← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الآثار المترتبة على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والغيرة على حرمات الله، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دليل حب لله، وتعظيم وإجلال له؛ لأنه كما قالت عائشة أم المؤمنين في وصف سيد الخلق ﷺ : (ما نيل من شيء قط فينتقم لصاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم منه) رواه مسلم. قال ابن القيم في شأن هذه الغيرة: المهم أن نحميها في قلوبنا، أي دين وأي خير فيمن يرى محارم الله تنتهك، وحدوده تضيع، ودينه يترك، وسنة رسوله ﷺ يرغب عنها وهو بارد القلب، ساكت اللسان، شيطان أخرس، كما أن المتكلم بالباطل شيطان ناطق؟! وهل بلية الدين إلا من هؤلاء الذين إذا سلمت لهم مآكلهم ورئاستهم فلا مبالاة بما جرى على الدين وأهله؟ وتأملوا فقه أصحاب محمد ﷺ : سئل ابن مسعود ﵁: من ميت الأحياء يا ابن مسعود؟ قال ﵁: (الذي لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً) فكم بين أحيائنا أموات وإن كانوا يتحركون ويتكلمون ويأكلون ويشربون نسأل الله العافية! ومن المآثر المهمة لمثل هذه الشعيرة: أن تبقى الذكرى قائمة، وأن يبقى ما ينزع وما يبطل الغفلة حياً مذكوراً مشاعاً في المجتمع، حتى لا تغفل العقول، ولا تموت القلوب، ولا تخمد النفوس في دينها، بسبب عدم إنكار المنكر الذي يرتكب في واقعها ومجتمعها. قال إمام الحرم الشيخ ابن حميد حفظه الله في هذا المعنى كلاماً جميلاً، قال: ولو طوي بساط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأهمل علمه وعمله؛ لتعطلت الشريعة، واضمحلت الديانة، وعمت الغفلة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، وحينئذ يحل عذاب الله، وإن عذاب الله لشديد. أبلغ هذه النصوص الشرعية والأحاديث النبوية والمقالات العلمية، وهو يحتاج منا إلى أن نعيده ونكرره عسى الله أن يحفظ علينا إيماننا وغيرتنا، وحميتنا وانتصارنا لدين الله، وانتصارنا لسنة رسول الله ﷺ . اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا رب العالمين! اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، ولا تؤاخذنا اللهم بما فعل السفهاء منا يا رب العالمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم ارحم إخواننا المسلمين المستضعفين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم سهل عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا، وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 72

الصيف بين الإهدار والاستثمار الوقت من أهم ما يجب على المسلم المحافظة عليه، وهو كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وإن لم تستثمره في الخير أهدر في الشر وما لا فائدة فيه، وهذه الإجازة الصيفية التي تُمنَح للمعلمين والمعلمات والطلاب والطالبات من أوسع ميادين الإهدار والاستثمار للوقت، فعلى الآباء والأولياء الأخذ بأيدي أبنائهم إلى استثمار هذه الإجارة الصيفية بما يعود عليهم بالنفع في الدنيا والآخرة، وذلك عن طريق وضع الخطط والبرامج المناسبة، أو عن طريق الالتحاق بالمخيمات الصيفية الهادفة ونحو ذلك.

стр. 73

مظاهر سيئة في المجتمع المسلم الحمد لله الذي شرح الصدور بالإسلام، وطمأن القلوب بالإيمان، وهدى البصائر بالقرآن، وجعل العاقبة للمتقين، والدائرة على الكافرين، له الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى ومنار التقى، شمس الهداية الربانية، ومنار العناية الإلهية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد:

стр. 74

وجوب تربية الأبناء على إجلال المصحف إن مسألة الإجلال والتقدير ليست مسألة نظرية ولا لائحة عقابية ولا أنظمة تعليمية، إنها قبل ذلك كله تنشئة إيمانية وتربية. لم لا نوجه العناية في صيفنا هذا كله لنجعله تربية إيمانية عملية لأبنائنا على تقديس كتاب الله وخدمته؟ لم لا نجعل في الأسر برامج تعلم الأبناء كيف يتعاملون مع كتاب الله، ونجعلهم يقومون بأعمال تتعلق بخدمته ونشره، فيشتري هذا مصحفاً مسجلاً ثم يبذله لأحد، أو يشتري مصحفاً ويضعه في المسجد أو يصنع أي شيء من الأعمال الإيجابية التي لا تقف عند التقديس والتقدير والاحترام نحسب، بل تقود إلى ما هو ترجمة لذلك بالخدمة والنشر والإعانة.

стр. 75

إهانة القرآن وتبلد مشاعر المسلمين وهكذا نجد الصور تتشكل، حتى تبلغ الصور الصارخة أعداد كثيرة. وإنني كلما أردت أن أطوي هذا الحديث تجدد في النفس والقلب من الحزن والأسى ما يجعله يعود، وتجدد في الواقع أيضاً ما يذكي جراحه ويثير نزف دمائه من جديد، مثل قضية تدنيس المصحف، وقد قرأنا خلال هذا الأسبوع تقريراً يتضمن نتائج التحقيق في تلك الجريمة ويقول: إنه لم يثبت إلا خمس حالات فقط، وسميت هذه الحالات بـ (إساءة التعاطي مع القرآن الكريم)! ألفاظ مهذبة مشذبة! ما هي هذه الإساءة لهذا التعاطي؟ بنص التقرير فقد ذكر صوراً تتعلق بتبول -أكرمكم الله- على كتاب الله، وأخرى فيها ركل أو دعس لكتاب الله، وثالثة فيها قذف شيء من الماء على كتاب الله. ويأتينا الخبر مجدداً اليوم عن اعتداء مماثل في سجون الكيان الصهيوني على المصاحف التي يمتلكها ويقرأ فيها إخواننا الأسرى المسجونون المظلومون من أبناء الشعب الفلسطيني. وتتجدد هذه الأمور وكأن شيئاً من ذلك لم يكن ليحدث، ولعلي هنا أنتقل سريعاً إلى ما ينبغي أن نغيره في أذهاننا ونفوسنا فضلاً عن أذهان ونفوس أبنائنا.

стр. 76

تمزيق الكتب الدراسية في نهاية السنة الدراسية أيها الإخوة المؤمنون: "الصيف بين الإهدار والاستثمار"! وقد أوشكت أيام الدراسة على النهاية ليحل موسم الإجازة أو العطلة كما يطلق عليها، والتي تمتد وقتاً طويلاً ليس أياماً ولا أسابيع، وتنتظم أعداداً كبيرة من الطلاب والطالبات على وجه الخصوص، والأسر من الآباء والأمهات على وجه العموم، إذ كثيراً ما تكون إجازات الأعمال متوافقة مع إجازات الدراسة. فهذا الوقت الطويل الممتد، فيم يستغل؟ وهذه هي الطاقات والإمكانات كيف توظف؟ ثمة صور متناقضة أو متعارضة، ولعلي أبدأ بصورة ربما رأيناها وسنراها في الأيام القادمة، وهي صورة محزنة مؤلمة، شدد عليّ بعض الإخوة في ذكرها، وأهمية التنبيه عليها، وهي صورة لا تبشر بخير، وهي ظاهرة قذف الطلاب لكتبهم وتمزيقهم لمناهجهم، وشعورهم بأنها قيد يتخلصون منه، أو عبء يلقونه عن كواهلهم، ونرى -وللأسف- الكتب على أرصفة الطرقات، بل نراها في بعض الأحيان وهي في حاويات النفايات بما فيها من الآيات والأحاديث والعلوم المختلفة المتنوعة! ومناهجنا بحمد الله لا تخلو من ذلك في شتى نواحي العلم. هل هذه صورة تبين لنا أن هؤلاء الطلاب سيستقبلون الصيف بقراءة نافعة، وثقافة واسعة، ونشاطات متنوعة؟! ولماذا يحصل مثل هذا؟ وهنا نؤكد على أمر مهم، فالقضية في مثل هذا ليست ناشئة عن أوضاع دراسية أو تعليمية أو عن نظم يمكن أن تفرض، بل هي التنشئة الإيمانية والتربية الإسلامية والتهيئة الأخلاقية، والتثقيف الفكري والإعداد النفسي الذي فقده بعض طلابنا في بيوتهم وأسرهم، ومن أساتذتهم وفي معاهدهم، فخرجت الصورة النهائية لتعبر لنا عن خطوات قبلها: عن خلل في تفسيرهم ونظرتهم لهذا العلم، وشرفه وفضله وأجره وثوابه، وكذلك أثره الذي يعود عليهم وعلى مجتمعهم وأمتهم بالنفع والفائدة.

стр. 77

مواجهة هذه الظاهرة مسئولية الجميع فهذه الصورة لم تجعل العلم في مقام التوقير الذي لقننا إياه منهج الإسلام: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، (وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب)، أين معنى هذا العلم؟ أين غرسه؟ أين تعظيم ما هو معظم من كلام الله جل وعلا وآياته وأحاديث رسول الله ﷺ ؟ أين نحن من إعجاز العلم وكتبه ومناهجه؟ أين هذه المنهجية التي ينبغي أن تكون غرست؟ وهنا يجب أن ننتبه إلى هذا الخطر، وندرك تماماً أننا جميعاً مسئولون عن ذلك التفريط العام؛ سواء في الأداء التعليمي أو في الرسالة الإعلامية التي تبث ما يحط من قدر العلم والعناية به، إنها لا تمجد ولا تشيد بأحد من الطلبة المتفوقين ولا المتميزين ولا المتخرجين، وإنما تشجع المغنين والمغنيات والرياضيين والرياضيات، حتى أصبح حجم هذا البث يكفي أمة العرب وعشر أمم من أمثالها من ضخامته وزخمه، فمن أين لطالب أن يعنى بالعلم وأن يلتفت إليه في ظل هذه الأجواء الإعلامية التي يغلب على كثير منها الجوانب السلبية تجاه العلم والتعليم؟ وكذلكم ما قد نشهده هنا وهناك من تصرفات بيئية أسرية في داخل البيوت، فإن الأب كما أشرنا من قبل يعتني كثيراً في تعليم أبنائه اللغة الإنجليزية، ويحضر لهم المدرسين، وقد يفرغهم في فترة الصيف لدراسة طويلة داخل البلاد أو خارجها، لكنه لا يسأل مطلقاً ولا يلتفت أبداً إلى حال أبنائه في تعلمهم لكتاب الله أو لسنة رسول الله ﷺ أو لأحكام الفقه أو لتربية الأخلاق، أو لغير ذلك من الأمور، ويراها ثانوية! فحينئذ تُعظَّم تلك وتضعف هذه في نفوس الأبناء تلقائياً.

