Полный текст (2 691 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الجولة الرابعة: مواقف من خوف الإمام أحمد من الله
نمضي مع الخائف الوجل الإمام أحمد رحمة الله عليه، يقول عبد الله: سمعت أبي يقول: وددت أني نجوت من هذا الأمر كفافاً لا لي ولا علي.
هذا الذي كان طاهر الذيل نقي النشأة حافظاً لحديث رسول الله ﵊، كان يعلم ويوقن عظمة المهمة والواجب الملقى على عاتقه، ويعلم قصور العبد وقلة حيلته، ويعلم عظمة الرب وعدم القدرة على إيفاء حقه ، فيقول: وددت أني نجوت كفافاً لا لي ولا علي.
وكان إذا دعا له رجل يقول: الأعمال بخواتيمها.
وكثيراً ما كان يسمع منه قول: اللهم سلم سلم؛ لأن القلوب الخائفة الوجلة مهما عملت فإنها تبقى على وجل من عدم القبول، أو على وجل من أن تكون الأعمال دون الصور المطلوبة ودون المنزلة المرجوة، ولذلك كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] حين نزلت هذه الآية قالت عائشة: (يا رسول الله! الرجل يشرب الخمر ويزني ثم يخاف؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخشى ألا يقبل منه) هذا حال أهل الإيمان، يقول الحسن البصري رحمة الله عليه: لقد لقيت أقواماً هم أخوف منكم ألا تقبل حسناتهم من خوفكم أن تحاسبوا على سيئاتكم.
فهم في خوف عظيم أكثر من خوفنا من سيئاتنا، خوفهم أعظم ليس من السيئات لكن من عدم قبول الحسنات، وهذا لا يكون إلا مع استحضار عظمة الله ، وفهم الحق الواجب له ، ولذلك لما سئل الإمام أحمد: كيف أصبحت؟ قال مقالة عجيبة فريدة تدل على عظيم ما كان يفقه من دين الله وما يحمل من أمر الله؛ قال: كيف أصبح مَنْ ربه يطالبه بأداء الفرائض، ورسوله يطالبه بأداء السنة، والملكان يطالبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يطالبه بقبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة؟! كلها أمور يحتاج الإنسان فيها إلى مجاهدة واستقامة على أمر الله، واتباع لسنة رسول الله ﷺ ، وتحر للإخلاص وصدق التوجه لله ، وبراءة من شهوات النفس ومجاهدة لها، محاربة لإغواء الشيطان وتزيينه.
وفوق ذلك كله انتظر الموت على وجل وخوف؛ ولذلك كان رحمة الله عليه مع ما له من قدم سابقة في العلم والعمل كان دائماً يستحضر عظمة الله ، والواجب الذي ينبغي أن يكون له، فيرى أن على الإنسان المسلم ألا يكون مطمئناً ولا واثقاً ولا آمناً من مكر الله وعذاب الله .
стр. 107
الجولة الخامسة: مواقف من وقار وهيبة الإمام أحمد
نمضي في جولة مع الرجل الوقور، فقد كان رحمة الله عليه مع خوفه لله ومع حسن تعامله مع الناس وقوراً يهابه الناس، فحتى إن شيوخه وأهل العلم والتقوى وأهل الإمامة في الدين كانوا يراعون الإمام أحمد ويهابونه ويوقرونه.
فهذا يزيد بن هارون وهو من أعظم شيوخه ومن كبار أهل العلم، قال أحد التلاميذ: كنا في مجلس يزيد بن هارون فمزح يزيد مع مستمليه الذي يملي عليه الحديث فتنحنح أحمد بن حنبل، فضرب يزيد على خده كالمتأسف وقال: ألا أعلمتموني أن أحمد هاهنا حتى لا أمزح.
لقد كان الإمام رحمة الله عليه أعظم وأشد توقيراً لحديث رسول الله ﵊ وللعلم.
وعن أحمد بن شيبان قال: ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيماً منه لـ أحمد بن حنبل، ولا رأيته أكرم أحداً إكرامه لـ أحمد بن حنبل، وكان يوقر الإمام أحمد ولا يمازحه أبداً.
وقال أحدهم: كنا عند إسماعيل بن علية فتكلم إنسان فضحك بعضنا وثم أحمد بن حنبل -أي: جالس معهم- فأتينا إسماعيل بعد ذلك فوجدناه غضبان فقال: أتضحكون وعندي أحمد بن حنبل.
من شدة هيبته ووقاره رحمة الله عليه.
وهناك قصة لطيفة تدل أيضاً على سمت الإمام رحمة الله عليه: يقول أحمد بن منصور: صحبت الإمام أحمد ويحيى بن معين وكنت خادماً لهما في رحلتهما لطلب الحديث عند عبد الرزاق، ولما رجعا ذهبا إلى أبي نعيم، قال ابن معين: أريد أن أختبر أبا نعيم وحفظه، فقال له الإمام أحمد: لا تفعل فإنه حافظ ثقة، فقال: لا بد لي من ذلك، فعمد إلى ثلاثين حديثاً وجعل في كل عشرة منها حديثاً ليس من حديث أبي نعيم، ثم ذهب ثلاثتهم إليه، فخرج إليهم وجلس معهم على دكة طين عند باب بيته أو قريباً من بيته، فجعل يقرأ عليه أول أحاديثه، فلما جاء إلى الحديث المغلوط قال: هذا ليس من حديثي؛ ثم الثاني قال: هذا ليس من حديثي؛ ثم الثالث فقال: هذا ليس من حديثي، ثم بعد ذلك التفت إلى الثلاثة وقال موجهاً حديثه إلى الإمام أحمد: أما هذا -أي: الإمام أحمد - فأورع من أن يفعل هذا، وأما هذا -يعني: أحمد بن منصور - فأقل من أن يفعل هذا يعني: لا يعرف مثل هذه الأمور.
ثم قال: ما فعلها غيرك يا فاعل، قال: ثم رفسه حتى أسقطه من الدكة، فقال الإمام أحمد لما انصرفوا لـ يحيى: ألم أمنعك من الرجل وأقل لك: إنه ثبت؟ قال: والله لرفسته أحب إلي من سفري.
وهذه القصة من كتيب لطيف اسمه (من لطائف المحدثين).
стр. 108
الجولة السادسة: مواقف من تعظيم الأئمة للإمام أحمد
نمضي بعد ذلك عندما تحقق للإمام أحمد هذه الجوانب كلها من ورع في الصبا، وأدب في العلم، ووقار في الرجولة، وحسن تعامل مع الأصدقاء والقرناء، صار حينئذ إماماً وقدوة، فنمضي معه وهو قدوة الأئمة فنرى أن المقتدى بهم يقتدون بالإمام أحمد، وأن المعظَمين لعلمهم وفضلهم يعظمون الإمام أحمد رحمة الله عليه.
فهذا علي بن عبد الله بن جعفر يقول: أعرف أبا عبد الله منذ خمسين سنة في كل يوم وهو يزداد خيراً.
لو أن شخصاً خلال خمسين يوماً فقط يزيد في كل يوم عملاً من أعمال الخير لا شك أنه سيأتي بعد هذه الأيام الخمسين وقد تحول تحولاً كبيراً في حياته.
ويقول يحيى بن معاذ: أراد الناس أن أكون مثل أحمد بن حنبل، لا والله لا أكون مثل أحمد أبداً.
يعني: أنه لا يطيق؛ لأن الإمام أحمد قد بلغ منزلة عظيمة في كل باب من أبواب الخير، حتى انقطعت دون اللحاق به الرقاب.
وكان بشر بن الحارث من قرناء الإمام أحمد، وقد ذكر عنه كثير من الأقوال التي تبين تبجيله وتوقيره للإمام أحمد وإبراز إمامته على الأئمة، فها هو يقول عندما ابتلي الإمام أحمد وثبت: إن هذا الرجل قام اليوم بأمر عجز عنه الخلق، أرجو أن يكون ممن نفعه الله بالعلم.
وقال أيضاً: أحمد إمام من أئمة المسلمين.
ثم لما جاءوا إليه قالوا له: أنت تقول بقول أحمد فلماذا لا تعلن قولك وتقف موقفه؟ فقال: أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء، إن أحمد قام مقام الأنبياء.
ولما بلغه أن الإمام أحمد ضرب بالسياط مد بشر رجله وخاطب ساقه قائلاً: ما أقبح هذه الساق ألا يكون فيها القيد نصرة لهذا الرجل، ولكنه قال: هذا مقام النبيين لا أستطيع أن أقومه.
هذا مما يدل على أن الإمام أحمد وقف وقفة لم يقفها مثله من العلماء والأئمة، وإن كان ذلك ليس جرحاً فيهم ولكنه علو في منزلة الإمام رحمة الله عليه.
وهذا أبو زرعة جمع لنا هذا كله في كلمات وجيزة حيث قال: ما رأت عيني مثل الإمام أحمد، فقال له السائل: في العلم؟ فقال: في العلم والزهد والفقه والمعرفة وكل شيء.
وهذا الإمام البويطي رحمة الله عليه من تلامذة الشافعي سجن في المحنة وكتب من سجنه وقال في كتابه: إني لأرجو أن يجزي الله أجر كل ممتنع في هذه المحنة لسيدنا الذي ببغداد.
يعني: الإمام أحمد؛ لأنه هو السيد المبجل المقدم في هذا الأمر، وكل من وقف وقفة في هذه المحنة فإنما كان يقتدي بالإمام أحمد؛ فهو الذي كان مقدماً في هذه المحنة.
وقال بشر عن الإمام أحمد: أحمد امتحن بالسراء والضراء، وتداولته أربعة خلفاء بعضهم بالضراء وبعضهم بالسراء، فكان فيها مستعصماً بالله ، تداوله المأمون والمعتصم والواثق بعضهم بالضرب والحبس، وبعضهم بالإخافة والترهيب، فما كان في هذه الحال إلا سليم الدين غير تارك له من أجل ضرب ولا حبس، ثم تداوله المتوكل بالتكريم والتعظيم، وبسطت الدنيا عليه فما ركن إليها، ولا انتقل عن حاله الأولى رغبة في الدنيا ولا رغبة في الذكر، وهذا هو الثبات العظيم الذي تميز به الإمام أحمد رحمة الله عليه.
من لطائف توقير وتعظيم الأئمة له أن حجاج الشاعر وهو كان من المحدثين وكان يقول: كنت أكون عند الإمام أحمد بن حنبل فأنصرف في الليل -أي: من بيته- فأذكره في الطريق فأبكي؛ شوقاً إلى لقاء الإمام أحمد والانتفاع به.
فهذا كلام الأئمة في هذا الإمام الجليل.
стр. 109
الجولة السابعة: مواقف من متابعة الإمام أحمد للرسول ﷺ
نمضي أيضاً في جولة أخرى مع السلفي الأصيل الإمام أحمد، كيف كان حريصاً على أن يكون متبعاً للسلف، مع فقه أصيل ومع متابعة دقيقة! سئل الإمام أحمد عن الوساوس والخطرات، فقال: ما تكلم فيها الصحابة والتابعون.
فكان يرى أن ما لم يتكلموا فيه من المسائل ولا يحتاج إليه في رد شبهة ونحو ذلك أنه لا يفتح على الناس به، وإلا كان ذلك نوعاً من عدم الفقه بمنهج السلف، إذ لو كان في مثل هذه المسائل من نفع لذكروه، ولذلك كان رحمة الله عليه يحرص على تعلم السنة وفقهها، وكان لا يخوض في أمر إلا إذا علم أن الصحابة خاضوا فيه؛ فإن علم بذلك اتبع رأيهم ونفى غيره، وإن لم يعلم أن الصحابة خاضوا في ذلك الأمر كف عنه واستعصم؛ لأنه يعتقد أن الخروج عن تلك الجادة زيغ عن منهاج السلف وإلحاد في دين الله ؛ لأنهم لم يكونوا يتكلفون التعمق في المسائل العقلية التي كثرت في وقت الإمام رحمة الله عليه، وضل بها كثير من الناس، ولذلك لما سئل عن علم الكلام، كتب إلى السائل قائلاً له: أحسن الله عاقبتك! الذي كنا نسمع عنه وأدركنا عليه من أدركنا أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمر في التسليم والانتهاء إلى ما في كتاب الله لا تعد ذلك.
