← Джавами‘

Джавами‘ · id 7720

دروس الشيخ أحمد فريد

أحمد فريد

Полный текст (481 стр.). Показаны 456–481 · переход к 461.

стр. 456

موقف رجل صالح مع ملك ظالم في الصبر والرضا ومن هذه المواقف الإيمانية: قصة رجل من أفضل أهل زمانه، قال وهب بن منبه ﵀: أتي برجل من أفضل أهل زمانه إلى ملك كان يجبر الناس على أكل لحوم الخنازير، فلما أتي به أعظم الناس مكانه وهالهم أمره، فقال له صاحب شرطة الملك: ائتني بجدي تذكيه، يعني: تذبحه مما يحل لك أكله، فأعطنيه؛ فإن دعا بلحم الخنزير أتيتك به فكله، يعني: أن صاحب الشرطة قال لهذا الرجل الذي هو من أفضل أهل زمانه: ائتني بجدي تذكيه وتذبحه، ثم إذا أمر الملك أن يعطى من لحم الخنزير فيعطيه من هذا اللحم. قال: فأعطنيه، فإن دعا بلحم الخنزير أتيتك به فكله. فذبح جدياً فأعطاه إياه، ثم أتي به إلى الملك، فدعي بلحم الخنزير، فأتاه صاحب الشرطة بلحم الجدي الذي كان أعطاه إياه، فأمره الملك بأكله، فأبى، فجعل صاحب الشرطة يغمز له ويأمره أن يأكله، ويريه أنه هو اللحم الذي دفعه إليه، فأبى أن يأكله، فأمر الملك صاحب الشرطة أن يقتله، فلما ذهب به قال: ما منعك أن تأكل وهو اللحم الذي دفعت إلي؟ أظننت أني أتيتك بغيره؟ قال: لا، قد علمت أنه هو، ولكني خفت أن يفتتن الناس بي، فإذا أريد أحدهم على أكل لحم الخنزير قال: قد أكله فلان، فيستنوا بي، فأكون فتنة لهم، فقتل رحمة الله عليه!

стр. 457

موقف أبي عبيدة بن الجراح في الصبر والرضا ومن المواقف الإيمانية في الصبر على البلاء والرضا بالقضاء: موقف أبي عبيدة بن الجراح، وأبو عبيدة هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃، شهد بدراً وقتل يومئذ أباه، وأبلى يوم أحد بلاءً حسناً، ونزع الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجنتي رسول الله ﷺ ، فانقلعت ثنيتاه، فحسن ثغره بذهابهما، حتى قيل: ما رئي هتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة. فرضيه أبو بكر ﵁ خليفة بعد رسول الله ﷺ فقال: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر وأبا عبيدة. وثبت عنه ﷺ أنه قال: (إن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح). ومناقبه ﵁ كثيرة شهيرة، ومواقفه الإيمانية عالية رفيعة في البذل والتضحية والزهد، وإنما قصدنا موقفه الإيماني عند نزول وباء الطاعون. عن قيس بن مسلم عن طارق أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون: إنه قد عرضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك. كان أبو عبيدة في هذا الوقت على رأس جيش في الشام، فلما سمع عمر ﵁ بوقوع طاعون عمواس أرسل إلى أبي عبيدة، وطاعون عمواس منسوب إلى قرية تسمى عمواس بين الرملة وبين بيت المقدس. وقال الأصمعي: هو من قولهم: زمن الطاعون عم وآسى. يعني: فاختصر وقيل له: عمواس، ولكن الصحيح الأول، والله أعلم. فلما سمع أمير المؤمنين عمر ﵁ بنزول الطاعون أرسل إلى أبي عبيدة فقال له: إني قد عرضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك فيها، فعجل إلي، فلما قرأ الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين؛ إنه يريد أن يستبقي ما ليس بباق. فكتب: إني قد عرفت حاجتك، فحللني من عزيمتك؛ فإني في جند من أجناد المسلمين، لا أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد، قال: فتوفي أبو عبيدة، وانكشف الطاعون. وروى ابن المبارك في الزهد عن شهر بن حوشب -وهو مختلف فيه- قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم عن الحارث بن عميرة قال: أخذ بيدي معاذ بن جبل فأرسله إلى أبي عبيدة فسأله: كيف هو؟ وقد طعن، فأراه أبو عبيدة طعنة، يعني: إصابة الطاعون، وهو يظهر على شكل أورام يصيب الغدد اللمفاوية، ويظل ينتشر في أماكن متفرقة في الجسم، وينتقل إلى الرئتين وغير ذلك، يقول: وقد طعن، فأراه أبو عبيدة طعنة خرجت في كفه، فتكاثر شأنها في نفس الحارث وفرق منها حين رآها، يعني: انزعج عندما رأى هذه الطعنة، فأقسم أبو عبيدة بالله إنه ما يحب أن له مكانها حمر النعم. فصبره ﵁ وعدم استجابته لاستدعاء أمير المؤمنين عمر ﵁ ثم رضاه بما أصيب به من الطاعون وعدم تمنيه زوال البلاء هو عين الرضا. فالإنسان لا يتمنى البلاء أبداً، لأن ساحة العافية هي أوسع، ولكن إذا نزل بلاء فيصير ميدان الصبر هو الميدان الواسع، وأعلى منه ميدان الرضا، وهو عدم تمني زوال ما هو فيه. فصبره ﵁ وعدم استجابته لاستدعاء أمير المؤمنين عمر ثم رضاه بما أصيب به من الطاعون وعدم تمنيه زوال البلاء هو عين الرضا، وهو أعلى الدرجات، ومن أولى بذلك من الصحابة الكرام، ثم من أولى بكل فضيلة من العشرة المبشرين ﵃ أجمعين.

стр. 458

موقف عروة بن الزبير في الصبر والرضا وهذا فارس آخر من فرسان الصبر وهو عروة بن الزبير: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: وقعت الأكلة في رجله فقيل له: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: إن شئتم، والأكلة الظاهر أنها مرض يصيب الأطراف وينتقل. فجاء الطبيب فقال: أسقيك شراباً يزول به عقلك، وطبعاً يجوز أخذ البنج أو شيء يذهب العقل؛ لأن هذه الآلام قد تذهب بحياة الإنسان، فقد يدخل في صدمة عصبية، وقد يموت من ذلك، فالعلماء رخصوا في العمليات الجراحية، وعمليات البتر بتعاطي البنج ونحوه، ولكن عروة بن الزبير اختار المقام الذي لا يصبر عليه إلا من هو إمام في الصبر. فجاء الطبيب فقال: أسقيك شراباً يزول به عقلك؟ فقال: امض لشأنك، ما ظننت أن خلقاً يشرب شراباً يزول فيه عقله حتى لا يعرف ربه! قال: فوضع المنشار على ركبته اليسرى ونحن حوله فما سمعنا له حساً، فلما قطعها جعل يقول: لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت. وما ترك حزبه من القراءة تلك الليلة. وقال عامر بن صالح عن هشام بن عروة: إن أباه خرج إلى الوليد بن عبد الملك، حتى إذا كان بوادي القرى وجد في رجله شيئاً، فظهرت به قرحة، ثم زاد به الوجع، فلما قدم على الوليد قال: يا أبا عبد الله! اقطعها، قال: دونك، فدعا له الطبيب، وقال له: اشرب المرقد، فلم يفعل، فقطعها من نصف الساق، فما زاد على قوله: حسي حسي، فقال الوليد: ما رأيت شيخاً أصبر من هذا. وأصيب عروة ﵀ في هذا السفر بابنه محمد؛ ركضته بغلة في إصطبل، فلم نسمع منه كلمة في ذلك، فلما كان بوادي القرى قال: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢]، اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت منهم واحداً وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفاً وأبقيت ثلاثة، فإن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت. فهذا موقف إيماني في الصبر على البلاء والرضا بمر القضاء، فكم من إنسان يدعي الإيمان، فإذا نزل به البلاء أو المصيبة تزلزل إيمانه، وأساء الظن بربه ! والمواقف الإيمانية كما ذكرنا غير مرة ثمرة من ثمرات الإيمان، فالدافع لها قوة الإيمان ومحبة الرحمان، ولا يصبر هذا الصبر الجميل إلا إذا اكتمل إيمانه، وعلا يقينه، وقد كان على هذا أئمة العلم والعمل والعبادة والجهاد. فقد كان عروة يسرد الصيام، ويقوم بربع القرآن كل ليلة، ويحكم ما عند خالته عائشة ﵂ من مرويات قبل وفاتها بثلاث سنوات. وقد ورد أنه نظر إلى ساقه التي قطعت فقال: الله يعلم أني ما مشيت بها إلى معصية قط وأنا أعلم. فرحم الله أئمتنا وجزاهم عنا خير الجزاء، فقد أسندوا لنا الأحاديث النبوية، وضربوا لنا أروع الأمثلة في العبادة والصبر والجهاد، ولا شك في أن هذه النماذج وهذه الهمم في العلم والعمل كلها تدل على بركة رسالة نبينا محمد ﷺ ، فلا يمكن أن توجد في أمة من الأمم مثل هذه الثمرات الطيبة، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، ورحم الله علماء المسلمين وأعظم مثوبتهم.

