- حينما صلبوه: أتود أن محمداً مكانك الآن وتُضرب عنقه وتسلم أنت؟ انظروا هذا العرض! السيف على عنقه، ومحمد ﷺ بعيد عنهم في المدينة، فيعظم عليه أن يخطر بباله هذا الخاطر، ويقول: لا والله، ولا أن يشاك بشوكة وهو في مكانه بالمدينة! لماذا لا يقول ذلك ليفكوا أسره ويدَعوه يذهب لحاله؟ لم يحتمل ولم يقو، إحساسه وإيمانه ورقة عاطفته مع رسول الله تأبى أن تقبل ورود خاطرة أن يشاك ﷺ بشوكة وهو في المدينة! يريد أن تُضرب عنقه مراراً ولا أن يتصور شوكة يشاك بها رسول الله ﷺ في المدينة، أترون هذا يعصي رسول الله؟ أترون هذا يخالف ما يحبه رسول الله؟ لا والله! والأمثلة في هذا الباب عديدة. بل أتت بعض الأحاديث في بيان من يأتي بعد رسول الله، ومدى تعلق قلوبهم به ومنها: (إخواني يأتون من بعدي، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله) .

стр. 833

محبة ضبط الهوى قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به) ، يقول العلماء: ما ارتكب إنسان معصية إلا وخالف هواه سنة رسول الله؛ لأنه عند الإقدام على تلك المعصية عنده وازعان، وصوتان في أذنيه: أحدهما صوت السنة تقول: أقلع فهذا حرام. والآخر صوت الهوى يدعوه: هذه لذة فمَن يجيب؟ إن غلب داعي الهوى مال معه، وإن غلب داعي السنة عُصِم ونجا. ولذا يقول العلماء: اتباع السنة تدريب، ونحن إذا نظرنا إلى جزئيات بسيطة يقولها بعض العلماء، إنما هي من باب التعويد وترويض النفس. فمثلاً: نأتي في الأكل والشرب واللبس والنوم والأمور الفطرية العادية: أنت تريد أن تأكل الطعام وأول طريق الطعام الفم، لو حملت الطعام باليمنى أو باليسرى إلى فمك ووصل إلى الفم ذهب في طريقه، ولكن إذا أخذت الطعام باليسرى جاءت السنة وقالت: لا، السنة أن تترك اليسرى، وتأخذ باليمنى. وإذا أردت أن تشرب كذلك وإذا أردت أن تلبس قدمت الكم الأيمن فتلبس الثوب، ولكن إذا امتدت اليسرى قالت السنة: لا، البدء باليمنى، فقد كان النبي ﷺ يحب التيمن ما استطاع في شأنه كله، في طعامه وشرابه ومنامه، وفي كل شيء. إذا جئت إلى فراشك وأردت أن تضطجع استلقيت على ظهرك، أو نمت على بطنك أو على يسارك أو على يمينك، ولكن عندما تستلقي على يسارك تقول لك السنة: لا، انقلب على اليمين، وعندما تنبطح على بطنك تقول لك السنة: لا، النوم على البطن مكروه؛ لماذا هذا كله؟ لأنك إذا أصبحت وأمسيت تأخذ بالسنة في الصغيرة والكبيرة صرت سنياً بالاتباع، ولهذا عندما يُقدم الإنسان على عمل، أو يُدعى إلى تركٍ فلينظر وليأت بالميزان، داعي الهوى يدعوه إلى المخالفة، وداعي الاتباع يدعوه إلى الموافقة والاتباع، فيوازن بين الكفتين، وقد قدمنا أن هذا الحديث هو ميزان لرغبات الإنسان مع سنة رسول الله ﷺ . وهنا يقول بعض العلماء: إذا كانت كفة الهوى ثقيلة جداً ومائلة ومعها الشيطان والنفس، وداعي السنة في الضمير، بعيد وخافت، فكيف أفعل؟ يقول العلماء: توقف لحظة بسيطة جداً، وانظر إلى ما بعد رجحان كفة الهوى، أين ستؤدي بك؟ وماذا سيتم؟ لنفرض أنها من الرغبات النفسية أو الشهوة، فإن لذتها لحظة، ثم ماذا بعدها؟ فالمؤمن يرجع على نفسه باللوم والندامة، وسيأتي الحديث عن موقف الإنسان إذا أذنب واستغفر. إذا كان مثلاً أخذ مالاً سرقة، أو اغتصاباً، أو جحد عارية، أو أي شيء من هذا الذي تدعو إليه النفس، فما آخر هذا؟ المال سيذهب، وستحل مكانه خطيئة. وفي الجملة ضع الجنة في كفة اتباع السنة، وضع النار مع ميل الهوى، وبناء عليه فانظر إلى أين تميل؟ ما زلنا في هذا الميزان النفس تدعو إلى الشهوات وإلى المخالفة ومعها النار، والسنة تدعو إلى الاتباع والطاعة، فإذا كان الإنسان في إحدى الكفتين فسيسقُط في إحدى الجانبين، إن كنت في جانب الشهوة والهوى فستميل بك الكفة، وتسقط في النار عياذاً بالله، وإن كنت في كفة السنة والطاعة ومخالفة الهوى إيماناً برسول الله، فستسقط بك الكفة في الجنة. الله أكبر والله إن الحق لواضح، لكن غلبة الهوى على الإنسان تجعله يميل إلى المخالفة. وهنا وقفة بسيطة يا إخوان! لماذا يرغب الإنسان في تلبية رغبات نفسه؟ لعل بعض الناس يقول: هذه مصلحة ظاهرة أو منفعة عاجلة. نقول: ألا تعلم بأن الرسول ﷺ حينما يأمرك بشيءٍ أو ينهاك عن شيء، فهو أعلم بما فيه مصلحتك، فلو جئت مكتباً استشارياً واستشرته في مسألة ما، كأن تبني بيتاً في مكان ما، ولك رغبة في ذهنك، وقال لك المكتب الاستشاري: لا، هذا المحل لا يصلح لهذا الشيء، فإنك لن تقدم على إقامة العمارة في محل لا يصلح للبناء؛ لأنك استشرت من هو أعرف منك فاقتنعت بفكرته ومشورته، وإن كانت مخالفة لرغبتك. وكذلك إذا جئت إلى طبيب وعندك شيء ما، ونصحك الطبيب ألا تتناول العمل الفلاني أو الطعام الفلاني، فإذا رجعت إلى نفسك، فأنت ترى الطعام وتشتهيه، وتسمع نداء الطبيب من ورائك: احذره لا يتناسب مع صحتك، فأيهما أولى بأن تسمعه؟ والعقل ماذا يقول لك؟ أتأكل وتشرب ولا تدري ماذا بعد ذلك؟ أو تسمع نصح الطبيب؟ لا شك أنك تسمع نصح الطبيب لأنه أعرف منك. فإذا كان طبيب القلوب صلوات الله وسلامه عليه، وطبيب الأبدان وطبيب الأرواح والسراج المنير الذي جاءنا بالصراط السوي من عند الله يقول: اسلك هذا الطريق وتجنب كذا وكذا، فهو أولى بأن تسمع كلامه ﷺ . والله يقول في الآية: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] ، ثم يقول بعدها: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] .