يعني: لا تزد عليه ولا تبحث عن شيء وراءه.
ولم يزل الناس يكرهون الجلوس مع المبتدع ليردوا عليه، إلا إذا احتيج إليه في رد ما شبه على الناس ولبس عليهم في دينهم.
يقول الإمام أحمد عن نفسه: ما كتبت حديثاً عن النبي ﷺ إلا وقد عملت به.
ومسنده فيه نحو من أربعين ألف حديث، وحتى لو كان بالمكرر فكونه يعمل بكل حديث كتبه فهذا أمر عجيب! وقد ذكر في ترجمته أمور عجيبة من حرصه على المتابعة للمصطفى ﵊، فقد احتجم وما به من علة وأعطى الحجام ديناراً كما فعل النبي ﵊؛ ولما أمر بالاختفاء ذهب إلى بيت بعض أصحابه ومكث فيه ثلاثة أيام ثم قال له: التمس لي طريقاً أخرج، قال: لا آمن عليك، قال: التمس لي وأعطيك فائدة، وهي أن رسول الله ﷺ اختفى في غار حراء ثلاثة أيام ثم خرج فسهل الله أمره.
وقال عنه بعض أهل العلم: إنه سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب عنها كلها وفي كل جواب يقول: أخبرنا أو حدثنا؛ ينسب ذلك إلى رسول الله ﵊ وإلى الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانت المسألة امتثالاً يشمل كل ما بلغه عن رسول الله ﵊ وكل ما أثر عن الصحابة رضوان الله عليهم.
ونحن اليوم نحتاج إلى مثل هذا الأمر، أن يكون أخذنا بما يبلغنا عن الرسول ﵊ وعن الصحابة أخذاً جاداً عازماً شاملاً كاملاً، لا أن يكون تقويمنا ونظرنا إلى أمور دون أمور، أو إلى حالات دون حالات، بل كما كان عليه الإمام أحمد رحمة الله عليه.
يقول عنه عبد الملك الميموني: ما رأت عيني أفضل من الإمام أحمد؛ ما رأيت أحداً من المحدثين أشد تعظيماً لحرمات الله وسنة نبيه ﷺ إذا صحت عنده ولا أشد اتباعاً منه رحمه الله تعالى.
فهذه جملة تبين لنا كيف كان الإمام أحمد حريصاً على اتباع السلف، وقطع ما لم يكن في عهدهم من المقالات والمسائل التي شققها الناس وفرعوها وخرجوا بها عن نهج السلف، ولبسوا فيها على الناس دينهم، وكثر فيها القيل والقال، ولم يقفوا فيها عند ما أثر عن المصطفى ﵊ وصحبه الكرام، وقد رويت عن الإمام أحمد في مسائل الفقه أقوال متعددة؛ لأنه لم يكن رحمة الله عليه يرى أن يخرج عن مجموع النصوص، بل كان يرى أنه يفتي بموجب هذه النصوص الواردة، وإن كان ليس بينها تعارض ربما قال بالقولين في المسألة الواحدة ليجري الأثرين أو الحديثين عن رسول الله ﷺ ، ولذلك كان من فقهه في سجود السهو على سبيل المثال أنه قال: يتبع في كل حالة ما كان من فعله ﷺ ، فما روي في النقص من سجود السهو فيتبعه، وما روي في الزيادة من سجود السهو فيتبعه، حذو القذة بالقذة، وهكذا كان رحمة الله عليه إمام أهل السنة في وقته، لحرصه على هذا الاتباع.
стр. 110
الجولة الثامنة: مواقف من تواضع الإمام أحمد وهيبته
نأتي إلى جولة أخرى مع المتواضع المخلص الذي كان إماماً للأئمة والذي كان متبعاً للسنة، كان رحمة الله عليه متواضعاً يحب خمول الذكر ويبعد عما يحفه به الناس ويزيدون فيه، وهذا لا شك أنه من أعظم مراحل الإيمان والتقوى، وهو ألا يغتر الإنسان وألا يفتن عندما يوفق إلى بعض الخير، سيما والناس يحفون به، فقد كان أحمد رحمة الله عليه لا يحب أن يتبعه أحد قال ابنه: وربما خرج الجمعة فيتبعه بعض الناس فيقف حتى ينصرفوا عنه؛ لئلا يتبعه أحد؛ يأخذ ذلك من تواضع الصحابة، كما ذكر ابن القيم في الفوائد: (أن ابن مسعود خرج فتبعه بعض الناس، قال: ألكم حاجة؟ قالوا: لا وإنما نتبعك، قال: لا تفعلوا؛ فإنه ذلة للمتبوع، فتنة للتابع) هكذا كان أولئك القوم يحرصون على براءة نفوسهم وطهارة قلوبهم، والحذر من الرياء أو من الكبرياء ونحو ذلك.
وهذا ابن معين رحمة الله عليه وهو من أصحاب أحمد والمقربين إليه يقول: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان عليه من الخير والصلاح.
أي: لم يذكر يوماً أنه أعلم منهم أو أن عنده فقهاً أكثر منهم، أو أن عنده عبادة أكثر منهم، أو أن عنده أصلاً أو شرفاً أو كذا مطلقاً، مما يدل على أنه لم يكن يرى لنفسه شيئاً، بل كان يرى منزلته بين يدي الله فلا يجد نفسه شيئاً مذكوراً، وكان ينظر إلى الصحابة رضوان الله عليهم فيقيس نفسه إليهم فيرى أنه قزم صغير عند عمالقة عظام رحمة الله عليهم أجمعين.
وهو كما هو معروف أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني من قبائل العرب الصحيحة الأصيلة الأقحاح، فهذا محمد بن الفضل الملقب بـ عارم يتردد على أحمد فقال مرة: يا أبا عبد الله؛ بلغني أنك من العرب، فمن أي العرب أنت؟ فقال الإمام أحمد: يا أبا النعمان نحن قوم مساكين.
ما أجابه على السؤال.
وقيل له مرة: جزاك الله عن الإسلام خيراً.
وكم نسمع هذه الكلمة لمن لا يبلغون عشر معشار الإمام أحمد، وإن كانوا على خير وفضل وصلاح؛ قال له رجل مرة: جزاك الله عن الإسلام خيراً؛ فقال له: لا، بل جزى الله الإسلام عني خيراً؛ ثم قال: من أنا وما أنا؟ من هذا الذي يكون له فضل على الإسلام؛ الإسلام هو الذي بصرني بالنهج، وهو الذي رزقني الله به الإيمان، وهو الذي عرفت به الحلال من الحرام، وهو الذي شرفت به في الدنيا وأنجو به في الآخرة بإذن الله .
وهذا يدلنا على أن النفس قد تطهرت من هذه الأوضار والأمراض التي تفتك بالنفوس، نسأل الله السلامة، وقيل له مرة: ما أكثر الداعين إليك؟ فاغرورقت عيناه بالدمع وقال: أخشى أن يكون استدراجاً، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجعلني خيراً مما يظنون وأن تغفر لي ما لا يعلمون.
مثل ما روي من قول الصديق ﵁.
وهكذا كان رحمة الله عليه ولذلك كان الناس يسمعون عن الإمام أحمد بن حنبل، ويسمعون عن تعظيمه وتوقيره وعلمه وصلاحه وموقفه الذي كان شائعاً في الأمة كلها، فكان بعض الناس يظنونه شيئاً غير البشر، حتى إن الذهبي ذكر: أن رجلاً جاء من خراسان ورأى الإمام أحمد بن حنبل فقال: الحمد لله الذي رأيته هكذا؛ فقال له الإمام أحمد: اقعد أي شيء ذا؟ ومن أنا؟ وكان موصوفاً بهذه الهيبة مع كونه على هذا التواضع.
إذا رمى بصراً في مجلس هدأت ضوضاؤه واستقر الناس واعتدلوا يشير في هيبة الإيمان تحرسه رعاية الله لا جند ولا خول وليس في كفه سيف يذل به من لا يطيع ولا في ثوبه بلل ولكنها طاعة الرحمن عز بها عزاً له في حياة المصطفى مثل كأنما هو والهامات خاضعة شدا إليها جبال التهم ترتحل
стр. 111
الجولة التاسعة: مواقف من عدل وإنصاف الإمام أحمد لغيره
من عظيم مواقفه ومآثره ودروسه ما نمضي فيه مع المنصف العادل، الذي ينصف الناس ويعدل معهم ويعذرهم ويحسن بهم الظن، وفي ذلك مقالات فريدة جديرة بأن تكون موضع اعتبار وادكار، فهذا الإمام أحمد لما جاءت المحنة التي قد نذكرها وقد نرجئ ذكرها في درس مع محن الأئمة لأن فيها دروساً كثيرة.
هذا الإمام أحمد كان معه جمع ممن حملوا إلى الحبس منهم: محمد بن نوح وعبيد الله القواريري وسجادة فبعضهم لما حبس أجاب في أول يوم، وبعضهم في اليوم الثاني، وأما محمد بن نوح لما حمل مع الإمام أحمد مات في الطريق وصلى عليه الإمام أحمد، فكان الإمام أحمد يسأل عمن كانوا معه وأجابوا والتمسوا لأنفسهم تأويلاً يعذرون به عند الله وهم أهل علم وخير، يقول الراوي: سمعت الإمام أحمد وقد ذكر الذين حملوا إلى الرقة إلى المأمون وأجابوا إلى ما طلب منهم من خلق القرآن تورية أو تأولاً؛ قال أبو عبد الله: هؤلاء لو كانوا صبروا وأقاموا لله لكان الأمر قد انقطع وحذرهم الرجل -يعني: المأمون -، ولكن لما أجابوا وهم عين البلد اجترأ على غيرهم.
يعني: هؤلاء كانوا أعيان الناس لو أنهم ثبتوا لما اجترأ على غيرهم ولتراجع المأمون.
وقد كان المأمون أراد أن يعلن الفتنة في العام الثاني عشر بعد المائة الثانية، قال المأمون: كنت أريد أن أعلن بخلق القرآن لولا خوفي من يزيد بن هارون شيخ الإمام أحمد، فقالوا له: من يزيد بن هارون؟ قال: أخشى أن أقول فيقول بغير قولي فيبطل.
كان يحسب حساب العلماء والأئمة؛ لأن كلمتهم هي المسموعة، لكن لما جاء العام الثامن عشر بعد المائتين أعلن المأمون ودعا بخلق القرآن وامتحن الناس، فكان الإمام أحمد يقول: لو أنهم ثبتوا في ذلك الموقف لكان الأمر قد انقطع.
كان أبو عبد الله رحمة الله عليه يعذر القواريري وسجادة ويقول: قد أعذرا وحبسا وقيدا، وقال الله : ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل:١٠٦] ثم قال: القيد كره والحبس كره.
