Полный текст (481 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الجنة سلعة غالية
الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد بلا شبيه ولا نظير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، ألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون.
وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً.
أما بعد: عباد الله! إن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين، فما للجبان المعرض المفلس وسوم هذه السلعة، بالله ما كسدت فيستامها المفلسون، ولا فسدت فيشتريها بالنسيئة المعسرون.
لقد أقيمت للعرض في سوق لمن يريد، فلم يرض لها ربها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون، وقام المحبون ينتظرون أيهم يصلح أن تكون نفسه الثمن؟ فدارت السلعة بينهم ووقعت في يد ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].
لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحة الدعوى، فلو يعطى الناس بدعواهم لادعى الخلي حرفة الشجي، فتنوع المدعون في الشهود، فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينة ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٣١]، فتأخر الخلق كلهم، وثبت أتباع الرسول ﵌ في أقواله وأفعاله، فقيل: لا تقبل هذه البينة إلا بتزكية ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤]، فتأخر الخلق كلهم وثبت المجاهدون، فقيل: إن نفوس المجاهدين وأموالهم ليست لهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١].
لما رأى التجار عظمة المشتري وقدر الثمن وجلالة قدر من وقع التبايع على يديه علموا أن للسلعة قدراً وشأناً فرأوا من الخسران البين والغبن الفاحش أن يبيعوها بثمن بخس دراهم معدودة، تذهب لذتها وتبقى تبعتها، فعقدوا مع المشتري بيعة الرضوان رضاءً واختياراً من غير ثبوت خيار، وقالوا: والله لا نقيل ولا نستقيل، فقيل: إن نفوسكم وأموالكم قد صارت إلينا، والآن رددناها عليكم أوفر ما كانت، وأضعاف أموالكم معها، ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].
فحيهلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا وقل لمنادي حبهم ورضاهم إذا ما دعا لبيك ألفاً كواملا ولا تنظر الأطلال من دونهم فإن نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويصبح ذو الأحزان فرحان جاذلا لقد حرك الداعى إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية، فحركه السماع إلى دار الأبرار، فما حطت به رحاله إلا بدار القرار.
стр. 72
فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله
أعلى تجارة وأغلاها بذل النفس والمال في سبيل الله دفعة واحدة، لا يستبقي العبد من ذلك شيئاً، قال النبي ﵌: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة دخل الجنة).
وقوله: (فواق ناقة) هو الزمن بين الحلبتين.
ويقول ﵌: (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفقة من دمه، ويجار من عذاب القبر، ويأمن الفزع الأكبر، ويحلى حلية الإيمان، ويزوج من الحور العين، ويشفع في سبعين إنساناً من أقاربه).
(وقيل للنبي ﵌: ما بال المؤمنين يفتنون في قبورهم إلا الشهيد؟ فقال: كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة).
وقال: (والذي نفسي بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل).
وقال ﵌: (ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وأن له ما على الأرض من شيء إلا الشهيد؛ لما يرى من شرف الشهادة وكرامة الشهادة)، أو كما قال ﷺ .
والفضيل بن عياض الملقب بعابد الحرمين لملازمته للحرمين بالعبادة والطاعة والبكاء والخشية، أرسل له عبد الله بن المبارك وكان مرابطاً بطرسوس كتاباً يقول له: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب فلما وصل الكتاب إلى الفضيل بن عياض بكى وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح، ثم قال للرسول: أتكتب الحديث؟ قال: نعم.
قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا، ثم أملاه بسنده رواية من حديث أبي هريرة: (أن رجلاً سأل النبي ﵌ فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد؟ قال: لا أجد.
قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟) أي: إذا خرج المجاهد في سبيل الله فمكث شهراً أو شهرين أو سنة أو سنتين هل تستطيع أن تدخل مسجدك فتقوم في الصلاة فلا تفتر وتصوم فلا تفطر؟ (قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له حسنات)، أي: حركة الفرس تكتب للمجاهد في سبيل الله .
وقيل: يجمع بعره وروثه وغير ذلك ويوضع في ميزان المجاهد يوم القيامة، فليس هناك عمل -عباد الله- يعدل الجهاد في سبيل الله، فهو ذروة سنام الإسلام، فأعلى التجارة وأغلاها هي التجارة بالنفس والمال لله ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة:١١١].
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف:١٠ - ١١].
فأعلى تجارة وأغلاها هي التجارة ببذل النفس والمال لله دفعة واحدة، وكل عمل مشروع وعبادة وطاعة لله فهي تجارة مع الله ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩].
стр. 73
التجارة في الدنيا إذا لم تكن مع الله فهي مع سواه
وكل أحد -عباد الله- في الدنيا يتاجر، والتجارة إما أن تكون مع الله ، وربح هذه التجارة سعادة الدنيا والآخرة، والحياة الطيبة في الدنيا، والسعادة الأبدية السرمدية في جنة الله ، وإما أن تكون تجارة مع الشيطان الرجيم، وربحها الضنك والهم والغم والحزن والشقاء في الدنيا، والعذاب الأليم في الآخرة والذي يتاجر به الناس النفوس والأموال والأوقات والأولاد، فما يملكه العبد في الدنيا إنما يتاجر به في الدنيا.
قال النبي ﵌: (الدنيا سوق)، وقال: (كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).
فقوله: (كل الناس يغدو فبائع نفسه) أي: لله ، (فمعتقها) أي: من النار، (أو موبقها) أي: يبيعها للشيطان، فيخسر نفسه في الدنيا والآخرة.
أخي إنما الدنيا كسوق تزينت أقيم لنا وانفض أمر الفوانيا وكل امرئ لا بد يدخل سوقها سواء بهذا كارهاً أم راضيا ولا بد من بيع ولا بد من شرا ولا بد يمشي رائحاً أو غاديا وسلعته الكبرى التي سيبيعها هي النفس لكن من يكون الشاريا؟ فإن باعاها لله أعتقها إذن وكان له من جمرة النار واقيا وجنة ربي كانت الثمن الذي سيقبضه الإنسان فرحان راضيا وقد ربح البيع الذي تم أخذه ودل الإله المشتري دلّ ربّيا فالمؤمنون -عباد الله- يتاجرون بأوقاتهم وأنفاسهم وأموالهم مع الله ، فيربحون سعادة الدنيا والآخرة، والمعرضون والكافرون والفاسقون يتاجرون مع الشيطان، فلا يحصلون إلا على الصفقة الخاسرة، وهي الشقاء والنكد والهم والغم والحزن في الدنيا، ثم الشقاء الأبدي السرمدي في عذاب الله يوم القيامة.
قال بعض السلف: رأيت العبد ملقى بين الله وبين الشيطان، فإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان، وإذا خذله الله أخذه الشيطان.
فمن تولى ربه بالطاعة والعبادة والإخلاص والإنابة تولاه الله بالحفظ والكلاءة والنصر وقبول الدعوة، ومن خذل دين الله فإن الله يخذله، فيتولاه عند ذلك الشيطان، ويصير فريسة له.
فينبغي للعبد أن يسأل نفسه: هل هو مع الله أو مع الشيطان؟ فليس هناك طرف ثالث يساوم على نفس العبد وماله، فإما أن تكون مع الله أو مع الشيطان.
والتجارة مع الله نوع خاص من التجارات وليست كسائر التجارات، فالمعاملة مع الله معاملة بين العبد الضعيف المخلوق الفقير وبين الرب الغني القادر القاهر.
أما معاملات الخلق فهي معاملة بين فقير وفقير، وبين محتاج ومحتاج، وبين ضعيف وضعيف.
والله يريد من العباد أن يعاملوه حتى يربحوا على الله أعظم الربح، وهو غني عنهم وعن عباداتهم، كما قال الله : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧].
فالناس يذبحون وينحرون الهدي والأضاحي، وهم الذين يأكلون اللحوم، والله لا يدخر شيئاً من اللحوم ولا من الدماء، ولكنه يريد من العباد أن يستجيبوا لله ، حتى يسعدوا في الدنيا والآخرة، وحتى يربحوا على الله أعظم الربح.
فلو أن العباد كلهم على أتقى قلب رجل واحد منهم -وهو قلب نبينا محمد ﵌ ما زاد ذلك في ملك الله شيئاً، ولو أنهم كلهم على أفجر قلب رجل واحد منهم ما نقص ذلك من ملك الله شيئاً، كما في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني).
فالله لا يستفيد شيئاً من طاعة العباد، بل هم أنفسهم يستفيدون من الطاعة في الدنيا والآخرة، ولا يتضرر الله بشيء من معاصي العباد، بل هم أنفسهم يتضررون من معاصيهم في الدنيا والآخرة، فالله يريدك لك، من أجل أن تستفيد وتنتفع أنت.
وأما تجارات الخلق فكل من أن يعاملك إنما يريد أن يستفيد منك، وأن ينتفع منك منفعة، فهو إنما يريدك لنفسه، والله يريدك لك.
فالتجارة مع الله نوع خاص من التجارات.
стр. 74
الفرق بين التجارة مع الله وتجارات الدنيا
من الفروق بين التجارة مع الله وتجارات الدنيا: أن التجارة مع الله لا يمكن أن تخسر بحال من الأحوال، قال تعالى: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩]، فلا يمكن أن تبور التجارة مع الله .
وأما تجارات الدنيا -عباد الله- فقد تربح مرة وتخسر أخرى، وقد تربح مرات وتخسر مرات، فهي عرضة للمكسب والخسارة.
وأما التجارة مع الله فهي رابحة دائماً، كما قال النبي ﵌: (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم في الدنيا، فإن لم يصيبوا الغنيمة تم لهم أجرهم).
فالمجاهد -عباد الله- ينتظر ثلاثة أمور: ينتظر الربح في الآخرة، وينتظر الغنائم، وينتظر فرحة النصر، فإذا انتصر الجيش المسلم أصاب ثلثي الأجر؛ لأنه ينال فرحة النصر والغنيمة، ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا الغنيمة تم لهم أجرهم في الآخرة، فهم الرابحون على كل حال، وهذا شأن التجارة مع الله في الربح دائماً، أما تجارات الدنيا فهي عرضة للمكسب والخسارة.
ومن الفروق كذلك بين التجارة مع الله وتجارات الدنيا: أن أرباح التجارة مع الله عالية جداً، أما تجارات الدنيا فالربح فيها -إن حصل ربح- محدود، ففي السلعة تربح (١٠%) أو (٢٠%) أو (١٠٠%) أو (٢٠٠%)، فغاية الأمر أن يربح الدرهم درهماً أو درهمين.
وأما التجارة مع الله فيقول تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١]، هكذا ربح التجارة مع الله عزوجل في الدنيا، الدرهم فيها يربح (٧٠٠) درهم، ولا يمكن أن توجد مثل هذه التجارة مع غير الله .
ويقول النبي ﵌: (اقرءوا القرآن فإنكم تؤجرون عليه، أما إني لا أقول: (الم) حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف).
ويقول ﵌: (من قرأ: ((قل هو الله أحد)) حتى يختمها عشر مرات بني له قصر في الجنة).
وقال: (من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غرست له بها نخلة في الجنة).
قال بعض السلف: بلغنا أن نخل الجنة سوقها من ذهب، وسعفها من حلل، وثمارها أبيض من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من العسل والشهد.
فهذه النخلة عجيبة غريبة في دار القرار فهي تغرس للعبد عندما يحرك لسانه بقوله: سبحان الله العظيم وبحمده.
فانظر إلى مضيع الساعات كم يفوته من النخيل؟! ومن الفروق بين تجارات الدنيا والتجارة مع الله كذلك: أن تجارات الدنيا قد يدخلها الغش، فقد تكون عندك سلعة معينة وتدلسها وتروجها فتروج.
أما التجارة مع الله فلا يمكن أن يدخلها الغش بحال من الأحوال؛ لأن الله خبير بصير، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، فلا يمكن أن يدخل الغش في التجارة مع الله ، والتجارة مع الله نوع خاص من التجارات، وأكثر الناس يعرفون كيف يتاجرون في الدنيا، وكيف يحصلون الأموال من الحلال أو من الحرام، ولكن القليل منهم من يعرف كيف يتاجر مع الله ، وكيف يربح مع الله أعظم الربح.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 75
فقه التجارة مع الله
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
ثم أما بعد: عباد الله! من فقه التجارة مع الله : أن يتوخى العبد الإخلاص في كل قول وعمل؛ لقول الله : ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، ولقوله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥].
ولقول النبي ﵌: (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجهه).
فكل عمل -عباد الله- كان مشوباً مغموراً بإرادة غير الله يجعله الله يوم القيامة هباءً منثوراً، ويوم القيامة -عباد الله- يأتي أناس بحسنات أمثال الجبال، فيجعلها الله هباءً منثوراً، كما قال : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
ومن فقه التجارة مع الله عباد الله! ألا يعمل العبد عملاً إلا بنية، فالعبد ينبغي له أن يكون فقيهاً في تجارته، فيتاجر بمباحاته مع الله ؛ لأن النية الصالحة ترفع العمل المباح فتجعله من الطاعات، فالأكل والشرب والسعي على المعاش والمذاكرة للطلاب والنوم وغير ذلك من الأمور المباحة إذا نوى العبد فيها نية صالحة ترتفع إلى درجة الطاعات، كما قال معاذ ﵁: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.