стр. 459

موقف الخنساء ﵂ في الصبر والرضا ومن تلك المواقف: موقف الخنساء ﵂ وأبنائها الأربعة: حضرت الخنساء ﵂ حرب القادسية، وكان معها بنوها أربعة رجال، فوعظتهم، وحرضتهم على القتال وعدم الفرار، وقالت: إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وإنكم لأب واحد، وأم واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت أخوالكم، فلما أصبحوا باشروا القتال، حتى قتلوا، فبلغها الخبر فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته. وهذا الدعاء بعض العلماء يقول: فيه نظر؛ لأن بعضهم يقول: مستقر الرحمة هي ذات الله ، وعلى كل حال، الأولى أن يقال: في فردوسه الأعلى. قال: وكان عمر بن الخطاب يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة حتى قبض. وقد أجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها، وقد كانت تقول في أول أمرها البيتين والثلاثة، حتى قتل شقيقها معاوية بن عمرو وقتل أخوها لأبيها صخر وكان أحبهما إليها؛ لأنه كان حليماً جواداً محبوباً في العشيرة. ومما قالت فيه: ألا يا صخر! لا أنساك حتى أفارق مهجتي ويشق رمسي يذكرني طلوع الشمس صخراً وأبكيه لكل غروب شمس ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي فانظر -رحمك الله- كيف جزعت على أخيها صخر وأنشدت ما تتقطع له القلوب، وعندما تشرفت بالإسلام حضت أبناءها على الجهاد، ورغبتهم في الاستشهاد، فلما قتلوا قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم. فهذا يبين قيمة الإيمان، حيث إنه يغير الطبائع ويغير الأحوال، ويغير الأعمال، ويغير القلوب والتصرفات. إنه الإيمان الذي يغير القلوب، ويرفع الهمم، وينتج المواقف الإيمانية التي وفق لها سادات المؤمنين، والتي يرتفعون بها في الدنيا وعند الله رب العالمين.

стр. 460

موقف سعد بن أبي وقاص في الصبر والرضا ومن تلك المواقف أيضاً موقف سعد بن أبي وقاص: لما قدم سعد بن أبي وقاص مكة وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت إليه فعرفني، وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم فذكر قصة قال في آخرها: فقلت له: يا عم! أنت تدعو للناس، فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك، فتبسم وقال: يا بني! قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري. فهذا حال الرضا من الإنسان يرضى بالحال التي هو فيها، ويطمع في ثوابها، ولا يتمنى زوالها. فالعبد لا يصل إلى درجة إجابة الدعاء إلا بعد مجاهدة عظيمة وتحبب وتقرب إلى الله ، فترتفع رتبة العبد بالطاعة وكثرة النوافل فيصير في درجة تؤهله إن سأل الله أعطاه، وإن استعاذ بالله أعاذه. والعبد يصل مع ذلك إلى درجات عالية من المحبة والرضا والتعظيم لأمر الله ، كما قال بعضهم: أحبه إليه أحبه إلي.

стр. 461

موقف رجل أنصاري في الصبر والرضا وهذا موقف رجل من الأنصار، والأنصار أصحاب مواقف إيمانية مدحهم الله بالإيمان ووصفهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]. تبوءوا دار الهجرة فسبقوا، وكانوا من سكان دار الهجرة، وسبقوا أيضاً إلى الإيمان. عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فغشينا داراً من دور المشركين، فأصبنا امرأة رجل منهم، ثم انصرف رسول الله ﷺ راجعاً وجاء صاحبها -وكان غائباً- فذكر له مصابه، ثم حلف لا يرجع حتى يهريق في أصحاب رسول الله ﷺ دماً، فلما كان رسول الله ﷺ في بعض الطريق نزل في شعب من الشعاب وقال: من رجلان يكلأاننا في ليلتنا هذه من عدونا؟ قال: فقال رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار: نحن نكلؤك يا رسول الله! قال: فخرجا إلى فم الشعب دون العسكر، ثم قال الأنصاري للمهاجري: أتكفيني أول الليل وأكفيك آخره، أو تكفيني آخره وأكفيك أوله؟ قال: فقال له المهاجر: بل اكفني أوله، وأكفيك آخره، فنام المهاجري وقام الأنصاري يصلي، فافتتح سورة من القرآن فبينما هو فيها يقرؤها جاء زوج المرأة، فلما رأى الرجل قائماً عرف أنه ربيئة القوم، فرماه بسهم فوضعه فيه، قال: فنزعه، ثم وضعه وهو قائم يقرأ في السورة التي هو فيها -يعني: سحب السهم ورماه واستمر في الصلاة ولم يتحرك كراهية أن يقطعها- قال: ثم عاد له زوج المرأة فرماه بسهم آخر، فوضعه فيه، قال: فانتزعه وهو قائم يصلي في السورة التي هو فيها، ولم يتحرك؛ كراهية أن يقطعها، ثم عاد له زوج المرأة المرة الثالثة فرماه بسهم فوضعه فيه، قال: فانتزعه فوضعه، ثم ركع وسجد، ثم قال لصاحبه: اقعد فقد أتيت، قال: فجلس المهاجري، فلما رآهما صاحب المرأة هرب وعرف أنه قد نذر به. قال: وإذا الأنصاري يفوح دماً من رميات صاحب المرأة، قال: فقال له أخوه المهاجري: يغفر الله لك، ألا كنت آذنتني أول ما رماك؟ قال: كنت في سورة من القرآن قد افتتحتها أصلي بها، فكرهت أن أقطعها، وايم الله! لولا أن أضيع ثغراً أمرني رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها). فلله در الأنصار أصحاب المواقف الإيمانية، وهم الذين تبوءوا الدار والإيمان، وأي صبر مثل هذا الصبر الجميل؟ وأي مواقف تداني تلك المواقف الإيمانية؟ فرضي الله عن أصحابها، ورفعهم بها، وأعلاهم، وقد فعل، فله الحمد والمنة.