стр. 834

قصة صلح الحديبية ومواقف بعض الصحابة منه ونأتي إلى مثال قريب، قد يكون اجتهاداً في الدين، وقد يكون لك رغبة في شيء، ولكن السنة على خلافه. في صلح الحديبية، حينما أتم رسول الله ﷺ الصلح بينه وبين المشركين على شروط الصلح، وكانت عجيبة جداً، لو عرضناها على العقل وميل الهوى فإنه يرفضها؛ لأنها كانت كما يقولون في العرف السياسي أو العسكري: إملاء القوي على الضعيف؛ لأن الصلح عقد على رجوع المسلمين من مكانهم ولا يصلون إلى مكة. والمسلمون قدموا من المدينة وعندهم البشرى من رؤيا رسول الله بأنه سيأتي البيت، وقد مرت عليهم ست سنوات وهم مهاجرون لم يروا مكة، وكانوا قد فرحوا بالبشرى، ثم يمنعون من ذلك! ولو منعوا قبل ذلك لكان هيناً، ولكن عندما يأتون إلى النهر ويمدون أيديهم للشرب، فيقال لهم: ارفعوا أيديكم، فهذا صعب جداً. وصلوا إلى حدود الحرم، ونزلوا على الحد بين الحل والحرم. فكان من الشروط التي اشترطتها قريش على المسلمين: - ترجعون هذا العام وتعتمرون من العام المقبل. - وهدنة بيننا وبينكم عشر سنوات. - وأن الذي يأتيكم منا مسلماً بدون رغبتنا تردونه علينا، والذي يأتينا منكم لا نرده عليكم. كيف هذا؟! الذي يأتينا منكم مسلماً لله نرده إلى الكفر، والذي يأتيكم منا مرتداً عن الإسلام تأخذونه ولا تردونه؟! لم لا تجعلونها واحدة بواحدة؟ إما أن يُرد الجميع، أو يُترك الجميع. فيقبل ذلك رسول الله ﷺ . يأتي عمر رضي الله تعالى عنه يقيس المسألة عسكرياً مع إيمانه بالله، ليس لهوى أبداً، فيذهب إلى أبي بكر ويقول: يا أبا بكر! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟! أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟! قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ أي: لماذا نقبل هذه الشروط؟ فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا عمر! إنه رسول الله فالزم غرزه، أي: هذا رسول الله، فكن تحت ركابه، وامش في ظل بعيره، ولا تتطاول ولا تعارض ولا تقل شيئاً، فما هو بالشخص الذي سنعرض آراءنا عليه ونوجهه، بل ربه هو الذي يوجهه. ثم ذهب إلى رسول الله وقال نفس المقال، فرد عليه النبي ﷺ نفس الجواب (يا ابن الخطاب! إني رسول الله ولن يضيعني الله أبداً) . وفعلاً قبِلوا فحلقوا شعورهم ونحروا هديهم وتحللوا ولم يتحرك أحد هم جاءوا للعمرة! ولكن يحدث شيءٌ عجيب، وتحدث أمور هي مقاييس في الإسلام ونحن بعيدون عنها عند المفاوضة للصلح ينتدب رسول الله ﷺ رجلاً ليبلغ قريشاً بأنا جئنا عُمَّاراً ولم نأت مقاتلين، فائذنوا لنا أن نعتمر ونخرج. فقال لـ عمر: (اذهب يا عمر) فيقول: أنت تعرف عداوتي لهم يا رسول الله، وليس هناك من يحميني، لكن عليك بـ عثمان فهناك من أهله من يحميه. وينتدب عثمان، فيذهب ويفاوضهم فيقولون: أما أنت يا عثمان فدونك البيت فطف به واقض عمرتك أيّ سبق وأيّ شرف هذا، لكن عثمان في ارتباطه مع رسول الله ﷺ وفي محبته لرسول الله يقول: والله لا أطوف بالبيت ورسول الله ممنوع عنه. سبحان الله! يطوف ولو واحد منهم فقط، ليصدق الرؤيا. فيرجع ولم يطف، أين المقاييس التي تحدد هذا الحب؟! بأي مقياس إلكتروني أو ذري يقاس هذا الحب؟ إن مقياس الإيمان هو الذي يحدد هذا فعلاً، وقد كافأه رسول الله على ذلك في غيبته حينما تأخر عثمان وبلغه أنه قد قتل فبايع الصحابة جميعاً رسول الله ﷺ على الموت وعدم الفرار، ولما بايعوا رسول الله بأيديهم وصافحوه على البيعة فإذا برسول الله ﷺ يقول باليد الأخرى: (وهذه يد عثمان) يد رسول الله بدلاً عن يد عثمان! أظن أن هذا فيه إشارة خفية بأن عثمان لم يقتل؛ لأن البيعة لا تكون عن ميت، وفيه إشعار بأنه حي، وفيه شرف وتكريم لـ عثمان. ويكتب الله الرضا فيقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨] أي سكينة لجماعة ذاهبين يعتمرون ويبايعون على مداهمة أهل مكة في عقر دارهم بعددهم وعدتهم؟! فهذا لا يكون أمراً عادياً أبداً، لكنها سكينة من عند الله، وجعل الله هذا الصلح الذي تم فتح قريباً. يهمنا أن عمر رغب في أمر وردَّه أبو بكر، وأبو بكر لا شك أنه كان يرغب فيما يرغب فيه عمر، ولكن هواه وميوله ورغباته تبعاً لما جاء به رسول الله، لذا كان عمر يقول: (فعملت لذلك أعمالاً) أي: كنت أعتق وأصوم تكفيراً لتلك الكلمة. وقد ذكر الله في القرآن الكريم في نهاية سورة الفتح قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح:٢٧] إلى آخرها، وبعد سورة الفتح مباشرة تأتي سورة الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١] . من هنا منطلق جديد، وهو أنه لا يصح إيمان العبد إلا إذا كان هواه تبعاً لما جاء به رسول الله ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧] ولهذا يقول ﷺ مبينا للأمة: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . إذاً: أنت -مهما كنت- إن غلَّبت الهوى ومِلت عن الاتباع فأنت إلى الهوان، وإن عملت عملاً ليس عليه أمر رسول الله، ولست متبعاً فيه لرسول الله؛ فهذا العمل مردود، فكيف يضيع الإنسان بين الهوان ورد العمل؟ ولذا كان على المسلم أن يحمل نفسه أولاً بالاجتهاد في الدعاء أن يوفقه الله لاتباع رسول الله ﷺ . والله أسأل أن يجزيه عنا وعن الإسلام والمسلمين أحسن ما جازى نبياً عن أمته، ونسأله تعالى أن يرزقنا وإياكم محبته ومحبة سنته. وهذا فضل من الله عندما يحبب الله للإنسان الإيمان: ﴿وَلكنَّ الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات:٧-٨] ، وبالله تعالى التوفيق والله أعلم.