أي: كما يقوم الليل ويحتسب الأجر عند الله فإنه ينام كذلك ويحتسب الأجر عند الله ؛ لأنه ينام بنية صالحة، من أجل أن يجم نفسه للعبادات والطاعات، ومن أجل أن يقوم في آخر الليل، أو يقوم لصلاة الفجر وأذكار الصباح، أو للواجبات الشرعية في اليوم التالي، فإذا نوى العبد النية الصالحة في العمل المباح صار من الطاعات والقربات، فيتاجر العبد به مع رب الأرض والسماوات.
ومن فقه التجارة مع الله : أن ينوي العبد في كل عمل نيات كثيرة صالحة؛ لأن ثواب العامل على عمله يكون بمقدار عدد النيات التي يجمعها في عمله؛ لقول النبي ﵌: (وإنما لكل امرئ ما نوى) بعد قوله: (إنما الأعمال بالنيات)، فقوله: (إنما الأعمال بالنيات) أي: أصل قبول العمل وشرطه النية.
ثم قال: (وإنما لكل امرئ ما نوى)، وليس هذا تكراراً للقاعدة الأولى؛ لأن التأسيس أولى من التأكيد، فهو هنا يؤسس قاعدة جديدة، فالجزء الأول من الحديث يدل على أن أصل قبول العمل توفر النية الصالحة، ثم قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) أي: ثواب العامل على عمله بالنيات الصالحة التي يجمعها في العمل الواحد، فإن من أتى المسجد للصلاة وحدها ليس كمن أتى المسجد من أجل الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولقاء أخ يحبه في الله وتفقد مصالح المسلمين وقضاء حاجاتهم، أو كمن أتى للصلاة ونظافة المسجد، أو غير ذلك من النيات الصالحات التي يمكن أن يجمعها العبد في هذا العمل الصالح، فثواب العامل على عمله يزيد بزيادة النيات الصالحات التي يجمعها في العمل الواحد.
ولذلك نقول: إن تجارة النيات تجارة العلماء، فالعلماء هم الذين يعرفون كيف يتاجرون، وكيف يربحون على الله أعظم الأرباح.
قال الإمام الشافعي: كم من عمل صغير تعظمه النية، وكم من عمل كبير تصغره النية، فالعمل قد يكون صغيراً في ذاته، ولكن العامل يجمع فيه نيات كثيرة فيعظم العمل بذلك، ويزداد ثواب العامل على ذلك.
ومن فقه التجارة مع الله : أن يتأكد العبد أن أحواله وأعماله مطابقة لسنة النبي ﵌؛ لقوله ﵌: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)، أي: مردود على عامله وغير مقبول، ولقوله ﵌: (أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار).
فكل عمل لا ينظوي تحت الشريعة، ولا تكون شريعة النبي ﷺ حاكمة عليه بالصحة فهو مردود على عامله وغير مقبول.
فلا بد أن يتأكد العبد أن العمل مطابق لسنة النبي ﷺ ، قال الله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤].
قال الحسن البصري: فالسنة -والذي لا إله إلا هو- بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن
стр. 76
الخوف من الله
الخوف من الله أحد جناحي العبادة، ولا تستقيم العبادة بدونه، فهو السلاح الذي تسلح به العباد والزهاد في سيرهم إلى الله، فأظمأ نهارهم وأطار النوم من عيونهم فأسهر ليلهم؛ حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وسطرت نماذج عبوديتهم وعبادتهم بعبارات الثناء وأقلام المديح.
стр. 77
الأدلة على فضل الخوف من الله تعالى
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
أمر الله بالخوف منه، وجعله شرطاً في الإيمان، فقال : ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥].
وأوجب الله أن يكون خوف العبد من ربه وحده، فقال : ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة:٤٠].
ودلت الأدلة من الكتاب والسنة على فضيلة الخوف من الله ، فمن ذلك: قوله : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:٤٦].
وقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك:١٢].
وقال الله : ﴿هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف:١٥٤].
وقال : ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة:٨].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٥٨ - ٦١].
فالقلب -عباد الله! - في سيره إلى الرب لا بد أن يطير بجناحي الخوف والرجاء، فمثال القلب مثال الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان كان الطائر قوياً على الطيران، وإذا قطع الرأس مات الطائر، وإذا كسر الجناحان أو أحدهما صار عرضة لكل صائد وكاسر.
وقال النبي ﵌ (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
والإدلاج: هو السير من آخر الليل.
أي: من أراد أن يصل إلى الموطن الذي يقصده فإنه يشمر ويجتهد ويبكر بالخروج، (من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة).
وذكر النبي ﵌: (إن رجلاً من بني إسرائيل لم يفعل خيراً قط، فلما قربت وفاته جمع أولاده وقال: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اسحقوني ثم اذروني في الريح في البحر، فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً.
قال: ففعلوا ذلك به، فقال الله للأرض: أد ما أخذت، فإذا هو قائم، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك يا رب! أو قال: مخافتك، فغفر له بذلك).
فهذه الأدلة كلها -عباد الله! - تدل على فضيلة الخوف، وأنه مقام من مقامات الصالحين، ومن مقامات العابدين.
стр. 78
ذكر بعض الآيات والأحاديث والآثار التي تحث على الخوف من الله
وأما الأخبار التي تحث على الخوف، فمن ذلك: قوله : ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ * وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ * يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:١٠٣ - ١٠٦].
وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
وقال : ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٣١].
وقال النبي ﵌: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، فغطى أصحاب رسول الله ﵌ وجوههم ولهم خنين).
والقليل هنا المقصود به: القليل جداً، أي: الذي يئول إلى العدم.
والمعنى: لما ضحكتم أصلاً ولأكثرتم من البكاء، (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).
وفي رواية: قال النبي ﵌: (عرضت علي الجنة والنار، فلم أر كاليوم من الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً).
وكذلك كان حال النبي ﵌.
ومما يحض على الخوف من الله ويدفع إلى خشيته : (أنه كان ﵌ إذا قام في الصلاة سمع لقلبه أزيز كأزيز المرجل).
(وكان إذا سمع ريحاً عاصفة يتردد في الحجرة ويدخل ويخرج)، وكل ذلك خوفاً من عذاب الله .
والملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وصف الله خوفهم فقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل:٥٠].
ويقول : ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد:١٣].
وقال أبو الدرداء: لو تعلمون ما أنتم ملاقون بعد الموت لما أكلتم طعاماً على شهوة، ولا شربتم شراباً على شهوة، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله .
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، فوالذي نفسي بيده لو يعلم العلم أحدكم لبكى حتى ينقطع صوته، ولصلى حتى ينكسر صلبه.
стр. 79
نماذج من خوف الصحابة من الله
كان السلف ﵃ دائمي الخوف من الله ، فكانوا مع اجتهادهم في طاعة الله في غاية الخوف منه .
فهذا أبو بكر ﵁ كان رجلاً أسيفاً، تقول عائشة ﵂: إن أبا بكر رجل أسيف، إذا صلى لم يسمع الناس من البكاء.
أي: أنها أشارت بأن لا يصلي أبو بكر بالناس لكثرة بكائه وتأسفه إذا صلى، مع أنه سبق الصحابة ﵃ إلى طاعة الله ، فهو ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة:٤٠].
من لي بمثل سيرك المدلل تمشي رويداً وتجيء الأول فكان ﵁ إذا صلى لا يكاد يسمع الناس من البكاء، وكان يقول: والذي نفسي بيده لوددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن.
وهذا عمر ﵁ يسمع قوله : ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ * وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ * وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ * وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور:١ - ٨].
فيعود مريضاً إلى بيته ويعاد شهراً ﵁.
وكان ﵁ في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء.
ولما طعن ﵁ وهو الخليفة الثاني كان ولده عبد الله يرفع خده من الأرض ويضعه على حجره فيقول: ضع خدي على التراب عساه يرحمني، ويل أمي إن لم يغفر لي! ودخل عليه ابن عباس ﵁ وقال: بشرى يا أمير المؤمنين! صحبت رسول الله ﵌ فأحسنت صحبته، وصحبت أبا بكر فأحسنت صحبته، ثم حكمت فعدلت، ثم شهادة في مدينة رسول الله ﵌.
فيقول: أعد ما قلته، فيعيد ما قال، فيقول عمر ﵁: المغرور من غررتموه، المغرور من غررتموه، وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر.
فكيف بنا -عباد الله! - إذا كان عمر ﵁ يقول: وددت أني أنجو لا أجر ولا وزر؟ وهذا عثمان ﵁ يقف عند القبر ويبكي ويشتد بكاؤه ويقول: لو أنني بين الجنة والنار، ولا أدري إلى أيتهما أصير لأحببت أن أكون رماداً قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير.
وهذا علي ﵁ يروي ما رآه من الصحابة ﵃ فيقول: رأيت أصحاب رسول الله ﵌ فلم أر اليوم شيئاً يشبههم، كانوا يصبحون شعثاً صفراً غبراً، بين أعينهم أمثال ركب المعزى، قد باتوا سجداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا مادوا كما تميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم بالدموع حتى تبل ثيابهم، فوالله لكأني بالقوم باتوا غافلين، فما رئي ﵁ ضاحكاً حتى ضربه ابن ملجم.
وهذا الحسن البصري يقول: رأيت أقواماً وصحبت طوائف ما كانوا يفرحون بشيء من الدنيا أقبل، ولا يأسفون على شيء منها أدبر، ولهي كانت في أعينهم أهون من التراب، ولقد كان الواحد منهم يعيش خمسين سنة أو ستين سنة لم يطو له ثوب، ولم يوضع بينه وبين الأرض شيء، ولا أمر من في بيته بصنعة طعام قط، فإذا كان الليل فقيام على أقدامهم، يفترشون وجوههم، تجري دموعهم على خدودهم، ينادون ربهم في فكاك رقابهم، فإذا فعلوا حسنة تعبوا في شكرها، ورجوا الله أن يقبلها منهم، وإذا فعلوا سيئة أحزنتهم، ورجوا الله أن يغفرها لهم، فوالله ما سلموا من الذنوب، ولولا مغفرة الله ما نجوا، فرحمة الله عليهم ورضوانه.
وصلى ابن أبي أوفى قاضي البصرة بالناس الفجر بسورة المدثر، فلما بلغ قوله : ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٨ - ١٠]، أخذته شهقة فمات.
فهم سمعوا القرآن بقلوب واعية، وآذان مصغية، فأحدث فيهم الخوف من الله ، فمنهم من مات من سماع آية، ومنهم من كان يعوده الناس كأنه مريض، ومنهم من كان يشتد بكاؤه.
ونحن غلبت علينا الغفلة، فجمعنا بين معصية الله وبين الأمن من مكره ، وهذا والله علامة الشقاء، أن يجمع العبد بين معصية الله وبين الأمن من مكره، فقد كان السلف ﵃ يجمعون بين الخوف من الله وبين الاجتهاد في طاعته، فإذا عرف العبد ربه وعرف أسماءه وصفاته وتعرف على ربوبيته وإلهيته، وعلم خطر الآخرة وأهوالها وعلم سيئات أعماله وضعفه وعجزه وذنوبه وعيوبه فإنه يخاف من الله ، كما قال النبي ﵌: (أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية)، وهذا لما بلغه: أن ثلاثة من الصحابة الكرام ذهبوا إلى بيوته ﵌ وسألوا عن عبادته،
стр. 80
نماذج من خوف السلف من الله
الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
ثم أما بعد: عباد الله! كان السلف في غاية الاجتهاد في طاعة الله ، ومع ذلك كانوا في غاية الخوف من الله .
دخلوا على الجنيد وكان في النزع وكان يصلي فقالوا له: الآن؟! قال: الآن تطوى صحيفتي.
ودخلوا على أبي بكر النهشلي وكان صائماً وكان في النزع، فقالوا له: اشرب قليلاً من الماء، فقال: حتى تغرب الشمس.
وكان ثابت البناني يقول: يا رب! إن أذنت لأحد أن يصلي في قبره فأذن لي.
وكان يزيد الرقاشي يبكي ويقول: يا يزيد! من يبكي بعدك لك؟ من يترضى ربك عنك؟ وبكى أحد السلف فسئل عن سبب بكائه فقال: سمعت الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧].
وبكى أحد السلف عند موته فسئل ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن يصوم الصائمون ولست فيهم، ويصلي المصلون ولست فيهم.
أي: أنه يشفق لترك هذه العبادات بعد الموت.
فأين وصفك من هذه الأوصاف؟ وأين شجرة سالزيتون من شجر الصفصاف؟ لقد قام القوم وقعدت، وجدوا في الجد وهزلت، وما بيننا وبين القوم إلا كما بين اليقظة والنوم.
لا تعرضن بذكرنا في ذكرهم ليس السليم إذا مشى كالمقعد يا ديار الأحباب! أين السكان؟ ويا منازل العارفين! أين القطان؟ ويا أطلال الوجد! أين البنيان؟ أماكن تعبدهم باكية، ومواطن خلواتهم لفقدهم شاكية، زال التعب وبقي الأجر، ذهب ليل النصب وطلع الفجر.
