← Джавами‘

Джавами‘ · id 7720

دروس الشيخ أحمد فريد

أحمد فريد

Полный текст (481 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

انقياد الشجر للنبي وتسليم الحجر عليه الشجر ينقاد للنبي ﷺ كما في صحيح مسلم: (أراد النبي ﷺ أن يقضي حاجته، فأخذ بغصن شجرة وقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه الشجرة، ثم أخذ بغصن شجرة أخرى وقال: انقادي علي بإذن الله، فانقادت معه ثم قال: التئما بإذن الله، فالتأمت). والحجر يسلم على نبينا محمد ﵌ كما في صحيح مسلم كذلك: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن)، فكلما مر النبي ﷺ بجواره يقول: السلام عليك يا رسول الله!

стр. 422

كثرة الطعام ببركة دعاء النبي ﷺ (وحين كان الصحابة في طريقهم إلى تبوك أصابتهم مجاعة فاستأذن بعضهم رسول الله ﷺ في أن ينحروا النواضح -أي: الجمال- فأذن النبي ﷺ في ذلك، ثم أتى عمر فدخل على النبي ﷺ فقال: إن فعلت ذلك يا رسول الله! قل الظهر، ولكن أرى أن تجمع ما عند الناس من أزواد، وأن تدعو فيه بالبركة، فعسى الله أن يجعل فيه من البركة، فقال: نعم، فأمر النبي ﷺ بنطع فبسط، ثم أمر من كان عنده شيء من الطعام أن يأتي به، فكان الواحد يأتي بكسرة خبز أو بكف تمر، فجمع من ذلك شيئاً يسيراً، ودعا النبي ﵌ بالبركة، فعظم الطعام جداً، فملئوا جميع الأوعية التي معهم وأكلوا وشبعوا). وعند حفر الخندق عباد الله! رأى جابر رسول الله ﵌ وكانوا ما ذاقوا ذواقاً -أي: طعاماً- منذ يومين أو ثلاثة، رأى النبي ﷺ وهو يعصب على بطنه حجراً، فاستأذن النبي ﷺ ، ورجع إلى امرأته وقال: (رأيت من النبي ﷺ منظراً لم يكن لي صبر عليه، ثم سألها: ما عندك؟ قالت: عناق -أي: شاة صغيرة- وشيء من شعير، فأمرها فذبحت العناق، وطحنت الشعير، ثم ذهب جابر إلى النبي ﷺ يقول: طعيم لك يا رسول الله! ولرجل أو رجلين من أصحابك، فسأله النبي ﷺ كم هو فأخبره فقال: كثير طيب، ثم أمر جابر أن يأمر امرأته أن تترك اللحم في البرمة، وأن تترك العجين دون أن تخبزه، وذهب النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار فكانوا يدخلون بيت جابر ﵁ عشرة عشرة، وقال النبي ﵌: لا تضاغطوا، وأطعم النبي ﷺ المهاجرين والأنصار من هذا الطعام القليل ببركته ﷺ ، وبقيت بقية، فقال النبي ﷺ لامرأة جابر: كلي وأطعمي وتصدقي؛ فإن الناس قد أصابتهم مجاعة).

стр. 423

المعجزات الغيبية التي أيد الله بها نبيه في حياته ليست المعجزات منحصرة في هذه المعجزات الحسية وفي معجزة القرآن المبين، بل أخبر نبينا ﵌ بالمغيبات التي منها ما سيكون في حياته ومنها ما سيكون بعد مماته، وكان الأمر كما قال النبي ﷺ سواء بسواء.

стр. 424

إخبار النبي ﷺ عن رجل أنه من أهل النار فمن ذلك: أن النبي ﷺ قال لرجل: (هو من أهل النار)، فلما أتى القتال قاتل الرجل أشد قتال وأبلى بلاءً حسناً، فتعجب الصحابة كيف يخبر النبي ﷺ أنه من أهل النار وهو يقاتل هذا القتال ويغني هذا الغناء، فتبعه أحد الصحابة ﵃ فجرح هذا الرجل جرحاً شديداً فأخرج أسهماً فنحر نفسه فانتحر، فذهب الرجل إلى النبي ﷺ يقول: لقد صدق الله قولك يا رسول الله! لقد انتحر فلان فقال: (قم يا فلان فاشهد بأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة). قيل: لعله استحل هذا الفعل -أي: الانتحار- وقيل: لعله أصابه يأس من رحمة الله فنحر نفسه، فعند ذلك أخبر النبي ﷺ أنه من أهل النار.

стр. 425

إخبار النبي بهبوب ريح في غزوة تبوك أخبر النبي ﷺ بأشياء وقعت كما أخبر سواء بسواء، ففي عزوة تبوك قال للصحابة: (سوف تهب الليلة عليكم ريح شديدة فلا يقم فيها أحد)، فهبت ريح شديدة كما أخبر النبي ﷺ ، فقام رجل فحملته الريح وألقته إلى جبل طي. فالنبي ﷺ يخبر بأشياء وتكون كما أخبر النبي ﵌.

стр. 426

شهود النبي ﷺ غزوة مؤتة وهو في المدينة ومن ذلك: أن النبي ﷺ لما بعث قواده إلى مؤتة جلس بين الصحابة ﵃ يقول: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله ففتح الله عليهم). ينقل لهم -لا أقول: بالإنترنت ولا أقول: بقناة الجزيرة على الهواء- بالوحي الصادق من السماء، ينقل للصحابة ما يحدث بالمعركة، يقول: (أخذها زيد فأصيب) أي: قُتل، (ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله)، وهو خالد ﵁، (ففتح الله عليهم وعيناه تذرفان ﵌.

стр. 427

إخبار النبي ﷺ بمصارع بعض المشركين يوم بدر وليلة بدر قام النبي ﷺ يتضرع إلى الله ويبتهل إلى الله والصحابة نائمون، وأبو بكر يشفق على النبي ﷺ ، فكان يتضرع حتى وقعت عباءته عن منكبيه، فجمعها عليه أبو بكر ﵁ وقال: (يا رسول الله! بعض مناشدتك ربك فإن الله منجز لك ما وعدك)، فيرتفع اليقين في قلب نبينا محمد ﷺ ، ويكشف له عن شيء من الغيب، فيقول: (والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم، هنا يقتل فلان إن شاء الله، وهنا يقتل فلان غداً إن شاء الله). قال عمر ﵁: فوالذي بعثه بالحق ما أخطأ المواضع التي أشار إليها رسول الله ﷺ ، أي: أنه أخبر الصحابة ﵃ بالأماكن التي يصرع فيها أئمة الكفر من قريش، وكان الأمر كما أخبر النبي ﵌ سواء بسواء.

стр. 428

إخبار النبي ﷺ بموضع الضعينة التي حملت رسالة إلى قريش عند تأهبه لفتح مكة وعندما أراد النبي ﷺ فتح مكة أرسل حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى أهل مكة يخبرهم ببعض خبر النبي ﷺ ، فيرسل رسول الله ﵌ علياً والمقداد ﵄ ويقول: (اذهبا إلى روضة خاخ -أي: مكان في طريق مكة- فإن فيها ضعينة -أي: امرأة- ومعها كتاب)، فذهبوا تتعالى بهما خيلهما، فوجدا المرأة فقالا: أخرجي الكتاب، قالت: ما معي كتاب، قالا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، أي: من رباط رأسها، وعادوا بالكتاب إلى النبي ﷺ ، فإذا هو كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى بعض أهل مكة يخبرهم بما يريد النبي ﵌. فهذه أشياء من الغيب أخبر بها النبي ﷺ في حياته، وحدثت كما أخبر سواء بسواء.

стр. 429

إخبار النبي بموت أصحمة نجاشي الحبشة ولما مات النجاشي أصحمة ملك الحبشة أخبر النبي ﷺ الصحابة بخبر موته في اليوم الذي مات فيه وقال: (مات الرجل الصالح، أصحمة النجاشي) وصلى عليه صلاة الغائب، ما أرسلها إليه أحد تلغرافاً، ولا أتاه الخبر بالبريد السريع، بل أخبر النبي ﷺ عن موته في اليوم الذي مات فيه، وخرج وصلى عليه صلاة الغائب، فهذه أشياء من المغيبات أخبر عنها النبي ﷺ وكانت كما أخبر سواء بسواء، والله يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن:٢٦ - ٢٧]. فالله يطلع من شاء من الرسل على ما يشاء من الغيب، فيكون ذلك من قبيل المعجزات والآيات الدالات على صدق هؤلاء الأنبياء عليهم جميعاً الصلاة والسلام. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.