стр. 78

إقامة الدورات الصيفية من الصور المشرقة في استثمار العطلة ونحن نقف اليوم على أبواب الصيف نرى صوراً أخرى مشرقة بالاستثمار في الدورات القرآنية الصيفية، التي هي تربية إيمانية تجعل الناشئ من أبنائنا يأتي إلى بيوت الله متشوقة إليها نفسه راغباً فيها قلبه، وتجعله كذلك يعكف الساعات يرطب بكتاب الله لسانه، ويحيي به قلبه، ويدرك أنه يستغل هذا الوقت في هذه اللحظات والساعات في مقابل أوقات أخرى يقضيها غيره في اللهو والعبث. إننا نصنع من خلال هذه الدورات أموراً عظيمة في التنشئة والتربية والتقويم والسلوك، أكثر من النتائج التي نرقبها من الحفظ والمراجعة والتجويد والإتقان، ولذلك ينبغي أن ندرك أن النتائج إنما تنشأ من المقدمات؛ فكل أب يرى من ولده سلوكاً غير محمود فليعلم أن ثمة مقدمات من داخل الأسرة أو من المحيط العام، أو من وسائل الإعلام؛ أثرت في سلوك الولد حتى وصل إلى هذا الحد، وأنه لم يكن هناك ما يكافئها ولا ما يعارضها. فظاهرة تمزيق الكتب ينبغي الآن وفي هذه الأيام أن نسعى بين أبنائنا بالتوجيه والإرشاد لتجنبها والحد منها.

стр. 79

البذخ والتبذير في حفلات الأعراس وهناك صور أخرى من صور الإهدار، وبعضها محزن مؤلم، كصور البذخ والتبذير والإسراف الذي يرافق فترات الصيف عموماً ومواسم ومناسبات الأفراح خصوصاً. ليست الأموال أيها الإخوة آلافاً ولا مئات الآلاف، بل ليست ملايين ولا عشرات الملايين إنها تبلغ أكثر من ذلك، ولا شك أن من ذلك ما هو مباح ومندوب ومستحب في إقامة الوليمة وإعلان العرس، لكننا نوقن تماماً أن ثمة صوراً من التبذير والبذخ في الألبسة وفي الأطعمة وفي الأماكن التي تعقد فيها هذه المناسبات وغير ذلك، وكل هذا يحدث في مقابل وجود صور من الفقر كثيرة في كل أنحاء مجتمعنا الإسلامي بما فيه هذه البلاد، فكم من عاطل عن العمل يحتاج إلى من يعينه، وكم من عاجز عن الزواج يحتاج من يساعده، وكم من أسرة فقيرة تحتاج من يواسيها، وهذا البذخ في مقابله.

стр. 80

حكمة الإسلام في تحريم التبذير والإسلام عندما يحرم التبذير فإنه يحفظ الثروة العامة للأمة ككل، بل ولصاحبها الذي لا يعلم ما يستقبل من الأيام، فقد يحتاج إلى هذا الذي أسرف فيه في يوم تدور فيه الدوائر ويحتاج فيه إلى أقل من ذلك، فضلاً عما ينتج عن ذلك من أثر في الناحية المعنوية والتربوية الاجتماعية من وجود هذا التفاوت وحنق الضعفاء على الأغنياء، ووجود المفارقات والطبقيات التي لها من الآثار ما لها. وحسبنا في الأمثلة والقدوات ما جاء في سنة المصطفى ﷺ يوم تزوج ويوم زوج، فهل ثمة أشرف وأعظم من زواج النبي ﷺ أو تزويجه لبناته؟! كم كانت مقادير المهور، وكم كانت تكاليف مناسبات الأفراح في تلك النماذج المشرقة الوضيئة؟ ولئن كان فرق بيننا وبين ذلك المجتمع فإن الصورة النسبية ظاهرة لا تخفى على أحد، حتى لا يقال: إننا في عصر غير ذلك العصر، ونجد أن الإحصاءات تدلنا على أمور أخرى، وقد نشر خلال الأيام الماضية تقارير أعتقد جازماً أن من رآها بكى قلبه قبل أن تبكي عينه. إنها تقارير مجاعة في النيجر، يموت فيها الأطفال دون الثانية من العمر، وصورهم تمثل هياكل عظمية وتنبئ عن أمراض خطيرة، وبمجرد النظر يجد الإنسان نفسه قد كاد يفقد لذة طعامه الذي يأكله ومائه الذي يشربه، وقد أخبر النبي ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أنه لا يؤمن من بات شبعان وجاره طاو. أين نحن من التكامل الذي حرك النبي ﷺ وأثر في مشاعره يوم رأى الفقراء من مضر، فتمعر وجهه -أي: تغير حزناً- ثم دعا الناس للإنفاق، فبادر الأنصاري بصرة من ذهب كادت كفه أن تعجز عنها بل قد عجزت، فتتابع الناس واجتمع كومان من ثياب وطعام، فتهلل وجه النبي ﷺ كأنه مذهبة من شدة فرحه بهذا التعاطف وبهذه الروح الإيمانية، وبهذه النفوس الرقيقة الرحيمة التي وإن أخذت بقوله جل وعلا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١]؛ فإنها لا تنسى ذلك الجانب الآخر. صورة تتكرر في مواسمنا الصيفية وأفراحنا المتتابعة، حيث نجعل الأفراح مقترنة في كثير من الأحوال بترك المباح، أو على أقل تقدير بتجاوز المندوبات والمستحبات إلى دائرة الشبهات والمكروهات، بل نتعداها إلى أكثر من ذلك، وهذا يحتاج منا إلى تأمل وإعادة نظر.

стр. 81

تقارير اقتصادية تبين مدى التهاون عند أثرياء المسلمين واليوم نشرت تقارير لبعض المجلات الاقتصادية عن حجم الثراء وزيادته، فعدت في الشرق الأوسط خمسة وعشرين ألفاً وثمان مائة شخص من الأثرياء، قدرت ثروتهم بترليون دولار أي ألف ألف مليون دولار، وبحساب زكاتها نجد أن في كل ألف مليون خمسة وعشرين مليوناً، أي: أن مجموع زكاة هذه الأموال: خمسة وعشرون ألف مليون دولار، لو أخرجت هذه الزكوات وصرفت في مصارفها لم تبق الأحوال على ما هي عليه! ولكن للأسف فإننا نرى من يصرف على غناء ماجن وعلى تسويق داعر وعلى اختلاط آثم في هذه الأفراح ما هو أضعاف أضعاف ما يمكن أن يكفي لعدة أسر لأعوام متعاقبات. ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٧]. والإسلام دين الوسط ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء:٢٩].

стр. 82

إقامة المخيمات الصيفية صورة إيجابية وأنتقل إلى صورة ثالثة لنرى فيها المفارقات، ونرى صوراً من الإيجابيات وكيف تواجه بالمخالفات والمعارضات، ففي صيفنا دائماً تجد المخيمات الدعوية، وهي مع تطورها أصبحت تشتمل على برامج متنوعة، لا تكتفي بالمحاضرات ولا تقتصر على الندوات، ولا تطعم برامجها بالأمسيات الشعرية فحسب، بل تزيد إلى ذلك فقرات ترفيهية وأنشطة رياضية ومسابقات ثقافية، وتشتمل على برامج للرجال وأخرى للنساء، وثالثة للأطفال والأبناء ويشهد لنجاحها وتنوعها وتأثيرها وإيجابيتها أمور كثيرة، منها كثرة الإقبال عليها، وقد جاء في إحصائية المخيم الدعوي الذي كان يعقد في المطار القديم أنه بلغ عدد الذين زاروه خلال أسابيعه الخمسة ثمانمائة ألف إنسان رجالاً ونساءً. وهذا شيء يشرح الصدر ويدل على الخير والإقبال عليه، ويدل على أن هذه البرامج كان فيها من التشويق والتنوع والإفادة ما جعل هؤلاء يقبلون عليها. وثانياً: وهي شهادة قررها محافظ هذه المحافظة ومدير شرطتها والمسئولون فيها في دور هذه المخيمات في مكافحة المخدرات وإقلاع الشباب عنها، فبسبب البرنامج الشهير الذي كان يجذب هؤلاء الشباب الذين ربما لا يأتون إلى المساجد في المحاضرات ولا تعجبهم بعض تلك البرامج التي يصفونها بأنها متشددة أو منغلقة، جاءوا بالآلاف وأقلعوا أمام الناس وعلى مرأى منهم ومع الكاميرات التي صورتهم؛ أقلعوا عن التدخين، وأقلعوا عن استخدام الحبوب المخدرة، ورأى ذلك المسئولون في الأمن وأشادوا به وعرفوا به. وصورة ثالثة أيضاً: وهي ما يتعلق بالإيجابيات التي تدفع إلى سلوكيات أخرى، فثمة مسابقات في البحوث، ومسابقات في الأسئلة والأجوبة تدفع أبناءنا في هذه الأوقات إلى أن يقرءوا وأن يطلعوا. والقراءة قد دفنت فلا نكاد نجد من شبابنا قارئاً يحسن قراءة نص من النصوص أو يحفظه، أو يقرأ التاريخ أو غير ذلك. هذه جوانب أخرى غير الجوانب الأساسية في هذه البرامج، فكم في هذا من خير وكم في هؤلاء الثمانمائة ألف -وهم في برنامج واحد ومخيم واحد- من انتفعوا بكلمة بارك الله فيها، وعرفوا حكماً كانوا جاهلين به، ومنهم من تحمسوا إلى عمل وبذل كانوا معرضين عنه، ومنهم من أقلعوا عن إثم ومحرم كانوا مرتكبين له.