التمس لهما العذر ولم يقل: ضَعُفا وجَبُنا ولا انتقدهما ولا قدح فيهما ولا ازدراهما ليعلو بنفسه عليهما، وإنما التمس لهما العذر وأثنى على ما علم من حالهما وأحسن الظن بهما، ولذلك فهذا الموقف درس عظيم فيما ينبغي أن يكون من حسن الظن والتماس العذر وعدم التشنيع، وإن كان ثمة خطأ فينبغي أن يكون النصح بالحسنى وبالسر، حتى يقوم الإنسان أخاه بما يحصل به النفع دون الضرر، وبما يحصل به الخير دون الشر؛ لأن كثيراً من الناس ربما تغلبهم نفوسهم فيلتمسون علوها وشرفها بنقد الآخرين وجرحهم، وعندما تكون ثمة مواقف أو مقالات أو نحو ذلك ترى الناس يكثرون القول واللغط فيقولون: فلان كان جريئاً، وفلان كان خائفاً جباناً وغير ذلك، وهذا التقويم ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً، فإنما اجترأ من اجترأ حمية لدين الله ، وإنما سكت من سكت ربما فطنة أو حكمة أو مداراة ومراعاة لمصلحة.
وهذا أحمد بن نصر الخزاعي في أمر المحنة رأى رأياً حتى قتل، فأثنى عليه الإمام أحمد بن حنبل، وغيره تأول فالتمس له العذر؛ فكل على خير ما دامت المقاصد بإذن الله صحيحة، ولم يبلغ الناس خطأ متعمد، فإن هذا ينبغي ألا يشاع عنه قالة سوء، ولذلك يقول أحمد بن حفص السعدي: سمعت الإمام أحمد يقول: لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل: إسحاق وإن كان يخالفنا في أشياء؛ فإن الناس لم يزل يخالف بعضهم بعضاً.
ابتدأ هذا القول بالثناء على إسحاق وإن كان يخالفه في المسائل أو يخالفه في الاجتهادات، لكن هذا الخلاف لم يمنعه من أن ينصفه، ولم يكن هذا الخلاف مؤدياً إلى الاختلاف ولا إلى نفرة القلوب، بل كان من فقه الإمام رحمة الله عليه وإيمانه وورعه وتقواه أن أثنى على إسحاق، وأبلغ من هذا وأكثر منه ما رواه عبد الله بن محمد الوراق -وهذا درس عظيم- يقول: كنت في مجلس الإمام أحمد فأقبل عليه قوم فسألهم: من أين أقبلتم؟ فقالوا: من مجلس أبي كريب محدث من المحدثين فقال: اكتبوا عنه فإنه شيخ صالح، والمتوقع أن يكون هذا صديقاً حميماً للإمام أحمد، قال: فقلنا له: إنه يطعن فيك -يعني: يذكرك بسوء ويذمك- فقال الإمام أحمد: فأي شيء حيلتي فيه؟ شيخ صالح قد بلي بي.
انظروا إلى عدل الإمام أحمد وإنصافه، فإنه لم يمنعه ذلك أن ينصفه وأن يذكر فضله وأن يكف عن الرد عليه بما قد يسوء ويشوه ويبلبل الناس، ولذلك فإن من أعظم ما ينبغي أن نفقهه وأن نعلمه وأن نستفيده من دروس الأئمة هو تجردهم لله ، وعدم انتصارهم لأنفسهم؛ لأن قصدهم المصلحة العامة دون المصلحة الشخصية، ولأن دورانهم مع الحق دون دورانهم مع أنفسهم ولا آرائهم، ولذلك هذه المواقف من هذا الإمام العظيم إمام أهل السنة تبين لنا منهج السنة في إحسان الظن والتماس العذر، وعدم الرد على من يخالف لغرض الرد عليه وإنما لإظهار الحق إن كان ولا بد منه، على ما كان من رسول الله ﵊: (ما بال أقوام يقولون كذا، ما بال أقوام يفعلون كذا) وهذه جولة من الجولات المهمة التي ينبغي أن نستفيد منها كما ينبغي، علينا أن نستفيد من فقه الأئمة كلهم في هذا الباب، فإن المأثور عنهم في هذا يطول ذكره، وهو من الأمور التي يفتقر إليها ويحتاج إليها كثيراً في هذه الأيام، التي إذا خالف فيها امرؤ شخصاً آخر ربما صرح بهذه المخالفة، وجعل توكيد نهجه وصحة رأيه لا تبنى إلا على نقد الآخر وتجريحه، أو الإكثار من ذكر فساد قوله على ما يعتقده هو، دون أن يكون هناك تبادل بالحب والمودة والتماس للعذر وثناء على الخير مثل ما يقع اليوم من اضطراب، فإذا الناس متحيرون وإذا بهم يتشككون في كثير من الخير وأهله؛ لأنهم يسمعون من هذا قدحاً في هذا ومن ذاك لمزاً في الآخر، فيسقط عندئذ هذا وذاك، ولا يبقى عند الناس حرمة لأهل العلم ولا للدعاة، فضلاً عن العلماء، وهذه الأمور هي لكل مسلم يوصف بالإسلام، فكيف إن كان عالماً أو داعية أو مجاهداً في سبيل الله، أو كان قائماً بأمر من أمور الخير والدين لا يقوم بها مثله، فإنه ينبغي أن تكون المراعاة لحاله وشأنه والثناء عليه والتوصية به وإرشاد الناس للاقتداء به أكثر مما ينبغي أن يذكر مخالفته لغيره في رأي أو اجتهاد.
стр. 112
الجولة العاشرة: مواقف من عبادة الإمام أحمد وصلته بربه :
نمضي مع الإمام أحمد في صلته بالله وإذا به العابد الذي وصفه ابنه فقال: كان أبي يصلي في كل يوم ثلاثمائة ركعة، فلما ضرب بالسياط في المحنة وسجن ثمانية وعشرين شهراً ضعف فكان يصلي في اليوم والليلة مائة وخمسين ركعة وقد بلغ الثمانين؛ فأي أحد في هذه العصر إلا من رحم الله يستطيع أن يفعل مثل هذا الفعل؟! فلذلك لا يكون أهل العلم علماء حقيقيين إلا أن يجمعوا مع العلم العبادة والصلة بالله .
يقول أحد طلاب العلم: إنه جاء إلى الإمام أحمد مسافراً فنزل ضيفاً عليه قال: فأعد لي ماءً ثم ذهب فجاء في الصباح فرأى الماء لم أمسه فقال: طالب حديث لا يقوم الليل! قال: فقلت: أنا مسافر؛ قال: وإن كنت مسافراً فإن مسروقاً حج ولم ينم إلا ساجداً.
أي: من كثرة ما كان يصلي يغلبه النوم في سجوده؛ فهذا يدلنا على ما كان عليه أهل الإيمان من الصلة بالله التي نفتقر إليها اليوم كثيراً، قد نكثر من الكلام وقد نكثر من الخطب والمواعظ وقد نكثر من القراءة في الكتب وقد نكثر من سماع الدروس، لكننا إلا من رحم الله نقل ونقل ونقل كثيراً من الصلة والطاعة والعبادة والصلاة والقيام والذكر والتلاوة، ويقول أيضاً عبد الله في وصف أبيه: كان أبي يقرأ كل يوم سبعاً، يعني: يختم القرآن في سبعة أيام، وكان ينام نومة خفيفة بعد العشاء، ثم يقوم إلى الصباح يصلي ويدعو.
ويقول: ربما سمعت أبي في السحر يدعو لأقوام بأسمائهم وكان يكثر الدعاء ويخفيه، وكانت قراءته خفيفة وربما لم أفهم بعضها، وكان يصوم ويدمن الصوم ثم يفطر ما شاء الله، ولا يترك صوم الإثنين والخميس وأيام البيض، فلما رجع من العسكر أدمن الصوم إلى أن مات، فهذا كان حاله في العبادة والصلة بالله على أمر فريد عجيب.
стр. 113
الجولة الحادية عشرة: نماذج من أدعية الإمام أحمد
نمضي مع دعوات الإمام أحمد، وقد كانت له دعوات جليلة عظيمة، حتى إن ابن الجوزي أفرد فصلاً في دعوات الإمام أحمد، لنرى كيف كان دعاء أولئك الصالحين، من دعائه رحمة الله عليه أنه كان يقول دبر كل صلاة: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن المسألة لغيرك.
وكم من الناس من يقع في المسألة لغير الله من غير أن يشعروا، ويقعون في شيء من الرجاء أو الخوف لغير الله .
ينبغي أن يكون المسلم محباً للخير عند الآخرين؛ لأن هذا من علامة كمال الإيمان كما أخبر المصطفى ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) فهذه النفسية إن وجدت في قلب المؤمن نظر إلى الطائع، فإذا به ينظر إليه نظرة محبة وإجلال واقتداء، وإذا نظر إلى العاصي لم ينظر إليه نظرة ازدراء واحتقار، بل نظرة شفقة ورحمة ورغبة في الإصلاح والإرشاد مع النصح واللطف، وهذا هو الذي يفارق فيه المسلم الفطن الحكيم في دعوته من ينظر إلى الناس شزراً ولا يرى فيهم إلا شراً ولا يتوقع منهم إلا نكراً، فكأنه يفرح بخطيئة الرجل ويفرح بزلته في القول، وإذا به يريد أن يجرم الناس أو يفسقهم أو يبدعهم أو يكفرهم، هذه نفس مريضة مظلمة ليست نفساً مشرقة بالإيمان محبة للخير، فكان من دعاء الإمام أحمد رحمة الله عليه حين كثرت الأهواء والفتن والبلايا وانحرافات العقيدة في عهده فكان يقول: اللهم من كان على هوىً أو على رأي وهو يظن أنه على حق وليس هو على حق فرده إلى الحق، حتى لا يضل من هذه الأمة أحداً.
انظروا إلى القلب الشفيق الرحيم، وقد رأى الفتن تغتال العقول وتفسد القلوب، وأشفق على هذه الأمة مما جاءها من هذا البلاء، ومن هذه الفتنة العمياء، ومن هذه المقالات الفلسفية والانحرافات العقلية فكان يدعو بهذا الدعاء.
وكان يقول في دعائه: اللهم لا تشغل قلوبنا بما تكفلت لنا به، ولا تجعلنا في رزقك خولاً لغيرك، ولا تمنعنا خير ما عندك بشر ما عندنا، ولا ترنا حيث نهيتنا، ولا تفقدنا من حيث أمرتنا؛ أعزنا بالطاعة ولا تذلنا بالمعصية.
ومن دعائه أيضاً يقول: اللهم وفقنا لمرضاتك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ونعوذ بك من الذل إلا لك، اللهم لا تكثر علينا فنطغى، ولا تقلل علينا فننسى، وهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغاً لنا، وأغننا بفضلك يا رب العالمين.
هذه الدعوات تبين لنا فقه الإمام أحمد وبصره بهذا الأمر.
стр. 114
موقف الإمام أحمد من فتنة خلق القرآن وثباته
إن أمر الفتنة والمحنة التي وقعت للإمام أحمد هي أبرز صورة ومرحلة من مراحل حياته، بدأت في العام الثامن عشر بعد المائتين واستمرت إلى العام الرابع والثلاثين بعد المائتين، وابتلي فيها الإمام أحمد بصور شتى، كان منها: السجن، والضرب ومنها: أن يعلق من رجليه فيدلى رحمة الله عليه، وكان منها: أن يلف في بساط ويداس وهو في داخل البساط حتى يدمى رحمة الله عليه، وكان كالطود الشامخ؛ لأن عنده حجة مفحمة وبرهاناً قاطعاً أعيا به العقول وأخرس به الألسنة، ووقف الجميع أمامه لا يملكون إلا حجة الضعيف، وحجة الضعيف هي القوة والبطش، تلك الحجة التي أظهرها فرعون مع موسى، فإنه لما انقطعت حجته وحيلته قال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء:٢٩] وهي الحجة التي قالها النمرود لما أعيته الحجة مع إبراهيم الخليل ﵇ فلذلك أذكر أولاً بعض المواقف والرؤى التي كانت قبل المحنة ذكرت في كتاب كامل عن محنة الإمام أحمد بن حنبل يقول أحدهم: رأى الإمام أحمد في المنام: كأن عليه بردة مخططة وكأنه بالرجل يريد المسير إلى الجامع يوم الجمعة، فاستعبرت بعض أهل التعبير؛ فقال: هذا يشتهر بالخير؛ قال: فما أتى عليه إلا قريب حتى ورد ما ورد من المحنة.
