← Джавами‘

Джавами‘ · id 7720

دروس الشيخ أحمد فريد

أحمد فريد

Полный текст (481 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

انتشار جيوش وسرايا المسلمين في الجزيرة بعد غزوة الأحزاب بعد أن أجلى الله يهود بني قريظة عن مدينة رسوله إلى غير عود قال النبي ﵌: (الآن نغزوهم ولا يغزونا)، وكانت هذه من علامات النبوة، فما قصد المشركون بعد ذلك مدينة رسول الله ﵌، بل كانت الجيوش والسرايا تخرج من المدينة تفتح البلاد، وتفتح قلوب العباد بدعوة الإسلام، فكان بعد ذلك في السنة الثالثة صلح الحديبية، ثم كان الفتح الأعظم فتح مكة في رمضان من السنة الثامنة، ثم كانت السنة التاسعة هي سنة انتشار الإسلام في جزيرة العرب، وخرج النبي ﷺ بجيش قوامه ثلاثون ألفاً -والعرب ليس لها طاقة بمحاربة جيش قوامه ثلاثون ألفاً- قاصداً شمال الجزيرة من أجل مقابلة الروم وحربهم، ففروا أمام جحافل الإسلام، وبعضهم صالح النبي ﷺ على الجزية، وكان هذا العام -التاسع- عام انتشار الإسلام في جزيرة العرب، وأتت الوفود إلى مدينة رسول الله ﵌ يقرون بالإسلام، أو يُعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، ثم كان في نهاية العام العاشر وبداية العام الحادي عشر حجة الوداع، وفي الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة توفي النبي ﷺ ، بعد أن دخل الناس في دين الله أفواجاً، وجاء نصر الله والفتح، وبعد أن أعطى النبي ﷺ الصحابة الكرام دفعة قوية، أضاءوا بها الدنيا وكسروا بها كسرى، وقصموا بها قيصر، وتحركت شمس الإسلام تنير المعمورة من الأرض، حتى دق المسلمون أبواب فيينا في أوروبا، ووصلوا إلى حدود الصين، هذه هي الفتوحات الإسلامية الأولى.

стр. 37

بشرى النبي ﷺ بالفتوحات في آخر الزمان بشر النبي ﷺ الأمة بأن الفتوحات الإسلامية الثانية سوف تكون أكثر من الفتوحات الأولى، وسوف تعم كل الأرض، قال ﷺ : (إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) رغم أنف أوروبا وأمريكا ورغم أنف روسيا ورغم أنف العلمانيين، والذين يسارعون في موالاة الكافرين نقول لهم: سوف تكون الفتوحات الإسلامية الأخيرة، وسوف ينتشر دين الإسلام، ولا يبقي الله بيت مدر ولا وبر إلا دخل فيه هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، وينتصر المسلمون على اليهود والنصارى كما بشّرت بذلك الأحاديث الصحيحة، واللقاء حتمي معروف. وبشر النبي ﷺ بأن الملاحم التي سوف تكون في آخر الزمان سوف تكون العاقبة فيها للمتقين، وسوف يرتفع دين الله وترفرف راية الإسلام من جديد ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الروم:٤ - ٥] فلا بد أن يثبت المسلمون على دين الله ، فإن هذه الحروب المعاصرة حروب صليبية بمعنى الكلمة، كما صرّح بذلك رئيس الكفر وإمامه، وهي حروب صليبية لا تستهدف الإرهاب، وإلا فلماذا لا يُحاربون الإرهاب في فلسطين؟ لماذا لا يحاربون إرهاب شارون؟ أم أن هذا ليس بإرهاب؟ فهم لا يقصدون الإرهاب كما يقولون، ولكنهم يقصدون كل بقعة من الأرض ترتفع فيها راية الجهاد ويراد فيها أن تكون كلمة الله هي العليا، هم يقصدون هذه البقاع من الأرض من أجل أن يقضوا على شعيرة الجهاد، ومن أجل أن يقضوا على الذين يجاهدون لإعزاز دين الله ، ولا يمكنهم ذلك، فإن النبي ﵌ بشّر ببقاء طائفة من الأمة ظاهرين يقاتلون من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا، فلا يمكن أن تخلو الأرض ممن يجاهدون لإعزاز دين الله ورفع رايته فإن الجهاد هو سبب عزة الإسلام، وسبب روحه وانتصاره. فلن ينتصر المسلمون بدون بذل وتضحية، قال ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك) أي: يجاهدون لإعزاز دين الله. فالطائفة الظاهرة ليست طائفة من علماء يقيمون الحجة على سائر أهل زمانهم، وينشرون سمة النبي ﷺ ، ولكن هذه الطائفة فيها علماء ومجاهدون، وفيها آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر، فالظهور عباد الله! في الجهاد والعلم والدعوة واتباع السنة، هذا الظهور الذي ذكره العلماء كما فسّر الإمام النووي بذلك هذا الحديث. فيجب أن يكونوا طائفة واحدة، بل أناس يقيمون الحجة العلمية، وأناس يجاهدون لأجل أن تكون كلمة الله هي العليا، وأناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فهذه الطائفة ستبقى في الأرض، ولا يمكن لقوى الشر والشرك أن تقضي على هذه الطائفة التي بشّر بوجودها رسول الله ﵌، ولن يمكِّن الله الكافرين في أي زمان أو مكان من أن يبيدوا خضراء المسلمين ويستأصلوا جذورهم، وإنما قد تحدث هزيمة عارضة كما حدث يوم أحد من أجل التمحيص والتربية، ومن أجل أن يتخذ الله ما يشاء من الشهداء، ولكن الصولة والجولة في النهاية لا تكون إلا للإسلام وأهله. فنحن نبشر المسلمين في كل زمان ومكان أن الأحزاب الكافرة التي تجتمع على الإسلام اليوم لا يمكن أن يحققوا هدفهم، ولا يمكن أن يصلوا إلى مطلبهم، بل سوف يعودون بصفقة الخسران وسوف تكون الجولة والصولة في النهاية للإسلام وأهله. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين! ورد كيده إلى نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه. اللهم أعزنا بالإسلام قائمين، وأعزنا بالإسلام قاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين، اللهم عليك بالأمريكان والباطنيين وسائر أوروبا الكافرة يا رب العالمين! اللهم دمّرهم تدميراً والعنهم لعناً كبيراً، اللهم كف بأسهم عن إخواننا بأفغانستان، وبسائر بلاد المسلمين، اللهم كن مع المستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم قو شوكتهم، وسدد رميتهم، وأجب دعوتهم، ووحد صفهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم عليك بـ شارون وبيريز وسائر اليهود، اللهم اجعلهم عبرة للأمم يا رب العالمين! اللهم جمّد الدماء في عروقهم، اللهم اجعلهم عبرة لخلقك يا رب العالمين! اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، واجعلهم لسائر خلقك عبرة وآية، اللهم انصر إخواننا في فلسطين، وانصر إخواننا في الشيشان وفي سائر البلاد التي يرتفع فيها علم الجهاد لإعزاز دينك. اللهم اهد شباب المسلمين، واهد أطفالنا وأطفال المسلمين، واهد نساء المسلمين للعفّة والحجاب والحياء يا رب العالمين، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وب

стр. 38

التخلص من الوهن إن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة؛ لذلك جعلها الله لقوم عجلت لهم طيباتهم فيها، وادخر الآخرة لعباده المؤمنين، فزهدوا في الدنيا ورغبوا في الآخرة، فأعز الله بهم الدين، وحقق بهم سعادة العالمين.

стр. 39

الوهن وأسبابه وكيفية التخلص منه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤].

стр. 40

سبب ذل المسلمين وهوانهم ما الذي أصاب أمة الإسلام عباد الله! فتسلط عليهم اليهود في فلسطين، وتسلط عليهم الصرب في البلقان، وتسلط عليهم الهندوس في الهند الوثنية الكافرة، وتسلطت عليهم الحكومات العلمانية في سائر البلاد التي تنتسب إلى الإسلام وأهله؟ ما الذي أصاب أمة الإسلام عباد الله! فهز كيانها وأضعف قوتها، وكان سبب ذلتها وهوانها؟ لقد شخص النبي ﷺ المرض الذي أصاب الأمة قبل أربعة عشر قرناً من الزمان، فقال ﷺ : (يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟! قال: بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور عدوكم منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟! قال: حب الدنيا وكراهية الموت)، وما كان الصحابة ﵃ يعرفون الوهن، بل كانوا يعرفون العزة والرفعة والكرامة، كانوا يعرفون طريق النصر وطريق الشهادة في سبيل الله ، ولكنهم سألوا عباد الله من أجل أن نستفيد نحن؛ لأنه قد أصابنا الوهن: (فقالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت). وليس المقصود بالموت في الحديث: الموت الذي كتبه الله على بني آدم؛ فإن الصحابة ﵃ كانوا يكرهون هذا الموت أيضاً، فلما قال لهم النبي ﷺ : (من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. قالوا: كلنا يكره الموت. قال: ليس ذاك، إن المؤمن إذا فرج له عما هو قادم عليه أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه). فالموت الذي كتبه الله على بني آدم كل العباد يكرهونه؛ لأنه مصيبة، قال : ﴿فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة:١٠٦]. فلا يصاب أحد في الدنيا بمثل مصيبة الموت، ولكن الموت الذي هو الشهادة في سبيل الله كان الصحابة يحبونه، كما قال خالد ﵁ للروم: أتيتكم بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة. فكانوا يتطلعون إلى الشهادة في سبيل الله ، ويحبون البذل والتضحية لإعلاء دين الله ، وهذا الوهن الذي أصاب الأمة عباد الله! هو حب الدنيا والتعلق بها، وكراهية البذل والإنفاق، وكراهية الموت في سبيل الله ، وقد حكى الله عن الكفار أنهم يغترون بظاهر الدنيا وزينتها، فقال : ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢]. فالمؤمن عباد الله لا يغتر بالدنيا، ولا تذهله فيها الأضواء، ولا تفتنه فيها الشهوات؛ لأن همته أعلى من الدنيا، هو لا يرغب في الدون، ولا يبيع الأعلى بالأدنى بيع الخاسر المغبون، آماله كلها في الآخرة، وأحلامه كلها في الآخرة، فهو يرغب في الشهادة في سبيل الله ، ويرغب في درجات الشهداء: (فإن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض)، فلما تعلق المسلمون بالدنيا، وأشرب حب الدنيا في قلوبهم، وكرهوا البذل في سبيل الله ؛ أصابهم ما أصابهم من الذل والهوان، كما قال النبي ﷺ : (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد؛ سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم). ووالله ما هذا الذل الذي أصاب المسلمين إلا لأن الناس رضوا بالدنيا واطمأنوا بها، وكانت هي مبلغ علمهم، وغاية آمالهم وأحلامهم، كيف يرتفع دين الله ، وكيف تعلو راية الله ، وكيف يرفرف علم الإسلام من جديد على المعمورة دون بذل من المسلمين، ودون إعلاء لكلمة رب العالمين؟ كيف ترتفع راية الإسلام وشجرة الإسلام لا تروى بالماء، ولكنها تروى بالدماء؟! أصاب المسلمين الوهن وهو حب الدنيا والتعلق بها، والرغبة في شهواتها، وزهدوا في الآخرة الباقية الدائمة، والله قد أمرنا بالزهد في الدنيا، وقد رغبنا في الآخرة، فقال : ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال:٦٧]، وقال : ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ [الرعد:٢٦]، وقال: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ﴾ [القيامة:٢٠ - ٢١]، وقال : ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧]، وقال : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْن

стр. 41

بيان حقارة الدنيا بالنسبة للآخرة بين النبي ﵌ حقارة الدنيا وزهدنا في شهواتها، فقال ﵌: (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع)، وقال ﵌: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء). فلو كانت الدنيا تعدل جناح بعوضة عند الله ما سقى كافراً منها شربة ماء، ولكنكم ترون الكفار والفجار أكثر حظاً ونصيباً من الدنيا؛ وذلك لحقارتها عند الله ، بل قال الله : ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥]. أي: لولا أن تكون الفتنة شديدة على أهل الإيمان فيصيرون أمة واحدة -أي: على الكفر- لجعل الله لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج عليها يظهرون، أي: أبراجاً وسلالم عليها يظهرون. قال: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٤ - ٣٥]. ثم جمع الله الآخرة الباقية الدائمة، فجعلها كلها للمتقين، فقال : ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥]. (مر النبي ﷺ والناس كنفيه -أي: من حوله- بجدي أسك ميت -أي: مقطوع الأذن- فتناوله بأذنه وقال: أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟ فقالوا: والله ما نحب أنه لنا بشيء، والله لو كان حياً لكان عيباً فيه أنه أسك، فقال النبي ﵌: والله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)، أي: كما زهدتم في هذا الجدي الأسك الميت، فالدنيا أهون على الله من هذا عليكم. وقال ﵌: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالماً ومتعلماً)، وقال ﷺ : (ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل رجل قال في ظل شجرة ثم راح وتركها).

стр. 42

ذكر الأسباب التي جعلت الدنيا رأس كل خطيئة حب الدنيا رأس كل خطيئة، والسكر بحب الدنيا أعظم من السكر بالخمر؛ لأن الذي يصيبه السكر بالخمر يفيق غالباً وهو في الحياة، أما من يسكر بحب الدنيا فلا يفيق غالباً إلا في عسكر الموتى نادماً بين الخاسرين.

стр. 43

حب الدنيا حب لما أبغضه الله ورسوله وتعظيمها تعظيم لما حقره الله ورسوله قالوا: وإنما كان حب الدنيا رأس الخطايا من وجوه: الوجه الأول: أن العبد إذا أحبها فقد أحب ما يبغضه الله ، وما يبغضه رسوله ﵌. الوجه الثاني: أنه إذا أحبها عظمها وهي حقيرة عند الله ، وعند رسوله ﷺ ، فيقع في تعظيم ما حقره الله ، وما حقره رسوله ﵌، وكفى بذلك فتنة.

стр. 44

حب الدنيا يمنع من سعي العبد للآخرة الوجه الثالث: أنه إذا أحبها صيرها غايته، فيكون سعيه كله للدنيا، وأمله كله في الدنيا، فلا يسعى للآخرة سعيها، ولا يرجوها، ولا يعمل لها العمل اللائق بها، وهذا شر منكوس وقلب معكوس من كل وجه، قال الله : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:١٥ - ١٦]. فعمله كله في الدنيا من أجل الدنيا، حتى الأعمال التي يتقرب بها إلى الله من طلب العلم النافع، أو الصلاة أو الصدقة أو الجهاد أو غير ذلك، فإنما يتوسلون بذلك إلى الدنيا لما في قلوبهم من حبها. وفي حديث مسلم خبر الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: الذي قرأ القرآن من أجل أن يقال: قارئ، والذي أنفق من أجل أن يقال: متصدق، والذي جاهد وقاتل من أجل أن يقال: شجاع أو جريء، فانظروا إلى حب الدنيا عباد الله كيف حرم هؤلاء من الأجر في الآخرة، وكانوا أول الداخلين إلى النار؛ لأن الله أغنى الشركاء عن الشرك. والذي يعبد الله بالرياء مثله كمثل رجل دخل السوق ومعه كيس مملوء بالحصى، فكلما رآه أحد قال: ما أملأ كيسه! فإذا وقف عند البائع وأخذ ما أراد، ثم أخرج ما في كيسه ضرب به وجهه ولم ينل به شيئاً، ولم يكن له إلا قول الناس: ما أملأ كيسه! قال النبي ﵌: (من طلب علماً مما يبتغى به وجه الله لا يطلبه إلا ليصيب به عرض الدنيا لن يجد عرف الجنة يوم القيامة) أي: لا يجد ريح الجنة يوم القيامة؛ لأنه طلب العلم للدنيا، وإنما ينشأ ذلك من حب الدنيا.

стр. 45

حب الدنيا يضر بصاحبه ويمنع من الإيمان جملة الوجه الرابع: أن حب الدنيا يدخل على العبد الضرر ولابد، فمن الناس من يمنعه حب الدنيا عن الإيمان جملة، فلا يؤمن بالله ، فقد يكون له من الجاه ومن السلطان كالقسيسين والرهبان، والذين يتبوءون المناصب التي يصدون بها عن سبيل الله ، ويحاربون أولياء الله ، وهم يعتقدون أنهم مخطئون في ذلك، وأن الحق في دين الله ، وفي الدعوة إليه، وأن الدعاة إلى الله على حق، ومع ذلك يحاربون أولياء الله ، والذي يمنعهم من أن يصرحوا بالحق أو يعملوا به هو حبهم للدنيا، فحب الدنيا قد يمنع العبد من الإيمان جملة، فيستمر على كفره وإعراضه وصده عن سبيل الله . ومنهم من يمنعه حب الدنيا عن أداء الواجبات. ومنهم من يمنعه حب الدنيا عن أداء واجب يعارض تحصيلها وإن قام بغيره، وأقل شيء عباد الله! أن حب الدنيا يحرم العبد من سعادة الدنيا والآخرة، وكمال سعادة العبد في الدنيا والآخرة: أن يكون ظاهره وباطنه لله ، وأن يكون بقلبه وقالبه مع الله ، فهذا إذا وقف في الصف عباد الله فهو يتفكر في شهواته، ويتفكر في أمواله ومقاولاته، ولا يتفكر فيما يتدبره من قرآن، أو ما يذكره من أذكار، وإنما قلبه يهيم في الدنيا، كما قال بعضهم: يخبرني البواب أنك نائم وأنت إذا استيقظت أيضاً فنائم أي: حتى في اللحظات التي يؤدي فيها العبادات والواجبات هو مشغول ومشغوف بالدنيا، فهو بالشام مقيم، وقلبه بمصر، يتفكر في شهواته وفي دنياه، فحب الدنيا يدخل على العبد الضرر ولابد.

стр. 46

حب الدنيا يؤدي إلى جعل الدنيا أكبر هم من يحبها الوجه الخامس من أضرار حب الدنيا: أن العبد إذا أحبها كانت أكبر همه، وقد قال النبي ﵌: (من كانت الدنيا نيته فرق الله عليه شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم ينل منها إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة نيته جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة). فليس معنى: أن العبد يحب الدنيا، ويحرص على شهواتها وأعراضها أنه سوف يصير أغنى الناس، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص، ولا يرده كره كاره، بل يعذب بالفقر فيها، ويطلبها فتفلت منه.

стр. 47

حب الدنيا سبب تعذيب العبد في الدنيا والآخرة الوجه السادس من ذلك: أن محب الدنيا يعذب بها في الدور الثلاث ولابد، كما قال الله : ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥]. فالله سبحانه يعذبهم في الدنيا بجمعها، والسعي وراءها وتحصيلها من الوجوه المباحة وغير المباحة، قال تعالى: ((فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)) أي: يعذبهم في الدنيا بجمعها والحرص عليها، ومنع حق الله فيها، ويعذبهم عند الموت كذلك بمفارقة الأموال التي جمعوها، والدنيا التي أحبوها، ((وَهُمْ كَافِرُونَ)) بمنع حق الله فيها. وإن من أشد الناس حسرة يوم القيامة رجل بذل عمره كله في جمع المال، فجمع الأموال من الوجوه المباحة وغير المباحة، ولم يخرج الزكاة الواجبة، ولم ينفق في أوجه الخير، ثم ورث هذا المال أناس صالحون فتصدقوا من هذا المال، وتقربوا به إلى الله فكان لهم حلاوته، وعليه مرارته، فهو بذل عمره يجمع لهم، ولكنه بخل على نفسه، ولم يقدم لحياته، ثم ورث المال من أنفقه في وجوه الخير، وقد جاء عن النبي ﷺ : (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟)، لأن ما قدمه العبد هو ماله، وما تركه لورثته فهو مال وارثه، فالعبد الذي يحب الدنيا يجمعها ويحرص عليها، ولا يتقرب بها إلى الله .