стр. 83

تشويه المرجفين والدخلاء للمخيمات الصيفية والمتدينين ثم يأتينا اليوم كما أتانا من قبل من يقول: إن هذه المخيمات تفرخ الإرهاب وتنتج القتل والتدمير! ويقول لنا: إنها تمثل أحادية الرأي وتسلط الفكر وقهر الآخر، وتجعل الناس يقطبون وجوههم ويعبسونها فلا تكاد ترى فيها ابتسامة ولا تسمع كلمة طيبة. وأجزم جزماً أن واحداً من هؤلاء لم يدخل مثل هذه المخيمات ولم يعرف برامجها، وقد قرأت اليوم نصوصاً من صحافة اليوم تحدثنا عن بعض هذه الصور مقرونة بجانب آخر وهو جانب التعليم والمدارس. فهذا كاتب يقول عن بعض البرامج التي قدمت في المدارس لكي تكون فيها مواطن عظة وعبرة وفيها صور أخرى لم يذكرها من مواطن الترفيه والتنشيط؛ فيذكر لنا ويقول في سياق النشاط الذي يقدم في المدارس ناهيك عن تلك الأفلام التي تعرض في مدارس البنات أيضاً، وفيها تصوير لمجازر ومشاهد الذبح والقتل والدمار وأفظع الجرائم التي ارتكبت في البوسنة والهرسك والشيشان، ثم يعلق مباشرة ويقول: ألا تؤدي تلك المشاهد إلى تكريس الكراهية للآخر في نفوس النشء ودون تمييز؟! ثم يقول: لأنه لا يقابلها ثقافة إيجابية توفر لهم معرفة حقيقية بالآخر! يرى أن تعريف أبنائنا بجرائم الأعداء وضرب أمثلة اجتمعت البشرية كلها -إذا صح التعبير- على إنكارها؛ غير ملائم ولا مناسب. ثم يقول: إنه تذكر أيام كان طالباً في المدرسة، يقول: وكانت لدينا جمعيات مختلفة: جمعية للعلوم وجمعية للرياضيات وجمعية للتوعية الإسلامية، ثم يخبرنا عن هذه الجمعيات فيقول: كانت مجرد أسماء وكانت تتعرض للعطل وتتوقف عن العمل، وكأنها آلة ليس لها إلا هيكل من الخارج ولا محرك لها من الداخل. ثم ينتقل إلى جمعية التوعية الإسلامية فيقول عنها: كانت شديدة النشاط قوية الهمة تنظم المخيمات وتقيم المحاضرات، وتلقي الخطب وتوزع الأشرطة كما كانت تتخذ لها مقراً داخل المدرسة. وكأنه بهذه المقارنة يدين نفسه لكنه يستدرك ويقول: كنت أمر بجانب هذا المقر وأرى فيه من الداخل صخوراً وصوراً توحي بأنك في كهف مظلم وإضاءة خافتة! ويقول: إني لم أدخل هذا المكان؛ لأنه كان يعبر عن شيء من الخوف والرهبة! لست أدري ماذا يقول هؤلاء وما الذي يريدونه لأبنائنا إذا كان هذا تفكيرهم وتصويرهم الذي لا أعتقد أنه مبالغ فيه فحسب، بل أعتقد أنه مجانب للحقيقة، فأي مقر لنشاط مدرسي فيه صخور وظلمة وفيه مثل هذا الذي يصور ويقال؟! وهكذا نجد مثل هذا في كتابة أخرى تصور لنا صراع الأجيال، وتصوروا أن هذا الوصف الذي يكتب في صحافتنا يبين فيها اختلاف الأب عن جيل جديد من الأبناء سماه هو: جيل (استر أكادم) وجيل الفضائيات، وجيل الإنترنت، وجيل ثالث هو الجيل المفكر فكراً انحرافياً حداثياً انكسر من قبل، ويزعم ويقول: إن في كل بيت من بيوتنا هذه الأصناف الثلاثة. وأجزم بأنه مخطئ قطعاً وأن الوجود الذي يصفه وجود محدود لو شئنا أن نبحث لوجدنا النسب تشهد بغير ذلك. يقول في وصفه للأب: سنجد في البيت أباً متديناً يلبس الثياب القصيرة ويصلي الصلوات كلها في المسجد وله المرجعية الدينية التي يتعامل معها ومع أحاديثها على منزلة التقديس؛ محافظاً على كل ما تشير به هذه المرجعيات من القيم والالتزامات الدينية والخلقية. إنه في هذا الوصف يعطينا وصفاً لا نرى فيها عجباً، بل نراه هو الوصف الطبعي، وكما قلت من قبل: لم لا يكون المسلم متبعاً لسنة نبيه ﷺ ؟! ولم لا يكون معظماً ومقدراً لعلماء الأمة ومستمعاً ومصغياً إليهم؟! ويقولون لنا: إن الإرهاب سببه عدم شيوع العلم وعدم الاستماع إلى العلماء! ولم لا يكون الإنسان مصلياً كل صلواته في المسجد، وهل بنيت المساجد لغير ذلك؟ ألم يقل النبي ﷺ -كما روى مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ في صفة المسلم أنه يلبي الصلوات حيث ينادى بهن؟! أي: في المساجد، ألم يقل النبي ﷺ كما صح من حديث أبي هريرة (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أخالف إلى أقوام لا يشهدون الصلاة في المساجد فأحرق عليهم بيوتهم؟). ألم يكن من دلائل النفاق -كما نص على ذلك حديث رسول الله ﷺ عدم الحرص على أداء الصلوات في الجماعة؟! ألم يقل الصحابة: كان لا يتخلف عنها -أي: العشاء والفجر- إلا منافق معلوم النفاق؟! فيصور هذا على أنه مدرسة قديمة، ثم يصور لنا جيلاً جديداً ووصف لنا شعره ووصف لنا لباسه، ووصف لنا تعقله، ثم يأتينا بالحكم، وتأملوا هذا الحكم بنصه كما نشر؛ يقول: الذي سينتصر حتماً جيل التكنولوجيا والاتصالات، وهو القادم والآخران مدبران، وهو الآتي ومعه مفاتيح الزمن ومعطياته. ويصور لنا أن كل متدين ملتزم لا يعرف الكمبيوتر والحاسب الآلي ولا يعرف العلوم الحديثة، ويعيش في العصور الوسطى ويعيش في الكهف الذي صوره لنا في مدرسته كما يزعم. والواقع يشهد بخلاف ذلك، فدورات القرآن اليوم تدرس الحاسوب، ومخيمات الدعوة تقدم الدورات التدريبية والعلمية الحديثة، وتشهد بكذب هذه الادعاءات وزورها وأنها إنما تعبر عن خيالات وأوهام في رءوس أصحابها، أو عن مرض في نفوسهم وقلوبهم، أو عن عمالة! ولا ندخل في نياتهم، لكن واقعنا يشهد بغير ما يطرحونه وما يصورونه. وهنا ينبغي لنا أن نقف هذه الوقفة المهمة ونحن على أبواب الصيف، إما الإهدار وإما الاستثمار؛ فثمة أوقات كثيرة وطاقات عديدة وبرامج متنوعة وصور للاستثمار ينبغي أن يحرص عليها، أسأل الله جل وعلا أن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد وأن يلهمنا الرشد والصواب، وأن يحفظ علينا وعلى أبنائنا وبناتنا الأوقات والطاقات، وأن يسخرها في الطاعات، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 84

قبل أن نقول: الصيف ضيعت اللبن ! الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى بشكل عام اغتنام الأوقات وعمرانها بالطاعات، والحذر من الغفلة، والإسراف في الشهوات. وهنا أستحضر بعض أمثلة العرب ومن أشهرها فيما يتعلق بموضوعنا: (الصيف ضيعت اللبن)! قد نقف بعد عدة أشهر وقد انتهى الصيف وقد يقول بعضنا لنفسه: (الصيف ضيعت اللبن)! أي: ينقضي الوقت ويمر على الأبناء والبنات والآباء والأمهات والمجتمع، ونرى ما نراه في كل عام من سهر حتى انشقاق الفجر، ونوم حتى انتصاف النهار، وتبديد للطاقات بلا فائدة ولا نفع، ونصدق أيضاً عندما نجد بعض الأمور المؤلمة من الحوادث المرورية أو من الجنايات الأخلاقية، ونشكو منها عموماً وفي الصيف خصوصاً، وأقول حينئذ: يداك أوكتا وفوك نفخ، فأنت الذي أسهمت في هذا وكنت عاملاً من عوامله. فينبغي لنا ونحن في هذه الأوقات قبل بدء الإجازات أن نحزم أمرنا وأن نرتب أوقاتنا وأن نجتمع بأبنائنا وبناتنا، وأن نفتح لهم القنوات، وأن نحثهم على النشاطات، وأن نجعل بيوتنا وكأنها مخيمات أو مراكز صيفية، ولنجعل بعض المسابقات بين الأبناء والبنات، ولنجعل بعض البرامج الترفيهية؛ لئلا تستولي عليهم القنوات والتجمعات وغير ذلك من الأمور التي تعلمونها وتعرفونها. وكما قلت: نسبة الإهدار عظيمة وعظيمة جداً، ولعلي أحث مرة أخرى على أن نتبنى جميعاً في هذا الصيف برامج تتعلق بتربية أبنائنا على تعظيم وتقديس القرآن من جهة، وعلى خدمته ونشره والدعوة إليه من جهة أخرى، ويكفي أن أقول لكم: إن بلاداً مسلمة عربية فضلاً عن غيرها من البلاد الإسلامية لا يوجد لكل مسلم فيها مصحف، بل إن في بعض بلادنا العربية يمزق المصحف تمزيقاً حتى يوزع بين عدد من الأسر؛ لأنه لا توجد أعداد كافية من المصاحف، وقد يكون في بيوتنا فائض يمكن أن نوجهه إلى من ليس عندهم أو إلى من يحتاجون إلى ذلك. خذ وفكر في أي مجال نحول هذا السلوك الذي نستنكره بقلوبنا ونصيح فيه ونجعجع حوله بألسنتنا ولكننا لا ننشئ شيئاً مقابلاً وتياراً معاكساً، ويكفي أن أقول: إنما حدث من هذه الأحداث ينبغي أن يشكل برنامجاً عملياً لكل فرد في الأمة لنصرة القرآن من الناحية العملية في نفسه وسلوكه وأسرته، وفيما يقدمه لمجتمعه، فنحن أحياناً نزيد الصراخ ونزيد البكاء، لكننا في كثير من الأوقات لا نجيد العمل، فلماذا لا نتحول إلى العمل الذي نواجه به قصور أنفسنا وانحراف مجتمعاتنا وتفريط أبنائنا، وتغير أفكارنا، وشيئاً من شذوذ نفسياتنا. كل ذلك نحن في حاجة إليه، نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلا وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب. اللهم تولَّ أمرنا وارحم ضعفنا واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، اللهم أنزل علينا من رحماتك وأفض علينا البركات، واغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آت وبلغنا فيما يرضيك آمالنا يا رب الأرض والسماوات! اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم إنا نسألك أن تحفظنا وأبناءنا وبناتنا بالإسلام قائمين، وأن تحفظنا بالإسلام قاعدين، وأن تحسن ختامنا، وأن تجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن تجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا. اللهم أنطق ألسنتنا بذكرك، واملأ قلوبنا بحبك، وسخر جوارحنا لطاعتك، واستخدمنا في نصرة دينك. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحضه عليه يا سميع الدعاء! اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، اللهم احفظ لها أمنها وإيمانها وسلمها وإسلامها وسعة عيشها ورغد رزقها يا رب العالمين! اللهم عليك بسائر أعداء الإسلام والمسلمين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً؛ أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم زلزل الأرض من تحت أقدامهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. اللهم رحمتك ولطفك بإخواننا المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين في كل مكان يا رب العالمين؛ اللهم امسح عبرتهم وسكن لوعتهم وفرج همهم ونفس كربهم وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم وزد إيمانهم، وعظم يقينهم واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعل ذلك فتنة لهم في الدين. اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، يا سميع الدعاء! اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

стр. 85

خطبة عيد الفطر نِعَمُ الله علينا كثيرة، وفضائله تجاهنا وفيرة، فيجب شكر الله وحمده عليها، ويجب أن يحذر المسلمون كل الحذر من مقابلتها بالذنوب والمعاصي، فإن الذنوب والمعاصي تزيل النعم، والنعم إذا شُكرت قرت، وإذا كُفرت فرت.