стр. 430

المعجزات الغيبية التي أيد الله بها نبيه بعد وفاته إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً. كل الدلائل تشير إلى صدق نبينا محمد ﷺ ، وهذا مما يزيد إيماننا به، وحبنا له ﷺ ، واتباعنا لسنته ﷺ . أخبر النبي ﷺ أنه ستكون أشياء في حياته وكانت كما أخبر ﷺ ، وأخبر ﷺ كذلك أنه ستكون أشياء بعد وفاته، وكانت كما أخبر النبي ﷺ .

стр. 431

إخبار النبي بإصلاح الحسن بن علي بين فئتين عظيمتين من المسلمين خرج النبي ﷺ يوماً على أصحابه ومعه الحسن بن علي، فصعد به المنبر وأجلسه إلى جواره، وقال: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، وحدث ذلك في سنة ٤٠ من الهجرة في عام الجماعة، وذلك لما تصاف المسلمون صفين: صف معاوية ﵁ ومن معه من أهل الشام، وصف الحسن بن علي ومن معه من أهل العراق ومن خرج من مدينة رسول الله ﵌ وكاد الجيشان أن يلتحما، فضن الحسن بن علي بدماء المسلمين، وتنازل عن الخلافة لـ معاوية وبايعه عليها كما بايعه الأمراء والقادة كذلك، واجتمع الناس بعد سنين طويلة من النزاع على خليفة واحد، وتحقق قول النبي ﷺ : (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين).

стр. 432

إخبار النبي ﷺ بخبر الخوارج كذلك أخبر النبي ﷺ بخبر الخوارج، وأنه تنجم ناجمة على حين فرقة من المسلمين تقاتلهم أولى الطائفتين بالحق، فنجمت الخوارج بعد معركة صفين بين علي ومعاوية، لما دعا معاوية المسلمين إلى التحكيم، ورفعوا المصاحف على السيوف، وقابل علي ﵁ نجمة الخوارج، وقالوا: حكم الرجال في دين الله ، واستدركوا أشياء على علي ﵁، ثم اجتمعوا عليه وقاتلهم علي ﵁. وبين النبي ﷺ صفتهم، وأن فيهم المخدج، أي: الذي هو مقطوع الأطراف، وفيه أصبع مثل ثدي المرأة، فوجد في القتلى، وكبر علي لما رآه؛ لأن النبي ﷺ قال: (تقاتلهم أولى الطائفتين بالحق)، فدل ذلك على أن علياً كان أولى الطائفتين بالحق.

стр. 433

إخبار النبي ﷺ بقتل الفئة الباغية لعمار بن ياسر وبالبلوى التي تصيب عثمان بن عفان كذلك قال النبي ﷺ لـ عمار بن ياسر: (ويح عمار! تقتله الفئة الباغية)، وقتله أصحاب معاوية، وكان هذا تصديقاً لخبر النبي ﷺ . وأخبر أن عثمان سوف يدخل الجنة على بلوى تصيبه، وقال له: (إن الله سوف يلبسك قميصاً، فإذا طلب المنافقون منك أن تخلعه فلا تخلعه)، ولذلك رفض عثمان أن يتنازل عن الخلافة، وقتل عثمان ﵁ كما أخبر النبي ﵌ سواء بسواء.

стр. 434

إخبار النبي ﷺ بأويس القرني ومن معجزات النبي صلى لله عليه وسلم أنه قال للصحابة ﵃: (يأتي إليكم مع أمداد أهل اليمن أويس القرني من مراد ثم من قرن، أصابه برص فبرئ منه إلا موضع درهم، له أم هو بها بار، فمن وجده منكم فليطلب منه أن يستغفر له). وعمر ﵁ يتلقى أمداد أهل اليمن -والأمداد: جمع مدد، وهي القوات التي كانت تأتي من الأمصار إلى مدينة رسول الله ﷺ حتى تشارك في الفتوحات الإسلامية- فكان كلما أتى مدد من أهل اليمن، يقول لهم عمر: أفيكم أويس؟ حتى وقف عليه عمر ﵁، فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد؟ قال: نعم، قال: ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: أصابك برص فبرئت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك أم أنت بها بار؟ قال: نعم، قال: فاستغفر لي، فاستغفر له.

стр. 435

إخبار النبي ﷺ بفتح القسطنطينية وبأن فاطمة أول أهله لحوقاً به وأخبر النبي ﷺ أن القسطنطينية سوف تفتح، وفتحت كما أخبر النبي ﷺ . كما أخبر ﷺ فاطمة، وقال لها: (إنك أول أهلي لحوقاً بي) وكان الأمر كذلك، فماتت ﵂ بعد ستة أشهر من وفاة النبي ﷺ ، وكانت هي أول أهله لحوقاً به، فهذه معجزات كثيرة تدل على صدق النبي محمد ﷺ .

стр. 436

معجزات متفرقة تؤيد النبي ﷺ بعد وفاته هناك كذلك معجزات متفرقة. من ذلك أن واحداً من بني النجار كان يكتب الوحي لنبي ﷺ فارتد عن الإسلام ولحق بالروم، فقالوا: هذا كان يكتب الوحي لمحمد ﵌، فقصم الله رقبته فيهم، فحفروا له فدفنوه، فأصبح في الأرض قد ألقته على وجهها، فأصبح منبوذاً، فحفروا له مرة أخرى فواروه، فألقته الأرض على وجهها فأصبح منبوذاً، ثم حفروا له مرة ثالثة فألقته الأرض على وجهها فأصبح منبوذاً، فتركوه منبوذاً إهانة من الله ؛ لأنه ارتد وترك شريعة نبينا محمد ﵌. من هذه المعجزات كذلك أن النبي ﷺ كان يطوف على نسائه، واجتمع عنده إحدى عشرة امرأة في ليلة واحدة مع قلة المطعوم عند ذلك، وكان يكثر من الصيام وكان يواصل، فهذه معجزة للنبي صلى الله علية وسلم. من معجزاته أنه قال: (إذا وقع الذباب في إناء أحدكم، فليغمسه، فإن على أحد جناحيه داء وعلى الآخر دواء)، ويكتشف العلماء بعد أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان أن على أحد جناحي الذباب (توكسين) أي: مادة سامة، وأن على الجناح الآخر ما يضاد هذه المادة, وأن الذبابة إذا وقعت في شيء فإنها تتقي بالجناح الذي عليه السم، والنبي ﷺ يخبر قبل أربعة عشر قرناً من الزمان بأنه ينبغي أن تغمس الذبابة في الإناء، فإن على أحد جناحيها داء وعلى الآخر دواء. معجزات تترى للنبي ﷺ تزيده شرفاً وتزيدنا حباً له ﷺ وتصديقاً به. اللهم إنا نسألك أن تزيده تشريفاً وتكريماً، وصلاةً وتسليماً، اللهم زدنا حباً له كما آمنا به ولم نره، ولا تفرق بيننا حتى تدخلنا مدخله. اللهم أحينا على سنته، وأمتنا على ملته، واحشرنا في زمرته، واسقنا من يديه الشريفة شربة هنيئة مريئة لا نظمأ بعدها أبداً. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، وأعل راية الحق والدين، اللهم من أرادنا والإسلام والمسلمين بعز فاجعل عز الإسلام على يديه، ومن أرادنا والإسلام والمسلمين بكيد فكده يا رب العالمين! وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

стр. 437

من ننتخب ؟ أهل التقوى والإيمان هم خيرة الخلق وأشرفهم، وعلى رأسهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فعلى العبد أن يعلم صفات أهل التقوى والإيمان، وأن يتصف بها؛ حتى يكون منهم، وينال فضلهم وشرفهم.