стр. 462

موقف عمر بن عبد العزيز في الصبر والرضا وهذا موقف صبر لـ عمر بن عبد العزيز ﵀: عن الربيع بن سبرة قال: لما هلك عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز وكان صنو أبيه، يعني: كان شبيهاً بأبيه في الزهد، بل كان بعض الناس يقول: إنه أفضل من أبيه، ثم هلك أخوه سهل بن عبد العزيز ومولاه مزاحم. وسهل بن عبد العزيز هو أخو عمر بن عبد العزيز، هلكوا في أيام متتابعة، فدخل الربيع بن سبرة عليه فقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين، فما رأيت أحداً أصيب بأعظم من مصيبتك في أيام متتابعة، والله! ما رأيت مثل ابنك ابناً، ولا مثل أخيك أخاً، ولا مثل مولاك مولى قط. قال: فطأطأ عمر رأسه، فقال لي رجل معي على الوسادة: لقد هيجت على أمير المؤمنين. قال: ثم رفع رأسه فقال: كيف قلت الآن يا ربيع؟! فأعدت عليه ما قلت أولاً، فقال: والذي قضى عليهم بالموت ما أحب أن شيئاً من ذلك كان لم يكن. وأعاد الحديث وزاد فيه: ما أحب أن شيئاً من ذلك كان لم يكن؛ لما أرجو من الله تعالى فيهم. إنه الرضا عن الله ، ومن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. والرضا أكبر من جنة الله ، وعمر بن عبد العزيز إمام عادل صاحب زهد وورع وعلم وعبادة وشرف وسيادة، وكل أخباره عجيبة. وقد أشار الإمام أحمد ﵀ إلى أن نشر فضائله فيه خير كثير. فنسأل الله أن يجمعنا مع هؤلاء الأعلام بحبنا لهم ونشرنا لأخبارهم، ولله الحمد والمنة على كل نعمة.

стр. 463

موقف صفية بنت عبد المطلب في الصبر والرضا وهذا موقف لـ صفية بنت عبد المطلب ﵂ عند مقتل أخيها أسد الله حمزة. لما انهزم المسلمون بعد أن خالف الرماة أمر رسول الله ﷺ بالثبات، وانفض أكثر الناس عن رسول الله ﷺ ، ولم يبق حوله سوى القلائل من أصحابه، قامت صفية ﵂ وبيدها رمح تضرب به وجوه الناس الفارين المنهزمين والأعداء المشركين، وتقول لهم: انهزمتم عن رسول الله ﷺ ، فلما رآها رسول الله ﷺ أشفق عليها أن ترى أخاها حمزة وقد مثل به، فقال لابنها الزبير: القها فأرجعها؛ لا ترى ما بشقيقها -أي: حمزة بن عبد المطلب ﵁ فلقيها الزبير فقال: يا أماه! إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعي، فقالت صفية: فقد بلغني أنه مثل بأخي، وذلك في الله قليل، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله تعالى، وعاد الزبير إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك، فقال ﷺ : خل سبيلها، فأتت صفية إلى حمزة فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت، ثم أمر رسول الله ﷺ به فدفن. فهذا موقف إيماني من عمة النبي ﷺ صفية بنت عبد المطلب، وقد رأت أخاها وقد مثل به المشركون، ومع ذلك صبرت واحتسبت، فلله درها! وعلى الله تعالى أجرها، والمواقف العظيمة يوفق لها العظماء، وقريش هي قريش، والناس معادن كمعادن الذهب والفضة، وصفية هي أم الأسد المغوار حواري رسول الله ﷺ وفارس الإسلام الزبير بن العوام ﵁، وسوف يأتي موقف آخر لـ أسماء شبيه بهذا الموقف. والقصة طويلة معروفة، وهي قصة أسماء بنت أبي بكر حين قتل ولدها عبد الله بن الزبير.

стр. 464

موقف أسماء بنت أبي بكر في الصبر والرضا عن يعلى التيمي قال: دخلت مكة بعد قتل ابن الزبير بثلاث وهو مصلوب، فجاءت أمه وهي عجوز طويلة عمياء فقالت للحجاج: أما آن للراكب أن ينزل؟ فقال: المنافق؟ قالت: والله ما كان منافقاً؛ كان صواماً قواماً براً، قال: انصرفي يا عجوز! فقد خرفت! قالت: والله! ما خرفت منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يبعث في ثقيف كذاب ومبير) الحديث. تشير إلى أن المبير هو الحجاج، فهذا موقف إيماني في الصبر على البلاء والرضا بمر القضاء من ذات النطاقين أسماء بنت أبي بكر، وما أكثر مواقفها الإيمانية! عن أسماء قالت: صنعت سفرة النبي ﷺ في بيت أبي حين أراد أن يهاجر فلم أجد لسفرته ولا لسقائه ما أربطها فقلت لأبي: ما أجد إلا نطاقي، فقال: شقيه اثنين فاربطي بهما، قالت: فلذلك سميت ذات النطاقين. وقد طال عمرها ﵂، فهي أكبر من عائشة الصديقة ببضع عشرة سنة، وهي آخر المهاجرات وفاة. قال ابن سعد: ماتت بعد ابنها بليال، وكان قتله لسبع عشرة خلت من جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين. وعن ابن أبي مليكة قال: دخلت على أسماء بعدما أصيب ابن الزبير فقالت: بلغني أن هذا صلب عبد الله، اللهم لا تمتني حتى أوتى به فأحنطه وأكفنه. فأتيت به بعد فجعلت تحنطه بيدها وتكفنه بعدما ذهب بصرها. وجاء من وجه آخر عن ابن أبي مليكة: وصلت عليه، وما أتت عليها جمعة إلا ماتت.

стр. 465

موقف معاذة العدوية في الصبر والرضا وهذا موقف معاذة العدوية زوجة صلة بن أشيم: روى ابن أبي شيبة بإسناده عن ثابت البناني أن صلة بن أشيم كان في غزاة له ومعه ابن له فقال له: أي بني! تقدم فقاتل حتى أحتسبك، فحمل فقاتل حتى قتل، ثم تقدم أبوه فقتل، فاجتمعت النساء فقامت امرأته معاذة العدوية فقالت للنساء: إن كنتن جئتن لتهنئنني فمرحباً بكن، وإن كنتن جئتن لغير ذلك فارجعن. ومعاذة العدوية عابدة من العابدات الشهيرات، وأيضاً صله بن أشيم من العباد والزهاد المشهورين، وإنما تليق المواقف الإيمانية بأرباب العبادة والعلم؛ لأن المواقف الإيمانية ثمرة الإيمان، فهم أحق بها وأهلها. فـ صلة بن أشيم كان يدفع ابنه للجهاد، ويرغبه في الاستشهاد، فهو أراد أن يأخذ ثواب الصبر على ابنه، ثم يبذل نفسه بعد ذلك. فهذا موقف من مواقف البذل والتضحية، يبين كيف أن الواجب على المسلم أن يكون حبه لله ، ولرسوله ﷺ وللجهاد في سبيل الله أكثر من حبه لأولاده. وفي هذا واعظ لكثير من الآباء الذين يمنعون أولادهم من الالتزام بالشرع المتين، وصحبة الدعاة المخلصين؛ خوفاً عليهم من السجون والمعتقلات، مع أن ما قدره الله للعبد لابد له منه، فهذا خالد بن الوليد ﵁ كم قاتل ونافح وجاهد، وما في جسده موضع إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ومع ذلك مات على فراشه، فلا نامت أعين الجبناء. وفي هذا عظيم موقف الولد وطاعته لأبيه وبذله نفسه وتقدمه للقتال قبل أبيه حتى قتل ﵀. وهكذا موقف معاذة رحمها الله في الصبر على البلاء، فرحم الله سلف الأمة، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

стр. 466

موقف امرأة عربية في الصبر والرضا وهذا موقف لعربية ذهب البرد بزرعها فصبرت واحتسبت فعوضت خيراً. قال التنوخي: أخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي بالبصرة سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة قراءة عليه وأنا أسمع عن البرقي قال: رأيت امرأة بالبادية وقد جاء البرد فذهب بزرع كان لها، فجاء الناس يعزونها، فرفعت طرفها إلى السماء وقالت: اللهم أنت المأمول لأحسن الخلف وبيدك التعويض عما تلف، تفعل بنا ما أنت أهله، فإن أرزاقنا عليك، وآمالنا مصروفة إليك. قال فلم أبرح حتى جاء رجل من الأجلاء فحدث بما كان، فوهب لها خمسمائة دينار. فثواب الصبر والرضا يكون كاملاً في الآخرة، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، ومع ذلك فإن الله يعوض المؤمن في الدنيا ولا يخيبه، فهذه من البركات المعجلة للمؤمنين، وتوفية حسابهم يوم القيامة. عن ابن عباس قال: إن للحسنة لنوراً في الوجه، وضياء في القلب، وسعة في الرزق، ومودة في قلوب الخلق، وإن للسيئة لظلاماً في الوجه، وسواداً في القلب، وضيقاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق.