ويروى عن الإمام أحمد أنه قال: رأيت في المنام علي بن عاصم فأولت علياً بالعلو، وعاصماً عصمة من الله فالحمد لله على ذلك، فعلا بين الناس ذكره، وعصمه الله من الفتنة والمحنة، ومن عجيب ما كان عنده من الحجة مثل هذه المواقف، كان إذا أرادوه على شيء قال: ائتوني بشيء من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، فكان بعضهم ربما جاء ببعض الآيات التي يستشهدون بها مثل قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢] أليس القرآن شيئاً؟ إذاً: فيكون مخلوقاً، هذه هي أصل فتنة خلق القرآن، فيقول لهم: يقول الله : ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥] فدمرت كل شيء إلا ما أراد الله فلا يكون هذا عموماً مطلقاً، بل فيه ما هو مستثنىً بأمر الله ، ويحتجون عليه باحتجاجات أخرى فإذا به يرد عليهم هذه المقالات كما احتجوا بقوله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣] فقالوا: أليس القرآن مجعولاً فإذاً هو مخلوق؛ فقال لهم: يقول الله : ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٥] فهل معناها خلقهم كعصف مأكول، أو أن الجعل ما يصير إليه الشيء وينتهي إليه.
وذكروا له قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء:٢] والمحدث مخلوق، فقال لهم: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص:١] فقال هنا: القرآن ذي الذكر هو القرآن، فهو معرف بأل، وأما (ذكر) غير المعرف فلا يراد به القرآن، فكلما جاءوه بحجة ألجمهم حجة أخرى، فما استطاعوا أن يظهروا عليه بالحجة، فأرادوا أن يكون ظهورهم عليه بالقوة والفتنة والمحنة.
стр. 115
الدروس المستفادة من فتنة خلق القرآن ووقت نشوئها
في هذه المحنة دروس كثيرة منها: كيف نشأت هذه الفتنة العظيمة؟! كان في آخر عهد الرشيد بداية لانتشار المقالات الفلسفية التي وردت إلى المسلمين من أولئك الفرس وغيرهم ممن فتحت بلادهم، وكان المأمون ممن تتلمذ على العلاف وهو شيخ من شيوخ المعتزلة، ثم قرب إليه هؤلاء الناس فألقوا في عقله ونفسه الشبه فاقتنع بها، ولذلك من أهم الأمور التي يجب أن تتوافر في الحاكم والخليفة أن تكون له بطانة صالحة من أهل الخير والصلاح، فيحسن حينئذ حاله وتحسن حال الأمة من ورائه، لكن لما كان هؤلاء المبتدعة بطانة المأمون حدثت منه هذه المحن التي ابتلى بها الناس.
وخلاصة هذه الفتنة أن القرآن مخلوق وهذا هو قول المعتزلة؛ لأنهم أنكروا بعض الصفات ومنها صفة الكلام، قالوا: ننكرها لأنا نقع في التشبيه ووصف الله بما لا يليق من الأوصاف، فجعلوا القرآن مخلوقاً، وكونه مخلوقاً يقتضي أموراً كثيرةً من الفساد، منها: أن المخلوق يخطئ ويصيب، وبالتالي تزول حرمة القرآن وقدسيته، التي يتلقى بموجبها المسلمون كل شيء وارد في القرآن على أنه حكم مقطوع مجزوم به، فلما أراد أن يقول بهذه الفتنة وبهذه المقولة خشي من بعض العلماء من أهل السنة، فزين له أهل الباطل أن يعلن هذه الفتنة، فهذا يدلنا على أثر أولئك القوم وأثر البطانة، فلما قال: أخشى يزيد بن هارون قالوا: ومن يزيد بن هارون هذا؟ فلما أججوه أعلن هذه الفتنة في سنة (٢١٢هـ) لكنه لم يدع الناس إليها حتى جاء عام (٢١٨هـ) فأعلن فيها هذه المقالة وحمل علماء الأمة عليها، وبدأ يمتحن الناس عليها فأخذ عشرين من كبار العلماء والأئمة في بغداد منهم: الإمام أحمد يريد أن يمتحنهم بهذا القول، وممن حمل إلى الخليفة: محمد بن نوح والقواريري وسجادة كما ذكرنا.
يروى أن أبا جعفر الأنباري عبر النهر ليلقى الإمام أحمد فلقيه وسلم عليه فقال: يا هذا! إنك وافد الناس فلا تكن شؤماً عليهم وإنك رأس الناس اليوم، فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبون، فتحمل أوزارهم إلى يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميداً، قال أحمد: فكان كلامه مما قوى عزمي وثبتني.
هذا مما يدلنا على أن المرء يثبت بإخوانه ويعان بإذن الله .
نذكر بعض المواقف في هذه المحنة ومن أعظمها: أنهم لما قدموا على المأمون كان محمد بن نوح قد مات في الطريق، فجاء إلى الإمام أحمد خادم الخليفة وهو يمسح دموعه ويقول: يعز علي يا أبا عبد الله أن المأمون قد سل سيفاً لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف، قال: فجثا الإمام أحمد على ركبته ورمق بطرفه إلى السماء وقال: سيدي! غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أولئك بالضرب والقتل، اللهم فإن يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته؛ قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل، قال أحمد: ففرحنا، وفي بعض الروايات: أن الإمام أحمد قال: اللهم إني أسألك أن لا أراه ولا يراني، فكان الأمر كما كان.
وفي هذه الفترة رجع الإمام أحمد مع محمد بن نوح لمقابلة المعتصم، وكان مرض ابن نوح وموته في الطريق قبل أن يصل إلى المعتصم.
стр. 116
صور من تعذيب الإمام أحمد في الفتنة
من الصور التي مرت بهم في هذه المحنة أنه قال رحمة الله عليه: ضربت بالأسواط أول يوم فطفقت أعد سبعة عشر سوطاً، ثم أغمي علي ولم أدر ما كان.
يقول الذين غسلوا الإمام أحمد عند موته وكانت وفاته سنة واحد وأربعين ومائتين يقول: رأيت أثر السياط في ظهره ما زال ظاهراً.
ويقول أيضاً عن نفسه: علقت من رجلي وبيني وبين الأرض مسافة ذراع، فكانوا يضربونني بالسياط حتى انقطع الحبل بي ودقت عنقي بالأرض وأغمي علي ولم أدر ما وراء ذلك.
وما أشبه الليلة بالبارحة، نسمع عن مثل هذا في هذه الأيام، بل نسمع عما هو أفظع وأشد؛ لأن القوم ممن مضوا كانوا على اجتهاد وإن انحرفوا، أما من يعذبون دعاة الإسلام وأولياء الله اليوم، فإنهم قد نقموا على الإسلام كله ونقموا على أهله، وأبوا أن يكون لهذا الإسلام دولة يطبق فيها شرعه، ويحكم فيها بحكمه .
ويقول أيضاً فيما وقع له من البلاء: إنه جيء بحصيرة ولفوه فيها، وظلوا يدوسونه بأرجلهم حتى أغمي عليه، وفي كل ذلك يقولون له: قل كما نقول بخلق القرآن، فيأبى.
стр. 117
موقف الإمام أحمد ممن يريد أن يثنيه عن موقفه من فتنة خلق القرآن
في فترة سجنه جاء بعض تلامذته يترخصون، وكان معهم ابن أبي زهير فقال له: أيها الإمام! ما عليك أن تجيب؟ لك عيال ولك كذا ولك كذا فنظر إليه الإمام وقال: إن كان هذا عقلك يا أبا سعيد فقد استرحت.
أي: إن كنت تفكر بنفسك بهذه النظرة الضيقة والمصلحة الشخصية والعيال والأولاد فقد استرحت؛ لأنك لا تحمل هم الأمة، ولا هم الدعوة، ولا تحمل هم الحماية لهذا الدين والذود عن هذه العقيدة، فإذاً: أنت مما عنى به القائل توبيخاً وهجاءً: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي هل يفكر مثل الإمام أحمد في طعامه وشرابه وأهله وعياله ودوره وما فيها؟! إن صاحب الهمة العالية وصاحب العقل الذي يفكر في هموم المسلمين وفي مصالح الأمة لا يستريح بل يبقى منشغلاً ويبقى حاملاً للهم، ولذلك قال الله في وصف رسوله ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] كان يحمل هماً ويديم التفكير ويواصل العمل والتدبير لا لشيء يعود عليه بالنفع؛ وإنما ليستنقذ الناس من الكفر إلى الإيمان ومن الظلمة إلى النور، ليخرج الناس من هذا الموات إلى الحياة؛ لأن بالإيمان يحيا الناس وتكون نجاتهم في الآخرة بإذن الله .
стр. 118
موقف الإمام أحمد ممن آذاه
أخرج الإمام أحمد من السجن ورجع إلى منزله، ولما جاءه الطبيب جعل يقطع من جسمه لحماً ميتاً من أثر السياط، وكان قد مكث في السجن ثمانية وعشرين شهراً.
ومن عظمة نفسه رحمة الله عليه أنه كان قد أحل من آذاه، إلا من كان صاحب بدعة حتى يرجع عن بدعته، أما المساكين الذين كانوا يجلدونه بالسياط فقد عفا عنهم، ولم يحمل في قلبه حقداً ولا غلاً؛ لأنه لم يحتمل ذلك لأجلهم، وإنما كان يرى في ذلك ثباتاً على أمر الله ، والتماساً لثواب الله .
وكان يقول: ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك، تريد أن تقتص منه مرة أخرى، أو أن تقول: هذا الذي فعل كذا وكذا، وأن تغري به حتى يقع به الضر، ما هذه نفوس المؤمنين ولا النفوس الكبيرة التي تتعب الجسد معها وهي أعظم من هذه الأجساد.
ثم أيضاً قيل له: ادع على ظالمك، فقال: ليس بصابر من دعا على ظالمه.
هذه مراتب عالية عند الأنبياء فسؤالهم لله لم يكن سؤالاً مباشراً؛ لأنهم كانوا يستعظمون بعد نعمة الله أن يسرعوا في الجزع وأن يلحوا في الدعاء، كما في قصة أيوب ﵇، وكما في قصة الخليل إبراهيم ﵇، ولذلك الإمام أحمد كان عندما يذكر ما حصل له كان يتلو: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:٤٠].
стр. 119
أثر الوشاة والمنافقين في إيذاء العلماء والدعاة والمصلحين
ومن القصص: أنه عندما كان يضربه السياط كان الخليفة يشهد هذا الضرب ويقول للضارب: شد عليه قطع الله يدك.
يعني: هذا ضرب خفيف.
ثم تأتي القالة السيئة عندما بالغوا في ضربه ولم يرجع عن قوله، فقال أحدهم: يا أمير المؤمنين! دمه في عنقي اقتله.
هؤلاء الذين لم يكونوا يرعون حرمة لمسلم ولا كرامة لعالم ولا منزلة لإمام من الأئمة.
وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين! أنت صائم وأنت في الشمس قائم، فقال لي: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فأقول: أعطوني شيئاً من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أقول به؛ فرجع وجلس وقال للجلاد: تقدم وأوجع قطع الله يدك، فجعلوا يضربونه وهكذا، ثم جاء دور بعض الأشرار فقال: لا تقتله فيقولون: مات في مجلسك صبراً فيعظم عند الناس ويكون إماماً، ولكن أرسله حتى إذا مات في بيته لم يكن له مثل ذلك؛ فكانوا يعرفون ارتباط الناس وأثرهم في مثل هذه الأمور.
وبعد المعتصم جاء الواثق واستمرت المحنة أيضاً ولكنه في فترة من الفترات منعه من مجالسة الناس ومن شهود الجماعات إلى غير ذلك من الأمور.