стр. 438

همة أهل التقوى والإيمان الحمد لله المتفرد بوحدانية الألوهية، المتعزز بعظمة الربوبية، القائم على نفوس العالم بآجالها، العالم بتقلبها وأحوالها، المان عليهم بتوافر آلائه، والمتفضل عليهم بسوابغ نعمائه، الذي خلق الخلق حين أراد بلا معين ولا مشير، وأنشأ البشر كما أراد، فمضت فيهم بقدرته مشيئته، ونفذت فيهم بحكمته إرادته، وألهمهم حسن الإطلاق، وركب فيهم تشعب الأخلاق، فهم على طبقات أقدارهم يمشون، وفيما قضي وقدر عليهم يهيمون، وكل حزب بما لديهم فرحون. وأشهد أن لا إله إلا الله خالق السماوات العلى، ومنشئ الأرضين والثرى، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى، بعثه بالنور المضي، والأمر المرضي، على حين فترة من الرسل، ودروس من السبل، فدمغ به الطغيان، وأظهر به الإيمان، ورفع دينه على سائر الأديان، فصلى الله عليه وسلم وبارك ما دار في السماء فلك، وما سبح في الملكوت ملك، وسلم تسليماً. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وما قل وكفى خير مما كثر وألهى وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين. أما بعد: ننتخب هؤلاء بيض القلوب، وبيض الوجوه، هؤلاء الذين يتجملون بأحسن لباس، فقد تمنن الله على بني آدم فقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]. فنحن ننتخب الذين يتجملون بلباس التقوى، فالله بعد أن تمنن على بني آدم بما جعل لهم من اللباس الذي يواري السوءات ويستر العورات، ومن الرياش الذي يتجملون به، ثم ذكر الله أجمل لباس، وأحسن لباس، الذي يواري سوءات الظاهر والباطن، والذي يستر العبد في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦]. إذا المرء لم يلبس ثياباً من التقى تقلب عرياناً وإن كان كاسيا وخير ثياب المرء طاعة ربه ولا خير في من كان لله عاصيا ننتخب هؤلاء الذين قد جعلوا الآخرة هي شغلهم الشاغل، فلا يتنافسون على كراسي الدنيا، ولا يتنافسون على العلو في الدنيا، ولا يلهثون خلف الدنيا ويسعون خلفها سعياً حثيثا: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣]. فنحن ننتخب الذي يشتغلون بالآخرة، والذين يتزودون بزاد الآخرة، كما قال : ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧]، قيل في سبب نزول هذه الآية الكريمة: إن أهل اليمن كانوا يخرجون إلى الحج ولا يتزودون في سفرهم إليه، ويقولون: نحن أضياف الله أفلا يطعمنا؟ ثم يصيرون كلاً على الناس، ويسألون الناس، فنهاهم الله عن ذلك، وأمرهم الله بالتزود لسفر الدنيا فقال: ﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة:١٩٧]. ثم دلهم على خير زاد -وهو الزاد لسفر الدنيا والآخرة- فقال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٩٧].

стр. 439

بشارة أهل التقوى والإيمان فننتخب هؤلاء الذين اختارهم الله والذين شرفهم الله ، فقال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦١ - ٦٤]. فهؤلاء أولياء الله الذين آمنوا وكانوا يتقون، هؤلاء أولياء الله لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فلهم في الدنيا محبة الخلق، وثناء الخلق، كما ورد في صحيح مسلم: (قيل للنبي ﵌: الرجل يعمل العمل لا يريد به إلا وجه الله، فيحبه الناس -وفي رواية:- فيثني عليه الناس؟ فقال: تلك عاجل بشرى المؤمن). فمن المبشرات في الدنيا محبة الخلق وثناء الخلق، ومن المبشرات في الدنيا كذلك الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، كما قال النبي ﵌: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات يا رسول الله؟! قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له). فأهل الإيمان والتقوى مبشرون بكل خير في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]. تتنزل عليهم الملائكة في كل وقت وحين، وقيل: تتنزل عليهم عند الموت بقول الله : ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾ [فصلت:٣٠] أي: مما تستقبلونه من أمر الآخرة، (وَلا تَحْزَنُوا) على ما فاتكم من الدنيا، ولا تحزنوا على فراق أولادكم وأموالكم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣١ - ٣٢]. فهم في الجنة، وحلاوة البشرى في قلوبهم، فإذا خرجت روح المؤمن بشرت بكرامة الله، وبفضل الله ، وبرحمة الله ، فتأتي تطير فوق الجنازة، وتقول: قدموني قدموني، تستعجل رحمة الله ، وتشتاق إلى كرامة الله ؛ لأنها تعلم أن الجسد يساق إلى روضة من رياض الجنة، وأن الروح تنعم في جنة الله بعد مفارقة الجسد، فإذا دخل المؤمن في قبره فإنه يفسح له في قبره مد البصر، ويملأ عليه خضراً إلى يوم يبعثون، ويفتح له باب إلى الجنة، فيأتيه من ريحها وطيبها، ويدخل عليه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، فيستبشر برؤيته، كل شيء يبشر المؤمن في الدنيا والآخرة، يستبشر به فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير، فهو يستبشر بمنظره، فيبشره بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح، أنا قيام الليل وصيام النهار، أنا تقوى الله ، فيقول: رب! أقم الساعة، رب! أقم الساعة، مع أنه في روضة من رياض الجنة، ويلبس من لبسها، ويفرش قبره من الجنة، ويفتح له باب إلى الجنة، إلا أنه عندما يرى النعيم الأكبر في جنة الله فإنه لا يصبر على ما هو فيه من النعيم، بل يشتاق إلى النعيم الأكبر، فيقول: رب! أقم الساعة، رب! أقم الساعة، فإذا كان يوم القيامة كثرت المبشرات للمؤمنين، فمن ذلك بياض وجوههم: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]. ومن ذلك: النور الذي يكون بين أيدهم: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الحديد:١٢]. ومن ذلك: أنهم يؤتون كتابهم بأيمانهم، ويعلمون أن من أوتي كتابه بيمينه: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨]. والحساب اليسير هو: العرض على الله : (ومن نوقش الحساب عذب). ومن ذلك: أن الملائكة تبشرهم برحمة الله، وتبشرهم بجنة الله ، فيقولون: هذا يومكم الذين كنتم توعدون، هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم. وتزفهم الملائكة إلى جنة الله، وإلى رحمة الله ، فإذا دخلوا الجنة دخلت عليهم الملائكة من كل باب: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]، ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣]. ثم يبشرون بالخلود في جنة الله ، فليس شيء من نعيم الدنيا والآخرة إلا وقد بشر الله به أهل الإيمان والتقوى. فنحن ننتخب هؤلاء الأتقياء الذين ينافسون على مراكز الآخرة، وينافسون على كراسي من نور، وجوههم نور، وثيابهم نور، يجلسون ينظرون إلى وجه ربهم ، فتتنضر وجوههم: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]. فالنظر إلى وجه الله هو الذي ينضر الوجوه.

стр. 440

شرف أهل التقوى والإيمان ننتخب هؤلاء الذين حكم الله بأنهم أتقى الناس، وأنهم أكرم الناس، فقال : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. (وسئل النبي ﵌ عن أكرم الناس؟ فقال: أتقاهم لله . فنحن لا ننتخب الذين ينافسون على الدنيا، والذين يتنافسون على الدنيا، ولكننا ننتخب الذين يتنافسون على الآخرة، وعلى درجات الآخرة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. فالتقوى هي الشرف، وهي الكرامة: ألا أنما التقوى هي العز والكرم وحبك للدنيا هو الذل والسقم وليس على عبد تقي نقيصة إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم وكان الإمام مالك ﵀ له منظر وأبهة، وعز وشرف في الدنيا، كان إذا أراد أن يحدث يغتسل، ويلبس أحسن ثيابه، ويجلس على منصة، ويلبس طيلسان على رأسه، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ، وصف بعضهم الإمام مالك فقال: يدع الجواب ولا يراجع هيبة والسائلون نواكس الأذقان نور الوقار وعز سلطان التقى فهو المهاب وليس ذا سلطان فالتقوى هي الشرف، وهي الكرم، فانظروا إلى سلمان الفارسي لم يكن عربياً فضلاً عن أن يكون قرشياً، ومع ذلك رفعه الإيمان، ورفعته التقوى، وانظروا إلى أبي لهب عم النبي ﵌ كان عربياً قرشياً من أشرف الناس نسباً، ومع ذلك: لقد رفع الإسلام سلمان فارساً وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب وكان سلمان يقول: أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم فنحن ننتخب هؤلاء الذين هم أشرف الناس وأكرم الناس، وهم أهل التقوى، وأهل الإيمان، وأهل العمل الصالح، نبأهم قريب، وخبرهم عجيب، ونحن نستغفر الله أن نتكلم عن قوم ما شممنا رائحة زمن عاشوا فيه. يقول ابن القيم ﵀: ووا حسرتاه! ووا أسفاه! كيف ينقضي الزمان، ويذهب العمر، والقلب محجوب ما شم لهذا رائحة، فخرج من الدنيا كما دخل إليها، خرج منها وما ذاق أطيب ما فيها، فكانت حياته هماً وغماً، وموته كدراً وحسرة، ومعاده أسفاً وندامة، فإلى الله المشتكى، وبه المستعان، وبه المستغاث، ولا حول ولا قوة إلا بالله .

стр. 441

فوائد ذكر أهل التقوى والإيمان ولكن ذكر القوم له فوائد، فمن ذلك: ألا يزال المسكين منكسراً منزوياً، يرى تجارات التجار، وبضائع التجار، وهو من المحرومين، ويرى الواصلين وهو من المنقطعين. ومن ذلك: أنه قد تتجدد له همة، فيلحق بالقوم، ولو زحفاً، أو يجد أثراً من غبارهم. ومن ذلك: أن العلم بكل حال أفضل من الجهل. ومن ذلك: أن العبد إذا عرف أوصاف القوم تهيأ لأحوالهم، وقد حصل له شطر، فلعل الله أن يمن عليه، وأن يوفقه لأن يتصف بأخلاق القوم.