стр. 48

حب الدنيا سبب في سفه العقل وقلة الحلم الوجه السابع: أن محب الدنيا من أسفه الناس عقلاً، ومن أقلهم حلماً؛ لأنه قد تعلق بوهم زائل. يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها إن اغتراراً بظل زائل حمق فأشبه الأشياء بالدنيا عباد الله! ظل تحسب أن له حقيقة وهو في تخلص وإلى زوال، وأشبه الأشياء بالدنيا كما قال تعالى: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [النور:٣٩]. وأشبه الأشياء بالدنيا عباد الله! رجل نائم رأى في منامه ما يحب وما يكره، فبينما هو كذلك استيقظ. وأشبه الأشياء بالدنيا عجوز شمطاء شوهاء تزينت للخطاب بكل زينة، وسترت كل قبيح، فاغتر بها من لم يجاوز بصره ظاهرها، فطلب النكاح فقالت: لا مهر إلا فقد الآخرة، فإننا ضرتان، واجتماعنا غير مأذون به ولا مستباح، فقال: ما على من أراد وصال محبوبته من جناح، فطلق الآخرة رغبة في وصالها، فلما خلا بها وكشف قناعها وفك إزارها، إذا كل آفة وبلية، فمنهم من طلق واستراح، ومنهم من آثر المقام، فما استتمت ليلة عرسه إلا بالصراخ والعويل، تالله لقد أذن مؤذنها على رءوس الخلائق بحي على غير الفلاح، فقام المجتهدون والمصلون لها فواصلوا غدوهم بالرواح، فلم يحمد القوم السرى عند الصباح، ووقعوا في شبكتها فأسلمتهم للذباح، وخرجوا في طلبها فما رجع منهم أحد إلا وهو مكسور الجناح. يشبه العلماء الدنيا والآخرة -ولله المثل الأعلى- بملك بنى مدينة في أطيب مكان وأرفعه وأعلاه، وأطيبه هواء، ثم دعا الرعية إلى هذه المدينة وقال: من سبق إلى برج فهو له، ومن سبق إلى قصر فهو له، ومن سبق إلى غرفة فهي له، وشق إلى هذه المدينة طريقاً، وجعل في بداية الطريق ميداناً، وجعل في الميدان شجرة عجيبة عليها من أنواع الثمار والطيور والأزهار، فخرج الناس يطلبون مدينة الملك فمروا بهذا الميدان على هذه الشجرة، فجلسوا تحت الشجرة، وأعجبوا بالشجرة وما عليها من ثمار، وأزهار وأطيار وقالوا: كيف ننفر في الحر ونترك هذا الظل الظليل، والنقد خير من النسيئة، وذرة منقودة ولا برة موعودة، وجلسوا تحت الشجرة عباد الله! ثم قام من كل ألف رجل رجل، وقال: لا نترك مدينة الملك إلى هذه الشجرة، فعما قليل تسقط أوراقها، وتموت أطيارها وتنتهي ثمارها، ويحرقها قيمها، وخرجوا إلى السباق، ولم يشغلهم قلة الرفاق، يطلبون مدينة الملك، ويجتهدون في الوصول إلى بروجها وإلى نعيمها الدائم، ثم عما قليل حدث ما أخبروا به، فماتت الأطيار، وانتهت الثمار، وسقطت الأوراق، ثم أحرقها قيمها، فأحاطت النار بمن تحتهم، فقالوا: أين الذين تركونا وتسابقوا إلى مدينة الملك؟ فقيل لهم: انظروا فرأوهم يتمتعون في أبراجها، ويتفكهون في ظلالها، فتندموا على ما فاتهم من الخير، وزاد من حسرتهم أنه حيل بينهم وبينما يشتهون: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل:١١٨]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 49

الزهد في الدنيا والتطلع إلى الآخرة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد:

стр. 50

تعريف الزهد الزهد هو: الإعراض عن الشيء لاستقلاله واستحقاره، والرغبة فيما هو خير منه، وإنما ينشأ الزهد في الدنيا عباد الله نتيجة لليقين بقول الله : ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧]. فكلما ازداد يقين العبد بقول الله : ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧]، فإنه يزهد ولابد في الدنيا ويرغب في الآخرة، فإن الدنيا مثلها كمثل قطعة الثلج رخيصة الثمن سريعة الذوبان، والآخرة كالجوهرة غالية الثمن باقية لا تذوب، فينشأ الزهد نتيجة لليقين، بقول الله : ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧].

стр. 51

درجات الناس في الزهد الناس في الزهد عباد الله! على درجات: من الناس من يزهد في الدنيا هو لها هو مشته وقلبه إليها مائل، ولكنه يجاهد نفسه، فهذا لا يستحق اسم الزاهد، وإنما يسمى متزهداً. الصنف الثاني عباد الله! من يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة، ولكنه يرى أنه قد ترك شيئاً، فيكون حاله كحال من ترك خزفه وأخذ جوهره، فهو يرى أنه قد ترك شيئاً. الصنف الثالث عباد الله! من زهد في الدنيا فأعرض عنها وأراد الآخرة، ولا يرى أنه قد ترك شيئاً، ويكون حاله كحال من أراد الدخول على الملك، فمنعه كلب على باب الملك، فألقى إليه لقمة شغله بها، ثم أخذ في الدخول على الملك ونال عز اللقاء، وأخذ من الملك ما أراد. فالدنيا عباد الله! هي كلقمة، والشيطان هو كلب على باب الملك، فمن ألقى إليه الدنيا فإنه يخلو بالملك، وينال عز الدنيا والآخرة.

стр. 52

دوافع الناس إلى الزهد من الناس من يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة؛ لأن السعي في الدنيا يتعب القلب والبدن، والزهد يريح القلب والبدن، كما قال الحسن البصري: الزهد في الدنيا يريح القلب ويريح البدن، فهو لا يشغل قلبه بالدنيا والحرص عليها، ولا جوارحه بشدة السعي فيها. ومن الناس من يزهد في الدنيا خشية أن تنقص من حسناته، كما قال عمر ﵁: لولا أني أخاف أن تنقص من حسناتي لخالطتكم في طيب عيشكم، ولكني سمعت الله عير قوماً فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠]. ومن الناس من يزهد في الدنيا؛ لما يرى من قلة وفائها، وكثرة جفائها وخسة شركائها، كما قيل لبعضهم: ما الذي زهدك في الدنيا؟ قال: قلة وفائها، وكثرة جفائها وخسة شركائها؛ لأنه إما أن ينافس الكفار الذين اغتروا بالدنيا وزينتها، أو ينافس أهل الشهوات والترف والرغبة فيها، ولا ينافس أهل الرغبة في الآخرة. من الدوافع إلى الزهد كذلك عباد الله: أن العبد الذي يرغب في الدنيا قد يتكدر عليه عيشه مع الله ، ولا تخلص له حلاوة الإيمان، أي: لا يكون مشغولاً بقلبه وجوارحه بالله .

стр. 53

المفهوم الصحيح للزهد ليس الزهد عباد الله! نفض الدنيا من اليد، ولكن الزهد أن تخرج الدنيا من قلبك، فقد كان عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان والزبير بن العوام من أغنى الصحابة ﵃، ومع ذلك كانوا أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الآخرة. لما أراد النبي ﷺ أن يجهز جيش العسرة أتى عثمان ﵁ بألف دينار -أي: عملة ذهبية- وصبها في حجر النبي ﷺ ، فتهلل وجه النبي ﷺ وقال: (ما ضر ابن عفان ما فعل بعد اليوم). فليس الزهد في الدنيا عباد الله أن تخرجها من يدك وهي في قلبك، فقد تكون فقيراً -يعني: من الدنيا- ولكنك من أرغب الناس فيها، وقد تكون مملوء اليد من الدنيا، ولكنك من أزهد الناس فيها، كما قيل لبعضهم: ما رأينا أزهد منك، فقال: الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا راغمة فزهد فيها. فهذا أويس القرني إمام من أئمة التابعين، بشر بوجوده رسول الله ﷺ ، وطلب من الصحابة أن يطلبوا من هذا التابعي أن يستغفر لهم؛ لمنزلته عند الله ، اختلف الناس هل هو أزهد أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال بعضهم: عمر بن عبد العزيز، وقال بعضهم: أويس القرني؛ لأنه لو ملك الدنيا لزهد فيها، فقال الذي يرجح عمر بن عبد العزيز: إن عمر بن عبد العزيز قد ملك الدنيا وزهد فيها، ولا تجعل من جرب كمن لم يجرب.