стр. 86

كثرة نعم الله وأهمية استشعارها الحمد لله، الحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، والله أكبر كبيراً. الحمد لله خلق كل شيء وقدره تقديراً. الله أكبر كبيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. الله أكبر كلما صلى مؤمن وأناب. الله أكبر كلما رجع مذنب وتاب. الحمد لله كثيراً، والله أكبر كبيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. الحمد لله على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وحبيبنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: معاشر المؤمنين! العيد فرحة، والفرحة لا تكون إلا بالنعمة، والنعمة نعمتان: نعمة باطنة، وأخرى ظاهرة، نعمة معنوية وثانية حسية، نعمة روحية وأخرى بدنية، ولقد أتم الله علينا نعمته، وزادنا من فضله، فالحمد لله كثيراً، والله أكبر كبيراً. إن المتأمل من أهل الإيمان يستشعر عظمة نعمة الحق في نعمة الإيمان والإسلام، ونعمة الطاعة والعبادة، ونعمة الأمن والأمان، ونعمة الرزق ورغد العيش، ونعم أخبر الله جل وعلا أن أحداً لا يستطيع حصرها، ولا يمكن أن يقدر قدرها، ولا أن يوفيها حق شكرها، كما قال : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]. فالحمد لله كثيراً، والله أكبر كبيراً، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣].

стр. 87

الفرحة بالعيد أحبتنا! إخواننا! أهل ملتنا وديننا! العيد فرحة عظمى؛ لكنها فرحة دين، لكنها فرحة طاعة، لكنها فرحة عبادة، قال : ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:٥٨]، فلا تخرج أفراحنا عن ديننا، بل إن ديننا هو سبب أفراحنا، فما من عيد إلا بعد ركن وطاعة وعبادة من العبادات العظمى التي تجمع أهل الإسلام والإيمان في كل الأقطار على صفة واحدة وهيئة واحدة، فما أجلها من نعمة! وما أعظمها!

стр. 88

أهمية التأمل في نعمة الإسلام والإيمان تأمل أخي! هذه النعم: نعمة الإيمان والإسلام، قال : ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن:١١]، والله جل وعلا يسوق لنا النعم في سياق منته وفضله علينا، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥]، أليست نعمة الإيمان نشعر بها طمأنينة قلب، وسكينة نفس، وهدوء بال، واستقامة جوارح، وبركة رزق، ورغد عيش، وخيراً كثيراً ليس له أول ولا آخر؟ ألسنا نشعر بهذه النعم ونستحضر قول الحق جل وعلا: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١٧]؟ إننا نستشعر هذه النعمة كلما رأينا قسوة القلوب، وظلمة النفوس، وضلال العقول، وانحراف السلوك فيما نراه في هذا العالم من حولنا يموج بالكفر، ويفيض بالعهر والفسق نسأل الله السلامة! فالحمد لله كثيراً، والله أكبر كبيراً: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣].

стр. 89

وجوب شكر النعم بالقول والفعل وحتى تستشعر هذه النعم تحتاج منك إلى ذكرها، وتحتاج منك إلى شكرها، قال : ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، فمن أراد هذه النعمة أن تبقى وأن تحفظ، وأن تزاد وأن تضاف؛ فإن طريق ذلك شكرها، وشكر النعم يكون في الباطن إقراراً واعترافاً ورضاً وتسليماً، ويكون شكر النعم في الظاهر قولاً وإظهاراً لها وإشهاراً لها وإعلاناً بها، فنحن نؤذن كل يوم، ونردد الصلاة على النبي ﷺ في كل صلاة، ونذكر الشهادتين في كل الأحوال تحدثاً بنعمة الله وإظهاراً لها. ثم بعد ذلك يجب شكر النعم بالأفعال، قال : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، فتلك هي ما ينبغي لنا أن نحرص عليها، وأن نتواصى بها، وأن يكون لنا حظ دائم منها؛ عل الله أن يزيد لنا فضله، ويضاعف علينا نعمه، ويواصل بنا لطفه .

стр. 90

نعمة الاستقامة، وأهمية الاستمرار عليها ونحن في هذه الديار قرب مهبط الرسالة العظيمة ومثوى الرسول الكريم ﷺ نشعر بهذه النعمة، فلا نرى في جملة أحوالنا ما يناقضها ولا ما يعارضها، ولا ما يخالفها أو ينحرف بها عن مسارها، وتلك نعمة عظمى يعرفها من رأى غيرها في بلاد الإسلام المختلفة. فالحمد لله كثيراً، والله أكبر كبيراً، نحمد الله على نعمة الطاعة والعبادة، ففي رمضان كان القرآن يتلى في المحاريب، وكانت المساجد تغص بالمصلين، وكان الإنفاق في كل الأحوال وفي سائر الأوضاع، وكانت القلوب لله خاشعة، والعيون من خشيته باكية، والأيدي تسأل من عطائه ضارعة، فالله الله! في هذه النعمة أن نقدر قدرها، إنها نعمة يحرم منها كثير من الناس، فنعمة الطاعة والتوفيق لها، ونعمة العبادة والاستقامة عليها من أعظم نعم هذه الدنيا التي تنفعنا في الآخرة، قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢]. ولما طلب بعض الصحابة من النبي ﷺ أن يوجز خلاصة الإسلام كله قال: (قل: آمنت بالله، ثم استقم)، فهي نعمة عظمى كما قال الحق جل وعلا: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء:١٦٢] كل هؤلاء في سياق واحد: ﴿أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٦٢]. إنها نعمة عظيمة ينبغي أن نستشعرها إذا استشعرنا غيرها، إذا استشعرنا يوم مرض أقعدنا عن الطاعة، أو استشعرنا شبهة شوشت علينا الاستقامة، أو وقعنا أسرى لشهوة أغرقتنا في معصية. فكم نرى من الناس أسارى شهواتهم! وكم نرى من الناس قاعدين مع ضعف نفوسهم وهممهم! وكم رأينا المساجد ممتلئة وكانت الأسواق بالناس غاصة! أليس أولئك محرومين من تلك النعمة؟! أليس الذين شغلوا بالأدنى عن الذي هو أسمى قد فقدوا خيراً كثيراً، وحرموا نعمة عظيمة؟! إنها نعمة ينبغي لنا أن نتدبرها، وأن نتأملها، وأن نذكرها، وأن نشكرها، وليس شكرها إلا بالاستقامة عليها، فينبغي ألا تعود المساجد خاوية بعد أن كانت ممتلئة، وألا تعود المصاحف مهجورة بعد أن كانت متلوة، وألا تعود الصلات منقطعة بعد أن كانت ممتدة، فلا ينبغي أن نرتد على أعقابنا خاسرين، ولا ينبغي لنا أن نبدد ما أكرمنا الله به من الخيرات وما ضاعف لنا من الحسنات فنمحقها بالمخالفات، ونبيدها ونضاعف أضعافها مما يعاكسها ويناقضها من السيئات، فنسأل الله أن يوفقنا لذكر نعمته وشكرها، والحمد لله كثيراً، والله أكبر كبيراً!

стр. 91

نعمة الأمن والأمان نحن أيضاً في نعمة أمن وأمان، نعمة نتفيأ فيها ظلال الطاعة والقلوب مطمئنة، والنفوس مستقرة، والأحوال هادئة، والأهل والأولاد محيطون، فتأمل هذه النعمة! لو رأيتها وحدها لرأيت أن كل ما في الدنيا لا يقدر مقدارها؛ بل لا يأتي عشر معشارها، فكيف بما هو سابق لها من تلك النعم كالإيمان والعبادة والطاعة؟! قال : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧]، ألسنا نرى أحوال إخواننا في العراق؛ لا يأمن أحدهم على نفسه، لا يستطيع أن يجتمع بأهله، لا يدري إذا خرج هل يرجع إلى سربه؟! ألا نتذكر حديث المصطفى ﷺ : (من بات آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها)، وذكر أهل العلم في تفسير قول الله : ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة:٢٠] قالوا: من كان له سكن وخادم، وعنده قوت يومه فهو ملك. فكلنا أو جلنا ملوك بفضل الله .

стр. 92

التحذير من ازدراء نعم الله والتذمر منها يأتي من ينظر إلى شيء من تعسير أو قلة ذات يد فإذا به يجحد، وإذا به يتذمر، وإذا به يعترض على قسم الله ، وينسى النعم العظيمة الكثيرة التي عليه. إننا نعرف وندرك أن أربعة وخمسين ألفاً في غضون أيام قلائل ماتوا في زلزال باكستان، ويتبعهم أكثر من سبعة وسبعين ألفاً من الجرحى، وما يقرب من أربعة ملايين من المشردين، إننا نسمع التقارير عن أربعة ملايين ونصف مليون من الأيتام في بلد واحد! فأين هذا كله مما نحن فيه من نعم الله ؟ فكيف تجحد وتنسى؟ ألا نتذكر وننتبه لحديث النبي ﷺ الذي رواه مسلم من رواية أبي هريرة عن رسول الله ﵊ أنه قال: (انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم). قم بزيارة هذا اليوم إلى إحدى المستشفيات، فستحمد الله أنك تمشي على قدميك، وأنك تبصر بعينيك، وأنك تأكل الطعام فتستلذه، ولا يصيبك شيء مما لو قلت لأحدهم: ما تريد؟ لقال: عافية بدني وصحة جسدي. أفليست هذه نعماً؟! وقد روى هذا الحديث الترمذي بلفظ أكثر وضوحاً وجلاءً من رواية أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: (من رأى من فُضل عليه في الخلق والرزق -كما نرى اليوم ونقول: هذا عنده السيارات، وعنده الفلل والقصور، وعنده الأموال- فلينظر إلى من أسفل منه -ممن فضل هو عليه- فإنه أجدر ألا يزدري نعمة الله عليه). فكم هذه النعم تحتاج منا إلى أن نتذكرها وأن نشكرها! وكم هي نعم الله وفيرة! فالحمد لله كثيراً، والله أكبر كبيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.