стр. 835

شرح الأربعين النووية - الحديث الحادي والأربعون [٢]

стр. 836

وقفة مع قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) فإنه يتعلق بهذا الحديث العديد من القضايا الكبرى في علاقة الأمة بأكملها بالرسول ﷺ . وجميع شراح الحديث يوردون في شرحه الآية الكريمة: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] . وبهذه المناسبة ننبه على ما سبق أن نبهنا عليه مراراً، بأن الاستدلال في كتاب الله، وفهم معنى كتاب الله ودلالاته لا تؤخذ جزئية، ولا موضعية، ولكن تؤخذ وحدة موضوع متكاملة، وهذه الآية الكريمة سيقت في سورة النساء، فنأخذ ما قبلها من أول نصف الحزب قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:٥٨] . ثم يأتي بعدها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] . يقول الإمام ابن تيمية ﵀: معرفة سبب النزول تعين على فهم النص، الأصوليون يقولون: (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) . فنأتي إلى هاتين القاعدتين سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] ، لما فتح الله مكة على المسلمين -ونحن نعلم أن أعظم وأشرف مكان في الأرض هو الكعبة، ومفتاح الكعبة هو أغلى وأثمن ما يحرص عليه كل إنسان- أراد ﷺ دخول الكعبة، فطلب المفتاح من آل شيبة، من عثمان بن طلحة، وكان هو سادن الكعبة، ففتح ﷺ الكعبة، ودخل فصلى وخرج، فقال علي ابن عم رسول الله ﷺ : أعطنيه يا رسول الله! قال له: خذ، فجاء عثمان يطلب المفتاح ويقول: الأمانة التي أعطيتك، فنزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] ، وهنا علي بعد أن أخذ المفتاح، هل يتمسك به أو يكون هواه تبعاً لما جاء به رسول الله من عند الله ويسلم المفتاح طائعاً مختاراً؟ الذي فعل أنه سلم المفتاح. ثم نأتي إلى عموم اللفظ (يَأْمُرُكُمْ) ، والمخاطب هو رسول الله ﷺ ، فيجب على جميع الأمة أن تؤدي الأمانات إلى أهلها، وأعظم أمانة عند الفرد هي ما ائتمنه الله عليه من دينه، حتى يقول العلماء: إن الوضوء أمانة، ويقول مالك: إن الصلاة أمانة. الغسل للجنابة أمانة، من منا يعلم عن الثاني أمتوضئ أم غير متوضئ؟ فهو أمر ائتمنك الله عليه. وفي قوله تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:١٠] قالوا: الأمانات التي ائتمن الله العباد عليها. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] ، وفي آية أخرى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام:١٥٢] ؛ لأن العدل من تعادل كفتي حمل البعير إذا كان الحمل متعادلاً متوازياً، أما إذا كانت كفة ثقيلة، والأخرى خفيفة، فإنها تطيش الخفيفة وتنزل الثقيلة ويجنح البعير ولا يستطيع المشي. الخطاب هنا: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ ، هل هو خطاب لعموم الرعية أم للحكام؟ المخاطب بهذا هم الحكام، فالله فوق الجميع، والحاكم الذي ليست فوقه سلطة إلا لله يأمره الله أن يحكم بالعدل، ولم يقل: إذا حكمتم بين المؤمنين، لكن قال: إذا حكمتم بين الناس. أي: ولو كانوا كفاراً.

стр. 837

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ... ) وبعد ما رتب الأمر مع الحكام، ورسم المنهج للعدالة، جاء للرعية فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ) أولاً، ثم قال تعالى: (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) فوقع عطْف وتكرار في الفعل: أطيعوا وأطيعوا وعندما ذكر (أُوْلِي الأَمْرِ) لم يأت بفعل الطاعة؛ لأن طاعة الله طاعة مستقلة، وطاعة رسول الله طاعة مستقلة، ولذا قد ينفرد ﷺ بتشريع حلال أو حرام في السنة النبوية. فمثلاً: الله قال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:٢٣] ، ثم قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء:٢٤] ، وجاء الرسول بالسنة وقال: (لا تُنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها) ، فهذا تشريع مستقل من السنة، فأولو الأمر يطاعون ولكن ضمن طاعة الله وطاعة رسوله. وهنا فريقان: حكام أُمروا أن يحكموا بالعدل، ومحكومون أُمروا أن يطيعوا، وقد يقع النزاع بين الطرفين، وحينئذٍ: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] . (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه) ، هذا الفصل وهذا الموقف يرتبط بالإيمان بالله، سواء كانوا حاكمين أو محكومين، لأن الحاكم إذا لم يؤمن بالله ويصدق بكتاب الله ويعمل به فما هو برادٍ إليه، وكذلك الرعية إذا لم تؤمن بالله وبكتاب الله فلن ترجع إلى كتاب الله ولا إلى سنة رسول الله. (إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) أي: تجازون على أعمالكم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) أي: الرد إلى الله وإلى رسوله خير من الذهاب يميناً ويساراً. وهنا كما يقول العلماء: الرد إلى الله معناه الرد إلى كتاب الله؛ لأن الله لا يخاطب كل واحد منا، ولا أحد منا عنده أهلية وصلاحية ليخاطب الله، فالرد إلى الله أي: إلى كتاب الله، والرد إلى رسوله في حياته ﷺ بأن نأتيه شخصياً ونعرض عليه قضيتنا ونحكمه فيها، ومن بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى نرد الأمر إلى سنته. فبإجماع المسلمين أن الرد إلى الله أي: إلى كتابه، والرد إلى رسوله أي: إلى سنته.