стр. 54

أحوال النبي ﷺ ومن تبعه بإحسان في الدنيا وزهدهم فيها الناظر في حال النبي ﵌ والصحابة الكرام يعلم قيمة الزهد في الدنيا ويعلم حقارتها، فقد كان من حاله ﷺ وحال أصحابه ما يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة. قالت السيدة عائشة ﵂: (إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين، ولا يوقد في بيت من بيوت رسول الله ﷺ نار) أي: لا يطبخ في بيت من بيوته الشهرين الكاملين. قال عروة: فما كان يعيشكم يا خالة؟ قالت: الأسودان: التمر، والماء، أي: أنهم كانوا يأكلون التمر والماء أكثر الأيام، إلا أنهم كانوا يشربون اللبن أحياناًً، تقول عائشة: (إلا أنه كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، وكانت عندهم منايح -جمع منيحة وهي: الناقة ذات اللبن- فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناه). وذكر عمر بن الخطاب ما أصاب الناس من الدنيا، فقال: (لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم يتلوى ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه)، والدقل: هو رديء التمر. وتقول عائشة ﵂: (ما شبع رسول الله ﷺ من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض ﷺ ، ليس من خبز القمح، ولكن من خبز الشعير! وأخرجت كساء غليظاً، وإزاراً ملبداً -أي: كثير الرقع- فقالت: (قبض رسول الله ﵌ في هذين) بأبي هو وأمي وهو سيد ولد آدم، وسيد الأولين والآخرين. وقالت: (كان فراش رسول الله ﷺ الذي ينام عليه أدماً حشوه ليف). (دخل عليه عمر ﵁، فبكى لحاله ﷺ ، ينام على حصير مرمل قد أثر الحصير في جنبه -أي: جعل في جنبه خيوطاً- فبكى عمر ﵁ فسأله رسول الله ﷺ عن سبب بكائه، فقال: ذكرت كسرى وقيصر وهم ينامون على الحرير والديباج، فقال رسول الله ﷺ : أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا). فلو كانت الدنيا لها قيمة عند الله ما حرم منها رسول الله ﷺ ، ودرج الصحابة الكرام على هذا الزهد فكانوا أزهد الناس؛ فكان عمر يخطب الناس وقد لبد بين كتفيه برقاع ثلاث في مكان واحد. ولما ذهب عمر ﵁ إلى الشام من أجل أن يستلم مفاتيح بيت المقدس قال: أين أخي؟ قالوا: من؟ قال: أبو عبيدة بن الجراح. قالوا: يأتيك الآن، فأتى أبو عبيدة، فقبل يد عمر واعتنقه عمر ﵁، وذهب معه إلى داره، فنظر عمر في داره -وهو أمير الجيوش وأمير الشام- فما وجد في بيته إلا سيفه وترسه ورمحه، فقال: لماذا لم تتخذ ما اتخذ أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! هذا يبلغنا المقيل. عن فضالة بن عبيد ﵁ قال: (كان أناس يخرون من قامتهم في الصلاة خلف رسول الله ﷺ من الفاقة -أي: من شدة الجوع والفقر، أو من الخصاصة- فإذا صلى رسول الله ﵌ ذهب إليهم، وقال: لو تعلمون ما لكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة). يقول محمد بن سيرين: دخلنا على أبي هريرة ﵁ وعليه ثوبان ممشقان من كتان فمخط في أحدهما، ثم قال: بخ بخ أبو هريرة يتمخط في الكتان! لقد رأيتني أصرع بين منبر رسول الله ﷺ ، فيجيء الجائي فيجلس على صدري، يحسب أن بي الجنون -أي: الصرع- وما بي إلا الجوع. فكان من حال الصحابة -وهم أفضل الناس بعد الأنبياء والرسل- من التقلل في الدنيا، ومن الفقر والحاجة، ومن الرغبة في الآخرة؛ ما يدل على شرفهم وفضلهم وعظيم مكانتهم. قال عبد الله بن مسعود للتابعين: لأنتم أكثر عملاً من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولكنهم كانوا خيراً منكم، كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة. فهل ترون الزهد عباد الله! شيئاً عارضاً يتخلق به العبد، أو أن الزهد يكون سبباً لخيرات الدنيا والآخرة؟ فالعبد إذا زهد في الدنيا زهد في أعراضها وشهواتها وأموالها، وسعى للآخرة سعيها. والعبد إذا زهد في الدنيا عباد الله! بذل نفسه طلباً للآخرة، وهكذا كانت آيات الصدق عند الصحابة ﵃ لم تكن الدنيا عندهم بشيء. وقال أبو الدرداء: لئن حلفتم لي على رجل أنه أزهدكم لأحلفن لكم أنه خيركم. فالعبد إذا زهد في الدنيا كان سعيه للآخرة، وكان عمله لها، فلا يلتفت إلى الدنيا، ولا تشغل باله ولا جوارحه. اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك. اللهم اقسم لن

стр. 55

التقوى التقوى منة من الله على عباده، وهي سمو في التدين يتضمن طاعة الله ومراقبته سراً وجهراً، ولشرف التقوى وفضلها شرف الله أهلها في الدنيا والآخرة، وآتاهم ثمرة عملهم طيبة في الدارين، كرماً منه وجوداً على عباده جزاء ما قدموا.

стр. 56

أهمية التقوى والوصية بها الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون. وأشهد أن لا إله إلا الله، خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان؛ ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤]. أخذت الأرض زخرفها وازينت، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، واغتر الناس بظاهر الدنيا وزينتها، وغفلوا عن شرف التقوى ونعيمها في الدنيا والآخرة، وهذا من الجهل البليغ والغفلة الشنيعة، فإن أهل التقوى هم ملوك الدنيا، كما أنهم ملوك الآخرة. والتقوى: أن يأخذ العبد وقايته من سخط الله ومن عذاب الله، وتضاف التقوى أحياناً إلى الله ثم تضاف أحياناً إلى يوم القيامة: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٨١]. وتضاف التقوى أحياناً إلى عذاب النار، كما قال : ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣١]. فإذا أمر الله عباده بتقواه فإنه يأمرهم حينئذ بأن يأخذوا الوقاية من التعرض لسخطه وعذابه وشديد عقابه، وأمر الله بتقواه يوم القيامة لأن يوم القيامة هو يوم العذاب، وهو الوقت الذي حدده الله للحساب، وإذا أتت الآيات بالأمر بتقوى النار، فالنار هي مكان العذاب الأكبر، فنسأل الله أن يقينا شر أعمالنا، وأن يقينا من عذاب النار.

стр. 57

التقوى هي وصية الله ورسله للأولين والآخرين التقوى عباد الله! هي وصية الأولين والآخرين، قال الله : ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١]. فلو كانت هناك خصلة هي أنفع للعباد في العاجل والآجل من تقوى الله لأوصاهم الله بها، فلما أوصى الله الأولين والآخرين بتقوى الله ، كانت التقوى هي الغاية. والتقوى كذلك عباد الله! هي وصية نبينا محمد ﷺ وآله وسلم؛ لما وعظ الناس موعظة بليغة، وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقالوا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا؛ لأن المودع يبلغ الغاية في الوصية، ويجتهد في إخلاصها، فلما أوصاهم وصية بليغة عظيمة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، قالوا: (يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد حبشي). وقال النبي ﷺ : (اتق الله حيثما كنتس، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن). وقال ﵌: (اتق المحارم تكن أعبد الناس). والتقوى عباد الله! وصية جميع الرسل الكرام لأقوامهم، كما قال : ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٠٥ - ١٠٦]. ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٢٣ - ١٢٤]. ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٤١ - ١٤٢]. ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٦٠ - ١٦١]. ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٧٦] * ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٧٧]. والرسل هم أنصح الناس للناس، وهم أعلم الناس بما يصلح الناس، فكل الرسل قد وصوا أقوامهم بتقوى الله . التقوى كذلك هي وصية السلف الصالح ﵃، كما قال بعضهم: اتق الله الذي لا بد لك من لقاه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة.

стр. 58

ذكر ما قيل في التقوى التقوى عباد الله! هي كما قال طلق بن حبيب: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله. وقوله: (على نور من الله): أي على علم وبصيرة. وقيل: التقوى هي: ألا يراك الله حيث نهاك، ولا يفتقدك حيث أمرك. وقيل: التقوى هي: العمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. وقيل كذلك في تعريف التقوى: هي علم القلب بقرب الرب.

стр. 59

لباس التقوى خير لباس التقوى عباد الله! هي أجمل عباءة يتزين بها العباد، فقد منَّ الله على بني آدم بإنزال اللباس الذي يوارون به السوءات، والرياش الذي يتجملون به، منّ الله عليهم بهذا اللباس الظاهر، وميز الله بين بني آدم وبين الحيوانات، بأن جعل الحيوانات مكشوفة السوءات، أما بنو آدم فقد أنزل الله لهم لباساً يواري سوءاتهم، كما قال : ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف:٢٦]. فاللباس ما يواري السوءات، والرياش ما يتجملون به، ثم قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]. فبعد أن منّ الله على عباده باللباس الظاهر الذي يستر عورات البدن في الدنيا، منّ الله عليهم بأجمل لباس وأحسنه، وهو الذي يواري عورات الظاهر والباطن، وهو الذي يستر العبد في الدنيا والآخرة، ويكون سبباً للنجاة في الدنيا والآخرة، هذا اللباس هو لباس التقوى، فقال : ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]. إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً وإن كان كاسياً وخير ثياب المرء طاعة ربه ولا خير فيمن كان لله عاصياً فالله يتمنن على عباده بهذه الملابس التي يوارون بها العورات والسوءات، والسوءة: ما يسوء ظهوره، فلا تظنوا عباد الله أن التبرج والعري مدنية وحضارة وتقدم، بل هو هبوط وسفول وحيوانية وشهوانية، فالله جعل بني آدم مستوري العورات والسوءات، وتمنن عليهم بهذا اللباس الظاهر، وهذا العري والتبرج والسفور والفجور عباد الله! ليس حضارة ولا مدنية، بل هو عقوبة من الله للعباد على ذنوب أخرى اقترفوها. ألم تروا إلى آدم وحواء كيف بعد أن عصوا الله بدت لهما سوءاتهما، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، كما قال الله : ﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧]. فالله شرع للعباد ما يستر العورات والسوءات، وتمنن عليهم بذلك، ثم تمنن بأحسن لباس وهو لباس التقوى، فقال : ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦].

стр. 60

خير الزاد التقوى أمر الله بالتزود لسفر الدنيا، فقال : ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة:١٩٧]. ثم أخبر الله أن خير الزاد هو التقوى، وأمر بالتزود من خير الزاد، فقال : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]. قيل: نزلت هذه الآية الكريمة في أهل اليمن، كانوا يذهبون إلى الحج ولا يتزودون للسفر، ويقولون: نحن أضياف الله، أفلا يطعمنا؟ ثم يصيرون كلاً على الناس ويسألون الناس بعد ذلك. فأمرهم الله بالتزود لسفر الدنيا، ثم أمرهم الله بالتزود لسفر الدنيا والآخرة وهو زاد التقوى، فقال : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧].