стр. 93

أهمية إظهار نعم الله إن نعم الله الكثيرة تحتاج منا إلى أن نذكرها، وألا نضيق على أنفسنا، فنحن لا نقول ذلك لكي يكون هناك شيء من عدم إظهار نعمة الله؛ كلا، فقد روى أبو داود والنسائي في سننهما والإمام أحمد في مسنده: (أن النبي ﷺ أقبل عليه رجل في ثوب دون -أي: غير حسن، وغير مناسب- فقال له ﷺ : ألك مال؟ فقال الرجل: نعم؛ من كل المال. فقال: ما هو مالك؟ قال: الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق. فقال ﷺ : إذا آتاك الله مالاً فلير عليك أثر نعمته وكرامته).

стр. 94

تحريم استخدام نعم الله في الحرام قال : ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:٣٢]، لكن بطراً أو أشراً أو تبذيراً يحصل من الناس في مثل هذه الأيام؛ وكأنما هو عدم إقرار بهذه النعم، أو كأنما هو -والعياذ بالله- استجلاب لمحقها؛ إذ توضع في غير موضعها، وخاصة إذا استغلت النعمة فيما حرم الله، فمن أنفق مالاً ليقتني ما حرم الله، أو ليدخل إلى الأماكن التي فيها ما حرم الله، أو ليعين على شيء مما حرم الله فإنه قد جحد أعظم جحود لنعمة الله يوم جعلها في معصية الله التي آتاه الله إياها. وعجباً لأمر الناس! خير الله إليهم نازل، وشرهم إليه صاعد! يتحبب إليهم بالنعم، ويتبغضون إليه بالمعاصي! ونعمتنا أن أفراحنا دين وعبادة وطاعة، كما قال : ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥].

стр. 95

فضل صيام ست من شوال إننا في العيد نصل عبادة رمضان، كما قال ﷺ : (ومن صام رمضان، وأتبعه ستاً من شوال فكأنما صام الدهر كله). إننا نصل عبادة بعبادة، وطاعة بطاعة، وبينها ومعها فرح بنعم الله كلها ظاهرة وباطنة، فرح نعلن فيه إقرارنا بفضل الله، ونذكر فيه نعم الله، ونستقيم فيها على شرع الله ، ولا نقع في معصية الله، فالله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً.

стр. 96

نعمة النصر على هوى النفس والشهوات كم هي النعم عظيمة! فالله الله! في هذه النعم الكثيرة الوفيرة، ومنها نعمة النصر. وقد يقول أحدنا: أين هو النصر؟ إنه النصر الأول، إنه النصر الذي لابد منه في كل معركة، إنه انتصار المرء على نفسه وشهوته وضعفه وهواه، لقد كنتم منتصرين حين أعلنتم الحرب على الشيطان، وأعلنتم المعارضة للهوى، وأعلنتم رفض كسل النفوس وميلها إلى الأرض وإخلادها إليها يوم قمتم إلى الله طاعين، يوم ظللتم على مدى شهر كامل صائمين، يوم قطعتم يومكم ونهاركم ذاكرين ضارعين داعين، لقد أعلنتم أنكم بالإيمان تقهرون كل شيء، وتزيلون كل عارض، وتستطيعون بإذن الله أن تنتصروا في كل معركة تواجهون فيها أعداءً حقراء من أولئك البشر الضعاف مهما كانت قوتهم، ومهما تسموا بالقوة العظمى أو الكبرى؛ فإن الله جل وعلا قد ذكر كل قوى الأرض في شطر كلمة فقال: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦]، فكلهم دون الله ، وكلهم لا يستحقون من أهل الإيمان إلا وقفة صدق مع الله ، و ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، فالحمد لله على نعمة النصر على الهوى والشهوة، والحمد لله كثيراً، والله أكبر كبيراً. فاحمدوا الله على نعمه، واثبتوا على طاعته، واستقيموا على شريعته، والحمد لله رب العالمين.

стр. 97

التحذير من كفر نعم الله وعدم تذكرها الحمد لله كثيراً، والله أكبر كبيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. الحمد لله على آلائه ونعمائه، والشكر له على سرائه وعطائه، والصبر له على ما قدر وقضى من بلائه، له الحمد جل وعلا كما يحب ويرضى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، أحمده كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه. وأشهد أن نبيه ورسوله المصطفى ونبيه المجتبى ﷺ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: معاشر المؤمنين! إن الله جل وعلا نبهنا أن نذكر نعمته فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران:١٠٣]، ألم نر ماء الوصل يجري بين القلوب؟ ألم نر روح المحبة تسود بين الأقارب والأحباب؟ ألم نر تلك النعمة العظمى التي قال الله عنها: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة:١١] فاذكروها ذكراً عملياً كل ذلك تذكير بنعم الله . وينبغي لنا الحذر ألا نكون كحال من قال الله عنهم: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا﴾ [الإسراء:٨٣]، أو كحال الذين بدلوا نعمة الله كفراً! وما ذكره الحق جل وعلا في ذلك عظيم جليل يحتاج منا إلى مثل هذا التدبر والتأمل؛ حتى نكون ظاهراً وباطناً على ما يحب الله ويرضى. إن هذه النعم الكثيرة التي قد فاضت وزادت وعظمت في شهرنا الذي مضى تستدعي منا أن نستنظر رحمة الله، وأن نستجلب نعم الله بفيض ذلك الذي كان في هذا الشهر الكريم.

стр. 98

وجوب الاستمرار في أعمال الخير بعد رمضان إن ما وجدناه من الخير والشعور بالرحمة، والإحساس بالنعمة إنما هو لذلك الإيمان والإخلاص والتجرد لله، إنما هو لتلك العبادة والإقبال على الله، إنما هو لذلك الذل والانكسار بين يدي الله، إنما هو لذلك التعلق والتشوق إلى مرضات الله، إنما هو لأجل التضحية والفداء والبذل في سبيل الله؛ فإن أردنا دوام ما أكرمنا الله به في رمضان فليكن لنا كل عامنا رمضان، وليكن لنا كل دهرنا رمضان، فإن تجديد رمضان بتجديد أعمار رمضان، وإن تجديد الخيرات والنعم التي أفاضها الله في رمضان بفعل الأعمال التي استوجبنا بها تلك النعم. وينبغي لنا أن نؤكد مرات ومرات على أن النعم عظيمة، وأن كل نعمة تستدعي تدبراً وتأملاً خاصاً بها.

стр. 99

وصية للنساء وإلى أخواتنا المسلمات حديث توجه به النبي ﷺ عندما خطب العيد ليخصهن بحديث لا يكون إلا لهن وحدهن، وكذلكم نفعل كما فعل ﵊، ونقول: أختي المسلمة ذات الصحة والعافية! ذات الجمال والبهاء والوضاءة! لا تجحدي نعمة الله عليكِ بالتبرج والسفور، أو بفعل ما يدعو إلى الفسق والفجور، أو بالتعلق بغير مرضات الله بتلك الأنماط أو الصور التي يغري بها أهل الكفر أو أهل العهر مما تمتلئ به القنوات ووسائل الإعلام التي تريد اليوم أن تمسخ ما كان بالأمس، وأن تمحق كل خير أصابته نفوسنا، وكل نور أشرقت به قلوبنا، وكل طاعة استقامت عليها جوارحنا. فالحذر الحذر! أخيتي المسلمة! من أن تكوني سبباً في ضرر نفسك، واستحقاق غضب ربك، أو فتنة غيرك، وإلحاق واستشراء الفساد في أهلك ومجتمعك.

стр. 100

أهمية سؤال الله حفظ النعمة وشكرها الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً. نعم الله لا تُعد ولا تحصى، فاسألوا الله جل وعلا أن يحفظ علينا نعمه، وأن يوفقنا لشكرها، وأن يزيدنا منها بشكرنا عليها، وأن يجعل شكر نعمته نعمة تستوجب شكره عليها، لك الحمد ربنا على آلائك ونعمك التي لا تعد ولا تحصى حمداً كما تحب وترضى، أنت أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم أتم علينا نعمتك، وأوف لنا فضلك، وأكمل علينا نعمتك يا رب العالمين! نسألك اللهم المزيد من فضلك ونعمتك يا أكرم الأكرمين. اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا. اللهم يا أرحم الراحمين! نسألك في هذه الأيام المباركة اللطف بإخواننا المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى والمنكوبين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جياع فأطعمهم، خائفون فأمنهم، مشردون فسكنهم. اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين. اللهم اجعل لنا ولهم من كل همّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم إنا نسألك أن تكون قد ختمت لنا رمضان بالمغفرة والقبول والرضوان، والعتق من النيران. اللهم ارزقنا الاستقامة على الطاعات بعد رمضان، اللهم وارزقنا صلة رمضان بصوم التطوعات يا رحيم! يا رحمان! اللهم وفقنا في غير رمضان إلى الإنفاق في سبيلك، وإلى مد حبال الوصل لإخواننا في كل مكان. اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تلطف بهم فيما تجري به المقادير، اللهم ثبتهم في وجوه الصهاينة المعتدين. اللهم أخرج أولئك المجرمين من المسجد الأقصى أذلة صاغرين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢].

стр. 101

في صحبة الإمام أحمد المقصد من عرض سير العلماء والدعاة والمصلحين هو أخذ العظة والعبرة، والاستفادة من مواقفهم عند حلول الفتن، وكيف صبروا وثبتوا على الحق، وإن قتلوا وحبسوا وعذبوا. وعندما يطالع المسلم تلك النماذج لا يسعه إلا أن يقتدي بأولئك الرجال الأفذاذ، ويصبر كما صبروا، ويرجو الثواب والأجر من الله.

стр. 102

جولات وقبسات من مواقف وسيرة الإمام أحمد بن حنبل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذا موعدنا مع الدرس السابع والأربعين، وهو بعنوان: في صحبة الإمام أحمد، وهي صحبة كريمة مع إمام جليل، وغرض الصحبة أن ننظر في حاله، وأن نستمع إلى أقواله، وأن نقتبس من أفعاله، غير أنا جزماً لا نزعم أنا نحيط بسيرته، ولا نجمع جميع دروس وعبر مواقفه وأقواله وأفعاله، فإن المدعي لذلك كمن يدعي قدرته على أن يجمع ماء البحر في قارورة، فلو ادعى ذلك فلن يحظى إلا بقدر ملء هذه القارورة من ماء البحر، وحسبنا أن نغترف من بحر علمه وفضله وجوده وكرمه وجميع خلاله الحميدة، فإن في ذلك ما ينفع ويهدي بإذن الله ، في زمن قل فيه الثقات، وصعد فيه النكرات، واختلطت فيه الأولويات، وقل من الناس من عاد يميز بين الغث والسمين، ومن يفقه فقه أولئك الأئمة رحمة الله عليهم ورضوان الله عنهم، وكما قال القائل أقول: من أين أبدأ قولي أيها البطل وأنت أبعد مما تخطب الجُمَلُ كل القوافي التي استنصرتها وقفت مبهورة وبدا في وجهها الوجل ماذا نقول وصرح العلم شامخة أركانه وبناء المجد مكتمل ماذا تقول قوافي الشعر عن رجل كل يقول له هذا هو الرجل ولذلك حسبنا ومضات وقبسات من مواقف وسيرة الإمام الجليل أحمد رحمة الله عليه؛ وسنمضي بصحبة متنوعة، غرضنا منها أن نرى التمايز والبون الشاسع بينما كانوا عليه وما صرنا إليه، عل ذلك يقوي العزم على اقتفاء آثار السلف، وأن نفقه فقههم الإيماني، وأن نسلك سلوكهم القرآني، فنبدأ مع الإمام أحمد بعيداً عما تستلهمه التراجم من ذكر المولد والشيوخ والتلاميذ، وما يتعلق بالرحلة في طلب العلم ونحو ذلك؛ لأنا نريد أن نخلص إلى ما هو أكثر تأثيراً فينا واحتياجاً لنا بإذن الله .