стр. 838

قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا ... ) وسبب نزولها يأتي في المقابل بعد هذه الآية قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠] . في الآية الأولى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا) ، وهنا يُعجِّب رسوله من قوم فيقول: (أَلَمْ تَرَ) أي: تأمل هؤلاء! (الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا) . الآية الأولى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يثبت الإيمان قطعاً، وهنا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) من كتب ومن وحي إلى غير ذلك، ما موقفهم؟ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ وهذه النزغة من أين أتت؟ ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠] .

стр. 839

سبب نزول قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك) من هم أولئك الذين يزعمون؟ وما علاقة هذا الزعم والتحاكم إلى الطاغوت حتى يأتي في مقابل المؤمنين الذين يتحاكمون إلى كتاب الله وسنة رسوله؟ أغلب المفسرين على أنها نزلت في القضية المشهورة، وهي: أن رجلاً يسمى بشراً من المنافقين، كانت بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: تعال بنا إلى محمد نحتكم إليه، قال المنافق: لا، بل إلى كعب بن الأشرف وهو من سادات اليهود. اليهودي يقول: نذهب إلى محمد الذي تعلن إيمانك به، فإذا به يقول: بل نذهب إلى كعب بن الأشرف سيد اليهود. فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوت﴾ [النساء:٦٠] ، والطاغوت كما يقول علماء اللغة: على وزن (فاعول) ، من الطغيان وهو: تجاوز الحد. وكعب بن الأشرف من أشد الطواغيت في ذلك الوقت، وكان يظهر العداوة لرسول الله ولأصحابه ويهجوهم. فاليهودي غلب المنافق وجره إلى رسول الله ﷺ ، فحكم رسول الله على مقتضى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] فحكم لليهودي، ولم يحكم لليهودي لشخصه بل أقام العدالة، بصرف النظر عن المحكوم له أو المحكوم عليه. ولما خرجوا قال المنافق: أنا لا أرضى بهذا، ولكن تعال نذهب إلى أبي بكر، فالرسول مشغول وما عنده وقت وما يفهم منا، وأبو بكر يعطينا سعة أكثر، فجاءوا إلى أبي بكر، وقصوا عليه القضية فحكم لليهودي، فقال المنافق: لا، لنذهب إلى عمر، فـ أبو بكر مثل محمد مشغول، فلما أتيا عمر لقياه عند الباب، فبدره المنافق ليقص قصته فقاطعه اليهودي وقال: يا عمر! لا تتعب نفسك، لقد جئنا قبلك إلى محمد فحكم لي ولم يقبل، وجئنا إلى أبي بكر فحكم لي ولم يقبل، فقال عمر للمنافق: أهكذا كما يقول اليهودي؟ قال: بلى، احكم أنت. فقال عمر: انتظرا، ودخل بيته وخرج بسيفه وضرب عنق المنافق وقال: هذا حكمي فيمن لم يرض بحكم الله ورسوله. فجاء أهل المقتول يطلبون الدية، وجاء جبريل ﵇، وقال لرسول الله ﷺ : لقد فرق عمر بين الحق والباطل، فقال له ﷺ : (أنت الفاروق) ، ومن ذاك الوقت سمي عمر بـ الفاروق. هنا نأخذ حقيقة اتباع رسول الله، وهو أن يكون هوى الإنسان تبعاً لما جاء به رسول الله. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: أولئك المنافقين ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء:٦١] هذا يهودي يدعوك لرسولك وأنت تصد وتقول: بل نذهب لـ كعب بن الأشرف. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء:٦٢] المصيبة هي ما وقع على الرجل من عمر. (جَاءُوكَ) أي: أولياؤه يطلبون الدية ويقولون: والله! ما نريد إلا الإحسان والإصلاح. ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء:٦٣] كشف الله حقيقة ما تخفي قلوبهم، من الإعراض عن كتاب الله، والصد عنه؛ فهؤلاء يعلم الله ما في قلوبهم فاتركهم.