стр. 442

صفات أهل التقوى والإيمان فنبأ القوم غريب، وخبرهم عجيب، أثنى الله عليهم في كتابه، وبين شيئاً من صفاتهم ومما يتميزون به فقال في بداية سورة البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:١ - ٣]. فأول ما يميز المتقين أنهم يؤمنون بالآخرة إيماناً جازماً، وكل مسلم يؤمن بالآخرة، ولكن هؤلاء تعمق الإيمان بالآخرة في قلوبهم، فهم كأنهم يشاهدون الآخرة ليل نهار، حساباتهم أعمالهم وأقوالهم، وإنما تنضبط على حسب إيمانهم بالآخرة، فهل هذا القول وهل هذا العمل مما ينجيهم في الآخرة؟ إيمانهم بالآخرة هو الذي يجعلهم يقيمون الصلاة على وجهها، ويؤدون الزكاة، ويؤمنون بما أمر الله بالإيمان به، وبما ثبت عن النبي ﵌. من صفاتهم كذلك: أنهم يعفون ويصفحون، كما قال : ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة:٢٣٧]. وقال : ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]. وقال : ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٤]. فمن صفات المتقين: أنهم يعفون ويصفحون، ولذلك هم أولى الناس بعفو الله ، كما قال النبي ﵌: (كان رجل يداين الناس، فإذا رأى معسراً قال لغلمانه تجاوزوا عنه؛ لعل الله أن يتجاوز عنا، فتجاوز الله عنه). فمن صفات المتقين أنهم يعفون ويصفحون. ومن صفات المتقين كذلك: أنهم يعدلون في حكمهم، كما قال الله : ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨]. فهم يعدلون في أقوالهم وفي حكمهم. ومن صفاتهم كذلك: أنهم أصدق الناس إيماناً، وأصدق الناس أقوالاً، وأصدق الناس أعمالاً، كما قال : ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣]. فهم أصدق الناس، وأول الناس تصديقاً للمرسلين، فهم أصدق الناس في الأقوال وفي الأعمال وفي الإيمان. ومن ذلك: أنهم يكونون دائماً مع الصادقين، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]. والصادقون قيل: هم الرسل، وقيل: هم الصحابة ﵃، وقيل: قد وسم الله المهاجرين بالصدق، ووصفهم الله بالصدق، ثم أمر الأنصار أن يكونوا تبعاً للمهاجرين، وهذه الآية مما استدل به أبو بكر ﵁ على استحقاق المهاجرين للخلافة بعد رسول الله ﷺ ؛ لأن الله وصف المهاجرين بأنهم هم الصادقون، ووصف الأنصار بأنهم هم المفلحون، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]. فقال: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء. فمن علامات التقوى أن نكون مع الصادقين مع الصحابة ﵃ في عقيدتهم وفي إيمانهم، وفي أقوالهم، وفي منهجهم، في فهم الكتاب والسنة. كذلك من علامات الصدق ومن علامات التقوى أن نكون مع الصادقين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم. إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليماً. أهل التقوى ليسوا معصومين من الذنوب والخطايا، وليس هناك معصوم إلا من عصمه الله من الأنبياء، ولكنهم لا يقارفون الكبائر، ولا يصرون على الصغائر، كما قال الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١ - ٢٠٢]. فأهل التقوى إذا مسهم طائف، ما قال: إذا وقعوا في كبيرة؛ لأنهم منزهون عن الكبائر، (إذا مسهم طائف) إذا وقعوا في هفوة أو صغيرة، فإنهم شديدو الحساسية، قلوبهم منورة بالإيمان، يحسون بأدنى ريبة وبأدنى معصية، ويتوجعون لها، فيتوبون ويرجعون إلى الله . يتذكرون وعد الله ووعيده، فيرجعون إلى الله بالتوبة والاستغفار والحسنات الماحية. أما إخوان الشياطين فإنهم -أي: الشياطين- يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون، يتابع بين المعاصي وبين الكبائر، ولا يتذكر، ولا يعود إلى الله ، ولا يتوب إلى الله ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِ

стр. 443

مواقف إيمانية في الصبر على البلاء الصبر ضياء للمسلم في حياته، وأعلى منه رتبة الرضا بقضاء الله وقدره، وقد ضرب في ذلك الأنبياء والصالحون أروع الأمثلة، وعلى رأسهم نبينا محمد ﷺ ، وكذلك أيوب ﵇، فعلى المرء المسلم أن يتحلى بالصبر والرضا حتى ينال الدرجات العلى.

стр. 444

أنواع الصبر وحاجة الإنسان إليه إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده رسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد: فلما كانت الدنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء لا يسلم المؤمن في الدنيا من المصائب والرزايا والبلايا، قال بعضهم: المرء رهن مصائب لا تنقضي حتى يوسد جسمه في رمسه فمؤجل يلقى الردى في غيره ومعجل يلقى الردى في نفسه ونحن في أزمنة متأخرة حرم فيها المسلمون من التحاكم إلى شريعة ربهم ، ونكست فيها أعلام العلم والدين، وصار الدعاة إلى الله والملتزمين بشرع الله محاربين مضطهدين، وارتفعت أعلام الفتن، وكثرت الشبهات والمحن، وصار القابض على دينه كالقابض على الجمر، فما أحوجنا إلى تعلم الصبر والعمل به، فإن الصبر ثلاثة أنواع: صبر على الطاعات حتى يؤديها. وصبر على المعاصي حتى لا يقع فيها. وصبر على الأقدار المؤلمة التي تخالف هوى النفس. وهذه الأنواع الثلاثة حاجتنا إليها في هذا الليل الحالك أكثر من حاجتنا إلى الطعام والشراب. اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد.

стр. 445

تعريف الصبر وذكر مراتبه معنى الصبر: الصبر لغة: هو المنع والحبس. وشرعاً هو: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك. وقيل: هو خلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به عن فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها، وقوام أمرها. وقال بضعهم: هو التباعد عن المخالفات، والسكون عند تجرع غصص البلية، وإظهار الغنى مع حلول الفقر بساحات المعيشة. وقال آخر: هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب. وقال آخر: هو الغنى في البلوى بلا ظهور شكوى. وقال آخر: تجرع المرارة من غير تعبس. والنفس لها قوتان: قوة إقدام وقوة إحجام. فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه، وقوة الإحجام إمساكاً عما يضره. وقيل: الصبر شجاعة النفس. ومن هنا أخذ القائل قوله: الشجاعة صبر ساعة. والصبر والجزع ضدان، كما أخبر تعالى عن أهل النار أنهم يقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]. فهذا تعريف الصبر.

стр. 446

منزلة الرضا ومحلها من الصبر أما الرضا فهو: انشراح الصدر وسعته بالقضاء. يعني: أن الرضا درجة أعلى من درجة الصبر، فالصبر: المنع والحبس، منع النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب ونحو ذلك. أما الرضا فهو: انشراح الصدر، وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم. يعني: أن الإنسان لو أصيب ببلاء فهو لا يتمنى زوال هذا البلاء؛ لما يرجو من ثوابه عند الله ، فهو لو خير بين أن الذي ذهب منه يعود إليه وبين ألا يعود لاختار ألا يعود، فلو مات له ولد أو فقد ماله أو فقد سمعه أو بصره فإن طمعه في ثواب الله، ومحبته لقضاء الله وقدره تجعله لا يتمنى غير ما كان، فهو يرضى بقدر الله ، ويطمع في الثواب، وتطمئن نفسه إلى قضاء الله وقدره. فالرضا هو: انشراح الصدر وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال الألم، وإن وجد الإحساس بالألم، لكن الرضا يخففه بما يباشر القلب من روح اليقين والمعرفة. وإذا وجد الرضا فقد يزيل الإحساس بالألم بالكلية، فللعبد فيما يكره درجات: درجة الرضا ودرجة الصبر. فالرضا فضل مندوب إليه، والصبر واجب على المؤمن حتماً. وأهل الرضا تارة يلاحظون المبتلي وخيره لعبده في البلاء، وأنه غير متهم في قضائه. وتارة يلاحظون عظمة المبتلي وجلاله وكماله، فيستغرقون في مشاهدة ذلك؛ حتى لا يشعرون بالألم، وهذا يصل إليه أهل المعرفة والمحبة، حتى ربما تلذذوا بما أصابهم؛ لملاحظتهم صدوره من حبيبهم.