стр. 103

الجولة الأولى: قبسات ومواقف من ورع الإمام أحمد نمضي في جولة مع الصبي الورع، إذ كان رحمة الله عليه صفحةً بيضاء مشرقة، كتب الله له أن يكون على حظ وافر من النجابة والذكاء، ومن العلم والفطنة ومن الصفاء والطهارة منذ نعومة أظفاره؛ فهذه الروايات في ترجمته تذكر أنه كان في الكتاب كما يروي أبو عفيف أحد أقرانه يقول: كان معنا في الكُتّاب وهو غليم نعرف فضله، وكان الناس الرجال والنساء تأتيهم الكتابات والمراسلات ممن لا يعرفون الكتابة ربما أرسلوا إلى المعلم يقولون له: ابعث لنا أحمد بن حنبل حتى يكتب لنا، فكان يبعث لهم بـ أحمد بن حنبل وكان يذهب إليهم وهو مطأطئ الرأس من حيائه وغض بصره مع كونه صبياً صغيراً، فيكتب جواب كتبهم! فربما أملوا عليه الشيء من المنكر فلا يكتبه لهم، فهذا وهو صغير يأبى أن يكتب ما فيه منكر، بل كان يعف ويتورع عن ذلك. وكان إبراهيم بن شماس يقول: كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام صغير وهو يحيي الليل منذ نعومة أظفاره. ومن القصص المؤثرة والدالة على حسن سمته وعظيم رعاية الله له ما ذكره داود بن بسطام حيث يقول: أبطأت علي أخبار بغداد أي: الأخبار والأحوال التي كانوا يتناقلونها ويكتبونها عبر البريد إلى الولايات وإلى المسئولين أو إلى الخليفة، قال: فوجهت إلى عم أبي عبد الله أحمد بن حنبل؛ لأن عمه هو الذي كان يبعث بالأخبار. فقلت له: لم تصل إلينا الأخبار اليوم وكنت أريد أن أحررها وأوصلها إلى الخليفة، فقال لي: قد بعثت بها مع ابن أخي أحمد؛ ثم بحث عن أحمد وجاء به وقال له: أليس قد بعثت معك بالأخبار؟ قال: نعم، قال: فلأي شيء لم توصلها؟ قال: أنا أرفع هذه الأخبار قد رميت بها في الماء؛ لأن فيها من المنكر ومن الظلم فلا أرفع مثل تلك الأخبار. رمى بها في الماء ولم ينتظر مشاورة ولا مراجعة، إنه يتورع وهو في سن الطفولة، قال ابن بسطام: هذا غلام يتورع فكيف نحن؟! فهذه القصة تدلنا على عظيم أثر التربية في الصغر، مع أنا نعلم أن الإمام أحمد ولد في بغداد سنة (١٦٤هـ) ومات والده وهو صغير ابن ثلاث سنوات، لكنه تربى تربية إيمانية صبغته بهذا النهج القوي منذ صغره. وكما ذكر أبو بكر بن الأثرم قال: أخبرني من كان يطلب الحديث مع أحمد بن حنبل قال: ما زال أبو عبد الله بائناً من أصحابه؛ منذ صغره وهو متميز، وهذه الوقفة تدلنا على ما للتربية الإيمانية في الصغر من أثر ومن استقرار، وإذا ربي الصغير على هذه المعاني الإيمانية فإنها تصبح ملكةً ذاتية وطبيعةً نفسية وسلوكاً دائماً لا يخشى عليه بإذن الله أن يتغير؛ لأنه كما قيل: العلم في الصغر كالنقش في الحجر، ومن شب على شيء شاب عليه. فلذلك الإسلام أمر بتربية الصغير والعناية به من الصغر؛ لما لذلك من أثر في استقرار الكلمات والأفعال والصور في ذهن الصغير وإن لم يكن عاقلاً مدركاً، فإن من السنن عندما يستهل الوليد صارخاً أن يؤذن في أذنه اليمنى وأن يقام في أذنه الأخرى؛ حتى يكون أول شيء يسمعه في هذه الدنيا شهادة التوحيد والدعوة إلى الصلاة والفلاح، ثم يحنك، ثم تكون هناك من الأمور والدلائل في التربية ما يدل على أثرها وإن لم يكن الصغير يعقل معناها، كأن لا يكذب عليه كذبة -كما يقولون- صغيرة أو بيضاء أو نحو ذلك.

стр. 104

الجولة الثانية: قبسات ومواقف من طلب الإمام أحمد للعلم فنمضي مع الطالب المؤدب في جولة أخرى مع طلبه للعلم، لقد كان للإمام أحمد سمت فريد وصفة عجيبة في كمال التوقير لأهل العلم من مشايخه؛ ومن ذلك ما رواه عمرو الناقد قال: كنا عند وكيع وجاء الإمام أحمد بن حنبل، فجعل وكيع يصف من تواضعه ويثني عليه ويكرمه إكراماً عجيباً؛ لما له من منزلة ونجابة كان يعرفها الناس فيه وهو صغير، قال: فقلنا له: يا أبا عبد الله! إن الشيخ يكرمك فما لك لا تتكلم؟ فقال: وإن كان يكرمني فينبغي أن أجله. أي: أن هذا الإكرام جعل عليه من الحياء ما ألجم لسانه، حتى يجل شيخه ولا يجاريه ويصبح مثله في المنزلة، وإن كان قد أفاض في مدحه وثنائه. وقد قال قتيبة بن سعيد وهو من شيوخ الإمام أحمد، وإن كان قد روى عن الإمام أحمد، فـ ابن الجوزي رحمة الله عليه في كتابه (مناقب الإمام أحمد) عقد فصلاً لشيوخ الإمام أحمد الذين رووا عنه؛ لأنه قد بلغ منزلة عالية من العلم واحتاج الناس إلى علمه، فروى بعض شيوخه عنه، ومنهم: قتيبة بن سعيد وهو من شيوخ البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من أهل العلم. يقول قتيبة: قدمت إلى بغداد وما كانت لي همة إلا أن أرى أحمد بن حنبل، فإذا هو قد جاءني مع يحيى بن معين فتذاكرنا، فقام أحمد بن حنبل وجلس بين يدي، فقلت: يا أبا عبد الله! اجلس مكانك، فقال: لا تشتغل بي إنما أريد أن آخذ العلم على وجهه. انظروا كيف جلس بين يديه جلسة الطالب مع أستاذه، وبعضنا في هذه الأزمان التي قل فيها مراعاة الأدب إذا أثنى عليه أستاذه أو كذا فأعطاه كلمة رد عليه بكلمة، وإذا وضع يده على ظهره مكرماً أو مبجلاً ربما فعل مثل فعل شيخه أو أستاذه، وهذا مما يدل على أن قضية الأدب والتوقير ليست على الصورة المطلوبة، وهذه دروس نقتبسها من الإمام أحمد رحمة الله عليه. وهذه قصة تجمع كثيراً من أهل العلم مع الإمام أحمد قال إسحاق الشهيدي: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ثم يستند إلى منارة المسجد، فيقف بين يديه علي بن المديني إمام أهل الجرح والتعديل، والشاذكوني وعمرو بن علي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم يستمعون الحديث وهم قيام على أرجلهم حتى تحين صلاة المغرب لا يقول لأحد منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبةً له ولا يطلبون منه ذلك. قد يقول القائل: في ذلك مبالغة! ولكن أقول: لا يجتمع أمثال هؤلاء على مثل هذه المبالغات تنطعاً أو تكلفاً؛ ولكنها سجية التوقير غرست في نفوسهم، والتعظيم للعلم ولحديث رسول الله ﷺ . قال: أحمد بن سعيد الرازي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله ﷺ ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل. وتأمل هنا! قال: (ما رأيت أحفظ ولا أعلم بفقهه ومعانيه) أي أن العلم السلوكي والتربية الإيمانية قد اقتبسها الإمام أحمد مع الحفظ رحمة الله عليه.

стр. 105

الجولة الثالثة: حسن تعامل الإمام أحمد مع أصدقائه نمضي مع الجولة الثالثة: كيف كانت علاقته وحسن تعامله ولين جانبه مع أصدقائه ولطافته في المعاملة! فإن بعض الناس يظن أن العلم والوقار يقتضي التجهم وعبوس الوجه وتقطيب الجبين أو نحو ذلك وما ثمة شيء، بل ينبغي أن يكون لكل مقام مقال ولكل موضع حال؛ فهذا الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام وهو من أئمة أهل العلم ومن أئمة الإسلام يقول: زرت أحمد بن حنبل فأجلسني في صدر داره وجلس دوني، قال: فقلت: يا أبا عبد الله أليس يقال: صاحب البيت أحق بصدر بيته؟ كما قد يحتج بعض الناس دائماً ببعض النصوص في كل موضع، ولا يعرف الحال الذي قد لا تكون معارضة للنص. فقال الإمام أحمد مباشرة: نعم، يقعد ويقعد فيه من يريد؛ إكراماً له وإجلالاً واستضافة، قال: فقلت في نفسي: خذ إليك يا أبا عبيدة فائدة. إذاً: كان الواحد من السلف يأتي للزيارة لا لمجرد المتعة والفكاهة والكلام والمزاح، وإنما كان يأتي لغرض المذاكرة والانتفاع، فقال في نفسه: خذ إليك فائدة. قال: ثم قلت: يا أبا عبد الله! لو كنت آتيك على نحو ما تستحق لأتيتك كل يوم. أي: لو أنني أزورك على قدر مرتبتك وحقك لكان واجباً علي أن أزورك كل يوم، كأنه يعتذر من قلة زيارته على عظيم قدره. فقال له أيضاً على البديهة: لا تقل هذا، إن لي إخواناً لا ألقاهم إلا في كل سنة مرة، وأنا أوثق بمودتهم ممن ألقى كل يوم. أي المهم أن تعرف صدق المحبة وصدق التعامل وحسنه، وليس الغرض هو كثرة الزيارة ودوامها؛ فإن ذلك ليس بالضرورة. فقال: أبو عبيد: فقلت في نفسي: خذ أخرى يا أبا عبيد، هذه الثانية، قال: فلما أردت القيام قام معي، فقلت: لا تفعل يا أبا عبد الله. كما يفعل بعض الناس الآن عندما يودع ضيفه يقول: في أمان الله، كأنه يطرده من بيته. قال: فقام معي، فقلت: لا تفعل يا أبا عبد الله، فقال الإمام أحمد: قال الشعبي: من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار وتأخذ بركابه؛ قال: قلت: يا أبا عبيد هذه ثالثة. فاستفاد أبو عبيد هذه الثلاث من الإمام أحمد؛ بسبب حسن التعامل مع الزائر والتودد له وهذا من أسباب توطيد عرى المحبة والمودة بين القلوب.