إن كنت تنوح يا حمام البان للبين فأين شاهد الأحزان؟ أجفانك للدمع أم أجفاني لا يقبل مدع بلا برهان ونحن ينطبق علينا -عباد الله- قول القائل: يا من إذا تشبه بالصالحين فهو عنهم متباعد! وإذا تشبه بالمذنبين فحاله وحالهم واحد! يا من يسمع ما يلين الجوامد! وتركه جانباً، وقلبه أقسى من الجلامد! إلى متى تدفع التقوى عن قلبك؟ وهل ينفع الطرق في حديد بارد؟ يقول من رأى سفيان الثوري: كنا إذا جلسنا إلى سفيان كأن النار قد أحاطت بنا لما نرى من خوفه وجزعه.
ويقول من رأى الحسن البصري: كان إذا أقبل فكأنما أقبل من دفن حميمه، وإذا جلس فكأنه أسير أمر بقطع رقبته، وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له.
وقيل له: نراك شديد البكاء؟ فقال: أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي.
وكان يقول: إن المؤمنين قوم ذلت والله منهم الأسماع والأبصار والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى وإنهم والله الأصحاء، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، أما والله ما أحزنهم ما أحزن الناس، ولا تعاظم في قلوبهم شيء طلبوا به الجنة، إنه من لم يتعز بعزاء الله تقطعت نفسه على الدنيا حسرات، ومن لم ير لله عليه نعمة في غير مطعم أو مشرب فقد قل علمه وحضر عذابه.
وقد كان كلامه يشبه كلام الأنبياء.
وكانوا يقولون عنه: كأنه عاين الآخرة وأتى يخبر عنها.
وقد كان الناس قبل ظهور الحسن البصري معجبين بـ مسلم بن يسار، فقد كان يقوم في الصلاة كأنه عود من الخشوع، فلما ظهر الحسن البصري فكأنه رجل عاين الآخرة ثم أتى يخبر عنها.
ولما نزل الموت بـ محمد بن المنكدر ﵀ بكى بكاءً شديداً، فأحضروا له أبا حازم الزاهد من أجل أن يخفف عنه، فسأله أبو حازم عن سبب بكائه؟ فقال له: سمعت الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، فأخاف أن يبدو لي من الله ما لم أكن أحتسب.
قال: فأخذ أبو حازم يبكي معه، فقالوا: أتينا بك من أجل أن تخفف عنه فزدت في بكائه.
стр. 81
كلام السلف في المعني بقوله تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون)
وللسلف ﵏ في هذه الآية أقوال: قيل: هذه الآية الكريمة نزلت في أهل الرياء، كما قال بعضهم: ويل لأهل الرياء من هذه الآية: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧].
وقال بعضهم: عملوا أعمالاً فظنوا أنها حسنات فكانت سيئات، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة في أهل الغرور والأماني الباطلة، الذين تكاسلوا عن طاعة الله ، وتجرءوا على حرمات الله ، وأملوا أن يدخلوا الجنة ويصلوا إلى الدرجات العلى، أو لا تمسهم النار إلا أياماً معدودات.
وكما قال الحسن البصري: إن قوماً ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم، وقالوا: نحن نحسن الظن بالله وكذبوا، أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
وقيل: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أهل الغرور والأماني الباطلة الذين أوقعهم الشيطان في الكبائر والمعاصي، ومد لهم حبال الأماني والغرور، والله رد على هذا الفكر الخاطئ، فقال : ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [النساء:١٢٣].
وقال : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦].
وقال : ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أهل البدع الذين يتقربون بالبدع، ويظنون أنهم يتقربون إلى الله ، وهم إنما يزدادون بعداً عن الله .
وقال الله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤].
فما ازداد صاحب بدعة اجتهاداً إلا ازداد من الله بعداً.
وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أناس عملوا ذنوباً فظنوا أن هذه الذنوب من الصغائر، فكانت من الكبائر، فبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
قال أنس ﵁: إنكم لتعلمون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر إن كنا لنعدها على عهد رسول الله ﵌ من الموبقات، فعلى العبد أن يعظم ربه ، فإذا ازدادت خشية العبد لله وعظم تقواه له فإنه يعظم حرمات الله ، ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، في أناس أتوا بحسنات كثيرة عظيمة ولكنهم أثقلوا ظهورهم بمظالم العباد، كما قال النبي ﵌: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع.
قال: المفلس من أمتي من يأتي بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقدف هذا، وأخذ مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته طرحوا عليه من سيئاتهم ثم طرح في النار)، فهو يحسن الظن بحسناته، وهو غافل عن المظالم التي أثقل ظهره بها، فإذا استوفى أصحاب المظالم حقوقهم حتى فنيت حسناته طرحوا عليه من سيئاتهم فيبدو له من الله ما لم يكن يحتسب.
وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] في أناس شاء الله أن يناقشوا الحساب.
وقد قال النبي ﵌: (من نوقش الحساب عذب).
وفي رواية: (من نوقش الحساب هلك).
فإن الله إذا حساب العباد على نعمه عليهم لم تف جميع أعمالهم الصالحة في وفاء شكر بعض نعم الله عليهم، فتبقى بقية النعم بلا وفاء، بالإضافة إلى المظالم والذنوب، فلا بد أن يهلك العبد: (فمن نوقش الحساب عذب أو هلك).
وقال النبي ﵌: (لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم).
وقيل أيضاً: نزلت هذه الآية الكريمة
стр. 82
من صفات المؤمنين الإشفاق من الله وعدم الركون إلى أعمالهم الصالحة
قال واصفاً أهل الجنة: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٧].
فبين أن من صفات أهل الجنة أنهم كانوا في الدنيا مشفقين، أي: خائفين وجلين من الله ، فالخوف: هو الذي يكف الجوارح عن معصية الله ويقيدها بطاعته ، والذي يقود العباد إلى طاعة الله ، والدابة لا بد لها من سوط يكفها عن موارد الهلكة، ومن زمام يقودها إلى ما يريده العبد منها، وهما الخوف والرجاء -عباد الله! -.
وقال واصفاً عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٦٣ - ٦٦].
وقال واصفاً المؤمن: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩].
اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين! ورد كيده إلى نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واشغله بنفسه، واجعل الدائرة تدور عليه.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين، اللهم كن مع المستضعفين من المؤمنين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم إنهم جوعى فأطعمهم، وعراة فاكسهم، وضعفاء فقوهم يا رب العالمين! اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم يا قوي يا متين! اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
اللهم عليك بالصرب الغاصبين المعتدين، اللهم أنزل عليهم رجزك وغضبك وعذابك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم إنهم لا يعجزونك يا رب العالمين! اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
اللهم عليك باليهود الغاصبين يا رب العالمين! اللهم دمرهم تدميراً والعنهم لعناً كبيراً.
اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم أصلح شباب المسلمين، اللهم أصلح شيوخ المسلمين، اللهم أصلح شيوخ المسلمين.
стр. 83
العلم النافع
رفع الله شأن العلم وعظم قدره، ورفع شأن حملته وأعلى مقامهم، وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته على وحدانيته ﷻ وعز ثناؤه؛ ذلك أن العلماء هم الذين يبينون للناس أحكام شريعة الله ، وهم الداعون إليه ، وهم وراث هدي النبوة، فبذلك استحقوا تلك المكانة العالية.
стр. 84
أقسام الناس عند علي بن أبي طالب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وسلم تسليماً.
أما بعد: فيقول علي بن أبي طالب ﵁: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق.
وهذا التفصيل في غاية الحسن، فقد قسم الناس إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: عالم رباني، وهو: الذي وصل إلى الذروة في العلم والعمل والتعليم، قال تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة:٦٣].
وقال: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران:٧٩].
فالربانيون هم خواص العلماء، وهم الذين تعلموا وعملوا وعلَّموا.
وقيل رباني: نسبة إلى الرب ، كما تقول لحياني وجبهاني.
وقيل: نسبة إلى التربية؛ لأنهم يربون الناس بصغار العلم قبل كباره.
فعالم رباني يعني: وصل إلى ذروة العلم والعمل والتعليم.
القسم الثاني: متعلم على سبيل نجاة، وحتى يكون المتعلم على سبيل نجاة ينبغي له ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن يتعلم العلم النافع، والعلم النافع هو علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة ﵃، فلا يتعلم علم الكلام والفلسفة وغير ذلك من العلوم غير النافعة التي تضله عن طريق الله ، وتبعده عن رحمته ، فينبغي للعبد إذا أراد أن يكون متعلماً على سبيل نجاة أن يتأكد أنه يتعلم العلم النافع: العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين فينبغي للعبد أن يتعلم العلم النافع علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة ﵃.
الأمر الثاني حتى يكون على سبيل نجاة وليس على سبيل هلكة: أن يعمل بما يتعلمه.
وقد خرج بعض السلف على طلاب العلم، فقالوا له: حدثنا.
فقال: هل تؤدون زكاة هذا الحديث؟ فقالوا: وما زكاته؟ فقال لهم: ما وجدتم فيه شيئاً من العمل والاستغفار فتعملون به.
وفي رواية أخرى مسندة أنه قال لهم: هل تؤدون زكاة هذا العلم؟ قالوا: وما زكاته؟ فقال: تعملون من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث.
أي: أن هذا القدر -ربع العشر- زكاة العلم الذي يتعلمونه، بل لا يتعلم العبد ولا يوفق للعلم النافع حتى يعمل بهذا العلم، كما قال بعض السلف: كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به.
وقال بعضهم: يهتف العلم بالعمل فإن أجابه حل وإلا ارتحل.
فالشرط الثاني حتى يكون المتعلم على سبيل نجاة: أن يعمل بعلمه.
والأمر الثالث: أن يُعَلِّم هذا العلم، وهذا يدخل في العمل بالعلم، وهذا من شكر نعمة الله ، فعلى العبد إذا تعلم علماً نافعاً أن يسعى في تعليم هذا العلم، وقد دعا النبي ﷺ لحامل حديثه ومبلغه فقال: (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فبلغه إلى من لم يسمعه، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه).
وقال سفيان بن عيينة: لا تجد أحداً من أهل الحديث إلا وفي وجهه نضره لدعوة رسول الله ﵌.
فمن حفظ حديث النبي ﷺ وبلّغه أصابته دعوة النبي ﵌.
القسم الثالث: همج رعاع أتباع كل ناعق.
ولما كان هؤلاء الهمج لا عقول لهم ولا فهوم فقد شبّه من يدعوهم بالناعق الذي ينعق في البهائم؛ لأنهم لا يستطيعون أن يفرقوا بين الدعوات ولا أن يميّزوا بين البدعة والسنة، ولا بين الهدى والضلال، ولا بين الخير والشر، بل كلما دعاهم داع إلى شيء استجابوا له.
فهم أتباع كل ناعق، وحطب كل فتنة، وليس عندهم من البصيرة ومن العلم النافع ما يهديهم إلى الطريق إلى الله ، ثم هم كذلك لم يتبعوا عالماً يدلهم على طريق الله .
فقال: وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح.
فشبه قلوبهم الضعيفة الخالية من العلم النافع بالغصن الرطيب الأخضر الذي إذا أتته ريح من أي جهة مال معها، وشبه الشهوات والشبهات بالرياح التي تعصف بهذه القلوب الضعيفة، فقال: يميلون مع كل ريح.
ثم بيّن سبب هذا الوصف، فقال: لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق.
فليس عندهم علم نافع يميزون به ويهتدون به إلى طريق الله ، وهم كذلك لم يهتدوا ولم يسيروا خلف عالم بصير بالكتاب والسنة يهديهم إلى سواء السبيل، والإنسان إما أن يكون مبصراً بنفسه، يبصر الطريق ويعلم ما فيها من عقبات وتعرجات، وإما أن يمسك بيد بصير، فإذا كان ليس بصيراً ولم يمسك بيد بصير فيا عزة السلامة.
فيقول ﵁: وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق.
стр. 85
المفاضلة بين العلم والمال في كلام علي بن أبي طالب
ثم شرع ﵁ في بيان شرف العلم وفضله على المال، فقال: يا كميل! العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على الإنفاق والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم والمال محكوم عليه، ومحبة العلم دين يدان بها.
وذكر ابن القيم في شرح هذا الحديث في كتاب (مفتاح دار السعادة) أربعين وجهاً من أوجه فضل العلم على المال.
ومن ذلك: أن العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الملوك والأغنياء، والنفس تزكو بتحصيل العلم والحرص عليه، فالحرص على العلم والتعلم عين كمال العبد، والحرص على المال وطلبه هو عين نقصه، وهو يهلك الدين، كما قال النبي ﷺ : (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه)، أي: أن الدين يفسد بحرص العبد على المال وعلى الشرف وشدة محبتهما والمبالغة في طلبهما.
والحرص على الشرف المقصود به في هذا الحديث: الرفعة في الدنيا والجاه والشهرة وغير ذلك، فدين المرء يفسد بحرصه على المال وعلى الشرف، مثل: فساد الغنم التي غاب عنها راعيها وأرسل فيها ذئبان جائعان، فالنفس تزكو بطلب العلم والحرص عليه، فحرصه على العلم عين كمالها، وحرصه على المال عين نقصها.