стр. 61

ولاية التقوى وشرف الانتساب إليها والأمر بالتعاون عليها أهل التقوى عباد الله! هم أولياء الله : ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال:٣٤]،وهم كذلك أولياء رسول الله ﵌. وقال الله : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]. فأولياء الله هم المتقون، وهم أكرم الناس بحكم الله وبحكم رسوله ﵌، ليس بالحسب ولا بالنسب، وليس بالشهرة ولا بالمال والجاه والسلطان، وإنما الشرف بتقوى الله ، كما قال الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. (وسئل النبي ﵌ عن أكرم الناس؟ فقال: أتقاهم لله . فليس هناك نسب عباد الله! أشرف من نسب التقوى. فهذا سلمان ﵁ لم يكن عربياً فضلاً عن أن يكون قرشياً، والنبي ﵌ يقول: (سلمان منا أهل البيت). لقد رفع الإسلام سلمان فارس وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب فكيف رفع الإسلام سلمان فارس عباد الله حتى قال النبي ﵌: (سلمان منا أهل البيت)؟ وكيف وضع الكفر عم النبي ﵌ أبا لهب، وقد بشره الله بالنار وهو في الدنيا، فقال : ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥]؟ كان سلمان يقول: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم من شرف التقوى عباد الله! أن الله أمر العباد بالتعاون عليها، ونهاهم عن التعاون على ما يخالفها، فقال : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢].

стр. 62

أعلى درجة في الدين درجة التقوى إن شجرة التقوى عباد الله أطيب من شجرة الإيمان، وإن شئت قلت: شجرة التقوى عباد الله! هي أطيب شجرة من شجرات الإيمان؛ لأن التقوى منزلة أعلى من منزلة الإيمان، مع أن منزلة الإيمان منزلة عالية، فقد زعمت أعراب بني أسد الإيمان، ونفى الله هذه المنزلة الشريفة والدرجة المنيفة عنهم، فقال : ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]. ولكن منزلة التقوى أشرف من درجة الإيمان، سئل النبي ﵌ كما في حديث جبريل عن الإسلام فقال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت) فأخبر النبي ﵌ أن الإسلام هو استسلام الظاهر لله ، وهو شهادة الحق، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، ثم سئل ﵌ عن الإيمان فقال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره). فهذه الدرجة الثانية عباد الله، فمن عبد الله بدرجة الإسلام، واستسلم ظاهره لله ، فهو آمن من الخلود في النار، ولكنه لا يأمن من دخول النار بالكلية. ومن عبد الله بدرجة الإيمان فإنه آمن من عذاب النار، وإنه يدخل الجنة من أول وهلة؛ لأن الله وعد المؤمنين أجراً عظيماً. وقال : ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٦]. وبشر الله المؤمنين بالفضل الكبير، فقال : ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٧]. أما الدرجة العالية فهي درجة الإحسان وهي درجة التقوى، (سئل النبي ﵌ عن الإحسان فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) فهذه هي درجة التقوى: أن يحسن العبد إيمانه وعبادته لله ، فكأنه يرى الله وهو يعبده، ولا شك أن العبد إذا كان يعتقد أنه يرى الله ويحس بأنه يراه، لا شك أنه يأتي بالعبادة على وجهها. ولما كان هؤلاء يعبدون الله على المشاهدة والحضور، كأنهم يرون الله وهم يعبدونه، كان جزاؤهم في الآخرة الحسنى وزيادة، والحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله ، فلهم أوفر نصيب من أعظم نعيم أهل الجنة، فلهم الجنة وزيادة، والزيادة: هي النظر إلى وجه الله الكريم.

стр. 63

ثمرات التقوى في الدنيا فدرجة التقوى عباد الله! درجة عالية، وشجرتها من أطيب شجرات الإيمان، فهي لا تثمر ثمرات في الدنيا وحدها، ولكنها تثمر ثمرات طيبة يانعة في الدنيا والآخرة، فيجني العبد المتقي من ثمرات التقوى في الدنيا قبل الآخرة، ويتمتع بنعيم التقوى في الدنيا قبل الآخرة. فمن ثمرات شجرة التقوى في الدنيا: أن الله يجعل للعبد من كل ضيق فرجاً، ويرزقه من حيث لا يدري ولا يحتسب، كما قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. من ثمرات التقوى: أن الله يجعل للعبد من أمره يسراً، وييسر للعبد جميع أموره، فمهما قصد أمراً من الأمور أو مصلحة من المصالح يسرت له، كما قال : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق:٤]. من ثمرات التقوى في الدنيا كذلك: أن التقوى هي التأمين الرباني الحلال الذي جعله الله لعباده المتقين، ليس بالمتاجرة بعقول الناس وأموالهم، وبمص دماء الناس بدعوى التأمين على الحياة، فالتأمين ربا وقمار، أما التقوى فتأمين رباني شرعه الله لمن أراد أن يحفظ الله ذريته في الدنيا والآخرة، فقال : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩]. فمن أراد أن يحفظ الله ذريته، وأن يبارك له في ذريته فعليه بتقوى الله . كان سعيد بن المسيب يقول لابنه: لأزيدن في صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك، وتلا قوله : ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:٨٢]. فانظروا إلى صلاح الآباء وتقواهم كيف يكون سبباً في حفظ الأبناء. التقوى كذلك عباد الله: سبب لبركات السماء والأرض. وانظروا عباد الله! كيف يعيش الناس حياة الضنك والضيق، والفقر والشقاء والنقص في كل شيء؛ لأنهم ضيعوا تقوى الله ، والله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]. وقال : ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾ [الجن:١٦]. أهل التقوى عباد الله! لهم من الهيبة والشرف والوقار في قلوب الخلق ما يفوق شرف أهل السلطان، كما قال بعض الناس: قتلني حب الشرف -أي: حب الرفعة في الدنيا- فقال له أحد العلماء: لو اتقيت الله شرفت. وفي ذلك قيل: ألا إنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والسقم وليس على عبدٍ تقي نقيصة إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم وانظروا عباد الله! إلى العلماء الأعلام، والأئمة الكرام كيف كان لهم من الهيبة والوقار حتى كانت الملوك تهابهم، فهذا الإمام مالك كان تهابه الملوك، وكان الأمراء يجلسون في مجلسه أذلاء، لا يكلم أحد أحداً، وكان يسأل فيقول: نعم أو لا، ولا يقال له: من أين قلت هذا، وما دليلك على ذاك؟ بل مدحه أحدهم فقال: يدع الجواب ولا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقانِ نور الوقار وعز سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطانِ التقوى عباد الله! سبب للحفظ من كيد الأعداء، كما قال : ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠]. التقوى كذلك عباد الله! الذرة منها خير من أمثال الجبال عبادة من المغترين، كما قال أبو الدرداء: يا حبذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف يغبنون به قيام الحمقى وصومهم، والذرة من صاحب تقوى أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين. فمن بلغ درجة التقوى عباد الله! فالذرة الواحدة من أعماله أفضل من أمثال الجبال عبادة من المغترين، وهذا الكلام كما قال ابن القيم ﵀ من جواهر الكلام الذي يكتب بالذهب والفضة؛ وذلك لأن الأعمال تتفاضل بمقدار ما في قلوب أصحابها من تقوى الله ، فالرجلان يكونان في صف واحد، وخلف إمام واحد، يكبران بتكبيره، ويسلمان بتسليمه، وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض؛ لأن الأعمال تتفاضل بمقدار ما في قلوب أصحابها من تقوى لله . وقال بعضهم: كم من قائم محروم، وكم من نائم مرحوم، هذا قام وقلبه كان فاجراً، وهذا نام وقلبه كان عامراً. أي: أن العبد قد يقوم الليل وقلبه يفور بالشهوات، وهو معجب بنفسه، ويمن بعمله على الله وعلى عباده، فمن أصبح نائماً وهو نادم خير ممن أصبح قائماً، ثم أصبح يمن على الله ، فكم من قائم محروم، وكم من نائم مرحوم. فالعبد المؤمن المتقي إذا نام فإنه ينام على ذكر الله، وينام على طهارة، وينام على جنبه الأيمن، ويستقبل بوجهه القبلة، ويذكر أذكار النوم، وينام على نية صالحة؛ كما قال معاذ

стр. 64

ثمرات التقوى في الآخرة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: شجرة التقوى كما ذكرنا شجرة طيبة مباركة، تثمر للعبد في الدنيا وتثمر له في الآخرة، وذكرنا الثمرات العاجلة للتقوى، وما يجنيه العبد المتقي من ثمرات التقوى في الدنيا، فما هي ثمرات تقوى الله في الآخرة؟ من ثمرات التقوى في الآخرة عباد الله! عز الفوقية على الخلائق يوم القيامة، كما قال الله : ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢]. فأهل التقوى عباد الله! يفوزون بعز الفوقية على الخلائق يوم القيامة، فإن أهل الإيمان يكونون فوق أهل الكفر والعصيان؛ لأن أهل الكفر في أسفل سافلين، والمتقون في أعلى عليين، والمتقون هم سادات المؤمنين، يفوزون بالفردوس الأعلى الذي سقفه عرش الرحمن. فالله أخبر عن الكفار أنهم يغترون بالدنيا وزخرفها وزينتها، أما أهل التقوى عباد الله! فهم يعرفون حقارة الدنيا فلا يغترون بها، بل يسعون للآخرة وللتنافس في النعيم المقيم وفي درجات جنة رب العالمين: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة:٢١٢]. من ثمرات التقوى في الآخرة عباد الله أن المتقين هم الورثة الشرعيون لجنة الله ، كما قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم:٦٣]، وفي قراءة: (نُوَرِّثُ من عبادنا من كان تقياً). فأهل التقوى هم الورثة الشرعيون للجنة، وهم الذين جمع الله لهم بين نعيم الدنيا ونعيم الآخرة، كما قال في سورة الزخرف: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥]. فلولا أن تكون الفتنة شديدة عباد الله! على أهل الإيمان، لجعل الله لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة؛ لحقارة الدنيا عند الله ؛ فهي لا تساوي جناح بعوضة، ولو كانت تساوي جناح بعوضة عباد الله! ما سقى كافراً منها شربة ماء. فالله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، والذين يكفرون بالله ويصدون عن سبيله ليل نهار، عندهم من زينة الدنيا وزخرفها أكثر مما عند المؤمنين، والله يقول: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ﴾ [الزخرف:٣٣]، أي: لحقارة الدنيا، ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥]. ثم جمع الله الآخرة كلها وجعلها للمتقين، فقال : ﴿وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥]. التقوى عباد الله! تجمع بين أهلها حين تنقلب كل صداقة وكل محبة وخلة إلى عداوة ومشاقة، قال الله : ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]. فالله يجعل كل محبة في الدنيا، وكل محبة على معاصي الله تنقلب إلى شقاوة، وتنقلب إلى عداوة. أما محبة المتقين فإنها تزداد رابطة وتزداد قوة في الآخرة، كما قال : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]. قال بعض السلف: إن الأخوة في الدنيا قد يكون فيها شيء من الضغائن، أما في الآخرة فإن الله يصفي قلوب المؤمنين من الضغائن، وينزع ما في قلوبهم من الضغائن، فتصفو عند ذلك المحبة والأخوة، ويصيرون إخواناً على سرر متقابلين، ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل. فكل محبة لا تكون لله، وكل تعاون لا يكون لله وفي الله ينقلب إلى عداوة، إلا محبة المتقين فإنها تزداد يوم القيامة. أهل الجنة عباد الله يساقون إلى الجنة على الركائب، كما قال الله : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّ

стр. 65

التوبة ندب الله عباده إلى التوبة وحثهم عليها؛ لتخليص نفوسهم من رق الذنوب والآثام، وتحريرها بعبادة الله والإقبال عليه، وقد كثرت آيات القرآن الداعية إليها والمرغبة فيها، ولا عجب في ذلك؛ إذ إنها من أحب العبادات إلى الله تعالى الذي كتب على نفسه الرحمة أنه من عمل سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم.