стр. 106

الجولة الرابعة: مواقف من خوف الإمام أحمد من الله نمضي مع الخائف الوجل الإمام أحمد رحمة الله عليه، يقول عبد الله: سمعت أبي يقول: وددت أني نجوت من هذا الأمر كفافاً لا لي ولا علي. هذا الذي كان طاهر الذيل نقي النشأة حافظاً لحديث رسول الله ﵊، كان يعلم ويوقن عظمة المهمة والواجب الملقى على عاتقه، ويعلم قصور العبد وقلة حيلته، ويعلم عظمة الرب وعدم القدرة على إيفاء حقه ، فيقول: وددت أني نجوت كفافاً لا لي ولا علي. وكان إذا دعا له رجل يقول: الأعمال بخواتيمها. وكثيراً ما كان يسمع منه قول: اللهم سلم سلم؛ لأن القلوب الخائفة الوجلة مهما عملت فإنها تبقى على وجل من عدم القبول، أو على وجل من أن تكون الأعمال دون الصور المطلوبة ودون المنزلة المرجوة، ولذلك كما قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] حين نزلت هذه الآية قالت عائشة: (يا رسول الله! الرجل يشرب الخمر ويزني ثم يخاف؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخشى ألا يقبل منه) هذا حال أهل الإيمان، يقول الحسن البصري رحمة الله عليه: لقد لقيت أقواماً هم أخوف منكم ألا تقبل حسناتهم من خوفكم أن تحاسبوا على سيئاتكم. فهم في خوف عظيم أكثر من خوفنا من سيئاتنا، خوفهم أعظم ليس من السيئات لكن من عدم قبول الحسنات، وهذا لا يكون إلا مع استحضار عظمة الله ، وفهم الحق الواجب له ، ولذلك لما سئل الإمام أحمد: كيف أصبحت؟ قال مقالة عجيبة فريدة تدل على عظيم ما كان يفقه من دين الله وما يحمل من أمر الله؛ قال: كيف أصبح مَنْ ربه يطالبه بأداء الفرائض، ورسوله يطالبه بأداء السنة، والملكان يطالبانه بتصحيح العمل، ونفسه تطالبه بهواها، وإبليس يطالبه بالفحشاء، وملك الموت يطالبه بقبض روحه، وعياله يطالبونه بالنفقة؟! كلها أمور يحتاج الإنسان فيها إلى مجاهدة واستقامة على أمر الله، واتباع لسنة رسول الله ﷺ ، وتحر للإخلاص وصدق التوجه لله ، وبراءة من شهوات النفس ومجاهدة لها، محاربة لإغواء الشيطان وتزيينه. وفوق ذلك كله انتظر الموت على وجل وخوف؛ ولذلك كان رحمة الله عليه مع ما له من قدم سابقة في العلم والعمل كان دائماً يستحضر عظمة الله ، والواجب الذي ينبغي أن يكون له، فيرى أن على الإنسان المسلم ألا يكون مطمئناً ولا واثقاً ولا آمناً من مكر الله وعذاب الله .

стр. 107

الجولة الخامسة: مواقف من وقار وهيبة الإمام أحمد نمضي في جولة مع الرجل الوقور، فقد كان رحمة الله عليه مع خوفه لله ومع حسن تعامله مع الناس وقوراً يهابه الناس، فحتى إن شيوخه وأهل العلم والتقوى وأهل الإمامة في الدين كانوا يراعون الإمام أحمد ويهابونه ويوقرونه. فهذا يزيد بن هارون وهو من أعظم شيوخه ومن كبار أهل العلم، قال أحد التلاميذ: كنا في مجلس يزيد بن هارون فمزح يزيد مع مستمليه الذي يملي عليه الحديث فتنحنح أحمد بن حنبل، فضرب يزيد على خده كالمتأسف وقال: ألا أعلمتموني أن أحمد هاهنا حتى لا أمزح. لقد كان الإمام رحمة الله عليه أعظم وأشد توقيراً لحديث رسول الله ﵊ وللعلم. وعن أحمد بن شيبان قال: ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيماً منه لـ أحمد بن حنبل، ولا رأيته أكرم أحداً إكرامه لـ أحمد بن حنبل، وكان يوقر الإمام أحمد ولا يمازحه أبداً. وقال أحدهم: كنا عند إسماعيل بن علية فتكلم إنسان فضحك بعضنا وثم أحمد بن حنبل -أي: جالس معهم- فأتينا إسماعيل بعد ذلك فوجدناه غضبان فقال: أتضحكون وعندي أحمد بن حنبل. من شدة هيبته ووقاره رحمة الله عليه. وهناك قصة لطيفة تدل أيضاً على سمت الإمام رحمة الله عليه: يقول أحمد بن منصور: صحبت الإمام أحمد ويحيى بن معين وكنت خادماً لهما في رحلتهما لطلب الحديث عند عبد الرزاق، ولما رجعا ذهبا إلى أبي نعيم، قال ابن معين: أريد أن أختبر أبا نعيم وحفظه، فقال له الإمام أحمد: لا تفعل فإنه حافظ ثقة، فقال: لا بد لي من ذلك، فعمد إلى ثلاثين حديثاً وجعل في كل عشرة منها حديثاً ليس من حديث أبي نعيم، ثم ذهب ثلاثتهم إليه، فخرج إليهم وجلس معهم على دكة طين عند باب بيته أو قريباً من بيته، فجعل يقرأ عليه أول أحاديثه، فلما جاء إلى الحديث المغلوط قال: هذا ليس من حديثي؛ ثم الثاني قال: هذا ليس من حديثي؛ ثم الثالث فقال: هذا ليس من حديثي، ثم بعد ذلك التفت إلى الثلاثة وقال موجهاً حديثه إلى الإمام أحمد: أما هذا -أي: الإمام أحمد - فأورع من أن يفعل هذا، وأما هذا -يعني: أحمد بن منصور - فأقل من أن يفعل هذا يعني: لا يعرف مثل هذه الأمور. ثم قال: ما فعلها غيرك يا فاعل، قال: ثم رفسه حتى أسقطه من الدكة، فقال الإمام أحمد لما انصرفوا لـ يحيى: ألم أمنعك من الرجل وأقل لك: إنه ثبت؟ قال: والله لرفسته أحب إلي من سفري. وهذه القصة من كتيب لطيف اسمه (من لطائف المحدثين).

стр. 108

الجولة السادسة: مواقف من تعظيم الأئمة للإمام أحمد نمضي بعد ذلك عندما تحقق للإمام أحمد هذه الجوانب كلها من ورع في الصبا، وأدب في العلم، ووقار في الرجولة، وحسن تعامل مع الأصدقاء والقرناء، صار حينئذ إماماً وقدوة، فنمضي معه وهو قدوة الأئمة فنرى أن المقتدى بهم يقتدون بالإمام أحمد، وأن المعظَمين لعلمهم وفضلهم يعظمون الإمام أحمد رحمة الله عليه. فهذا علي بن عبد الله بن جعفر يقول: أعرف أبا عبد الله منذ خمسين سنة في كل يوم وهو يزداد خيراً. لو أن شخصاً خلال خمسين يوماً فقط يزيد في كل يوم عملاً من أعمال الخير لا شك أنه سيأتي بعد هذه الأيام الخمسين وقد تحول تحولاً كبيراً في حياته. ويقول يحيى بن معاذ: أراد الناس أن أكون مثل أحمد بن حنبل، لا والله لا أكون مثل أحمد أبداً. يعني: أنه لا يطيق؛ لأن الإمام أحمد قد بلغ منزلة عظيمة في كل باب من أبواب الخير، حتى انقطعت دون اللحاق به الرقاب. وكان بشر بن الحارث من قرناء الإمام أحمد، وقد ذكر عنه كثير من الأقوال التي تبين تبجيله وتوقيره للإمام أحمد وإبراز إمامته على الأئمة، فها هو يقول عندما ابتلي الإمام أحمد وثبت: إن هذا الرجل قام اليوم بأمر عجز عنه الخلق، أرجو أن يكون ممن نفعه الله بالعلم. وقال أيضاً: أحمد إمام من أئمة المسلمين. ثم لما جاءوا إليه قالوا له: أنت تقول بقول أحمد فلماذا لا تعلن قولك وتقف موقفه؟ فقال: أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء، إن أحمد قام مقام الأنبياء. ولما بلغه أن الإمام أحمد ضرب بالسياط مد بشر رجله وخاطب ساقه قائلاً: ما أقبح هذه الساق ألا يكون فيها القيد نصرة لهذا الرجل، ولكنه قال: هذا مقام النبيين لا أستطيع أن أقومه. هذا مما يدل على أن الإمام أحمد وقف وقفة لم يقفها مثله من العلماء والأئمة، وإن كان ذلك ليس جرحاً فيهم ولكنه علو في منزلة الإمام رحمة الله عليه. وهذا أبو زرعة جمع لنا هذا كله في كلمات وجيزة حيث قال: ما رأت عيني مثل الإمام أحمد، فقال له السائل: في العلم؟ فقال: في العلم والزهد والفقه والمعرفة وكل شيء. وهذا الإمام البويطي رحمة الله عليه من تلامذة الشافعي سجن في المحنة وكتب من سجنه وقال في كتابه: إني لأرجو أن يجزي الله أجر كل ممتنع في هذه المحنة لسيدنا الذي ببغداد. يعني: الإمام أحمد؛ لأنه هو السيد المبجل المقدم في هذا الأمر، وكل من وقف وقفة في هذه المحنة فإنما كان يقتدي بالإمام أحمد؛ فهو الذي كان مقدماً في هذه المحنة. وقال بشر عن الإمام أحمد: أحمد امتحن بالسراء والضراء، وتداولته أربعة خلفاء بعضهم بالضراء وبعضهم بالسراء، فكان فيها مستعصماً بالله ، تداوله المأمون والمعتصم والواثق بعضهم بالضرب والحبس، وبعضهم بالإخافة والترهيب، فما كان في هذه الحال إلا سليم الدين غير تارك له من أجل ضرب ولا حبس، ثم تداوله المتوكل بالتكريم والتعظيم، وبسطت الدنيا عليه فما ركن إليها، ولا انتقل عن حاله الأولى رغبة في الدنيا ولا رغبة في الذكر، وهذا هو الثبات العظيم الذي تميز به الإمام أحمد رحمة الله عليه. من لطائف توقير وتعظيم الأئمة له أن حجاج الشاعر وهو كان من المحدثين وكان يقول: كنت أكون عند الإمام أحمد بن حنبل فأنصرف في الليل -أي: من بيته- فأذكره في الطريق فأبكي؛ شوقاً إلى لقاء الإمام أحمد والانتفاع به. فهذا كلام الأئمة في هذا الإمام الجليل.