ومن ذلك: أن لذة المال لذة وهمية أو بهيمية، ولذة العلم لذة ملائكية، فلذة المال لذة وهمية، فهو يفرح بتكثير المال وهذه شهوة من الشهوات، كما قال الله : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران:١٤]، فهذه شهوة مثل شهوة النساء والبنين.
وربما يسعى المرء إلى تكثير المال الذي قد لا ينتفع به ولا ينفقه، ولكنه يفرح بزيادته حتى يصل مقادير لا يمكن أن ينفقها مهما طال عمره، كما قال تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران:١٤]، هذه لذة وهمية، أو لذة بهيمية، فهو يحصل بهذا المال على الشهوات التي يشترك فيها الإنسان مع البهائم.
أما لذة العلم فهي لذة ملائكية، يشبه فيها ملائكة الله .
ومن أوجه فضل العلم على المال أيضاً: أن التمتع بالمال ينقطع بمفارقة بالدنيا، يعني: الإنسان يتمتع بماله في الدنيا، أما لذة العلم فمتصلة، حتى إنهم يقولون: إن من نعيم العلماء في الآخرة أنهم تنكشف لهم المسائل التي اختلفوا فيها في الدنيا، فتنكشف لهم حقائق هذه المسائل ووجه الصواب فيها، فتكون فيها متعة زائدة للعلماء زيادة عن متعة غيرهم من أهل الجنة، لا شك أنه العالم عندما يهتدي في الدنيا للصواب في المسألة، أو يوفّق في تحقيق مسألة لا شك أنه يجد فرحة وحلاوة في قلبه.
ومن أوجه فضل العلم على المال أيضاً: ما ذكره علي بن أبي طالب في هذا الأثر: العلم خير من المال، العلم يحرسك، فالعلم يحرس الإنسان من الوقوع في الشهوات والشبهات، وأما المال فيحتاج إلى حارس.
والعلم يزكو على الإنفاق، والمال تنقصه النفقة، فإذا أنفق العبد من علمه فإنه يثبت في قلبه، ويفتح الله عليه بعلم جديد، كما ورد في تفسير قول الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
وقد قيل: من عمل بما علم أورثه الله علماً جديداً، والإنسان عندما يتعلم مسألة من مسائل الشرع فيعمل بها ويعلمها غيره فإن الله يكافئه عليها بتعليمه علماً جديداً ومسألة جديدة من مسائل العلم.
فالعلم يزكو على الإنفاق، فزكاة العلم بالعمل به وبالإنفاق، فالعلم يزكو بالعمل به وبالإنفاق، والمال تنقصه النفقة.
والعلم حاكم، والمال محكوم عليه، فالعلم يحكم على الملوك فمن دونهم، وأما المال فمحكوم عليه.
ومحبة العلم دين يدان بها؛ لأن محبة العلم تدعو إلى تعلمه وإلى العمل به، وهذا دين يدان الله به.
ومن فضل العلم على المال: أن الإنسان يمدح بتخليه عن المال وبإنفاقه، ويمدح بتحليه بالعلم، فالإنسان عندما ينفق المال يمدح ويقال: هذا جواد وكريم، ويمدح بتحليه بالعلم.
والعلم يكسب العالم الطاعة في حياته وجميل الأحدوثة بعد وفاته، يعني: الثناء الحسن والذكر الطيب بعد وفاته، وهذه حياة ثانية، وصنيعة المال تزول بزواله.
فالعلم يكسب العالم الطاعة في حياته لحاجة الناس إلى العلم ومحبتهم له.
دخل رجل إلى البصرة فقال: من سيد هذه القرية؟ فقالوا: الحسن البصري، فقال: بم سادهم؟ فقالوا: احتاجوا إلى علمه واستغنى عن دنياهم.
وأما الصنائع التي تجعل لصاحب المال من الاحترام والتحية والإكرام والخدمة وغير ذلك فكل ذلك يزول بزوال هذا المال، كما قال بعضهم: وكان بنو عمي يقولون مرحباً فلما رأوني معسراً مات مرحب فالصنائع التي تصنع لصاحب المال من أجل ماله تذهب بذهاب هذا المال، وأما العلم فيبقي الثناء الحسن والمحبة في قلوب الخلق حتى بعد وفاة العالم.
فقد مات خزان الأموال وهم أح
стр. 86
المواطن التي يجوز فيها التقليد
والتقليد يجوز في مواطن، ومن هذه المواطن: الجاهل جهلاً محضاً الذي لا يستطيع أن يقرأ أو يكتب، وإذا تلوت عليه آية أو أخبرته بحديث فلا يفهم ما ترشد إليه الآية، ولا يفهم ما يدل عليه الحديث، فمثل هذا أجاز له العلماء التقليد، وهو أن يأخذ بقول عالم من العلماء الذين يثق في علمهم وفي تقواهم لله ؛ لأن ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
وأيضاً: المسائل التي ليس فيها نص شرعي أو فيها نص غير واضح في الدلالة، بحيث تختلف أنظار العلماء في فهم هذا النص، مثل: تحديد النسل أو تنظيمه، فهذه المسائل فيها نصوص، ولكن بعض الناس يفهمون أن فيها تحريماً للتنظيم مثلاً، وبعضهم يقول: ليس فيه شيء.
فالحاصل: أن المسألة إذا لم يكن فيها نص وكانت مسألة اجتهادية محضة غير منصوص عليها فالعلماء يقيسونها على مسألة منصوص عليها للتشابه الذي بينهما، وهنا يجوز أن تقلد عالماً من العلماء المجتهدين.
أيضاً: إذا ضاق الوقت عن النظر في أقوال العلماء فيجوز تقليد المجتهد.
هذه المواطن التي يجوز فيها التقليد.
والإنسان إما أن يكون عنده أدوات الاجتهاد مثل أن يحفظ القرآن ويعرف مواضع الأحاديث في كتب السنة، ولا يشترط أن يحفظ كل كتب السنة ولكن يكون بحيث يستطيع أن يصل إلى مواضع الحديث فيها، وأن يكون عنده علم بالناسخ والمنسوخ، وعلم بالعربية وعلوم القرآن، وغير ذلك من العلوم الشرعية بحيث أنه يحصل أدوات النظر المباشر، ويستطيع أن يجمع النصوص في المسألة وينظر فيها؛ لأنك قد خبراً أو حديثاً أو نصاً في المسألة ويخفى عليك غيرها لعدم إطلاعك على الشريعة، ولكن المجتهد الذي أحاط بالشريعة أو بأكثرها يستطيع أن يجمع النصوص في المسألة ثم يستنبط الحكم.
وهناك رتبة ثالثة بين المجتهد والمقلد وهي درجة الاتباع، وهي درجة طلاب العلم، وهي: أن يكون الإنسان ليس عنده أدوات الاجتهاد، وهو كذلك ليس جاهلاً جهلاً محضاً بل يستطيع أن ينظر في أقوال العلماء ويعرف أيهما وافق الدليل، فمثل هذا يجب عليه أن ينظر في المسائل المختلف فيها، وأن يعرف أيهم وافق الدليل، فيتبع الحق بدليله، ويتبع العالم المجتهد الذي يعرف أنه دله على طريق الله ، أو أن الحجة معه في المسألة.
فيقول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، ثم قال: لا ذا ولا ذاك، يعني: لا هذا يصلح لحمل العلم ولا ذاك.
стр. 87
لا يحصل العلم باللذة والرائحة
ثم ذكر النوع الثالث فقال: أو منهوماً للذات سلس الانقياد للشهوات، يعني: الإنسان الذي همه أن يحصل على شهوته، والشهوات هي التي تحركه، وهو شديد الارتباط بالأرض وشهواتها، فهذا لا يستطيع تحصيل العلم النافع، ولا يصلح لوراثة الأنبياء؛ لأن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وكان الرجل إذا اشتغل بالحديث يحتسبه أهله، يعني: بمجرد ما يسلك طريق الحديث ويتعلم يحتسبونه عند الله ، ويعلمون أنهم لن يستفيدوا منه شيئاً في أمور الدنيا، فيحتسبونه عند الله ، فلا ينال العلم براحة الجسم، بل لا بد من البذل ومن مواصلة الليل بالنهار.
والحاصل: أن المنشغل باللذات لا يصلح لحمل العلم النافع، ولا لوراثة النبوة، ويصح أن يقال له: فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد النوع الرابع: يقول: أو مغرم بجمع الأموال والادخار، أي: همه أن يجمع المال، فهو يعمل بالليل وبالنهار ليكثر ماله، فمثل هذا أيضاً لا يصلح لجمع العلم النافع وحمله، فالمغرمون بجمع الأموال والادخار ليسوا من دعاة الدين، وأقرب شبهاً بهم الأنعام السائمة.
ثم يقول: كذلك يموت العلم بموت حامليه، كما في البخاري وغيره: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء).
والله على كل شيء قدير، فهو قادر على نزع العلم من صدور الرجال، ولكنه لا يقبض العلم بهذه الطريقة، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، ولذلك يقولون: من علامات الساعة: موت علماء السنة، وذهاب العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء، (فإن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم -وفي رواية لم يبق عالماً- اتخذ الناس رءوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
стр. 88
لا يخلو الزمان من قائم لله بحجة
ثم قال ﵁: اللهم بك لن تخلو الأرض من قائم لله بحجة لكي لا تبطل حجج الله، أولئك الأقلون عدداً الأعظمون عند الله قدراً، يدفع الله بهم عن حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش به الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى.
فبعد أن وصف علماء السوء وصف الدعاة الربانيين الذين هيأهم الله لحمل هذه الدعوة وجعلهم أمناء على دينه وعلى شرعه يقيمون الحجة على عباد الله، فقال: اللهم بك لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه.
وقد تمسك الشيعة بهذا الخبر فقالوا: لابد أن يكون هناك إمام سواء كان ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً، وقالوا: إن من هؤلاء العلماء إمامهم الذي دخل في السرداب، فكيف يكون هذا الإمام المعدوم الذي ليس له وجود حجة، فهم يقولون: إنه من الذين يقيمون الحجة على العباد، مع أنهم يعتقدون بأنه دخل في السرداب منذ أكثر من ألف سنة وهم ينتظرون خروجه، وكلما دعوا يقولون: عجل الله مخرجه أو فرجه.
فالحاصل: أن هذا الحديث يدل على أنه لا بد أن يكون هناك أناس يقيمون الحجة على عباد الله، ولا يمكن أن يأتي على أمة محمد ﷺ ما أتى على اليهود والنصارى من تبديل الشرائع، بل من رحمة الله بأمة النبي الخاتم ﷺ أن الله حفظ الكتاب، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
فتكفل سبحانه بحفظ الكتاب، وقال عن الكتب السابقة: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة:٤٤]، فوكل حفظ هذه الكتب إلى الناس فضاعت، أما القرآن فقد تكفل الله بحفظه، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩].
وقد أخبر النبي ﷺ أن طائفة من أمته ﷺ لا تزال ظاهرة على الحق لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، ففي البخاري وغيره: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).
وأمر الله: الريح التي تأتي من جهة الشمال فتأخذ المؤمنين من تحت آباطهم، فتقبض كل روح مؤمنة، ثم تقوم الساعة على شرار الخلق.
فهذا الخبر يدلنا على أن هذه الأمة لا بد أن يبقى فيها من يقيم الحجة.
قال ﵁: أولئك الأقلون عدداً، يعني: لا يشترط أن يكون عددهم كثيراً، ولا أن يكونوا السواد الأعظم من الناس، بل إنهم -كما قال ﵁ الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم، فهؤلاء لا يفارقون الساحة ولا الدنيا حتى يعلموا من يشبههم في الخير، ومن قلبه يصلح للخير، ومن همته تصلح لحمل راية سنة النبي ﵌.
ثم يقول ﵁: هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فرأوا الدنيا وزوالها وفناءها وعلموا أنها ظل زائل، وعرض حائل، وأن الآخرة هي الحيوان لو كانوا يعلمون، فسعوا للآخرة وكانت الآخرة هي أكبر همهم.
فهجم بهم العلم على حقيقة الأمر، واستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش به الجاهلون.
فهؤلاء استلانوا هذه الطريق التي استوعرها المترفون؛ لأنه طريق الدعوة، وطريق البذل والتضحية والجهاد لرفع راية الله ، فالإنسان عندما يسلك طريق الله لا يظن بأنه سوف يسلك طريقاً مفروشاً بالورود، وأنه سيجد الأمور مسهلة حتى يصل إلى جنة الله ، بل قال النبي ﷺ : (حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات).
فمهما وجد الإنسان في الطريق ما تكرهه النفوس ويشق على القلوب فليتأكد أنه في طريق الجنة، ومهما وجد الأمور توافق الهوى والشهوات فليعلم أنه في منزلق خطير، وأن آخر ذلك حفرة النار -والعياذ بالله-.
فأهل طريق الإيمان استلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش به الجاهلين؛ لأن الجاهلين يرون أن المتعة هي الشهوات والمال والجاه والشهرة، وهؤلاء متعتهم في قلوبهم وجنتهم في صدورهم، فمتعتهم في البذل في طريق الله وفي قيام الليل وصيام النهار مهما شق ذلك على النفوس، ولا شك أن سيدهم وإمامهم رسول الله ﷺ الذي كان يقوم حتى تتورم ساقاه، وتتفطر قدماه، فيقال: (أتفعل ذلك وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر! فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً).