стр. 467

موقف إبراهيم الحربي في الصبر والرضا وهذا موقف لـ إبراهيم الحربي ﵀: عن محمد بن خلف قال: كان لـ إبراهيم الحربي ابن كان له إحدى عشرة سنة، حفظ القرآن ولقنه من الفقه جانباً كبيراً، قال: فمات، فجئت أعزيه فقال: كنت أشتهي موت ابني هذا، قال: فقلت له: يا أبا إسحاق! أنت عالم الدنيا، تقول مثل هذا في صبي قد أنجب ولقنته الحديث والفقه؟! قال: نعم، رأيت في منامي كأن القيامة قد قامت، وكأن صبياناً بأيديهم قلال فيها ماء يستقبلون الناس فيسقونهم، وكان اليوم يوماً حاراً شديد الحر، قال: فقلت لأحدهم: اسقني من هذا الماء، فنظر إلي، وقال: لست أنت أبي، قلت: فأي شيء أنتم؟ قال لي: نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا وخلفنا آباءنا فنستقبلهم نسقيهم الماء، قال: فلهذا تمنيت موته. فهذا موقف إيماني من إبراهيم الحربي ﵀ في الرضا بقضاء الله . وفي هذا تسلية لمن مات له ولد، وقد وردت الأخبار الصحيحة الصريحة بكثير من المبشرات لمن مات له ولد فصبر واحتسب، وما ذاك إلا لصعوبة الصبر والرضا في هذا المقام؛ لأن الأولاد فلذات الأكباد، والعبد لا يحب لأحد من الخير مثل ما يحب لنفسه إلا لولده. بل الإنسان قد يضحي بنفسه ولكن يشق عليه أن يضحي بابنه. ولذلك كان ابتلاء إبراهيم ﵇ من أشد البلاء، فالعبد يسهل عليه أن تهون نفسه، وأن يضحي بنفسه، أما أن يضحي بولده وأن يتولى هو ذبح الولد بنفسه فهذا شيء شاق، فلله هذه النفوس التي تبتلى بمثل هذا البلاء.

стр. 468

موقف أم عقيل الأعرابية في الصبر والرضا وآخر موقف من هذه المواقف الإيمانية موقف أم عقيل رحمها الله: قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي في البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق فقصدناها فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، قالت: ما أنتم؟ قلنا: قوم ضلوا عن الطريق، أتيناكم فأنسنا بكم. فقالت: يا هؤلاء ولوا وجوهكم عني، حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فألقت لنا مسح، فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها إلى أن رفعتها فقالت: أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني وأما الراكب فليس بابني، فوقف الراكب عليها فقال: يا أم عقيل! أعظم الله أجرك في عقيل، قالت: ويحك! مات ابني؟ قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر، فقالت: انزل فاقض ذمام القوم، يعني: حقهم وحق الضيافة، ودفعت إليه كبشاً فذبحه وأصلحه وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا وقد تكورت، فقالت: يا هؤلاء! هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئاً؟ قلت: نعم، قالت: اقرأ علي من كتاب الله آيات أتعزى بها، قلت: يقول الله في كتابه: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]. قالت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا؟! قلت: آلله إنها لفي كتاب الله هكذا، قالت: السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله أحتسب عقيلاً، تقول ذلك ثلاثاً، اللهم إني فعلت ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني. فهذا الموقف تعجز عنه الكلمات في كرم الضيافة والصبر والرضا والاحتساب، وبعض هذه الصفات كانت متوفرة عند العرب في جاهليتهم، فلما تشرفوا بالإسلام ازدادت رسوخاً بالإسلام، وتهذبت بآدابه وأخلاقه، وقد عزت هذه الصفات النبيلة والأخلاق الفاضلة في المتأخرين، والله ولي الصابرين. نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 469

نبأ ابني آدم القصص القرآني فيه عظة وعبرة وحكمة، ومن القصص القرآني قصة ابني آدم ﵇، ففيها بيان كيف يصنع الحسد، وعظم جريمة القتل، وكذلك عظم إثم من سن سنة سيئة، فعلى العبد المسلم أن يحذر من أن يلغ في الدماء، وأن يحذر من أن يسن سنة سيئة يكون عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده.

стр. 470

قصة ابني آدم هابيل وقابيل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمر محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزون. قال : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ * مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة:٢٧ - ٣٢]. هذه الآيات الكريمة في سورة المائدة تحكي لنا كيف بدأت الجريمة على الأرض، وكيف حدثت أول جريمة قتل على الأرض. ومناسبة هذه الآيات الكريمات لما قبلها من نفس السورة: أن اليهود حسدوا رسول الله ﷺ على النبوة والرسالة، فكأن الله يقول له: فقل لهم: ﴿إنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة:٢٧]. ومناسبة هذه الآيات لما بعدها: أن الله قبل أن يشرع لنا القصاص وأن يبين لنا أحكام القصاص بين لنا كيف بدأت الجريمة، وكيف كانت أول جريمة قتل على الأرض. كذلك في هذه الآيات الكريمات يظهر فيها كيف يدعو الحسد أهله، وكيف أن أحد ابني آدم حسد أخاه؛ لأنه تقبل منه قربانه ولم يتقبل منه، فقتله من أجل ذلك، وقد قال النبي ﵌: (دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، ألا إنها هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين). والحسد هو الذي دعا إبليس ألا يسجد لآدم، وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، وأبى أن يسجد لآدم تنفيذاً لأمر الله له بالسجود. وفي هذه الآيات الكريمات كذلك يظهر فيها نوعان من البشر: النوع الأول: النوع الخير الذي لا يستطيع أن يعمل إلا الخير، الذي يتقي الله ويتقبل الله منه، والذي يخاف الله في كل قول وعمل، والذي لا تطاوعه نفسه على الشر، وعلى الإقدام على كبائر الذنوب. والنوع الثاني: هو الذي لا يرزق التقوى، ولا يخاف الله ، والذي يتجرأ على معصية الله وعلى الكبائر وعلى الإفساد في الأرض دون وازع ودون رادع. كذلك في القصة نجد كيف يسول الشيطان للعبد بالمعصية؟ وكيف يخفي عنه عواقب المعصية؟ وكيف يزين له الشهوات ويدعوه إلى الإعراض عن طاعة رب الأرض والسماوات؟ حتى إذا وقع في معصية الله يكون الخسران ويكون الندم ويكون الصغار، وتكون الذلة، ويكون العذاب في الدنيا والآخرة. يقول : ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَ

стр. 471

سبب عدم مدافعة هابيل عن نفسه فإن قال قائل: لماذا لم يدافع عن نفسه؟ فأجاب العلماء بأجوبة: الجواب الأول: أنه قال له ذلك أولاً على سبيل التهديد، قال: (لأقتلنك) أي: على سبيل التهديد، ولم يكن شرع في القتل، فنصحه أخاه وقال: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٢٨ - ٢٩]. فكان ذلك على سبيل التهديد، ولم يشرع في قتله حتى يدافع عن نفسه، ويعضد ذلك ما قاله بعض المفسرين بأنه قتله عندما كان نائماً، أي: لم يستطع أن يدفع عن نفسه، فقتله وهو نائم. الجواب الثاني: أنه قال له: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨]، فقال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨]، وليس معنى ذلك أنه لا يبسط يده دفاعاً عن نفسه، أي: أنه قد يبسط يده دفاعاً عن نفسه، ولكن لا تطاوعه نفسه لأن يبسط يده ليقتل أخاه، وقد قال النبي ﷺ : (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقالوا: يا رسول الله! هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه)؛ أي: في نيته لو تمكن منه لقتله. فهو قال: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨]، ويجوز له أن يبسط يده ليدافع عن نفسه. الجواب الثالث: أنه يجوز للمؤمن إذا قُصد بالقتل أن يستسلم للقتل، وألا يدافع عن نفسه، كما قال سعد بن أبي وقاص للنبي ﷺ : (أرأيت إذا دخل علي بيتي وبسط إلي يده ليقتلني؟ فقال له النبي ﷺ وآله وسلم: كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل). وفي رواية: (كن كخير ابني آدم) أي: المقتول وليس القاتل. وكما استسلم عثمان ﵁ لما ألبوا عليه ولما قصده أصحاب الفتنة وأرادوا دمه، وكان طلحة بن عبيد الله وعلي بن أبي طالب وجماعات من المؤمنين أرسلوا أولادهم للدفاع عن الخليفة، فعزم عليهم ألا يدافعوا عنه من أجل أن يحقن دماء المسلمين، فقتلوه ظلماً، ووقع دمه على المصحف، وكان يقرأ في المصحف، فنزل على قول الله : ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٣٧]، فقالوا: يجوز للعبد إذا قصد بأن يقتل أن يستسلم ولا يدافع عن نفسه. الجواب الرابع: لعل هذا كان في شريعتهم، أنه لا يجوز للرجل أن يدفع عن نفسه إذا قصد بالقتل، ولكل أمة شريعة ومنهاجاً كما قال الله ، فالتوحيد واحد، ولكن التكاليف الشرعية والعبادات تختلف من أمة إلى أمة، فهذه أربعة أجوبة، وفي شريعتنا ما يسمى بدفع الصائل، إذا قصد مسلم بأن يقتل أو ينتهك عرضه أو يسلب ماله فيشرع له أن يدافع عن نفسه، ويشرع له أن يدفع بالأخف، فإن كسر يده فاندفع بذلك لا يجاوز ذلك إلى قتله، فإن كان لا يندفع إلا بالقتل فيجوز له أن يقتله، وهذا ما يسمى بدفع الصائل، وهو المعتدي، هذا الصائل وليس له دية إذا قتل؛ لأنه هو المعتدي. وقال النبي ﷺ : (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون نفسه فهو شهيد)، فهو إذا قتل وهو يدافع عن عرضه أو عن ماله أو عن نفسه فهو شهيد بنص حديث النبي ﵌. هذه أجوبة عن أن هذا العبد المقتول لم يدافع عن نفسه.

стр. 472

من فوائد القصص القرآني قال: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٨] في هذا أدب حسن، والقصص القرآني يقصد به التربية، ويقصد به الارتفاع بالأحوال الإيمانية في الأمة، وغرس المعاني الإيمانية الشريفة، لا يقصد بذلك إشاعة الفواحش كما يقصد بذلك أصحاب مجلة الحوادث أو الفواحش، أو الذين يشيعون الفواحش على صفحات الجرائد؛ فإنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا؛ من أجل أن يتجرأ الناس على معصية الله ، ويستهينون بمعصية الله ، ولكن القصص القرآني قصص حق وقع في تاريخ البشرية. قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة:٢٧] أي: أن هذا حق، ليس هو كما في القصص الدنيوي من نسج الأفكار، ومن خيال الكتاب، ولكنه قصص واقعي في تاريخ البشرية، يغرس الله به المعاني الإيمانية، فكأنه يقصد كيف يفعل المؤمن إذا قصد بالقتل ما يكون جوابه، وكيف ينصح أولاً من يريد أن يعتدي عليه، وكيف يقول له: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة:٢٨]، فالمؤمن في قلبه من الخوف ما يدفعه عن معصية الله ، وما يدفع به إلى طاعة الله .

стр. 473

الوعيد الشديد في حق المعتدي ثم قال له: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:٢٩]، أي: أريد أن تتحمل أنت وزر أعمالك وسيئاتك التي من أجلها لم يتقبل الله قربانك، وتبوء أيضاً بإثمي، وكأنه يقول له: ليس لك حسنات حتى آخذها منك إذا كان يوم القيامة، ولكنك سوف تأخذ سيئات، وتبوء بإثم قتلي أو تبوء بذنوبي؛ لأنه إذا كانت هناك مظلمة فإن المظلوم يأخذ من حسنات الظالم، فإن لم تبق له حسنات طرح عليه من سيئاته، كما قال النبي ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: ولكن المفلس من أمتي من يأتي بحسنات كأمثال الجبال ويأتي وقد قذف هذا، وشتم هذا، وسفك دم هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناته طرح عليه من سيئاتهم ثم طرح في النار). فكأنه يقول له ويعظه بأنك سوف تتحمل أوزارك وأوزاري يوم القيامة، فكيف تجرؤ على هذا العمل؟

стр. 474

حرص الشيطان على إيقاع العبد في الغفلة والمعصية قال: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٣٠]، (طوعت له) أي: سهلت له، فالعبد إذا وسوس له الشيطان بمعصية يكون في داخله نوازع الخير ونوازع الشر، نوازع الخير تقول له: لا تفعل، وتذكر الآخرة، وتذكر عقاب الله ، وتذكر الفضيحة على رءوس الأشهاد، وتذكر الفضيحة في الدنيا، ونوازع الشر تدفع به إلى المعصية، والشيطان يخفي عنه عواقب المعصية، وينسيه أن بعد المعصية خسران وبعدها ضنك وشقاء وبعدها عذاب أليم في الآخرة. تفنى اللذاذة ممن نال لذتها من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء من مغبتها لا خير في لذة من بعدها النار وقال بعضهم: وكم من معاص نال منهن لذة ومات فخلاها وذاق الدواهيا تصرم لذات المعاصي وتنقضي وتبقى تباعات المعاصي كما هيا فيا سوأتا والله راءٍ وسامع لعبد بعين الله يغشى المعاصي فالشيطان يخفي العواقب، والإنسان عند المعصية لا يتذكر عذاب النار، ولا يتذكر الوقوف بين يدي العزيز الجبار، لذلك يقول النبي ﷺ : (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)، أي: أنه في وقت المعصية يضعف في قلبه الإيمان جداً، وقيل: يخرج بالكلية ويكون فوق رأسه، فإن تاب عاد إليه مرة ثانية، وإن أصر لم يعد إليه مرة ثانية. فالشيطان يحرص على إخفاء العواقب وتزيين الشهوات، كالعصفور الذي يرى الحبة في الفخ ولا يرى الفخ، فإذا أراد الحبة يكون في ذلك هلاكه، فبعد المعصية تبدأ الحسرات ويبدأ الندم ويتقطع قلب العبد بعد المعصية إن لم يوفق إلى التوبة أو يتقطع عندما تحق الحقائق يوم القيامة، ويرى ثواب الطائعين، وعقاب العاصين. وقوله: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة:٣٠]، ما قال: فطوعت له نفسه قتله فقتله، بل كرر ذكر أخيه؛ لأن قتل الرجل كبيرة من الكبائر، فكيف إذا قتل أخاه الذي يجب عليه أن يصله، فالإفضل أن أخاه هو الذي ينصره، (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)، فكيف يقتل من ينصره؟ وكيف يقتل من هو له عضد في الدنيا ومن يقويه في الدنيا فأصبح من الخاسرين، أي: خسر كل شيء، خسر أخاه وخسر دينه؛ لأنه تجرأ على هذه الكبيرة، وما نال شيئاً، وإنما دفعه الحسد إلى هذه الكبيرة، فطوعت له نفسه -أي: سهلت له نفسه، وزينت له- قتل أخيه، ونسي كل العواقب الوخيمة، ونسي عذاب الله ، ونسي انتقام الله : ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٣٠]. وهكذا العبد بعد المعصية يحس بالخسارة ويحس بالندم، ويحس كذلك بالضنك والشقاء في الدنيا قبل الآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 475