стр. 447

الفرق بين الرضا والصبر والفرق بين الرضا والصبر: أن الصبر حبس النفس وكفها عن السخط مع وجود الألم وتمني زواله، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع. والرضا يوافق الصبر في حبس النفس وكف الجوارح، ويزيد عليه عدم تمني زوال الألم. ففرح العبد بالثواب وحبه لله وانشراح صدره بقضائه يجعله لا يتمنى زوال الألم. قال شيخ الإسلام: ولم يجئ الأمر به -أي الرضا- كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم. قال النبي ﷺ : (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ رسولاً). وقال ﷺ : (من قال حين يسمع النداء: رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً، غفرت ذنوبه). فالرضا لم يوجبه الله على خلقه، ولكن ندبهم إليه، وأثنى على أهله، وأخبر أن ثوابه رضاه عنهم، الذي هو أعظم وأكبر وأجل من الجنان وما فيها، فمن رضي عن ربه ﵁، بل رضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه؛ يعني: كما أن توبة العبد تكون نتيجة لتوبة سابقة من الله -توبة إذن وتوفيق- ويعقبها توبة قبول وإثابة، فكذلك الرضا. فالله يرضى عنه فيرزقه الرضا، ثم يرضى عنه رضا قبول وإثابة، فالله هو الأول والآخر. فرضا العبد عن الله من نتائج رضا الله عنه، فهو محفوف بنوعين من رضاه على عبده، رضا قبله أوجب له أن يرضى، ورضا بعده هو ثمرة رضاه عنه، ولذلك كان الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين، وحياة المحبين، ونعيم العابدين، وقرة عيون المشتاقين، نسأل الله أن يقسم لنا من رضاه ما يبلغنا به غاية المنى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 448

فضل الصبر فضيلة الصبر: وردت آيات كثيرة وأحاديث نبوية شريفة تبين فضيلة هذه العبادة:

стр. 449

فضل الصبر في القرآن الكريم من ذلك: قوله : ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]. والمصيبة هي كل ما يؤذي الإنسان ويصيبه، وكان عمر ﵁ يقول: نعم العدلان ونعمت العلاوة للصابرين. يعني بالعدلين: الصلاة والرحمة، والعدلان: ما يوضعان فوق سنام البعير، والعلاوة: الزيادة على العدلين التي توضع فوق سنام البعير. فالصابرون هنا يبشرون بثلاثة أمور: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧]. وهما العدلان: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧] وهذه العلاوة. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]. وفاز الصابرون بمعية الله ، قال تعالى: ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٦]. وجعل سبحانه الإمامة في الدين منوطة بالصبر واليقين، فقال تعالى -وبقوله اهتدى المهتدون-: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل:١٢٦]. وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:١٢٠]. وعلق الفلاح بالصبر والتقوى، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. وأخبر عن محبته للصابرين فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦]. ولا يفوز بجنة الله إلا الصابرون، قال تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١]. نسأل الله تعالى أن يفتح علينا في الدين، وأن يجعلنا من الصابرين الشاكرين.

стр. 450

فضل الصبر في السنة النبوية أما أدلة السنة على فضل الصبر والصابرين، فمنها: قوله ﷺ : (ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يصب منه). وأنتم تجدون أصحاب الدنيا والشهوات والمال والجاه والسلطان عندهم الصحة والعافية والمال والجاه، فيستعينون بذلك على المعاصي فيزدادون غياً وتمادياً، وتجدون أهل الإيمان غالباً عندهم الأمراض والفقر والأوجاع، فليس إعطاء الدنيا دليلاً على محبة الله ، بل قال الله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم:٤٤]. قال بعض السلف: يعطيهم النعم ويمنعهم الشكر. وقال بعضهم: كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة. وقال النبي ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته). وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها). وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً). وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس ﵄: (ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ فقلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي. فقال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت: أصبر، لكن ادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها). فأخبرها النبي ﷺ أن صبرها على هذا المرض يوجب لها الجنة، وأنها إذا صبرت عليه تدخل الجنة، وإن شاءت أن يدعو لها فسيدعو لها، فاختارت الصبر: ثم قالت: إني أتكشف، فادع الله لي ألا أتكشف، فدعا لها ﷺ . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يقول الله : ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة). وقال أنس بن مالك ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: (إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه -يعني: عينيه- فصبر عوضته منهما الجنة). فبين أن جزاء الصبر على هذه المصيبة الجنة؛ لأنها مصيبة عظيمة، فمن ابتلي بهذا البلاء فجزاؤه الجنة إذا صبر. وعن أم سلمة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم آجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها). وهذا إنما يكون عند الصدمة الأولى، كما في الحديث: (إنما الصبر عند الصدمة الأولى)، يعني: محك الصبر الحقيقي عند الصدمة الأولى؛ لأن الإنسان يسلم بقضاء الله بعد ذلك، وإنما يفعل الصابر في بداية المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام. فقدر الله واقع مثل السيف، فالصبر الحقيقي أن الإنسان يصبر عند نزول البلاء. والناس بعد ذلك يسلمون، فمن لم يصبر صبر الكرام سلا سلو البهائم، فكما أن البهائم تكون مستسلمة لقضاء الله وقدره ولما هي فيه، فالناس بعد ذلك يستسلمون، ولكن الصبر الحقيقي الذي يثاب عليه المرء إنما يكون عند الصدمة الأولى. قالت أم سلمة: (فلما مات أبو سلمة قلت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ ثم أني قلتها، فأخلف الله لي رسوله ﷺ .

стр. 451

آثار عن السلف الصالح في الصبر والرضا آثار عن السلف الصالح ﵃ في الصبر والرضا: قال سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] قال: لما أخذوا برأس الأمر جعلناهم رءوساً. وقال عمر بن عبد العزيز: ما أنعم الله على عبد نعمة فانتزعها منه فعاضه مكانها الصبر إلا كان ما عوضه خيراً مما انتزعه. وقال يونس بن زيد سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن - ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك -: ما منتهى الصبر؟ قال: أن يكون يوم أن تصيبه المصيبة مثل قبل أن تصيبه. وقال فضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤]. قال: صبروا على ما أمروا به، وصبروا عما نهوا عنه. وقالوا: الحيلة فيما لا حيلة فيه الصبر. وقالوا: من لم يصبر على القضاء فليس لحمقه دواء. وقال أبو الدرداء ﵁: إن الله إذا قضى قضاءً أحب أن يُرضى به. وقال أبو عبد الله البراثي: من وهب له الرضا فقد بلغ أقصى الدرجات. وقالت رابعة: إن الله إذا قضى لأوليائه قضاءً لم يتسخطوا. وقتل لبعض الصالحين ولد في سبيل الله فقيل له: أتبكي وقد استشهد؟ فقال: إنما أبكي كيف كان رضاه عن الله حين أخذته السيوف. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: إن الله تعالى بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. وقال علقمة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]: هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى. وقال أبو معاوية الأسود في قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل:٩٧] قال: الرضا والقناعة، يعني: أن هذه الحياة الطيبة هي الرضا والقناعة. ونظر علي بن أبي طالب ﵁ إلى عدي بن حاتم كئيباً فقال: يا عدي! من رضي بقضاء الله جرى عليه وكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه وحبط عمله. وقال عمر بن عبد العزيز: ما بقي لي سرور إلا في مواقع القدر. وقيل له: ما تشتهي؟ قال ما يقضي الله . وقال الحسن: من رضي بما قسم له وسعه وبارك الله له فيه، ومن لم يرض لم يسعه ولم يبارك له فيه. وقال بعضهم: من لم يرض بالقضاء فليس لحمقه دواء. وأصبح أعرابي وقد ماتت له أباعر كثيرة، فقال: لا والذي أنا عبد في عبادته لولا شماتة أعداء ذوي أحن ما سرني أن إبلي في مباركها وأن شيئاً قضاه الله لم يكن وقال حفص بن حميد: كنت عند عبد الله بن المبارك بالكوفة حين ماتت امرأته، فسألته: ما الرضا؟ قال: الرضا ألا يتمنى خلاف حاله. يعني: أن الإنسان لا يأسف على شيء فاته أو يتمنى أن يكون على غير ما هو فيه، فقال: الرضا: ألا يتمنى خلاف حاله. فجاء أبو بكر بن عياش فعزى ابن المبارك، قال حفص: ولم أعرفه. فقال عبد الله: سله عما كنا فيه، فسألته فقال: من لم يتكلم بغير الرضا فهو راض. يعني: أن الإنسان الذي كلامه كله فيه استسلام وقبول لقضاء الله فهو راض. قال حفص: وسألت الفضيل بن عياض فقال: ذاك للخواص. قال قادم الديلمي العابد: قلت للفضيل بن عياض: من الراضي عن الله؟ قال الذي لا يحب أن يكون على غير منزلته التي جعل فيها. ونحن عندما نذكر أمثلة في الصبر والرضا نذكر ذلك من أجل أن تعرفوا حقيقة الرضا، وكيف أن الإنسان لا يختار إلا ما اختاره الله له وإن كان هو من المصائب. وقال أبو عبد الله البراثي: لم ير أرفع درجات من الراضين عن الله على كل حال.