стр. 66

الحث على التوبة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: قال بعضهم: أرقهم قلوباً أقلهم ذنوباً. وقال بعضهم: المعاصي سلسلة في عنق العاصي لا يفكه منها إلا الاستغفار والتوبة. وقال بعضهم: ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة. هذه الليلة نرجو أن تكون ليلة القدر التي أخبر الله عنها أنها خير من ألف شهر، ولم يقل: إنها تساوي ألف شهر، ولكن قال: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:٣]، ولا ندري كم مقدار هذه الخيرية، فلا يعلم ذلك إلا الله . وورد في موطأ الإمام مالك بلاغاً: (أن النبي ﷺ أري أعمار الأمم قبله فكأنه تقاصر أعمار أمته -يعني: خشي ألا تصل أمته إلى ما وصلت إليه الأمم السابقة لطول أعمارها- فأعطاها الله ليلة القدر خيراً من ألف شهر). فهذه الليلة المباركة فرصة للتوبة وللقيام وللذكر وللعبادة وللطاعة وللدعاء، وقد قال النبي ﷺ : (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). فهذه الليلة فرصة لنا جميعاً للتوبة إلى الله والرجوع إليه والعزم على ترك المعاصي. عباد الله! مصيبتنا في التفريط واحدة، وأهل الأحزان أهل. إنا ليجمعنا البكاء وكلنا يبكي على شجن من الأشجان قال بعض السلف: إذا عزم العبد على ترك الذنوب أتته الأمداد من الله من كل جانب. هذا إذا نوى العبد أن يترك الذنوب لله ، وكل واحد منا أدرى بذنوبه وبعيوبه، فينبغي لنا جميعاً أن ننوي في هذه الليلة المباركة التوبة إلى الله والاستقامة على طريقه . فالله تعالى فتح هذا الباب العظيم -باب التوبة- وأمر كل الخلق بالدخول منه، وأمر اليهود والنصارى الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة:٧٣]، وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة:٦٤]، فقال بعد أن ذكر حالهم: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ [المائدة:٧٤]، وأمر المشركين فقال : ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]، وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١]. وأمر المنافقين بالدخول من هذا الباب فقال : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦]. وأمر المسرفين على أنفسهم من أمة النبي محمد ﷺ ومن غيرهم فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. كما أمر الله المؤمنين الصادقين بالدخول أيضاً من باب التوبة فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]، وهذه الآية مدنية، أي: نزلت بعد الهجرة وبعد الإيمان والجهاد والصبر، فأمر الله الصحابة الكرام بالتوبة وعلق صلاحهم بها فلا يرجو الفلاح إلا التائبون، فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. كما أخبر عن توبته على النبي ﷺ وعلى المهاجرين والأنصار فقال : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١١٧].

стр. 67

شروط التوبة والتوبة لها شروط ستة: الشرط الأول: الإخلاص؛ لأن التوبة عبادة، بل هي من أحب العبادات إلى الله ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فتفتقر التوبة إلى ما تفتقر إليه سائر العبادات من نية الإخلاص، فلا يترك العبد الذنب مخافة ذم الناس أو رجاء مدحهم، بل لا بد أن تكون توبته خالصة لله يرجو بها وجه الله . الشرط الثاني: الإقلاع عن الذنوب، فتستحيل التوبة مع مقارفة الذنوب. الشرط الثالث: الندم على فعلها، (الندم توبة)، فإذا لم يندم القلب على القبيح دل ذلك على رضاه به. الشرط الرابع: العزم على عدم العودة إلى الذنوب مرة ثانية. الشرط الخامس: رد المظالم، لما ورد في الحديث: (من كان لأخيه عنده مظلمة من مال أو عرض فليتحلله اليوم من قبل أن لا يكون دينار ولا درهم إلا الحسنات والسيئات). أي: قبل أن يكون التعامل بالحسنات والسيئات في وقت لا يستطيع الإنسان أن يزيد في حسناته حسنة ولا أن ينقص من سيئاته سيئة. الشرط السادس: أن تقع التوبة في الوقت الذي تقبل فيه التوبة، والوقت الذي تقبل فيه التوبة قبل أن تطلع الشمس من مغربها، كما قال النبي ﷺ : (إن الله يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها)، وطلوع الشمس من مغربها علامة كبرى من العلامات الملازمة والقريبة للساعة، فإذا طلعت الشمس من مغربها بادر الناس بالتوبة، ولكن هيهات فعند ذلك يغلق باب التوبة، ولا ينفع نفساً إ يمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً. ثم تخرج الدابة من الأرض تسم المؤمن أنه مؤمن والكافر أنه كافر، فلا يمكن لمن وسمته بأنه كافر أن يصير مؤمناً؛ لأن باب التوبة الذي ظل مفتوحاً قد أغلق في هذا الوقت. وكذلك يغلق باب التوبة أمام العبد عند الحشرجة، كما قال النبي ﷺ : (إن الله يغفر للعبد ما لم يغرغر). وقال : ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]. ولما أراد فرعون التوبة عندما عاين الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠] لم يقبل منه ذلك، وقيل له: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩١ - ٩٢]. ولقد مات كثير من المصرين على المعاصي وهم متلبسون بمعاصيهم، فكان ذلك خزياً لهم في الدنيا مع ما ينتظرهم من خزي الآخرة وعذابها، وكثيراً ما يحدث ذلك لشاربي الخمر. أتأمن أيها السكران جهلاً بأن تفجأك في السكر المنية فتضحى عبرة للناس طراً وتلقى الله من شر البرية وللأسف أكثر الناس يسوفون بالتوبة، ولا يتوبون إلا في الوقت الذي يغلق فيه باب التوبة، فيظل العبد في غيه وفي إعراضه وفي بعده عن الله ، فإذا عاين الموت يطلب التوبة في الوقت الذي يغلق فيه بابها. قال جماعة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز في قول الله : ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ:٥٤] قال: حيل بينهم وبين التوبة حين سألوها. وقال بعضهم: ابن آدم! لا يجتمع عليك خصلتان سكرة الموت وحسرة الفوت، أي: لا تجتمع مصيبتان سكرات الموت الشديدة التي تكاد تذهب العقول وحسرة فوت التوبة، فالبدار البدار إلى التوبة! قبل أن تعمل سموم الذنوب بروح الإيمان عملاً يجاوز الأمر فيه مجهود الأطباء واختبارهم، فلا ينفع بعد ذلك نصح الناصحين ووعظ الواعظين، فتحق الكلمة عليه أنه من أصحاب الجحيم، فالتوبة التوبة! قبل أن يأتيكم من الموت النوبة، فلا تحصلوا إلا على الخسران والخيبة، الإنابة الإنابة! قبل غلق باب الإجابة، الإفاقة الإفاقة! فقد قرب وقت الفاقة.

стр. 68

علامات رد التوبة وعلامات صحتها وهناك علامات لعدم صدق التوبة وعلامات لصحة التوبة. فمن علامات عدم صدقها: استمرار الغفلة، والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة، وتذكر حلاوة مواقعته، والاطمئنان وكأنه أعطي منشوراً بالأمان، وألا يستحدث العبد أعمالاً صالحة بعد التوبة، فمثل هذه التوبة تحتاج إلى توبة. أما علامات صحة التوبة: فمن ذلك: أن يكون حال العبد بعد التوبة غير حاله قبلها، وأن يستحدث العبد أعمالاً صالحة بعد التوبة، كما قال : ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١]، هذه هي التوبة الصادقة والحقة، وهي التي يعقبها العمل الصالح ويصدقها. ومن ذلك: أن يظل العبد على الخوف حتى تنزل عليه الملائكة عند الموت بقول الله : ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]. ومن ذلك: أن يتقطع قلبه ويكون حاله كحال من أجرم جريمة عظيمة في حق ملك عظيم ثم أحيط به، فهو لا يدري هل يعاقبه الملك بجريمته أو أنه يعفو عنه. قال سفيان بن عيينة في قوله : ﴿لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة:١١٠] قال: تقطعها بالتوبة، والقلوب لا بد أن تتقطع إما بالتوبة في الدنيا أو في الآخرة إذا حقت الحقائق وعاين ثواب المطيعين وعقاب العاصين. ومن علامات الصحة كذلك كسرة تصيب قلب العبد فتطرحه ذليلاً على باب الله ، ويكون حاله كحال عبد أبق من سيده بعد نعمته عليه وأتى بالجنايات والمخالفات ثم أحيط به وأعيد إلى سيده، وهو يعلم أن منتهى سعادته في رضا سيده عنه، وأنه لا يستغني عن سيده طرفة عين، فلله فما أحلى قوله عند ذلك: أسألك بقوتك وضعفي إلا رحمتني! أسألك بغناك عني وفقري إليك! هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، عبيدك سواي كثير وليس لي سيد سواك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخائف الضرير، يا من ذل لك قلبه! وخشعت لك جوارحه! يا من ألوذ به فيما أؤمله ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره ولا يهيضون عظماً أنت جابره