عظم جريمة القتل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. قال : ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ * مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة:٣٠ - ٣٢]. بين الله عظم هذه الجريمة جريمة القتل، وقال النبي ﵌ في أعظم محفل شهدته البشرية وأشرف اجتماع حدث على وجه الأرض في حجة الوداع: (إن دماءكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا). وقال: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه). وقال ﷺ : (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) أي: إن وقع في معاص دون القتل فهو في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً. بل سد النبي ﷺ الذرائع إلى هذه الجريمة التي هي أكبر الجرائم بعد الكفر بالله ، ولذلك قال الله في وصف عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨]، فذكر بعد الشرك قتل النفس، ثم ذكر الزنا، ولذلك كانت عقوبة الردة عن دين الإسلام القتل كما قال النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه). كذلك من قتل يقتل قصاصاً أو يرضى أولياء المقتول بالدية، فعظم النبي ﷺ هذه الجريمة وسد الذرائع إليها، وقال: (لا يشيرن أحدكم إلى أخيه بحديدة فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار) أي: لا يفعل ذلك وإن كان مازحاً، لا يشير إلى أخيه بحديدة أو بقطعة سلاح أو سكين ولو على سبيل الهزل، لعل الشيطان ينزغ في يده فيقع في حفرة من النار. وأمر النبي ﷺ من يحمل أسهماً أن يأخذ بنصالها؛ لئلا تخدش مسلماً. وكان ابن عباس ﵄ ينظر إلى الكعبة ويقول: إن الله حرمك وشرفك وعظمك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك. فحرمة المؤمن أعظم من حرمة الكعبة التي حرمها الله وكرمها وشرفها. قال : ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة:٣٠]، كيف تطوع النفس عباد الله؟! وكيف تسهل لصاحبها الوقوع في هذه الجريمة الشنيعة؟ ثم لم يدر كيف يفعل بأخيه، فأكثر المفسرين أخذوا من الإسرائيليات أن غرابين تقاتلا فقتل أحدهما الآخر فدفنه، فاهتدى ابن آدم إلى سنة الدفن، ولكن الله ما أخبر أنه بعث غرابين بل بعث غراباً، فالراجح أن هذا الغراب كان يحفر في الأرض يبحث عن شيء، أو يدفع شيئاً، فاهتدى بذلك هذا الرجل إلى سنة الدفن.

стр. 476

فوائد من قصة هابيل وقابيل وفي قول الله : ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣١] إشارة إلى كثرة البحث، فكأنه ظل يحفر حتى حفر حفرة عميقة؛ لأنه ما قال: بحث في الأرض، بصيغة الماضي، بل قال: (يبحث في الأرض) أي: أطال البحث حتى حفر حفرة عميقة، فاهتدى هذا الرجل إلى سنة الدفن، فحفر لأخيه حفرة عميقة فدفنه فيها فأصبح من النادمين. وهذا كذلك من جزاء المعصية؛ فإنه تعلم من الغراب، والغراب صار أستاذه؛ لأنه بالذنب صار ذليلاً، فكفاه بذلك صغاراً وذلاً أنه يتعلم من الغراب، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ﴾ [المائدة:٣١]، أي: أحس أن الغراب أشرف منه، وأنه وارى سوأة أخيه، ﴿فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة:٣١] وهذه عاقبة المعصية. قال الله : ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢] أعقب الله هذه القصة بذكر أن بني إسرائيل كتب الله عليهم أنه من قتل نفساً بغير نفس -أي: بغير استحقاق القتل- أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، أي: فإنه يحمل يوم القيامة إثم قتل الناس جميعاً، قال المفسرون: وإنما أعقب الله ذلك تعظيماً لجريمة القتل، ولكثرة الذنوب التي يتحملها القاتل، وإنما ذكر بني إسرائيل لأنهم يكثر فيهم القتل، فانظروا كيف يفعلون في إخواننا بفلسطين، لا يكاد يمر يوماً أو ليلة حتى يقتلوا منهم العشرات وأحياناً المئات، فهم يتشوفون إلى سفك الدماء، ويكثرون من سفك الدماء، وهم الذين اجترءوا على قتل نبي الله زكريا، وابنه نبي الله يحيى، وأرادوا قتل عيسى ﵇، ولكن رفعه الله إليه وما قتلوه يقيناً، بل أرادوا قتل نبينا محمد ﵌، فقد سمت امرأة سلام بن مشكم اليهودية شاة وقالت: أي جزء من الشاة أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالوا لها: الذراع، فسمت وأهدتها للنبي ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧] فقال النبي ﷺ : (إن هذا الذراع يخبرني أنه مسموم). كذلك في قصة إجلاء بني النضير، وكيف أن النبي ﷺ ذهب إلى يهود بني النضير، يستعينهم على دية قتيلين في العهد الذي بينه وبين هذه القبيلة التي منها القتيلين، فقالوا: نعم، يا محمد! نجيبك إلى ما سألتنا، وخلا بعضهم مع بعض وقالوا: لا تجدون الرجل على هذه الحال، من منكم يصعد على بيت بني فلان فيلقي عليه صخرة عظيمة فيريحنا منه؟ فأخبر الله النبي ﷺ بالوحي وحاصرهم حتى أجلاهم عن مدينته. فكثر من بني إسرائيل جريمة القتل، قال : ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة:٣٢]. كذلك في هذه القصة عقوبة الذين يسنون السنن السيئة، كأهل البدع والذين يشيعون الفواحش فيحملون مثل أوزارهم في ذلك، فقد قال النبي ﷺ : (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الآول كفل من دمها). فالذين يسنون السنن السيئة والذين يشيعون الفواحش والذين يبتدعون في دين الله فيتبعهم الناس على ذلك فإنهم يحملون أوزارهم وأوزار من يضلونهم بغير علم، ألا ساء ما يزرون. قال ﵊: (لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها)، فكيف تكون ذنوب هذا الرجل يوم القيامة؟! فما قتلت نفس في الأرض إلا وتحمل إثماً من قتلها؛ لأنه أول من سن القتل. وفي ذلك كذلك بيان كيف يدفع الحسد أصحابه، وقد حسد إخوة يوسف يوسف وهموا بقتله، ولكنهم عدلوا عن ذلك فألقوه في غيابة الجب، من أجل أن يلتقطه بعض السيارة، قال ﷺ : (دب إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، ألا إنها هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين). اللهم اهدنا فيمن هديت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين! ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه. اللهم عليك باليهود الغاصبين، والأمريكان الحاقدين، ومن والاهم من المنافقين والعلمانيين، والذين يشيعون الفواحش في بلاد المسلمين،

стр. 477

وإن محمداً خاتم الأنبياء رداً على البهائية إن من نعمة الله على هذه الأمة أن بعث فيها خاتم أنبيائه محمداً ﷺ ، وجعل رسالته الرسالة الخاتمة والدعوة المهيمنة على كل ما سبقها من الرسالات، ومع ذلك فقد ظهر بعد رسول الله من يدعي النبوة، وخرجت على الناس طوائف أساس عقيدتها ادعاء النبوة، وقد قيض الله من عباده من يحارب هذه الطوائف ويتولى القضاء عليها، ومع ذلك بقي للبعض منها بقية متفرقة في أنحاء الأرض ممولة بأيدي أعداء الله وأعداء دينه.