стр. 452

بعض الدوافع والأسباب التي تعين على الصبر والرضا وقبل أن نشرع في المواقف الإيمانية في الرضا والصبر نتكلم عن بعض الدوافع التي تعين على الصبر والرضا، وهذه الدوافع لا شك أنها تعين على مثل هذه المواقف الإيمانية؛ لأن المواقف الإيمانية تكون نتيجة لغلبة الإيمان على قلب العبد وإيثار العبد لمراد الله ، ومحبته لدين الله . فالذي يدفع إلى مثل هذه المواقف الإيمانية قوة الإيمان وقوة الأحوال الإيمانية، فهذه الدوافع تعين على الصبر والرضا. فلا شك في أن الصبر مقاماً رفيعاً، وطاعة يحبها الله ، ويحب أهلها، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦]. فقد جعل الله ثواب الصبر بغير حساب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]. والصبر واجب حتماً، أما الرضا فهو أعلى رتبة منه، وجزاؤه رضا الله الذي هو أكبر من جنة الله ، فما هي الدوافع والأسباب التي تعين على الصبر والرضا؟ و الجواب أولاً: أن يتدبر العبد ما سبق من آيات كريمات، وأحاديث نبوية في فضل الصبر والرضا، فيعلم العبد فضل الصبر والرضا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ثانياً: أن يدرس المواقف الإيمانية، كالصبر على البلاء والرضا بأمور القضاء؛ فإنه مما يعينه على الصبر؛ لأنها رايات مرفوعة على طريق الإيمان، فيتأسى بأصحاب هذه المواقف المؤمنون الصادقون، وينسج على منوالهم العباد الصالحون. ومن ذلك أن يعلم أن القدر سبق بذلك، قال : ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد:٢٢]. يعني: أن الله جعل لنا ملائكة تحفظنا، قال الله : ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:١١]. وهذه الملائكة لا تحفظه من أن ينفذ فيه أمر الله، بل هذه الملائكة من أمر الله: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء:٤٢]. فكل إنسان منا تعرض خلال حياته لمواطن كثيرة جدة كاد أن يهلك فيها، ولكن الله يحفظه. فالملائكة التي تحفظ العبد وتكلؤه بالليل والنهار تتخلى عنه إذا جاء أمر قدره الله له، فإذا جاء القدر تخلوا عنه. فالإنسان إذا أصيب ببلاء فليتذكر أن هذا البلاء مكتوب في اللوح المحفوظ، وأن الله شاءه، وأنه لابد أن يكون؛ والمعنى: أن المصائب مقدرة، لا أنها وقعت على وجه الاتفاق كما يقول الطبائعيون، ولا أنها عبث، بل هي صادرة عمن صدرت عنه محكمات الأمور. فالله قدرها، فلابد أن فيها حكمة، يقول بعض السلف: إذا وقعت ذبابة على يدك فاعلم أنها وقعت بقدر ولحكمة. فكل أمر لحكمة؛ لأن مدبر هذه الأمور هو الحكيم الخبير، فالله يدبر أمر ملكه كيف يشاء، فالأمور لا تأتي كما يقول الطبائعيون اتفاقاً، ولكنها بقدر وبحكمة، بل هي صادرة عمن صدرت عنه محكمات الأمور، ومتقنات الأعمال، وإذا كانت صادرة عن الحكيم فهو لا يعبث، فهي إما لزجر عن فساد أو لتحصيل الأجر أو لعقوبة على ذنب. رابعاً: العلم بأن الدنيا دار الابتلاء والكرب، لا يرجى منها راحة. وما استغربت عيني فراقاً رأيته ولا أعلمتني غير ما القلب عالمه فالإنسان لا يستغرب أي بلاء؛ لأن الدنيا أصلاً دار كدر، لذلك جرى القدر، ويا عجباً ممن يده في سلة الأفاعي كيف ينكر اللسع! فالإنسان لا يستغرب أن يصاب ببلاء؛ لأن الدنيا دار امتحان ودار بلاء. خامساً: أن يقدر وجود ما هو أكبر من تلك المصيبة، كمن له ولدان ذهب أحدهما؛ فقد كان يمكن أن يذهب الاثنان، فقد تذهب أسر بكاملها في حوادث، نسأل الله العافية، فالإنسان يقدر أن المصيبة كانت أكثر من ذلك. سادساً: النظر في حال من ابتلي بمثل هذا البلاء، فإن التأسي راحة عظيمة، قالت الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أعزي النفس عنه بالتأسي وهذا المعنى قد حرم الله منه أهل النار، كما قال : ﴿وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف:٣٩] يعني: يحرم أهل النار من التأسي. فيقولون: المصيبة إذا عمت هانت، يقال: فلان أصيب بكذا، وفلان بكذا، فيتسلى الناس بعضهم ببعض. ولكن أهل النار يظن كل إنسان منهم أنه محبوس وحده، وأنه لم يبق في النار سواه. سابعاً: أن يتذكر نعم الله عليه، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]. يعني: أن الإنسان بدل ما يفكر في المصائب التي تصيبه يتذكر نعم الله عليه. ثامناً: أن العبد إذا صبر واحتسب فإن الله يعوضه ولا يخيبه. من كل شيء إذا ضيعته عوض وما من الله إن ضيعت من عوض تاسعاً: أن الجزع لا يرد المصيبة، بل يضاعفها،

стр. 453

مواقف إيمانية في الصبر على البلاء والرضا بمر القضاء مواقف إيمانية في الصبر على البلاء والرضا بمر القضاء:

стр. 454

موقف أيوب ﵇ في الصبر على البلاء والرضا بالقضاء وأولى الناس بالذكر في هذا الباب هو أيوب ﵇؛ لأنه الذي يضرب به المثل في الصبر. قال ابن كثير ﵀: قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم: كان أيوب رجلاً كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة من أرض حوران، وحكى ابن عساكر أنها كانت كلها له، وكان له أولاد وأهلون كثير، فسلب منه ذلك جميعه، وابتلي في جسده بأنواع من البلاء، ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه يذكر الله بهما، وهو في ذلك كله صابر محتسب ذاكر لله في ليلة ونهاره وصبحه ومسائه. وطال مرضه حتى عافه الجليس واستوحش منه الأنيس، وأخرج من بلده وألقي على مزبلة خارجها، وانقطع عنه الناس ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته، كانت ترعى له حقه وتعرف قديم إحسانه إليها، وشفقته عليها، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه، وتعينه على قضاء حاجته، وتقوم بمصلحته، وضعف حالها، وقل مالها، حتى كانت تخدم الناس بالأجر وتطعمه، وتقوم بحاجته ﵂ وأرضاها، وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق المال والولد، وما يختص بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد، وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. ثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، وقال: يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه). ولم يزد هذا أيوب ﵇ إلا صبراً واحتساباً، وحمداً وشكراً، حتى أن المثل ليضرب بصبره ﵇. ويضرب أيضاً بما حصل له من أنواع البلاء، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص:٤١ - ٤٤]. قال السعدي ﵀: ولما تطاول به المرض العظيم ونسيه الصاحب والحميم نادى ربه: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]، فقيل له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص:٤٢]، فركض، فنبعت بركضته عين ماء بارد، فقيل له: اشرب منها واغتسل، ففعل ذلك فذهب ما في ظاهره وباطنه من البلاء. وقال الحافظ: أصح ما ورد في قصته ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن جريج وصححه ابن حبان والحاكم من طريق نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس: أن أيوب ابتلي فلبث في بلائه ثلاث عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه فكانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما للآخر: لقد أذنب أيوب ذنباً عظيماً وإلا لكشف عنه هذا البلاء، فذكره الآخر لأيوب، فحزن ودعا الله حينئذ، فخرج لحاجته، وأمسكت امرأته بيده، فلما فرغ أبطأت عليه، فأوحى الله إليه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص:٤٢]، فضرب برجله الأرض فنبعت عين فاغتسل منها، فرجع صحيحاً، فجاءت امرأته فلم تعرفه، فسألته عن أيوب فقال: إني أنا هو، وكان له أندران: أحدهما للقمح، والآخر للشعير، فبعث الله سحابة فأفرغت في أندر القمح الذهب حتى فاض، وفي أندر الشعير الفضة حتى فاض. وفي الصحيح أيضاً عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً: (بينما أيوب يغتسل عرياناً خر عليه رجل جراد من ذهب، فجعل يحثي في ثوبه - يعني: يجمع في ثوبه من هذا الجراد الذي هو من ذهب- فناداه ربه: يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب! ولكن لا غنى لي عن بركتك). ولا بأس أن يطلب الإنسان المال الحلال حتى ولو كان عنده مال كثير، فأيوب ﵇ كان عنده ذهب وفضة، ومع ذلك كان يجمع جراد الذهب فقال الله له: (يا أيوب! ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب! ولكن لا غنى لي عن بركتك). ففي قصة أيوب عليه والسلام عبرة للمعتبرين، فإنه صبر هذا الصبر الجميل على ذهاب ماله وأقاربه وصحته، وثبت على حبه لله وصبره على قضائه وقدره، واقتصاره على الشكوى إلى الله ، وهي لا تنافي الصبر؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص:٤٤]، مع أنه شكى إلى الله وقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]. وزاده من فضله، وهذه عاقبة المواقف الإيمانية دائماً رفعة الدنيا والآخرة، فكما كان يوسف ﵇ مثلاً ل