стр. 840

لماذا لم يقتل النبي ﷺ المنافقين ؟ ولذا كانوا يقولون: إن الرسول ﷺ كان يعلم أمر المنافقين ولكن لم يقتلهم، وقد سئل عن ذلك، فقال: (لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه) أي: إن هؤلاء يدعون أنهم أصحابي أفأقتلهم؟ (وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) بعضهم يقول: الموعظة تكون عامة كقوله ﷺ : (ما بال أقوام) ، (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ) أي: بينك وبينهم، لكن الصواب الوجه الثاني وهو أن الموعظة: التخويف والزجر. وقوله: (فِي أَنفُسِهِمْ) : حتى يرحموا أنفسهم بأنفسهم، قل: أنتم على ضلال أنتم ضائعون، نبههم على الخطر الذي يحدق بهم، وكأن: (عِظْهُمْ) تعني كلاماً عاماً، لكن (فِي أَنفُسِهِمْ) أي: في خواص أشخاصهم؛ لأنهم أولى من يكون أن ينقذ نفسه. (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا) القول البليغ هو: الذي يبلغ الإنسان غايته، كما تقول: بلغت الغاية، والبلغة: الغاية المقصودة، والشيء الذي يبلغك إلى غايتك، والكلام البليغ بخلاف الكلام العيي؛ فالكلام البليغ: هو الذي ينقل المعنى من مكان إلى مكان آخر، فإن كان بليغاً فصيحاً واضحاً حمل المعنى ونقله، وإن كان مفككاً -مثل حالتنا- فإن المعنى يتعثر. إذاً: (قَوْلًا بَلِيغًا) يعني: ينفذ من عندك إليهم، وكما قالوا: ما خرج من القلب وصل إلى القلب، وليس بعد بلاغة رسول الله ﷺ وإيراده الخبر بلاغة، فقد أُعطي جوامع الكلم ﷺ . ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء:٦٤] ، (بإذن الله) هل يعني: بما أمر الله أم بتوفيقه، والويل لمن لم يوفقه الله؟ نحملها على المعنى الأول، وإن كان المعنى الثاني أيضاً متلازماً مع المعنى الأول.

стр. 841

قبول توبة المنافقين واستغفار رسول الله لهم إن تابوا ثم يخفف الله عنهم ويبين علاج الموقف فيقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [النساء:٦٤] أي: بالتحاكم إلى الطاغوت والصدود عنك وعما أنزل الله ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ [النساء:٦٤] على ما كان منهم من صدود، وعلى ما كان منهم من خطأ وإعراض عنك. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] ؛ هل كل مذنب لا يُقبل منه استغفار ولا رجوع، أو لا تقبل له توبة حتى يأتي إلى رسول الله يستغفر له؟ الآية تقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ أي: بالمعصية، سواء كانت عامة أو خاصة في هذه القضية (جَاءُوكَ) يا محمد ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٦٤] ، هنا الشرط: لو أنهم جاءوا واستغفروا واستغفرت لهم لوجدوا المغفرة، هل المغفرة لا تقع لمذنب إلا إذا جاء واستغفر له رسول الله، أم أن التوبة بينك وبين الله وهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد؟ يقول تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] . ويقول سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة:١٨٦] ، فلا واسطة، لكن لماذا كانت الواسطة هنا؟ ف الجواب أننا ننظر في قضية المنافق هنا هل هو أعرض عن كتاب الله وحكمه فقط، أم أنه صد عن رسول الله ﷺ أيضاً؟ الجواب: أنه صد عن رسول الله أيضاً، إذاً: الرسول له حق في هذه القضية، فكأن مجيء المنافق إلى رسول الله ليستغفر الله بين يديه، إعلان لرجوعه وتوبته، وإذا استغفر له رسول الله فمعنى ذلك أنه أسقط حقه على ذلك المنافق، فيكون أهلاً لأن يغفر الله له. فمجيء المسيء في ذلك الوقت إلى رسول الله كان لحق رسول الله؛ لأن إعراضه عن حكم رسول الله فيه تعدٍ عليه وانتقاص له ﷺ . وهذا مثال بسيط: لو جئنا إلى دائرة من الدوائر وفيها المدير، واثنان من الموظفين تنازعوا فيما بينهم، والدائرة كبيرة وفيها أقسام وكل قسم فيه رئيس، هؤلاء العمال في هذا القسم لديهم رئيسهم، فلما حصل النزاع فيما بينهم تركوا رئيسهم وذهبوا إلى رئيس قسم آخر، ثم بعد مدة سمع رئيسهم بهذا؛ فما الذي سيكون في نفسه؟ سيقول: ذهبتم إلى غيري! معناه: أني لست كفؤاً لكم، وأنكم غير محسني الظن بي وهذا فكأن فيه هضماً لحق رسول الله فيما هو حق له في أن يحكم بين الناس بالعدل فتخطي هذا المنافق لرسول الله وإعراضه عن حكمه فيه هضم وتعدٍ على حقوق رسول الله؛ فكان من الواجب لرد هذا الاعتبار والحق أن يأتي إلى رسول الله لا أن يستغفر رسول الله، بل لكي يستغفر له رسول الله. وهل رسول الله سيستغفر له وهو ساخط عليه أم بعد أن يسامحه؟ إذاً: استغفار رسول الله لهذا الجائي إليه دليل على أنه سامحه، فإذا سامحه رسول الله فإنه سيجد الله تواباً رحيماً. وأمرهم بإتيان النبي ﷺ حتى يقروا بذنبهم؛ لأن الذنب هنا مشترك: جانب في حق الله، وجانب في حق رسول الله ﷺ ، وإلا فمَن في المشرق ومَن في المغرب ومن تحت الثرى، ومن في أعماق المحيط ومن في مركبة فضائية في الهواء، وسأل الله ودعاه؛ يجد الله أقرب إليه من حبل الوريد.