стр. 69

أقسام الناس في التوبة الناس في التوبة على أقسام أربعة: القسم الأول: من لا يوفق لتوبة طوال عمره، ولا يوفق للحظة صدق واحدة مع الله ومع نفسه، فهو لا يفكر لماذا خلق؟ وما هي الوظيفة المنوطة به؟ فهو يحيا حياته كلها لا يعرف ربه ، ولا يعبده بأمره ونهيه، وإنما يحيا في الدنيا حياة البهائم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]، فهو يعيش من أجل أن يأكل ويأكل من أجل أن يعيش، ولا يدري لماذا خلق، فهو لا يعرف ربه، ولا يعبده بأمره ونهيه، ولعله ما دخل في حياته كلها بيت الله ، ولعله لا يدخلها إلا مرة واحدة، ولا يدخلها على قدميه بل محمولاًَ على خشبته، ليصلي بل ليصلى عليه، ثم لا يعود إلى المسجد مرة ثانية. وكما كان في الدنيا لا يحيا الحياة التي يحبها الله ويرضاها له، وليس هو جماداً لا يحس فالجزاء من جنس العمل، سيدخل ناراً لا يموت فيها ولا يحيا، فيحيا حياة لا يجد فيها راحة أو لذة، ولا يفقد الإحساس ولا الحياة بالكلية، ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم:١٧]، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]. وحسب المنايا أن يصرن أمانيا وحسب العبد من البلايا والرزايا أن يصير الموت أمنيته ولا يجد الموت، كما قال بعض السلف: احذر الموت وأنت في هذه الدار قبل أن تصل إلى دار تتمنى فيه الموت فلا تجده. القسم الثاني: من يعرف ربه برهة من عمره وزمان من دهره، ويعبد الله فترة من عمره، ثم ينقلب لعلم الله فيه، فيعمل بمعصية الله ويموت على ذلك، ما أصعب العمى بعد البصيرة! وأصعب منه الضلالة بعد الهدى! والمعصية بعد التقى! كم من وجوه خاشعة وقع على قصص أعمالها! ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية:٣ - ٤]. كم من قارب مركبه ساحل النجاة فلما هم أن يرتقي لعب به موج فغرق! كل العباد تحت هذا الخطر، قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ليس العجب ممن هلك كيف هلك، وإنما العجب ممن نجا كيف نجا! يقول النبي ﷺ : (فوالذي نفسي بيده إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينها وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها). وتقول السيدة عائشة ﵂: إن الرجل ليعمل زماناً بعمل أهل الجنة وهو من أهل النار والعياذ بالله. القسم الثالث: من يعمل برهة من عمره في معصية الله ثم يوفق لتوبة نصوح ويموت على ذلك، قال النبي ﷺ : (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، وهؤلاء كثير، ورحمة الله غلبت غضبه أو سبقت غضبه. فالغالب في أحوال الناس العمل بالمعصية ثم يتوبون قبل موتهم من رحمة الله بهم، وقليل منهم من يعمل بالطاعة ثم ينقلب فيعمل بالمعصية ويموت على ذلك. وهؤلاء على طبقتين: فمنهم من يتوب قبل موته بمدة مديدة تؤهله للوصول إلى الدرجات العلى، ومنهم من يتوب قبل موته بمدة يسيرة فحسبه أن يدخل الجنات وأن ينجو من اللفحات. وبقي قسم هو أشرف الأقسام وحال هي أشرف الأحوال وهو حال نبينا محمد ﷺ ، وهي أن يعمل العبد بطاعة الله عمره كله ثم يحس بقرب أجله فيجتهد في الطاعة والعمل الصالح حتى يموت على عمل يصلح للقاء. لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:١ - ٣] نعيت إلى النبي ﷺ نفسه، فعلى الحبيب أن يتجهز للقاء حبيبه، فكان النبي ﷺ أشد ما يكون اجتهاداً في أمر الآخرة، وكان لا يقوم ولا يقعد إلا قال: سبحان الله وبحمده، يتأول القرآن. وكان النبي ﷺ يعتكف في كل سنة عشراً من رمضان، فاعتكف في السنة الأخيرة من عمره عشرين ليلة. (أسر النبي ﷺ إلى فاطمة الزهراء بحديث فبكت، ثم أسر إليها بحديث آخر فضحكت، فسألها أمهات المؤمنين عما أسر به النبي ﷺ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ . ثم لما لحق بالرفيق الأعلى أخبرت أنه أسر إليها أولاً: (بأن جبريل كان يعارضه القرآن مرة وأنه في هذه السنة عارضه القرآن مرتين، قال: وما أرى ذلك إلا لقرب أجلي)، فكان النبي ﷺ يفهم هذه الإشارات من ربه ، فبكت فاطمة

стр. 70

الجنة الجنة سلعة الله الغالية، أعدها لعباده، وحثهم على المسارعة والمسابقة إليها، فشمر لها من وفقه الله تعالى، فبذل من أجلها الغالي والنفيس لعلمه بعظيم قدرها، وتخاذل الكسالى والبطالون فما رفعوا لها رأساً ولا ساموها بثمن لفداحة خسارتهم، وإن المسابقة إليها تجارة مع الله ، لا يعرف قدرها إلا أصحاب القلوب الحية، والبصائر المستضيئة بنور الإيمان.

стр. 71

الجنة سلعة غالية الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، ألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون. وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً. أما بعد: عباد الله! إن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة، بالله ما كسدت فيستامها المفلسون، ولا فسدت فيشتريها بالنسيئة المعسرون. لقد أقيمت للعرض في سوق لمن يريد، فلم يرض لها ربها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون، وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن تكون نفسه الثمن؟ فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرفة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الرسول ﵌ في أقواله وأفعاله، فقيل: لا تقبل هذه البينة إلا بتزكية ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، فتأخر الخلق كلهم وثبت المجاهدون، فقيل: إن نفوس المجاهدين وأموالهم ليست لهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١]. لما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن وجلالة قدر من وقع التبايع على يديه علموا أن للسلعة قدراً وشأناً فرأوا من الخسران البين والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة، تذهب لذتها وتبقى تبعتها، فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضاءً واختياراً من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيل ولا نستقيل، فقيل: إن نفوسكم وأموالكم قد صارت إلينا، والآن رددناها عليكم أوفر ما كانت، وأضعاف أموالكم معها، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]. فحيهلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا وقل لمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا لبيك ألفاً كواملا ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا لقد حرك الداعى إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، فحركه السماع إلى دار الأبرار، فما حطت به رحاله إلا بدار القرار.

стр. 72

فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله أعلى تجارة وأغلاها بذل النفس والمال في سبيل الله دفعة واحدة، لا يستبقي العبد من ذلك شيئاً، قال النبي ﵌: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة دخل الجنة). وقوله: (فواق ناقة) هو الزمن بين الحلبتين. ويقول ﵌: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفقة من دمه، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه). (وقيل للنبي ﵌: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة). وقال: (والذي نفسي بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل). وقال ﵌: (ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وأن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد؛ لما يرى من شرف الشهادة وكرامة الشهادة)، أو كما قال ﷺ . والفضيل بن عياض الملقب بعابد الحرمين لملازمته للحرمين بالعبادة والطاعة والبكاء والخشية، أرسل له عبد الله بن المبارك وكان مرابطاً بطرسوس كتاباً يقول له: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب فلما وصل الكتاب إلى الفضيل بن عياض بكى وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح، ثم قال للرسول: أتكتب الحديث؟ قال: نعم. قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا، ثم أملاه بسنده رواية من حديث أبي هريرة: (أن رجلاً سأل النبي ﵌ فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: لا أجد. قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟) أي: إذا خرج المجاهد في سبيل الله فمكث شهراً أو شهرين أو سنة أو سنتين هل تستطيع أن تدخل مسجدك فتقوم في الصلاة فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟ (قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات)، أي: حركة الفرس تكتب للمجاهد في سبيل الله . وقيل: يجمع بعره وروثه وغير ذلك ويوضع في ميزان المجاهد يوم القيامة، فليس هناك عمل -عباد الله- يعدل الجهاد في سبيل الله، فهو ذروة سنام الإسلام، فأعلى التجارة وأغلاها هي التجارة بالنفس والمال لله ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١]. وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١٠ - ١١]. فأعلى تجارة وأغلاها هي التجارة ببذل النفس والمال لله دفعة واحدة، وكل عمل مشروع وعبادة وطاعة لله فهي تجارة مع الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩].