стр. 455

موقف أم سليم الأنصارية في الصبر والرضا من المواقف الإيمانية في الصبر: موقف أم سليم امرأة أبي طلحة ﵄. عن أنس ﵁ قال: (اشتكى ابن لـ أبي طلحة فمات وأبوه أبو طلحة خارج، فلما رأت امرأته أنه قد مات هيأت شيئاً -قيل: غسلته وكفنته، وقيل: تزينت له- وجعلت ابنها في جانب البيت، فلما جاء أبو طلحة قال: كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح). فلم تستقبله عند دخوله بالمصائب والمشاكل، بل جعلت تهدئ من نفسه ثم تخبره في الوقت المناسب، مع أن النساء أقل صبراً بالنسبة لمرض الأولاد أو موت الأولاد، ولكن هذه المرأة تضرب هذا المثل العظيم جداً في الصبر والأدب، فقال أبو طلحة: (كيف الغلام؟ قالت: قد هدأت نفسه، وأرجو أن يكون قد استراح). وظن أبو طلحة أنها صادقة، وهي فعلاً صادقة، ولكنها عرضت بالكلام. قال: (فباتا، فلما أصبح اغتسل -إشارة إلى أنه أصاب منها- فلما أراد أن يخرج أعلمته)، يعني: صبرت كل هذا الوقت، فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات. وفي بعض الروايات: أنها قالت له: (لو أن أحداً وضع عندك وديعة ثم أراد أن يستردها، أكان يحزنك ذلك؟ فقال: لا، فأخبرته بعد ذلك) فمهدت له الخبر بضرب هذا المثل. قال: (فلما أراد أن يخرج أعلمته أنه قد مات، فصلى مع النبي ﷺ ثم أخبره بما كان منها، فقال رسول الله ﷺ : لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما، فقال رجل من الأنصار: فولد له ولد فرأيت له تسعة أولاد كلهم قد حفظوا القرآن). فرزقت ولداً وسمي عبد الله، وحنكه النبي ﷺ ودعا له، وكان من ذرية هذا الولد هؤلاء القراء التسعة. وفي بعض الرويات: أنها جاءت بغلام حنكه رسول الله ﷺ وسماه عبد الله، والذي كان من سلالته الإخوة القراء. فالحاصل: أن المواقف الإيمانية ترفع العبد في الدنيا والآخرة. قال الحافظ: وقوله: (هيأت شيئاً) قال الكرماني: أي: أعدت طعاماً لـ أبي طلحة وأصلحته، وقيل: هيأت حالها وتزينت. وقال الحافظ: بل الصواب أنها هيأت أمر الصبي بأن غسلته وكفنته، كما روي في بعض الطرق صريحاً. وقوله: (فلما أصبح اغتسل) كناية عن الجماع. فهذا موقف إيماني من أم سليم ﵂، مع أن النساء أشد هلعاً وجزعاً في مثل هذه المواقف، ولكن الإيمان يغير طبائع النفوس، ويعلو بهمم العباد، ويرفعهم في الدنيا والآخرة. وعمت بركة هذا الموقف الإيماني ذرية أبي طلحة وأم سليم ببركة دعوة النبي ﷺ ، فكان في أولاد أولادها تسعة كلهم ختم القرآن، فليتأس الشخص وليتعلم أوصاف السابقين الأولين، وليعلم أن الرجال أولى بهذا الصنيع.

стр. 456

موقف رجل صالح مع ملك ظالم في الصبر والرضا ومن هذه المواقف الإيمانية: قصة رجل من أفضل أهل زمانه، قال وهب بن منبه ﵀: أتي برجل من أفضل أهل زمانه إلى ملك كان يجبر الناس على أكل لحوم الخنازير، فلما أتي به أعظم الناس مكانه وهالهم أمره، فقال له صاحب شرطة الملك: ائتني بجدي تذكيه، يعني: تذبحه مما يحل لك أكله، فأعطنيه؛ فإن دعا بلحم الخنزير أتيتك به فكله، يعني: أن صاحب الشرطة قال لهذا الرجل الذي هو من أفضل أهل زمانه: ائتني بجدي تذكيه وتذبحه، ثم إذا أمر الملك أن يعطى من لحم الخنزير فيعطيه من هذا اللحم. قال: فأعطنيه، فإن دعا بلحم الخنزير أتيتك به فكله. فذبح جدياً فأعطاه إياه، ثم أتي به إلى الملك، فدعي بلحم الخنزير، فأتاه صاحب الشرطة بلحم الجدي الذي كان أعطاه إياه، فأمره الملك بأكله، فأبى، فجعل صاحب الشرطة يغمز له ويأمره أن يأكله، ويريه أنه هو اللحم الذي دفعه إليه، فأبى أن يأكله، فأمر الملك صاحب الشرطة أن يقتله، فلما ذهب به قال: ما منعك أن تأكل وهو اللحم الذي دفعت إلي؟ أظننت أني أتيتك بغيره؟ قال: لا، قد علمت أنه هو، ولكني خفت أن يفتتن الناس بي، فإذا أريد أحدهم على أكل لحم الخنزير قال: قد أكله فلان، فيستنوا بي، فأكون فتنة لهم، فقتل رحمة الله عليه!

стр. 457

موقف أبي عبيدة بن الجراح في الصبر والرضا ومن المواقف الإيمانية في الصبر على البلاء والرضا بالقضاء: موقف أبي عبيدة بن الجراح، وأبو عبيدة هو أحد العشرة المبشرين بالجنة ﵃، شهد بدراً وقتل يومئذ أباه، وأبلى يوم أحد بلاءً حسناً، ونزع الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجنتي رسول الله ﷺ ، فانقلعت ثنيتاه، فحسن ثغره بذهابهما، حتى قيل: ما رئي هتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة. فرضيه أبو بكر ﵁ خليفة بعد رسول الله ﷺ فقال: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر وأبا عبيدة. وثبت عنه ﷺ أنه قال: (إن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح). ومناقبه ﵁ كثيرة شهيرة، ومواقفه الإيمانية عالية رفيعة في البذل والتضحية والزهد، وإنما قصدنا موقفه الإيماني عند نزول وباء الطاعون. عن قيس بن مسلم عن طارق أن عمر كتب إلى أبي عبيدة في الطاعون: إنه قد عرضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك. كان أبو عبيدة في هذا الوقت على رأس جيش في الشام، فلما سمع عمر ﵁ بوقوع طاعون عمواس أرسل إلى أبي عبيدة، وطاعون عمواس منسوب إلى قرية تسمى عمواس بين الرملة وبين بيت المقدس. وقال الأصمعي: هو من قولهم: زمن الطاعون عم وآسى. يعني: فاختصر وقيل له: عمواس، ولكن الصحيح الأول، والله أعلم. فلما سمع أمير المؤمنين عمر ﵁ بنزول الطاعون أرسل إلى أبي عبيدة فقال له: إني قد عرضت لي حاجة، ولا غنى بي عنك فيها، فعجل إلي، فلما قرأ الكتاب قال: عرفت حاجة أمير المؤمنين؛ إنه يريد أن يستبقي ما ليس بباق. فكتب: إني قد عرفت حاجتك، فحللني من عزيمتك؛ فإني في جند من أجناد المسلمين، لا أرغب بنفسي عنهم، فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقيل له: مات أبو عبيدة؟ قال: لا، وكأن قد، قال: فتوفي أبو عبيدة، وانكشف الطاعون. وروى ابن المبارك في الزهد عن شهر بن حوشب -وهو مختلف فيه- قال: حدثني عبد الرحمن بن غنم عن الحارث بن عميرة قال: أخذ بيدي معاذ بن جبل فأرسله إلى أبي عبيدة فسأله: كيف هو؟ وقد طعن، فأراه أبو عبيدة طعنة، يعني: إصابة الطاعون، وهو يظهر على شكل أورام يصيب الغدد اللمفاوية، ويظل ينتشر في أماكن متفرقة في الجسم، وينتقل إلى الرئتين وغير ذلك، يقول: وقد طعن، فأراه أبو عبيدة طعنة خرجت في كفه، فتكاثر شأنها في نفس الحارث وفرق منها حين رآها، يعني: انزعج عندما رأى هذه الطعنة، فأقسم أبو عبيدة بالله إنه ما يحب أن له مكانها حمر النعم. فصبره ﵁ وعدم استجابته لاستدعاء أمير المؤمنين عمر ﵁ ثم رضاه بما أصيب به من الطاعون وعدم تمنيه زوال البلاء هو عين الرضا. فالإنسان لا يتمنى البلاء أبداً، لأن ساحة العافية هي أوسع، ولكن إذا نزل بلاء فيصير ميدان الصبر هو الميدان الواسع، وأعلى منه ميدان الرضا، وهو عدم تمني زوال ما هو فيه. فصبره ﵁ وعدم استجابته لاستدعاء أمير المؤمنين عمر ثم رضاه بما أصيب به من الطاعون وعدم تمنيه زوال البلاء هو عين الرضا، وهو أعلى الدرجات، ومن أولى بذلك من الصحابة الكرام، ثم من أولى بكل فضيلة من العشرة المبشرين ﵃ أجمعين.