стр. 120
أثر مناظرة الشيخ الشامي لابن أبي دؤاد على الخليفة الواثق
ذكر بعضهم مناظرة وقعت لأحد الأشياخ من أهل الشام، جاء فناظر أحمد بن أبي دؤاد الذي كان قاضي القضاة وشيخ المعتزلة، وهو صاحب هذه الفتنة التي خفض فيها ووضع، هذه المناظرة ذكرها الذهبي وغيره وفي سندها مقال، لكن فيها حكمة وحجة، فجاء هذا الشيخ وأدخل ليناظره ابن أبي دؤاد فقال الشيخ: يا ابن أبي دؤاد أخبرني عن مقالتك هذه أهي داخلة في عقد الدين فلا يكون الدين كاملاً حتى يقال فيه ما قلت؟ قال: نعم، قال أخبرني عن رسول الله ﷺ هل ستر شيئاً مما أمر به؟ قال: لا؛ قال: فدعا إلى مقالتك هذه؟ فسكت، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين واحدة.
ثم قال الشيخ: أخبرني عن الله حين قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة:٣] أكان هو صادقاً في إكمال دينه أم أنت صادق في نقصانه حتى قلت هذا القول؟ فسكت ابن أبي دؤاد، فقال: الثانية؛ قال: أعلم رسول الله ﷺ هذه المقالة أم جهلها؟ فقال: علمها؛ فقال: هل دعا إليها؛ قال: لا، قال: فأمر اتسع له علم رسول الله ﷺ ولم يبلغه ولم يطالب أمته به، ووسع الخلفاء من بعده وسكتوا عنه أما يسعك أنت أن تسكت عنه؟ فأطرق الواثق يفكر فقال: بل يسعني، فكوا قيود هذا الشيخ.
لما طال الأمد وقويت حجة الإمام مع صبره وثباته، العجيب الذي جعله إماماً للممتحنين حينئذ قضى الله بعد وفاة الواثق وقد بدأ بعض تراجعه أن هيأ الله المتوكل بعده فهداه الله إلى السنة، فرفع المحنة عن الإمام أحمد وعظمه ووقره، وجعل له أمر تولية القضاة وأمر تغيير أحوال الدولة.
стр. 121
ثبات الإمام أحمد في الفتنة وثباته أمام الشيطان عند الوفاة
الإمام أحمد ابتلي بالضراء فصبر، وابتلي بالسراء فشكر، وجاءته الدنيا صاغرة تحت قدميه فلم يخفض رأسه لينظر إليها، بل ظل شامخ الرأس ووطئها بأقدامه ماضٍ على طريق الله ، وكانت وفاته أيضاً درساً وعبرة، فإنه رحمة الله عليه مرض نحو تسعة أيام، وجعل يطلب أبناءه وأحفادهم وجعل يشمهم ويودعهم، وكان في وقت مرضه إذا اشتد عليه يقول: لا بعد، لا بعد، لا بعد، ثم يغمى عليه، فسأله ابنه؟ فقال: إن الشيطان كان يقول: فتني يا أحمد، يعني: لم أستطع أن أبلغ منك مبلغاً؛ يقول: فكنت أقول: لا بعد، لا بعد، حتى مات.
كان يخشى على نفسه الفتنة حتى في مثل هذه اللحظات، قيل: إن الإمام أحمد سمع حديثاً عن ترك الأنين فلم يئن، حتى لا يدخل في الجزع من قضاء الله ، ولما مات الإمام أحمد خرجت بغداد كلها في جنازته، حتى قالوا: لم يصلوا العصر ذلك اليوم؛ لأن وفاته في صبيحة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول عام (٢٤١هـ) وكانت ولادته أيضاً في الثاني عشر من ربيع الأول عام (١٦٤هـ).
يقول الذهبي: فأحصي من حضر جنازته فكانوا: ألف ألف نفس، وظل الناس يصلون على قبره وقتاً طويلاً.
وفرح الناس بموكب جنازته لما أظهرت من نصرة السنة، وإن كانوا قد حزنوا لموت الإمام رحمة الله عليه.
فهذه وقفات سريعة أمضيناها مع الإمام أحمد، وإن كانت كل واحدة منها جديرة بأن تكون موضعاً للاقتداء، ورؤية للواقع الذي نحن فيه، لما بيننا وبين الإمام وغيره من الأئمة من بون شاسع، خاصة فيما يتعلق بالصلة بالله ، والتقوى والورع مع العلم والفقه في الدين، وفيما يتعلق بالنفوس وتهذيبها والإخلاص وتحريره لله ، ورعاية مصلحة الأمة والجهاد في سبيل نشر دعوة الله والثبات على ذلك.
نسأل الله أن يرزقنا حسن الاقتداء والتأسي بأمثال هؤلاء الأئمة رحمة الله عليهم.
стр. 122
الأسئلة
стр. 123
الآثار المترتبة على القول بخلق القرآن
السؤال
ما سبب فتنة خلق القرآن وما يترتب عليها من آثار؟
الجواب
من أهم الآثار أن القائلين بخلق القرآن أنكروا صفة من صفات الله وهي صفة الكلام، وهذا إبطال وتعطيل للصفات، وهو من مقالات الكفر التي تؤدي إلى إنكار ما ثبت في القرآن والسنة، ومن ذلك أيضاً زوال القطعية في كتاب الله من حكم، وأنه حق لا يسع الإنسان إلا اتباعه؛ وغير ذلك أيضاً من المقالات الفلسفية العقلية التي تصرف الناس عن التسليم لكتاب الله ولسنة رسوله ﷺ .
стр. 124
موقف الإمام أحمد من خلق القرآن والخروج على الحاكم
السؤال
لقد كان موقف الإمام أحمد من مسألة خلق القرآن موقفاً عظيماً، ولكن بعض الناس يظن هذا الموقف لو حدث مثله اليوم لكان يعد خروجاً على الحاكم؟
الجواب
لا، ذكر ابن حجر رحمة الله عليه: أن بعض الأئمة كانوا يكرهون رواية بعض الأحاديث مخافة ما قد يسبق إلى الأفهام من سوء فهم لها، ومن ذلك أن الإمام مالك كان يكره رواية حديث الصفات، ومحمد بن الحسن كان يكره الغرائب، والإمام أحمد كان يكره رواية الأحاديث في الفتنة والخروج على الأئمة؛ لئلا يسبق إلى الناس فهم خاطئ فيها، وهو الذي استجاب لأمر أمير المؤمنين لما أمره أن يحتجب عن الناس ولا يوافقهم في مجالسهم، ولا يأتون إليه أيضاً في مجلسه، التزم ذلك ولم يكن ذلك إعلاناً منه للخروج؛ لأن للخروج ضوابط كما قال الرسول ﵊: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) فهذه المقالة هي مقالة كفرية، لكن القائل بها ليس بالضرورة أن يكفر؛ لأنه كان يظن ذلك صدقاً وحقاً ولبس عليه وفتن في مثل هذا الأمر؛ ولذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة أثراً عن الإمام أحمد: أنه دعا لبعض من خاضوا في هذه الفتنة قال: لأنهم لم يكونوا يعلمون أنهم على باطل، فهذا ينبغي أن يعلم من مثل هذا الأمر.
стр. 125
العلاقة بين الإمام أحمد وأحمد بن نصر الخزاعي
السؤال
ما علاقة أحمد بن حنبل بـ أحمد بن نصر الخزاعي؟
الجواب
كلاهما من أئمة الحديث الكبار ومن أهل السنة العظام، وكان الإمام أحمد بن نصر الخزاعي أيضاً ممن ثبت في هذه المحنة والتمس لها تغييراً واقعياً جذرياً، حتى إنه كان يعلم الناس السنة ويعلم الناس المعتقد الصحيح، ويبين فساد هذا القول وما يترتب عليه من الآثار ووجوب إزالة هذا المنكر، حتى رأى أن يثب على الخليفة ليغيره ويغير هذا المنكر الذي فشا في الأمة دهراً طويلاً، لكن نبأ علمه إلى الخليفة وقتل ونصب رأسه في سر من رأى وجسمه في بغداد أو العكس، وظل كذلك منصوباً نحو سبع سنوات، وكان الإمام أحمد رحمة الله عليه يثني عليه ويقول: ذاك رجل جاد بروحه في سبيل الله ، وهذا تنبيه لطيف في مواقف الإمام أحمد، يقول: إن سبب هذه الفتنة أن المأمون تتلمذ على المعتزلة.
نقول: واليوم في هذه الأعصر يتتلمذ بعض كبار القوم وأبناء الحكام والسلاطين في بلاد الكفر فوقع لهم مثل ما وقع لأولئك، نقول: نعم قد حرص المستخربون أن يأخذوا أبناء أكابر القوم وأبناء أهل الحكم ليغرسوا في عقولهم الشبهات والشهوات، وليجعلوهم تابعين لملل الكفر وموالين لأعداء الله ، حتى إذا كانت في أيديهم سلطة أو حكم أو قدرة على فعل أمر من الأمور فعلوا فيه فعلاً يناقض الإسلام ويضر بأهله، ولذلك جعلوا التولية في أمور كثيرة من الإعلام أو التعليم أو غيرها من المجالات لمن صنع على أعينهم وربي في ديارهم وتغذى بأفكارهم، وخفق قلبه بحبهم وتعظيمهم والولاء لهم، وهذا أمر شائع معروف.
стр. 126
ذكر مراجع سيرة الإمام أحمد وما حصل له
السؤال
هذه المرويات تحتاج إلى ذكر المراجع؟
الجواب
أخشى من الإطالة وإلا كلها مراجع معروفة، ولعلنا نشير إلى بعض هذه على الإجمال، هناك كتاب (مناقب الإمام أحمد لـ ابن الجوزي) ساق فيه كثيراً من الروايات بالأسانيد وذكر فيه تفصيلات كثيرة، ومن هذه أيضاً مصادر ترجمة الإمام أحمد في سير أعلام النبلاء، وكذلك كتاب عن الإمام أحمد للشيخ محمد أبي زهرة، وكذلك كتاب عن إمام الصابرين، يتعلق فقط بالمحنة لـ عبد العزيز المسند وغيرها، أيضاً كتاب عن الإمام أحمد إمام أهل السنة لـ عبد الغني الدقر، وهناك كتب كثيرة أفاضت في مثل هذه الروايات، ولا شك أن تصحيح هذه الروايات وتوثيقها ليس بالضرورة أن تكون كلها صحيحة على مثل هذا، فإن ما يروى في التاريخ غير ما يروى في السنن، وما يروى في التراجم أدنى من ذلك وأقل، لكن كثيراً من هذه الروايات تطابقت عليها الكتب، وذكرها من ترجم للإمام أحمد.
стр. 127
طلب الرد على من يطعن في المناهج الدراسية وغيرها
السؤال
هنا في الأسبوع الماضي ذكر أن أحدهم كتب عن المناهج الدراسية كتابة غير جيدة، وأن الكاتب نفسه كتب عن البث المباشر في هذا الأسبوع بأسلوب يفهم منه أن الغرب أفضل من المسلمين وبطريقة لم يذكر فيها الأسلوب الأمثل للتصدي لمثل هذه الأفكار الهدامة ما هو دورنا نحو هذا؟
الجواب
اكتب للجريدة فإنها تنشر، وقد ذكر الكاتب أنه يريد من يرد عليه أو من يخالفه في الرأي؛ واكتب لمن ترى أن بيده أمراً حتى يصلح؛ لأن هذا الفساد ليس بالضرورة أن يكون لمجرد رأي راءٍ أو لقول قائل أو لكتابة كاتب أن يقر، وأن يسكت عنه؛ بل الناس ينبغي أن يقولوا الحق وأن يلهجوا به ويبلغوه، ودين الله هو الأحق أن يتبع؛ لأنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ومعلوم أن أكثر ما ينبغي أن نحرص عليه هو أن نعرف أن هذه البلاد بما فيها من الحرمين قائمة بإذن الله على شرع الله ، وينبغي ألا يقبل أي شيء مما يخالف هذا الشرع، والأنظمة المنصوص عليها سواء في التعليم أو في الإعلام أو في غيرها مبنية ومصاغة صياغة تراعي أحكام الشرع، فبموجب الشرع وبموجب النظام مثل هذا القول ومثل هذه المطالبة مخالفة للشرع أولاً، ومخالفة للنظام ثانياً؛ فالمعترض عليها صاحب حجة قوية.