وكان ﷺ يربط الحجر على بطنه من الجوع كما في قصة الحفر في الخندق.
وكان يعمل مع الصحابة ويحمل التراب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
стр. 89
العلم طريقك إلى الجنة
فضل العلم عظيم، فهو الطريق الموصل إلى رضوان الله وجنته، وفضل أهله تبع لفضله، فما ارتفع شأن العلماء إلا به، فهم به أحياء بعد موتهم، وبه خلد ذكرهم بين الأنام، في حين أن أصحاب المال والجاه والسلطان إذا ماتوا يموت ذكرهم معهم.
فينبغي للمؤمن أن يجتهد في طلب العلم النافع، الذي به نجاته وفوزه وفلاحه في الدنيا والآخرة.
стр. 90
الحض على حفظ العلم وفهمه
الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمن الكتاب الذي كتبه: أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته ومن لا غنى له طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، فسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم: ليهلك من هلك عن بينه ويحيا من حي عن بينه وإن الله لسميع عليم، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحد الله وعرفنا به ودعا إليه وسلم تسليماً.
أما بعد: عباد الله: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.
روى أبو نعيم في الحلية عن كميل بن زياد قال: أخذ علي ﵁ بيدي فأخرجني ناحية الجبانة، فلما أصحر جعل يتنفس، ثم قال: يا كميل بن زياد! القلوب أوعية، فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجئوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على الإنفاق، والمال تنقصه النفقة، ومحبة العلم دين يدان بها، العلم يكسب العالم الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيعة المال تزول بزواله، مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، آه آه، إن هاهنا علماً -وأشار بيده إلى صدره- لو أصبت له حملة، بل أصبته لقناً غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده، أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً باللذات، سلس القياد للشهوات، أو مغري بجمع الأموال والادخار، ليس من دعاة الدين، كذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بك لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه -لكي لا تبطل حجج الله وبيناته- أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه وبيناته، حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش به الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك هم خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه، هاه هاه شوقاً إلى أولئك، وأستغفر الله لي ولك، إن شئت فقم.
هذا الحديث الموقوف على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ كما قال الخطيب البغدادي من أحسن الأحاديث معنى، وهو من كلام علي ﵁، وهو أول من أسلم من الفتيان، أسلم وله ثماني سنين، وتربى في بيت النبوة، وزوجه النبي ﵌ سيدة نساء الأمة فاطمة الزهراء ﵂، كان العلم يتفجر من جوانبه، وكان عمر على جلالته في العلم يسأله، وكان يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن.
فهذا من كلامه ﵁.
يقول كميل بن زياد: أخذ علي ﵁ بيدي فأخرجني ناحية الجبانة، فلما أصحر.
أي: صار في الصحراء.
ثم قال: يا كميل بن زياد! القلوب أوعية فخيرها أوعاها.
أي: أن الأوعية إذا أودعتها شيئاً حفظته، فهناك أوعية تملأ بالخير، وهناك أوعية تملأ بالشر: وكل إناء بالذي فيه ينضح.
فيقول: القلوب أوعية فخيرها أوعاها.
أي: أنصحها وأعقلها وأحفظها للحق.
ثم قال: احفظ عني ما أقول لك.
وهذا يدل على أهمية الحفظ لطالب العلم، ما قال: ادرس، ولا قال: افهم، ولكن قال: احفظ عني ما أقول لك.
стр. 91
تقسيم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب للناس
قال ﵁: الناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق.
فهو قسم الناس إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: هو الكامل الذي قد تعلم العلم وعمل به وعلمه، فهذا العالم الرباني نسبة إلى الرب ، كما تقول: لحياني وجبهاني عظيم اللحية أو عظيم الجبهة.
وقيل: نسبة إلى التربية، فالعلماء الربانيون هم الذين يعلمون الناس بصغار العلم قبل كباره، والعلماء الربانيون هم خواص العلماء، وهم الذين وصلوا إلى الذروة في العلم والعمل والتعليم، كما قال : ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة:٦٣]، فالأحبار هم العلماء، والربانيون هم خواص العلماء.
القسم الثاني: متعلم على سبيل نجاة.
حتى يكون المتعلم على سبيل نجاة وليس على سبيل هلكة فينبغي له ثلاثة أمور: الأمر الأول: أن يتعلم العلم النافع، وهو علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة ﵃.
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين قول فقيه كل العلوم سوى القرآن مشغلة إلا الحديث وإلا الفقه في الدين العلم ما كان فيه قال حدثنا وما سوى ذاك وسواس الشياطين لا يتعلم علم الكلام أو المنطق أو الفلسفة ويظن أنه على سبيل نجاة، بل ينبغي أن يتعلم العلم النافع، علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة ﵃.
الأمر الثاني: أن يبتغي بتعلمه وجه الله ؛ لما ورد في الحديث: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرض الدنيا لن يجد عرف الجنة يوم القيامة).
فمن تعلم العلم النافع علم الكتاب والسنة ولم يرد بذلك الآخرة، ولم يرد بذلك وجه الله ، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرض الدنيا، يريد الوجاهة في الدنيا أو يريد منصباً أو مالاً لن يجد رائحة الجنة يوم القيامة.
الأمر الثالث حتى يكون المتعلم على سبيل نجاة وليس على سبيل هلكة: أن يعمل بعلمه، كما قال بعض السلف: هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل.
وقال بعضهم: كنا نستعين على حفظ العلم بالعمل به.
قال الله : ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩].
وقال بعض السلف: من عمل بما علم أورثه الله علماً جديداً.
إذاً: فالعبد إذا تعلم مسألة من مسائل الدين وعمل بها؛ فإن الله يعلمه مسألة أخرى.
القسم الثالث: وهمج رعاع، والهمج: جمع همجة وهو الذباب الذي يقف على وجوه الماشية.
قوله: رعاع.
أي: كثير منتشر، وهؤلاء هم الغافلون عن العلم وطلبه، ليسوا من العلماء، وليسوا من طلاب العلم، رضوا بالدرجة الخسيسة، ورضوا بالحضيض، ورضوا بالجهل فهؤلاء هم حطب كل فتنة، وهم كثير لا كثرهم الله .
فقوله: وهمج رعاع أتباع كل ناعق.
شبههم بالأنعام السائمة؛ لأنه وصف الذي يدعوهم بالناعق لا يفرقون بين الدعوات؛ ليس عندهم نور العلم الذي يفرقون به بين الدعوات؛ فإن دعاهم أحد إلى سنة أجابوا، وإن دعاهم أحد إلى بدعة أجابوا، ولذلك كانوا حطب كل فتنة؛ لأنهم ليس عندهم علم يميزون به بين الدعوات، ويفرقون به بين الهدى والضلال، وبين البدعة والسنة، وبين الحق والباطل.
ثم قال: يميلون مع كل ريح.
شبه قلوبهم الضعيفة الخالية من العلم النافع بالغصن الأخضر، الذي إذا أتته ريح من جهة الشمال مال معها، وإذا أتته ريح من جهة الشرق مال معها، فليس في قلوبهم علم نافع، والذي يثبت هو الذي يقف على الحق: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦ - ٦٨]، فهؤلاء ليسوا على بصيرة، وليسوا على علم نافع، ولذلك يميلون مع كل ريح.
ثم بين سبب ذلك فقال: لم يستضيئوا بنور العلم.
أي: ليس في قلوبهم نور العلم، قال : ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام:١٢٢]، فالمؤمن العالم على نور وعلى بصيرة.
وقال : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
فالعلم النافع نور يفرق به العبد بين الهدى والضلال، وبين البدعة والسنة.
فهؤلاء ليسوا من أهل العلم، وليس نور العلم في قلوبهم، وكذلك لم يلجئوا إلى عالم مجتهد أو حتى متبع يسيرون بأوامره، ويهتدون بهديه على بصيرة.
فالعبد إما أن يكون مبصراً بنفسه يرى الطريق ويرى العقبات ويرى المنحنيات، أو يكون فاقداً للبصر فيمسك بيد بصير، أما
стр. 92
فضل العلم على المال
ثم شرع علي ﵁ في بيان فضل العلم على المال، فقال: العلم خير من المال، العلم يحرسك وأنت تحرس المال، العلم يزكو على الإنفاق، والمال تنقصه النفقة، العلم حاكم، والمال محكوم عليه، ومحبة العلم دين يدان بها.
أي: العلم خير من المال؛ لأن العلم يحرسك من البدع ومن الشبهات ومن الشهوات، أما المال فيحتاج إلى حارس.
وقال: العلم يزكو على الإنفاق.
أي: إذا علم العالم العلم ثبت في قلبه وتفجرت ينابيعه في قلبه، وأورثه الله علماً جديداً؛ لأن زكاة العلم العمل به وتعليمه.
ثم قال: العلم حاكم والمال محكوم عليه.
أي: العلم يحكم على الملوك فمن دونهم، والمال محكوم عليه.
ثم قال: ومحبة العلم.
وفي رواية: ومحبة العلماء دين يدان بها.
أي: من الدين أن تحب العلم وأن تحب أهل العلم، لأن محبة العلم تدعو إلى تعلمه، وتدعو إلى العمل به، ومحبة العلماء تدعو إلى العمل بعلمهم والاقتداء بهديهم.
دخل رجل البصرة فقال: من سيد هذه القرية؟ قالوا: الحسن البصري.
قال: فبم سادهم؟ قالوا: احتاجوا إلى علمه، واستغنى عن دنياهم.
وذكر الإمام العلامة ابن القيم في كتابه (مفتاح دار السعادة) أربعين وجهاً من فضل العلم على المال، من ذلك: أن حرص العبد على العلم عين كماله، وأن حرص العبد على المال عين نقصه.
من ذلك: أن لذة العلم لذة حقيقية يتنعم العبد بعلمه في الدنيا وفي الآخرة.
أما لذة المال فلذة بهيمية أو وهمية، إما أنه يشترك مع البهائم فيها كالأكل والشرب، أو لذة وهمية فهو يفرح بأن يزداد رصيده أو يزداد ماله، كما قال : ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران:١٤] فهذه شهوة من شهوات النفوس، ولا يمكن لأحد مهما عاش في الدنيا أن ينفق قناطير مقنطرة من الذهب والفضة، ولكنها لذة وهمية.
من محبة المال أن يفرح صاحبه أن يزداد، وإن كان لا ينفقه ولا ينتفع به ويتركه لورثته.
من ذلك: أن المال ينتفع به في الدنيا، أما العلم فيدخل به قبره.
من ذلك: أن التمتع والتزين بالمال تزين بشيء خارج عن نفسه، أما التزين بالعلم فشيء في صلب نفسه.
ثم قال ﵁: مات خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر.
كم في بلادنا -عباد الله! - من يملك المليارات ولا يعرفهم أحد ولا يحبهم أحد ولا ينتفع بهم أحد، وهم مغموسون في الشهوات واللذات عباد الله، فهم أموات بالنسبة إلى الناس لا ينتفع بهم، وليس لهم محبة في قلوب الخلق.
وكم مات من علماء الأمة الأعلام كالسفيانين والحمادين والأئمة الأربعة أئمة الفقه، وأئمة الحديث، وأئمة الجرح والتعديل، وعلماء الأمة الأعلام كـ شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم وابن رجب وابن كثير وغيرهم، مات هؤلاء منذ أزمنة طويلة ولا يكاد يمر يوم حتى يذكرهم الناس ويثنوا عليهم، وحتى ينتفع الناس ببركة علمهم وفضلهم.
قال هارون الرشيد لأحد تلامذته: من أنبل الناس؟ قال: ما أنت فيه يا أمير المؤمنين، فقال: بلى، رجل جالس في حلقة يقول: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ ، فقال: هذا اسمه مرتبط باسم النبي ﷺ ، وهو حلقة في سلسلة أعلاها رسول الله ﷺ ، ثم قال: نحن نموت -أي: الملوك يموتون- أما هؤلاء العلماء فلا يموتون.
ثم قال ﵁: أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة.
أي: ما يفقد الناس إلا أجسامهم وأعيانهم، وإلا فأمثالهم ومحبتهم وعلمهم والثناء عليهم موجود في الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 93
افتقار العلم إلى من يحمله حق الحمل وأصناف الناس في ذلك
ثم اشتكى علي ﵁ من قلة طلبة العلم الذين يحملون عنه هذا العلم الجم الغزير، فقال: إن هاهنا علماً لو أصبت له حملة.
يجوز للعالم أن يخبر عما عنده من العلم، ليس على سبيل التفاخر والتعاظم، بل من أجل أن ينتفع به، ومن أجل أن يتعلم منه الناس، ومن أجل أن يسأله من يحتاج أن يسأل، ولذلك قال بعضهم: لا يجوز للعالم أن يضيع نفسه، بأن يكون في مكان لا يعرف فلا ينتفع به ولا يحمل عنه العلم، فقال ﵁: إن هاهنا علماً -وأشار بيده إلى صدره- لو أصبت له حملة.