стр. 73

التجارة في الدنيا إذا لم تكن مع الله فهي مع سواه وكل أحد -عباد الله- في الدنيا يتاجر، والتجارة إما أن تكون مع الله ، وربح هذه التجارة سعادة الدنيا والآخرة، والحياة الطيبة في الدنيا، والسعادة الأبدية السرمدية في جنة الله ، وإما أن تكون تجارة مع الشيطان الرجيم، وربحها الضنك والهم والغم والحزن والشقاء في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة والذي يتاجر به الناس النفوس والأموال والأوقات والأولاد، فما يملكه العبد في الدنيا إنما يتاجر به في الدنيا. قال النبي ﵌: (الدنيا سوق)، وقال: (كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها). فقوله: (كل الناس يغدو فبائع نفسه) أي: لله ، (فمعتقها) أي: من النار، (أو موبقها) أي: يبيعها للشيطان، فيخسر نفسه في الدنيا والآخرة. أخي إنما الدنيا كسوق تزينت أقيم لنا وانفض أمر الفوانيا وكل امرئ لا بد يدخل سوقها سواء بهذا كارهاً أم راضيا ولا بد من بيع ولا بد من شرا ولا بد يمشي رائحاً أو غاديا وسلعته الكبرى التي سيبيعها هي النفس لكن من يكون الشاريا؟ فإن باعاها لله أعتقها إذن وكان له من جمرة النار واقيا وجنة ربي كانت الثمن الذي سيقبضه الإنسان فرحان راضيا وقد ربح البيع الذي تم أخذه ودل الإله المشتري دلّ ربّيا فالمؤمنون -عباد الله- يتاجرون بأوقاتهم وأنفاسهم وأموالهم مع الله ، فيربحون سعادة الدنيا والآخرة، والمعرضون والكافرون والفاسقون يتاجرون مع الشيطان، فلا يحصلون إلا على الصفقة الخاسرة، وهي الشقاء والنكد والهم والغم والحزن في الدنيا، ثم الشقاء الأبدي السرمدي في عذاب الله يوم القيامة. قال بعض السلف: رأيت العبد ملقى بين الله وبين الشيطان، فإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان، وإذا خذله الله أخذه الشيطان. فمن تولى ربه بالطاعة والعبادة والإخلاص والإنابة تولاه الله بالحفظ والكلاءة والنصر وقبول الدعوة، ومن خذل دين الله فإن الله يخذله، فيتولاه عند ذلك الشيطان، ويصير فريسة له. فينبغي للعبد أن يسأل نفسه: هل هو مع الله أو مع الشيطان؟ فليس هناك طرف ثالث يساوم على نفس العبد وماله، فإما أن تكون مع الله أو مع الشيطان. والتجارة مع الله نوع خاص من التجارات وليست كسائر التجارات، فالمعاملة مع الله معاملة بين العبد الضعيف المخلوق الفقير وبين الرب الغني القادر القاهر. أما معاملات الخلق فهي معاملة بين فقير وفقير، وبين محتاج ومحتاج، وبين ضعيف وضعيف. والله يريد من العباد أن يعاملوه حتى يربحوا على الله أعظم الربح، وهو غني عنهم وعن عباداتهم، كما قال الله : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]. فالناس يذبحون وينحرون الهدي والأضاحي، وهم الذين يأكلون اللحوم، والله لا يدخر شيئاً من اللحوم ولا من الدماء، ولكنه يريد من العباد أن يستجيبوا لله ، حتى يسعدوا في الدنيا والآخرة، وحتى يربحوا على الله أعظم الربح. فلو أن العباد كلهم على أتقى قلب رجل واحد منهم -وهو قلب نبينا محمد ﵌ ما زاد ذلك في ملك الله شيئاً، ولو أنهم كلهم على أفجر قلب رجل واحد منهم ما نقص ذلك من ملك الله شيئاً، كما في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني). فالله لا يستفيد شيئاً من طاعة العباد، بل هم أنفسهم يستفيدون من الطاعة في الدنيا والآخرة، ولا يتضرر الله بشيء من معاصي العباد، بل هم أنفسهم يتضررون من معاصيهم في الدنيا والآخرة، فالله يريدك لك، من أجل أن تستفيد وتنتفع أنت. وأما تجارات الخلق فكل من أن يعاملك إنما يريد أن يستفيد منك، وأن ينتفع منك منفعة، فهو إنما يريدك لنفسه، والله يريدك لك. فالتجارة مع الله نوع خاص من التجارات.

стр. 74

الفرق بين التجارة مع الله وتجارات الدنيا من الفروق بين التجارة مع الله وتجارات الدنيا: أن التجارة مع الله لا يمكن أن تخسر بحال من الأحوال، قال تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩]، فلا يمكن أن تبور التجارة مع الله . وأما تجارات الدنيا -عباد الله- فقد تربح مرة وتخسر أخرى، وقد تربح مرات وتخسر مرات، فهي عرضة للمكسب والخسارة. وأما التجارة مع الله فهي رابحة دائماً، كما قال النبي ﵌: (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم في الدنيا، فإن لم يصيبوا الغنيمة تم لهم أجرهم). فالمجاهد -عباد الله- ينتظر ثلاثة أمور: ينتظر الربح في الآخرة، وينتظر الغنائم، وينتظر فرحة النصر، فإذا انتصر الجيش المسلم أصاب ثلثي الأجر؛ لأنه ينال فرحة النصر والغنيمة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا الغنيمة تم لهم أجرهم في الآخرة، فهم الرابحون على كل حال، وهذا شأن التجارة مع الله في الربح دائماً، أما تجارات الدنيا فهي عرضة للمكسب والخسارة. ومن الفروق كذلك بين التجارة مع الله وتجارات الدنيا: أن أرباح التجارة مع الله عالية جداً، أما تجارات الدنيا فالربح فيها -إن حصل ربح- محدود، ففي السلعة تربح (١٠%) أو (٢٠%) أو (١٠٠%) أو (٢٠٠%)، فغاية الأمر أن يربح الدرهم درهماً أو درهمين. وأما التجارة مع الله فيقول تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١]، هكذا ربح التجارة مع الله عزوجل في الدنيا، الدرهم فيها يربح (٧٠٠) درهم، ولا يمكن أن توجد مثل هذه التجارة مع غير الله . ويقول النبي ﵌: (اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف). ويقول ﵌: (من قرأ: ((قل هو الله أحد)) حتى يختمها عشر مرات بني له قصر في الجنة). وقال: (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة). قال بعض السلف: بلغنا أن نخل الجنة سوقها من ذهب، وسعفها من حلل، وثمارها أبيض من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من العسل والشهد. فهذه النخلة عجيبة غريبة في دار القرار فهي تغرس للعبد عندما يحرك لسانه بقوله: سبحان الله العظيم وبحمده. فانظر إلى مضيع الساعات كم يفوته من النخيل؟! ومن الفروق بين تجارات الدنيا والتجارة مع الله كذلك: أن تجارات الدنيا قد يدخلها الغش، فقد تكون عندك سلعة معينة وتدلسها وتروجها فتروج. أما التجارة مع الله فلا يمكن أن يدخلها الغش بحال من الأحوال؛ لأن الله خبير بصير، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، فلا يمكن أن يدخل الغش في التجارة مع الله ، والتجارة مع الله نوع خاص من التجارات، وأكثر الناس يعرفون كيف يتاجرون في الدنيا، وكيف يحصلون الأموال من الحلال أو من الحرام، ولكن القليل منهم من يعرف كيف يتاجر مع الله ، وكيف يربح مع الله أعظم الربح. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 75

فقه التجارة مع الله إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. ثم أما بعد: عباد الله! من فقه التجارة مع الله : أن يتوخى العبد الإخلاص في كل قول وعمل؛ لقول الله : ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، ولقوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]. ولقول النبي ﵌: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه). فكل عمل -عباد الله- كان مشوباً مغموراً بإرادة غير الله يجعله الله يوم القيامة هباءً منثوراً، ويوم القيامة -عباد الله- يأتي أناس بحسنات أمثال الجبال، فيجعلها الله هباءً منثوراً، كما قال : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. ومن فقه التجارة مع الله عباد الله! ألا يعمل العبد عملاً إلا بنية، فالعبد ينبغي له أن يكون فقيهاً في تجارته، فيتاجر بمباحاته مع الله ؛ لأن النية الصالحة ترفع العمل المباح فتجعله من الطاعات، فالأكل والشرب والسعي على المعاش والمذاكرة للطلاب والنوم وغير ذلك من الأمور المباحة إذا نوى العبد فيها نية صالحة ترتفع إلى درجة الطاعات، كما قال معاذ ﵁: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. أي: كما يقوم الليل ويحتسب الأجر عند الله فإنه ينام كذلك ويحتسب الأجر عند الله ؛ لأنه ينام بنية صالحة، من أجل أن يجم نفسه للعبادات والطاعات، ومن أجل أن يقوم في آخر الليل، أو يقوم لصلاة الفجر وأذكار الصباح، أو للواجبات الشرعية في اليوم التالي، فإذا نوى العبد النية الصالحة في العمل المباح صار من الطاعات والقربات، فيتاجر العبد به مع رب الأرض والسماوات. ومن فقه التجارة مع الله : أن ينوي العبد في كل عمل نيات كثيرة صالحة؛ لأن ثواب العامل على عمله يكون بمقدار عدد النيات التي يجمعها في عمله؛ لقول النبي ﵌: (وإنما لكل امرئ ما نوى) بعد قوله: (إنما الأعمال بالنيات)، فقوله: (إنما الأعمال بالنيات) أي: أصل قبول العمل وشرطه النية. ثم قال: (وإنما لكل امرئ ما نوى)، وليس هذا تكراراً للقاعدة الأولى؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد، فهو هنا يؤسس قاعدة جديدة، فالجزء الأول من الحديث يدل على أن أصل قبول العمل توفر النية الصالحة، ثم قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) أي: ثواب العامل على عمله بالنيات الصالحة التي يجمعها في العمل الواحد، فإن من أتى المسجد للصلاة وحدها ليس كمن أتى المسجد من أجل الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولقاء أخ يحبه في الله وتفقد مصالح المسلمين وقضاء حاجاتهم، أو كمن أتى للصلاة ونظافة المسجد، أو غير ذلك من النيات الصالحات التي يمكن أن يجمعها العبد في هذا العمل الصالح، فثواب العامل على عمله يزيد بزيادة النيات الصالحات التي يجمعها في العمل الواحد. ولذلك نقول: إن تجارة النيات تجارة العلماء، فالعلماء هم الذين يعرفون كيف يتاجرون، وكيف يربحون على الله أعظم الأرباح. قال الإمام الشافعي: كم من عمل صغير تعظمه النية، وكم من عمل كبير تصغره النية، فالعمل قد يكون صغيراً في ذاته، ولكن العامل يجمع فيه نيات كثيرة فيعظم العمل بذلك، ويزداد ثواب العامل على ذلك. ومن فقه التجارة مع الله : أن يتأكد العبد أن أحواله وأعماله مطابقة لسنة النبي ﵌؛ لقوله ﵌: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، أي: مردود على عامله وغير مقبول، ولقوله ﵌: (أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار). فكل عمل لا ينظوي تحت الشريعة، ولا تكون شريعة النبي ﷺ حاكمة عليه بالصحة فهو مردود على عامله وغير مقبول. فلا بد أن يتأكد العبد أن العمل مطابق لسنة النبي ﷺ ، قال الله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]. قال الحسن البصري: فالسنة -والذي لا إله إلا هو- بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن
следующие страницы →