فالله أسأل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 128
إنذار وإعذار
لا يزال أعداء الإسلام يحوكون المؤامرات، ويحاولون نزع الإيمان من قلوب المسلمين، وإبعادهم عن الأخلاق السامية الطاهرة، وقد ساعدهم بعض المسلمين على ذلك بالغفلة والجهل والتفريط في الدين، ولا خلاص من ذلك إلا باليقظة والتحصن والوعي التام.
стр. 129
تفريط المسلمين في كنزهم الثمين
الحمد لله ولي الصالحين، وناصر المؤمنين، ومعز الموحدين، وجاعل الدائرة على الكافرين، والعاقبة للمتقين ولو بعد حين، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً؟ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وبصر به من العمى، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا جميعاً لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! إنذار وإعذار في تفاقم الأخطار، وكثرة الأضرار، وثمة أمور يغفل عنها الناس ولا ينتبهون إلى خطرها، ولا ينتبهون إلى معالجة ضررها إلا عندما تشتعل النار، وتعظم الأخطار، وتنحرف الأفكار، ويصبح الأمر حينئذٍ أصعب معالجة، وأثقل مدافعة، ولعلي أبدأ بقصة غريبة وهي: أن رجلاً كانت عنده ثروة كبيرة من الجواهر واللآلئ والذهب والفضة، ولكنه لم يحفظها في مكان أمين أو خزينة مستقلة، بل أودعها بيته وهو على الطريق العام، ولم يجعل على بيته حراسة، ولم يكن متيقظاً، فنوافذه مفتوحة وأبوابه مشرعة، فمرة من المرات تسلل بعض اللصوص وسرقوا شيئاً يسيراً من هذه الثروة، فلم يلتفت إلى ذلك، ولم يحتط لثروته، بل ترك الأبواب مفتوحة بعد أن كانت النوفذ مفتوحة، فكثر اللصوص وعظمت السرقات، فماذا فعل؟ أزال النوافذ، وخلع الأبواب، حتى كادت كل الثروة أن تنتهب وتسرق، وحينئذ وضع يده على وجهه متحيراً متندماً، ناظراً في أمره كيف يحرس ثروته وقد ضاعت، وكيف يبقي ماله وقد سرق! أظنكم تعتقدون أن القصة خيالية، ولكنكم ستعجبون إن قلت إنها حقيقية، وسيزداد عجبكم إن قلت: إننا -إلا من رحم الله- قد فعلنا مثل ذلك، وإننا جميعاً يصدق فينا -إلا من رحم الله- أننا مثل ذلك الرجل، تركنا ثرواتنا نهباً لكل سارق، حتى إذا عظمت السرقات ووصلت إلى أعلى الدرجات وقفنا نفكر ونتساءل: كيف سرقنا؟ وكيف ذهبت ثرواتنا؟ وحتى الآن ما زال في أذهانكم تساؤلات كثيرة عن ذلك، ولعلي أزيل الغموض عندما أقول: إن الذي سرق منا ليس الأرزاق، بل الأخلاق! وإن الذي ضاع منا ليس الأموال، بل الأحوال! وإن الذي تضرر منا ليس الأبدان، بل الإيمان! لو تأملنا في هذه المعاني قليلاً وكنا صادقين لشعرنا جميعاً أنه قد سلب من إيماننا ومن ديننا ومن أخلاقنا كثير وكثير مما كنا عليه حريصون، ومما هو ثروة أعظم من كل ثروة، وقيمة أغلى من كل قيمة، فمتى نتنبه؟ هل نتنبه إذا جاءت الكوارث الكبرى، وإذا جاءت الحوادث العظمى، وإذا سمعنا بتدنيس المصحف الشريف بالأيدي النجسة، وبالأفعال القبيحة؟ وقد أشرت من قبل إلى شيء من ذلك، إلا أنني وجدت أن الأمر أخطر، وأن الضرر أعظم من أن يكتفى فيه بإشارة، أو أن يقال فيه ما قلناه فيما سبق من أننا فرطنا حتى كنا سبباً فيما يحل بنا، وفيما يحاك لنا، وفيما نقع فيه.
стр. 130
صور من التفريط الديني عند الأفراد
стр. 131
ضياع التربية عند كثير من المسلمين
ولعلي أشير بعد هذا الإجمال إلى شيء من التفصيل، أبدؤه بتفريط الأفراد من أمة الإسلام، ولو أردت أن أفيض لما انقضى حديثي هذا، لكنني أوجز في ومضات سريعة: أولها: التربية الضائعة: فأين نحن من الحفاظ على إيماننا، وسمت إسلامنا، ونضارة أخلاقنا في واقع بيوتنا، وفي سلوك أبنائنا، وفي مظاهر حياتنا، وفي صورة أسواقنا، وفي منظر شوارعنا، وفي كل لمحة وحركة وسكنة من حياتنا.
أبناؤنا سلمناهم للشوارع تختطف أخلاقهم، وتركناهم لرفقاء السوق يسرقون حياءهم، ويفقدونهم تقديرهم واحترامهم، وتركناهم حتى أفسدوا فيهم نقاء الفطرة، وسرقوا منهم سمت الالتزام، ونهبوا منهم معاني الحياء، واختلسوا منهم صور الوضاءة والنقاء، وبعد ذلك لا نشعر بأن أمراً قد وقع، أو أن ضرراً قد حل، أو أن ثروة قد سرقت، لكنه لو سرق منا عقد ذهب بعشرة آلاف لبلغنا الشرطة واستدعيناها لتبحث عمن سرق هذا المبلغ الزهيد، دون أن نبحث عمن سرق الإيمان والإسلام والأخلاق، ونحتاط لهذه الأموال فنودعها في البنوك، أو نجعل لها الخزائن، أو نحفظها في الأماكن السرية، دون أن نحرص على حفظ أخلاق ودين أبنائنا، بل وأنفسنا أنفسنا!
стр. 132
فتح المجال للفضائيات المفسدة
وهناك مظهر آخر في الوسائل المفسدة: قلت لكم: إن الرجل قد نزع النوافذ وخلع الأبواب، وكأنكم تقولون إنه بهذا يفعل فعلاً لا يعقل، ولكن كثيرين منا دون أن يفتحوا النوافذ والأبواب فتحوا القنوات الملهية المغرية المفسدة التي تغتال الحياء في النفوس، وتجرح الفضيلة في القلوب، وتحرف الفكر عن الاستقامة، ونحن الذين أدخلناها بأنفسنا، ونحن الذين اشتريناها بأموالنا، ونحن الذين ضبطناها وقسناها ووزناها بأيدينا، ونحن الذين استجلبنا المهندسين ليضبطوها لتحكم ضرباتها على قيمنا وثوابتنا، ولتحكم زعزعتها لإيماننا ويقيننا، فنحن الذين فعلنا فعل ذلك الرجل حتى تضاعفت المخاطر، وعظمت البلايا.
стр. 133
المقاييس الخاطئة عند كثير من الناس
وثالثة أتم بها ذلك الأمر، وهي المقاييس الخاطئة التي نقيس بها في أسرنا: فالدراسة أعظم وأكثر أهمية من حيث التطبيق الواقعي والسؤال والاستفسار ودفع الأموال من الصلاة والقرآن والمسجد وغير ذلك؛ لأن الدراسة يُسأل عنها، ويُصرف عليها، ويُنظر في نتائجها، أما الصلاة والقرآن والمسجد فلا تكاد ترد في سؤال ولا تخطر على بال إلا من رحم الله، وهكذا أصبحنا كحال ذلك الرجل، سرقت منا أعظم الثروات التي نملكها، فإذا سرق الأبناء والبنات وضاعت الأسر وحلت هذه الكوارث، فأي شيء يبقى بعد ذلك؟
стр. 134
تفريط الأمة في أراضيها وثرواتها
وأنتقل إلى صورة أخرى وهي صورة الأمة بمجموعها: فهناك الأراضي المغتصبة التي صحنا وانتفضنا وقت اغتصابها قليلاً، ثم نمنا وسكتنا بعدها كثيراً، حتى أصبحت اليوم تقاس بالأشبار، وتوزع بالأمتار، وتوضع على الطاولات، وتناقش في المؤتمرات، وتصبح جزءاً من المشروبات والوجبات.
ثم بعد ذلك من الأراضي المغتصبة إلى الثروات المنتهبة، إلى المقدسات المدنسة، إلى السياسات المرتهنة، إلى العمالات الدنيئة، إلى المحاربات الوضيعة، حتى إن بعض بلاد الإسلام لا تحرك ساكناً ولا تنبس ببنت شفة حتى تأخذ التعليمات من الأسياد، بل إنها قد تجاوزت ذلك، وأصبحت هي الأداة المنفذة التي تقوم بحرب الإسلام في عقر داره، والتي تمتهن حملة الإسلام ودعاته وعلمائه في بلادهم وديارهم، والتي تقوم بتدنيس المقدسات والمساجد وغيرها في نفس بلاد الإسلام والعرب، ثم بعد ذلك يمكن أن نقول مثل ما قال ذلك الرجل: أين ذهبت ثروتي؟ وكيف اعتدى عليها الأعداء؟ وكيف عرف اللصوص طريقها؟ فنحن الذين مهدنا، ونحن الذين أعددنا، ونحن الذين ساعدنا، بل نحن الذين نفذنا وفعلنا إلا من رحم الله.
ولعلي حينئذ -وأنا أصل إلى هذه النقطة- أجد أني رسمت صورة سوداء قاتمة، أو إن شئتم فهي صورة مخيفة مرعبة، وهل ذلك مقصد؟ إنه مقصد لأمر واحد فقط: نريد أن نشعر أنفسنا بأن الخطر حقيقي، وأن السرقات قد كثرت، وأن الثروات قد ضاعت، فإن لم نشعر بذلك فلن نغلق أبواباً، ولن نسد نوافذ، ولن نحكم احتياطاً، ولن نأتي بحراسة، ولن نقوم بشيء مهم لنا هو أساس حياتنا، إنه ديننا، إيماننا، إسلامنا.
ماذا كان العرب قبل الإيمان؟ وماذا كانت الجزيرة قبل الإسلام؟ وأي قوم كان أولئك؟ لا يعرف أحد لهم ذكراً، ولا يسطر لهم التاريخ في صفحاته سطراً، فما الذي جعلهم قادة الدنيا، وسادات العالم، ومعلمو البشرية؟ وما الذي جعلهم يأتلفون من شرق ومن غرب، ومن أسود وأبيض، ومن كل اللغات والثقافات؟ إنه دين الله، إنه الإسلام العظيم، إنه الإيمان واليقين، إنه لا قيمة لأمة لا دين لها، ولا قيمة لمجتمعات لا مبادئ لها، ولا قيمة لحضارة لا أخلاق لها، إن الذي يتخلى عن دينه، عن معتقده، عن أخلاقه، عن مبادئه؛ قد خسر الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.