أي: يقومون بحمل هذا العلم ويقومون بحقه وبالواجب نحوه.
ثم ذكر أربعة أصناف من طلاب العلم الذين لا يستحقون أن يكونوا من حملة هذا العلم، فقال: بل أصبت لقناً غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، وبنعمه على عباده.
وهذا هو الصنف الأول: من عنده ذكاء وليس عنده زكاء، أي: ليس عنده طهارة في قلبه، فهو يمكن أن يحفظ شيئاً من العلم، ولكنه لا يؤثر فيه ولا ينتفع به، وإنما يتكبر به على عباد الله ، لا يتواضع لله ، كما قال أيوب السختياني: ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعاً لله .
فهؤلاء يتكبرون بما علموا على عباد الله، وقد يردوا الحجج الشرعية بالجدال والمخاصمة.
وقوله: وبنعمه على عباده.
أي: يتعالى بنعم الله عليه على عباد الله.
ثم ذكر الصنف الثاني فقال: أو منقاداً لأهل الحق لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة.
أي: المقلد تقليداً محضاً.
والتقليد: هو أن تأخذ كلام غيرك من غير أن تعرف دليله من الكتاب والسنة، وأجمعوا على أن المقلد ليس من أهل العلم، وقالوا: لا فرق بين مقلد وبين بهيمة تقاد.
فقال: أو منقاداً لأهل العلم لا بصيرة له في أحنائه، أي: لا علم له بأدلة هذا الحق، فمثل هذا -عباد الله- ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة؛ لأنه ليس على بصيرة، وليس على علم، والعلم هو علم الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وهؤلاء ليس عندهم إلا قال فلان وقال فلان، والسند منقطع بينهم وبين القرآن، وبينهم وبين النبي ﵊، فهؤلاء ليسوا من أهل العلم.
ثم ذكر الصنف الثالث فقال: أو منهوماً باللذات، سلس القياد للشهوات.
أي: ليس له هم إلا أن يحصل على شهواته، فهو واقف مع حظوظه وشهواته، لا يلتفت في رضا الله أم في غضب الله؟! ما لهؤلاء ووراثة النبوة؟ وهذه الأمة -عباد الله- جعل الله لها في كل فترة منها بقايا من أهل العلم، كما كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي بعث الله لهم نبياً، فهذه الأمة تسوسها العلماء، والعلماء هم ورثة الأنبياء.
فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد ثم قال: أو مغرىً بجمع الأموال والادخار.
أي: ليس له هم إلا أن يجمع المال، فهو يسعى ليله ونهاره في جمع الأموال.
ثم قال: كذلك يموت العلم بموت حامليه استناداً إلى الحديث الصحيح: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا).
فقبض العلم من صدور العلماء جائز في القدرة، فالله قادر على أن يقبض العلم من صدور العلماء، ولكن الذي يحصل إذا أراد الله أن يرفع العلم فإنه لا يقبضه من صدور العلماء، ولكن يقبضه بقبض علماء السنة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
стр. 94
عدم خلو الأرض من قائم لله بحجة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فيقول علي ﵁: اللهم بك لن تخلو الأرض من قائم لله بحججه، لكي لا تبطل حجج الله وبيناته، أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فاستلانوا ما استوعر منه المترفون، وأنسوا بما استوحش به الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، أولئك هم خلفاء الله في أرضه، ودعاته إلى دينه.
من رحمة الله بأمة نبينا محمد ﷺ ألا تضل، كما ضلت اليهود وكما ضلت النصارى، حرفت الكتب وبدلت الكتب، وضل الناس عن الحق، وضاع الحق في هذه الأمم السابقة.
أما أمة نبينا محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين وأمته خير الأمم، وهي نصف الجنة ببركة سفارة نبينا محمد ﷺ ، حفظ الله كتابها وحفظ سنة نبيها، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] والذكر في الآية هو الكتاب والسنة، لأن السنة من الذكر.
وقال : ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] فما نزل إليهم هو القرآن بلا مرية، والذكر في هذه الآية هو سنة النبي ﷺ .
ومن كمال حفظ القرآن حفظ السنة، فحفظ الله كتابها وسنة نبيها ﵌، وحفظ الله إجماع أمته، فلا يمكن أن تجتمع أمة نبينا محمد ﷺ على ضلالة.
كما حفظ الله -وله الحمد والمنة على كل نعمة- حفظ طائفة من هذه الأمة، فهي لا تزال ظاهرة على الحق لا يضرها من خذلها حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، كما ورد في الحديث الصحيح: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).
وهذا الظهور قد يكون ظهوراً كاملاً، ظهور سيف وسنان، وظهور حكم وسلطان، وأدنى هذا الظهور أن يكون ظهور حجة وبيان، فلا بد أن يوجد في الأمة من يقيم الحجة على سائر أهل زمانهم، ومن ينصر دين الله وسنة رسوله ﵌.
فهذه الطائفة الظاهرة بالحق عباد الله، وهذه الطائفة المنصورة مهما كادها أعداء الإسلام ومهما مكروا بها ليل نهار، فلا بد أن يبقى هذا الظهور، ولا بد أن تبقى هذه الطائفة ظاهرة تقيم الحجة على سائر عباد الله، وعلى سائر أهل زمانهم.
ثم قال: أولئك الأقلون عدداً أي: قد يقلون في الأعصار والأمصار، ولكن لا بد أن يبقى منهم طائفة، كما كانوا في زمن الإمام أحمد لما اقتنع الخليفة بما قالت المعتزلة الرديئة وأقنع كثيراً من الناس، وخضع له كثير من العلماء تقية وخوفاً، فقالوا بهذه المقالة، وثبت الإمام أحمد وطائفة يسيرة على عقيدة أهل السنة والجماعة.
وقيل للخليفة: أتكون أنت وولاتك وقضاتك والعلماء وعوام الناس على الباطل وأحمد وحده على الحق؟ ولم يتسع صدر الخليفة لتهدئة القضية، فأخذ الإمام أحمد بالضرب الشديد بعد الحبس الطويل، ثم ظهر الحق وبطل ما كانوا يدعون، وحفظ الإمام أحمد لهذه الأمة عقيدة نبيها ﵌.
فبثبات هذه الطائفة اليسيرة يبقى دين الله ، وتبقى حجج الله ، فلا بد أن يوجد بقايا من أهل العلم ومن أهل السنة والجماعة كما جاء في الحديث: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) لا بد أن يبقى في أمة محمد ﷺ بقايا من أهل العلم؛ لقيام الحجة على سائر أهل زمانهم.
فهؤلاء صنف فريد من الناس عباد الله، بل لو ذهب هذا الصنف لقامت القيامة، لا يذهبون حتى تأتي ريح من جهة الشمال فتقبض كل روح مؤمنة، ثم تقوم الساعة على شرار الخلق، فلو لم يوجد هذا الصنف في الأرض عباد الله! لوقعت الواقعة وقامت القيامة، فلا بد أن يبقى طائفة على الحق.
فقوله: أولئك الأقلون عدداً، وقد يكون الواحد منهم بألف أو بآلاف، فلا نغتر بالعدد، ولا نغتر بالكثرة، فقد يكون داعية واحد وعالم واحد في الأمة بالأمة بأسرها.
ويقول: أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه وبيناته.
وهم الذين يتصدون لأهل البدع ولأهل الشبهات، ولأهل الشهوات ولأعداء دين رب الأرض والسماوات.
أولئك الأقلون عدداً، الأعظمون عند الله قدراً، بهم يدفع الله عن حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم.
أي: لا بد أن يوفق الله لهم من يكون مثلهم؛ ليحمل هم الدين وهم الدعو
стр. 95
المشهد الأخير
من عدل الله أن جعل بعد الموت بعثاً للخلائق، ليجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، ولا يظن الظالمون المتكبرون أنهم سيفوتون الله ، بل سيبعثهم سبحانه ويجازيهم على ظلمهم وكبرهم وكفرهم، كما أنه لا يضيع أجر المحسنين، فلذلك تجدهم مستمسكين بدينهم، صابرين على الأذى من أجله.
стр. 96
حقيقة الإيمان بالبعث والنشور والحساب والجزاء
الحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل، وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل، وأفاض عليهم النعمة، وكتب على نفسه الرحمة، وضمّن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلاً، وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنّة وفضلاً، فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عبده وابن عبده وابن أمته، ومن لا غنى له طرفة عين عن فضله ورحمته، ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته.
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله، أرسله رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، ومحجة للسالكين، وحجة على العباد أجمعين، وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء، وسلك أصحابه وأتباعه على أثره إلى جنات النعيم، وعدل الراغبون عن هديه إلى صراط الجحيم ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة، وإن الله لسميع عليم، فصلى الله وملائكته وجميع عباده المؤمنين عليه، كما وحّد الله وعرّفنا به ودعا إليه وسلّم تسليماً.
أما بعد عباد الله: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، إن ما توعدون لآت، وما أنتم بمعجزين.
عباد الله! هل يمكن أن يكون الموت هو المشهد الأخير للخلائق؟ أن يموت الجميع ويلفّون في قماش، ويوضعون تحت التراب، ممن سفك الدماء من المجرمين والسفّاحين أمثال بوش وشارون وغيرهم من الجبابرة الذين عاثوا في الأرض فأكثروا فيها الفساد، هل يمكن أن تكون نهاية هؤلاء الموت؟! أن يموتوا فلا يُبعثون، وألا يكون هناك عاقبة للثواب والعقاب؟! هل يستوي هؤلاء ومن قضوا عمرهم في الدعوة إلى الله ، وإعزاز دين الله ، ورفع راية الله ، أمثال أصحاب رسول الله ﵌، وإمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم من العلماء العاملين الذين ملئوا الدنيا علماً وعبادة وجهاداً لإعزاز دين الله ؟ هل يمكن أن يكون الموت هو نهاية الجميع ولا حشر ولا نشر ولا عاقبة للثواب والعقاب: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم:٣٥ - ٣٦].
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، ليس هذا -عباد الله- هو المشهد الأخير، ولكن المشهد الأخير تصوره خواتيم سورة الزمر، كيف يبعث الله الخلائق جميعاً، وكيف تكون النهاية زمراً إلى النار، أي: جماعات تساق إلى النار وإلى سخط العزيز الجبار، وجماعات تساق إلى رحمة الله وإلى جنة الله ، قال الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ * وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَب
стр. 97
عظمة الخالق سبحانه وقدرته على كل شيء
تبدأ هذه الآيات الكريمات بقول الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود ﵁: (أن حبراً من أحبار اليهود قال لرسول الله ﷺ : إنا نجد أن الله يحمل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والأشجار على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، ويقول: أنا الملك، أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم تلا قول الله : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]).
وروى الإمام مسلم عن ابن عمر ﵄ قال (إن الله يقبض الأرضين على إصبع، ويطوي السماوات بيمينه، ويقول: أنا الملك، أنا الملك).
وروى الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ تلا هذه الآية على المنبر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] فأخذ بيده- أي: رفع يده- يقبل بها ويدبر، ويقول: يمجد الرب نفسه، يقول: أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العليم، أنا الكريم)، فهذه الآية عباد الله تبين أن الخلق ما قدروا الله حق قدره.
ويقول النبي ﷺ : (أُذن لي أن أتحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه تخفق الطير خمسمائة عام)، هذا ملك من ملائكة الله من حملة العرش وهم ثمانية، وهم من أشرف الملائكة وأقواها، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه تخفق الطير خمسمائة عام، فكيف يمكنك يا عبد الله أن تتصور مخلوقاً بهذه العظمة، ما بين شحمة أذنه إلى كتفه تطير الطير خمسمائة عام، لا تستطيع أن تتصور عظمة المخلوق، فكيف بالخالق ؟ قال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس:٢٨ - ٢٩].
أي: لما قتل مؤمن آل ياسين ما كان يستأهل الأمر أن تنزل ملائكة من السماء، أو ينزل جند من السماء، إنما صاح فيهم جبريل صيحة شديد القوى، فماتوا عن آخرهم، كما أرسل الله إلى قوم ثمود الذين كذّبوا صالحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أرسل عليهم جبريل فصاح فيهم صيحة قطعت قلوبهم في أجوافهم، وأرسل الله جبريل ﵇ على القرى اللوطية فحمل قرى اللوطية إلى السماء على طرف جناحه وقلبها، فجعل عاليها سافلها.
стр. 98
النفخ في الصور وأنواعه
قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨].
قيل: الذين استثناهم الله هم الشهداء.
وقيل: الملائكة، وقيل: الحور العين، وقيل: الولدان المخلدون.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الزمر:٦٨]، فهذه النفخة الأولى نفخ الصعق، يصعق ويموت من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ثم نفخة البعث والنشور: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، أي: لم يقوموا ينفضون التراب عن أنفسهم، ويفركون أعينهم بأيديهم، بل يقومون قومة حياة كاملة عباد الله.
(أبصر بهم وأسمع)، أي: ما أبصرهم وما أسمعهم عندما يقومون: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:١٣ - ١٤].
و ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢].