стр. 458

موقف عروة بن الزبير في الصبر والرضا وهذا فارس آخر من فرسان الصبر وهو عروة بن الزبير: عن هشام بن عروة عن أبيه قال: وقعت الأكلة في رجله فقيل له: ألا ندعو لك طبيباً؟ قال: إن شئتم، والأكلة الظاهر أنها مرض يصيب الأطراف وينتقل. فجاء الطبيب فقال: أسقيك شراباً يزول به عقلك، وطبعاً يجوز أخذ البنج أو شيء يذهب العقل؛ لأن هذه الآلام قد تذهب بحياة الإنسان، فقد يدخل في صدمة عصبية، وقد يموت من ذلك، فالعلماء رخصوا في العمليات الجراحية، وعمليات البتر بتعاطي البنج ونحوه، ولكن عروة بن الزبير اختار المقام الذي لا يصبر عليه إلا من هو إمام في الصبر. فجاء الطبيب فقال: أسقيك شراباً يزول به عقلك؟ فقال: امض لشأنك، ما ظننت أن خلقاً يشرب شراباً يزول فيه عقله حتى لا يعرف ربه! قال: فوضع المنشار على ركبته اليسرى ونحن حوله فما سمعنا له حساً، فلما قطعها جعل يقول: لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن ابتليت لقد عافيت. وما ترك حزبه من القراءة تلك الليلة. وقال عامر بن صالح عن هشام بن عروة: إن أباه خرج إلى الوليد بن عبد الملك، حتى إذا كان بوادي القرى وجد في رجله شيئاً، فظهرت به قرحة، ثم زاد به الوجع، فلما قدم على الوليد قال: يا أبا عبد الله! اقطعها، قال: دونك، فدعا له الطبيب، وقال له: اشرب المرقد، فلم يفعل، فقطعها من نصف الساق، فما زاد على قوله: حسي حسي، فقال الوليد: ما رأيت شيخاً أصبر من هذا. وأصيب عروة ﵀ في هذا السفر بابنه محمد؛ ركضته بغلة في إصطبل، فلم نسمع منه كلمة في ذلك، فلما كان بوادي القرى قال: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢]، اللهم كان لي بنون سبعة فأخذت منهم واحداً وأبقيت لي ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت طرفاً وأبقيت ثلاثة، فإن ابتليت لقد عافيت، ولئن أخذت لقد أبقيت. فهذا موقف إيماني في الصبر على البلاء والرضا بمر القضاء، فكم من إنسان يدعي الإيمان، فإذا نزل به البلاء أو المصيبة تزلزل إيمانه، وأساء الظن بربه ! والمواقف الإيمانية كما ذكرنا غير مرة ثمرة من ثمرات الإيمان، فالدافع لها قوة الإيمان ومحبة الرحمان، ولا يصبر هذا الصبر الجميل إلا إذا اكتمل إيمانه، وعلا يقينه، وقد كان على هذا أئمة العلم والعمل والعبادة والجهاد. فقد كان عروة يسرد الصيام، ويقوم بربع القرآن كل ليلة، ويحكم ما عند خالته عائشة ﵂ من مرويات قبل وفاتها بثلاث سنوات. وقد ورد أنه نظر إلى ساقه التي قطعت فقال: الله يعلم أني ما مشيت بها إلى معصية قط وأنا أعلم. فرحم الله أئمتنا وجزاهم عنا خير الجزاء، فقد أسندوا لنا الأحاديث النبوية، وضربوا لنا أروع الأمثلة في العبادة والصبر والجهاد، ولا شك في أن هذه النماذج وهذه الهمم في العلم والعمل كلها تدل على بركة رسالة نبينا محمد ﷺ ، فلا يمكن أن توجد في أمة من الأمم مثل هذه الثمرات الطيبة، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبياً عن أمته، ورحم الله علماء المسلمين وأعظم مثوبتهم.

стр. 459

موقف الخنساء ﵂ في الصبر والرضا ومن تلك المواقف: موقف الخنساء ﵂ وأبنائها الأربعة: حضرت الخنساء ﵂ حرب القادسية، وكان معها بنوها أربعة رجال، فوعظتهم، وحرضتهم على القتال وعدم الفرار، وقالت: إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، وإنكم لأب واحد، وأم واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت أخوالكم، فلما أصبحوا باشروا القتال، حتى قتلوا، فبلغها الخبر فقالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته. وهذا الدعاء بعض العلماء يقول: فيه نظر؛ لأن بعضهم يقول: مستقر الرحمة هي ذات الله ، وعلى كل حال، الأولى أن يقال: في فردوسه الأعلى. قال: وكان عمر بن الخطاب يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة حتى قبض. وقد أجمع أهل العلم بالشعر أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها، وقد كانت تقول في أول أمرها البيتين والثلاثة، حتى قتل شقيقها معاوية بن عمرو وقتل أخوها لأبيها صخر وكان أحبهما إليها؛ لأنه كان حليماً جواداً محبوباً في العشيرة. ومما قالت فيه: ألا يا صخر! لا أنساك حتى أفارق مهجتي ويشق رمسي يذكرني طلوع الشمس صخراً وأبكيه لكل غروب شمس ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن أسلي النفس عنه بالتأسي فانظر -رحمك الله- كيف جزعت على أخيها صخر وأنشدت ما تتقطع له القلوب، وعندما تشرفت بالإسلام حضت أبناءها على الجهاد، ورغبتهم في الاستشهاد، فلما قتلوا قالت: الحمد لله الذي شرفني بقتلهم. فهذا يبين قيمة الإيمان، حيث إنه يغير الطبائع ويغير الأحوال، ويغير الأعمال، ويغير القلوب والتصرفات. إنه الإيمان الذي يغير القلوب، ويرفع الهمم، وينتج المواقف الإيمانية التي وفق لها سادات المؤمنين، والتي يرتفعون بها في الدنيا وعند الله رب العالمين.

стр. 460

موقف سعد بن أبي وقاص في الصبر والرضا ومن تلك المواقف أيضاً موقف سعد بن أبي وقاص: لما قدم سعد بن أبي وقاص مكة وقد كان كف بصره جاءه الناس يهرعون إليه كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة. قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت إليه فعرفني، وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم فذكر قصة قال في آخرها: فقلت له: يا عم! أنت تدعو للناس، فلو دعوت لنفسك فرد الله عليك بصرك، فتبسم وقال: يا بني! قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري. فهذا حال الرضا من الإنسان يرضى بالحال التي هو فيها، ويطمع في ثوابها، ولا يتمنى زوالها. فالعبد لا يصل إلى درجة إجابة الدعاء إلا بعد مجاهدة عظيمة وتحبب وتقرب إلى الله ، فترتفع رتبة العبد بالطاعة وكثرة النوافل فيصير في درجة تؤهله إن سأل الله أعطاه، وإن استعاذ بالله أعاذه. والعبد يصل مع ذلك إلى درجات عالية من المحبة والرضا والتعظيم لأمر الله ، كما قال بعضهم: أحبه إليه أحبه إلي.
следующие страницы →