стр. 135
كيفية تحصين الأفراد والبيوت والمجتمعات من الأخطار
نوجه الدفة إلى تدارك الأمر، وإلى تحصين أنفسنا وبيوتنا ومجتمعاتنا: أولاً: لابد أن ندرك هذه الحقيقة، وهي أن الحياة دين وعقيدة، وإيمان وإسلام، وليس في الحياة تجارة ولا مال ولا زوجة ولا أبناء ولا علاقات ولا صلات، إنها قبل ذلك ومع ذلك وبعد ذلك حياة إيمان وإسلام واعتقاد، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] إنه توجيه رباني، ومثله قوله جل وعلا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم:٤٣ - ٤٥]، فهذه هي حقيقة الحياة.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣] أي: يتفرقون وينقسمون، ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم:٤٤] ثم الجزاء بالحسنى لمن آمن وعمل الصالحات، والجزاء بالسخط والعذاب لمن أبى ذلك وأعرض عنه.
قال السعدي في تفسير قوله جل وعلا: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ): أقبل بقلبك، وتوجه بوجهك، واسع ببدنك لإقامة الدين بجد واجتهاد، وقم بوظائفه الظاهرة والباطنة، وبادر زمانك وحياتك وشبابك من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله.
فتأمل هذه الكلمات: أقبل بقلبك، واسع ببدنك، وتوجه بوجهك، أي: كل حياتك مرتكزها ومحورها ومربط فرسها دينك وإيمانك واعتقادك.
وقال ابن عطية في تفسيره: إقامة الوجه هو تقويم المعتقد، والقوة على الجد في أعمال الدين، والمعنى: اجعل قصدك ومسعاك للدين، أي: لطريقه ولأعماله واعتقاداته.
وقال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة:١٣٨] إن أمة الإسلام لها صبغة، ولها سمت، ولها مزية، إنها أمة إيمان وإسلام ودين يصبغ حياتها في كل شيء بدءاً من خفقة القلب، ومشاعر النفس، وخطرة العقل، وكلمة اللسان، وحركة الجوارح، إلى علاقات المجتمع، وإلى جميع جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية والعسكرية، وغيرها، ذلك هو سمت الإسلام وحقيقة الإيمان، وكم من أمة قد ضيعت دينها، وحُرف من قبل أحبارها ورهبانها، وأعلنوا في دساتيرهم أن أديانهم وراء ظهورهم وإن كانوا يقدمونها في واقع التطبيق العملي في زماننا الحاضر.
ودعك من قوم يرددون مقالهم، ويكتبون في صحفنا، ويظهرون على شاشاتنا، ويتصدرون في مؤتمراتنا ليقولوا لنا: دعوا الدين في المساجد واجعلوه في تمتماتكم وأذكاركم ودعواتكم! وخلوا بيننا وبين الدنيا العريضة الواسعة نسرح ونمرح فيها بلا خطام ولا زمام ولا إيمان ولا إسلام، ولا أحكام ولا تشريعات ولا حلال ولا حرام! ودعوا المرأة تأخذ حريتها، أي بالفسق والفجور والمجون! ودعوا الاقتصاد يتحرر من قيد الدين ليكون رباً وقماراً وغشاً وخداعاً! ودعوا السياسة تنطلق من مبدأ المصالح لتكون خيانة ونفاقاً ومؤامرة! ودعوا الحياة كلها لتصبح أكثر شيء فساداً وأعظمه ضرراً، وأشده خطراً، وأكثره ضياعاً لحقوق الإنسان، وحقوق الأديان، وحقوق الأبدان! فأول أمر في تدارك الخطر أن نعرف موقع الدين في حياتنا، وموقع الإسلام والإيمان من قلوبنا ونفوسنا.
стр. 136
عداوة الكفار للمسلمين متنوعة ومبنية على العقيدة
وهناك مسألة ثانية وهي: ما الذي يجمع الأعداء حولنا؟ وما الذي يوجه السهام نحو صدورنا؟ وما الذي يجعل المؤامرات تحاك لنا؟ أتراها ثرواتنا؟ أتراها عقولنا المبدعة واختراعاتنا المتكاثرة؟ إن كان شيء من ذلك فهو قليل نادر، لكن الحقيقة جلية واضحة ساطعة، صورها النبي ﷺ تصويراً بديعاً في حقيقتها حين قال: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها).
إنها صورة من هذا التكالب، تكشف الآيات القرآنية عن حقيقته في صورة مطردة وحقيقة دائمة؛ قال : ﴿َولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] فصدقوا القرآن وأيقنوا به، فقوله: (لا يزالون) فعل مضارع يدل على الاستمرار والدوام، فهم: (لا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ) فلا تظنوا أن وقتاً سيمر وهو وقت للسلام كما يقال، وليس بالضرورة أن تكون المقاتلة منازلة في الميدان بالحرب والقتل، فإن مقاتلة قد وقعت وأدمت في إيماننا وإسلامنا أكثر؛ وذلك عبر وسائل الإعلام، ومناهج التعليم، ودسائس السياسة وغير ذلك.
وقوله: (ولا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ) أي أن تلك هي الغاية، فلو أعطيت (١٠%) من التنازلات فستظل المطالبات، وستظل الاعتداءات (حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ)، أي: حتى يصل الأمر إلى أن يكون قلبك قلبهم، وعقلك عقلهم، وهواك هواهم، وعداؤك عداءهم، وولاؤك ولاءهم، وبراؤك براءهم، كما قد وقع من أبناء ملتنا في صور كثيرة نراها ونعرفها.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ [البقرة:٢١٧] أي: من وصل إلى هذه المرحلة فأي خسارة خسر؟ وأي أمر في حياته وقع؟! ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:٢١٧] انتهى كل شيء، فمن باع دينه باع حياته ودنياه وأخراه، ومن هان عليه دينه هانت عليه قيمته، وهانت مكانته، وهانت قوته أمام أعدائه؛ لأن أي أمة أو رجل أو إنسان بلا مبدأ ولا قيمة ولا معتقد يستهان به ويذل مهما كان عنده من أسباب القوة المادية.
قال السعدي في تفسيره عند هذه الآية: هذا الوصف عام لكل الكفار.
وقال القاسمي: المقصود تحذير المؤمنين منهم -أي: من الكافرين- وعدم المبالاة بموافقتهم في بعض الأمور.
فكم نرى ممن يغتر بأن هناك أموراً كثيرة نتفق فيها، ونجتمع عليها، وتقربنا من أعدائنا، وغير ذلك مما تسمعون.
стр. 137
أهمية معرفة حقيقة دين الإسلام وما يجب نحوه
ثم أنتقل إلى أمر مهم، وهو أمر التعريف، أن نعرف حقيقة ديننا، فديننا وإسلامنا ليس كغيره من الأديان، وليقل غير ذلك من شاء وكيف شاء، وليعدوا ذلك عنصرية أو يعدوه شيئاً من الأشياء التي يذمونها، فإن بين أيدينا كتاب الله يخبرنا بأن الإسلام هو الدين المرتضى، قال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣].
ويخبرنا الله أن الإسلام هو الدين المقبول فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥].
ويخبرنا بأن الإسلام هو الدين القيم فقال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة:٣٦] أي: المستقيم، ويخبرنا بأنه الدين الحق فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة:٣٣].
ويخبرنا بأنه الدين الخالص فقال: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣].
وأنه الدين الخاتم فقال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠].
فإسلامكم أعظم وأكمل وأشرف وأبقى؛ لأن الله اقتضت حكمته ذلك، فختم به الرسالات، وختم بمحمد ﷺ النبوات، وختم بالقرآن الكريم الكتب التي أنزلها للخلق أجمعين.
стр. 138
أهمية تعليم الأبناء العقيدة الصحيحة
وأضيف إلى هذا أمراً آخر، وهو التوريث: فما الذي نورثه لأبنائنا؟ وما الذي نعلمه لهم؟ وما الذي نعتني به في شأنهم؟ قال : ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، إن أعظم ما تعطيه وتعنى به، وتنتبه له، وتحرص عليه، وتتابعه وتقيمه، وتنميه وتزيده؛ هو الدين، (وصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب) رسل الله، أنبياء الله، وصوا بالدين والإيمان والإسلام، وورثوه لأبنائهم، وعنوا به، وذلك ما كان من شأن النبي ﷺ ، فما الذي كان في آخر حياته من الكلمات والألفاظ؟ هل أوصى بالزوجة والأبناء؟ أو بالثروات والأموال؟ أم كان يقول: (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) ويقول: (لا تتخذوا قبري عيداً) إلى آخر نفس، كما قال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:٩٩]؟ فهذا سعد بن الربيع من أصحاب النبي ﷺ في يوم أحد، وبعد أن أصيب عند آخر لفظة من حياته كان يقول: (بلغوا قومي: أنه ليس فيهم خير قط إن خلص إلى رسول الله ﷺ وفيهم عين تطرف) استولى الإيمان والدين على القلوب فنطقت به الألسنة في أحرج اللحظات وأحرج المواقف، بل في وداع الدنيا واستقبال الآخرة.
نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يعظم الإيمان في قلوبنا، وأن يرسخ اليقين في نفوسنا، وأن يظهر الإسلام في أحوالنا وأقوالنا وأفعالنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 139
وجوب التمسك بالدين
ثم ننظر فنرى أموراً كثيرة، منها الأصل الأصيل المهم، وهو التمسك بالدين: إن الأمر الذي أنزله الله في كتابه، وبعث به رسوله، والدين والشرع الذي ارتضاه لنا لا لنجعله قولاً على الألسنة، ولا لنجعله مصاحف نزين بها الأبنية والأمكنة، إنما ليكون ديناً نطبقه في واقعنا، ونمارسه في حياتنا، ونحققه في علاقاتنا، ونقيم عليه كل شيء نعمله أو نتركه في حياتنا، قال تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف:٤٣ - ٤٤].
وتأملوا اللفظ القرآني: (فَاسْتَمْسِكْ) ولم يقل: فأمسك، وكذا قوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف:١٧٠] (يمسكون) أي: بقوة وبشدة وبحرص وبعناية وبصدق وبإخلاص، وبكامل التوجه في حياتهم، فليس صوراً ظاهرية، ولا مناظر شكلية، ولا مقالات لفظية، بل حقائق إيمانية، وممارسات عملية، ومبادئ ثابتة لا تنفصم عراها، ولا تنحل قواعدها المتينة، قال : ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة:٢٥٦].
إنه لابد من المفارقة والمباينة، فلا نجمع مع الإيمان كفراًًً، ولا مع الإسلام غيره؛ لأن الإسلام هو الدين الكامل القيم المرتضى الحق الخالص، كما بينت آيات القرآن الكريم، فهل نحن كذلك في واقعنا؟ وهل هذا متجلٍ في حياتنا؟ وهل هو الذي يظهر فيما يعنى به في واقعنا؟
стр. 140
وجوب التحصن من الأخطار
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم ما يقدم به العبد على مولاه، ومن أعظم التقوى تعظيم أمر الدين والإيمان واليقين في القلوب والنفوس والسلوك والوقائع والحياة كلها، ولعلي أختم بنقطتين مهمتين: الأولى بعد الذي ذكرناه أيضاً: التحصين: فلا تتركوا الأبواب مفتوحة، ولا تتركوا النوافذ مشرعة، ولكن حصنوا إيمانكم، وحصنوا أخلاقكم، وحصنوا بيوتكم، وحصنوا أفكاركم قبل أن تُغزوا في كل ذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم:٦]، وقال ﷺ : (كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته).
وفي هذا المعنى جاء منهج متكامل في القرآن، ففي شأن العقيدة وقاية وحماية وتحصين؛ قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠]، وقال سبحانه: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخر﴾ [الإسراء:٢٢].
وفي أمور التربية النفسية وقاية أيضاً وحماية وحصانة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
وفي الأمور الخلقية قال : ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام:١٥١]، ولم يقل: لا تفعلوا الفواحش، بل قال: (لا تَقْرَبُوا) ومثل ذلك: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ [الإسراء:٣٢] أي: لا تأتوا دواعيه، ولا تقتربوا مما يوردكم فيه، وما يؤدي إليه.