يقول أبو هريرة فيما رواه صاحب الصحيح: (ما بين النفختين أربعون، قيل: يا أبا هريرة أربعون سنة؟ قال: أبيت)، أي: أبيت أن أُجيب، إما لأنه لم يعلم ذلك، أو أنه نسي ذلك: (قال: أبيت، قيل: أربعون شهراً؟ قال: أبيت، قيل: أربعون يوماً؟ قال: أبيت، وكل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب -أي: هو عظمة في أسفل العمود الفقري- ومنه يركّب ابن آدم).
قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٩] أي: جاء الرب جل وعلا للفصل بين العباد، ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ [الزمر:٦٩] أي: الكتاب الذي أُحصي فيه أعمال العباد وأقوال العباد ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر:٦٩] قيل في الشهداء: هم الذين قُتلوا لإعزاز دين الله ، وقيل: هم الذين يشهدون على الخلائق بأعمالهم ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر:٦٩ - ٧٠] أي: كل عبد أخذ حقه من مثاقيل الذر، كما قال الله : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨] فالله لا يظلم الناس شيئاً، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره.
стр. 99
صورة سوق الكافرين إلى جهنم
قال : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧١] أي: جماعات ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] يساق المكذّبون والمعرضون عن شرع الله ، ويساق العلمانيون والذين يصدون عن سبيل الله ، وتساق كل جماعة مع ما يشاكلها، وكل فريق من الكافرين ومن المكذبين مع ما يشاكله ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ [الزمر:٧١] أي: حتى إذا اقتربوا من النار ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧١] أي: فتحت أبوابها فجأة، حتى يفاجئوا بما فيها من العذاب، ثم هي تسحب أهلها إليها، ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٧ - ٩].
فالله أقام الحجة على العباد جميعاً، ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، وقال : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] فما حكم الله عليهم بالعذاب حتى أقام عليهم الحجة، وحتى أرسل الرسل، وحتى أنزل الكتب من السماء، فلا يدخل أحد النار -عباد الله- إلا وقد قامت عليه الحجة، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الزمر:٧١] أي: تعرفون صدقهم وأمانتهم وشرف نسبهم وأخلاقهم الفاضلة، أتوكم بالمعجزات التي تدل على صدقهم، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] اعترفوا بأنهم قامت عليهم الحجة، وبأن الله أرسل إليهم الرسل، وأقام عليهم الحجة، ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧١ - ٧٢] لم يقل: قال الله : ادخلوا أبواب جهنم؛ لأن الشر ليس إليه، كما قال إبراهيم: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠]، وكما في قصة الخضر وموسى، قال: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف:٨٠] فنسب قتل الغلام إلى نفسه، لم ينسبه إلى الله أدباً مع الله ، مع أن الله هو الذي أمر بالجميع، وهو الذي قضى بالجميع، ولكن الشر لا يُنسب إليه، وقال في الغلامين: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف:٨٢] وهنا قال: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [الزمر:٧٢].
فالجميع شهد بأنهم يستحقون العذاب، حتى هم أنفسهم الذين يدخلون النار لا يقولون: بأن الله ظلمهم ولو مثقال ذرة، بل يعترفون أنهم هم الذين ظلموا أنفسهم، وهم الذين أضاعوا حظهم، وباعوا نفوسهم بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيها من الزاهدين.
فالحياة الدائمة -عباد الله- هي الحياة الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤] لو كانت الدنيا هي الحياة ما حرم الله منها رسوله ﷺ ، وما حرم الله منها الأتقياء، والذين يحبون الله ، فالله إذا منع أحبابه ما لا يساوي جناح بعوضة، فلا يكون قد حرمهم شيئاً؛ ولذلك يقول العبد إذا أقبل على الله ، وإذا عاين أمور الآخرة: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٤] مع أنه فارق الدنيا التي يظن الناس أنها هي الحياة، وأن من سعد فيها فهو السعيد، وأن من شقي فيها فهو الشقي، فالدنيا -عباد الله- لا تساوي جناح بعوضة، (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يدخل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع؟) أي: ما يعلق بإصب
стр. 100
صورة سوق المتقين إلى الجنة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أما بعد: فيقول تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٣ - ٧٥].
عباد الله من المشهد الأخير: مشهد المتقين، ودائماً يأتي الثواب للمتقين، أو الذين آمنوا واتقوا، أو الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو الذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا، حتى يبقى المخلطون من أمثالنا، الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، ولم يبلغوا بعد درجة التقوى، يبقون على خوف وحذر؛ لأنهم لا يعرفون أنهم وصلوا بعد إلى درجة التقوى، فحتى يكون المؤمن -عباد الله- يسير إلى الله كالطائر بجناحي الخوف والرجاء، فمثل القلب كمثل الطائر، فالمحبة رأسه، والخوف والرجاء جناحاه، فمتى سلم الرأس والجناحان فالطائر جيد الطيران، وإذا قُطع الرأس مات الطائر، وإذا كُسر الجناحان أو أحدهما صار عرضة لكل صائد.
إذاً: فالقلب -عباد الله- مثله كمثل الطائر كلما كان الطائر جيد الطيران وكلما كان صحيح البنية قوي الجناحين فإنه يحلّق في أجواء السماء العليا بعيداً عن الآفات، ولكنه إذا كان قريباً من الأرض يكون قريباً من الشهوات، قريباً من العطب والهلاك، يقول : ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧٣].
قال المفسّرون: الأنبياء مع الأنبياء، والعلماء مع العلماء، والأولياء مع الأولياء، والشهداء مع الشهداء.
وقيل كذلك: كل جماعة كانت متعاونة على طاعة الله فإنها ينادى عليها يوم القيامة، وتكون زمرة من الزمر التي تساق إلى رحمة الله وإلى جنة الله .
فنسأل الله تعالى أن يجعلنا من هذه الزمر المباركة التي تُساق إلى الجنة وإلى الرحمة، ولا يجعلنا من الزمر التي تساق إلى النار والعذاب، قال عندما ذكر النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧١] فإنها تفتح فجأة، يفاجئون بما فيها من عذاب، ثم تسحبهم إليها سحباً.
ولكن الجنة دار النعيم تكون مغلّقة الأبواب، (يأتي نبينا محمد ﷺ فيطرق باب الجنة، فيقول خادم الجنة: من؟ فيقول: محمد ﵌، فيقول: بك أُمرت ألا أفتح لأحد قبلك)، فلا تُفتح الجنة لأحد قبل نبينا محمد ﷺ ، وأمته ببركة رسالته هي أول الأمم يدخلون الجنة بعد رسولها ﷺ ، فنحن الآخرون السابقون، فهي آخر الأمم؛ لأن نبيها هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ولكنها خير الأمم والسابقة بالخير والفضل، وهي أول الأمم وفوداً الجنة بعد نبيها ﷺ ، وأول من يدخل من هذه الأمة فقراء المهاجرين، ويدخل السبعون ألفاً الذين بشّر النبي ﷺ أنهم يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، يمسك بعضهم بيد بعض فيدخل أولهم وآخرهم، إشارة إلى اتساع أبواب الجنة.
وللجنة ثمانية أبواب كما أخبر النبي ﵌، كل باب لسهم من أسهم الإسلام: باب للصلاة، وباب للصيام، وباب للحج والعمرة، وباب للجهاد وغير ذلك.
وأبواب النار سبعة كما أخبر الله في كتابه: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر:٤٤].
فالجنة -عباد الله- تكون مغلقة الأبواب، فإذا اقترب منها أهلها وشفع الشافعون وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ تفتح الجنة، ويدخل أهل الجنة الجنة، يستقبلون بالتحية والتكبير، وبالسلام من رب العالمين: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر:٧٣] أي: طابت قلوبكم وطابت جوارحكم بالعبادات والطاعات، وبمحبة رب الأرض والسماوات، ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣] فالجنة -عباد الله- دار الطيبين، لا يدخلها إلا الطيبون، فمن طاب في الدنيا وطابت نفسه وطاب قلبه وطابت جوارحه من الشرك ومن معصية الله دخل الجنة من أول وهلة، أما الذين لم يطب في الدنيا بل بقي فيه من الحقد والحسد والبغضاء للمسلمين، وعدم محبة شرع الله محبة واهبة، فلا بد أن يطيب قبل أن يؤذن له بدخول الجنة.
فأبواب الجنة تكون مغل
стр. 101
أهوال يوم القيامة
يوم القيامة يوم شديد الأهوال عظيم الأحوال، ففيه الحشر والميزان والصراط والحساب والعرض، فعلى المرء المسلم أن يستعد لذلك اليوم بالأعمال الصالحة، لينجو من كربه، فإن كربه عظيمة، والسعيد من وقاه الله شر ذلك اليوم ولقاه نضرة وسروراً.
стр. 102
استحضار السلف أمور الآخرة واجتهادهم في عبادة الله
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد: فما زلنا -عباد الله- في هذه الرحلة العلوية السماوية، الرحلة إلى اليوم الآخر، وقد تكلمنا في الخطبة قبل السابقة عن الموت، وفي السابقة عن حياة البرزخ، ونحن نتكلم في هذه الخطبة -إن شاء الله تعالى- عن يوم القيامة.
لقد طغى عالم الشهادة على قلوبنا وعلى حواسنا، وعلى جوارحنا، وغابت عنا -كثيراً- أمور الآخرة؛ وكما غابت عن أعيننا وعن حواسنا غابت كذلك عن قلوبنا، ولكن السلف ﵃ كانوا يستحضرون دائماً أمر الآخرة.
صلى ابن أبي أوفى بالناس الفجر بسورة المدثر، فلما بلغ قوله : ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر:٨ - ١٠] أخذته شهقة فمات.
فلعله استحضر أمور الآخرة، واستحضر القيامة في هذه اللحظات، فكانوا يقرءون القرآن بقلوب حاضرة، وكانوا عندما يذكرهم رسول الله ﵌ بالآخرة كأنهم يرون ويشاهدون أمور الآخرة.
كان مسروق ﵁ يكثر من العبادة، وكانت عائشة تقول له: إنك من أولادي، وإنك من أحب أولادي إلي، وسمى ابنته عائشة، وكان لا يعصي لها أمراً؛ تعظيماً لأمه أم المؤمنين عائشة ﵂، فعاتبته ابنته عائشة يوماً على أنه يشدد على نفسه في العبادة، فقال لها: ما أردت به؟ قالت: الرفق، قال: إنما أردت الرفق بنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة.
فكان السلف يستحضرون أمور الآخرة، وكان يجتهدون في عبادة الله ، وكان في التابعين ثلاثون تابعياً لو قيل لأحدهم: القيامة غداً، ما استطاع أن يزيد شيئاً، فكانوا يبذلون غاية جهدهم في الطاعة والعبادة؛ لأنهم كانوا يستحضرون أمور الآخرة، لا تغيب عن قلوبهم، ولا تغيب عن حواسهم.
стр. 103
التفكر في أهوال يوم القيامة
تعالوا -عباد الله- نعيش هذه الساعة كأننا في يوم القيامة.
تعالوا نعيش يوم القيامة في هذه الساعة؛ لعلنا نتذكر أمور الآخرة، ولعل النفوس تقلع عن غيها، وتثوب إلى رشدها، وتعود إلى طاعة ربها ، فكما أن للموت شدة في أحواله وسكراته، وخطراً في خوف العاقبة، كذلك الخطر في مقاساة ظلمة القبر وديدانه، ثم فتنة منكر ونكير وسؤالهما، ثم عظمة القبر وخطره إن كان مغضوباً عليه، وأعظم من ذلك كله: الأهوال التي بين يديه من نفخ الصور، والبعث يوم النشور، والسؤال على القليل والكثير، ونصب الميزان لمعرفة المقادير.
فهذه أحوال وأهوال لابد لك من معرفتها، ثم الإيمان بها على سبيل الجزم والتصديق، ثم تطويل الفكر في ذلك؛ لتنبعث من قلبك دواعي الاستعداد لها.
وأكثر الناس لم يدخل الإيمان باليوم الآخر صميم قلوبهم، ولم يتمكن من سويداء أفئدتهم، ويدل على ذلك شدة تشميرهم لحر الصيف وبرد الشتاء، وتهاونهم بحر جهنم وزمهريرها مع ما فيها من المصاعب والأهوال، بل إذا سئلوا عن اليوم الآخر نطقت به ألسنتهم ثم غفلت عنه قلوبهم.
ومن أخبر بأن ما لديه من الطعام مسموم فقال لصاحبه الذي أخبره: صدقت، ثم مد يده لتناوله كان مصدقاً بلسانه مكذباً بعمله، وتكذيب العمل أبلغ من تكذيب اللسان.
فمثل نفسك وقد بعثت من قبرك مبهوتاً من شدة الصاعقة، شاخص البصر نحو النداء، وقد ثار الخلق ثورة واحدة من القبور التي كان فيها بلاؤهم، وقد أزعجهم الرعب مضافاً إلى ما كان عندهم من الهموم والغموم، وشدة الانتظار لعاقبة الأمر، قال الله : ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].