стр. 478

وجوب اعتقاد أن محمداً ﷺ خاتم النبيين الحمد لله المتفرد بوحدانية الأولهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون. وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع به الإيمان على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً. أما بعد عباد الله: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمر محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. نبين -عباد الله- في هذه الخطبة عقيدة من عقائد المسلمين التي دل عليها الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهذه العقيدة هي أن محمداً ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين. كما قال الطحاوي: إن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالأمر المرضي، وإنه خاتم الأنبياء، وإمام الأتقياء، وسيد المرسلين، وحبيب رب العالمين، وكل دعوى النبوة بعده تعتبر هوى، وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى، بالحق والهدى، وبالنور والضياء. فيجب على كل مسلم أن يعتقد بأن محمداً ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وأن كل دعوى للنبوة بعده ﷺ فغي وهوى، فهذه عقيدة ختم النبوة، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة. قال الله : ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، فقال: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ) ما قال: وخاتم المرسلين؛ لأنه قد يكون آخر رسول ولكن قد يكون بعده أنبياء، فقال: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ)، وفي قراءة: ((وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ)) أي: ختم الله به النبوة، وأنه ﵌ لا نبي بعده، كما صرحت بذلك الأحاديث الكثيرة المتواترة التي ذكر بعض الباحثين في ذلك خمسة وستين حديثاً، ولكن نقتصر على بعض هذه الأحاديث التي تدل على أن نبينا محمداً ﷺ من تشريفاته ومن تكريم الله له أن الله ختم به النبوة، فلا نبي بعده ﵌، منها: (لما خرج النبي ﷺ إلى تبوك استخلف علياً ﵁ على المدينة، فحزن علي ﵁ وقال: أتخلفني مع النساء والصبيان؟) فـ علي ﵁ فارس من فرسان الإسلام وابن عم النبي ﵊ يحزن أن يتخلف عن رسول الله ﷺ فيقول: (أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال له النبي ﷺ : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى). وحتى لا يقول أحد: بأنه أولى الناس بالخلافة بعد رسول الله ﷺ ، أو يثبت له شيئاً من النبوة، أو يعتقد خلاف ما يعتقده أهل السنة والجماعة، سد النبي ﷺ هذا الباب، فقال: (إلا أنه لا نبي بعدي)، فإن هارون كان نبياً مع موسى، فإذا استخلفه موسى فهو نبي معه، فقال النبي ﷺ لـ علي: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). كذلك يقول النبي ﷺ : (مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة في زاوية، فجعل الناس يطوفون ويقولون: ما أحسنه وأجمله لولا هذه اللبنة) أي: لولا وضعت هذه اللبنة، فقال: (فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين). كذلك قال ﷺ : (لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له) فهذا الذي بقي من النبوة، والرؤية الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وكان الوحي بالرؤية الصادقة للنبي ﷺ في بداية فترة الرسالة ستة أشهر، ومدة البعثة ثلاثة وعشرون سنة. كذلك يقول ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى يبعث بعدي دجالون كذابون قريباً من ثلاثين، كلهم يزعم أنه نبي)، فأخبر النبي ﷺ أن الساعة لا تقوم ح

стр. 479

المؤسس الأول لفرقة البهائية وبيان عقائدهم كان أول ظهور هذه البدع في القرن الثالث عشر سنة (١٢٦٠م)، فقد ظهر في جنوب إيران رجل يدعى بـ الميرزا علي بن محمد الشيرازي، ظهر في مدينة شيراز في جنوب إيران، وزعم أنه الباب إلى المهدي، ثم زعم بعد ذلك أنه المهدي المنتظر، ثم لما تبعه مائة من أغبياء البشر ومن أشباه القردة والخنازير تبعوه على هذا الإفك الظاهر والشر الواضح الفاضح، زعم بعد ذلك أنه نبي، وأرسل إلى الألوسي يقول له: بأن الله قد بعثني كما بعث محمداً ﷺ أو بمثل ما بعث به محمداً ﷺ . وكان في ذلك الوقت عصر الخلافة العثمانية، وكان في الناس نخوة ودين، فأخذ هذا الرجل الذي لقب نفسه بالباب؛ لأنه يزعم أنه الباب إلى المهدي، ثم زعم أنه المهدي ثم زعم أنه نبي وأن الله أرسله بما أرسل به محمداً أو بمثل ما أرسل به محمداً ﷺ ، أخذ هذا الرجل الخبيث فقتل، ولكن أتباعه بقوا، فاستمر على الدعوة بعده ابنه حسين بن علي والذي لقب بـ بهاء الدين، وكان الرجل الأول شيعياً خبيثاً، والثاني كان صوفياً من كبار الصوفية في زمانه، وعقائد الصوفية والشيعة تساعد على ظهور هذا الإفك الواضح والشر الفاضح، فإن الشيعة يزعمون بأن الأئمة الاثني عشر وهم علي ﵃ وذريته، يزعمون بأنهم في منزلة لا يصل إليها ملك مقرب ولا نبي مرسل، وأنهم أعلى من جميع الرسل والأنبياء، وبأنهم يتلقون عن الله مباشرة. كذلك الصوفية يزعمون بأنهم يتلقون من الله مباشرة، كما قال أبو يزيد البسطامي: أخذتم علمكم ميتاً عن ميت، وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت. وقال بعضهم: أنتم تأخذون عن عبد الرزاق -أي الصنعاني - ونحن نأخذ عن الواحد الخلاق. فيزعمون أن الواحد منهم يتلقى من الله مباشرة، ويقولون: بأن هذا هو العلم اللدني. وقالوا أيضاً: خضنا بحراً وقف الأنبياء بساحله. يقولون: إن الأنبياء عندهم علم الشريعة ونحن عندنا علم الحقيقة. ويزعمون أن عندهم من العلوم المتلقاة عن الله ما ليس عند الأنبياء الكرام. ويعتقدون بأن الأولياء أعلى من الرسل والأنبياء، كما قال بعضهم: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي أي: أن أعلى الناس منزلة هم الأولياء ثم الأنبياء ثم الرسل. وأبو يزيد البسطامي يفتح باب ادعاء النبوة، فيقول: ختم بمحمد ﷺ المرسلون، فاستبدل كلمة النبيين بكلمة المرسلين، أي: أنه لا رسول بعده، ولكن قد يكون هناك من الأنبياء من يأتي بعده. وقال: إنما انقطعت نبوة التشريع، أي: قد تكون هناك نبوة غير نبوة التشريع؛ ولذلك ظهرت هذه الدعوات الكاذبة: القاديانية والبابية والبهائية، إما أنهم من الشيعة أو من الصوفية، رضعوا لبانها وتغذوا على مبادئها، فتحت لهم الصوفية والشيعة هذا الباب فولج منه من ولج، ودخل هذا الشر على المسلمين، وأعداء الإسلام يروجون لهم ويعينونهم بالمال؛ لأنهم ينخرون في جسد الأمة من أجل أن يقضوا على البقية الباقية من الإسلام. فهذه الدعوات قائمة على ادعاء النبوة، فهم ليسوا من الأمة بحال، ولا حتى من الفرق النارية، ولا نقول: هم من أهل البدع، بل هي أديان جديدة باطلة، وأصحاب هذه الأديان الباطلة أضل وأشر وأخبث من اليهود والنصارى، وفيهم من الفجور ومن الخروج عن شرع الله ما يدل على أنهم على باطل، وليسوا من الحق في شيء. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 480