стр. 842

وقفة مع قوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ؟ ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥] . فقوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ [النساء:٦٥] ، ما الذي أحوجه إلى هذا القسم؟ وبماذا أقسم؟ ما قال: فورب السماء والأرض إنهم ولا قال: ورب الشعرى ولا قال: ورب السماوات والأرض ولا قال: ورب النفوس ولا قال: ورب الملائكة ولا قال: ورب جبريل بل قال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ [النساء:٦٥] ، لماذا؟ لأن المنافق حينما أعرض عن حكم رسول الله نزَّل من حقه ﷺ ، فيرفع المولى مكانة رسوله بأن يقسم بربه، لكن هنا ربط القسم ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ ، يعني: فلا تأخذ في خاطرك منهم ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا قيمة لهم ولا إيمان ولا تصديق ولا اعتبار لهم أبداً في مجال الإيمان ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ ، وليس هذا المنافق فقط بل الكل. ﴿فِيمَا شَجَرَ﴾ شَجَر: الشجار أصله مأخوذ من الشجر، والشجر إذا كانت أغصانه متقاربة فإنها تتداخل فيقال: متشابك متشاجر ولذا يقولون في اللغة العبرية: (مُوشَى) ماء وشجر، يعني: الذي وجد والتقط ما بين الماء والشجر، وغير العربية يقدمون المضاف إليه على المضاف، (موشى) يعني: شجر الماء. فهنا: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ﴾ يعني: تداخل والتبس عليهم. وهنا نقف وقفة ونقول: قد يحتكم الإنسان إلى من لا يرضى حكمه، فالمنافق لما جاء مع اليهودي إلى رسول الله هل احتكم معه عن رضا؟ لا. فحقيقة إيمان الأمة أن تأتي في الحكم إليه طائعة راضية إلى أقصى حد، ولا تجد في النفس حرجاً أبداً مما يصدر من قضائه ﷺ ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ والحرج: الضيق. ﴿ثُم لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: تسليماً مطلقاً عن رضا بهذا القضاء. وأعتقد أنه لا يوجد في العالم قاض يستحق هذا الحكم من الناس أبداً. يقولون: في بعض أسباب نزول الآية أيضاً شيءٌ آخر وهو: قضية سقي الزبير وجاره بالماء، ولا نريد أن نطيل المقام هنا. ننتقل إلى مثال آخر: لو كان هناك شخص مريض وجاء إلى طبيب كافر، فقال له الطبيب: أنت تحتاج إلى شق البطن وإلى خياط كذا، وإخراج كذا، وعملية جراحية كبيرة. إذا كان المريض ذا ثقة بهذا الطبيب الذي يملي عليه شروطه، تفعل كذا ولا تفعل كذا ويأتي يبنجه ويسلب إرادته بعد أن يوقع بالموافقة على العملية، فإذا وافق على العملية ومات فليس له دية ما دام الطبيب مشهوراً مجرباً، لا شخصاً متطبباً يتعلم الطب في أجسام الناس، فإنا نجد المريض في أمر بدنه -الذي نهايته الموت بهذا أو بذاك- يسلم كل التسليم، ويُسلب الإرادة والإحساس، ويقطع ويمزق ويخيط ويرقع فيه الطبيب الكافر كما شاء. وبعد أن ينتهي يقال له: يا دكتور! ما رأيك؟ إن شاء الله العملية تنجح! إذا كان هذا التسليم في أمر بدنك، فكيف برب العالمين يُعطي رسوله ﷺ حق الحكم فيما شجر بينكم؟!. انظر الصورة العملية! انظر التشريع! من أول آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨] ، ومن قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩] ، ومن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء:٦٠] . أي: فلماذا لا يحكمونك؟ ولماذا لا يرضون بحكمك وأنت تأخذهم بالرفق والحكمة، وأنت بالمؤمنين رءوف رحيم؟

стр. 843

قوله تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم ... ) ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء:٦٦] أي: لا أن يتحاكموا إليك، بل: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء:٦٦] وهذا من حقه أن يكتب علينا ما شاء، وقد كتبه على بني إسرائيل. فماذا سيكون موقفهم؟ ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ . إذاً: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ [النساء:٦٦] أي: في قولهم آمنا. جاء يهودي إلى عمر رضي الله تعالى عنه قال: لستم مثلنا، إن الله قد حكم علينا أن نقتل بعضنا بعضاً، وأنتم لم تؤمروا بذلك، فقال عمر: والله لو أمرنا ربنا أن يقتل بعضنا بعضاً لفعلنا، ولكن الحمد لله الذي لم يكلفنا ذلك. فهنا يبين المولى سبحانه بأنه لو أمرهم بهذا الحكم القاسي الشديد على النفس؛ ما كانوا يمتثلون إلا قليل منهم. إذاً: احمدوا ربكم الذي لم يكلفكم بهذا، وإنما كلفكم أن تتحاكموا فيما شجر بينكم إلى الحاكم العادل ﷺ ، ولو أنكم فعلتم هذا لكان خيراً لكم، وكان أكثر تثبيتاً على الإسلام والإيمان. ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٦٧] ، إذاً: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مطلقاً من أدنى التكليف إلى أقصاه، لوجدوا خيراً وآتاهم الله من لدنه أجراً عظيماً.