وهكذا نجد ذلك أيضاً في الأخلاق الاجتماعية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:١٢] إلى آخر ما هو مذكور في ذلك.
وأحاديث النبي ﷺ المحذرة المصدرة بقوله (إياكم)، كقوله: (إياكم والدخول على النساء!) وقوله: (إياكم والجلوس في الطرقات!)، وقوله: (إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث)، فكل تحذير هو تحصين من أمر قد يقع، فمن لم يأخذ بالحذر وقع في خطر.
стр. 141
الاطمئنان بوعد الله
وأخيراًًً: لابد من رسالة نختم بها، وهي رسالة التطمين: فلنطمئن لا بشخصنا، بل لأن الله قضى بأن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يرفع رايته، فإن لم يكن بنا فسيكون بغيرنا، وإن تخلينا: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة:٥٤].
فخذ التطمين من قوله سبحانه: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٣]، فلن يستطيعوا له استئصالاً وإن فعلوا ما فعلوا، ولن يستطيعوا عليه غلبة وإن تقووا بما تقووا، لكن المطلوب منا ما ذكره سبحانه في تتمة الآية: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [المائدة:٣] فاجعلوا خشية الله في قلوبكم أعظم من خشية الدول العظمى، والمؤسسات الدولية، والأنظمة العالمية وغيرها، فحينئذ تكونون أثبت وأقوم، وأقدر على مواجهة كل خطر، قال : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢] فاطمئنوا، لكن الطمأنينة وعد الله بفعل البشر الذي يقدره، فلابد من بذل كل غالٍ ورخيص حفاظاً على ديننا، وغيرة على حرماتنا، ونصراً وانتصاراً لمقدساتنا.
نسأل الله أن يحفظ علينا إيماننا وإسلامنا وأخلاقنا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وحسن أقوالنا، وأخلص نياتنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وارفع درجاتنا، وامح سيئاتنا.
اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك فيه وأنت راضٍ عنا.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه.
اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم اللهم بدداً، ولا تغادر اللهم منهم أحداً، أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، زلزل اللهم الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اقذف اللهم الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، واجعل الدائرة عليهم يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين، اللهم رحمتك ولطفك بإخواننا المسلمين المضطهدين المعذبين المشردين، والأسرى والمسجونين في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 142
الانتخابات البلدية مسائل ورسائل
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصول ديننا الإسلامي، ووسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتنوع وتختلف باختلاف الزمان والمكان، وإن إعانة المرشح الصالح في الانتخابات، وإقصاء الفاسد عن ذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فعلى المترشح أن يتقي الله في المسئولية المناطة به، وفي الأمانة التي تحملها، وعلى الناخبين أن يراعوا توافر الشروط الشرعية في المرشح وعلى ضوئها يكون التأييد أو الإقصاء.
стр. 143
أهمية المنبر في توجيه الناس وإرشادهم
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي لا إله غيره ولا رب سواه، لا يضل من استهداه ولا يخيب من رجاه، ولا يحرم من استعطاه، له الحمد كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً نلقى به أجراً ويمحو الله به عنا وزراً ويجعله لنا عنده ذخراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فحديثنا متعلق بالانتخابات البلدية مسائل ورسائل حولها، وهذا الموضوع قد يقال على منابر المساجد في خطب الجمعة وغيرها، فما علاقة منبر المسجد وخطبة الجمعة بمثل هذا؟! وأي صلة لهما؟! كما قد يجول في خواطر بعض الناس، أو كما هو اعتراض بعض آخر، وهنا أقول: خطبة الجمعة تُعنى بكل أمر يتصل بشأن الناس وقضاياهم وحوائجهم، وهذا هو جوهر نفعها وفائدتها وحقيقة قوتها وتأثيرها، وهذا مدخل أولي.
стр. 144
شمولية الإسلام لكل جوانب الحياة
وأمر ثان مهم: هو تأكيد وتجلية حقيقة شمولية إسلامنا العظيم، لكل جوانب الحياة فلا يصح قصره على أسس الاعتقاد وأحكام الفقه في تفصيلات العبادات، بل هو معني بكل شأن من شئون الحياة، معني بأن يوجه الناس ويبين لهم حكم الله جل وعلا في معاملاتهم المالية الاقتصادية وفي شئونهم الزوجية الاجتماعية، وفي أحوالهم القضائية العدلية، وفي كل باب من أبواب الحياة، كما قال الحق : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ﴾ [المائدة:٣]، وكما عبر أصحاب محمد ﷺ عن شمول ما جاءهم به وما أرشدهم إليه في أدق الأمور وأصغرها فضلاً عن جليلها وأكبرها، كما روى أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (علمنا رسول الله ﷺ كل شيء حتى الخراءة) أي: حتى قضاء الحاجة، وكما قال أبو ذر ﵁: (لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما) فذلك هو الإسلام العظيم في كل شأن من شئون الحياة يبينها ويفصلها ويظهر جوانبها المختلفة.
وأمر ثالث: وهو حسن الإرشاد والتوجيه في أي مسألة تحدث للناس وفيها خواطر وحوائج يريدون فيها بياناً للحكم أو تفضيلاً لأمر على أمر أو كشفاً لشبهة، وحري وجدير أن يكون ذلك من دور المسجد ومن أمانته ورسالته.
وقد قال الشاطبي ﵀: الشرع جاء ليقيم أمر الدنيا وأمر الآخرة، وإن كان قصده بإقامة الدنيا للآخرة فليس بخارج عن كونه قاصداً لإقامة مصالح الدنيا حتى يأتي فيها سلوك الآخرة.
فليس في ديننا دنيا منعزلة عن الدين أو دين ليس له شأن بالدنيا، فذلك أمر لا يصح في الإسلام، بل هو مناقض لأصوله وقواعده ومخالف لحقيقته وتاريخه، وهو أساس ومقصد أعظم لمن يريدون إضعاف الإسلام وأهله بالفصل ما بين دينهم واعتقادهم وأحكامهم وتشريعاتهم وبين مسالك حياتهم، فلتمتلئ المساجد بالمصلين ولتعج أجواء الفضاء بهم تالين وذاكرين، ثم يكونون في الاقتصاد مرابين وفي الاجتماع مختلطين وغير ملتزمين بحجاب ولا غيره، ذلك هو غاية ما يريده أعداء الإسلام وبعض المسئولين من أبناء المسلمين ممن اختل فهمهم أو اعوج سلوكهم وفتنوا بغيرهم.
إذاً فنحن مدخلنا إلى ذلك مدخل أصيل نتحدث فيه ونتناوله، وربما يكون لنا به أحقية أكثر من غيرنا؛ ذلك أننا نريد دائماً وأبداً أن نكون كما ينبغي، وأن يكون هذا المنبر أخلص قصداً وأنزه مسلكاً وأرشد رأياً وأصوب قولاً فيما يعود إليه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 145
مشروعية الانتخابات
وقفتنا الأولى في مشروعية هذه العملية، وهنا مسائل: أولها: أن هذه الانتخابات وغيرها إنما هي وسيلة لغاية، فقد تكون اليوم على هذا النحو في سبعة أجزاء، وقد تكون من بعد في عشرة، وقد يكون الأمر في أشخاص عدتهم كذا ثم يكونون كذا، فهي وسيلة، والقاعدة تقول: إن للوسائل أحكام الغايات ما لم تناقض شرعاً أو يكون فيها محرم.
والغاية لمثل هذا الأمر هو أن يكون من بين الناس من يؤدي أدواراً مهمة كما هو معلن وكما هو مراد، وأولها: تحسين الأداء والعمل الذي تقوم به هذه البلديات، ونحن نعلم -ولا إشكال في وضوح ذلك وبيانه- أن من أكثر الجهات التي يشتكي منها الناس وقد يعانون من خدماتها وقد يكون فيها من التجاوزات ما فيها هذه البلديات، وهذه المشاركة -مما هو ظاهر فيها ومعلن عنها- تهدف إلى تحسين الأداء.
وثانيها: أنها تهدف إلى الضبط والمراقبة ومنع ما قد يكون من خلل أو تجاوز أو تغيير لحق أو تأخير له ونحو ذلك، وهذا أيضاً أمر مهم وغاية محمودة ينبغي الحرص عليها.
والثالث: توصيل حوائج الناس وقضاؤها والتعجيل في تحقيق مطالبهم، ذلك أن الذين ينتخبون ليسوا محسوبين على الوظائف المعتادة التي يستند فيها الموظف إلى تعيينه دون التفات إلى مصالح الناس، وأول مهمة هؤلاء أنه ينبغي أن يسمعوا أصوات الناس، وأن يسمعوا مشكلاتهم، وأن يكونوا ساعين لهم وأجراء عندهم ووكلاء عنهم في حقيقة الأمر؛ لأن هذه هي حقيقة الولاية في الإسلام، حتى الولاية العظمى -أي: ولاية أمر المسلمين- إنما ولي أمر المسلمين فيها وكيل عنهم في إقامة الدين وسياسة مصالح الدنيا، وإنما هو أجير عند الأمة يقوم بما كلفه الله إياه لتحقيق مصالح الأمة، فإذا كانت هذه هي الغايات المحمودة من حسن الأداء والعمل ووجود الرقابة والضبط، وكانوا أجراء عند الناس ووكلاء عنهم في الحرص على مصالح الناس وتحقيقها، فالوسيلة حينئذٍ تأخذ حكم هذه الغاية في جوازها وفي مشروعيتها وفي استحبابها.
ثاني تلك المسائل: أن مثل هذا بالنسبة للناس هو لون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن قلنا: إن هناك خللاً أو فساداً أو تقصيراً وجاءت وسيلة يمكن من خلالها أن نقوم هذا الخلل أو نكمل ذلك النقص أو نقوم هذا الاعوجاج فلا شك أن هذا مطلب في حق كل مسلم؛ لأن الله قد جعل سمة المؤمنين في المجتمع المسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال جل وعلا: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:٧١]، بل جعل سمة الأمة كلها مرتبطة بذلك، كما في قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠].
فهذه وسيلة لك ولمن يصل إلى ذلك الموقع ليؤدي هذه المهمة ويتقي الله ، فلا يرى منكراً إلا ويمنعه بقدر جهده وطاقته، ولا يرى خيراً إلا ويسعى إلى إنفاذه وإقراره ونشره وإقامته بين الناس.
الثالث: أن هذا الانتخاب شهادة، فإن قيل لك: إن هذا موقع من المواقع ومنصب من المناصب يتنافس فيه عشرة من الناس ونريد منك أن تشهد شهادة لله لمن ترى أو تعرف أنه أقدر على قيامه بالواجب في هذه المهمة والمسئولية، فالشهادة حينئذٍ مطلوبة، والمؤمن لا يشهد إلا بالحق، وإذا قصر عن الشهادة في وقت يحتاج فيه إلى شهادته فترتب على غياب شهادته إقرار لباطل، أو تقديم لفاسد أو نحو ذلك فإنه قد يكون آثماً بهذا؛ إذ سكت عن حق وكتم شهادة، وكلنا يعلم ذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٤٠]، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة:٢٨٣]، فاشهد بالحق، وقل بما يغلب على ظنك أنه الصواب، وتحر الإخلاص، وتنزه عن أن يكون لك مقصد غير إقرار الحق والنطق به والشهادة به، كما قال : ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢].
فقوله تعالى: (أقيموا الشهادة لله) أي: ابتغاء وجهه ومرضاته، لا لمصلحة ولا ميل إلى من لك عنده مصلحة.
فانتخابك شهادة فلا ينبغي لك أن تكتم الشهادة وأنت قادر على إنفاذها، وأنت تعلم أن إنفاذها يكون فيه خير.
следующие страницы →