المؤسس الثاني للفرقة البهائية وبيان عقائدهم ومخططاتهم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. أما بعد: عباد الله! فإنه لما قتل علي بن محمد الشيرازي الذي كان يلقب نفسه بالباب، والذي زعم أنه أنزل عليه كتاب يسمى البيان، وقال: كما أن محمداً ﷺ هو أفضل من عيسى، فإن كتاب البيان هو أفضل من القرآن، فهو يزعم أنه أتى بعد النبي ﷺ ، فهو أكمل رسالة منه، وتبعه على هذا الغباء كثير من أشباه الناس، لما قتل هذا الخبيث الفاجر رفع الراية بعده أحد أتباعه وهو يلقب بـ المرزا حسين بن علي ويلقب بـ بهاء الدين وهو ولده، وكان من كبار الصوفية، فزعم كذلك أنه عيسى بن مريم، ثم بعد ذلك ادعى النبوة، وبعد أن ادعى النبوة وتبعه على ذلك ناس زعم أنه رب وادعى الربوبية من دون الله ، وهذا الخبيث كذلك تابعه الحكام ونفوه من بلد إلى بلد، ولكن راج المذهب في حياته، ولقب بالبهائية، فالبهائية تصور للبابية. وهذا الخبيث تلميذ الخبيث السابق، أخذ منه هذه العقائد، ولكنه دعا إلى نفسه فزعم بأنه عيسى بن مريم، ثم بعد ذلك ادعى النبوة ثم ادعى الربوبية بعد ذلك. وهذه العقائد كما قال الله : ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٢]. فهؤلاء توحي لهم الشياطين، والشياطين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، فالباب الخبيث الأول قد وضع على الناس من صيام رمضان، وجعل الصيام تسعة عشر يوماً، واشترط أن يكون الصيام في الربيع حتى لا يكون شاقاً على الناس، وأن يكون عيد الفطر موافقاً لعيد النيروز. أما البهاء الخبيث فوضع على الناس كذلك بعض الصلوات وجعل الصلاة تسع ركعات في اليوم والليلة، كذلك ألغى الحج، وأوصى إذا كان لأتباعه شوكة أن يهدموا الكعبة المشرفة. فهذه عقائد الخبثاء يلغون الحج وفي مخططاتهم لو أن لهم شوكة وقوة يهدمون الكعبة المشرفة، ويضعون من الشرائع ما يخالف شرع الله . والباب حرم على الناس أن يقرءوا في أي كتب غير الكتب التي ألفها، وحرم عليهم أن يقرءوا في القرآن، وأمرهم بتحريق القرآن، فكيف يكون هؤلاء من المسلمين؟! لم تقتصر عقائدهم الباطلة على ذلك عباد الله، ولكنهم قالوا: بأن الجنة والنار أمور نفسية، ومن ذلك أخذ مصطفى محمود في كتابه (التفسير العصري للقرآن) بأن الجنة والنار أمور نفسية، أي: أن أهل الجنة يفرحون؛ لأنهم يحسون أنهم متنعمون، وأهل النار يحزنون؛ لأنهم يحسون أنهم مهانون معذبون، فأين قول الله : ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦]؟ أين هذا العذاب الحسي الذي ثبت في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ ؟ كذلك أنكر البهاء لقاء الله ويوم الجزاء، وقال: بأن يوم الجزاء عندما يلتقون به، وهذا من ادعاء الربوبية، وألغى أيضاً الاتجاه إلى الكعبة، وقال: فليتوجهوا شطري، أي: في حياتي إلى المكان الذي هو فيه في الدنيا، وبعد مماته يتوجهون إلى قبره، فهذه قبلة البهائية غير قبلة المسلمين، وتشريعهم غير تشريع المسلمين، واعتقاداتهم غير اعتقادات المسلمين. ولهم من الكتب ما يخالف كتب المسلمين، فهو زعم أولاً أنه عيسى بن مريم، ثم ادعى الربوبية بعد ذلك، ثم ادعى النبوة بعد ذلك، ولم يقتصر فيه الأمر على ذلك حتى ادعى الربوبية.

стр. 481

مؤسس الفرقة القاديانية وبيان عقائدهم ومخططاتهم أما القاديانية فهي أيضاً من هذه الشجرة الخبيثة، ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف:٥٨]. فصاحب هذا الإفك هو غلام أحمد القادياني، ظهر في الهند، ثم انتقلت دعوته إلى أمريكا وإلى بعض البلاد الأخرى، زعم أولاً أنه ظل النبي ﵌، ثم ادعى بعد ذلك النبوة، ثم ادعى بعد ذلك الربوبية. فهذه الطائفة مثل سابقتها انبثقت من هذه الشجرة الحنظلية الخبيثة القائمة على الكفر بهذه العقيدة الثابتة من عقائد المسلمين: أن الواجب على المسلم أن يعتقد أنه لا نبوة بعد نبينا محمد ﷺ ، فهذه أديان ما أنزل الله بها من سلطان، كالمجوسية وعبدة الأوثان، بل هم أكفر منهم؛ لأنهم يكذبون على الله ، ويزعمون بأن الله بعثهم، ويقولون: بأن الله فض الخاتم، أي: بعد أن جعل نبيه محمداً ﷺ خاتم الأنبياء فض هذا الخاتم. وقال بعضهم: (خاتم الأنبياء) أي: زينة الأنبياء. فهم يؤولون نصوص الكتاب والسنة حتى توافق مذاهبهم الباطلة، ويجدون من أغبياء البشر من يتابعهم على ذلك، وإذا انتشر في الناس الجهل انتشرت هذه المذاهب الباطلة وهذه الأفكار الهدامة، التي من اعتقدها أو اعتقد شيئاً منها فليس له في الإسلام إلا السيف؛ لأنه كافر مرتد، كافر بما أنزل على محمد ﷺ ، وكفره أكبر وأعظم من كفر اليهود والنصارى؛ لأن المرتد أشد كفراً من اليهود والنصارى، ومن الكافر كفراً أصلياً، وحظه من الإسلام القتل. فهذه الدعوات الخبيثة التي ظهرت واشرأبت بأعناقها في هذه الأيام، وظن بعض الناس أنها مذاهب إسلامية، وأنه يجوز للمسلم أن يتمذهب بمثل هذه المذاهب، ثم نجد من المسئولين من يقر هذه الأديان الباطلة، ويوافق على أن يُكتب في البطاقة بهائي بدلاً من مسلم، كأنه يقول له: أنت على دين محترم، وأنت على عقيدة محترمة، فمن حقك أن يقال عنك: بهائي أو بابي. وهذا خروج عن الإسلام، والموافقة على ذلك كفر بما أنزل على النبي ﵊ من أنه خاتم الأنبياء والمرسلين؛ لأنه أتى بالشريعة الكاملة التي رضيها الله لعباده إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وقال : ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] فلا نبوة بعده ﷺ ؛ ولأنه أتى بالشرع الكامل الذي تحتاجه البشرية، وبالتشريعات التي لا تستغني البشرية عنها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فكل من اعتقد غير ذلك فهو كافر مرتد خارج عن دين الإسلام. فهذه بعض الحقائق عن هذه المذاهب الباطلة التي هي خارجة عن الإسلام جملة وتفصيلاً، والتي أصحابها أكفر من اليهود والنصارى. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين، ورد كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، واجعل الدائرة تدور عليه. اللهم أعزنا بالإسلام قائمين، وأعزنا بالإسلام قاعدين، ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين. اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فرد كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة تدور عليه. اللهم عليك باليهود والنصارى، وعليك بالبهائيين والبابيين والقاديانيين، وعليك بفرق الكفر والعلمانيين والمنافقين، وعليك بالذين يشيعون الفواحش في بلاد المسلمين، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم لا ترفع لهم في الأرض راية، واجعلهم لسائر خلقك عبرة وآية. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبداً ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا. اللهم اهدنا واهد بنا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم هيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، اللهم ارفع عن بلاد المسلمين الغلاء والوباء والربا والزنا، وردهم إليك رداً جميلاً. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.