стр. 844

قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول ... ) ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٨] بسبب اتباع الرسول ﷺ . ما هو الصراط المستقيم؟ هو هذا: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُول﴾ [النساء:٦٩] . لنأخذ من أول آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩] . ثم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾ [النساء:٦٤] . و ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء:٦٥] . و ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [النساء:٦٩] . انظر الآيات الأولى في المنافقين والوعيد الذي توجه إليهم، وهنا ذكر حق الذين يطيعون الله ورسوله! ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] . سبحان الله! مع هؤلاء الذين بلغوا القمة ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] ، فإذا دعيت إلى اتباع رسول الله فأطعت، فأنت مع أولئك المذكورين، ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] . ارجع إلى سورة الفاتحة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة:٦-٧] . في الآية السابقة: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:٦٩] . ولذا جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها سمعته ﷺ في مرضه الأخير يقول: (في الرفيق الأعلى! في الرفيق الأعلى!) ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء:٦٩-٧٠] . فإذا وجد إنسان نفسه في ميوله وفي اختياره وفي رغباته تبعاً لما جاء به رسول الله، فليعلم بأنه على فضل عظيم من الله.

стр. 845

ترك الخيار في أمر الله ورسوله ولننتقل إلى سورة الأحزاب، فسنجد أن المولى سبحانه يعطل اختيار الفرد مع رسول الله، ولم يجعل للمؤمن حق الاختيار في أمره مع رسول الله ﷺ في الآية (٣٦) من الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ، أي: ليس لهم حق في ذلك. وهذه القضية تأتي في صميم حياة المسلمين، وفي أقرب من يكون لرسول الله ﷺ ، في زينب ابنة عمته، فقد جاء ﷺ وخطبها، فظنوا أنها لرسول الله ففرحوا، فتبين أنه يخطبها لـ زيد، وكان زيد مولى وكان الرسول قد تبناه، فأنزل الله القرآن وألغى التبني، فغضبوا وكرهوا خطبتها لـ زيد، كيف وهي في القمة من النسب من قريش؟! فهي ابنة عمة رسول الله ﷺ ، أيزوجونها لهذا؟ لكنه أمر الله، فلما كرهت وكره أخوها؛ نزلت الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] ، فجاء أخوها حالاً فقال: يا رسول! ماذا تأمرني؟ وحالاً تم العقد. في الواقع يبدأ الإنسان يقول: في بادئ الأمر هم معذورون، ولكن لا يعلمون ماذا عند الله؟ فإن الله يريد أن يشرِّع، وسبحان الله يا جماعة! فإن معضلات المشاكل العربية القبلية تُهدم في بيت رسول الله! كان العرب في الجاهلية يرون أن زوجة الابن بالتبني لا يمكن أن يتزوجها الأب، فيأمر المولى سبحانه رسوله أن يزوج زينب من زيد، وكان زيد ابناً بالتبني، ثم بعد ذلك يحصل النزاع بينهما، فيقول لها: اصبري! ويقول له: اصبر! لكن بعد ذلك: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٣٧] أي: أمن أجلهم كلهم يتحملها هو؟ قد كان بالإمكان أن يتزوجها قبل أن يمسها أحد. ولذا نرد على المستشرقين وعلى أولئك الذين يفتحون أبواقهم، وكذلك من يصيخ لهم السمع في تلك القضايا. ونقول: ابنة عمته كانت عنده قبل أن يتزوجها زيد، ولو كانت له رغبة فيها أو تطلع إليها لتزوجها قبل ذلك وهي أكمل ما تكون، فلما طلقها زيد (زَوَّجْنَاكَهَا) بالأمر لا بالاختيار. وبعد أن تزوجها زيد قد يمكن أن تكون نفسه لا تريدها أو أنه في غنى عنها، وعنده زوجات، لكن يُلزمه الله أن يتزوجها، ليقضي على تلك العادات، ويرفع ما كان عند المؤمنين من حرج في شخصية رسول الله. إذاً: لم يكن للمؤمن مع أمر الله ومع أمر رسوله أي اختيار، فهو مسلوب الإرادة، مسلوب الاختيار، بمعنى أن يلغِي اختياره وهواه، ويلغي ما يرغب فيه، وهكذا كان سلف الأمة.
следующие страницы →