وتفكر في الخلائق وذلهم، وانكسارهم واستكانتهم؛ انتظاراً لما يقضى عليهم من سعادة أو شقاوة، وأنت فيما بينهم منكسر كانكسارهم، متحير كتحيرهم، فكيف حالك وحال قلبك هنالك وقد بدلت الأرض غير الأرض والسماوات، واشتبك الناس وهم حفاة عراة مشاة، وازدحموا في الموقف شاخصة أبصارهم، منكسرة قلوبهم؟ فكيف ترى حياءك _يا عبد الله- وهو يعد عليك إنعامه ومعاصيك، وأياديه ومساويك؟! وتفكر في طول هذا اليوم وشدة الانتظار فيه، والخجل والحياء من الافتضاح عند العرض على الجبار تعالى، وأنت عار مكشوف متحير ذليل مذعور، منتظر ما يجري عليك القضاء بالسعادة أو الشقاوة، فما أعظم هذه الحال! فإنها عظيمة، واستعد لهذا اليوم العظيم شأنه، القاهر سلطانه، القريب عذابه، يوم ترى السماء فيه قد انفطرت، والنجوم الزواهر من هوله قد انكدرت، والجبال قد سيرت، والعشار قد عطلت، والوحوش قد حشرت، والنفوس إلى الأبدان قد زوجت.
стр. 104
أسماء يوم القيامة وغفلة الناس عنه
وقد ذكر الله في كتابه يوم القيامة، وأكثر من أساميه؛ لتقف بكثرة أساميه على كثرة معانيه، فسماه: يوم القيامة، وسماه: الواقعة، وسماه: القارعة، وسماه: الزلزلة، وسماه: الحاقة، وسماه: الطامة، وسماه: الصاخة، وسماه: يوم التلاق، وسماه: يوم التناد، وسماه: يوم الحشر، وسماه: يوم النشور، وسماه: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
فالويل كل الويل للغافلين، يرسل الله إلينا سيد المرسلين، وينزل عليه الكتاب المبين، ويعرفنا بالنعوت من صفات يوم الدين، ثم يعرفنا غفلتنا فيقول: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء:١ - ٢].
ثم يعرفنا قرب القيامة فيقول: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، ويقول: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج:٦ - ٧]، ويقول: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣].
стр. 105
الحشر
تعالوا نلقي نظرة على أرض المحشر، ثم تعالوا لنرى كيف يحشر الناس إلى ربهم يوم القيامة، ثم تعالوا نرى صفوف الحساب، وتعالوا نرى تطاير الصحف؛ فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، تعالوا نرى هذا الميزان العجيب، ميزان الحق الذي توزن فيه أعمال العباد، بل يوزن فيه العباد أنفسهم يوم القيامة، ثم تعالوا نلقي نظرة على الصراط الذي يضرب على ظهر جهنم بعد أن عانوا وكابدوا أمور الآخرة وأهوالها، وكيف يمرون على هذا الصراط؟ وكيف ينجو من ينجو بطاعة الله ، وكيف يكردس المجرم والفاسق والكافر في نار جهنم؟! تعالوا إلى أحوال الآخرة وأهوالها، لعلنا نغيب عن شهوات الدنيا وعن زينتها وعن زخرفها، ولعلنا نعيش بقلوبنا في الآخرة، ونستحضر أمور الآخرة؛ لعلنا نسعى للقاء الله ، ونستعد للقاء الله .
стр. 106
أرض المحشر
أرض المحشر أرض بسيطة مبسوطة ليس فيها مرتفع ولا منخفض، قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧].
وقال : ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم:٤٨].
قال ابن عباس: يزاد فيها وينقص، وتذهب جبالها وأشجارها وأوديتها وما فيها، وتمد مد الأديم العكاظي، أرض بيضاء مثل الفضة، لم يسفك عليها دم، ولم يعمل عليها خطيئة.
قال النبي صلى الله وعليه وآله وسلم: (يحشر الناس على أرض بيضاء عفراء كقرص نقي -أي: نقي عن النخالة والقشرة- ليس فيها معلم لأحد)، ليس فيها برج ولا مرتفع ولا منخفض، بل الكل فيها ظاهر مكشوف الرجال والنساء، قالت عائشة ﵂: (الرجال مع النساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك).
إنه يوم عظيم عباد الله!
стр. 107
كيفية حشر الناس إلى أرض المحشر
كيف يحشر الناس إلى هذه الأرض أرض المحشر؟ يقول النبي ﵌: (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، ويحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا).
نار تخرج من قعر عدن، تسوق الناس إلى أرض المحشر.
وأرض المحشر قيل: هي فلسطين، هذه النار تسوق الناس تقيم معهم وتبيت معهم وتصبح معهم، تسوقهم إلى أرض المحشر.
عن قتادة عن أنس ﵁ أن رجلاً قال للنبي ﵌: (كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال النبي ﷺ : أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟!).
قال قتادة: بلى وعزة ربنا؛ وذلك قول الله : ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وَجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء:٩٧].
فالكافر يسير على وجهه، ويحشر على وجهه، ويعاني بوجهه ما على أرض المحشر.
ويقول : ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٥ - ٨٦].
قال ابن عباس: (وفداً) أي: ركباناً.
أي: أن أهل التقوى لا يحشرون على أقدامهم؛ لأن العرب تطلق الوفد على الذين يأتون على الرواحل.
ويقول علي ﵁: لا يحشرون والله! على أقدامهم، ولكن على نوق رحالها الذهب، ونجائب سرجها يواقيت إن هموا بها سارت، وإن هموا بها طارت.
قال : ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٦] أي: عطاشاً قد تقطعت أعناقهم من العطش، ولكنهم لا يردون إلى ماء، بل إلى جهنم وحميمها ومهلها وجحيمها، كما ورد في حديث الشفاعة الطويل: (يقال لهم: ما تشتهون؟ فيقولون: عطشنا، فيشار لهم إلى جهنم كأنها سراب يحطم بعضها بعضاً فيقال لهم: ألا تردون؟) فسبحان الله وبحمد الله أكبر، كانوا في الدنيا على السواء يأكلون ويشربون، ويذهبون ويجيئون فلما جاءهم الموت عرف كل منهم سبيله، واتضح له مقيله، فلما صاروا في البرزخ خلا كل منهم بعمله، وأفضى إلى ما قدم قبل أجله، فبينما هم كذلك إذ صرخ فيهم الصارخ، وصاح فيهم الصائح، فخرجوا من الأجداث مسرعين، وإلى الداعي مهطعين، هذا على النجائب، وهذا على الركائب، وهذا على قدميه، وهذا على وجهه، هؤلاء في النور ينظرون، وأولئك في ظلمات لا يبصرون، هؤلاء حلو أساور من فضة وسقاهم ربهم شراباً طهوراً، وأولئك غلتهم الزبانية بالسلاسل، وعلتهم بالمقامع، يضربون بطوناً منهم وظهوراً، هؤلاء عليهم حلل السندس والإستبرق وسائر الألوان، وأولئك مقرنين في الأصفاد، سرابيلهم من قطران، هؤلاء يقول لهم ربهم: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]، وأولئك يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، ويقول: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧].
لقد ظهر الفرقان، وامتاز الفريقان، لقد صار الغيب شهادة، والمستور مكشوفاً، والمخبأ ظاهراً: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص:٢٨]، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١].
كم صائم في الدنيا عظم يومئذ جوعه! كم كاسٍ في الدنيا طال يومئذ عريه! كم شارب في الدنيا اشتد يومئذ ظمؤه! كم ناعم في الدنيا حق يومئذ بؤسه! ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ * مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [القصص:٨٣ - ٨٤].
стр. 108
أهوال الآخرة وأحوالها
تعالوا نستعرض أهوال الآخرة وأحوالها، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:١ - ٢].
الناس يترنحون من أهوال الآخرة كأنهم سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد.
وقال : ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:١٣ - ٣٢].
ثم يذكر الله حيثيات وسبب هذا الحكم، فقال : ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ [الحاقة:٣٣ - ٣٧].
ويقول : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ * مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٢ - ٤٣]، فالله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، فالله يمهل ولا يهمل، قال : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم:٤٢] أي: تتشتت فيه الأبصار، ﴿مُهْطِعِينَ﴾ [إبراهيم:٤٣] أي: مسرعين، ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ [إبراهيم:٤٣] قال الحسن: وجوه الناس يومئذ إلى السماء؛ من شدة ما نزل بهم، ومن عظم هذا اليوم لا تتحرك رءوسهم، فقد تسمرت في اتجاه السماء، ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم:٤٣] لا تطرف أعينهم؛ لأنهم منتظرون في كل لحظة مصيبة، وفي كل دقيقة داهية، ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٣]، قال قتادة: خرجت قلوبهم من أجوافهم فتعلقت في حناجرهم؛ كما قال : ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨].
((وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ))؛ أي: لا شيء فيها.
وقال سعيد بن جبير: أرواحهم تمور وتتردد في أجوافهم ليس لها مكان تستقر فيه.
وقال : ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر:١٨]، قال عكرمة: إن الرجل ليتعلق بولده يوم القيامة، فيقول: أي والد كنت لك؟ فيثني خيراً.
فيقول: إني قد احتجت إلى حسنة واحدة من حسناتك؛ لعلي أنجو بها مما ترى، فيقول: يا أبت! ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل ما تتخوف، ثم يتعلق بزوجته يقول: أي فلانة! أي زوج كنت لك؟ فتثني خيراً، فيقول: إني قد احتجت إلى حسنة واحدة من حسناتك؛ لعلي أنجو بها مما ترين، فتقول: ما أيسر ما طلبت، ولكني أتخوف مثل ما تتخوف.
فهذا الرجل احتاج إلى حسنة واحدة؛ حتى يثقل ميزان الحسنات على ميزان السيئات، وحتى يدخل جنة الله وينجو من الن
стр. 109
صفة الحساب يوم القيامة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
أهوال القيامة وأحوالها كثيرة عظيمة تشيب لها الولدان.
فهذه صفة الحساب: عن أنس ﵁ قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فضحك فقلنا: ما الذي أضحكك يا رسول الله؟! قال: من مخاصمة العبد ربه يوم القيامة، يقول: رب! ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني، فيقول الله : ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم الله على فيه -أي: على فمه- ثم يقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل).
يقول الله : ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢٤].
وقال : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥].
فالعبد تشهد عليه جوارحه كما تشهد الأرض التي عمل عليها بطاعة الله أو بمعصية الله، تشهد عليه؛ يستنطقها الله يوم القيامة فتنطق، فمن عمل عليها بطاعة الله تشهد له بالخير، كما أنها تنطق على من عمل عليها بمعصية الله فتشهد عليه بالمعصية.
فينبغي على العبد أن يحذر من جوارحه، فإنها تستنطق يوم القيامة، وتشهد عليه، ويحذر من كل شيء وإن كان جماداً فإنه سيشهد عليه بأعماله يوم القيامة.
стр. 110
الميزان
أحوال القيامة كثيرة وعظيمة، فتعالوا إلى ميزان الحق، يقول الله : ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء:٤٧]، وقال : ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف:٨ - ٩].
فهذا الميزان ميزان عجيب له كفتان، هذا الميزان توزن فيه الأعمال، وتوزن فيه صحائف الأعمال، ويوزن فيه ثواب الأعمال، بل العمال أنفسهم يوزنون في هذا الميزان، يوضع العبد منهم في هذا الميزان يوم القيامة، وتوزن في ميزان الحق يوم القيامة الأعمال أنفسها، كما قال : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
فالأعمال الصالحة تجسد، ويكون لها وزن ومقدار بحسب قيمتها عند الله ، كما أن المعاصي كذلك تجسد، وتكون أعياناً، ويكون لها وزن يوم القيامة، قال : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
وهكذا ما في قلوب العباد من حب وبغض، فمن يحب أهل الإيمان وأهل الالتزام ومن يحب الأنبياء والعلماء والدعاة والملتزمين بشرع الله فإن هذا يجسد ويوضع في ميزان الحق يوم القيامة، ومن يبغض أهل الإيمان ويحب أهل الكفر والفسوق والعصيان فإن ذلك يجسد كذلك، ويوضع في كفة السيئات في ميزان الحق يوم القيامة.
ويوضع في ميزان الحق كذلك صحائف الأعمال، كما قال النبي ﵌: (إن الله سيستخلص رجلاً من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فيقال: احضر وزنك، فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل مد البصر، فتوضع هذه السجلات في كفه، ويقال له: ألك حسنة؟ فيقول: لا، فتخرج له بطاقة عليها لا إله إلا الله، فتوضع هذه البطاقة في كفه والسجلات في كفه، فتطيش السجلات وتثقل البطاقة).
هذا رجل حقق التوحيد، ولكنه وقع في ذنوب دون الشرك، فنجاه الله بالتوحيد.
ويوضع كذلك في ميزان الحق يوم القيامة ثواب الأعمال، كما روى الترمذي عن النواس بن سمعان الكلابي ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: (يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران، كأنهما غمامتان، أو كأنهما ظلتان سوداوان بينهما شرق، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما).
يقول الترمذي: أي: يجيء ثواب عمله، أي: أن هذه الأمثال الثلاثة معناها مجيء ثواب عمله.
ويوضع في ميزان الحق يوم القيامة العباد أنفسهم، كما قال : ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، وقال النبي ﵌: (إنه ليؤتى بالرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن عند الله جناح بعوضة).
فانظروا -عباد الله- إلى هذا الميزان العجيب!
следующие страницы →