стр. 109

الجولة السابعة: مواقف من متابعة الإمام أحمد للرسول ﷺ نمضي أيضاً في جولة أخرى مع السلفي الأصيل الإمام أحمد، كيف كان حريصاً على أن يكون متبعاً للسلف، مع فقه أصيل ومع متابعة دقيقة! سئل الإمام أحمد عن الوساوس والخطرات، فقال: ما تكلم فيها الصحابة والتابعون. فكان يرى أن ما لم يتكلموا فيه من المسائل ولا يحتاج إليه في رد شبهة ونحو ذلك أنه لا يفتح على الناس به، وإلا كان ذلك نوعاً من عدم الفقه بمنهج السلف، إذ لو كان في مثل هذه المسائل من نفع لذكروه، ولذلك كان رحمة الله عليه يحرص على تعلم السنة وفقهها، وكان لا يخوض في أمر إلا إذا علم أن الصحابة خاضوا فيه؛ فإن علم بذلك اتبع رأيهم ونفى غيره، وإن لم يعلم أن الصحابة خاضوا في ذلك الأمر كف عنه واستعصم؛ لأنه يعتقد أن الخروج عن تلك الجادة زيغ عن منهاج السلف وإلحاد في دين الله ؛ لأنهم لم يكونوا يتكلفون التعمق في المسائل العقلية التي كثرت في وقت الإمام رحمة الله عليه، وضل بها كثير من الناس، ولذلك لما سئل عن علم الكلام، كتب إلى السائل قائلاً له: أحسن الله عاقبتك! الذي كنا نسمع عنه وأدركنا عليه من أدركنا أنهم كانوا يكرهون الكلام والجلوس مع أهل الزيغ، وإنما الأمر في التسليم والانتهاء إلى ما في كتاب الله لا تعد ذلك. يعني: لا تزد عليه ولا تبحث عن شيء وراءه. ولم يزل الناس يكرهون الجلوس مع المبتدع ليردوا عليه، إلا إذا احتيج إليه في رد ما شبه على الناس ولبس عليهم في دينهم. يقول الإمام أحمد عن نفسه: ما كتبت حديثاً عن النبي ﷺ إلا وقد عملت به. ومسنده فيه نحو من أربعين ألف حديث، وحتى لو كان بالمكرر فكونه يعمل بكل حديث كتبه فهذا أمر عجيب! وقد ذكر في ترجمته أمور عجيبة من حرصه على المتابعة للمصطفى ﵊، فقد احتجم وما به من علة وأعطى الحجام ديناراً كما فعل النبي ﵊؛ ولما أمر بالاختفاء ذهب إلى بيت بعض أصحابه ومكث فيه ثلاثة أيام ثم قال له: التمس لي طريقاً أخرج، قال: لا آمن عليك، قال: التمس لي وأعطيك فائدة، وهي أن رسول الله ﷺ اختفى في غار حراء ثلاثة أيام ثم خرج فسهل الله أمره. وقال عنه بعض أهل العلم: إنه سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب عنها كلها وفي كل جواب يقول: أخبرنا أو حدثنا؛ ينسب ذلك إلى رسول الله ﵊ وإلى الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانت المسألة امتثالاً يشمل كل ما بلغه عن رسول الله ﵊ وكل ما أثر عن الصحابة رضوان الله عليهم. ونحن اليوم نحتاج إلى مثل هذا الأمر، أن يكون أخذنا بما يبلغنا عن الرسول ﵊ وعن الصحابة أخذاً جاداً عازماً شاملاً كاملاً، لا أن يكون تقويمنا ونظرنا إلى أمور دون أمور، أو إلى حالات دون حالات، بل كما كان عليه الإمام أحمد رحمة الله عليه. يقول عنه عبد الملك الميموني: ما رأت عيني أفضل من الإمام أحمد؛ ما رأيت أحداً من المحدثين أشد تعظيماً لحرمات الله وسنة نبيه ﷺ إذا صحت عنده ولا أشد اتباعاً منه رحمه الله تعالى. فهذه جملة تبين لنا كيف كان الإمام أحمد حريصاً على اتباع السلف، وقطع ما لم يكن في عهدهم من المقالات والمسائل التي شققها الناس وفرعوها وخرجوا بها عن نهج السلف، ولبسوا فيها على الناس دينهم، وكثر فيها القيل والقال، ولم يقفوا فيها عند ما أثر عن المصطفى ﵊ وصحبه الكرام، وقد رويت عن الإمام أحمد في مسائل الفقه أقوال متعددة؛ لأنه لم يكن رحمة الله عليه يرى أن يخرج عن مجموع النصوص، بل كان يرى أنه يفتي بموجب هذه النصوص الواردة، وإن كان ليس بينها تعارض ربما قال بالقولين في المسألة الواحدة ليجري الأثرين أو الحديثين عن رسول الله ﷺ ، ولذلك كان من فقهه في سجود السهو على سبيل المثال أنه قال: يتبع في كل حالة ما كان من فعله ﷺ ، فما روي في النقص من سجود السهو فيتبعه، وما روي في الزيادة من سجود السهو فيتبعه، حذو القذة بالقذة، وهكذا كان رحمة الله عليه إمام أهل السنة في وقته، لحرصه على هذا الاتباع.

стр. 110

الجولة الثامنة: مواقف من تواضع الإمام أحمد وهيبته نأتي إلى جولة أخرى مع المتواضع المخلص الذي كان إماماً للأئمة والذي كان متبعاً للسنة، كان رحمة الله عليه متواضعاً يحب خمول الذكر ويبعد عما يحفه به الناس ويزيدون فيه، وهذا لا شك أنه من أعظم مراحل الإيمان والتقوى، وهو ألا يغتر الإنسان وألا يفتن عندما يوفق إلى بعض الخير، سيما والناس يحفون به، فقد كان أحمد رحمة الله عليه لا يحب أن يتبعه أحد قال ابنه: وربما خرج الجمعة فيتبعه بعض الناس فيقف حتى ينصرفوا عنه؛ لئلا يتبعه أحد؛ يأخذ ذلك من تواضع الصحابة، كما ذكر ابن القيم في الفوائد: (أن ابن مسعود خرج فتبعه بعض الناس، قال: ألكم حاجة؟ قالوا: لا وإنما نتبعك، قال: لا تفعلوا؛ فإنه ذلة للمتبوع، فتنة للتابع) هكذا كان أولئك القوم يحرصون على براءة نفوسهم وطهارة قلوبهم، والحذر من الرياء أو من الكبرياء ونحو ذلك. وهذا ابن معين رحمة الله عليه وهو من أصحاب أحمد والمقربين إليه يقول: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان عليه من الخير والصلاح. أي: لم يذكر يوماً أنه أعلم منهم أو أن عنده فقهاً أكثر منهم، أو أن عنده عبادة أكثر منهم، أو أن عنده أصلاً أو شرفاً أو كذا مطلقاً، مما يدل على أنه لم يكن يرى لنفسه شيئاً، بل كان يرى منزلته بين يدي الله فلا يجد نفسه شيئاً مذكوراً، وكان ينظر إلى الصحابة رضوان الله عليهم فيقيس نفسه إليهم فيرى أنه قزم صغير عند عمالقة عظام رحمة الله عليهم أجمعين. وهو كما هو معروف أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني من قبائل العرب الصحيحة الأصيلة الأقحاح، فهذا محمد بن الفضل الملقب بـ عارم يتردد على أحمد فقال مرة: يا أبا عبد الله؛ بلغني أنك من العرب، فمن أي العرب أنت؟ فقال الإمام أحمد: يا أبا النعمان نحن قوم مساكين. ما أجابه على السؤال. وقيل له مرة: جزاك الله عن الإسلام خيراً. وكم نسمع هذه الكلمة لمن لا يبلغون عشر معشار الإمام أحمد، وإن كانوا على خير وفضل وصلاح؛ قال له رجل مرة: جزاك الله عن الإسلام خيراً؛ فقال له: لا، بل جزى الله الإسلام عني خيراً؛ ثم قال: من أنا وما أنا؟ من هذا الذي يكون له فضل على الإسلام؛ الإسلام هو الذي بصرني بالنهج، وهو الذي رزقني الله به الإيمان، وهو الذي عرفت به الحلال من الحرام، وهو الذي شرفت به في الدنيا وأنجو به في الآخرة بإذن الله . وهذا يدلنا على أن النفس قد تطهرت من هذه الأوضار والأمراض التي تفتك بالنفوس، نسأل الله السلامة، وقيل له مرة: ما أكثر الداعين إليك؟ فاغرورقت عيناه بالدمع وقال: أخشى أن يكون استدراجاً، ثم قال: اللهم إني أسألك أن تجعلني خيراً مما يظنون وأن تغفر لي ما لا يعلمون. مثل ما روي من قول الصديق ﵁. وهكذا كان رحمة الله عليه ولذلك كان الناس يسمعون عن الإمام أحمد بن حنبل، ويسمعون عن تعظيمه وتوقيره وعلمه وصلاحه وموقفه الذي كان شائعاً في الأمة كلها، فكان بعض الناس يظنونه شيئاً غير البشر، حتى إن الذهبي ذكر: أن رجلاً جاء من خراسان ورأى الإمام أحمد بن حنبل فقال: الحمد لله الذي رأيته هكذا؛ فقال له الإمام أحمد: اقعد أي شيء ذا؟ ومن أنا؟ وكان موصوفاً بهذه الهيبة مع كونه على هذا التواضع. إذا رمى بصراً في مجلس هدأت ضوضاؤه واستقر الناس واعتدلوا يشير في هيبة الإيمان تحرسه رعاية الله لا جند ولا خول وليس في كفه سيف يذل به من لا يطيع ولا في ثوبه بلل ولكنها طاعة الرحمن عز بها عزاً له في حياة المصطفى مثل كأنما هو والهامات خاضعة شدا إليها جبال التهم ترتحل
следующие страницы →